تحقيق الأصول‏ - ج5

- السيد علي الحسيني الميلاني المزيد...
379 /
5

كلمة المؤلّف‏

الحمد للَّه رب العالمين، و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الأوّلين و الآخرين.

و بعد:

فهذا هو الجزء الخامس من كتابنا (تحقيق الاصول) الذي دوّنت فيه ما ألقيته على ثلّة من الفضلاء في الحوزة العلميّة (على ضوء أبحاث شيخنا الاستاذ دام ظله)، و هو الجزء الأوّل من أبحاثنا في الاصول العمليّة.

و إني لأشكر اللَّه كثيراً على وقوع الأجزاء السّابقة من هذا الكتاب، لدى أهل الفضل الكرام، موقع القبول و الاستفادة و الإعجاب، و أنّهم ما زالوا يطالبون بنشر بقيّة أجزائه، و ذلك من فضل اللَّه و كرمه و هو وليّ الإنعام.

ثم إنَّ جماعةً منهم قد اقترحوا عليّ الامور التالية:

التفصيل الأكثر و تبسيط المطالب بقدر الإمكان.

و إيراد بعض نصوص عبارات الأعلام في المسائل المهمّة بحسب الحاجة،

6

و عدم الاكتفاء بذكر مجمل آرائهم.

و التعرّض لآراء سيّدنا الاستاذ الرّوحاني أكثر من ذي قبل، و لآراء السيّد الشهيد الصّدر.

فنزلت عند رغبتهم في هذا الجزء و الأجزاء اللّاحقة، و أسأل اللَّه التوفيق للإتمام بمحمّد و آله عليهم الصّلاة و السّلام.

علي الحسيني الميلاني‏

1430

7

الأُصول العمليّة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تقسّم المسائل الاصوليّة إلى قسمين:

مباحث الاصول اللفظية، و قد تقدّم الكلام عليها بالتفصيل:

مباحث الاصول العمليّة.

و المحور في كلا القسمين هو «الأصل».

لكنّ موضوع الأصل في القسم الأول هو «الظهور» و في الثاني هو «الشك»، و المراد منه الأعم من الظن و الشك المتساوي الطرفين.

إلّا أن في كلٍّ من القسمين مباحث استطراديّة.

و البحث الاستطرادي العمدة في القسم الثاني هو «القطع» كما سيظهر.

حالات المكلّف‏

قال الشيخ الأعظم:

اعلم أن المكلّف إذا التفت إلى حكمٍ شرعي، فإمّا أنْ يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن‏ (1).

و من هنا، فقد وضع كتابه (فرائد الاصول) بثلاثة رسائل، لكلّ حالةٍ رسالة،

____________

(1) فرائد الاصول 1/ 25.

12

و لذا عرف كتابه ب (الرسائل) أيضاً.

فالشيخ قسّم حالات المكلّف إلى ثلاثة أقسام.

لكنّ صاحب الكفاية غيّر التعبير عن الموضوع و قسّمه بنحوٍ آخر فقال:

فاعلم: أن البالغ الذي وضع عليه القلم، إذا التفت إلى حكم فعلي، واقعي أو ظاهرى، متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أوْ لا، و على الثاني، لا بدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل، من اتّباع الظن لو حصل له و قد تمّت مقدمات الانسداد- على تقدير الحكومة-، و إلّا فالرجوع إلى الاصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير، على تفصيلٍ يأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

فهو قسّم حال المكلّف إلى قسمين: أن يحصل له القطع و أنْ لا يحصل.

المراد من المكلّف في التقسيم‏

و قد وقع الإشكال في المراد من «المكلّف» المجعول مقسماً في هذا المقام، لأن الالتفات معتبر في التكليف، فلا وجه لأنْ يشترط، فقال المحقق الخراساني في الحاشية: مراده بالمكلّف من وضع عليه القلم من البالغ العاقل، لا خصوص من تنجّز عليه التكليف، و إلّا لما صحّ جعله مقسماً (2).

