تحريرات في الأصول‏ - ج7

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
538 /
1

المقصد التاسع في البراءة

2

-

3

مقدّمة

و قبل الخوض في بحوثها، لا بأس بالإشارة الإجماليّة إلى امور:

الأمر الأوّل: حول تقسيم أحوال المكلّف‏

قد تعارف تقسيم أحوال المكلّف، فأوّل من قسّمها الشيخ ظاهرا، و قال: «إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ، فيحصل له إمّا الشكّ فيه، أو الظنّ، أو القطع ...» (1).

و حيث هو لا يخلو من مناقشات محرّرة (2)، و أمتنها أنّ أخذ المكلّف بلا وجه، كما سيمرّ عليك، و أخذ الظنّ غير جائز؛ لأنّه إمّا يلحق بالأوّل، أو الثاني، و لذا فربّما عدل لأجلها الشيخ إلى ما أفاده في المقام‏ (3)، مع عدم تجنّبه عمّا اشير إليه آنفا، و إن خلا من بعض المشاكل، كأخذ الواقعة هنا، دون ما هناك؛ نظرا إلى وضوحه، و إلّا فلا بدّ منها؛ للزوم كون الحكم مورد التصديق من غير وجود الموضوع‏

____________

(1)- فرائد الاصول 1: 2.

(2)- بحر الفوائد 1: 2/ السطر 17، درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 21- 23، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 4.

(3)- فرائد الاصول 1: 308.

4

له، و هو محال.

و حيث إنّ العلّامة الخراسانيّ (قدّس سرّه) التفت إلى بعض المناقشات، عدل عنه و قال:

«إنّ البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف، إذا التفت إلى حكم فعليّ واقعيّ، أو ظاهريّ ...» (1)، و هو أسوأ حالا ممّا مرّ؛ لأنّ المراد من «الالتفات» إن كان تصوّريّا فلا معنى للفعليّة و الواقعيّة، و إن كان تصديقيّا فلا معنى لعروض الحالات بعد ذلك، كما لا يخفى.

و إذ بلغت نوبة التأليف إلى شيخ مشايخنا في «الدرر» عدل عنه و قال: «إنّ من وضع عليه قلم التكليف، إذا التفت إلى الحكم الشرعيّ في الواقعة؛ إمّا أن يكون قاطعا، أو لا.

و على الثاني: إمّا أن يكون له طريق معتبر، أم لا.

و على الثاني: سواء كان شاكّا، أو ظانّا بظنّ غير معتبر.

فتكون الحالات منحصرة في أربع؛ لأنّ الشكّ إمّا يلاحظ فيه الحالة السابقة، أم لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في جنس التكليف، أو لا، و الأوّل مجرى أصالة البراءة، و الثاني إمّا أن يمكن فيه الاحتياط، أو لا، فالأوّل مورد الاحتياط و الثاني مجرى التخيير» (2) انتهى.

و حيث إنّه أيضا لا يخلو من المناقشات كمسألة تداخل العلم الإجماليّ المبحوث عنه في القطع مع المبحوث عنه في الاشتغال، مع ما عرفت منّا من الإشكال المشترك، و يرد أيضا: أنّ العلم بجنس التكليف، ربّما لا يكون على وفق الاصطلاح، كما لا يخفى، فيكون المراد أصل التكليف، لا الجنس في قبال النوع.

____________

(1)- كفاية الاصول: 296.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 323.

5

نقول: كما مرّ تفصيله في أوائل الكتاب، إنّ من حالات المكلّف حالة الغفلة (1)، فإنّ من المكلّفين الغافل بالضرورة، فلا يستوعب التقاسيم المذكورة الغافل عن الحكم، فأخذ «الالتفات» غير لازم أيضا.

فالأحسن أن يقال: الإنسان إمّا أن يكون في قبال الوظائف الإلهيّة، ذا حجّة عقليّة، أو عقلائيّة عرفيّة.

و إذا لم يكن كذلك، و كان شاكّا، فلا يخلو إمّا يكون الشكّ- سواء كان في التكليف، أو المكلّف به- مسبوقا بالقطع، أو لا.

و على الثاني: إمّا يكون الشكّ في أصل التكليف، أو في المكلّف به.

فالبحث عن حجّية العلم الإجماليّ في بحوث القطع، غير البحث عن العلم المذكور في مباحث الاشتغال؛ فإنّ هناك يدور الكلام حول تماميّة الحجّة عقلا، و في مباحث الاشتغال حول أنّ الاصول الشرعيّة و الأدلّة المبيحة الكلّية، تستوعب جميع الأطراف، أو بعضها، أم لا؟

هذا، و قد مرّ ما يتعلّق بهذا الأمر على وجه أحسن في أوّل بحوث القطع‏ (2)، فليراجع.

تنبيه: قال صاحب «الكفاية» عليه الرحمة: «و المهمّ منها أربعة، فإنّ مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكميّة، و إن كان ممّا ينتهى إليها فيما لا حجّة على طهارته، و لا على نجاسته، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ» (3) انتهى.

و قد ابتلي بهذه الشبهة بعض المحشّين، فأطال الكلام حولها بما لا معنى‏

____________

(1)- تقدّم في الجزء السادس: 15.

(2)- تقدّم في الجزء السادس: 10.

(3)- كفاية الاصول: 384.

6

له‏ (1)، و أخذها بعض المعاصرين مذعنا بأنّ هذا إشكال على مباحث الاصول‏ (2).

و الإنصاف: أنّه من الغريب؛ ضرورة أنّ النجاسة و الطهارة إذا كانتا معلومتين، فحكمهما معلومان، و إذا كانتا مجهولتين، فالحلّية و الحرمة مشكوكتان؛ لأنّ الشكّ فيهما من الشكّ في جواز الأكل تكليفا، و جواز الصلاة وضعا، فيتمسّك بقاعدة الحلّ، فعليه يرجع الشكّ فيهما إلى الشكّ في التكليف، و إلّا فالنجاسة و الطهارة بما هما لا أثر لهما، أو يرجع الشكّ فيهما إلى المكلّف به، فلا يكون خارجا عن البحوث الاصوليّة.

نعم، في موارد الشكّ في الطهارة و النجاسة، تكون قاعدة شرعيّة إلهيّة حاكمة على أصالة الحلّ، من غير احتياج إليها حتّى في مورد؛ لأنّ في جميع موارد تلك القاعدة، تكون قاعدة البراءة دافعة و مرجعا، فاغتنم.

الأمر الثاني: في أنّه لا مناسبة لذكر الحكومة و أنحائها هنا

سيمرّ عليك تحقيق حقيقة الحكومة و أقسامها في بحوث التعادل و الترجيح‏ (3)، و البحث عن هذه المسألة هنا، أيضا من الخلط بين ما هو شأن الباحث الاصوليّ، و بين ما هو وظيفة المكلّفين، فإنّ وظيفة المكلّف عدم الرجوع إلى الاصول مع وجود الأمارة على خلافها، و أمّا الباحث الاصوليّ فلا يلزم أن يلاحظ تقدّم الأمارات على الاصول في مبحث تنقيح مفاد الاصول و مجاريها؛ لأنّ البحث مجرّد فرض، و يكون نظره إلى تنقيح مفاد أدلّة الاصول و مصبّها و موضوعها، سواء كان هو متعبّدا معتقدا بأساس المذهب، أم لم يكن، و سواء كان شاكّا، أو غير شاك.

____________

(1)- نهاية الدراية 4: 14- 19.

(2)- مصباح الاصول 2: 249- 251.

(3)- ممّا يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث.

7

و على كلّ تقدير: لا شبهة في أصل تقدّم الأمارات على الاصول بالضرورة، و إنّما الخلاف في أنّ التقديم بالحكومة مطلقا (1)، أو الورود مطلقا (2)، أو هناك تفصيل‏ (3)؛ فمن الأمارات ما يكون حاكما، كقاعدة اليد؛ لقوله (عليه السلام): «من استولى على شي‏ء منه فهو له» (4) و من الأمارات ما يكون واردا، كالخبر الثقة، فإنّه حجّة، و لا موضوع واقعا لأدلّة الاصول في مصبّ قامت فيه الحجّة الشرعيّة.

و يحتمل أن تكون أدلّة الأمارات مخصّصة و مقيّدة، كما يحتمل أن تكون أدلّة الأدلّة، منصرفة عن موارد الأمارات و الحجج العقلائيّة.

و حيث إنّ المسألة تحتاج إلى التدبّر في كلّ أمارة برأسها؛ لقيام ذلك على النظر في الأدلّة الخاصّة، فالإحالة إلى محالّها أولى و أحوط، و إن كان الأمر سهلا.

الأمر الثالث: في اصوليّة مسألة البراءة مطلقا

إنّ البحث عن البراءة في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة- تحريميّة، أو إيجابيّة بأقسامها، و على تفاوت مناشئها؛ من فقدان النصّ، أو إجماله، أو تعارض الأدلّة، بعد ما كانت ساقطة مثلا- من البحث الاصوليّ، و تكون المسألة من المسائل الكلّية الاصوليّة؛ لما يستنتج منها قانون كلّي يستنبط به الفروع، ضرورة أنّ البحث بين الأخباريّ و الاصوليّ، يرجع هنا إلى أنّ المشكوك وجوبه أو حرمته، و غير المعلوم حكمه، المردّد بين الإلزاميّ و غيره، هل يكون مرفوعا و غير مستتبع لشي‏ء، أو لا؟

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 326- 327، و 4: 591- 601.

(2)- كفاية الاصول: 488- 489.

(3)- فرائد الاصول 2: 750- 752.

(4)- تهذيب الأحكام 9: 302/ 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض و المواريث، أبواب مواريث الأزواج، الباب 8، الحديث 3.

8

و على كلّ تقدير: تنقّح هنا الكبرى الكلّية الواقعة كبرى لقياس الاستنتاج، و يحتجّ به الفقيه في مورد الابتلاء.

و أمّا البحث عن خصوصيّات هذه الكبرى، فهو لا يضرّ بصحّتها الإجماليّة التي هي معنونة بين الأخباريّ‏ (1) و الاصوليّ‏ (2) في الشبهات التحريميّة، و بين الاسترآباديّ‏ (3) و الاصوليّ‏ (4) في الشبهات الوجوبيّة.

و من هنا يظهر: أنّ ما صنعه الشيخ الأعظم الأنصاريّ من تخصيص الصور المذكورة بالبحث على حدة؛ لاختصاص بعض الصور ببعض الأدلّة (5)، غير جائز، و الأمر سهل.

و بالجملة تحصّل: أنّ البحث هنا حول أنّ في محلّ الشكّ في الحرمة و غير الوجوب، أو الوجوب و غير الحرمة- تكليفيّة كانت، أو وضعيّة- يكون المرجع قاعدة «كلّ مشكوك مرفوع» أو قاعدة «كلّ مشكوك ليس بمرفوع».

