تحرير المعالم في أصول الفقه‏

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
235 /
3

المقدمة الاولى فى بيان فضيلة العلم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين، و اللعن الدائم على اعدائهم اجمعين.

و بعد فقد رتبنا هذا الكتاب على مقدمتين و مقامات و مطالب.

و نبذ مما يجب مراعاته على العلماء: فاعلم ان فضيلة العلم و ارتفاع درجته و علو رتبته امر كفى انتظامه فى سلك الضرورة مئونة الاهتمام بشأنه، غير انا نذكر على سبيل التنبيه شيئا من الآيات و الاخبار.

4

(2) اصل اما الكتاب الكريم‏

فقد اشير الى ذلك فى مواضع منه.

الاول: قوله تعالى فى سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (1- 5 العلق)

افتتح الرب تعالى السورة بذكر نعمة الايجاد و اتبعه بذكر نعمة العلم، فلو كان بعد نعمة الايجاد نعمة اعلى من العلم لكانت اجدر بالذكر و قد قيل فى وجه التناسب بين الآى المذكورة فى صدر هذه السورة المشتمل بعضها على‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، و بعضها على تعليم ما لم يعلم، انه تعالى ذكر اول حال الانسان اعنى كونه علقة و هى بمكان من الخساسة، و أخر حاله و هى صيرورته عالما و ذلك كمال الرفعة و الجلالة، فكأنه سبحانه قال: كنت فى اول امرك فى تلك المنزلة الدنية الخسيسة ثم صرت فى آخره الى هذه الدرجة الشريفة النفيسة.

5

الثانى- قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا- 12- الطلاق) فانه سبحانه جعل العلم علة لخلق العالم العلوى و السفلى طرا، و كفى بذلك جلالة و فخرا.

الثالث- قوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (269- البقرة) و قد فسرت الحكمة بما يرجع الى العلم.

الرابع- قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (9- الزمر).

الخامس قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (28- فاطر).

السادس- قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (11- المجادلة).

السابع- قوله تعالى مخاطبا نبيه (ص)، آمرا له مع ما آتاه من العلم و الحكمة: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114- طه).

6

(3) اصل و اما السنة

فهى فى ذلك كثيرة لا تكاد تحصى.

فمنها- ما روى عن الاصبغ ابن نباتة قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام):

تعلموا العلم فان تعلمه حسنة، و مدارسته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و هو عند اللّه لاهله قربة، لانه معالم الحلال و الحرام، و سالك بطالبه سبيل الجنة، و هو انيس فى الوحشة، و صاحب فى الوحدة، و سلاح على الاعداء، و زين الاخلاء، يرفع اللّه به اقواما يجعلهم فى الخير أئمة، يقتدى بهم، و ترمق اعمالهم، و تقتبس آثارهم، و ترغب الملائكة فى خلتهم ... لان العلم حياة القلوب من الجهل، و نور الابصار من العمى، و قوة الابدان من الضعف، ينزل اللّه حامله منازل الابرار، و يمنحه مجالسة الاخيار فى الدنيا و الآخرة، و بالعلم يطاع اللّه و يعبد، و بالعلم يعرف اللّه و يوحد، و بالعلم توصل الارحام، و به يعرف الحلال و الحرام، و العلم امام العقل و العقل يتبعه، يلهمه السعداء و يحرمه الاشقياء.

و منها ما روى عنه (عليه السلام) ايضا انه قال: ايها الناس اعلموا ان كمال‏

7

الدين طلب العلم و العمل به، الا و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفى لكم، و العلم مخزون عند اهله، و قد امرتم بطلبه من اهله فاطلبوه.

و منها ما روى عن الصادق (عليه السلام): ان العلماء ورثة الانبياء و ذلك ان الانبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و انما ورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ بشى‏ء منها فقد اخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذون، فان فينا اهل البيت فى كل خلف عدو لا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.

و منها ما عن على بن الحسين (عليهما السلام) قال: لو يعلم الناس ما فى طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج، ان اللّه اوحى الى دانيال:

ان امقت عبيدى الى، الجاهل المستخف بحق اهل العلم التارك للاقتداء بهم، و ان احب عبيدى الى، التقى الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء.

و عن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك فى الناس، و يشدده فى قلوبهم و قلوب شيعتكم، و لعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية، ايهما افضل؟ قال: الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا افضل من الف عابد.

8

(4) اصل و من اهم ما يجب على العلماء

مراعاته تصحيح القصد و اخلاص النية و تطهير القلب من دنس الاغراض الدنيوية، و تكميل النفس فى قوتها العملية، و تزكيتها باجتناب الرذائل و اقتناء الفضائل الخلقية، و قهر القوتين الشهوية و الغضبية.

و قد روينا عن الصادق (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم باعيانهم و صفاتهم: صنف يطلبه للجهل و المراء، و صنف يطلبه للاستطالة و الختل و صنف يطلبه للفقه و العقل، فصاحب الجهل و المراء موذ ممار، متعرض للمقال فى اندية الرجال بتذاكر العلم و صفة الحلم، قد تسر بل بالخشوع و تخلى من الورع، فدق اللّه تعالى من هذا خيشومه و قطع منه حيزومه و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب و ملق يستطيل على مثله من اشباهه، و يتواضع للاغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم و لدينهم حاطم، فاعمى اللّه على (من- خ ل) هذا خبره و قطع من آثار العلماء اثره، و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر، قد تحنك فى برنسه‏

9

و قام الليل فى حندسه، يعمل و يخشى وجلا داعيا مشفقا، مقبلا على شأنه، عارفا باهل زمانه، مستوحشا من اوثق اخوانه، فشد اللّه من هذا اركانه و اعطاه يوم القيمة امانه.

و قال النبى (صلّى اللّه عليه و آله): منهومان لا يشبعان، طالب دنيا و طالب علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل اللّه له سلم، و من تناولها من غير حلها هلك إلّا ان يتوب و يراجع، و من اخذ العلم من اهله و عمل بعلمه نجى، و من اراد به الدنيا فهى حظه.

و عن الصادق (عليه السلام) قال: من اراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له فى الآخرة نصيب، و من اراد به خير الآخرة اعطاه اللّه خير الدنيا و الآخرة.

و عنه (عليه السلام): اذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم فان كل محب لشى‏ء يحوط ما احب. و قال (عليه السلام): اوحى اللّه الى داود لا تجعل بينى و بينك عالما فتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتى، فان اولئك قطاع طريق عبادى المريدين الىّ انّ ادنى ما انا صانع بهم ان انزع حلاوة مناجاتى عن قلوبهم.

و عن الباقر (عليه السلام) قال: من طلب العلم ليباهى به العلماء، او يمارى به السفهاء، او يصرف به وجوه الناس اليه فليتبوأ مقعده من النار، ان الرئاسة لا تصلح الا لاهلها.

و عن الصادق، قال كان على (عليه السلام) يقول: العالم اعظم اجرا من الصائم القائم الغازى فى سبيل اللّه، و اذا مات العالم ثلم فى الاسلام ثلمة لا يسدها شى‏ء الى يوم القيامة.

اصل و يجب على العالم العمل كما يجب على غيره لكنه فى حق‏

10

العالم آكد و ليجعل له حظا وافرا من الطاعات و القربات فانها تفيد النفس ملكة صالحة و استعدادا تاما لقبول الكمالات.

فعن النبى (صلّى اللّه عليه و آله) العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك، و ان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، و ان اشد اهل النار ندامة و حسرة رجل دعى عبدا الى اللّه تعالى فاستجاب له و قبل منه فاطاع اللّه فادخله الجنة و ادخل الداعى النار بتركه علمه و اتباعه الهوى و طول الامل، اما اتباع الهوى فيصد عن الحق، و طول الامل ينسى الآخرة.