و لذا غيّره في الكفاية إلى «البالغ الذي وضع عليه القلم».

و على الجملة، فهو يرى أنّ الشاكّ في الحكم ليس بمكلّف فعلي لكنه بالغ وضع عليه القلم، فيدخل في المقسم.

____________

(1) كفاية الاصول: 257.

(2) درر الفوائد في حاشية الفرائد: 21.

13

أقول:

الظاهر أنّ منشأ الإشكال هو البناء على شرطيّة «إذا» كما هو ظاهر شيخنا أيضاً، و أمّا بناءً على كونها ظرفيّةً، فلا يلزم، فالمكلّف حين يلحظ الحكم، فإمّا يكون قاطعاً أو ظانّاً به أو شاكّاً فيه، كما قال الشيخ (قدّس سرّه)، و يكون قاطعاً أو غير قاطع، كما قال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، كما سيأتي.

هل المراد خصوص المجتهد؟

و وقع الاختلاف في المراد من «المكلّف» من جهة أنّه خصوص المجتهد أو مطلق المكلّف؟ فظاهر الشيخ هو الثاني، و هو ما نصّ عليه تلميذه في شرحه إذ قال: المراد من المكلّف أعم من المجتهد و العامي، كما هو قضيّة ظاهر اللّفظ (1).

و صريح الكفاية هو الأوّل.

لكنّ الميرزا يرى أنّ مراد الشيخ خصوص المجتهد (2) ثم اختار ذلك و أفاده لدى التقسيم، إذ قال: اعلم أن البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت في مقام الاستنباط إلى حكم شرعي ... (3).

أقول:

إنه لا ريب في أنّ الموضوعات المأخوذة في المسائل هي للأعم من المجتهد و المقلّد، ففي مسألة حجيّة خبر الثّقة، لمّا يستدلّ بالكتاب و السنّة و غيرهما، لا يفرّق بين المجتهد و غيره، و هو مقتضى عموم قوله تعالى: «يا أَيُّهَا

____________

(1) بحر الفوائد 1/ 7- 8.

(2) فوائد الاصول 3/ 3.

(3) أجود التقريرات 3/ 9.

14

الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» (1)، و أدلّة الاستصحاب- مثلًا- ظاهرة في العموم كقوله (عليه السلام): «لا ينقض اليقين بالشكّ» (2) و كذا أدلّة البراءة مثل «الناس في سعةٍ ما لم يعلموا» (3).

أدلّة القول بالاختصاص‏

و لكنّ المهمَّ هو المقصود من قولهم «إذا التفت»، فإنه إن كان المراد هو الالتفات التفصيلي إلى خصوصيّات الأمارات و مجاري الاصول، فلا شكّ في عدم تحقّقه من العامي.

كلام المحقق النائيني‏

و لذا قال الميرزا:

و المراد من المكلّف هو خصوص المجتهد، إذ المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيلي الحاصل للمجتهد بحسب اطّلاعه على مدارك الأحكام، و لا عبرة بظنّ المقلّد و شكّه. و كون بعض مباحث القطع تعمّ المقلّد لا يوجب أن يكون المراد من المكلّف الأعم من المقلّد و المجتهد، إذ البحث عن تلك المباحث وقع استطراداً و ليست من مسائل علم الاصول، و مسائله تختص بالمجتهد و لا حظّ للمقلّد فيها. و لا سبيل إلى دعوى شمول أدلّة اعتبار الطرق و الاصول للمقلّد، غايته أنّ المقلّد عاجز عن تشخيص مواردها و مجاريها، و يكون المجتهد نائباً عنه في ذلك، فإنه كيف يمكن القول بشمول خطابٍ مثل:

____________

(1) سورة الحجرات: 6.

(2) وسائل الشيعة 8/ 216، الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، رقم: 3.