و على كلّ تقدير: هي قاعدة اصوليّة يستدلّ عليها بالأدلّة الآتية، و هي مورد الخلاف بين الأخباريّين و الاصوليّين؛ بحسب النفي و الإثبات، و بين الاصوليّين أنفسهم بحسب الإطلاق و الخصوصيّات، بعد معلوميّة أنّ المراد من «الشكّ» هو الشكّ غير الاستصحابيّ؛ بناء على اعتبار الاستصحاب.

و لنا أن نقول: هو الأعمّ في مهمّ البحث؛ لعدم جريان استصحاب الأحكام الإيجابيّة، كالوجوب و الحرمة، و العدميّة كعدم الوجوب و الحرمة، و كلّ لجهة خاصّة

____________

(1)- وسائل الشيعة 27: 163، الحدائق الناضرة 1: 44.

(2)- الفوائد الحائريّة: 239- 240، قوانين الاصول 2: 16/ السطر 3- 5، الفصول الغرويّة:

351/ السطر 17- 18، فرائد الاصول 1: 315.

(3)- الفوائد المدنيّة: 138/ السطر 9.

(4)- الفصول الغرويّة: 351/ السطر 17- 18، فرائد الاصول 1: 315 و 377.

(5)- فرائد الاصول 1: 314.

9

محرّرة في محلّها (1).

نعم، يجري هو في الأحكام الجزئيّة و الموضوعات الخارجيّة، على إشكال في الأخير يأتي تفصيله في محلّه‏ (2)، فانتظر حتّى حين.

إذا تبيّنت هذه الامور، فلنشرع فيما هو المقصود الأصليّ في هذا المقصد التاسع من مقاصد الكتاب.

____________

(1)- يأتي في الجزء الثامن: 533- 535.

(2)- لاحظ ما يأتي الجزء الثامن: 436- 439.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

أدلّة الاصوليّين على البراءة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

فنقول: إنّ الاصوليّين استدلّوا بالأدلّة العقليّة و اللبّية و النقليّة على البراءة (1):

الاستدلال بالكتاب الكريم‏

فمن النقليّة آيات، أظهرها قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا* وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً* وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ‏ (2).

و على هذا، تكون الآية ظاهرة في العذاب الدنيويّ، و تكون راجعة إلى أنّ شأنه تعالى، ليس ذلك إلّا بعد إرسال الرسل و بعثهم؛ و دعوتهم إلى الاعتقادات الحقّة و التوحيد و الرسالة، فلا ترتبط بمسألتنا الراجعة إلى فرع من الفروع الجزئيّة.

و حديث الأولويّة (3)، غير نافع؛ لعدم قطعيّتها، ضرورة عدم ظهور الآية في نفي الشأن عنه تعالى بالنسبة إلى العذاب قبل البعث؛ لقوّة كونه إخبارا عمّا سلف؛

____________

(1)- الفوائد الحائريّة: 240- 242، قوانين الاصول 2: 20، الفصول الغرويّة: 352- 354، فرائد الاصول: 316- 336، كفاية الاصول: 385- 391.

(2)- الإسراء (17): 15- 17.

(3)- نهاية الدراية 3: 29، مصباح الاصول 2: 256.

14

أي ما كنّا في الأيّام السالفة كذا، فلا يقاس بالآيات الاخر (1)، مثل قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2) و غيره‏ (3)، فإنّه نفي عن الحال، و هذه الآية نفي عن الماضي، فإذا لم تكن بصدد نفي الشأن عنه تعالى، لا يثبت بها ما هو المطلوب في المقام، كما لا يخفى.

و إطالة البحث حولها بعد ذلك، ممّا لا معنى لها. و كون بعض الآيات السابقة راجعة إلى مسائل القيامة (4)، لا يضرّ بظهورها هنا في العذاب الدنيويّ؛ لمناسبة أقوى في ذيلها، كما مرّ.

و أمّا الإشكالات الاخر، فهي كلّها قابلة للدفع، من غير أن يلزم كون الاصوليّ جدليّا في هذه الناحية.

ثمّ إنّ هناك آيات استدلّ بها على البراءة إجمالا، و هي كلّها مذكورة في المفصّلات‏ (5)، و قد عدلنا عنها؛ لما يشكل تتميم الاستدلال بها.

نعم، قد استدللنا سابقا على المسألة بقوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (6).

و حيث إنّ الآيات السابقة عليها و اللاحقة بها، غير مربوطة بالعذاب الدنيويّ، فتكون هذه الآية خالية من الإشكال المذكور آنفا.

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 188، أنوار الهداية 2: 24، مصباح الاصول 2: 256.

(2)- آل عمران (3): 179.

(3)- الأنفال (8): 33.

(4)- نهاية الدراية 3: 29، أنوار الهداية 2: 24.

(5)- قوانين الاصول 2: 17/ السطر 6- 7، مفاتيح الاصول: 518/ السطر 14- 18، فرائد الاصول 1: 316- 318، نهاية الأفكار 3: 201- 208.

(6)- النساء (4): 165.

15

و حيث إنّ المفروض فيها؛ أنّهم رسل مبشّرون و منذرون، و لا بشارة و لا إنذار إلّا بعد الوصول إلى المكلّفين، تكون الآية أيضا من هذه الجهة، صالحة للاستدلال، من غير الحاجة إلى أخذ الرسالة كناية، كما أخذوها كناية عنها (1) في ذيل قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (2).

و حيث إنّ البحث، حول تماميّة الحجّة في الشبهات الوجوبيّة و التحريميّة و عدمها، و يظهر من الآية الكريمة الشريفة عدم تماميّة الحجّة للّه على الناس إلّا بعد الرسل المبشّرين و المنذرين، فتكون شاهدة على عدم تماميّة حكم العقل بالاحتياط كما يأتي؛ بتوهّم أنّ دفع الضرر المحتمل واجب‏ (3).

و حيث إنّ هذه الآية موضوعها لِلنَّاسِ‏ و هو العموم الأفراديّ إمّا وضعا، أو لتماميّة مقدّمات الإطلاق، فلا قصور في شمولها لجميع المكلّفين في سائر العصور و في عصرنا، بخلاف قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ فإنّه كان يحتاج إلى التقريب الذي عرفت فساده.

نعم، لا يستفاد من هذه الآية انتفاء الاستحقاق، و لكنّه غير منظور؛ ضرورة أنّ النظر إلى تماميّة الحجّة الباطنيّة أو الظاهريّة، و لك أن تكشف بها انتفاء الاستحقاق عند انتفاء الحجّة، و إلّا فلو كان مستحقّا بدونها، لما كان وجه لكون الناس ذوي حجّة عليه تعالى، فكان الأمر دائرا بين كون العباد ذوي حجّة، أو خالقهم، و أنّ اللّه له الحجّة بعد الرسل، و العباد لهم الحجّة قبل تلك الرسل.

____________

(1)- فرائد الاصول 1: 317، نهاية الأفكار 3: 205، أنوار الهداية 2: 21- 22، مصباح الاصول 2: 255.

(2)- الإسراء (17): 15.

(3)- يأتي في الصفحة 143- 145.

16

و أمّا دعوى: أنّ هذه الآية أيضا- بحسبما تعارف في الكتاب من ذكر أحوال المرسلين، و ما صنع بأقوامهم- تكون مرتبطة بالعذاب الدنيويّ، فهي مضافا إلى عدم وجود القرينة عليها، مدفوعة: بأنّ مفاد التعليل أعمّ، و أنّ الأمر يدور مدار البشارة و الإنذار؛ و تماميّة الحجّة و عدمها، فمن التعليل يستفاد العموم، فاغتنم.

نعم، يمكن الإشكال من جهة أنّ الآية لا إطلاق لها بالنسبة إلى الشبهات الوجوبيّة و التحريميّة الفرعيّة و لا يكفي العموم الأفراديّ لمرجعيّة هذا الشكّ، و لكنّه مندفع أيضا بظهورها في الإطلاق، كما لا يخفى.

17

الاستدلال بالسنّة

ثمّ إنّ الروايات المستدلّ بها على البراءة طائفتان:

الطائفة الاولى: الروايات ضعيفة السند

منها: حديث الحجب‏

رواه «الكافي» بسند معتبر إلى زكريّا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم». و مثله في «التوحيد» (1).

و في نسخة اخرى: «ما حجب اللّه علمه على العباد» (2).

و لو لا اشتراك ابن يحيى بين الموثّق و غير الموثّق، كان الخبر معتبرا، و لا يبعد اعتباره لأجل الجهات الخارجيّة.

و قد يناقش في الاستدلال به: بأنّ الظاهر من إسناد الحجب إليه تعالى، اختصاص الحديث بموارد عدم التبليغ؛ سواء كان لأجل عدم المقتضي، أو لأجل وجود المانع؛ لأنّه ممّا حجبه اللّه، و أمّا المحجوب عنّا بالعلل الخارجيّة الكونيّة، فهو ليس ممّا حجبه اللّه‏ (3)، و لا شبهة في أنّ الفرضين الأوّلين مورد تسالم الأخباريّ و الاصوليّ، و ما هو مورد الخلاف خارج عن مصبّ الحديث.

____________

(1)- الكافي 1: 164/ 3، التوحيد: 413/ 9.

(2)- جامع أحاديث الشيعة 1: 390، أبواب المقدّمات، الباب 8، الحديث 8.

(3)- فرائد الاصول 1: 326.

18

و بعبارة اخرى: الحديث ناظر إلى الصورتين الاوليين، و في موارد الشبهة لا يصلح للمرجعيّة؛ لأنّها من الشبهة الموضوعيّة بالقياس إليه، ضرورة أنّه في كلّ مورد شكّ في أنّه حرام أو واجب، يشكّ في أنّه من الصورتين، أو من الثالثة، فلا يصلح حينئذ للمرجعية.

و يمكن أن يقال: إنّه في كلّ مورد لا بدّ و أن ورد من الشرع شي‏ء؛ لأنّه لا تخلو واقعة إلّا و هي ذات حكم، و قد ورد أنّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) قال: «ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة ... إلّا و قد أمرتكم به ...» (1) إلى آخره، فعليه لا بدّ و أن ترجع الشبهة إلى الصورة الثالثة التي هي مصبّ الحديث.

و بالجملة: يستفاد من الحديث المشار إليه و من الأمر السابق عليه؛ أنّ شرب التتن مورد الحكم الإلهيّ، إلّا أنّه غير معلومة خصوصيّته بعد معلوميّة عدم الوجوب، فيكون الحديث مخصوصا بالصورة الثالثة و لو كان مجازا.

ثمّ إنّ منشأ الشكّ تارة: يكون إجمال النصّ، و اخرى: تعارض النصّين، و في هاتين الصورتين يكون الحجب مستندا إليه تعالى، نعم في صورة فقد النصّ بعد صدوره و عدم وصوله، لا يصحّ الانتساب، و هكذا في الشبهة الخارجيّة، فتأمّل.

