تحرير الأصول

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
358 /
3

[ترجمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين. خالق الخلائق اجمعين، الحاكى لنبيه أحسن القصص ليكون هداية للعالمين و الصلاة و السلام على خاتم النبيين و المرسلين، و آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد هذا هو المجلد الاول من كتاب «تحرير الاصول» الذى أفاده أستاذ الفقهاء و المجتهدين و شيخ أكابر الاصوليين آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقى قده لمؤلفه الفقيه الورع أية الله الشيخ مرتضى النجفى المظاهرى الأصبهاني دامت بركاته، الذى هو من أعيان تلاميذ شيخنا العراقى قده، بحيث أقروا لاجتهاده جمهور من فقهاء عصره منهم آيات الله العظام العراقى و النائينى و السيد الأصبهاني و الحائرى (قدس الله أسرارهم)، و غيرهم.

كان دام ظله من نوادر العصر فى الزهد و العبادة دائم الاشتغال بالتأليف و التصنيف، شديد التحرز من مطامع الدنيا و حطامها، يفر من الرئاسة و الاشتهار فرار الغنم من الذئب و من ذلك لا يخرج من بيته الا للضرورة شديد الاهتمام بالتهجد بحيث لا ينام بالليل الا قليلا، كثير الصمت، خفيف المئونة، و كثير الاحتياط، ينتهى نسبه الشريف الى حبيب بن مظاهر الاسدى رضى الله عنه من أصحاب النبى (صلى الله عليه و آله) و من أنصار مولانا الحسين (عليه السلام).

له مؤلفات كثيرة منها رسالة فى العدالة، رسالة فى الوضوء، رسالة فى أحكام الصلح، رسالة فى المكاسب المحرمة، رسالة فى أحكام البيع، رسالة فى القضاء و الشهادات، رسالة فى علمى الدراية و الرجال، كتاب المعارف الرجالية فى مقدمات علم الرجال، و غير ذلك من كتب الاخلاق و الدعاء و الادب منها آداب الدعاء، و قلع الغيبة و أحسن اللغة.

4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين، و لعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

«القول فى موضوع العلم»

قوله (قدس سره): «موضوع كل علم و هو الذى يبحث عن عوارضه الذاتية أى بلا واسطة فى العروض» بمعنى انتساب المحمولات استقلالا الى ذلك الموضوع على نحو الحقيقة أولا و بالذات كنسبة الحاجة الى الممكن، لا ثانيا و بالعرضة كنسبة التحرك الى جالس السفينة، فنسبة الحركة بواسطة انتسابه الى السفينة. و على هذا فمن شأن كل موضوع من موضوعات العلوم، أن يكون معروضا لمحمولات مسائله على نحو الاستقلال لا ضمنا، و أولا و بالذات لا ثانيا و بالعرض.

و تفصيل المقام أن يقال: ان المحمولات المنسوبة الى موضوعاتها، تارة يكون انتسابها اليها على جهة الحقيقة و أخرى على جهة المجاز، و لا اشكال فى دخول القسم الثانى فى الاعراض الغريبة، و أما القسم الاول فتارة يكون الموضوع فيه تمام الموضوع لذلك المحمول نحو قولهم فى علم النحو «الكلمة قول مفرد» فان الكلمة تمام الموضوع لهذه القضية المنسوب فيها القول المفرد الى الكلمة، و أخرى يكون جزء الموضوع كالافعال الصلاتية المعروضة للوجوب فى قولهم «الصلاة واجبة» فان الوجوب منسوب الى الصلاة

5

المركبة من الافعال الخاصة من نسبة الشى‏ء الى جزء موضوعه، فان تمام الموضوع فى هذه القضية هو مجموع الافعال مع الموالات لا الافعال وحدها، و لا الموالات وحدها.

لا يقال: التوالى بين الافعال ليس خارجا عن سنخ الافعال.

لانه يقال: لا ينبغى الارتياب فى خروجه عن سنخها لانه من مقولة الاضافة، و الافعال الخاصة من الركوع و السجود و غيره من مقوله الفعل، و هما متباينان. و بالجملة: اذا قيس الوجوب المحمول فى هذه القضية الى نفس الفعل المتركب منه الموضوع كان عرضا غريبا و اذا قيس الى الصلاة الملتئمة من الافعال الخاصة و الموالات، كان عرضا ذاتيا، و حينئذ فإن نسب الوجوب الى الفعل وحده على وجه الاستقلال كان عرضا غريبا لان الوجوب ليس حقه أن ينسب استقلالا الى جزء الموضوع الذى هو الصلاة، بل الى الموضوع نفسه، و اذا نسب الى الصلاة كان له نسبة ضمنية الى الفعل الذى هو جزئها على وجه الحقيقة، إلّا أنه مع ذلك لا يعد عرضا ذاتيا للفعل بواسطة هذه النسبة الضمنية لاعتبار الاستقلال فى العرضية الذاتية.

فتلخص أن من كلماتهم اعتبار الاستقلال و الانتساب الحقيقى فى العرضية الذاتية، فلا يكفى أحدهما بدون الآخر.

ثم أنه قد وقع فى كلام المشهور أن العرض الذاتى ما يعرض الشى‏ء لذاته أو لامر يساويه. و احترزوا بالمساواة عن العارض بواسطة أمر أعم أو أخص.

و أشكل عليهم صاحب الفصول‏ (1) بما حاصله أن المراد من الامر المساوى فى كلماتهم ان كان هو الواسطة العروضية اتجه عليهم‏

____________

(1)- الفصول الغروية فى الاصول الفقهية للشيخ الجليل محمد حسين بن محمد رحيم ص 10

6

أن العارض على الواسطة العروضية ليس من لواحق ذى الواسطة إلّا بالعناية فكان ينبغى اعتبارها موضوعا فى علم باحث عن أحوالها.

و ان كان هو الواسطة الثبوتية اتجه عليهم عدم لزوم اعتبار التساوى فى الواسطة الثبوتية، بل يجوز أن يكون أمرا مباينا من قبيل الوضع الذى هو واسطة ثبوتية فى لحوق الاعراب للكلمة و الجعل الذى هو واسطة ثبوتية فى لحوق الاحكام لفعل المكلف و هما أمران مباينان للكلمة و الفعل انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو جيد متين، و تمثيله الثانى فى الواسطة الثبوتية مبنى على مجعولية الاحكام اذ بناء على عدم مجعوليتها و أنها أمور واقعية كشف عنها الشارع اندرجت فيما يكون الموضوع مقتضيا لانتساب المحمول اليه نحو الحاجة الى الممكن.

و كيف كان فقد عرفت ضعف ما ذكروه من الحاق العارض للمساوى بالاعراض الذاتية فلم يبق الا ما ذكرناه من اعتبار الانتساب الاولى الحقيقى مستقلا الى الموضوع، فان كان انتساب المحمول الى الموضوع بنحو الاستقلال على جهة الحقيقة كان ذلك المحمول بالقياس الى ذلك الموضوع من الاعراض الذاتية و إلّا فهو من الاعراض الغريبة سواء كان له انتساب أولى الى الموضوع ضمنا نحو الوجوب المنسوب الى الافعال الخاصة الصلاتية أو لم يكن له انتساب اولى اليه أصلا لا ضمنا و لا استقلالا، بل ثانيا و بالمجاز كالاعراض اللاحقة للموضوع بواسطة الامر المساوى او الاعم أو الاخص فان انتسابها الى الموضوع ثانيا و بالمجاز.

و اذا عرفت ذلك ظهر لك الاشكال فيما ذكره الماتن (قدس سره) هنا فى شأن موضوع العلم من أنه: «هو نفس موضوعات مسائله عينا و ما يتحد معها خارجا و ان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلى و مصاديقه‏

7

و الطبيعى و أفراده».

توضيح الاشكال أن ما يبحث من عوارضه الذاتية قد ذكر فى تعريف موضوع العلم عنوانا مشيرا الى جامع بين شتات موضوعات المسائل، و كان ذلك الجامع بما هو جامع حسب مختاره موضوعا للعلم، نحو الكلمة، الجامعة بين الفاعل و المفعول و المضاف اليه فى قولهم:

كل فاعل مرفوع، و كل مفعول منصوب، و كل مضاف اليه مجرور، الى غير ذلك من مسائل النحو، و من الواضح أن نسبة المرفوعية الى الكلمة بما هى كلمة ضمنية لا استقلالية، ضرورة أن المرفوعية من خواص الكلمة بما هى فاعل فخصوصية الفاعلية لها دخل فى لحوق الرفع لها، و قد تقرر فيما سبق ان المعتبر فى العرضية الذاتية هو الانتساب الاستقلالى الى موضوع العلم دون الضمنى و لئن تعسفت فى النسبة و أعتبر فيها الاستقلال و لو بالعناية و المجاز لم تكن النسبة اولا و بالذات، بل ثانيا و بالعرض، فاذا لا محيص لك من الغاء أحد الشرطين السابقين اللذين اعتبرناهما فى العرض الذاتى، فحينئذ يخرج المحمول بالقياس الى ذلك الجامع عن الاعراض الذاتية، و يندرج فى الاعراض الغريبة، و لازم ذلك أن لا تكون الكلمة بما هى كلمة موضوع علم النحو. و كذا فعل المكلف بما هو فعل لا يكون موضوعا لعلم الفقه، اذ الوجوب فى قولهم الصلاة واجبة لم يكن عارضا للفعل بما هو فعل الا ضمنا لا استقلالا و مناط العرضية الذاتية هو الثانى دون الاول.

و لئن أبيت و قلت لا نسلم اعتبار الاستقلالية فى العرضية الذاتية بل يكفى فيه الانتساب على جهة الحقيقة و لو ضمنا لكى يتجه ما ذكروه من أن الكلمة موضوع علم النحو و فعل المكلف موضوع علم الفقه.

قلنا: هذا أنما يتم فيما يكون ثمة جامع بين موضوعات المسائل،

8

و لا طريق لنا اليه إلّا بأحد الامرين: اما بملاحظة اتحاد المحمولات، أو بملاحظة وحدة الغرض و الفائدة المترتبة على تلك المسائل كصون اللسان عن الخطاء فى المقال الذى هو غاية علم النحو مثلا، و يتجه على الاول أن المحمولات بالوجدان متباينة، و لو اتفق جامع فى بعضها كالحجية المنسوبة الى ظاهر الكتاب و السنة المبحوث عنها فى علم الاصول، فانما ذلك من باب الاتفاق و ليس هو مطرد فى جميع مسائله. و يرد على الثانى أن الواحد انما يلزم انتسابه الى الواحد اذا كان بسيطا من جميع الجهات، و إلّا فلو كان ذا جهات بكل جهة يفتقر الى أمر كانت تلك الامور بما هى متكثرات، مؤثرات فى ذلك الواحد، مثلا استراحة النوم على السرير الذى هو الغرض من عمل السرير و الفائدة المترتبة عليه تحصل من طوله للامتداد، و عرضه للتقلب و رفعه لدفع الموذيات الارض، فمن حصول الامور الثلاث يحصل الغرض البسيط الذى هو الاستراحة إلا أن المؤثر فيه و المحقق له أمور متعددة لا أمر واحد.

و لعل ما يكون الغرض المقصود من علم النحو الذى هو صون اللسان عن الخطاء فى المقال من هذه القبيل، فيفتقر الى قواعد النحو بما هى متكثرات لا بجا معها الذى هو الكلمة.

و لئن سلمنا اعتبار الوحدة فى المؤثر فى الغرض الوحدانى إلّا أن ذلك على تقدير تسليم المؤثرية فى هذه القواعد المقررة فى علم النحو و هو فى حيز المنع، لكونها طرف إضافة لا مؤثرات حقيقية فإن المؤثر فى صحة الكلام و جريه على طبق القواعد العربية، هو إرادة المتكلم لا تلك القواعد، و انما الكلام يضاف الى تلك القواعد فيرى جاريا على وفقها فيكون صحيحا تام الاعراب، أو مخالفا لها فيكون غلطا غير تام الاعراب، و مثل هذا لا يقتضى ان يكون المضاف‏

9

متحدا بالنسبة الى المضاف اليه الواحد، لجواز اتحاد الغرض المضاف اليه مع تعدد القواعد المضاف اليها.