و عن الصادق (عليه السلام) قال: العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل و من عمل علم، و العلم يهتف بالعمل، فان اجابه و إلّا ارتحل عنه.

و عنه (عليه السلام) قال: ان العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا.

و جاء رجل الى على بن الحسين، فسأله عن مسائل فاجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال (عليه السلام): مكتوب فى الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لما تعملوا بما علمتم فان العلم اذا لم يعمل به لم يزد صاحبه الا كفرا و لم يزدد من اللّه الا بعدا.

و عن امير المؤمنين (عليه السلام): ايها الناس اذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذى لا يستفيق عن جهله، بل قد رايت ان الحجة عليه اعظم و الحسرة ادوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير فى جهله، و كلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا، و لا ترخصوا لانفسكم‏

11

فتدهنوا، و لا تدهنوا فى الحق فتخسروا و ان من الحق ان تفقهوا، و من الفقه الا تغتروا، و ان انصحكم لنفسه اطوعكم لربه، و اغشكم لنفسه اعصاكم لربه، و من يطع اللّه يأمن و يستبشر، و من يعص اللّه يخب- و يندم.

و عن الصادق (عليه السلام) قال: جاء رجل الى النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه ما العلم؟ قال: الانصات، قال: ثم مه يا رسول اللّه؟ قال:

الاستماع، قال: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثم مه؟ يا رسول اللّه قال: نشره.

و روينا عن الصادق (عليه السلام) انه قال: اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم، و تواضعوا لمن تعلمونه العلم، و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم بحقكم.

و عنه (عليه السلام) فى قول اللّه‏ (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) قال:

يعنى بالعلماء من صدق قوله فعله، و من لم يصدق قوله فعله فليس بعالم.

و عنه: من تعلم العلم و عمل به و علم للّه دعى فى ملكوت السموات عظيما.

12

(5) اصل و لما ثبت ان كمال العلم‏

انما هو بالعمل تبين شرف علم الفقه الذى دون هذا العلم- اعنى اصول الفقه- للوصول اليه، لان مدخليته فى العمل اقوى مما سواه، اذ به تعرف او امر اللّه تعالى فتمتثل، و نواهيه. فتجتنب و لان معلومه- اعنى احكام اللّه تعالى- اشرف المعلومات، و مع ذلك فهو الناظم لامور المعاش و به يتم كمال نوع الانسان.

و قد روينا عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) قال: دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسجد فاذا جماعة قدا طافوا برجل، فقال ما هذا؟ فقيل: علامة، فقال: و ما العلامة؟ فقالوا: اعلم الناس بانساب العرب و وقائعها و ايام الجاهلية و الاشعار العربية، فقال النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه، ثم قال: انما العلم ثلاثة، آية محكمة او فريضة عادلة، او سنة قائمة، و ما خلاهن فهو فضل.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا اراد اللّه بعبد خيرا فقهه فى الدين.

13

و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الكمال كل الكمال: التفقه فى الدين، و الصبر على النائبة، و تقدير المعيشة.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما من احد يموت من المؤمنين احب الى ابليس من موت فقيه، و عنه (عليه السلام) قال: اذا مات المؤمن الفقيه ثلم فى الاسلام ثلمة لا يسدها شى‏ء و عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: اذا مات المؤمن الفقيه بكت عليه الملائكة و بقاع الارض التى كان يعبد اللّه عليها و ابواب السماء التى كان يصعد فيها باعماله و ثلم فى الاسلام ثلمة لا يسدها شى‏ء، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: حديث فى حلال و حرام تأخذه من صادق خير من الدنيا و ما فيها من ذهب او فضة.

و عنه (عليه السلام) قيل له: ان لى ابنا قد احب ان يسألك عن حلال و حرام و لا يسألك عما لا يعنيه، فقال (عليه السلام): و هل يسأل الناس عن شى‏ء افضل من الحلال و الحرام؟!

و عنه (عليه السلام): لوددت ان اصحابى ضربت رءوسهم بالسياط حتى يتفقهوا فى الدين.

و عنه (عليه السلام) انه قال: تفقهوا فى الدين فانه من لم يتفقه منكم فى الدين فهو اعرابى، ان اللّه يقول فى كتابه: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).

و عنه (عليه السلام) انه قال: عليكم بالتفقه فى دين اللّه و لا تكونوا اعرابا،

14

فانه من لم يتفقه فى دين اللّه لم ينظر اللّه اليه يوم القيمة و لم يزك له عملا.

و عنه (عليه السلام): لو اتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لادبته.

و عنه (عليه السلام): ليت السياط على رءوس اصحابى حتى يتفقهوا فى الحلال و الحرام.

15

المقدمة الثانية فى تعريف علم الاصول و بيان موضوعه،

و الغرض منه.

اما تعريفه، فالاولى ان يقال: انه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية، و الوظائف العقلية العملية.

فخرج بالعلم بالقواعد، علم الفقه، فانه علم بنفس تلك الاحكام لا بالقواعد المعدة للكشف عنها، فحجية خبر الثقة و حجية الاستصحاب من مسائل علم الاصول، و وجوب صلاة الجمعة و حرمة العصير من مسائل علم الفقه، اذ بهاتين الحجتين يصل الفقيه الى هذين الحكمين‏ (1)

و خرج بقيد التمهيد للاستنباط، القواعد التى لم يكن تمهيدها لخصوص استنباط الاحكام، كعلم اللغة (2) و المنطق و غيرهما.

____________

(1) و بعبارة اخرى اذا قلت وجوب الجمعة مما اخبر به الثقة و كلما اخبر به الثقة فهو ثابت، فوجوب الجمعة ثابت، فالكبرى مسئلة اصولية، و النتيجة مسئلة فقهية (ش)

(2) المراد باللغة هنا الاعم من اللغة المصطلحة. و الصرف و-

16

و المراد بالاحكام الشرعية هنا مطلق الإنشاءات الصادرة من الشارع وجودية كانت او عدمية، فدخل فى الحد ما يستنبطه الفقيه من عدم وجوب فعل و عدم حرمته و نحوهما.

و خرج بالفرعية ما له دخل فى استخراج الاحكام الشرعية الاعتقادية، كوجوب الاعتقاد بالمبدإ تعالى و المعاد و سفرائه الى العباد.

و دخل بقيد الوظائف العقلية ما يحصله الفقيه من الاحكام العقلية المرتبطة بعمل المكلف كالبراءة و التخيير العقليين و غيرهما.

و اما بيان موضوعه فليعلم انه لا بد فى كل علم من البحث عن احوال شى‏ء معين معهود و عوارضه، و يسمى البحث عن تلك الاحوال و العوارض مسائل العلم، و ذلك الشى‏ء المعهود موضوعه، و البحث فى هذا العلم انما- هو عن احوال الدليل و الحجة، و ان اى شى‏ء يمكن ان يكون دليلا للفقيه و حجة له فى مقام استنباط الاحكام فموضوعه الدليل فى الفقه من الكتاب و السنة و العقل و غيرها و مسائله القضايا التى انتجها البحث و التحقيق، مثل ان ظاهر الكتاب دليل و خبر الثقة حجة و الاستصحاب حجة و هى المرادة بالقواعد الممهدة.

و اما الغرض منه فهو التمكن من الاستنباط و القدرة على تحصيل الوظائف الشرعية و العقلية المحتاج اليها فى مقام العمل.