ثمّ إنّ لنا إنكار عدم جواز الاستناد إليه تعالى في مطلق الصور؛ لأنّ القول بالأمر بين أمرين، يقتضي نفوذ إرادته و قدرته في كافّة الأشياء.

هذا مع أنّ لمكان كون الحديث هكذا: «ما حجب اللّه عن العباد» لا بدّ من القول بحذف ضمير العائد؛ أي «ما حجبه اللّه» أو «ما حجب اللّه إيّاه» و عليه يجوز أن يكون المحذوف مضافا إليه تعالى، و تكون كلمة «ما» وقتيّة؛ أي «ما حجب حكم اللّه» على البناء للمجهول، أو «في وقت حجب حكم اللّه فهو موضوع»

____________

(1)- الكافي 2: 74/ 2، وسائل الشيعة 17: 45، كتاب التجارة، أبواب مقدّمات التجارة، الباب 12، الحديث 2.

19

فلا نسبة إليه تعالى.

ثمّ إنّه لو كان على فرض انتساب الحجب إليه تعالى، فلا معنى لاختصاص الحديث بالصورتين الاوليين؛ لأنّ الوضع هناك واضح لا حاجة إليه، و ضروريّ أنّه لا معنى له بعد كون الحديث في مقام الامتنان، فلا بدّ و أن يكون شاملا للصورة الثالثة، أو مختصّا بها.

و توهّم: أنّه امتنان بالقياس إلى حكم العقل بدفع الضرر المحتمل، غير صحيح؛ لما لا احتمال في الصورتين المذكورتين.

و أمّا ما في «تهذيب الاصول»: «من الالتزام بالمجازيّة، و أنّ قوله (عليه السلام): «فهو موضوع عنهم» شاهد على أنّ الحديث مربوط بالصورة الثالثة؛ لما لا معنى للوضع إلّا بعد الجعل و التبليغ، فيكون ذيل الحديث شاهدا على المطلوب. و نسبة الأفعال إليه تعالى مجازا، كثيرة الدور في الكتاب و السنّة» (1).

فهو و لو كان ممّا لا بأس به في ذاته، إلّا أنّه يتوجّه إليه حسب الصناعة: أنّه يمكن أن يكون الصدر قرينة على الذيل، أو بالعكس، و لا نسلّم الكثرة المذكورة إلى حدّ صارت أصلا عند العقلاء.

نعم، إذا ضمّ إليه ما ذكرناه أخيرا يتمّ المطلوب، إلّا أنّه لا حاجة- بعد تلك القرينة العقليّة- إلى القرينة اللفظيّة، فكون الوضع مستعملا مجازا، ليس مرجوحا بالنسبة إلى مجازيّة النسبة إليه تعالى على حدّ يتعيّن الثاني، فيدور الأمر بين المجازين، و لا ترجيح.

بقي شي‏ء: حول شمول حديث الحجب للشبهتين الموضوعيّة و الحكميّة

إنّ المراد من الموصول، لا يمكن أن يكون الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة،

____________

(1)- تهذيب الاصول 2: 173.

20

و لا معيّن لاختصاصه بالاولى، فلا يصلح للمرجعيّة فيما هو مهمّ بحث الاصوليّ و الأخباريّ.

و فيه أوّلا: أنّ الجمع ممكن؛ ضرورة أنّ الموصول- كما يأتي في حديث الرفع‏ (1)- مبهم موجب لانتقال المخاطب إلى العناوين الذاتيّة، و حكمها الكلّي، أو الجزئيّ.

و ثانيا: أنّ كلمة «علمه» في الحديث، توجب توهّم الاختصاص بالحكميّة (2)، و لكن قد عرفت أنّ نسخة «الكافي» ليس فيها ذلك، فعلى الصورتين تكون المسألة مورد الحديث، و حيث لا سياق هنا لا وجه لصرفه إلى الشبهة الموضوعيّة، بل لو كانت نسخة الصدوق حديثا آخر غير نسخة «الكافي» كما هو رأي بعض الأصحاب‏ (3)، كانت نسخة الصدوق منحصرة بالشبهة الحكميّة؛ لظهور كلمة «علمه» في الشبهات الحكميّة الكلّية، فتأمّل.

و غير خفيّ: أنّ مفاد الحديث الشريف، مناف لإيجاب الاحتياط في موارد الجهل؛ لظهوره في عدم ترتّب الأثر إذا تخلّف المكلّف عنه؛ لجهله و احتجابه.

منها: حديث السعة

ثمّ إنّ من الأحاديث التي لا سند لها، و لا يبعد دلالتها: ما في «عوالي اللآلي» عن النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) قال: «الناس في سعة ما لم يعلموا» (4).

و ظهور «ما» حينئذ في الوقتيّة ممّا لا يكاد يخفى، و ما توهّموه من المعارضة

____________

(1)- يأتي في الصفحة 48.

(2)- نهاية الأفكار 3: 226.

(3)- ضوابط الاصول، الدليل العاشر على البراءة/ السطر 38.

(4)- عوالي اللآلي 1: 424/ 109.

21

بينه و بين أدلّة الاحتياط (1)؛ لأجل نقل الحديث على خلاف ما في أصله: و هو «الناس في سعة ممّا لا يعلمون» فإنّه عندئذ يتعيّن- حسب الأظهر- في الموصول.

فعلى هذا، دلالة الحديث على أصل التوسعة في موارد عدم العلم واضحة، و القدر المتيقّن منه هي الشبهات الحكميّة، إلّا أنّ الظاهر من عدم العلم عدم الحجّة، و أدلّة الاحتياط- لو تمّت- حجّة على الواقع.

و لا يبعد كون «ما» على التقديرين وقتيّة، و إلّا يلزم أن يكون الجارّ و المجرور متعلّقين بالفعل المحذوف؛ أي «الناس يكونون في سعة ما لا يعلمون» و هو خلاف الأصل.

و قيل‏ (2): «إنّ في بعض الأخبار ورد: «الناس في سعة حتّى يعلموا» (3) و هو أيضا يؤيّد ما ذكرناه، فاغتنم. و مجرّد إمكان كون المراد من الحجّة، هي الأمارة القائمة على المجهول غير المعلوم؛ و هو الحكم، و أنّ الحجّة منصرفة إلى الدليل القائم عليه، لا يكفي، كما لا يخفى.

منها: حديث كلّ شي‏ء مطلق‏

و من هذه الطائفة؛ أي الأخبار التي لا سند لها: مرسلة «الفقيه»: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» فإنّه فيه قال: روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (4).

____________

(1)- كفاية الاصول: 389، أجود التقريرات 2: 181، تهذيب الاصول 2: 174، مصباح الاصول 2: 278.

(2)- الدرر النجفيّة: 27/ السطر 31.

(3)- الكافي 6: 297/ 2.

(4)- الفقيه 1: 208/ 937.

22

و عن «العوالي» عن الصادق (عليه السلام) مثله، إلّا أنّ فيه بدل «نهي»: «نصّ» (1).

و في «جامع الأحاديث» للسيدّ الاستاذ (رحمه اللَّه) عن «أمالي ابن الشيخ» الطوسيّ (رحمه اللَّه) بسند غير نقيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر و نهي، و كلّ شي‏ء يكون فيه حلال ...» (2).

و حيث لا اعتبار به، لا وجه لإطالة الكلام حوله، و نقد ما افيد و أفادوه‏ (3).

و ما في «تهذيب الاصول»: «من أنّه من المراسيل الخاصّة؛ لقول الصدوق:

قال الصادق: كذا» (4) غير تامّ صغرويّا؛ لما مرّ، و كبرويّا؛ لما تحرّر في محلّه‏ (5).

و مناقشة العلّامة الخراسانيّ (قدّس سرّه): «بأنّ الورود أعمّ من الوصول» (6) ينافيه ما عن «أمالي الشيخ» (رحمه اللَّه) فإنّه يؤيّد أنّ المراد من الورود هو الوصول. مع أنّه المناسب للامتنان المستفاد من نفس هذا الحديث و أشباهه.

و المناقشة فيه أيضا: «بأنّ المراد إفادة الإطلاق قبل بعثة الرسل و إنزال الكتب» فهي و إن كان يؤيّدها كلمة «نصّ» أو ما في «الأمالي» إلّا أنّ كلمة «نهي» تورث خلافها، و الضرورة قاضية بأنّ الحديث إنشاء، لا إخبار عمّا لا أثر له، و من الواضح أنّ كثيرا من الموضوعات، كانت مورد الأحكام قبل الإسلام، فما عن العلّامة النائينيّ‏ (7) أبعد عن الواقع.

____________

(1)- عوالي اللآلي 2: 44/ 111.

(2)- الأمالي، الطوسي: 669/ 1405، المجلس 36، جامع أحاديث الشيعة 1: 392، أبواب المقدّمات، الباب 8، الحديث 16.

(3)- فرائد الاصول: 327، كفاية الاصول: 389- 390، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 450- 451، نهاية الأفكار 3: 230- 231.

(4)- تهذيب الاصول 2: 179.

(5)- لعلّه (قدّس سرّه) حرّر هذا البحث في فوائده الرجالية و هي مفقودة، لاحظ ما يأتي الجزء الثامن: 381.

(6)- كفاية الاصول: 389.

(7)- لاحظ الرسائل الفشاركيّة: 50، أجود التقريرات 2: 182.

23

نعم، بناء على كون الغاية «نهي» يعارض هذا الحديث أحاديث الاحتياط، و أمّا بناء على النسختين الأخيرتين فلا، فصلاحيّة الحديث سندا و دلالة، غير واضحة جدّا.

و إن شئت قلت: يتحمّل الحديث الاحتمالات الكثيرة:

احتمال كون المراد من الإطلاق، إفادة عدم المنع و القيد الواقعيّ و الإباحة الواقعيّة، في قبال القول: بأنّ الأصل هو الحظر (1)، فيكون المراد من «ورود النهي» هو صدور الدليل على المنع.

و احتمال إفادة الإطلاق؛ و عدم المنع عن ارتكاب كلّ شي‏ء، و الإباحة الواقعيّة الثانويّة، بعد كون الأصل الأوّلي المنع، إلّا أنّ الشرع- نظرا للتسهيل- رخصّ و أباح حتّى يرد النهي، و يكون المراد من «ورود النهي» هو صدوره الواقعيّ.

و في كلا الاحتمالين يجوز أن تكون الغاية صدور النهي الواقعيّ، أو وصوله و إن لم يصدر، أو صدوره المقيّد بالوصول، و يكون المراد من «النهي» هو النهي بمعناه الواقعيّ، أو النهي الأعمّ منه و ممّا يكون في موارد الاحتياط، فإنّه حينئذ يثبت النهي العقليّ؛ لأجل إيجاب الاحتياط الشرعيّ، و لو لا ذلك الإيجاب لا يكون نهي عقليّ.