و بالجملة لم يقم برهان جزمى على لزوم تحقق جامع واحد فى موضوعات المسائل حتى يكون ذلك هو موضوع العلم، و يكون انطباقه على موضوعات المسائل انطباق الكلى على أفراده و يتحد معها خارجا كما ذكره الماتن (قدس سره)، نعم قد يتفق ذلك إلّا أنه ليس لازما دائما.

10

حول تمايز العلوم‏

هذا كله الكلام فى الموضوع و أما المسائل فهى «عبارة عن جملة من قضايا متشتتة» مختلفات موضوعا و محمولا غالبا و يكون «جمعها» هو «اشتراكها فى الدخل فى الغرض الذى لاجله دون هذا العلم» فمن ثم عدت المسائل علما على حدة، فعمدة الوجه فى عدها علما مستقلا، هو كونها وافية بذلك الغرض الوجدانى المترتب على مجموع تلك المسائل، و لذا كان اختلاف العلوم باختلاف تلك الاغراض و وحدتها بوحدتها، لا باختلاف المسائل و وحدتها، «اذ قد يتداخل بعض العلوم فى بعض المسائل» و مع ذلك لا يكون اتحاد المسألة سببا لاتحاد العلمين.

و يظهر الوجه فى ذلك مما عرفت من أن اثنينية العلمين تجى‏ء من اختلاف الاغراض لا من اختلاف المسائل، فلا بأس باندراج بعض المسائل فى العلمين «اذا كان له دخل فى مهمين» أمكن جعله من مسائل العلمين المختلفين فى الفرضين اللذين «لاجل كل منهما دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين» فصار الوجه فى عدهما علمين مع اشتراكهما فى بعض المسائل، ليس إلّا اختلافهما فى الغاية التي من أجلها دون كل من العلمين.

«لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين فى تمام مسائلهما، فيما كان هناك مهمان متلازمان فى الترتب على جملة من القضايا لا يكاد» يتحقق «انفكاكهما. فانه يقال:» فى جوابه «مضافا» الى قوله (قدس سره) «مما لا يخفى».

ثم أنه قد ذكر فى الفصول معترضا على ما اشتهر بينهم، من‏

11

أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، أن هذه القضية مما لم نقف لها على وجه، لان موضوع أحد العلمين أن تميز بنفسه عن موضوع الآخر، فالتمايز بين العلمين حاصل بنفس الموضوع، و لا حاجة الى اعتبار الحيثية و ان اشترك فاعتبارها لا يوجب التمايز. أ لا ترى أن اللفظ العربى الذى هو موضوع العربية اذا أخذ من حيث الاعراب و البناء مثلا كما هو المعروف فى الكتب النحوية، لم يوجب اختصاصه بعلم النحو لانه حال تقييده بهذا الاعتبار، يعرض له أيضا أحوال الابنية، و يلحقه احكام الفصاحة و البلاغة، و غيرها لظهور أن لا منافاة بينها، فيصح أن يقع مقيدا بهذه الحيثية، موضوعا لتلك العلوم. و كذا اذا أعتبر مقيدا بسائر الحيثيات، الى أن قال:

فالتحقيق أن يقال: تمايز العلوم اما بتمايز الموضوعات، كتمايز علم النحو عن علم المنطق و تمايزهما عن علم الفقه، أو بتمايز حيثيات البحث كتمايز علم النحو عن علم الصرف و تمايزهما عن المعانى، فإن هذه العلوم و ان اشتركت فى كونها باحثة عن أحوال اللفظ العربى، إلا أن البحث الاول من حيث الاعراب و البناء، و فى الثانى من حيث الابنية، و فى الثالث من حيث الفصاحة و البلاغة فهم و ان أصابوا فى اعتبار الحيثية للتمايز بين العلوم، لكنهم أخطأ وافى أخذها قيدا للموضوع. و الصواب أخذها قيدا للبحث، و هى عند التحقيق عنوان إجمالي للمسائل التى تقرر فى العلم انتهى كلامه رفع مقامه‏ (1)

و مراده من اعتبار الحيثية فى البحث هو اعتبار اختلاف المحمول فى قضايا العلوم، كما يشهد بذلك قوله أخيرا و عند التحقيق الخ،

____________

(1)- الفصول فى الاصول ص 11.

12

فانه مع وحدة الموضوع فيها حسب الفرض، ينحصر الميز و الامتياز فيما بينها باختلاف المحمولات التى هى محط البحث فى العلوم.

و يشكل ذلك بانه ربما يتحد العلمان فى بعض المسائل موضوعا و محمولا، كمسألة الحسن و القبح المبحوث عنها فى الاصول و الكلام، مع وحدتهما فيها، فحينئذ ينبغى أن يكون المعيار فى تمايز العلوم أمرا أخر غير اختلاف الموضوعات، و المحمولات، و ليس ذلك إلّا ما ذكرناه من اختلاف الاغراض، سيما على ما عرفت منا، من عدم ما يدل على جهة مشتركة بين موضوعات المسائل باعتبارها تعد علما واحدا، و ان كان قد يتفق ذلك.

نعم ربما يرد الاشكال على الماتن، الذى أعتبر للعلم موضوعا يكون انطباقه على موضوعات مسائله من باب انطباق الكلى على أفراده، بأنه اذا أختلف الغرض المترتب على المسألة الواحدة كان ذلك دليلا أنيا على تضمن هذه المسألة جهتين كان كل منهما هو المؤثر فى حصول ذلك الغرض، فكان امتياز العلم على هذا فى نفس الامر و الواقع بامتياز الموضوعات، و أن كان فى بعضها يتوصل اليه من طريق اختلاف الغرض.

و بعبارة أخرى قولهم: امتياز العلم بامتياز الموضوعات، ظاهره بيان حال الامتياز الواقعى مرحلة الثبوت دون الاثبات، و من الواضح أن اختلاف الاغراض ببرهان، الواحد لا يصدر منه الا الواحد، على ما قيل كاشف عن اختلاف المؤثر فى حصول تلك الآثار، فصح لنا على هذا دعوى أن امتياز العلوم بامتياز الموضوعات، و ان كان طريقنا الى الموضوعات فى المسائل المشتركة بين العلمين هو اختلاف الاغراض و الفوائد المترتبة عليها، هذا.

و قد انقدح بما ذكرناه، انه يلزم على الماتن الذاهب الى وجود

13

الموضوع لكل علم، أن يقول: بمقالة المشهور من أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، اللهم إلّا أن يكون نظره (قدس سره) الى مرحلة الاثبات دون الثبوت، بمعنى أن يكون غرضه أن الاطلاع على الميز و الامتياز بين العلوم، «أنما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين، لا الموضوعات» كما ذهب اليه المشهور، «و لا المحمولات» كما ذهب اليه صاحب الفصول قده‏

و أما على مذهبنا من عدم اعتبار لزوم موضوع، لكل علم جامع بين مسائله، لعدم ما يدل عليه من البرهان العقلى، فلا أشكال و ينحصر الامتياز عندنا بين العلوم ثبوتا و إثباتا باختلاف الاغراض دون الموضوعات و المحمولات.

14

«حول موضوع علم الاصول»

قوله «و إلّا كان» الى قوله «ثم أنه» حكى عن صاحب القوانين فى بعض حواشيه‏ (1)، أنه أختار فى موضوع هذا العلم أنها الادلة الاربعة بما هى أدلة، فأعتبر صفة الدليلية فى الموضوع، فيكون البحث عن دليلية الدليل على هذا بحثا عن نفس الموضوع لا عن أحواله.

و يشكل ذلك بلزوم خروج جل مسائل الاصول عن مسائله و مقاصده و اندراجها فى مباديه ضرورة أن عمدة مباحثه المسألة الباحثة عن حجية الخبر، و مباحث التعادل و التراجيح، و لازم اعتبار الدليلية فى الموضوع، خروج مثل هذه المباحث عنه، و هو واضح البطلان.

و لو قيل: ان الدليلية المعتبرة فى الموضوع، هى الدليلية الاقتضائية، دخلت مباحث التعادل و التراجيح فى المقاصد، لان البحث فيها بعد الفراغ عن ثبوت اقتضائية الخبرين المتعارضين للاعتبار و الحجية بدليل الاعتبار، لكن يبقى المباحث المتكفلة لتحقيق أصل الدليلية، خارجة عن المقاصد، نحو مسئلة حجية الخبر و الظهورات، و كفى بذلك موهنا لاعتبار الدليلية فى الموضوع.

و أختار صاحب الفصول فى موضوع هذا العلم، أنها الادلة الاربع بذواتها و خصوصياتها، لا بوصفها من الدليلية (2) إلّا أنه يلزم عليه خروج مباحث الامر و النهى و بقية ظواهر الالفاظ، لعدم اختصاصها بما فى الكتاب و السنة.

____________

(1)- لم نعثر عليه.

(2)- الفصول فى الاصول: 11.

15

و من الغريب أنه (قدس سره) قد تفطن لهذا الاشكال، و أجاب بما لا يسمن و لا يغنى من جوع حيث قال فى الجواب: أنما يبحث عنها باعتبار وقوعها فى الكتاب و السنة، فعند التحقيق ليس موضوع مباحثهم مطلق تلك الامور، بل المقيد منها بالوقوع فى الكتاب و السنة، و لا يقدح فى ذلك بيانهم لوضعه اللغوى و العرفى، اذ المقصود بيان مداليل تلك الالفاظ باى وجه كان انتهى‏ (1). و فيه أن اعتبار وقوعها فى الكتاب و السنة، يتعلق بغرض البحث فهو أمر لا يتعلق بعقد البحث من تلك المسألة و فرق بين بين عقد المسألة و البحث فيها، و بين تعلق الغرض منها.

و أختار الماتن فى موضوع هذا العلم، أنه مطلق الدليل الموصل الى الحكم الفرعى، من غير اعتبار انطباقه الى خصوص الادلة الاربع، و من غير لزوم اعتباره مسمى باسم خاص «اذ ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل، عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه، بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته أصلا.»

و على التحقيق الذى سمعته آنفا من عدم لزوم اشتراك المسائل فى جامع مسمى بالموضوع، فلا داعى الى تمحل اعتبار كلى جامع لموضوعات المسائل المتشتتة، بل المسائل بشتاتها يترتب عليها الغرض المقصود بلا لزوم اعتبار جامع موضوعى فيما بينها.

فتلخص مما قررناه أن المحصل من الاقوال فى المقام، مع ضم المختار أربعة:

الأول أن موضوع الاصول هو الادلة الاربعة بما هى ادلة و هو

____________

(1)- الفصول فى الاصول: 11

16

المحكى عن صاحب القوانين قده.

الثانى أن موضوعه هى الادلة الاربعة بنفسها و خصوصيتها، و هو اختيار صاحب الفصول.

الثالث أن موضوعه الكلى المتحد مع موضوعات المسائل و هو مختار الماتن.

الرابع ما اخترناه من عدم لزوم كلية فى موضوعية العلم، بل ليس فى الحقيقة موضوعه الا أشخاص موضوعات المسائل لا كليها و هى مصاديقه.

و بما سمعت من الكلام يتضح لك المرام فى كلام الماتن هنا بقوله: «و قد انقدح» الى قوله «لا عنها و لا عن سائر الادلة» و قد يذب عما أورده من الاشكال بما أفاده بقوله: «و رجوع البحث فيهما فى الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد فى مسئلة حجية الخبر كما أفيد و بأى الخبرين فى باب التعارض فانه أيضا بحث فى الحقيقة عن حجية الخبر فى هذا الحال» انتهى.

و حاصله أن المسألة الباحثة عن حجية الخبر ما لها الى البحث عن حال السنة الواقعية، بتقريب أن ثبوتها بالخبر و عدم ثبوتها من أحوالها.

و أجاب عنه بقوله: «فإن البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه فانها مفاد كان الناقصة.» انتهى كلامه‏

و توضيحه أن ثبوت الموضوع، عبارة أخرى عن وجوده، و المسألة الباحثة عن حال الموضوع يعتبر فيها المفروغية عن وجوده، و هو المعنى بقوله: مفاد كان الناقصة، و إلّا فلو بحث عن وجوده كان ذلك بحثا عن نفس الموضوع، و هو المعنى بقوله: مفاد كان التامة.