ثم انه حيث كان هذا العلم مقدمة للفقه، جرت عادة الاصحاب على تعريف علم الفقه هنا، فنقول: الفقه فى اللغة: الفهم، و فى اصطلاح‏

____________

- النحو و المعانى، اذ كلها يرجع الى فهم اصل اللغة و خصوصياتها (ش)

17

المتشرعة هو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية.

فخرج بتقييد الاحكام بالشرعية العلم بالاحكام العقلية كعلم الفلسفة و نحوه مما لا يبحث عن الشرائع، و خرج بالفرعية (1) الاصول الاعتقادية كعلم الكلام الباحث عن احوال المبدا و المعاد، فانه يتعلق باصول الدين، و خرج بقيد الادلة التفصيلية علم المقلد، فانه يتعلم الاحكام من فتوى مقلده، و المراد من التفصيلية: الكتاب، و السنة المأثورة عن المعصومين و العقل.

ثم ان الاجتهاد لغة، تحمل المشقة، و اصطلاحا، بذل الوسع فى طريق الوصول الى الاحكام الشرعية، فالانسان المستنبط للاحكام الشرعية عن ادلتها من حيث انه تحمل المشاق فى طريق الوصول اليها يسمى مجتهدا، و من حيث انه وصل اليها و عرفها عن ادلتها يسمى فقيها. (2)

____________

(1) المراد بالفرعية ما يتعلق بعمل المكلفين بلا واسطة كالوجوب و الحرمة و الصحة و البطلان، و تقابلها الاصولية الاعتقادية اى التى تتعلق بالعقائد القلبية كوجوب الاعتقاد بالمعاد و المعراج و نحوهما (ش).

(2) ينبغى ان نوضح تعريف الاصول و الفقه و الاجتهاد بمثال، و هو ان الذى يريد استخراج النفط او الحديد مثلا من معدنهما يحتاج الى آلات و وسائل كثيرة للحفر و الاستخراج و التصفية، ليتمنى؟؟؟ له الحصول شى‏ء منهما، فهنا امور: الاول: تحصيل الآلات و الادوات التى لولاها لم يمكن الاستخراج، الثانى: وجود المعادن الارضية القابلة-

18

(1) تمارين‏

ما هو المراد بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام؟

مثل لتلك القواعد بامثلة غير ما ذكرناه.

باى قيد خرج علم الفقه عن تعريف علم الاصول؟

باى قيد خرج علم الادب عن تعريف هذا العلم؟

باى وجه دخلت الاحكام العدمية فى التعريف؟

باى قيد خرج علم الكلام عن التعريف؟

ما هو موضوع علم الاصول؟

ما هو الغرض من علم الاصول؟

____________

- للاستخراج، الثالث: تحمل المشاق فى سبيل تحصيل المطلوب، الرابع: ما حصل بعد تلك الامور بيد العامل من النفط و الحديد، و بذلك يكون الشخص ذا مال و ثروة، فهذا الانسان ذو ادوات و وسائل اولا، و مجد متحمل للمشاق ثانيا، و ذو مال و ثروة ثالثا، فحينئذ نقول:

اذا اراد المكلف استنباط الاحكام الفرعية مثلا، فوسائل الاستنباط يتكفل بها علم الاصول و قواعده الممهدة و ما يلحق به من اللغة و المنطق، و معادن الاحكام هى الادلة التفصيلية اعنى الكتاب و السنة و العقل، و تحمل المشاق فى طريق تحصيل الاحكام باعمال القواعد الاصولية و غيرها هو الاجتهاد، و الاموال و الثروة الحاصلة للفقيه هى الاحكام الشرعية المطلوبة للعمل، فالانسان المريد للاستنباط اصولى اولا، و مجتهد ثانيا، و عالم فقيه ثالثا (ش)

19

ما هو تعريف علم الفقه؟

لما ذا لا يشمل تعريف الفقه علم المقلد بالاحكام الشرعية؟

(2) تمرين‏

ميز بين موضوعات العلوم فى الجمل التالية.

الكلمة تتحول الى صور مختلفة بحسب المعنى المقصود.

للفظ احوال شتى عند دخوله فى التركيب.

المعلومات التصورية و التصديقية توصلك الى مجهولاتك‏

للمبدا الواجب تعالى صفات جمالية و جلالية، و المعاد جسمانى قطعا لنصوص متواترة.

افعال المكلفين تنقسم الى حلال و حرام و صحيح و فاسد.

من حجج اللّه تعالى على عباده العقل.

(3) تمرين‏

ميز بين المسائل الاصولية و الفقهية فى الجمل التالية.

ظاهر الكتاب حجة لكل عارف به.

من استولى على مال الغير عدوانا فهو له ضامن.

العام بعد التخصيص حجة فى الباقى.

خبر العدل الواحد لا يثبت الموضوعات.

اللفظ المشترك بلا قرينة ليس حجة فى شى‏ء من معانيه.

كل عقد لا ضمان فى صحيحه لا ضمان فى فاسده.

20

(7) تقسيم قد عرفت ان الغرض من علم الاصول هو الوصول الى الاحكام‏

الشرعية و العقلية، فمن اللازم ح الاشارة و الالماع الى معنى الحكم و بعض اقسامه ليكون طالب هذا العلم على بصيرة من مرماه و مقصده.

فنقول: الحكم هو الانشاء الصادر ممن له صلاحية الحكم المتعلق بفعل المكلف او بالموضوع الخارجى.

و ينقسم بانقسامات.

الاول: انقسامه الى الحكم التكليفى و الوضعى، فالاول: هو الانشاء الصادر بداعى البعث او الزجر او الترخيص، و ينقسم الى اقسام خمسة: الوجوب و الاستحباب و الحرمة و الكراهة و الاباحة، و تسمى بالاحكام التكليفية او بما فيه الاقتضاء و التخيير، و ذلك لان فيها كلفة و مشقة، و لان فيها اقتضاء الفعل و الترك و التخيير بينهما، و الثانى هو كل مجعول ليس بحكم تكليفى، كالطهارة و النجاسة و الملكية و الزوجية.

الثانى: انقسامه الى الحكم الانشائى و الفعلى: فالاول: هو الحكم المستفاد من ظاهر خطابات الكتاب و السنة مع عدم تحقق شرائط

21

تحتمه و تنجزه على المكلف: من البلوغ و العقل و الالتفات و القدرة و غيرها.

و الثانى: ذلك الحكم بعد اجتماع الشرائط، و لك ان تقول:

ان الاول هو الحكم الصادر بلا ارادة جدية لمتعلقه، و الثانى هو الصادر مع الارادة الجدية.

الثالث: انقسامه الى الحكم الواقعى الاولى و الواقعى الثانوى و الظاهرى، فالاول: هو الحكم المجعول المرتب على فعل المكلف او ذات الشى‏ء الخارجى، بعنوانه الاولى المطلق، كالحرمة المتعلقة بشرب الخمر، و النجاسة المرتبة على نفس الخمر، و الثانى: هو الحكم المرتب على الفعل او الذات بعنوانه الثانوى المقيد ببعض القيود، كالحلية المرتبة على شرب الخمر المقيد بالاضطرار او الاكراه مثلا، و الحرمة المتعلقة بلحم الغنم المضر او المغصوب، و الثالث هو الحكم المجعول على الفعل المشكوك حكمه الواقعى، كالحلية المرتبة على شرب التتن عند الشك فى حكمه و الطهارة المرتبة على الماء المشكوك طهارته.

الرابع: انقسامه الى المولوى و الارشادى، فالاول: هو البعث او الزجر الحقيقى المستتبع للمثوبة عند الموافقة و العقاب او العتاب عند المخالفة كاغلب الاحكام الاربعة الاقتضائية، و الثانى هو البعث او الزجر الصادر للتنبيه على صلاح او فساد من غير استتباعه بنفسه ثوابا او عقابا، كامر الطبيب بشرب الدواء و نهيه عن بعض الغذاء.