و احتمال ثالث: و هو أن يكون المراد من «الإطلاق» هو عدم المنع و عدم القيد الظاهريّ، فتكون الإباحة الظاهريّة مجعولة لموارد الجهل بالواقع؛ سواء كان شرب التتن محرّما و منهيّا واقعا، أم كان مباحا، أو كان محظورا، فيكون دليلا على الترخيص في قبال الأخباريّين، بشرط أن يكون المراد من «الورود» هو الوصول، و من «النهي» هو معناه البدويّ؛ أي النهي الشرعيّ. و يحتمل أن يكون المراد من «الورود» هو الصدور هنا، و من «النهي» أعمّ.

____________

(1)- عدّة الاصول: 296/ السطر 8- 10.

24

و هنا احتمال رابع: و هو أنّ المقصود جعل الإباحتين؛ الواقعيّة، و الظاهريّة، فيكون شرب التتن مباحا واقعا إلى أن يرد فيه النهي، و لو كان في مورد الشكّ و الشبهة، فهو أيضا شي‏ء مطلق و لو كان ممنوعا بالنهي الواقعيّ، حتّى يرد و يصل النهي إلينا.

و دعوى امتناع الجمع في الدليل الواحد بين الحكمين: الواقعيّ، و الظاهريّ، قابلة للدفع بعد انحلال القضيّة إلى الأحكام انحلالا حكميّا؛ ضرورة أنّ شرب التتن شي‏ء، فيكون مطلقا حتّى يرد فيه المنع و النهي، و إذا كان في مورد مشكوكا و محلّا للشبهة، فهو أيضا شي‏ء بلا إشكال، فيكون مباحا؛ لأنّ بورود النهي الواقعيّ و إن خرج عن الإطلاق، و لكنّه لا يخرج عن الشيئيّة، فيكون منطبقا عليه مصداق من الخطاب المنحلّ، و حينئذ يكون المراد من «الورود» مصداقه الآخر: و هو الوصول؛ لأنّ المراد من «النهي» الوارد أعمّ من الصادر و الواصل؛ ضرورة أنّ النهي الصادر الواصل، من النهي الوارد، و هكذا الصادر غير الواصل، فالوارد يشمل النهيين أيضا.

و بالجملة: لا يبعد إمكان الجمع بين الإباحتين، فيكون دليلا على الخصمين في مسألة أصالة الإباحة، و أصالة البراءة.

أقول: بعد هذه الاحتمالات الكثيرة، كيف يمكن الإذعان بأحدها تعيينا: و هو أنّ المراد من «المطلق» هو عدم المنع الظاهريّ، فإنّه ينفع، أو أنّ إباحة الظاهر داخلة مع عدم أخذ الشكّ و الشبهة في ناحية الموضوع؟!

و غاية ما يستدعي ذلك؛ أنّ صدور مثله عن المعصوم (عليه السلام) يشهد على أنّه مربوط بالمسائل المبتلى بها، و الضرورة قائمة على أنّ العناوين الأوّلية، قد أوحى اللّه أحكامها إلى نبيّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) و لو كان شي‏ء نجسا و مودوعا مثله عند الإمام (عجّل اللَّه تعالى فرجه‏) و لكنّه مجعول له الطهارة فعلا، فلا يوجد مطلق بالمعنى الواقعيّ، فيكون المراد من «المطلق» هو المشكوك و المشتبه.

25

مع أنّ جعل الإباحة الواقعيّة قليل النفع جدّا، فيستظهر من الصدر أنّ الموضوع هو المشكوك و غير المعلوم، فالشي‏ء المجهول مطلق.

و على هذا، لا معنى لأن يكون المراد من «الورود» غير الوصول؛ لأنّه لا حالة انتظاريّة لأن يرد من اللّه تعالى فيه شي‏ء، فإنّه قد ورد قبل ذلك النهي، أو الإباحة، أو غير ذلك من الأحكام بالنسبة إلى الموضوعات الكليّة.

و في الإتيان بجملة الاستقبال، أيضا نوع شهادة على أنّ المراد هو الوصول، و يويّده ما في «الأمالي» كما مرّ.

و أمّا دعوى: أنّ النهي أعمّ‏ (1)، فهي غير بعيدة؛ لعدم وجه لحمله على النهي الشرعيّ المولويّ، و لا سيّما بعد كونه النكرة المفيدة عموما بدليّا؛ لأجل التنوين.

نعم، ما هو المتبادر البدويّ هو النهي الخاصّ، فتقع المعارضة بين هذه الرواية و أخبار الاحتياط، و الأمر- بعد كونه بلا سند- سهل.

إيقاظ: من الغريب ما أفاده العلّامة الخراسانيّ (قدّس سرّه): «من أنّه و لو كان الحديث لجعل الإباحة الواقعيّة، و كان المراد من الورود هو الصدور، يجوز أن يرجع إليه في مسألتنا؛ لأنّ الشبهة المصداقيّة تنحلّ باستصحاب عدم الورود، فيكون المستثنى منه مرجعا فيما نحن فيه» (2)!!

و فيه:- مضافا إلى أنّ النهي إذا كان أعمّ، لا يكفي؛ لورود ذلك في ضمن أخبار الاحتياط- أنّ استصحاب عدم الورود من الأصل الموضوعيّ، و لا أثر له، و لا معنى له، بل هو يرجع إلى استصحاب عدم النهي، و هو غير جار حسب التحقيق عندنا. مع أنّه لا حاجة إليه بعد ذلك، إلّا أن يقال: بأنّه لا ترتفع الشبهة إلّا بالدليل الاجتهاديّ الموجود، فتأمّل جيّدا.

____________

(1)- نهاية النهاية 2: 99.

(2)- كفاية الاصول: 389- 390.

26

إفادة: فيما يدل على اختصاص حديث الإطلاق بالحلّية الظاهريّة

ممّا يوجب صرف الحديث المذكور إلى الحلّية الظاهريّة: أنّ جميع الشرائع و القوانين الإلهيّة الموضوعة على عناوينها، تكون داخلة في النظام العالميّ، و تكون الإرادة فيها من الإرادة الأزليّة المتعلّقة بها فيما لا يزال، و لا يعقل دعوى حدوث الإرادة التشريعيّة بظهور الإسلام، حتّى يقال: «كلّ شي‏ء مطلق قبل الإسلام مثلا، حتّى يرد فيه نهي».

ثمّ إنّه لو كان: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» مختصّا بالشبهات التحريميّة و بالحلّية الواقعيّة، و «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نصّ» مختصّا بالحلّية الواقعيّة في الشبهات التحريميّة و الوجوبيّة، تكون الأشياء مطلقة حتّى يرد عليك نهي أو أمر ظاهر في الحلّية الظاهريّة؛ لأنّ الغاية هي الوصول، كما لا يخفى.

منها: حديث الحلّ‏

و من هذه الطائفة؛ أي ما يشكل الاتكال عليها سندا: ما رواه «الكافي» عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي اختك، أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» (1).

____________

(1)- الكافي 5: 313/ 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

27

و غير خفيّ: أنّ اشتهار توصيفها ب «الموثّقة» (1) في غير محلّه؛ لعدم نصّ على و ثاقته في الاصول الخمسة، و مجرّد كونه من مشايخ الصدوق، و تصحيح العلّامة (رحمه اللَّه) السند الذي هو فيه‏ (2) بلا دليل، غير كاف.

نعم، ربّما يجد المتتبّع من الأمارات الكلّية و رواية بعض الأجلّاء عنه، حسن حاله. مع أنّه قليل الرواية، و تقل رواية الأجلّاء عنه، و قد أطال العلّامة النوريّ حول وثاقته‏ (3)، إلّا أنّي- بعد وسع مشربي- غير راكن إليه، إلّا على ما أبدعناه في بعض مسطوراتنا (4)؛ و هو أصالة العدالة إلّا ما خرج بالدليل.

و على كلّ: في تمسّك الشيخ به في الشبهة الموضوعيّة (5)، و العلّامة الخراسانيّ (رحمه اللَّه) في الشبهة الحكميّة (6)، لا يلزم انقلاب الواقع؛ فإنّ في هذا الحديث عمومين لفظيّين، أحدهما: في الصدر، و الآخر: في الذيل.

و على كلّ تقدير: لا يضرّ القدر المتيقّن في مقام الخطاب بهما، و لا سيّما على القول: بأنّه العموم اللفظيّ وضعا، و لا يحتاج إلى مقدّمات الحكمة في السريان العموميّ، فما أفاده العلّامة الأراكيّ‏ (7)، غير مرضيّ جدّا.

و أمّا كون الأمثلة موجبة لصرف العموم المذكور في الصدر أو الذيل إلى الشبهات الموضوعيّة، بعد قوله: «كلّها» (8) فهو ممنوع؛ لأنّه كثيرا ما تتفق الأمثلة،

____________

(1)- الوافية في اصول الفقه: 207، أجود التقريرات 2: 183، تهذيب الاصول 2: 188.

(2)- تذكرة الفقهاء 1: 588/ السطر 18- 22.

(3)- مستدرك الوسائل 3: 674، الفائدة الخامسة من الخاتمة.

(4)- لعلّه في فوائده الرجالية و هي مفقودة.

(5)- فرائد الاصول 1: 330 و 368- 369.

(6)- كفاية الاصول: 388- 389.

(7)- مقالات الاصول 2: 61/ السطر 8- 10، نهاية الأفكار 3: 234، مناهج الوصول 2: 232- 234، محاضرات في اصول الفقه 5: 151.

(8)- أجود التقريرات 2: 184، نهاية الأفكار 3: 234، مصباح الاصول 2: 274.

28

و لا معنى لكونها موجبة لاختصاص المطلق أو العموم بالخصوصيّات الموجودة فيها، و لا سيّما بعد عدم القول بالحاجة إلى مقدّمات الإطلاق في مثل العمومين المذكورين؛ فإنّ احتمال كون «الألف» و «اللام» في كلمة «الأشياء» للعهد الذكريّ، مدفوع؛ لقوله: «كلّها» و في ذلك غاية إلى صرف الأذهان عن تلك الأمثلة إلى مطلق الامور المشتبهة، و بعد قوله: «كلّ شي‏ء هو لك حلال».

و قوله: «حتّى» في الصدر و الذيل لا تحتمل الإباحة الأصليّة، بل هي ظاهرة في الإباحة الظاهريّة.

و من الأمثلة تبيّن: أنّ المنظور من «العلم» هو الحجّة، و من «الإبانة» هو الحجّة؛ ضرورة أنّ في تلك الأمثلة تكون الغاية حاصلة، و هو العلم في الصدر، و الإبانة في الذيل.

و بعد عدم كونها مثالا واقعيّا صناعيّا لقاعدة الحلّ الظاهريّ الذي موضوعه الشكّ، تبيّن أيضا: أنّ النظر إلى الأمر الأعمّ؛ و هو أنّ المدار على تماميّة الحجّة، سواء كانت من قبل الأمارات، أو الاصول، فإن تمّت الحجّة فهو، و إلّا فالأشياء كلّها على ذلك، و هي الحلّية التي قال: «كلّ شي‏ء هو لك حلال».