«لا يقال: هذا» الذى ذكرته من أن البحث عن ثبوته مفاد كان التامة

17

أنما يتأتى لو أريد بذلك البحث «فى الثبوت الواقعى و أما الثبوت التعبدى كما هو المهم فى هذه المباحث فهو فى الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.»

«فانه يقال:» فى جوابه «نعم» كما ذكرت يكون البحث عن ثبوته التعبدى مفاد كان الناقصة «لكنه مما لا يعرض السنة» الواقعية «بل» أنما يعرض الخبر «الحاكى لها فإن الثبوت التعبدى يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى. و بالجملة الثبوت الواقعى ليس من العوارض و التعبدى و ان كان منها إلّا أنه ليس للسنة بل للخبر فتأمل جيدا.

و يمكن الخدشة فى ذلك بأن الثبوت التعبدى أنما يكون من عوارض الخبر الحاكى اذا أعتبر التنزيل بلحاظ مؤداه، حتى يكون مفاد الدليل الدال على اعتبار الخبر هو تنزيل مؤداه منزلة الواقع، و حينئذ فيتجه دعوى كون مثل هذا التنزيل، من عوارض الخبر الحاكى للسنة، لا للسنة نفسها، اما بناء على أن لحاظ التنزيل فى دليل اعتبار الخبر الى جعل احتمال مؤدى الخبر بمنزلة العلم، فكان صدق العادل، فى قوة قوله تنزل احتمال صدقه فى أخباره منزلة العلم، و حينئذ على هذا الوجه يمكن التفصى عن الاشكال بأن يقال أن الاعتبار و ان رجع أولا الى احتمال المطابقة للواقع إلا أنه يترتب على ذلك أن يكون المحتمل بمنزلة المعلوم، فكانت السنة الواقعية على تقدير تحققها، فى مورد الخبر موصوفة بالمعلومية التعبدية ففى هذا الجعل حصلت حالة للسنة الواقعية على تحققها، و كان البحث فى تنزيل الاحتمال منزلة العلم مستتبعا للبحث عن حال السنة الواقعية من اتصافها بالمعلومية التعبدية.

و بعبارة أخرى: لو تبدل الاحتمال تكوينا الى العلم، لكان يلزم‏

18

تبدل صفة المحتملية العارضة على السنة الواقعية، الى صفة المعلومية. فكذلك لو تبدل الاحتمال جعلا و تنزيلا، الى ذلك استتبع تبدل المحتمل تعبدا الى المعلوم كذلك.

لا يقال: عروض الحالة على السنة الواقعية، فرع تحققها و لربما يكون العلم الحقيقى فضلا عن التنزيلى متحققا، و لا يكون ثمة سنة واقعية، فكيف يكون ذلك من حالاتها و حالة الشى‏ء الطارية عليه فرع تحقق ذلك الشى.

لانا نقول: لا نعنى من البحث عن أحوال السنة الا البحث عن حالها على تقدير وجودها الواقعى فى قبال من يجعل مثل هذه الحالة، من حالات الخبر الحاكى لها دونها هذا كله اذا كان المراد من السنة هو نفس قول المعصوم أو أخويه.

«و أما اذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها» فيشكل عليه ما سمعت آنفا من خروج جملة من مباحث الاصول عنه و ذلك «لان البحث فى تلك المباحث» المتقدمة من مباحث حجية الخبر، و مباحث التعادل و التراجيح» و ان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى إلّا أن البحث فى غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها لا يخص الادلة بل يعم غيرها و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى.» هذا

و لقائل: أن يمنع تعميم البحث فى تلك المسائل الى غير أوامر الكتاب و السنة من حيث أن الغرض اذا كان هو استنباط الاحكام الشرعية، و هو امر يترتب على خصوصية الامر الوارد فى الكتاب و السنة، لا ما يعم سائر الاوامر، كشف ذلك عن أن الجامع العام المسمى بالموضوع ليس خارجا عن دائرة الكتاب و السنة.

19

حول تعريف علم الاصول‏

ثم أن العلم لا حقيقة له وراء المسائل و القواعد، لا إدراكها، و يرشدك الى ذلك مقايسة الغاية الى نفس القواعد، لا ادراكاتها، مثلا صحة الكلام أعرابا و بناء، جعل غاية لعلم النحو باعتبار مقايسة الكلام الى قواعده، فان طابقها كان صحيحا، و إلّا كان غلطا.

و كذا صحة الاستنباط غاية العلم الاصول، و انما تعرف الصحة و عدمها بمقايسة الاستنباط الى قواعد الاصول، فإن كان على وفقها كان استنباط الحكم صحيحا، و ان لم يكن كذلك لم يكن صحيحا.

فالملحوظ مقيسا اليه و معيارا لملاحظة الغاية، منسوبة اليه، هى القواعد لا ادراكها و كذا الموضوع أعتبر موضوعا كليا منطبقا على جميع موضوعات مسائله و قواعده، لا موضوعات إدراكاتها فليكن التعريف على هذا النهج شارحا لتلك القواعد، فكان المناسب تعريفه بالقواعد دون العلم بها. و بالجملة أن نسبة الموضوع، و الغاية، و التعريف المذكور، فى كلما تهم فى مقدمة الشروع، نسبة واحدة.

فكما أن المقصود من العلم فى قولهم، موضوع هو القواعد دون إدراكها و العلم المتعلق بها، فليكن ذلك كذلك فى قولهم تعريف العلم. فكان ينبغى على هذا التعريف بالقواعد، لا العلم بها. و ربما يؤيد ذلك أنه قد يجعل العلم، متعلقا للعلم و الجهل، فيقال هذا عالم بالنحو، و هذا جاهل به، و هكذا غير ذلك.

و قد يعتذر للمشهور، و يوجه تعريفهم: علم الاصول «بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.» فيقال: بأن للقواعد

20

المدونة، وجودات و اعتبارات، فهى باعتبار وجودها الخارجى و النفس الامرى قواعد واقعية، و باعتبار تحصيلها بالاكتساب، صناعة و باعتبار تصورها الذهنى علوم، و باعتبار اسمها فى الكتب نقوش و كتابات.

و لعل تعريفهم ناظر الى الوجود العلمى. و فيه أنه بناء على هذا لا ينبغى إيراد العلم متعلقا بالقواعد للمنافرة، اذ الوجود العلمى يقضى بعدم تغاير العلم عن معلومه، فما هو المعلوم و الحاصل صورته فى العقل، ليس إلّا تلك القواعد، و هى باعتبار الوجود العلمى عين العلم لا متعلقات له، فكيف يجعل فى التعريف متعلقا له: و يقال هو العلم بالقواعد؟

و لئن قلت: أنا نعتبر القواعد موجودات خارجية واقعية، لكى لا يصح جعلها متعلقا للعلم.

قلنا: عاد الاشكال و المحذور، من أن العلم ليس إلّا نفس تلك القواعد، لا العلم بها.

و مما سمعت ظهر لك أن حق التعريف، كان ينبغى تصديره بالقواعد لانه أقرب الى معنى العلم حقيقة فهو «الاولى» بالذكر من تصديره بالصناعة كما عرفه الماتن قده حيث رجح تعريفه بأنه «صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن أن يقع فى طريق استنباط الاحكام، أو التى ينتهى إليها فى مقام العمل، بناء على أن مسئلة حجية الظن» من الاصول على القول «بالحكومة» فى اعتبار الظن عند انسداد باب العلم بالاحكام الشرعية، دون الكشف، اذ على الكشف يكون الظن مندرجا فى القواعد التى، يمكن أن تقع فى طريق استنباط الاحكام، فلا شبهة فى كونها من المسائل الاصولية «و مسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية» معدودة «من الاصول كما هو كذلك، ضرورة أنه‏

21

لا وجه لالتزام الاستطراد، فى مثل هذه المهمات.»

بل قد يشكل هذا التعريف على مختاره من وجه آخر: بأن فيه جمعا بين أدلة الاجتهادية و الاصول العملية، و هما متناقضان بحسب الجعل، حيث ان الدليل الاجتهادى مجعول كاشفا عن الواقع، و الاصل العملى مجعول عند انستار الواقع، فهما طرفا نقيض من حيث الاعتبار و لا جامع بين النقيضين، و إذا لم يكن ثمة جامع فكيف يصح اعتبار موضوع جامع بين موضوعات شتات المسائل المتناقضة بحسب الاعتبار و الجعل.

و هذا من أوضح الشواهد على صحة ما ذكرناه، آنفا، من عدم لزوم تحقق جامع موضوعى بين موضوعات المسائل، يكون انطباقه عليها من انطباق الكلى على أفراده.

و بالجملة يعتبر فى التعريف أن يكون جامعا اجماليا لشتات المسائل الباحثة، عن أحوال موضوع العلم الوجدانى المنطبق على موضوعات مسائله، و يستحيل تحقق الجامع بين المتناقضات فاما أن يقتصر على ذكر إحدى الفقرتين فى التعريف، أو لا يعتبر اشتراكها فى البحث عن حال موضوع وجدانى كما اخترناه فافهم و أغتنم فانه دقيق.

«حول الوضع»

«الامر الثانى الوضع» على ما عرفه الماتن «هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما» و هذا أولى من تعريفه، بانه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، لخروج الوضع التعينى عن التعريف الثانى فلا يكون جامعا بخلاف الاول فانه شامل للوضع بكلا قسميه‏

22

اذ الاختصاص المزبور «ناش من تخصيصه به تارة و من كثرة استعماله فيه أخرى» و الاول هو الوضع التعيينى و الثانى التعينى و بسبب هذا المعنى الذى عرفته «صح تقسيمه الى التعيينى و التعينى.»

ثم ان فى كلام المصنف الماتن هنا حيث عبر بنحو اختصاص تلويحا الى أن للاختصاص أنحاء و ليس الوضع إلّا أحد تلك الانحاء و كان المناسب ذكره و لو على سبيل الاجمال، و لعل تركه لوضوح الحال و لا بأس أن نشير اليه تنبيها و تتميما لمزيد الفائدة و بالله نستعين فانه خير معين.

فاعلم أن النسب و الاضافات، التى هى عبارة أخرى عن الاختصاصات الواقعة بين الاشياء على قسمين: الاول: أن يكون لها حظ فى الخارج نحو الاضافات، و النسب الواقعة بين اجزاء السرير التى هى منشأ حدوث الهيئة السريرية، و نحو هيئة المقاتل الحادثة من محاذات الشخصين مثلا، فان للخارج دخل فى هذا النحو من الاختصاص على اختلاف فى كون الخارج ظرفا لوجوده أو ظرفا لنفسه.

الثانى: ما لا يكون للخارج دخل فيه أصلا بمعنى أنه لا موطن لها الا الذهن، و أنما كان الخارج ظرفا لمنشا انتزاعه كنسبة الكلى الى أحد افراده فى قولك زيد إنسان، لان موطن هذه النسبة فى الذهن و ليس فى الخارج الا الفرد الذى هو منشأ انتزاع هذه النسبة الذهنية، و الاختصاص الوضعى من قبيل القسم الثانى، اذ لا وجود له فى الخارج، الا بوجود منشإ انتزاعه الذى هو الجعل أو كثرة الاستعمال، غاية الامر: منشأ هذا الاختصاص اما لاتحادهما فى الخارج كالكلى و الفرد، لان العقل لا يرى فى الخارج اثنينية فيهما خارجا، و اما من جهة جعل الجاعل هذا اللفظ بازاء المعنى و ما نحن فيه من القسم الثانى كما لا يخفى.

23

ثم ان هذا الاختلاف باعتبار موطن الاختصاص خارجا أو ذهنا، و له اختلاف آخر باعتبار كيفية الاضافة و الاختصاص، و هى اما أن يكون من باب اختصاص الملك بمالكه، أو من باب اختصاص الامارة بذيها، أو من باب اختصاص المرآة بمرئيها، فهذه صور ثلث فى كيفية الاختصاص.