22

الخامس: انقسامه الى الحكم الشرعى و العقلى، فالاول هو ما صدر من الشارع كالامثلة الماضية، و الثانى عبارة عن ادراك العقل و قضائه على الشى‏ء قضاء جاز ما او غير جازم كحكمه بوجوب رد الوديعة و حسن الاحسان، و قبح الظلم و العقاب من غير بيان و يدخل فى هذا القسم ما بنى عليه العقلاء فى اعمالهم حفظا لمصالح الاجتماع و ابقاء لنظم الامور كالبناء على بقاء ما ثبت و الحكم بملكية صاحب اليد و صحة ما مضى من الاعمال المشكوك فيها و غير ذلك، و قد يسمى الاول بالحكم العقلى، و الثانى بالحكم العقلائى.

(4) تمارين‏

ما هى حقيقة الحكم و الى كم قسما ينقسم؟

ما هو الفارق بين الحكم التكليفى و الوضعى؟

ما هو الفارق بين الحكم الانشائى و الفعلى؟

مثل لكل واحد منهما

ما هو الفارق بين الحكم الواقعى الاولى و الثانوى؟

اذكر لكل واحد منهما مثالا غير ما ذكرناه.

ما هو الفارق بين الحكم المولوى و الارشادى؟

مثل لهما بغير ما ذكرناه.

ما هو الفارق بين الحكم العقلى و العقلائى؟

مثل لهما بغير ما ذكرناه.

23

المقام الاول فى مباحث الالفاظ

و فيه مطالب‏

المطلب الاول و فيه اصول‏

(8) اصل اللفظ و المعنى ان اتحدا (1)

فاما ان يمنع نفس تصور المعنى من وقوع الشركة فيه فهو الجزئى او لا يمنع فهو الكلى، ثم الكلى اما

____________

(1)، اى كان اللفظ واحدا و المعنى واحدا، و اطلاق الجزئى و الكلى على اللفظ توصيف مجازى بلحاظ المعنى، فالوصف بحال المتعلق، فان الشمول للكثيرين و عدمه من اوصاف المعنى، و المراد بتساوى معنى الكلى انطباقه على المصاديق من غير ترجيح و اولوية كالماء و النار و هذا بخلاف المشكك فان مصاديقه متفاوتة باولية او اولوية كالوجود و النور و السواد و البياض (ش).

24

ان يتساوى معناه فى جميع موارده فهو المتواطى او يتفاوت فهو المشكك و ان تكثرا فالالفاظ متباينة سواء كانت المعانى متصلة كالذات و الصفة، او منفصلة كالضدين، و ان تكثرت الالفاظ و اتحد المعنى فهى مترادفة، و ان تكثرت المعانى و اتحد اللفظ باوضاع متعددة فهو مشترك و ان اختص الوضع باحدها ثم استعمل فى الباقى من غير ان يغلب فيه فهو الحقيقة و المجاز، و ان غلب و هجر المعنى الاول فهو المنقول اللغوى او العرفى.

(5) تمرين‏

عين الاسماء المرتبطة بالبحث من الجمل التالية.

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (35 النور).

فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12 الغاشية).

وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ‏ (45 المائدة) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (5 العلق)

وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ (34 الانبياء).

المرء مخبوء تحت لسانه.

وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ (19 فاطر).

إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (36 يوسف).

وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏ (32 النور).

الطيارة و السيارة مركبان حديثان.

25

(9) اصل الوضع فى الاصطلاح‏

اختصاص لفظ معين بمعنى معلوم بحيث اذا فهم الاول فهم الثانى و ينقسم الى قسمين تعيينى و تعينى.

فالاول: هو ان يحصل ذلك بوضع شخص و تخصيصه كأن يقول واضع اللغة: وضعت هذا اللفظ بازاء هذا المعنى و يقول الاب:

سميت ابنى احمد.

و الثانى: ان يحصل باستعمال اللفظ فى معنى و لو مجازا فيكثر حتى يستغنى عن القرينة.

و للوضع تقسيم آخر، و توضيحه انه اذا اراد الواضع وضع لفظ لمعنى فلا بد له من ان يتصور اللفظ و المعنى كليهما، و حينئذ تارة يتصور لفظا معينا و معنى جزئيا فيعينه له فيقال: ان الوضع خاص و الموضوع له خاص، يعنون من الوضع المعنى المتصور حينه، و هذا كوضع الاعلام الشخصية.

و اخرى يتصور لفظا معينا و معنى كليا فيضع اللفظ بازائه فيقال: ان الوضع عام، و الموضوع له عام، و هذا كوضع اسماء الاجناس و غيرها

26

من الكليات.

و ثالثة يتصور لفظا معينا و يلاحظ معنى عاما كليا و يضع اللفظ لمصاديق ذلك الكلّى لا لنفس الكلّى، فيقال ح: ان الوضع عام و الموضوع- له خاص، و هذا كما فى اسماء الاشارة و الحروف و الضمائر، فان الواضع يلاحظ كلمة «هذا» و يلاحظ المذكر المفرد القابل للاشارة اليه، فيضعها فى مقابل مصاديق المعنى المتصور و جزئياته معنى، أ لا ترى ان استعمال كلمة «هذا» فى المصداق صحيح كقولك: هذا زيد، مشيرا الى الرجل الخاص، و فى نفس الكلى غير صحيح كقولك: افراد هذه اكثر من افراد هذا، مريدا بهما كلى المؤنث و المذكر.

(6) تمارين‏

ما معنى الوضع التخصيصى و الوضع التخصصى؟

اضرب مثلا للوضع التخصصى.

بين حال الاسماء التالية من حيث عموم الوضع و خصوصه.

الانسان، العالم، المحمود، النفاع، المفتاح، المكتبة، من، الى، فى، هو، هى، هذا، هذه.

27

(10) اصل لا ريب فى ثبوت الحقيقة اللغوية و العرفية

، بمعنى ان واضع اللغة او اهل العرف عينوا لفظا خاصا و وضعوه لمعنى مخصوص، فصار حقيقة فيه، و اما الشرعية ففيها خلاف.

و توضيحه: انه لا نزاع فى ان الالفاظ المتداولة فى لسان اهل الشرع المستعملة فى خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقايق فى تلك المعانى، كاستعمال الصلاة فى الافعال المخصوصة بعد وضعها فى اللغة للدعاء، و استعمال الزكاة فى القدر المخرج من المال بعد وضعها فى اللغة للنمو و استعمال الحج فى اداء المناسك المخصوصة، بعد وضعه فى اللغة لمطلق القصد، لكن قد وقع الخلاف فى ان صيرورتها كذلك هل هى بوضع الشارع. و تعيينه فى هذه المعانى الحادثه اياها بازاء تلك المعانى، او باستعماله لها مجازا فصارت فى عصره حقيقة فيها حقيقة فيها بحيث دلت عليها بغير قرينة لتكون حقايق شرعية فيها؟ او ان الشارع استعملها فيها بطريق المجاز و لم تصر حقيقة فى عصره، و ان‏

28

صارت كذلك بعده عند المتشرعة؟ و عليه فتثبت الحقيقة المتشرعية فى عصر الائمة (عليهم السلام) او فى العصور المتاخرة، و تظهر ثمرة الخلاف فى المسألة فيما اذا استعملت تلك الالفاظ فى كلام الشارع مجردة عن القرائن فانها تحمل على المعانى العبادية المذكورة بناء على الاول، و على غير العبادية بناء على الثانى، و تظهر فائدة الخلاف فى ثبوت الحقيقة المتشرعية فى عصر الائمة (عليهم السلام) فيما اذا استعملت فى كلامهم كذلك.