فلا إشكال و لا عويصة في الحديث؛ بعد كونه قانونا عامّا لفظيّا شاملا لجميع موارد الجهالة؛ و عدم وجود الحجّة، سواء كان الجهل في موردها، أو في موضوعها، فإذا ثبت العموم و ما هو المدار، يثبت المطلوب؛ لأنّ من تلك الحجج قول الثقة بحرمة كذا.

نعم، ربّما يستظهر من كلمة: «بعينه» في الصدر، و من كلمة: «أو تقوم به البيّنة» في الذيل، اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة (1).

و يتوجّه إلى الأوّل أوّلا: أنّه يتمّ الاستظهار المذكور بالقياس إلى ملاحظة

____________

(1)- أجود التقريرات 2: 184، مصباح الاصول 2: 273- 274.

29

شرب التتن و أكل لحم الأرنب، إذا كانا كلاهما مشتبهي الحكم، فإذا سأل الإمام (عليه السلام) رجل عن أنّ شرب التتن حرام، أم لحم الأرنب، أو هما معا، أو كلاهما حلال، يصحّ أن يجيبه (عليه السلام) بالقاعدة المذكورة. نعم، فيما إذا لم يكن ترديد في البين و لو بالنحو المذكور، يوهم اختصاص القاعدة بالشبهات الموضوعيّة.

و ثانيا: ما في ذيلها «الأشياء كلّها على ذلك» قاعدة كلّية، ربّما اتي بها دفعا للتوهّم المذكور، و إلّا فهي تكرار، و قد عرفت أنّ في تأكيد العموم بكلمة «كلّها» إشعارا بإلغاء خصوصيّة الأمثلة؛ حتّى حديث الموضوعيّة.

و يتوجّه إلى الثاني: أنّ البيّنة أوّلا: ليست العدلين إلّا اصطلاحا، و إلّا فما هو البيّنة هو الدليل و الحجّة، فيتمّ العموم حينئذ بلا كلام و لو لم يتمّ العموم في الصدر، و لأجل ذلك تنحصر الغاية في الاستبانة الشخصيّة و الوثوق و الاطمئنان و العلم الشخصيّ، و في الحجّة الشرعيّة، أو العقلائيّة.

و قد مرّ في بحوث خبر الثقة: أنّ الخبر المذكور ليس رادعا عن العمل بخبر الثقة (1)، و لو كان المراد من «البيّنة» معناها الاصطلاحي للزم الردع عنه؛ لعدم إمكان إدراج خبر الثقة في الاستبانة بالحكومة أو الورود؛ لأنّ البيّنة أيضا من مصاديقها، و هي مقابله، فاغتنم.

و ثانيا: أنّ الغاية المذكورة غاية للشبهتين: الحكميّة، و الموضوعيّة؛ ضرورة أنّ مشكوك الحكم حلال إلى أن يحصل الوثوق الشخصيّ أو البيّنة، و الموضوع المشتبه أيضا كذلك، و لكن في ناحية الحكم اعتبر الشرع كفاية خبر الثقة أيضا توسعة بدليل آخر، كما أنّه في الموضوعات أيضا يجوز التوسعة، كما ذهب إليه جماعة منهم‏ (2).

____________

(1)- تقدّم في الجزء السادس: 510.

(2)- تذكرة الفقهاء 1: 10/ السطر 10، الحدائق الناضرة 5: 251، مصباح الاصول 2: 172.

30

فتحصّل: أنّ ما ذهب إليه جمع من المعاصرين‏ (1)، و أطال الكلام حوله بعضهم‏ (2)، كلّه ناشئ عن الغفلة عن العموم الثاني في الذيل، و عن المقصود من «البيّنة».

نعم، ربّما يقال بحكومة أو ورود أخبار الاحتياط عليها، إلّا أن يقال بانصراف الغايتين إلى قيام الحجّة على الحكم في الواقعة، فتدبّر.

الطائفة الثانية: الروايات القابلة للاعتماد عليها سندا

فمنها: معتبر عبد الأعلى بن أعين‏

قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء؟

قال: «لا» (3).

و يتمّ الاستدلال بناء على أنّ المنظور، ليس نفي العامّ المجموعيّ، أو يتمّ عليه أيضا لنفي القول بالفصل.

و لكن لا ينافيه أخبار الاحتياط، كما هو الواضح، و ما في تقريرات العلّامة الأراكيّ (قدّس سرّه) من المعارضة (4)، في غير محلّه؛ لأنّ المنفيّ في الجواب هو العقاب خاصّة، أو هو و غيره، و لكن في مورد الاحتياط هو يعرف شيئا؛ و هو لزوم الاحتياط.

و لو قلنا: إنّ في موارد الشبهة لا يعرف الحكم، فلا شي‏ء عليه، فيقع التعارض.

____________

(1)- أجود التقريرات 2: 183- 184، لاحظ نهاية الأفكار 3: 234.

(2)- مصباح الاصول 2: 273- 276.

(3)- الكافي 1: 164/ 2، جامع أحاديث الشيعة 1: 390/ 9.

(4)- نهاية الأفكار 3: 229.

31

ففيه: أنّ العرفان و عدمه هو الحجّة و عدمها، و أخبار الاحتياط حجّة. هذا مع أنّ الخبر لمكان كلمة «العرفان» ربّما يكون مخصوصا بالشبهات الموضوعيّة؛ لأنّ الكلّيات لا تقبل العرفان، فتدبّر.

و منها: معتبر ابن الطيّار

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه احتجّ على الناس بما آتاهم و عرّفهم» (1).

و المناقشة فيه: بأنّ المراد من ذلك هو العقل و الفطرة و الرسول الباطنيّ في الأبواب الاخر (2)؛ لأجل معتبر حمزة بن الطيّار الآخر (3)، غير تامّ؛ لأنّ ما فيه أيضا غير شاهد على شي‏ء يوجب قصور الإطلاق، إلّا أنّه لا يدلّ على وجه ينافي أخبار الاحتياط، و ما هو مهمّ الاصوليّ ذلك، و إلّا فالآيات و الأخبار المستفادة منها البراءة العقليّة كثيرة، إلّا أنّه لا ينافيها وجوب الاحتياط الشرعيّ، و لأجل ذلك انصرفنا عن تعديد الآيات الشريفة إلى ذكر الأحاديث النافية.

و منها: معتبر عبد الأعلى‏

و فيه: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (4) قال (عليه السلام): «حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه» (5).

فإنّ ببركة الاصول هنا يمكن كشف البراءة الشرعية؛ ضرورة أنّ في المقام لا

____________

(1)- الكافي 1: 162/ 1.

(2)- لاحظ تهذيب الاصول 2: 177- 178.

(3)- الكافي 1: 164/ 4.

(4)- التوبة (9): 115.

(5)- الكافي 1: 163/ 5.

32

يعرّفهم ذلك، فيعارضه أخبار الاحتياط، و من إضافة العرفان إليه يتبيّن: أنّه لا شي‏ء عليه مادام لم يحصل عرفانه بالحكم و الموضوع، فلا يرد عليه ما يرد على ما سبق.

و منها: معتبر عبد الرحمن بن الحجّاج‏

عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة ...

إلى أن قال: «و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك».

فقلت: بأيّ الجهالتين يعذر؛ بجهالته أن يعلم أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنّها في عدّة؟

فقال: «إحدى الجهالتين أهون من الاخرى: الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه؛ و ذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها».

فقلت: و هو في الاخرى معذور.

قال: «نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها».

قلت: فإن كان أحد متعمّدا، و الآخر يجهل.

فقال: «الذي تعمّد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبدا» (1).

و في بعض النسخ: «بأيّ الجهالتين أعذر» (2) و الأمر سهل.

أقول: حيث إنّ الأهونيّة و نفس الرواية، تدلّ على أنّ مورد الاعتذار هو المعنى التكليفيّ، لا الوضعيّ؛ لإمكان كون المكلّف معذورا بالقياس إلى مخالفته، و أعذر بالقياس إلى آخر؛ لإمكان كون حجّته في صورة قيام خبر الثقة، و في صورة

____________

(1)- الكافي 5: 427/ 3، وسائل الشيعة 20: 450- 451، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الباب 17، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 1: 404، أبواب المقدّمات، الباب 8.

(2)- جامع أحاديث الشيعة 1: 404.

33

قيام الخبر المتواتر، أو يكون في صورة جاهلا مقرونا بالعجز، و في اخرى جاهلا محضا، يصحّ الاستناد إلى الخبر المذكور على البراءة بنفس الجهالة بالحكم؛ سواء كانت جهالة مقرونة بالغفلة الموجبة للعجز عن الاحتياط، أو الجهالة غير المقرونة به، كما في الجاهل الملتفت.

و دعوى: أنّ الخبر يدل على أنّ المفروض فيه الجاهل الغافل لا الملتفت‏ (1)، غير مسموعة بعد التعليل الصريح في أنّ إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، فإنّ الأهونيّة المذكورة فيه لا تمكن إلّا في صورة الغفلة، و أمّا الهيّنية التي في مقابل أفعل التفضيل، فهي في صورة عدم الغفلة، فالجهل فيه أعمّ بالضرورة، و تصير النتيجة معذوريّة الجاهل بالحكم أو الموضوع و لو كان عن التفات.

و تندفع المشكلة الاولى- و هي أنّ الجهالة إن كانت بمعنى الغفلة، ففي الصورتين يعجز عن الاحتياط، و إن كانت بمعنى الجهل المقرون مع الالتفات، ففيهما يتمكّن من الاحتياط-: بأنّ الجهالة هي الأعمّ، فلا معضلة.

و لو شئت تقول: إنّ هنا إشكالا على التقادير المختلفة؛ و ذلك أنّ «الجهالة» إن كانت هي الغفلة فلا يتمّ التعليل، و إن كانت هي الجهل فلا يعذر فيما إذا كان قبل الفحص، و لا تبقى الجهالة بعد الفحص؛ ضرورة أنّ الجهالة بالحكم، ترتفع قطعا بالفحص بالنسبة إلى ذلك الحكم الواضح، و بالموضوع أيضا عادة.

هذا مع أنّ في صورة الجهل بالموضوع، لا يستند العذر إلى الجهالة؛ لأنّه إن كان يعلم: بأنّها لم تكن في العدّة، فالاستصحاب محكّم، و إن كان يعلم: أنّها في العدّة، فأيضا يجري الاستصحاب.

و إن كان لا يعلم الحكم الوضعيّ، فهو كالحكم التكليفيّ في عدم بقاء الجهالة بعد الفحص، و عدم عذريّتها قبله، و هكذا فيما إذا لم يعلم: بأنّ مقدار العدّة أيّ مقدار؟

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 448، تهذيب الاصول 2: 186.