و الحق أن الاختصاص الوضعى من قبيل الصورة الاخيرة، لما نجد فى موارد الاستعمالات أن اللفظ يرى فانيا فى المعنى، بسبب وحدة الاعتبارية الواقعة بين اللفظ و المعنى. و من ثم ربما يسرى قبح اللفظ الى المعنى بحيث يشمئز الانسان من سماعه، و قد يسرى حسن اللفظ الى معناه بحيث يحب الانسان سماعه، و ليس هذا إلّا من شدة الاتحاد بينهما اعتبارا، فاذا كان هذا الاختصاص متحققا بين اللفظ و المعنى فى مقام الاستعمال، كشف ذلك أنا عن اعتبار هذا النحو من الاختصاص فى مقام الوضع لظهور أن الاستعمالات اللفظية كلها، تبع وضع الواضع، فاذا أحرزت خصوصية فى الاستعمال أنبأ ذلك عن اعتبارها فى الوضع أيضا.

و بالجملة فرق بين الآلة و الامارة اذ فى الاول يكون الانتقال بسبب وحدة اللحاظ، و فى الثانى بسبب الملازمة، فحيثية الاثنينية ملحوظة فى الثانى، دون الاول، و الاختصاص الوضعى اختصاص آلى لا أمارى.

و يدل على ذلك الاستعمالات الكاشفة، عن اعتبارها خصوصية الآلية فى الوضع.

ثم أنه يمكن القول بعدم لزوم وجود طرفين للاضافة فى الخارج، فيكون أمرا اعتباريا محضا و ليس لهما وجود الا ذهنا كما أنه يتصور غولا و يجعل له أنيابا، و هذه الاضافة فى غاية خفة المئونة و لذلك‏

24

قيل أن فى الاضافة يكفى أدنى مناسبة.

ثم أعلم أنه ربما يجعل الوضع كالاحكام الوضعية عند القائلين بأنها منتزعات من الاحكام التكليفية مثلا اذا قال الشارع، من حاز شيئا لا يجوز لاحد التصرف فيما حازه، ينتزع من هذا الحكم التكليفى الحكم الوضعى، و هو الملكية التى هى عبارة أخرى عن الاختصاص الواقع بين المحيز و المحاز.

و قس على ذلك الوضع، لانه ليس إلّا منتزعا من تعهد الواضع إرادة المعنى عند ذكر اللفظ.

و بعبارة أخرى، ذكر اللفظ عند تفهيم المعنى، فأرادته ذلك و تعهده بمنزلة التكليف المنتزع منه الحكم الوضعى.

و هذا الكلام و ان كان بمكان من الامكان، إلّا أنه غير واقع فى المقامين:

أما المقام الاول: أعنى الوضع فلان هذه الارادة التعهدية، ان لم تكن مسبوقة بجعل و هو الذى نسميه بالوضع فلا يخلو اما أن تكون إرادة نفسية و هو باطل بالضرورة، لان الواضع ليس غرضه من ذكر اللفظ الا التوصل الى تفهيم المعنى. و اما أن تكون لك الإرادة ارادة غيرية، فحينئذ. لا محيص من كون تلك الارادة الغيرية، ناشئة من مقدمية اللفظ للتفهيم، و من المعلوم أن المقدمية فى اللفظ لا بد من أن تكون، مسبوقة بجعل من الواضع، لان دلالة الالفاظ ليست ذاتية على ما هو الحق و التحقيق، فحينئذ ننقل الكلام الى ذلك الجعل، و نقول لا يعقل أن يكون ناشيا عن الارادة الاولى، لان الارادة الاولى متفرعة على المقدمية الناشية من الجعل، فهل يعقل نشوا الجعل منها و حينئذ لا بدو أن ينشأ الجعل من إرادة أخرى، و ليست هى نفسية بالضرورة، و غيريتها لا تكون الا عن مقدمية اللفظ للمعنى، و هكذا

25

فى الثالث و الرابع فيلزم التسلسل، أو ينتهى الى جعل مستقل و هو المطلوب، و يمكن تصوير الدور فى المقام، فتأمل تدرك.

و أما المقام الثانى: فلانا نرى بالوجدان خلاف ذلك، لان قول الشارع: الناس مسلطون على أموالهم‏ (1) و أيضا لا يحل مال امرئ الا بطيب نفسه‏ (2) نص بمجعولية الاحكام الوضعية جعلا مستقلا، حيث ان إضافة المال الى الغير، أخذت فى موضوع الحكم فى الروايتين، و موضوع الحكم مقدم على الحكم تقدما رتبيا، فحينئذ يستحيل أنتزع الملكية من الحكم المتأخر عنها رتبتا، فلا بد من فرض حكم أخر ينتزع منه الملكية، فيلزم اما اجتماع المثلين أو الضدين و كلاهما محال عقلا، فعلى ذلك لا بد من سبق هذه الاضافة و الاختصاص، بجعل مستقل للحكم الوضعى كما هو الحق.

ثم انك قد عرفت أن الوضع على قسمين، تعيينى و تعينى، و منهم من أنكر القسم الثانى و تخيل أن العلاقة الوضعية لا تكون الا دفعية، فاذا تواردت الاستعمالات لا يحصل الوضع الا بواحد منها قصد بها انشاء الوضع لا بالمجموع تدريجا، و ذلك الاستعمال الواحد المحقق للوضع يكون من قبيل إنشاء البيع بالمعاطاة، فالتعينى بمنزلة الوضع القولى، و التعيينى بمنزلة الوضع الفعلى و بالجملة استحالة حصول الوضع تدريجا بحسب نظر المتوهم، دعاه الى الالتزام بالوضع فى أحد الاستعمالات التدريجية، و ذلك توهم فاسد كما يشهد به الوجدان، لان الاستعمال الاول يحدث علاقة ضعيفة بين اللفظ و المعنى، و كلما يتكرر الاستعمال تتقوى تلك العلاقة الى درجة

____________

(1)- عوالى اللئالى ج 2 ص: 138 حديث: 383.

(2)- عوالى اللئالى ج 2 ص: 112 حديث: 309 قال (ص) لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه.

26

الاختصاص الوضعى، و الشاهد على ذلك أقوائية دلالة الحقيقة التى ليس لها مجاز من الحقيقة التى لها مجاز.

و أيضا أنه جرى ديدن القوم على ترجيح العام الذى قل مخصصه على العام الذى كثر مخصصه و ليس ذلك إلّا من جهة ضعف دلالة العام الذى كثر مخصصه، و لعل الماتن قده أراد بقوله و من كثرة استعماله ما ذكرناه من الرد على المتوهم.

«فى أقسام الوضع»

«ثم ان الملحوظ حال الوضع، اما ان يكون معنى عاما فيوضع اللفظ له تارة، و لافراده و مصاديقه أخرى، و أما ان يكون معنى خاصا لا يكاد يصح الا وضع اللفظ له دون العام، فتكون الاقسام ثلاثة، و ذلك لان العام يصلح آلة للحاظ أفراده و مصاديقه، بما هو كذلك فانه من وجوهها و معرفة وجه الشى‏ء معرفته بوجه، بخلاف الخاص فانه بما هو خاص لا يكون وجها للعام و لا لسائر الافراد، فلا تكون معرفته و تصوره معرفة له و لا لها اصلا و لو بوجه».

و ان شئت قلت حيث تحقق فى محله ان كل مقوم للعالى مقوم للسافل بخلاف العكس، يصلح العام أن يكون مرآتا حاكيا عن أفراده، لتضمن العام كل ما فى الخاص، بخلاف العكس، اذ الحكاية من الخاص للعام، ان كان بخصوصية الخاص فهى مباينة للعام لا تصلح لحكايتها عنه و ان كان بالعام الذى هو فى ضمنه كان هو نفسه لا غيره، فهل يعقل أن يكون حاكيا عنه؟

و بعبارة أخرى: حيث أن الفرد واجد للطبيعة، يمكن أن يكون مرآة للخاص، بخلاف الطبيعة، فانها غير واجدة للفرد، بل مغايرة

27

معه ذهنا، و متحدة معه خارجا، فالفرد مباين للطبيعة، و المباين مع الشى‏ء يستحيل أن يكون مرآة للشى‏ء، و إلا يلزم مرآتية كل شى‏ء لشى‏ء و هو باطل بالضرورة.

نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما و هذا بخلاف ما فى الوضع العام و الموضوع له الخاص، فان الموضوع له و هى الافراد لا يكون متصورا الا بوجهه و عنوانه و هو العام، و فرق واضح بين تصور الشى بوجهه و تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور أمر آخر.

ثم أن نسبة الوضع الى الموضوع له كنسبة الحكم الى موضوعه فكما أن الحكم المتعلق بالموضوع يختلف بحسب اختلاف الموضوع فإن كان الموضوع جزئيا و شخصيا كان الحكم كذلك، و ان كان كليا، فتارة يكون لعنوان ذلك الكلى دخل فى ثبوت الحكم نحو أكرم العالم، كان ذلك الحكم كليا، و تارة يكون عنوانا مشيرا الى افراده نحو اكرم من فى الصحن اذا لم يكن للكون فى الصحن مدخلية فى وجوب الاكرام بل كان ذكره لتعريف الاشخاص، منتهى الامر للاختصار جمع فى التعبير، أو لمكان ضيق الخناق، و انحصار التعريف عنده بذلك العنوان أخذه معرفا لتلك الافراد، هذه الصور الثلث متصورة فى الحكم و كذلك هى متصورة فى الوضع، و هذا بخلاف الصورة الرابعة، فانه كما لا يمكن من الخصوصية الى معرفة حال العالم، لكى يحكم عليه، كذلك الحال فى الوضع لا يمكن التوصل من خصوصية الخاص الى معرفة حال العام حتى يوضع له اللفظ، فأقسام الوضع على هذا ثلاثة فقط.

«و لعل خفاء ذلك على بعض الاعلام و عدم تميزه بينهما، كان موجبا لتوهم إمكان ثبوت قسم رابع، و هو أن يكون الوضع خاصا مع‏

28

كون الموضوع له عاما، مع أنه واضح لمن كان له أدنى تأمل».

نعم هناك قسم آخر من الوضع العام و الموضوع له العام، حيث ان الافراد المشتركة الحقيقة فى الخارج يرى بينها حسا، جهة مشتركة بها تمتاز عن الافراد المشتركة فى جامع غير هذا الجامع، مثلا اذا نظرت على قطار من أفراد الانسان تراه ممتازا من أفراد الفرس، كما يشهد به الوجدان، فمثل هذا الجامع المندك فى ضمن الخصوصيات، له وجود فى الخارج.

و بعبارة أخرى الطبيعة السارية فى ضمن الافراد موجودة خارجا لا مستقلا بل فى ضمن الافراد فالواضع تصور هذه الطبيعة السارية، و وضع لها اللفظ، فمثل هذا الجامع العام بهذا النحو، غير الجامع الملحوظ معرى عن الخصوصيات، فإن الثانى لا موطن له الا فى الذهن، بخلاف الاول، فانه كما هو متحقق فى الخارج، يمكن لحاظه كذلك فى الذهن، فحينئذ ربما يوضع اللفظ لذلك المعنى العام- المندك فى ضمن الخصوصيات، كما أنه ربما يوضع اللفظ للمعنى العام المعرى عن لحاظ الخصوصيات فللوضع العام حينئذ قسمان و ليكن ببالك لينفعك فيما سيأتى.

«التحقيق فى معانى الحروف»

«ثم انه لا ريب فى ثبوت وضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الاعلام، و كذا وضع العام و الموضوع له العام» بالمعنى المشهور الذى هو معرى عن الخصوصيات «كوضع اسماء الاجناس» و اما القسم الثانى من الموضوع له العام الذى نحن تصورنا فسيبين لك مثاله فيما ياتى إن شاء الله.