و لكن الصواب ان يقال: ان حقائق هذه العبادات كانت ثابتة فى الشرائع السابقة ايضا، معهودة عند الناس فيما قبل الاسلام و ان كانت مصاديقها فى تلك الشرائع مخالفة فى الجملة و فى شى‏ء من الاجزاء و الشرائط مع ما فى الاسلام، فلا ريب ح فى كون تلك الالفاظ حقيقة فى هذه المعانى العبادية غير محتاجة الى القرينة، اما لهجر المعانى غير العبادية او اشتراكها بينهما مع اظهرية المعانى العبادية، فحينئذ لا يبقى مجال لدعوى الحقيقة الشرعية و يسقط النزاع من أصله، و تحمل تلك الالفاظ على المعانى المذكورة اينما وجدت فى كلام الشارع.

(7) تمرين‏

بين الغرض من ذكر الطائفتين الآتيتين من الالفاظ.

الاولى: الوضوء، الغسل، التيمم، الطهارة، النجاسة، الحدث، الجنابة، الصلاة، الركوع، السجود، التشهد، السلام، الدعاء، التعقيب، الجماعة، الزكاة، النصاب، الصيام، الافطار، الجهاد، الخمس الغنيمة، الحج، الاحرام، الرمى، الوقوف، الافاضة، الهدى، البيت، الحرم، المسجد، عرفات، المشعر، المعروف، المنكر، الميتة،

29

المذكى، النكاح، الطلاق.

الثانية: البيع، الشراء، الاجارة، التجارة، الخمر، المسكر، القتل، الاكل، الشرب، النوم، الليل، النهار، الصباح، المساء.

(8) تمارين‏

الحقيقة الشرعية ثابتة ام لا؟

الحقيقة المتشرعية ثابتة ام لا؟

ما هى فائدة البحث عن ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه؟

ما هى الثمرة فى ثبوت الحقيقة المتشرعية فى عصر الأئمّة (عليهم السلام) و عدمه؟

30

(11)

اصل: علائم حقيقة و المجاز

لتشخيص كون اللفظ موضوعا لمعنى من المعانى و عدمه علائم خاصة يجب الرجوع اليها اذا شك فى الوضع و لم يتبين ذلك بنحو الارتكاز او بتنصيص اهل اللغة.

فمنها، التبادر، و هو انسباق المعنى من اللفظ عند اطلاقه و تجرده عن قرينة مقالية و حالية، فاذا سمعنا لفظة الانسان و سبق الى الذهن منها الحيوان الناطق، نحكم بكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى باقتضاء التبادر و حكم الانسباق، كما ان عدم انسباق الفرس منه مثلا علامة كونه غير موضوع لذلك، فتبادر معنى من لفظ علامة كونه حقيقة فيه، و عدم تبادر معنى منه علامة عدم وضعه له، و اما كون استعماله فيه مجازا فهو موقوف على امرين: استحسان الطبع، و وجود القرينة و إلّا كان الاستعمال غلطا.

و منها صحة الحمل و صحة السلب.

فاذا شك فى وضع لفظ الانسان مثلا للبليد او للحمار، كان صحة حمله على البليد كان يقال: البليد انسان، علامة وضعه له، و صحة

31

سلبه عن الحمار كقولك: الحمار ليس بانسان علامة عدمه، لا كون الاستعمال مجازيا كما مر.

ثم ان الدليل على كون تلك الامور علائم قضاء العقل بعد ملاحظة سيرة العقلاء فى ذلك.

و اما ثمرة البحث فهى ظاهرة بعد وضوح احتياج الاستنباط الى تمييز الحقائق اللغويّة عن غيرها و احتياج ذلك الى هذه العلائم.

(9) تمارين‏

ما هو التبادر و على أى شى‏ء هو علامة؟

هل يكون عدم تبادر معنى دليلا على ان الاستعمال فيه مجازى؟

ما هى صحة الحمل، و لاى شى‏ء هى علامة؟

ما هى صحة السلب، و هى علامة لما ذا؟

ما هو الدليل على كون تلك الامور علائم؟

ما هى ثمرة البحث فى هذه المسألة؟

32

(12) اصل فى الاصول اللفظية

جرت سيرة العقلاء على انهم اذا شكوا فى ان اللفظ الصادر من متكلم هل اريد به معناه الموضوع له او غيره، حكموا بارادة المعنى الموضوع له، و يسمى ذلك عند اهل هذا الفن باصالة الحقيقة.

و اذا شكوا فى الفاظ العموم هل اريد بها الاستيعاب او الخصوص حكموا بارادة العموم، و يسمى باصالة العموم.

و اذا شكوا فى الفاظ المطلق هل اريد بها المقيد اولا، حكموا بارادة الاطلاق، و يسمى باصالة الاطلاق، و يجمع الكل انهم اذا شكوا فى ان المتكلم هل اراد ما هو ظاهر اللفظ او اراد غيره حكموا بارادة الظاهر، و يسمى ذلك باصالة الظهور، و هذه اصول وجودية.

كما انهم اذا شكوا فى ان اللفظ الموضوع لمعنى معين هل وضع لمعنى آخر ايضا حكموا بعدم وضعه له، و يسمى باصالة عدم الاشتراك، و اذا شكوا فى انه نقل من معناه الموضوع له الى آخر حكموا بعدم نقله: و

33

يسمى باصالة عدم النقل: و اذا شكوا فى انه هل اضمر فى الكلام شى‏ء من مضاف او متعلق او غيرهما حكموا بعدم اضماره و يسمى باصالة عدم التقدير.

فللعقلاء احكام وجودية و عدمية مجعولة فى موارد الشك، معمول بها فيما بينهم تسمى اصولا لفظية لكون مجراها باب الالفاظ.

و هنا اصول أخر جارية فى مرحلة العمل تسمى اصولا عملية كاصالة البراءة عند الشك فى التكليف، و اصالة البقاء عند الشك فى الزوال و غيرهما، و ستأتى فى آخر الكتاب إن شاء اللّه.

فعلم ان الاصل هو الحكم المجعول عند الشك، فان كان مجراه باب الالفاظ سمى اصلا لفظيا، و ان كان مقام العمل سمى عمليا، و ان كان جاعله العقلاء سمى عقلائيا و ان كان الشارع سمى شرعيا، إلّا انه ليس للشارع اصل لفظى يختص به بل هو يتكل فى ذلك على الاصول العقلائية.

ثم ان الدليل على تلك الاصول هى السيرة القطعية العقلائية، بحيث لا يرتاب فيها و لا يشك، و لا يجب علينا اقامة الدليل عليها من النقل بعد ان كان الشارع بنفسه قد جرى على السيرة العقلائية، فضلا عن ان يسكت عنه او يردع.

(10) تمارين‏

ما هى سيرة العقلاء اذا شكوا فى ارادة المعنى الحقيقى و عدمها؟

ما هو حكمهم عند الشك فى العموم و الاطلاق؟

ما معنى اصالة الظهور؟

34

كم هى الاصول الوجودية؟

كم هى الاصول العدمية؟

ما هى الاصول اللفظية؟

ما هى الاصول العملية؟

ما هو الدليل على حجية الاصول العقلائية؟

35

(13) اصل فى وقوع الاشتراك و عدمه.

و ليعلم اولا ان المشترك على قسمين: لفظى و معنوى، فالاول:

هو اللفظ الموضوع لمعان متباينة باوضاع متعددة مستقلة، فلكل معنى لحاظ مستقل و وضع مستقل تعيينى او تعينى. و الثانى: هو اللفظ الدال على معنى كلى له مصاديق كالحجر و الشجر، و توصيف اللفظ بالمشترك فى الاول حقيقى، و فى الثانى عرضى باعتبار اشتراك المعنى و انطباقه على كثيرين، و إلّا فالمعنى فيه واحد و الوضع واحد.