34

فبالجملة: متن الحديث مضطرب، فالأولى تركه.

و بعبارة اخرى: لا يمكن الشكّ في العدّة إلّا بعد العلم بالزواج، فإن كان يشكّ في بقائه لأجل الموت أو الطلاق، فاستصحابه محكّم، و إن كان عالما بزواله فاستصحاب بقائها في العدّة جار.

و نحن نقول: بعد كون الرواية صادرة في عصر و مصر لا تختصّ بهما حكما، بل هي قانون عامّ كلّي أبديّ، يكون البحث و السؤال فرضيّا، لا واقعيّا و خارجيّا؛ فإنّ أمثال ابن الحجّاج يسأل عن الأحكام في مسائل مفروضة، فالإشكال في حمل الرواية على فرض الجهل بالموضوع جهلا عن التفات، في غير محلّه، كما في «الدرر» (1).

و على هذا، إذا كان بحسب ذات الرواية «الجهالة» أعمّ، فلا يلزم في ناحية فرضها بالعدّة حمل على النادر، و أمّا في ناحية الحكم فالغفلة أيضا فرضيّة.

نعم، هذا و إن لم يكن من التفكيك؛ لإمكان الجامع و وجوده، إلّا أنّه أمر بعيد في ذاته جدّا، و لعلّ مراد المستشكل من «التفكيك» هو التفكيك بحسب الإرادة الجدّية، لا الاستعماليّة.

و يتوجّه إلى الاستدلال أوّلا: بأنّ معذوريّته بالنسبة إلى الشبهة الحكميّة، و أهونيّة هذا العذر من معذوريّته بالنسبة إلى الموضوعيّة، لا تكفي لنا؛ لأنّ ما هو المفضّل عليه هي الشبهة الموضوعيّة، و كلامنا فيما إذا كانت الشبهة الحكميّة مورد جهالة الملتفت، فلا يعلم منها ما ينفعنا بعد اللتيّا و التي. هذا مع أنّ حديث العذر ينقطع بأخبار الاحتياط.

إن قلت: الجهالة المفروضة حاصلة في موارد أخبار الاحتياط.

قلت: نعم، إلّا أنّها اخذت عذرا، فلا تبقى عليه.

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 447.

35

تذنيب: في أنّ الغفلة عذر في الأحكام دون الموضوعات‏

يمكن حمل «الجهالة» على السفاهة، و أنّ السفيه من لا يهتمّ في اموره، و لا يعتني بعواقب أفعاله، فيصير طبعا غافلا.

إلّا أنّ الغفلة في مصر الأخبار و عصر الروايات بالنسبة إلى الحكم المذكور، أهون من الغفلة بالنسبة إلى ما هو تحت اختياره و قدرته، فإنّه بالنسبة إلى الحكم، تكون أسباب الجهالة في تلك الأعصار أقوى و أكثر؛ أي عدم وجود المقتضي للاطلاع عليه، بعد تشتّت الأخبار و الأحكام، و قلّة من يعرفها، بخلاف الجهالة بالنسبة إلى الموضوع؛ بعد كونها بين يديه، و يكون المتعارف السؤال عنها.

و لو قلت: في ذيل الخبر «و الآخر يجهل» و ظاهر الجهل هنا و الجهالة واحد؛ و هو عدم العلم.

قلت: مع ذلك يمكن حمل «الجهالة» في الرواية على عدم العلم، إلّا أنّ الجهالة بالنسبة إلى الحكم مقرونة بالغفلة التي لا يقدر معها على الاحتياط، و لا يكون التسامح فيه مضرّا بعذريّته، فلا يجب التحفّظ، بخلاف الغفلة في الموضوع الناشئة عن قلّة المبالاة، فإنّه يقدر على الاحتياط؛ لعدم عجزه عن الاحتياط إلّا لأجل عدم مبالاته بدينه و لو كان معذورا من جهة أصل الجهل، و بذلك تنحلّ المشاكل ظاهرا، و لا يلزم خلاف ظاهر في ألفاظ الحديث، فليتدبّر جيّدا.

و بعبارة اخرى: كما أنّ مع العلم بالإكراه، يمنع العقل عن دخول الدار، و يصحّ أن يقال: «كان قادرا على الاحتياط بعدم دخوله» مع أنّه كان عاجزا عن ترك الشرب، كذلك الأمر هنا، فالغفلة هي المقصود هنا في الرواية صدرا و ذيلا، إلّا أنّ الغفلة في الحكم عذر، و في الموضوع ليس بعذر، فيقدر على الاحتياط كما عرفت.

نعم، مشكلة جريان استصحاب حياة الزوج أو بقاء النكاح؛ إن كان الشكّ في‏

36

العدّة مصحوبا مع الشكّ فيهما (1)، و هكذا مشكلة استصحاب بقائها في العدّة في صورة العلم بالموت أو الطلاق‏ (2)، مندفعة بغفلته عن تلك الحال، و هي ليست من الغفلة التي ليست عذرا؛ لأنّ المفروض هي الغفلة عن محرمّية التزويج فيها.

و يجوز دعوى: أنّه يشكّ في أنّها في العدّة مع الشكّ في أصل التزويج، فحينئذ و إن لم يكن الجهل عذرا صناعة، و لكنّه عذر أيضا في ذاته، فلا تخلط.

و منها: معتبر عبد الصمد بن بشير

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: إنّ رجلا أعجميّا دخل المسجد يلبّي، و عليه قميصه، فقال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ...

إلى أن قال (عليه السلام): «و ليس عليك الحجّ من قابل، أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه، طف بالبيت ...» (3) إلى آخره.

و توهّم اختصاص الحديث بالشبهة الموضوعيّة، فاسد؛ لما عرفت من نفس الحديث.

و المناقشة فيه: بأنّ «الباء» ظاهرة في علّيّة الجهل للارتكاب‏ (4)، نحو قوله تعالى: لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ* (5).

مندفعة: بأنّ الجهالة سواء كانت هي الغفلة، أو غير المقرونة بها؛ و كانت عن التفات، لا يمكن أن تكون علّة؛ لأنّ العلّة هي الإرادة. هذا مع أنّ الملتفت أيضا

____________

(1)- لاحظ بحر الفوائد 2: 21/ السطر 26.

(2)- فرائد الاصول 1: 328.

(3)- تهذيب الأحكام 5: 72/ 239.

(4)- فرائد الاصول: 327.

(5)- البقرة (2): 88، النساء (4): 46.

37

يرتكب عن جهالة، فيكفي لدخول «الباء» كون مدخولها دخيلا في الجملة.

و الذي يتوجّه أوّلا: أنّ «الجهالة» بحسب اللغة، أقرب إلى السفاهة- بحسب الاستعمال- من الجهل ضدّ العلم‏ (1)، كما تحرّر في ذيل آية النبأ (2)، إلّا أنّه يمكن دعوى: أنّ بمناسبة المورد لا يكون المراد هنا إلّا ضدّ العلم أو الأعمّ.

و هكذا الأمر إذا قيل: إنّ مورد الخبر هو الجهل بعد الفحص، و إلّا فهو ليس عذرا، و لا وجه لكونه منه لينحصر بالغفلة.

و فيه: أنّه قانون عامّ و لو كان مورده الغفلة.

و ثانيا: أنّ من المحرّر فيما سلف عدم كون «الجهالة» ما هو معناها اللغويّ‏ (3)؛ لاشتراك موارد الأدلّة و غير تلك الموارد في الجهل بالواقع، فيلزم شمول الآية لتلك الموارد.

و توهّم الشمول استعمالا، مع حكومة أو ورود أدلّة الأمارات عليها، غير صحيح جدّا، بل الغاية لا تشمل موارد الأمارات و الحجج الشرعية بذاتها، كما تحرّر في محلّه‏ (4)، فيكون «الجهالة» و «الجهل» هو المعنى المخصوص بغير موارد قيام الدليل، فلا تعارض أخبار الاحتياط؛ لأنّها ضدّ الجهالة، فلا ينفع الاصوليّ أمثال هذه الروايات و تلك الآيات فيما هو مهمته، كما هو الظاهر.

و توهّم: أنّ الظاهر من «الجهالة» و لو كان ضدّ الدليل و الحجّة، أو بلا دليل و بلا حجّة؛ أي يكون الارتكاب بدونه، و لكن المنصرف من الدليل و الحجّة هي الأمارات القائمة على الأحكام في موارد الجهل، غير ثابت بعد، كما لا يخفى‏

____________

(1)- لاحظ مجمع البحرين 5: 345.

(2)- تقدّم في الجزء السادس: 467- 469.

(3)- تقدّم في الجزء السادس: 467- 469 و في هذا الجزء: 35.

(4)- تقدّم في الجزء السادس: 338.

38

و منها: معتبر عبد اللّه بن سنان‏

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (1).

و هذه الكلّية و إن كثرت مع اختلاف ما في روايات الأبواب الاخر (2)، إلّا أنّ المعتبر منها ما هو في الباب الرابع من أبواب من يكتسب به، عن «الوسائل» و صرف ظاهرها بما في غيرها غير صواب ظاهرا، فراجع.

و أنت خبير: بأنّ فيه إشكالات موجبة لاختصاصه بالشبهات الموضوعيّة التي فيها الحلال و الحرام، كما في مثل اللحم، دون مطلق الشبهات الموضوعيّة كشرب التتن، فلا تخلط.

و لو فرضنا أنّها أعمّ فيتوجّه إليه ما مرّ؛ ضرورة أنّ في موارد قيام خبر الثقة، لا يكون معرفة بالحكم بالضرورة، فالمراد من «المعرفة» هي الحجّة، و الأخبار و الظواهر قائمة على الحرمة، و منها أخبار الاحتياط (3)، فاغتنم.

و أمّا توهّم: أنّ معرفة الحرام ممنوعة في مورد أخبار الاحتياط (4)، فقد عرفت أنّها ممنوعة مطلقا.

و دعوى انصراف الغاية إلى قيام الحجّة على الحرمة بالمعنى الأخصّ- كخبر الثقة، دون مثل أخبار الاحتياط- غير تامّة.

____________

(1)- الفقيه 3: 216/ 1002، وسائل الشيعة 17: 87- 88، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1.

(2)- وسائل الشيعة 25: 117، كتاب الأطعمة و الأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 1 و 2 و 7.

(3)- تقدّم في الصفحة 31.

(4)- نهاية النهاية 2: 98.

39

هذه هي الأخبار، و قد استوفاها استاذنا السيّد البروجرديّ (قدّس سرّه) في مقدّمة «جامع الأحاديث» مشيرا في ذيلها إلى الأماكن الكثيرة (1)، و لا يحصل منها ما هو مهمّ الاصوليّ؛ و هو البراءة الشرعيّة على وجه يعارض الاحتياط الآتية أخباره‏ (2).

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة 1: 389- 405، أبواب المقدّمات، الباب 8.