29

«و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهم انه وضع الحروف، و ما الحق بها من الاسماء كما توهم ايضا ان المستعمل فيه فيها خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما» و كلا القولين فيه ما لا يخفى «و التحقيق حسبما يؤدى اليه النظر الدقيق ان حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما فى الاسماء، و ذلك لان الخصوصية المتوهمة ان كانت هى الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك، بل كليا» ضرورة ان الابتداء المستفاد من لفظة «من» فى قولك سرت من البصرة، لا يختص بواحد معين من نقاط البصرة فما يفهم من لفظة «من» فى هذا الكلام ما يساوق المستفاد من لفظ الابتداء فى قولك ابتداء سيرى من البصرة «و لذا التجأ بعض الفحول‏ (1) الى جعله جزئيا اضافيا و هو كما ترى» ضعفه ظاهر، ضرورة انه اذا جاز ان يكون المعنى الحرفى عنده بمعنى عام تحت ما هو اعم منه بحسب ما سماه جزئيا اضافيا، فليكن الموضوع له عاما، و لا داعى للالتزام بكون الموضوع له فيها خاصا.

و بالجملة اعتبار الجزئية الخارجية فى المعانى الحرفية، خلاف الوجدان، و ما اعتذر به البعض واضح البطلان.

و يزيدك تصديقا فى بطلان اعتبار الجزئية الخارجية، انه يصح ان يقال: اكلت، و شربت، و سرت من البصرة، مع انه بناء على اعتبارها يلزم استعمال اللفظ الواحد فى معان عديدة و هو باطل. هذا اذا كانت الخصوصية المعتبرة خارجية، و قد عرفت فساد اعتبارها.

و ان كانت الخصوصية المعتبرة هى الخصوصية الذهنية الموجبة

____________

(1)- هو صاحب الفصول فى كتابه ص: 16.

30

لكونه، اى المعنى الحرفى «جزئيا ذهنيا حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا، إلّا اذا لوحظ حالة لمعنى آخر، و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون فى الخارج الا فى الموضوع، كذلك هو لا يكون فى الذهن الا فى مفهوم آخر، و لذا قيل فى تعريفه ما دل على معنى فى غيره، فالمعنى و ان كان لا محالة يصير جزئيا» لان التبعية للغير المعتبرة للمعنى الحرفى من لوازم شخص اللحاظ الخاص المتعلق بذلك المعنى الحرفى فلا محالة يصير جزئيا «بهذا اللحاظ بحيث يباينه اذا لوحظ ثانيا، كما لوحظ اولا و لو كان اللاحظ واحدا إلّا ان هذا لا يكاد يكون ماخوذا فى المستعمل فيه و إلّا» فلو كان ماخوذا فيه لزم اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد و هو محال، وجه الملازمة انه لا بد له من لحاظ محقق للمعنى، و لحاظ مصحح للاستعمال ضرورة ان المستعمل لا بد له من ملاحظة المعنى ثم استعمال اللفظ، فيكون معنى الابتداء المستفاد من «من» فى سرت من البصرة، قد تعلق به لحاظان و هو بديهى الفساد. و هذا معنى قوله: «فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لا بد منه فى استعمال الالفاظ و هو كما ترى».

و ايضا لو قال المولى: سر من البصرة، فلا يمكن الامتثال لاستحالة وجود الملحوظ باللحاظ الذهنى مقيدا باللحاظ الذهنى فى الخارج.

و ايضا يلزم مساواة الحروف و الاسماء فى الوضع، لان الالية و الاستقلالية كلاهما على السواء فى اقتضائهما شخصية المعنى، فلزم ان يكون كل منهما موضوعا بالوضع العام، و الموضوع له الخاص الى آخر ما ذكره فى الكفاية و ختم كلامه بالامر بالتامل «فانه دقيق و قد ذل فيه اقدام غير واحد من اهل التحقيق و التدقيق».

31

و بعد هذا كله فنقول: ان هذا الكلام منه ناظر الى كلام صاحب الفصول، فلا باس بذكر بعض فقرات كلامه.

قال صاحب الفصول فى معانى الحروف: ان التحقيق ان الواضع لاحظ فى وضعها معانيها الكلية، و وضعها بازائها باعتبار كونها آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصة، فلاحظ فى وضع «من» مثلا مفهوم الابتداء المطلق، و وضعها بازائه باعتبار كونه آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصة، من السير و البصرة مثلا، فيكون مداليلها خاصة لا محالة. (1)

و قال فى موضع آخر: اعلم ان الحروف حيث كانت موضوعة بازاء المفاهيم الملحوظ بها حال ما تعلقت به، لا جرم كان معانيها الحقيقية معان خاصة مقيدة بمتعلقاتها الخاصة، و تلك المعانى و ان كانت فى حد انفسها كلية، إلّا ان اعتبار تقيدها باللحاظ على الوجه الذى سبق، يصيرها شخصية ممتنعة الصدق على الافراد المتكثرة، فان الماهية متى اعتبرت بشرط التقييد بالوجود الذهنى و هو المراد باللحاظ او بالوجود الخارجى، خرجت عن كونها كلية لا محالة، فانها من صفات الماهية الموجودة فى الذهن عند تجريد النظر عن وجودها فيه، و لا يلزم مما قررناه ان يكون الحروف باعتبار كل واحد من معاينها من متكثر المعنى ذاتا، نظرا الى تعدد ما يعتريها من اللحاظ لان المسمى نفس المفهوم، و هو لا يختلف فى موارده و ان تعدد القيد المعتبر فى لحوق الوضع له فانه شرط خارج عن المسمى، و ليس بشرط داخل فيه، فهى عند التحقيق موضوعة بازاء المفاهيم المقيدة باحد افراد الوجود الذهنى الآلي من غير ان يكون القيد و

____________

(1)- الفصول فى الاصول: 16.

32

التقيد داخلا، فيكون مداليلها جزئيات حقيقية متحدة فى مواردها ذاتا و متعددة الحقيقة تقييدا و قيدا. انتهى موضع الحاجة من كلامه قده‏ (1).

و يمكن الذب عن الفصول بان الاشكال عليه، يبتنى على ان اللحاظ الذهنى الذى صير معنى الابتداء شخصيا، قد اخذ فى معنى الحرف جزءا مقوما، و ليس كذلك بل بسببه يحدث لتلك الحصة من الابتداء المتعلق بها اللحاظ الذهنى نحو ضيق، على وجه لا يتناول الحصة الاخرى من الابتداء الملحوظة بلحاظ آخر، فهى حصة مهملة لا اطلاق لها، و لا هى مقيدة باللحاظ، و هذا شان كل معروض اذا قيس الى عارضه، او موضوع قيس الى محموله، فان الموضوع لم يعتبر مقيدا بالمحمول، و إلّا لزم تاخر ما هو مقدم رتبة، اذ المقيد بوصف التقييد، مؤخر طبعا عن القيد، و هذا ينافى الموضوعية اذ الموضوع، له تقدم طبعى على محموله.

نعم لتلك الحصة جهة كلية من حيث الانطباق على الافراد الخارجية، فهى جزئية ذهنية، لا تنطبق على سائر الحصص الذهنية، و ان كانت كلية من حيث الانطباق على الخارجيات.

و اذا عرفت ذلك نقول: قولك: يلزم تعدد اللحاظ قلنا: لا نحتاج الا الى لحاظ واحد استعمالى به يتحصص المعنى الحرفى و يصير جزئيا و لا يحتاج الى لحاظ آخر يكون مقوما للمعنى الحرفى، لما عرفت من ان المعنى الحرفى معرى عن اللحاظ ذاتا، و انما باللحاظ يتحدد المعنى و يتحصص، و هذا يكفيه اللحاظ الاستعمالى و اما قولك: انه مع قيد اللحاظ لا يكاد يوجد المعنى فى الخارج، و حينئذ فلا يمكن‏

____________

(1)- الفصول فى الاصول: 13.

33

الامتثال.

قلنا: قد عرفت ان اللحاظ لم يكن ماخوذا فى المعنى حصة قابلة الانطباق على الخارجيات، و ان كانت لا تشتمل الجزئيات الذهنية، و اما قولك: يلزم من هذا خروج الاسماء ايضا من متحد المعنى و دخولها فى متكثره لاعتبار الاستقلال فى مفهومها. قلنا: قد عرفت آنفا ان لنا فى الوضع العام و الموضوع له العام قسمين، تارة يلحظ العام معرى عن الخصوصيات و يوضع اللفظ له، و اخرى يلحظ فى ضمن الخصوصيات، بحيث يجى‏ء العام مع الخصوصيات فى الذهن و يوضع اللفظ له، فنقول الحروف طرا وضعها بهذا النحو.

و اما الاسماء فيجى‏ء فيها القسمان و على كلا الوجهين لم تخرج من متحد المعنى، و ان اختلف اعتبار المعنى بحسب اللحاظ، هذا على المختار.

و اما على ما اختاره الفصول فى الاسماء من انها يجوز ان تستعمل تبعا، كما يجوز ان تستعمل استقلالا (1).

فذاك مسلك آخر. محتاج به بيان آخر ليعلم مقدمة: انهم اختلفوا فى المطلق و المقيد فى ان المطلق موضوع للطبيعة الشائعة بين الافراد، او صرف الطبيعة المهملة؟ المشهور على الاول و سلطان العلماء على الثانى‏ (2) و تظهر الثمرة عند التقييد، فعلى المشهور يكون استعمال المقيد مجازا اذ التقييد ضد الشيوع، بخلافه على القول الثانى اذ الطبيعة اللابشرط تجامع مع الف شرط، و لما كان المختار عندنا و عند جل المتاخرين هو ما اختاره السلطان، فنقول: معنى‏

____________

(1)- الفصول فى الاصول: 13.

(2)- شرح معالم الدين «للمولى محمد صالح المازندرانى» و يليه حاشية سلطان العلماء قده ص: 274.

34

الابتداء اذا تعلق به اللحاظ صار ملحوظا، فهو معروض اللحاظ و المعرضية، تارة تطلق و يراد بها عنوانا مشيرا الى الذات المعروضة، و اخرى يراد بها المتصف بالعارض بشرط الاتصاف بحيث يكون العارض دخيلا فى اصل المعنى، و الذى أراده الفصول هو الاول لانه اعتبر اللحاظ شرطا خارجا، فالابتداء الملحوظ آلة بمنزلة المطلق الذى يعتريه التقييد، ليس إلّا الماهية البحث الخالية عن جهة الاطلاق و التقييد.

و بعبارة اخرى الماهية التى يعرضها الاطلاق و التقييد، لا محيص تكون معراة عنهما فحينئذ لم تكن هى الا مهملة، و هى بهذا الاعتبار يمتنع صدقها على سائر الملحوظات، و ان كانت تنطبق على كثيرين فى الخارج، فهى فى حال تعلق اللحاظ بها جزئية ذهنية، و ان كانت بالقياس الى الخارجيات كلية، و حينئذ فلا موقع لاشكالين الاولين عليه لعدم اخذ اللحاظ فى حقيقة المعنى الحرفى، و يكفى لحاظ واحد للاستعمال.

نعم يتجه عليه الاشكال الاخير و حاصله، ان مثل هذا اللحاظ اذا حكم بصيرورة الحروف من متكثرات المعنى، فليحكم ذلك فى الاسماء ايضا من حيث انها ملحوظة، بالاستقلال.

و ما اجاب عنه قده بعدم اعتبار الاستقلال فى الاسماء، حتى انها يجوزان تستعمل تبعا.

لا يجديه، و لا يرتفع به غائلة الاشكال، اذ الاسم الملحوظ، ان كان معتبرا مطلقا، فليعتبر ذلك فى الحروف ايضا، و ان اعتبر مقيدا ففى الحروف ايضا مثل ذلك، و ان كان مهملا ففى المقامين كذلك.

و بالجملة الاسم بعد تعلق اللحاظ باى نحو كان لا يفترق به عن الحرف، فبأي نحو يمكن اعتبار الاسم فى ذلك اللحاظ، يمكن اعتبار

35

الحرف كذلك، فبناء على ذلك لا يتصور وضع العام و الموضوع له العام فى الاسماء و الحروف، اذ لا بد من تشخص ذهنى فى الملحوظ منهما تبعا او استقلالا، و مع هذا التشخص الذهنى كيف يتصور عموم فى المعنى حتى يكون الوضع فيه عاما و الموضوع له كذلك.