و الكلام هنا فى القسم الاول، فنقول: الحق ان الاشتراك واقع فى لغة العرب و غيرها من اللغات، كلفظ العين الموضوع للذهب تارة و للباصرة اخرى، و للنابع السائل ثالثة، و كالقرء الموضوع للطهر و الحيض، و للمشترك فى كل لغة مصاديق كثيرة، و لا اشكال ايضا فى انه اذا استعمل اللفظ المشترك بدون القرينة المعينة للمراد يكون مجملا مرددا بين معانيه.

36

و لكن قد وقع الاختلاف فى جواز استعماله فى اكثر من معنى واحد، فمنعه قوم و جوزه آخرون، و الحق جوازه مع القرينة و استحسان الطبع، كان يقول: جئنى بكل عين و يريد جميع المعانى، باستعمال اللفظ فيما يسمى بالعين من باب اطلاق اللفظ الموضوع للمصاديق و ارادة القدر المشترك، او يقول: جئنى بعين و يستعمل العين فى كل واحد من المعانى باستقلاله بجعل اللفظ امارة حاكية عنه مع نصب قرينة عليه، كقوله تعالى: (وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ) حيث اريد بالمساجد الامكنة المعهودة، و الاعضاء السبعة التى تقع على الارض حال السجدة، و كثيرا ما يوجد نظير ذلك فى الكتاب الكريم، و قد عرفنا ذلك من القرائن الخارجية، ثم ان استعمال اللفظ و ارادة المعنى الحقيقى و المجازى ممّا يكون الكلام فيه نظير الكلام فى المشترك بعينه.

(11) تمارين‏

كم قسما اللفظ المشترك؟

ما هو الفارق بين القسمين فى اتصافهما بالاشتراك؟

ما هو الشرط فى استعمال اللفظ المشترك فى احد معانيه؟

هل يجوز استعماله فى اكثر من معنى واحد و كيف يتصور ذلك؟

هل يجوز استعمال اللفظ فى معناه الحقيقى و المجازى كليهما؟

هل يجوز استعماله فى معنيين مجازيين؟

هل يحتاج استعمال اللفظ فى معناه الحقيقى الى القرينة كاستعماله فى المعنى المجازى؟

على فرض الحاجة هل تجد فرقا بين القرينتين؟

37

(14) اصل فى اطلاق المشتق‏

على الذات التى كانت متصفة بالمبدإ اختلاف بين الاصحاب يتوقف وضوح الحال فيه على بيان امرين (المراد بالمشتق و المراد بالمبدإ)

اما المشتق، فالمراد به هنا هو اللفظ الذى يطلق على الذات بلحاظ تلبسها بصفة من الصفات كاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و نحوها، فيدخل فيه بعض الجوامد فى اصطلاح اهل الادب، كالزوج و الاخ و الرق، و يخرج منه بعض المشتقات فى اصطلاحهم، كالماضى و المضارع و الامر، فبين مصطلح اهل الاصول و النحو عموم و خصوص من وجه.

و اما المبدا، فالمراد به كل وصف قابل لعروضه على الذات و زواله عنها، سواء أ كان فعلا، كما فى القائم و الماشى، ام صفة كما فى الابيض و الاحمر ام حرفة و صنعة كما فى الخياط و النجار، ام استعدادا و ملكة كما فى العادل و الفقيه، فان جميع هذه يمكن عروضها

38

للذات فى وقت و زوالها عنها فى آخر، على اختلافها فى كيفية العروض و الزوال.

اذا عرفت ذلك فنقول: ان اطلاق المشتق على الذات يتصور على انحاء ثلاثة.

الاول: اطلاقه عليها بلحاظ زمان اتصافها بالمبدإ و تلبسها به سواء أ كان التلبس بالفعل ام فى الماضى ام فى المستقبل، فاذا قلت يوم الجمعة زيد صائم اليوم، مع كونه صائما فيه، او قلت: زيد كان صائما امس مع كونه صائما فى الخميس قبله، او قلت: زيد سيكون صائما غدا، مع صيامه فى السبت، ففى الجميع قد اطلق المشتق على الذات بلحاظ حال تلبسها بمبدإ المشتق، و ان شئت قلت: ان زمان التلبس فيها مطابق لزمان النسبة الكلامية.

الثانى: اطلاقه عليها بعد انقضاء زمان التلبس بلحاظ كونها متلبسة فيما مضى كاطلاق الحاج فعلا على من حج فيما مضى.

الثالث: اطلاقه عليها بلحاظ انه سيتلبس به فيما يأتى كاطلاق الطبيب على من شرع فى تحصيل الطب مثلا.

لا اشكال عند اهل الفن فى كون استعمال المشتق و اجرائه على الذات حقيقة فى القسم الاول، و لا فى كونه مجازا بنحو الاول او المشارفة فى القسم الثالث.

لكنه قد وقع الاختلاف فى القسم الثانى، فذهب عدة الى كونه حقيقة كالاول، و ذهب آخرون الى كونه مجازا كالثالث، و اختار التوقف فرقة ثالثة، و المختار عندنا هو القول الثانى.

لنا على ذلك، التبادر و صحة الحمل فى المتلبس بالمبدإ بالفعل‏

39

و هما علامتا الحقيقة، و عدم التبادر و صحة السلب عمن كان متلبسا به ثم انقضى عنه و هما علامتا المجاز، كقولك: للوارد من سفره: انه ليس بمسافر، و للمسافر عن وطنه انه ليس بحاضر.

ثم انه تظهر ثمرة المسألة فى الاحكام التى رتبت فى الادلة على المشتق، كاكرم العالم و تصدق على الفقير، و ليقصر المسافر و ليتم الحاضر، فيترتب تلك الاحكام على من انقضى عنه المبدا بنفس ادلتها على الاول، و لا تترتب على الثانى، و يحصل الاجمال على الثالث، نعم قد يكون مقتضى دليل آخر رفعها عمن انقضى عنه فى الاول، و مقتضى الاصل ترتبه عليه فى الثانى، و للمسألة فى الفقه ثمرات.

(12) تمارين‏

ما هو المراد بالمشتق هاهنا، و ما هو الفارق بينه و بين المشتق النحوى؟

ما هو المراد بالمبدإ؟

كم نحوا يتصور اطلاق المشتق على الذات و اىّ الانحاء مورد للنزاع؟

ما هو الدليل على كونه حقيقة فى المتلبس و مجازا فى غيره؟

ما هى الثمرة المترتبة على هذا البحث؟

40

المطلب الثانى فى الاوامر

(15) اصل لفظ الامر- اعنى مادة (أ م ر)-

قد استعمل فى اللغة فى معان كثيرة: اشهرها الطلب كقوله تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ 29/ 7) اى طلب العدل و الاستواء فى العقائد و الاخلاق و الافعال.

و الشى‏ء- كقولك: رأيت اليوم امرا عجيبا.

و الفعل- كقوله تعالى: (وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ 97/ 11) اى ليس فعله ذا استقامة و اهتداء، و لا يبعد كونه حقيقة فى هذه الثلاثة بنحو الاشتراك اللفظى لكثرة الاستعمال فيها بلا قرينة.

ثم ان الامر المستعمل فى الطلب كسائر مشتقاته حقيقة فى الوجوب لتبادره منه عند الاطلاق: فاذا قال المولى: آمرك بكذا سبق الى الذهن ايجاب ذلك الفعل و هى علامة الحقيقة، فلاحظ قوله تعالى: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ 40 ر 12) اى حتم و أوجب.

و قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها 58 ر 4)

41

اى يوجبها عليكم و يلزمكم بها.

و قوله تعالى: (وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها، 132 ر 20) اى اوجبها عليهم.

و قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، 63/ 24) اى عن طلبه الواجب.

(13) تمارين‏

ما هو الفارق بين لفظ الامر و صيغته؟

فى كم معنى كثر استعمال لفظ الامر، و فى اى معنى هو حقيقة؟

الامر المستعمل فى الطلب فى اى مصاديقه حقيقة و فى ايها مجاز؟

(14) تمرين‏

عين معنى الامر فى الجملات التالية.

كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ (23 عبس).

قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ (41 يوسف).

خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ‏ (199 الاعراف).

كل امر ذى بال لم يبتدأ باسم اللّه فهو ابتر.

وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159 العمران).

ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ (3 يونس).

42

(16) اصل صيغة «افعل»

و ما فى معناها حقيقة فى الوجوب فقط بحسب اللغة على الاقوى، وفاقا لجمهور الاصوليين، و تستعمل مجازا فى امور:

الاول فى خصوص الندب كقوله: صل نوافلك.

الثانى: فى الطلب المطلق و هو القدر المشترك بين الوجوب و الندب، كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ،* فان المراد من الصلاة و الزكاة اعم من الواجبة و المندوبة، و قوله: اغتسل للجمعة و الجنابة.

الثالث فى الاباحة بالخصوص كقوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا.*

لنا على كونها حقيقة فى الوجوب، تبادر الوجوب الى الذهن من مجرد الامر، و يشهد بذلك ان السيد اذا قال لعبده افعل كذا، فلم يفعل، عد عاصيا و ذمه العقلاء، معللين حسن ذمه بمجرد ترك الامتثال و هو معنى الوجوب، لا يقال: القرائن على ارادة الوجوب فى مثله‏

43

موجودة غالبا، لأنّا نقول: افرض عدم وجود القرائن تجد الوجدان شاهدا ايضا ببقاء الذم عرفا.

و ذهب بعض الى كونها حقيقة فى الندب و احتج عليه بان اهل اللغة قالوا: لا فرق بين السؤال و الامر الا فى الرتبة فان رتبة الآمر أعلى من رتبة السائل، و السؤال انما يدل على الندب فكذلك الامر و إلّا لكان بينهما فرق آخر.

و الجواب: ان الدعوى المزبورة من اهل اللغة غير ثابتة بل الحق انه ليس الفارق بين الامر و السؤال فى ناحية الطالب، بل فى نفس الطلب، فالطلب الاكيد الذى لا يرضى الطالب بالترك، امر و ايجاب، و الخفيف الذى يرضى بتركه ندب و سؤال، سواء صدرا من العالى او المساوى او الدانى، فصيغة «افعل» موضوعة للقسم الاول و ان استعملها السائل فيه، و اما عدم الوجوب على المطلوب منه بامر السائل فهو من جهة انه لا ينفذ امر كل احد فى حق كل احد، بل من يحكم العقل او الشرع بلزوم طاعته و اجتناب معصيته هو الذى ينفذ امره.

و ذهب آخرون الى انها حقيقة فى القدر المشترك بين الوجوب و الندب، و احتجوا عليه بان الصيغة استعملت تارة فى الوجوب، كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ،* و اخرى فى الندب كقوله تعالى: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.

و قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ‏ (282 البقرة) و قوله تعالى:

كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ‏ (141 الانعام) فان المراد اعطاء الصدقة المندوبة لا الزكاة الواجبة فانها فرضت بالمدينة و الآية

44

مكية، و قوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (5 الروم). فتكون حقيقة فى القدر المشترك بينهما و هو طلب الفعل دفعا للاشتراك اللفظى و المجاز.

و الجواب: ان المجاز و ان كان مخالفا للاصل لكن يجب المصير اليه اذا دل الدليل عليه، و قد بينا انها حقيقة فى الوجوب بخصوصه، فلا بد من كونها مجازا فيما عداه.

و ذهب السيد (ره) الى انها حقيقة لغة فى القدر المشترك، و فى عرف الشرع فى خصوص الوجوب، و احتج على الاشتراك لغة بمثل ما سبق و على الوجوب فى عرف شرع بحمل الصحابة كل امر ورد فى القرآن و السنة على الوجوب و كان يناظر بعضهم بعضا فى مسائل مختلفة و متى اورد احدهم على صاحبه امرا من اللّه سبحانه او من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقل صاحبه هذا امر و الامر يقتضى الندب او الوقف، بل اكتفوا فى الوجوب بالظاهر، و هذا معلوم من شأنهم و شأن التابعين، فطال ما اختلفوا و تناظروا فلم يخرجوا عن القانون الذى ذكرناه، و هذا يدل على قيام الحجة عليهم بذلك. قلت: قد عرفت الجواب عن دعوى الاشتراك آنفا، و اما احتجاجه على انها فى العرف الشرعى للوجوب فيحقق ما ادعيناه اذ الظاهر ان حملهم لها على الوجوب انما هو لكونها له لغة.

فائدة: يستفاد من تضاعيف احاديثنا المروية عن الائمة (عليهم السلام) ان استعمال صيغة الامر فى الندب كان شائعا فى عرفهم بحيث صار من المجازات الشائعة، لكنه لا اشكال فى جواز اثبات وجوب فعل بمجرد

45

ورود الامر به، لاصالة الحقيقة و اصالة عدم وجود القرينة (1)

(15) تمارين‏

ما هو المراد من صيغة افعل و ما فى معناها؟

فى كم معنى تستعمل صيغة الامر، و فى اى المعانى حقيقة و ايها مجاز؟

ما الدليل على كونها حقيقة فى الايجاب؟

بما ذا استدل القائل بكونها حقيقة فى الندب؟

ما هو الفارق بين الامر و السؤال؟

بما ذا استدل القائل بالاشتراك المعنوى؟

هل تخل كثرة استعمال الصيغة فى الندب بالاستدلال بها على الوجوب عند تجردها عن القرينة؟

____________

(1) فان كثرة الاستعمال لا توجب نقلها الى الندب او حملها عليه عند الاطلاق لكثرة الاستعمال فى الوجوب ايضا، مع ان الاستعمال مع القرينة و ان كان اكثر من المعنى الحقيقى لا يضر بارادة المعنى الحقيقى عند عدم القرينة، أ لا ترى ان العام قد كثر استعماله فى الخاص حتى قيل ما من عام إلّا و قد خص، و مع ذلك لا يحمل على الخاص عند الاطلاق (ش)

46

(17) اصل الحق ان صيغة الامر بمجردها لا اشعار فيها بوحدة و لا تكرار (1)

و انما تدل على طلب الماهية، و خالف فى ذلك قوم فقالوا بافادتها التكرار و نزلوها منزلة ان يقال افعل ابدا، و آخرون فجعلوها للمرة من غير زيادة عليها.

لنا: ان المتبادر من الامر طلب ايجاد حقيقة الفعل، و المرة و

____________

(1) المراد بالوحدة و التكرار الدفعة و الدفعات و الاول هو الوجود الصادر فى زمان واحد و ان كان افرادا كثيرة، و الثانى هو الصادر فى زمانين او اكثر، فاذا قال المولى: اعتق الرقبة، فاعتق العبد رقبة واحدة او رقبات دفعة فهى وحدة و دفعة، و لو اعتق رقبة ثم اعتق بعده فى زمان آخر رقبة اخرى، فهى تكرار و دفعات سواء اعتق فى كل مرة واحدة او اكثر، و قد يقال ان المراد منهما الفرد و الافراد، فعتق عبدين مثلا دفعة تكرار بهذا المعنى (ش)

47

التكرار خارجان عن حقيقته كالزمان و المكان و نحوهما، فكما ان قول القائل «اضرب» غير متناول لمكان و لا زمان و لا آلة الضرب فكذلك هو غير متناول للعدد كثرة و لا قلة، نعم لما كان اقل ما يمتثل به الامر هو المرة لم يكن بدّ من كونها مرادة و يحصل بها الامتثال لصدق الحقيقة المطلوبة بها.