(2)- يأتي في الصفحة 156.

40

حول الاستدلال بحديث الرفع على البراءة

بقي في المقام حديث الرفع، و قد أخّرنا أمره لأنّه مرجع الاصوليّين في المسائل الكثيرة الكلّية، و فيه- مضافا إلى الاحتجاج على الأخباريّين- احتجاجات بينهم على المسائل الخلافيّة بينهم خصوصا، فإنّ البحث كان إلى هنا حول كشف دليل في الجملة على المقصود فيما هو مورد الخلاف بينهم و بين الأخباريّين، و أمّا في هذا الحديث فيرجع البحث إلى إطلاق القاعدة الكلّية: «و هو أنّ المشكوك مرفوع على الإطلاق» في قبال من يخصّه بالتكليفيّات دون الوضعيّات، و عدمه.

فالنظر في هذا الحديث الشريف يقع في جهات:

الجهة الاولى: في السند

ففي «الكافي» مرفوعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم):

وضع عن امّتي تسع خصال: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد» (1).

و في «الفقيه» مرسلا قال النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله و سلم): «وضع عن امّتي تسعة أشياء: السهو، و الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و الطيرة،

____________

(1)- الكافي 2: 463/ 2.

41

و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة» (1).

و في «الخصال» و «التوحيد» مسندا عنه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم):

رفع عن امّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة» (2).

و في «الوسائل» عن أحمد بن محمّد بن عيسى في «نوادره» عن إسماعيل الجعفيّ، عنه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «وضع عن هذه الامّة ستّ خصال: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه» (3).

و فيه عن ربعيّ، عنه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم): عفي عن امّتي ثلاث:

الخطأ، و النسيان، و الاستكراه».

قال أبو عبد اللّه: «و هنا رابعة: و هي ما لا يطيقون» (4).

و فيه أيضا عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم):

وضع عن امّتي الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه» (5).

و فيه أيضا عن أبي الحسن (عليه السلام) بعد السؤال عن الاستكراه على اليمين قال:

«قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطأوا» (6).

____________

(1)- الفقيه 1: 36/ 132.

(2)- الخصال 2: 417/ 9، التوحيد: 353/ 24.

(3)- النوادر: 74/ 157، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 3.

(4)- النوادر: 74/ 157، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 4.

(5)- النوادر: 74/ 159، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 5.

(6)- النوادر: 75/ 160، وسائل الشيعة 23: 237- 238، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 6.

42

و في «الوسائل» عن «محاسن البرقيّ» بسند قويّ، عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله‏ (1).

و في «المستدرك» عن «دعائم الإسلام» قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): «رفع اللّه عن هذه الامّة أربعا: ما لا يستطيعون، و ما استكرهوا عليه، و ما نسوا، و ما جهلوا حتّى يعلموا» (2).

و فيه عن «تفسير العيّاشي» عن عمر بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم): رفعت عن أمّتي أربع خصال: ما أخطأوا، و ما نسوا، و ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ذلك في كتاب اللّه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (3)» (4).

و في «خاتمة المستدرك» عن «فقه الرضا (عليه السلام)»: «و أروي أنّ اللّه تبارك و تعالى أسقط عن المؤمن ما لا يعلم، و ما لا يتعمّد، و النسيان، و السهو، و الغلط، و ما استكره عليه، و ما اتقى فيه، و ما لا يطيق» (5).

أقول: و حيث إنّ أخبار حديث الرفع غير مسندة في الكتب المعتبرة، ك «الكافي» و «الفقيه» و إرسال «الفقيه» مطلقا غير حجّة عندنا، و تكون مسندة في غير الكتب المتواترة و غير الثابتة؛ ضرورة أنّ مجرّد كون كتاب منسوبا في الأسواق إلى الصدوق مثلا، غير كاف؛ لأنّ من الكتب ما يسند إلى المؤلّفين الأعاظم اجتهادا

____________

(1)- المحاسن: 339/ 124، وسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 3.

(2)- دعائم الإسلام 2: 95/ 299، مستدرك الوسائل 16: 47، كتاب الأيمان، الباب 8، الحديث 7.

(3)- تفسير العيّاشي 2: 272/ 75، مستدرك الوسائل 16: 51، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 3.

(4)- النحل (16): 106.

(5)- فقه الرضا (عليه السلام): 386، مستدرك الوسائل 3: 344، الخاتمة الفائدة الثانية.

43

من غير قيام حجّة- و قد اشتهر لابن عبّاس مثلا تفسير مطبوع، مع أنّه ليس له، بل هو كتاب فيه رواياته، فربّما يكون الأمر كذلك- فلا بدّ من قيام الحجّة الشرعيّة على أصل تأليف الصدوق كتاب «الخصال» مثلا، ثمّ قيام الحجّة على أنّ ما بين أيدينا هو «الخصال» المعروف، ثمّ بعد ذلك يثبت أنّه لم يزد، و لم ينقص، و لذلك كانت المقابلة رائجة في السلف بالنسبة إلى الكتب الأربعة و أمثالها.

و هذا مع أنّ في صدر سند الصدوق في «الخصال» محمّد بن أحمد بن يحيى العطّار، و في «التوحيد» محمّد بن أحمد بن محمّد، ففيه النظر.

و بالجملة: حيث إنّ الأمر كما تحرّر، و لم تثبت الشهرة القائمة على فقراته أو مجموعها؛ لأنّ كثيرا منها في الأبواب المتفرّقة، متّحد المضمون مع الأخبار الاخر، و حيث إنّ بين تلك الأخبار، اضطرابا شديدا من حيث النسبة إليه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) ففي بعضها التسع، و بعضها الستّ، و بعضها الأربع، و بعضها الثلاث، و حيث إنّ في بعضها «السهو» دون «ما اضطرّوا إليه» و في بعضها «ما اضطرّوا إليه» دون «السهو» و حيث يظهر من قوله: «و هنا رابعة: و هي ما لا يطيقون» أنّ المرويّ عن الرسول (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) هو الثلاث دونها، و حيث، يشكل الوثوق بالصدور، و لا سيّما و أنّ التفكّر ممّا لا يقبل التكليف، و لا إيجاب التحفّظ، فإنّه أمر خارج عن الاختيار، و يقبح تحريمه في جميع الملل السالفة و غيرهم.

و بعد اللتيّا و التي، و بعد كون الأخبار الحاكية و المستدلّ بها في كتاب الأيمان، أيضا في غير الكتب المعتبرة، لا بأس بالبحث حوله؛ لأنّه السند الوحيد للاصوليّين حسبما يستظهر من بعضهم، و يصرّح به الآخر (1)، و لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (2).

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 365.

(2)- الطلاق (65): 1.

44

الجهة الثانية: في الدلالة

يظهر من الشيخ (قدّس سرّه) اختصاص «رفع ... ما لا يعلمون» بالشبهة الموضوعيّة (1)، و يجوز توهّم اختصاصه بالشبهة الحكميّة.

و ذهب جملة من الأعلام رحمهم اللّه إلى الأعمّ‏ (2).

و يجوز دعوى إجماله.

ففيه مسالك مختلفة:

أمّا الوجه الأوّل: فهو أنّ الموصول في الفقرات المشتملة عليه، هو كناية عن الشبهة الموضوعيّة بالضرورة، فالموصول فيما نحن فيه مثله؛ نظرا إلى وحدة السياق. هذا أوّلا. بل مقتضى كون الجميع موضوعا، ذلك.

و ثانيا: أنّ المحذوف هي المؤاخذة، و هي تناسب كون المراد الشبهة الموضوعيّة، لا الحكميّة (3).

و ثالثا: إسناد الرفع مجاز في سائر الموصولات و الفقرات، فليكن هنا كذلك، و إلّا يلزم أن يكون حقيقة بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة، فيلزم استعمال اللفظ في الأكثر من معنى واحد. و هذا الأخير ما أيّد به صاحب «الكفاية» عليه الرحمة مقالة شيخه (رحمه اللَّه)(4).

أقول: سيمرّ عليك تحقيق أنّ المحذوف هي المؤاخذة، أو لا محذوف رأسا،

____________

(1)- فرائد الاصول 1: 320.

(2)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 345، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 441- 442، نهاية الأفكار 3: 216- 217.

(3)- فرائد الاصول 1: 320.

(4)- درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 190.

45

و أنّ الإسناد مجازيّ، أم حقيقيّ، فالاستناد إلى الوجهين الأخيرين لتعيين الموصول في الشبهة الموضوعية، غير تامّ، كما يأتي تمام تحقيقه في الآتي، فانتظر حتّى حين.

و أمّا الوجه الأوّل، فقد أورد عليه بوجوه‏ (1)، أحسنها ما في «الدرر»: و هو أنّ قضيّة وحدة السياق هو الأعمّ؛ لأنّ الموصول في سائر الفقرات باق على إطلاقه، فليكن الأمر كذلك هنا، فيلزم شموله للأعمّ‏ (2).

و من الغريب ارتضاء «تهذيب الاصول» بذلك‏ (3)، ضرورة فساده؛ فإنّ معنى وحدة السياق: هو أنّ الجملة المذكورة في أثناء جمل، إذا كانت مورد النظر مستقلّة، فلها العموم، أو الإطلاق مثلا، و أمّا إذا قيست إلى ما وقع حولها، فلا بدّ و أن يكون مثلها في الخصوصيّة.

مثلا: إذا كان أطرافها ما تختصّ بالوضعيّات فهي مثلها، أو تختصّ بالتكاليف فكذلك، كما استدلّوا (4) على عدم كون الكذب على اللّه مفطرا؛ لكون النهي عنه في طيّ النهي عن الغيبة مثلا (5).

و إن شئت قلت: إنّ وحدة السياق تمنع عن انعقاد الإطلاق فيما نحن فيه؛ لجواز اتكال المتكلّم على سائر الفقرات في إفادة الاختصاص.

و الذي هو الحقّ: أنّ وحدة السياق و إن كانت قويّة في ذاتها، إلّا أنّ مناسبة الحكم و الموضوع أقوى، فكون الإسناد حقيقة أو مجازا أو مختلفا، و إن كان يوجب‏

____________

(1)- الرسائل الفشاركيّة: 33، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 345، نهاية الأفكار 3، القسم الثاني: 216، مصباح الاصول 2: 260- 261.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 441.

(3)- تهذيب الاصول 2: 149- 150.

(4)- مدارك الأحكام 6: 47، روضة المتّقين 3: 294.

(5)- وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 2 و 5 و 7 و 8 و 9.

46

رفع الإبهام في موارد الشكّ، إلّا أنّ هنا حديث رفع المجهول إمّا حقيقة، أو ادعاء، أو مجازا لفظيّا، و هذا يناسب رفع الحكم المجهول الأعمّ؛ لأنّه أولى به عند العقلاء، فلا يخطر أوّلا و بالذات إلى الذهن إلّا الإطلاق، و العدول عنه يحتاج إلى ملاحظة وحدة السياق المغفول عنها عند العامّة.