نعم بالنسبة الى الخارجيات يمكن تصوير العموم و الانطباق على المتكثرات، و هذا بخلاف التشخصات الذهنية، فانها جزئيات ذهنية لا يكاد يكون لها انطباق على ما فى الذهن من الحصص المتكثرة بمعونة اللحاظ، فلا يتصور فيها الا الوضع العام و الموضوع له الخاص، و ذلك بتوسيط مفهوم عرضى مشيرا به الى الحصص الذهنية الملحوظة، فيقال تلك الحصص قد وضع لها اللفظ، و حينئذ فتحرج الحروف و الاسماء من متحد المعنى الى متكثر المعنى، و هذا لا يلتزم به صاحب الفصول و لا غيره فلا محيص الا من الذهاب الى ما تصورناه فى الوضع العام و الموضوع له العام، من القسم الآخر المغاير لما عليه المشهور.

فنقول: هنا لما كانت الحصص المتكثرة الملحوظة، تبعا من الابتداء، تشترك فى جامع ملحوظ فى الضمن تبعا للخصوصيات الابتدائية الذهنية، فتضع لفظ «من» لذلك الجامع، كما ان هذه الحصص اذا لوحظت استقلالا، وضع لما فيها من الجامع الملحوظ لفظ الابتداء، فيكون مثل هذا الجامع فى المقامين مجامعا للخصوصيات لا هو معرى عنها، و بهذا افترقت الاسماء عن الحروف، حيث ان المعنى الحرفى ذلك الجامع بين الحصص الملحوظة تبعا، و المعنى الاسمى ذلك الجامع بين الحصص الملحوظة استقلالا، و ان كانت تشترك فى ان كلا منهما من قسم متحد المعنى لا متكثره.

و هل بينهما اختلاف آخر بحسب الذات علاوة عن اللحاظ ام لا؟

و الظاهر وجوب الاختلاف بينهما بحسب الذات، ببيان ان من الاعراض‏

36

ما يفتقر الى محل واحد فى الخارج، كالكيفيات و الكميات، و ان كانت فى عالم التصور، لا تفتقر الى محل، بل يمكن تصورها مجردة عن معروضها.

و منها، ما يحتاج الى محلين و طرفين كالنسب و الاضافات، فانها تفتقر الى المنسوب، و المنسوب اليه و المضاف و المضاف اليه، و حينئذ فتقول مفهوم الابتداء الاسمى من قبيل الاول، فان الابتداء لا يحتاج إلّا الى وجود مسبوق بالعدم، و لا يفتقر الى شى‏ء آخر، بخلاف مفهوم «من» فانها لا تكاد تتحقق لها مفهوم و معنى إلّا بملاحظة طرفيها من السير و البصرة مثلا، كما هو مشاهد فى قولك: بدو سيرى من البصرة، فانك ترى البدو الذى هو معنى اسمى للابتداء، لا يفتقر إلّا الى السير الذى هو المحل المعروض للابتداء، بخلاف معنى «من» فانه يفتقر الى امرين، السير و البصرة و هكذا الحال فى كل ما كان من قبيل «من» مما دل على النسب و الاضافات، كهيئات الافعال و المشتقات.

و فى تلك الاضافات و النسب اختلافات فيما بينها، بحسب اختلاف اطرافها، فان النسبة التى بين زيد على السطح، غير النسبة التى بين عمرو على السطح، او زيد على السطح غير زيد على الفرس و هكذا، بل النسبة التى بين خصوصية و خصوصية، غير النسبة التى بين كلتيهما، مثلا الخصوصية التى هى نسبة بين زيد و كونه على نقطة خاصة من السطح، غير كون الانسان على السطح، فهما بحسب الذهن و التعقل نسبة بين كليين، و نسبة بين جزئيين، و ان كانت النسبتان فى الخارج منطبقين على شى‏ء واحد.

و هكذا الكلام فى النسب الظرفية، و الابتدائية، و الانتهائية، فانها فيما بينها مختلفة بحسب اختلاف اطرافها.

37

و من هنا اشكل النهاوندى قده‏ (1) فى تشريحه بان الحروف لا يتعقل فيها غير وضع العام و الموضوع له الخاص، اذ الحروف كلها على ما عرفت، نسب جزئية خاصة لا تندرج تحت ضابط (2).

لانك قد عرفت منا تصوير وضع العام و الموضوع له العام فيها، حيث ان النسب الابتدائية و ان كانت مختلفة فيما بينها، إلّا انها تشترك كلها فى كونها نسب ابتدائية، و هكذا فى النسب الظرفية و غيرها من اقسام النسب الحرفية، فهى بما فيها من الجامع المنتظم مع الخصوصيات تفترق من جهة الخصوصيات، و تأتلف بالجامع، و هى بهذا النحو التى هى فى الخارج من كونها خصوصيات منضمة الى جامع يمكن تصورها فى عالم الذهن، فاذا وضع الحرف لمثل هذا الجامع الضمنى كان وضعه عاما و الموضوع له عاما، و لا ينافى مع ذلك تصور الخصوصية. من لفظ الحرف لكون الجامع حسب الفرض مصاحبا مع الخصوصية، فكانت الحروف على هذا من متحد المعنى لا متكثره، و مثلها هيئات للافعال و المشتقات.

«حول الخبر و الانشاء»

«ثم لا يبعد ان يكون الاختلاف فى الخبر و الانشاء ايضا كذلك، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل فى حكاية ثبوت معناه فى موطنه، و الانشاء يستعمل فى قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتامل».

____________

(1)- هو العلامة المؤسس شيخنا المولى على بن المولى فتح الله النهاوندى النجفى ... راجع الذريعة ج 4 ص 185.

(2)- تشريح الاصول: ص: 41.

38

و توضيح المقام ان لكل شى‏ء اعتبارين، الوجود و الايجاد، فان اعتبر متحركا من كتم العدم الى عالم الوجود كان ذلك ايجادا و يعبر عنه بالفارسية «وجود گرفتن» و ان اعتبر متلبسا بالوجود كان ذلك وجودا و يعبر عنه ايضا «بوجود داشتن» و منه يظهر ان اعتبار الوجود مؤخر رتبة عن اعتبار الايجاد. و بهذا يمكن الفرق بين الفعل و اسم فاعله، حيث ان الاول يدل على حالة التحرك، و بعد ذلك اذا حصلت الحركة و تحصل المتحرك، تعنون بعنوان اسم الفاعل الذى هو فى الحقيقة دال على المتلبس بعد الفراغ عن تلبسه، بخلاف الفعل الدال على حدوث التلبس و الى ذلك اشير فى الخبر، الاسم ما دل على المسمى، و الفعل ما دل على حركة المسمى‏ (1) و المراد بالمسمى هو المعنى المدلول عليه باللفظ، فكان هذا هو الفارق بين الاسماء و الافعال، ففى الاسم دلالة على الوجود، و فى الفعل دلالة على الايجاد، و هذا الايجاد هو معنى الجملة، اسمية كانت او فعلية، خبرية كانت او انشائية، كما ان معنى الوجود هو معنى الاسم مفردا او مركبا فان المركبات التقييدية، كغلام زيد مثلا، حالها حال المفردات فى دلالتها على شى‏ء مفروض الوجود، اى دالة على نسب و اضافة متحققة، لا كالمركبات التامة الدالة على احداث النسبة و ايقاعها، و من هذا الباب قولهم: ان الاوصاف قبل العلم بها اخبار و بعد العلم بها اوصاف و السر فى ذلك ما ذكرناه من ان مفاد الايجاد و احداث التلبس، لا يكون إلّا قبل العلم لافادة المخاطب، و بعد ان علم بها بالاخبار، صارت الذات‏

____________

(1)- الخبر المروى فى هذه المسألة مشهور من كلام مولانا و امامنا على بن أبي طالب (ع) حيث رمى الى ابى الاسود الدؤلى رقعة فيها .... الاسم ما انباء عن المسمى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما اوجد معنى فى غيره ... تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام ص 60.

39

مميزة بذلك الوصف، و يلحق المحمول بالاوصاف.

ثم انهم ربما يطلقون على القضية، اسم التصديق، فيقولون قضية تصديقية، باعتبار كون نسبتها متعلقة للتصديق و الاذعان، و ربما يتوسعون، فيطلقون، على كل قضية انها تصديقية حتى فى مثل المشكوكات، و الموهومات منها، و ذلك منهم مسامحة فى مسامحة فلا تغفل.

و اذا عرفت اشتراك تمام الجمل فى حيثية الايجاد و الايقاع، كما يساعد عليه الوجدان.

ظهر لك انه لا مائز بين الاخبار و الانشاء بالذات، و انما يفترقان باعتبار آخر، حيث ان هذا المعنى الإيقاعى، تارة يتخذ وسيلة للحكاية و يقصد به اعلام ما فى الخارج، و اخرى يتخذ وسيلة لتحقق معناه و ثبوته فى الخارج، مثلا اذا قيل «بعت» فلا شك فى ان قصده ايقاع هذه النسبة، و هذا المعنى جامع بين الاخبارية و الانشائية، فان قصد بذلك المعنى، التوسل الى حكاية ما فى الخارج، كان ذلك اخبارا، و ان قصد به التوسل الى وقوع بيع مملك فى الخارج، كان ذلك انشاء.

فالجملتان بحسب الذات و المستعمل فيه متفقان، و انما الاختلاف بينهما فى كيفية الاستعمال نظير الاسماء و الحروف.

ثم ان كل من الاخبار و الانشاء، ينقسم الى الجد و الهزل فتارة يخبر او ينشئ عن جد و ارادة واقعية و اخرى عن داعى الهزل و السخرية، و الجد فى الانشاء، يكون بقصد الموجدية و المؤثرية لا محالة، إلّا انه قد يترتب عليه فى الخارج، ما قصده و اراد وقوعه، و قد لا يترتب كما فى البيع الفضولى فانه و ان كان يصدر عن العاقد بداعى الجد و التاثير، إلّا انه ما لم تلحقه الاجازة لا يكاد يكون له‏

40

تاثير واقعا، و كذلك الهبة قبل القبض بناء على اشتراط صحتها به.

فتلخص مما ذكرنا ان للكلام و ما يتبعه من الوقوع و اللاوقوع فى الخارج مراتب.

اوليها: مرتبة الايقاع الذى هو محفوظ فى الكلام بجميع اقسامه. ثانيها مرتبة الحكاية و الموقعية التى بها يحصل الامتياز بين الخبر و الانشاء. ثالثها مرتبة الجد و الهزل التى هى مشتركة بين الاخبار و الانشاء. رابعها: مرتبة الوقوع و تحقق مفاد الجملة فى الخارج اخبارا و انشاء.

اذا عرفت هذه المراتب، فينبغى بعد ذلك لمزيد توضيح كلام الماتن قده، بيان ان اى مرتبة من هذه المراتب داخلة فى المستعمل فيه و ايها خارجة؟

فنقول: اما المرتبة الاولى، التى هى مرتبة الايقاع و الانتزاع فهى من مقومات الكلام و لا يحصل بدونه، فكما ان الموضوع و المحمول و الفعل و الفاعل مما يتقوم بها معنى الكلام، فكذلك النسبة الايقاعية التى هى مدلول الهيئة الكلامية، لا يحصل معناه الا باعتبارها و ملاحظتها.

و اما المرتبة الثانية التى هى الفارقة بين الاخبار و الانشاء، من حيث الحكاية و الموقعية فهى من شئون المستعمل فيه، ملحوظة بتبع لحاظ الايقاع الكلامى، فاللاحظ يلاحظ النسبة الايقاعية المكيفة بحيثية الحكاية او التحقيق، فهناك لحاظ واحد متعلق بالمجموع من الايقاع المكيف بكيفية الاخبارية و الانشائية، لا لحاظان، احدهما للايقاع، و الآخر لشئونه من كيفية الاخبار و الانشاء، و ان كان بالتحليل العقلى لحاظان إلّا ان المتحقق فى عالم الذهن ليس إلّا شخص لحاظ واحد.