و ما يقال: من ان هذا الدليل انما يدل على عدم افادة الامر للوحدة او التكرار بمادته فلم لا يدل عليهما بهيئته؟

فجوابه: ان هيئة الامر تدل بمقتضى حكم التبادر على طلب الايجاد و مادته تدلّ على نفس الفعل العارى عن الخصوصيات فاين الدلالة على المرة و التكرار؟

احتج الاولون: بان النهى يقتضى التكرار فكذلك الامر قياسا عليه بجامع اشتراكهما فى الدلالة على الطلب.

و الجواب: بوجود الفارق فان النهى يقتضى انتفاء الحقيقة و هو انما يكون بانتفائها فى جميع الاوقات، و الامر يقتضى اثباتها و هو يحصل بمرة (1) احتج من قال بالمرة بانه اذا قال السيد لعبده ادخل الدار فدخلها مرة، عد ممتثلا عرفا و لو كان الامر للتكرار لما عد ممتثلا.

و الجواب، انه انما صار ممتثلا لأن المأمور به و هو الحقيقة قد حصل بالمرة لا لان الامر ظاهر فى المرة بخصوصها.

تنبيه: اذا قلنا بدلالة الامر على التكرار فاتى العبد متعلقه مكررا (كما اذا قال: اقرأ القرآن، فقرأ سورة منه فى الغداة و سورة فى العشى) كان كل واحد منه امتثالا و هو واضح، و اما لو قلنا بالمرة فالاتيان الاول‏

____________

(1) مع انه سيجى‏ء ان دلالة النهى على التكرار ايضا محل تأمل بل الظاهر عدم دلالته (ش)

48

امتثال بلا اشكال، و لو اتى به بعد ذلك فهو خارج عن متعلق الامر و لا يعقل الامتثال بعد الامتثال، و اما بناء على الطبيعة ففى الاتيان الثانى قولان، كونه امتثالا كما فى القول بالتكرار، و كونه خارجا عنه كما فى القول بالمرة.

(16) تمارين‏

على اى شى‏ء تدل صيغة الامر، على المرة او التكرار اولا على هذا و لا على ذاك؟

ما هو الدليل على كونها موضوعة للحقيقة الساذجة؟

كيف الاستدلال على كونها حقيقة فى التكرار؟

كيف استدل مدعى وضعها للمرة على مدعاه؟

هل يعقل الامتثال بعد الامتثال؟

49

(18) اصل ذهب جماعة الى ان الامر المطلق يقتضى الفور و التعجيل‏

فلو أخر المكلف عصى، و ذهب السيد الى كونه مشتركا لفظيا بين الفور و التراخى.

و قال آخرون: بانه لا يدل على الفور و لا على التراخى، بل على مطلق الفعل و ايهما حصل كان مجزيا، و هذا هو الاقوى:

لنا نظير ما تقدم فى التكرار، من ان مدلول الامر طلب حقيقة الفعل و الفور و التراخى خارجان عنها لانّهما من صفات الفعل فلا دلالة للامر عليهما.

حجة القول بالفور ان السيد اذا قال لعبده اسقنى، فاخر العبد السقى من غير عذر عد عاصيا و اجيب بان ذلك يفهم بالقرينة لقضاء العادة بان طلب السقى انما يكون عند الحاجة و محل النزاع ما تكون الصيغة فيه مجردة عن القرينة (1).

____________

(1)- و قد يستشهد على الفور بقوله تعالى‏ (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ-

50

احتج السيد: بان الامر قد يرد فى القرآن و غيره و يراد به الفور، و قد يراد به التراخى، و ظاهر استعمال اللفظ فى شيئين انه حقيقة فيهما و مشترك بينهما.

و ايضا فانه يحسن بلا شبهة ان يستفهم المخاطب مع فقد القرينة هل اريد بهذا الامر الفور او التراخى؟ و الاستفهام لا يحسن إلّا مع الاحتمال فى اللفظ.

و الجواب: ان الذى يتبادر الى الذهن من الامر ليس إلّا طلب الفعل، و اما الفور و التراخى فهما يفهمان بالقرينة، و اما حسن الاستفهام فهو مسلم إلّا انه لا يكون شاهدا على الاشتراك اللفظى، اذ كما يحسن السؤال فى المشترك اللفظى عن المعنى الذى اريد منه، كذلك يحسن السؤال‏

____________

- إِذْ أَمَرْتُكَ‏ 12 ر 7) فانه لو لم يكن الامر للفور لكان لابليس ان يقول سوف اسجد.

و جوابه ان ذلك الامر كان فوريا لوجود التوقيت فيه قال تعالى‏ (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ)* فهذا خارج عن محل النزاع، و قد يستشهد ايضا على الفور بقوله تعالى‏ (وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ 133 ر 3) و قوله تعالى‏ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ* 148 ر 3) فان اللّه اوجب المسارعة و الاستباق الى المغفرة و الخيرات، و المراد بهما كلما امر به الشارع فاذا وجب ذلك افاد كون كل امر للفور، فهذه قرينة خارجية على الفورية فى الاوامر، و الجواب ان امر سارعوا و استبقوا ليسا للوجوب اذ يلزم ان يكون كل واجب او مندوب فى الشرع مضيقا فوريا و هو باطل، فالمراد بالامرين الارشاد الى حسن المسارعة الى سبب المغفرة و استباق الخيرات و كونهما مما فيه مصلحة لا ان المراد ايجاب الامرين مولويا (ش)

51

فى المشترك المعنوى، لامكان ان يراد به فرد خاص من مصاديقه مجازا فيقصد بالاستفهام رفع الاحتمال، و لهذا يحسن فيما نحن فيه ان يجاب بالتخيير بين الامرين حيث يراد المفهوم من حيث هو هو من دون ان يكون فيه خروج عن مدلول اللفظ، و لو كان موضوعا لكل و احد منهما بخصوصه لكان فى ارادة التخيير بينهما ارتكاب للتجوز و المعلوم خلافه.

فائدة: اذا قلنا بان الامر للفور و لم يأت المكلف بالمأمور به فى اول اوقات الامكان، فهل يجب عليه الاتيان به فى الوقت الثانى ام لا؟ ذهب الى كل فريق.

و التحقيق بناء على كون الصيغة بنفسها تقتضى الفور، لا مفرّ من القول بسقوط الوجوب حيث يمضى اول اوقات الامكان، لان ارادة الوقت الاول على ذلك التقدير بعض مدلول صيغة الامر، فهو بمنزلة ان يقول: اوجبت عليك الامر الفلانى فى اول اوقات الامكان، و يصير من قبيل الموقت، و لا ريب فى فواته بفوات وقته.

(17) تمارين‏

كم قولا فى المسألة و ايّا من الاقوال تختاره؟

ما هو الدليل على وضع الصيغة للحقيقة الساذجة؟

كيف استدل مدعى الوضع للفور و كيف الجواب عنه؟

ما هو الفارق بين كونها مشتركا لفظيا بين الفور و التراخى و بين كونها

52

مشتركا معنويا؟

ما هو مختار السيد و كيف تجيب عنه؟

اذا أخر المكلف الامتثال فهل هو عاص او غير عاص او فيه تفصيل؟