و أمّا الوجه الثاني: فهو أنّ المجاز على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على القدر المتيقّن منه، ففيما نحن فيه يتعيّن كون المراد من الموصول هي الشبهة الحكميّة؛ لأنّ الحكم يقبل الرفع حقيقة دون الموضوع، فلا وجه لحمله على الأعمّ، حتّى يلزم استعمال اللفظ الواحد في المعنيين، أو يلزم المجاز و الحقيقة في الاستعمال الواحد.

و أمّا توهّم: أنّ قضيّة وحدة السياق في الاستعمال هي المجازيّة، فيكون فيما نحن فيه أيضا مجازا؛ لقيام القرينة عليه، فهو لا يرجع إلى محصّل؛ لأنّه سيمرّ عليك أنّ المجازيّة بحسب الإرادة الاستعماليّة، ممنوعة هنا (1).

أقول أوّلا: يجوز أن يكون المرفوع هو الحكم في الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة، إلّا أنّ منشأ الشبهة مختلف، و هذا غير سائر الفقرات، فإنّ في مثل الاضطرار و نحوه، لا يتصوّر الاضطرار إلى الحكم، بخلاف الجهالة، فإنّها تتصوّر بالنسبة إلى الحكم الجزئيّ و الكلّي، فلا يلزم استعمال الواحد في الكثير، و لا الجمع بين الحقيقة و المجاز.

و ثانيا: الرفع منسوب بحسب الاستعمال أوّلا إلى النسيان أو السهو، فيكون الحرف العاطف موجبا لاستناده إليه عرفا و توهّما، لا واقعا و حقيقة، كما لا يخفى، فلا نسبة بين الرفع و الموصول فيما نحن فيه بحسب الحقيقة. و التكرار الحكميّ لأجل حرف العطف، لا يتضمّن إلّا الاستعمال الحكميّ، لا الواقعيّ. و حديث‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 54- 55.

47

العوامل؛ و أنّ العامل كذا و كذا، من أحاديث المدارس، دون الأعراب و جمهور الناس، فلا يصحّ الاستئناس بشي‏ء خاصّ من إسناد الرفع إلى الموصول فيما نحن فيه، و لا معنى لاستظهار شي‏ء منه؛ لأنّه كلّه مجرّد التخيّل و الأدب الخاصّ، دون العامّ.

فعليه إذا أمكن الأعمّ يتعيّن ذلك؛ لفراغ المتكلّم من هذه الخصوصيّات في مثل هذه المسائل، و تتعيّن المراجعة إلى فهم العرف و العقلاء مع قطع النظر عن ذلك كلّه، و إلى مناسبات الحكم و الموضوع، فلا تخلط.

و أمّا الوجه الثالث: و هو كون الحديث فيما نحن فيه مجملا؛ فذلك إمّا لأجل عدم إمكان ترجيح مقتضى وحدة السياق على أصالة الحقيقة و بالعكس. و فيه ما مرّ (1).

و إمّا لأجل أنّ مفاد الموصول إن كان المعنى الاسميّ، فيكون الموضوع له عامّا، فإنّه يمكن القول: بأنّ المرفوع أعمّ، أو أخصّ.

و أمّا إذا كان مفاد الموصول على وجه يكون الموضوع له خاصّا، فتكون لفظة «ما» الموصولة- كلفظة «الذي»- مشتملة على معنى الإشارة إلى العناوين الذاتيّة، كعنوان «الخمر» و «شرب التتن» و «جلسة الاستراحة» و غيرها، فلا يشمل الشبهات الموضوعيّة؛ لأنّ عنوان «المشتبه و المجهول» لا يمكن أن يكون مورد الإشارة، بعد كون المحمول عنوان «المجهول» و هو قوله: «لا يعلمون» ضرورة أنّ الذهن ينتقل من الإشارة إلى العناوين المبيّنة، فتكون الجهالة في المحمول، مخصوصة بالحكم الكلّي؛ أي «رفع الذي لا يعلمون» و هو شرب التتن، فينحصر «ما لا يعلمون» بالحكم الكلّي، و على هذا حيث لا طريق إلى تعيين ما هو الموضوع له على وجه مبيّن، يلزم الإجمال في جملة «ما لا يعلمون».

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 45- 46.

48

و لو أمكن أن يكون لفظة «ما» إشارة إلى المشتبه موضوعا، و لكنّه غير موافق لفهم العرف قطعا، فيسقط الحديث عن إمكان الاستدلال به، كما لا يخفى، فتدبّر؛ فإنّه حقيق بالتدبّر و التأمّل.

و لو قيل: القدر المتيقّن هي الشبهة الموضوعيّة.

قلنا: لا يمكن الالتزام به؛ لأنّه على تقدير كون المراد أعمّ، لا بدّ من الالتزام بتعدّد الاستعمال، فلا قدر متيقّن حينئذ.

أقول أوّلا: إمكان كون لفظة موضوعة للمعنى المركّب من المعنى الحرفيّ و الاسميّ، محلّ المناقشة، كما حرّرناه في محلّه‏ (1)، فكون «ما» أو «الذي» موضوعين للمعنى الاسميّ مع إشراب الإشارة فيه- و هي معنى حرفيّ- غير واضح سبيله.

و ثانيا: إنّ الظاهر عند أهله أنّ معنى «من» و «ما» الموصولتين، كلّي اسميّ ينطبق على الخارج، و يكون «ما» بمعنى كلمة «شي‏ء» المنوّنة بتنوين التنكير، و لا ريب في أنّه معنى اسميّ مقيّد، فتلزم أعمّية الحديث.

و ثالثا: لا تكون العناوين الكلّية مورد الإشارة، بل الخارج موردها؛ أي التتن الخارجيّ، فيكون المستفاد منه أنّ الذي لا يعلمون حكمه مرفوع، فيشمل المشتبه بين الماء و الخمر، فتأمّل.

و رابعا: عنوان «المشتبه» موضوعا، ممّا لا يعلم الامّة حكمه، فيكون مورد الرفع، و هكذا شرب التتن، فيكون الحديث أعمّ.

و خامسا: قد عرفت أنّ القول بالأعمّية، لا يستلزم الاستعمال في الكثير (2)، و سيمرّ عليك زيادة توضيح حوله في الجهة الآتية إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1)- تقدّم في الجزء الأوّل: 137- 138.

(2)- تقدّم في الصفحة 46.

49

تحصيل و تحقيق‏

لا شبهة في أنّ مادّة «علم» و هيئة «لا يعلم» تتعدّى إلى المفعولين، و يكون المراد من «العلم» العلم التصديقيّ، لا التصوّري، فلا بدّ على هذا من كون الجملة محذوفة؛ أي «رفع ما لا يعلمون أنّه حرام» أو «أنّه خمر».

و لا معنى لما اشتهر من حذف ضمير الصلة (1)؛ لأنّ التعدية بالمفعول الواحد، توجب كون العلم تصوّريا، و هو غير منظور هنا بالضرورة، و لذلك ذكرنا: أنّ الجملة الواقعة عقيب مادّة «العلم» لا تأوّل بالمصدر؛ للزوم نقض الغرض، و ما اشتهر من تأويل الجملة الواقعة عقيب مادّة «علم» إلى المصدر و المعنى غير التصديقيّ‏ (2)، غير صحيح، فإذا قيل: «اعلم أنّ المكلف كذا» يكون المقصود العلم التصديقيّ؛ و لو كان بناء العرب على قراءة «أنّ» بفتح الهمزة، إلّا أنّها في الحقيقة جملة غير قابلة للتأويل.

فعلى هذا، قولهم هنا: «بأنّ المحذوف ضمير عائد إلى الموصول، و هو رفع ما لا يعلمونه» غلط، بل المحذوف جملة، و هو قولهم: «لا يعلمون أنّه كذا» و حيث لم يذكر فإمّا يصير مجملا، و هو غير جائز؛ لأنّ المتكلّم ليس بصدد إفادة الإجمال، فعليه يدلّ الحذف على العموم، و تصير «ما» كناية عن الموضوع في الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، و يسقط نزاع القوم من أساسه، و يصير الحديث للأعمّ.

مع أنّ المراد من لفظة «ما» هو الموضوع في مقابل المحمول، كما في سائر الفقرات، فيجمع حينئذ بين جميع الجهات الموجبة لتشتّت الأفكار و اختلاف‏

____________

(1)- حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 30، لاحظ نهاية الدراية 4: 48.

(2)- شرح ابن عقيل: 350- 351، شرح شذور الذهب 1: 206- 207.

50

الأعلام؛ لأنّ ما لا يعلمون أنّه خمر مرفوع، و ما لا يعلمون أنّه حرام مرفوع، فالرفع يستند إلى «ما» الذي هو الموضوع مطلقا، و هو المفعول الأوّل، و لا يعقل أن يكون «ما» كناية عن الحكم إلّا على التخيّل المزبور الباطل بالضرورة.

و بالجملة: كما لا معنى لقولك: «إنّي أعلم الحرمة» إلّا بمعنى أنّي أتصوّر الحرمة، كذلك لا معنى لقولك: «لا يعلم زيد الحرمة» بل هو يرجع إلى أنّه لا يعلم أنّ كذا شي‏ء حرام، و حيث إنّه ليس في الكلام ما يدلّ على خصوص مجهوليّة الحرمة، فيلزم القول بالأعمّية، أو الإجمال، و لا سبيل إلى الثاني، فيتعيّن الأوّل.

و هم و دفع‏

لأحد أن يقول: إنّ المحذوف هو المفعولان؛ لأنّ مادّة «علم» تتعدّى إليهما، فيكون المعنى رفع ما لا يعلمون التتن حراما، و يكون التتن رافعا لإبهام لفظة «ما» فالمفعول الأوّل مبيّن الموصول، فيختصّ الحديث بالشبهة الحكميّة.

و يندفع: بأنّ تقدير التتن و شربه بلا وجه؛ لجواز أن يكون الأمر كذلك: «رفع ما لا يعلمونه خمرا» أو «لا يعلمونه حراما» و لا برهان على لزوم رفع الإبهام بعد كون الإبهام موجبا للأعمّية، و قد أتى به المتكلّم مبهما، فعليه يكون الكلام هكذا:

«رفع ما لا يعلمونه حراما» أو «واجبا» أو «موجبا للعقاب و المؤاخذة» أو «الضيق» و الحذف دليل العموم، و سيمرّ عليك احتمال لزوم الأخذ بالقدر المتيقّن.

و من هنا تتّضح لأهل البصيرة أبواب التحقيق و البحث، و تظهر مواضع الضعف في كلمات القوم صدرا و ذيلا، فإنّ حديث وحدة السياق‏ (1) محفوظ؛ لأنّ المرفوع مطلقا هو الموضوع، إلّا أنّه في مقابل المحمول، و يكون أمرا تكوينيّا.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 45.