فقد انقدح بذلك ان كيفية الاخبارية و الانشائية ملحوظان بلحاظ

41

النسبة الايقاعية، و من هذا الوجه يحصل الفرق بين الانشاء و الاخبار، و بين الحروف و الاسماء، حيث ان التبعية و الاستقلالية اللتين بهما يفترق الاسماء عن الحروف و ان كانا من شئون المستعمل فيه إلّا انهما معلولان للحاظ. و هذا بخلاف الموقعية و الحكاية اللتين بهما اقتران الاخبارات عن الإنشاءات فانهما بانفسهما متعلقان للحاظ. فكان الاخبار و الانشاء تشترك مع الاسم و الحرف فى اتحاد المستعمل فيه فى كل منهما، فان الابتداء الاسمى، و «من» الحرفى مشتركان فى ان المستعمل فيه فى كليها معنى الابتداء و ان افترقا باللحاظ الاستقلالى و التبعى الذين هما من شئون المستعمل فيه.

كما ان الانشاء و الاخبار يشتركان فى انهما مستعملان فى معنى الايقاع، و ان افترقا فى حيثية الحكاية و الموقعية اللتين هما من شئون المعنى الايقاعى إلّا أنّك قد عرفت الفارق بين كلتا الطائفتين من حيث المعلولية اللحاظ فى الحروف و الاسماء، و متعلق اللحاظ فى الاخبارات و الانشاءات.

و لعله الى هذا المقدار من الفرق اشار بالامر بالتامل بعد ما حكم بالمساوات بين الاخبار و الانشاء و بين الاسم و الحرف.

و على اى حال هذه، الجهة الزائدة على اصل معنى الايقاع فى قسمى الاخبار و الانشاء، و الجهة الزائدة على معنى الابتداء، الفارقة بين من الحرفى و الابتداء الاسمى، لم تكن الا من اشتراط الواضع فى «من» بان يستعمل تبعا، و فى الابتداء ليستعمل استقلالا، كما هو الحال فى الاخبار بان يستعمل بقصد الحكاية و فى الانشاء بقصد التحقق و الثبوت.

و اما المرتبة الثالثة التى هى داعى الجد و الهزل، فمن المعلوم ان ذلك من الدواعى الداعية للتكلم، و الدواعى خارجة عن المستعمل‏

42

فيه لا داخلة فيه كما انه فى المرتبة الرابعة التى هى مرتبة الثبوت الواقعى لم يكن ذلك من شئون الاستعمال، و لا المستعمل فيه ابدا، بل هو تابع لواقعه فان تحققت شرائط المقررة للوقوع يقع خارجا كالانشاء و إلّا فلا.

و ليعلم ان النسبة الايقاعية التى هى مقوم الكلام كفحوى الاخبار و الانشاء خفيف المئونة يصح للمتكلم اعتبارها فى كل مقام كقولك:

الارض تحتنا، و السماء فوقنا، و ملكت السماء و هكذا، بخلاف الانشاء الجدى فانه لا يمكن اعتباره الا فيما يمكن تحققه بذاك الداعى و ذلك انما يكون فى الاعتباريات الخارجية المعبر عنها بخارج المحمول نحو الملكية، فقول المنشئ بداعى الجد يترتب عليه الملكية و الانتقال مع اجتماع سائر الشرائط.

ثم ان هذا كله فيما يصلح الخبرية و الانشائية، كما فى مثل بعت، و زوجتى طالق فبقى فى صيغتى الامر الدالين بهيئتهما على الانشاء مع عدم صلاحيته لصرفه الى الاخبار و السر فى ذلك ان فى ذاك القسم من الكلام كان ما تحت الهيئة الكلامية معنى الصدور و الايقاع الذى هو صالح لصرفه الى جنسى الاخبار و الانشاء. بخلاف مثل صيغة الامر اذ هى لا تدل الا على الارسال و البعث نحو المطلوب بلا توسيط جهة ايقاعية فى البين فلا مدلول لها الا هذا المعنى. و لا نعنى من الارسال و البعث ما يكون خارجيا حتى يتجه على ذلك انه اذا لم يقع فى الخارج الانبعاث نحو المطلوب، لا يكون اللفظ مقصودا فيكون استعماله مجازا بل المراد منه البعث المتصور ذهنا المنطبق تصورا على ما فى الخارج و ان لم يتحقق فى الخارج بعث و لا انبعاث.

و كذا كل معنى انشائى او اخبارى، حرفى او اسمى لا يراد منه الا الصور الذهنية، طابقت الخارج او لم تطابقه، وقع بازائها شى‏ء

43

خارجا او لم يقع.

و اذا عرفت ان معنى صيغة الامر هو الارسال و البعث، و بعبارة اخرى كانه يحرك الامر المامور نحو الفعل، ظهر لك ان الطلب خارج عن مدلول الصيغة، بل هو مدلول التزامى لها اذ الارسال يستدعى الطلب و الارادة، و إلّا فلو كان معنى الصيغة نفس الطلب لكان مفادها من المحمولات بالضميمة و هى الاعراض القائمة بالمحل الواحد، و قد تقدم آنفا ان هذا المعنى معنى الاسماء دون الحروف و ما شاكلها من الهيئات، و انما مفادها من قبيل خارج المحمول اى الاعتبارات المفتقرة الى طرفين، إلّا ان هذا مبنى على اتحاد الطلب و الارادة حتى يكون الطلب معنى عرضيا قائما بالنفس، فيكون كسائر الاعراض القائمة بمحالها.

اما لو قلنا بتغايرهما فلا غرو اصلا من دعوى ان مدلول صيغة الامر هو الطلب، اذ الطلب على هذا هو عين الارسال المعبر عنه بالفارسية «خواهش كردن» و الارادة هى المعنى القائم بالنفس المعبر عنها ايضا «بخواهش داشتن».

هذا كله الكلام فى الانشاء و قد عرفت ان منه ما لا يصلح للاخبار و منه ما يصلح لذلك.

و اما الحروف فهى ايضا ربما تختلف، منها ما يكون حاكية عن نسبة ثابتة على حذو النسب التقييدية مثلا فى قولك بدو السير من البصرة، او كون على السطح و غير ذلك من التراكيب الغير التامة المشتملة على حرف من حروف الجر لا يراد منه الا الاشارة، و بيان ما كان و تحقق فى الخارج من النسبة الكذائية، فهى دالة فى مثل هذه التراكيب على نسبة محققة، خارجية بالمعنى الذى سبق من كونها صورا منطبقة على ما فى الخارج بحسب التصور و التعقل.

44

و منها ما تكون صادرة للايقاع و الموجدية نحو حرف النداء الذى لم يصدر الا لاحداث النداء بحسب نظر المنادى و ان لم يتحقق فى الخارج نداء حقيقى، فلو نودى الجبل او سائر الجمادات لم يكن اللفظ خارجا عن معناه الحقيقى، بل قد استعمل حقيقة فى النداء و ان لم يكن المنادى ممن له شعور و ادراك.

و منها ما يدل على الاضافة نحو حروف المشبهة بالفعل فانها دالة على اضافة بين معنى الترجى فى لعل و التمنى فى ليت و هكذا و بين مداليل الجمل الواقعة من زيد قائم و عمرو جالس و امثال ذلك، فيكون نسبة الترجى و نحوه الى هذه الحروف كنسبة الطلب الى صيغة الامر فهى مدلولات التزامية خارجة عن اصل المعنى، و انما يكون معناها الاضافة المتحققة بين هذه الصفات و الجمل التى هى داخلة عليها و عاملة فيها فافهم و اغتنم.

«حول الاسماء المبهمة»

«ثم انه قد انقدح مما حققناه» الى قوله «غير مجازفة»

و ليعلم مقدمة لتوضيح ما افاده قده ان تصور الشى‏ء تارة بنحو الاجمال، و اخرى بنحو التفصيل مثلا قد يتصور زيد مجملا لا بنحو التفصيل و ذلك تحصل بالنظر الى شبحه، و قد يتصور تفصيلا و ذلك بالنظر الى شخصه و خصوصيته، و لا ريب ان نحوى التصور فى ذلك مختلفان فى عالم الذهن و الانتقال إلّا انه بعد حصول المعرفة التفصيلية يتحقق الانطباق و التطابق بين كلتا الصورتين و يعدان بعد ذلك شيئا واحدا من جميع الوجوه و الحيثيات. و ذلك بخلاف ما اذا تصور زيدا بعنوانه الكلى ثم تصوره ثانيا بعنوانه التفصيلى‏

45

الجزئى، فان الكلى و ان كان مع ملاحظته مع جزئية فى الخارج متحدان وجودا إلّا ان اتحادهما ليس إلّا من هذا الوجه الذى هو الوجود الخارجى، و إلّا قمع قطع النظر عن ذلك لم يكن الكلى الا جزءا من جزئية ذاتا او عرضا لتركب الجزئى من الكلى و الخصوصية.

و الحاصل انه فرق بين اتحاد الصورة الاجمالية مع الصورة التفصيلية، و بين اتحاد الكلى مع افراده.

فان الاول اتحاد من جميع الوجوه و الحيثيات، و الثانى اتحاد من جهة دون جهة، و لا يغرنك ما تراه من صحة حمل الكلى على افراده، فان الحمل يكفيه اتحاد ما، فلا دلالة فيه على اتحاد التام كما هو كذلك بين الصورة الاجمالية و التفصيلية.

ثم ان الصورة المنتقشة فى الذهن تارة تكون متصورة بلا توجه نفسى اليها و اخرى مع توجه كذلك كما هو المشاهد فيمن يرى زيدا فانه بمجرد النظر اليه تنتقش صورته فى الذهن، إلّا انه ربما ينقدح له داع للمخاطبة و المحاورة معه، و اخرى لا ينقدح له مثل ذلك الداعى فتبقى الصورة حينئذ معراة فى عالم الذهن عن توجه نفسى اليها، و هذا التوجه متاخر تبعا عن اللحاظ اذ ما لم يكن المعنى مسبوقا باللحاظ لا يكاد يحصل ثمة توجه من النفس اليه و النسبة بين اللحاظ و التوجه عموم و خصوص مطلقا بحسب الموارد فكل مورد كان فيه توجه نفسى الى المعنى، لا بد و ان يكون ذلك المعنى ملحوظا سابقا و لا عكس لما عرفت انه ربما يحصل اللحاظ و التصور للمعنى، بلا تحقق توجه من النفس اليه.

ثم ان التوجه و اللحاظ اذا تحققا و تعلقا بالذات، كانا من قبيل اللحاظ الحرفى و الاسمى غير مأخوذين فى المتعلق، ضرورة انه ليست الذات بقيد اللحاظ او التوجه متعلقة لهما، بل الذات البحت‏

46

المعراة عن القيدين متعلق لهما، و اذا كانت الذات بما هى متعلقة لهما يظهر لك الحال فى الاسماء المبهمة من كونها موضوعة بالوضع العام و الموضوع له العام. كما قال قده: «ان المستعمل فيه فى مثل اسماء الاشارة و الضمائر ايضا عام، و ان تشخصه انما نشاء من قبل طور استعمالها، حيث ان اسماء الاشارة وضعت ليشار بها الى معانيها، و كذا بعض الضمائر و بعضها ليخاطب به المعنى، و الاشارة، و التخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى».

و توضيح ذلك ان الاسماء المبهمة ليست موضوعة الا لتلك الصورة الاجمالية التى تراها متحدة مع كل مورد اريد فيه شخص خاص و هى تتضمن التوجه النفسى الذى به افترقت عما عداها من اسماء الاجناس و النكرات، و قد عرفت آنفا تجرد الذات الملحوظة مع التوجه عن مراعاة التقييد بقيدى اللحاظ و التوجه النفسى، و لم يكن الاستعمال الا ذكر اللفظ و لحاظ المعنى.

فيستنتج من مجموع هذه المقدمات، ان المستعمل فيه امر عام و هى الذات المطلقة الخالية عن تقييد ما و اذا كان هذا حال المستعمل فيه، استكشف عنه حال الموضوع له فى كونه مثله فى العموم، و إلّا فلو كان الموضوع له خاصا بقيدى التوجه و اللحاظ دون المستعمل فيه لحصل التخالف بين الموضوع له و المستعمل فيه، و كانت الاستعمالات فى مثل هذا المبهمات طرا مجازية، و هو بديهى الفساد فانقدح بذلك صحة المدعى من كون الوضع عاما و الموضوع له عاما ايضا.

و ما تراه من التخصيص و الانحصار فى ارادة فرد شخصى حين الاستعمال، فانما ذلك ناش من تضمنها قيد التوجه الذى هو آت من كيفية الاستعمال، و ليس هو معتبرا فى مفاهيمها.

هذا تمام الكلام فى توضيح ما افاده، إلّا انه يتجه عليه ما مر منا

47

نظيره فى المعانى الحرفية، من ان خروج الاشارة و التخاطب عن معنى اللفظ لا ينافى تخصص المعنى و صيرورته بمقدار يكون تواما مع الاشارة و التخاطب بحيث لا يكون له اطلاق، يشمل حال ضده و نقيضه، و حينئذ فيخرج المعنى بذلك عن الكلية الى الجزئية و يكون من متكثر المعنى، الا على ما سمعت منا فى كيفية تصوير وضع العام و الموضوع له العام هذا.

بقى الكلام فى شرح حال الاسماء المبهمة من الموصولات و اسماء الاشارة و المضمرات.

و حاصل الكلام انها تحتوى على جهات ثلاث، الاسمية و البناء، و التعريف و هذه لا تكون الا عن منشإ و سبب معنوى لاحق لها، و كشف الغطاء عنه انها باعتبار دلالتها على المعانى الاجمالية التى هى الذات الملحوظة فى عالم التصور المتحدة مع الصور التفصيلية عند لحاظ الاشخاص باعيانهم و خصوصياتهم بعنوان الزيدية و البكرية، كانت اسماء لانها بهذا المعنى مستقلة فى المفهومية.

و باعتبار تضمنها لمعنى الاشارة و التخاطب و المعهودية فى ضمير الغائب و الموصولات، كانت مبنية لان هذه المعانى نوع من النسب و الاضافات.

و باعتبار دلالتها على تعيين مسماها بالاستعمال كانت معرفة هذا ما افاده دام ظله فى مجلس البحث.

و يمكن الاستشكال فيما ذكر من وجه تعريفها من حيث ان هذا الوجه لو اقتضى تعريفها لاقتضى تعريف «من» الموصولة ايضا فكانت مثل من الموصولة خرجت عن النكارة الى التعريف لاتحاد المناط فيهما بسبب ان الموصولة فيها ايضا دلالة على الذات المعهودة بالصفة فهى كمن الموصولة دالة على الذات المعهودة بالصلة.

48

فان قلت: ان العهدية فى من الموصولة معتبرة فى الموضوع له بخلاف الموصوفة فان العهد فيها آت من قبل الاستعمال.

قلت: قد تبين لك الحال من اول البحث الى هنا ان المعهودية فى الموصولات كالاشارة و التخاطب فى اسماء الاشارة و ضمير المخاطب من شئون الاستعمال و ليست هى من قيود المستعمل فيه فتوافقت الموصولة و الموصوفة من حيث خروج المعهودية عن اصل المعنى فعاد الاشكال فتأمل.

«فى استعمال اللفظ فى نوعه، و شخصه و مثله»

هذا كله الكلام فيما يتعلق بالامر الثانى.

«و اما الامر الرابع» المتضمن لاستعمال اللفظ فى نوعه و صنفه و مثله فقد صدع قده فيه بالحق قائلا ان استعمال اللفظ فيها كما فى المجازات الجارية على اقتضاء السليقة، لا من باب الوضع بل من باب الدلالة الطبعية، و هل يجوز استعماله فى شخصه؟ فيه خلاف و مقتضى كلامه قده فيه، اختيار الجواز بوجه تغاير الدال و المدلول اعتبارا، و يتجه عليه ان الاستعمال كما اعترف به فى بحث المشترك ليس إلّا التوصل الى المعنى باللفظ العبرى و نظر المرآتى، بحيث لا يكون اللفظ فى جنب المعنى شيئا بحياله ملحوظا بالاستقلال، بل هو فان فيه فناء الوجه فى ذى الوجه و العنوان فى المعنون و هذا المعنى من الاستعمال ينافى اعتبار الشى‏ء بنحوين من اللحاظ فى استعمال واحد عبوريا و استقلاليا، و إلّا لزم اجتماع اللحاظين المتباينين فى الشى‏ء الواحد و هذا محال، بل اللازم فى مثل هذا النحو من الاستعمال اعتبار المغايرة الذاتية بلا اكتفاء بالمغايرة الاعتبارية، فمتى لم تحصل‏

49

المغايرة الذاتية لم يكن للقضية موضوع قد استعمل لفظه فى معناه، فتخلو القضية على هذا من الموضوع و تصير مركبة من جزءين نسبة و محمول كما ذكره فى الفصول‏ (1) بل اللازم تفردها بجزء واحد الذى هو المحمول خاصة من دون نسبة، لافتقار النسبة الى منتسبين فمع انتفاء احد طرفيها تنتفى هى قطعا، فيبقى المحمول لا بوصف المحمولية، بل باعتبار ذاته و شخصه.

نعم لو كان الاستعمال عبارة عن جعل اللفظ علامة و امارة لارادة المعنى لجاز ان يكون اللفظ ملحوظا بالاستقلال باعتبارين دالا و مدلولا، إلّا ان هذا مع كونه خلاف التحقيق خلاف مختاره قده فى مبحث المشترك.

«فى ان الدلالة تتبع الارادة»

«الخامس لا ريب فى كون الالفاظ موضوعة بازاء معاينها من حيث هى لا من حيث هى مرادة للافظها» سواء فسرت الارادة بالارادة اللحاظية او التصديقية التى هى بمعنى ارادة التفهيم و وجه يعلم من الكفاية، و حاصلها ان ما يتاتى من قبل الاستعمال يستحيل اعتباره فى مفهوم المستعمل فيه و لا يكاد يكون من قيوده، و ايضا الوجدان شاهد آخر على تجرد المعنى عن مثل هذا اللحاظ و الارادة من حيث خلو الاطراف فى الجمل و القضايا عن اعتبار الارادة فى مفهومها، لعدم الانسباق.

و ايضا يلزم من اعتبار الارادة فى المعنى «كون وضع عامة الالفاظ عاما و الموضوع له خاصا لمكان اعتبار خصوص ارادة

____________

(1)- الفصول فى الاصول: 22.

50

اللافظين فيما وضع له اللفظ»، لكنك خبير بان مفاد هذه باسرها، ليس إلّا عدم اعتبار الارادة داخلة فى معنى اللفظ، و لا ينافى ذلك خروجها عنه مع استتباعها تحصص المعنى بحصص تكون تواما مع الارادة اللحاظية بل و الارادة التصديقية ايضا كما ستعرفه إن شاء الله.

كما قلنا بمثل ذلك فى المعانى الحرفية فحينئذ يستلزم ذلك عدم الرخصة فى التعدى فى مدلول اللفظ عن المعنى الملحوظ من دون حاجة الى الالتزام بدخول الارادة حتى يشكل علينا بالوجهين الاولين.

بل الاشكال الاخير لا يرد ايضا فى مختارنا فى الوضع العام و الموضوع له العام، من تصوير معنى سار فى الحصص الخارجية و الذهنية الملحوظة فى عالم الذهن، و يكون اللفظ موضوعا لذلك المعنى، و حينئذ فلا يلزم القول باعتبار الارادة بالمعنى الذى بيناه، القول بكون وضع عامة الالفاظ عاما و الموضوع له خاصا هذا كله فى الارادة اللحاظية.

و اما الارادة التصديقية التى يبتنى عليها كلام «العلمين الشيخ الرئيس و المحقق الطوسى قده» (1)، الذاهبين «الى ان الدلالة تتبع الارادة» فاحسن ما قال شيخنا العلامة الاستاذ مد ظله فى وجهه ان غرض الواضع فى وضعه، ليس إلّا ارادة تفهيم المعنى بالبداهة، فاذا كان هذا هو الغرض من الوضع فذلك يستلزم ان يكون الموضوع له خصوص المعنى المقصود تفهيمه، لتبعية الوضع سعة و ضيقا دائرة الغرض، فاذا لم يكن للغرض سعة عموم شاملة للمعنى بجميع شئونه و اطواره، كيف يترتب عليه الوضع العام متعلقا بالمعنى باى نحو يكون و يتحقق! فمن ملاحظة الغرض يستكشف لما ان الوضع لم‏

____________

(1)- الاشارات و التنبيهات: ج 1 ص: 32.

51

يتعلق الا بحصة من المعنى، و هو الحصة التى تكون تواما مع ارادة التفهيم، لا بنحو الدخول و الجزئية، و حينئذ فاذا استعمل اللفظ فى المعنى بقصد التفهيم، كان ذلك على وفق الوضع و كان حقيقة، و اذا استعمل فيه لا بهذا الوجه و من دون هذا القصد كان مجازا لاستعماله فى غير المعنى الموضوع له.

و لعله الى هذا المعنى نظره قده فى قوله «و يتفرع عليها تبعية مقام الاثبات للثبوت و تفرع الكشف على الواقع المكشوف».

ان قلت: هذا انما يتم فى الوضع التعيينى دون التعينى، و ذلك لان ارادة التفهيم من الامور الاختيارية القصدية، فيفتقر صدوره من مختار و يكون باعثا لتخصيصه اللفظ بالمعنى لكيما يترتب عليه غرضه المقصود بمعونة الوضع، و هذا انما يتاتى فى الوضع التعيينى خاصة، اذ الوضع التعينى قهرى الحصول ينشأ من كثرة الاستعمال، و ليس هو متفرعا عن ارادة و قصد، فكيف يتصور فيه اختصاص المعنى بما يكون تواما مع ارادة التفهيم.

قلت: الوضع التعينى لما كان ناشيا عن كثرة الاستعمالات الخارجية، و لا ريب فى ان الاستعمالات الخاصة الواقعة فى الخارج لم تقع الا عن ارادة التفهيم، فهى اذ تراكمت و تكاثرت، توجب بمقتضى العادة اختصاص اللفظ بالمعنى على النهج الذى صدرت من المستعملين، و قد كانت فى حال صدورها عنهم منبعثة عن داعى ارادة التفهيم، لا باى وجه كان، فيكون الاختصاص المتسبب عنها غير خارج عن دائرة مسببه، فلا يكاد يكون الا اختصاص بين اللفظ بحصته الخاصة منه التى هى توأم مع ارادة التفهيم.

52

«القول فى وضع المركبات»

الامر السادس اختلفوا فى ان المركبات بما هى مركبات هل هى موضوعة بوضع على حدة غير الوضع المتعلق بموادها و هيئاتها ام لا؟

و ينشأ الخلاف اختلاف انظارهم فى بحث المطلق و المقيد فانه قد وقع الخلاف بينهم ثمة فى ان المطلق هل هو موضوع للحصة الشائعة و الطبيعة السارية كما هو مختار المشهور، او هو موضوع للماهية اللابشرط المقسمى التى لا يكاد ينافيها طرو التقييد فى المقيد كما هو الحق و عليه التحقيق، او لهم فيما اعلم سلطان العلماء؟

و يتفرع على خلافهم ثمة ان استعمال المقيدات على القول الاول مجاز، و على الثانى حقيقة. و اما وجه ابتناء الخلاف هنا على الخلاف ثمة، هو ان الاسماء المفردة باسرها لو نظرت اليها بعين البصيرة تراها غير خارجة عن الاطلاق و التقييد، حتى ان مثل زيد الذى هو علم شخصى غير منطبق على متكثرات فردية، لو اعتبرته بالنظر الى حالاته كان مطلقا، لصلاحيته للقيام و القعود و الاكل و الشرب و امثال ذلك، فاذا تقيد بواحد منها صار مقيدا، فاذا بنينا على وضع المطلقات للحصة الشائعة، لزم التجوز فى المواد المفردة الواقعة فى ضمن هيئات المركبات، لخروجها بذلك عن الشيوع الى التقييد، و هذا مما لا يلتزم به احد بل الوجدان يشهد بخلافه، حيث انا لا نجد فى تركيب زيد قائم و عمرو جالس و نحو ذلك خواص المجاز من رعاية علاقة و اعمال عناية، فهذا شاهد صدق على أنها لم تستعمل المواد فى حال التركيب الا فى المعنى الحقيقى، و لا يكون ذلك بناء