(3) عوالي اللآلي 1/ 424.

15

«لا تنقض اليقين بالشك» في الشبهات الحكمية للمقلّد، مع أنه لا يكاد يحصل له الشك و اليقين، بل لو فرض حصول الشك و اليقين له، فلا عبرة بهما ما لم يكن مجتهداً في مسألة حجيّة الاستصحاب‏ (1).

و قد تعرّض الميرزا في هذا الكلام لما ذكرناه من عموم الموضوع في الأدلّة، و أشكل على ذلك بما حاصله عدم شمول الأدلّة لغير المجتهد، ثم ذكر أنّه لو فرض حصول الشك و اليقين له فلا عبرة بهما.

و الحاصل إنه يذهب إلى قصور الأدلّة عن الشمول لغير المجتهد.

كلام المحقق العراقي‏

و يضاف إلى ذلك وجه آخر ذكره المحقق العراقي و هو:

إنه على فرض الشمول و العموم، فإنّ شرط الحجيّة غير حاصلٍ لغير المجتهد، لأنّ شرط الأخذ بأيّ حجةٍ من الحجج أو أصلٍ من الاصول، هو الفحص عن المعارض للخبر مثلًا أو الدليل المانع من التمسّك بالأصل، و الفحص عن ذلك عمل المجتهد لا غيره‏ (2).

المناقشة فيها

و قد نوقش في الوجوه المذكورة.

أمّا أنّ المقصود هو الالتفات التفصيلي و هو يحصل للمجتهد.

ففيه: إن هذا قد يحصل لأهل العلم و الفضلاء غير البالغين مرتبة الاجتهاد، و يتمّم المطلب لغير أهل العلم بعدم القول بالفصل. قاله المحقق العراقي (3).

____________

(1) فوائد الاصول 3/ 3- 4.

(2) (- 3) نهاية الأفكار، ق 1 ج 3 ص 2.

16

و أشكل عليه شيخنا: بأنْ لا فائدة في عدم القول بالفصل، بل المفيد هو القول بعدم الفصل و هو غير موجود، على أنه لو كان فهو إجماع مدركي. مضافاً إلى أن المسألة من المستحدثات في القرون الأخيرة، و لا حجيّة للإجماع المدّعى فيها.

بل الحق في الجواب على كلام الميرزا: حصول الالتفات التفصيلي لغير المجتهد من المكلّفين موجبةً جزئيّة، كما تقدّم.

و أمّا ما ذكره من عدم شمول دليل الاستصحاب في الشبهات الحكميّة لغير المجتهد، فقد أجاب شيخنا:

أوّلًا: أنه ينتقض بإجراء المقلّد للاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة، الجائز له ذلك بالاتّفاق، فكما يحصل له اليقين و الشك، فيها كذلك يحصلان له في الشبهات الحكميّة.

و كذا أجاب السيّد الصّدر إذ قال: إنّ غير البالغ أيضاً ربما تحصل له شبهة حكميّة، و لا بدّ له عقلًا من تحصيل مؤمّن تجاهها (1).

و ثانياً: إن القول بعدم العبرة باليقين و الشك ما لم يكن مجتهداً في مسألة حجية الاستصحاب، يستلزم المحال، لأن اليقين و الشك بالحكم موضوع للحجيّة، و العلم بالحجيّة متأخر عنها رتبةً، كما أنّ الحجية متأخرة رتبةً عن اليقين و الشك، فكان العلم بحجيّة الاستصحاب متأخراً عنها بمرتبتين، فلو كانت موضوعيّتهما للحجيّة متوقّفة على العلم بالحجيّة لزم الدور.

____________

(1) مباحث الاصول، الجزء الأول من القسم الثاني: 178.

17

و أمّا ما ذكره من اختصاص موضوعات أدلّة الطرق و الاصول بالمجتهد، فالموضوع في آية النبأ هو المجتهد، و هو الموضوع في مثل: «من جاءه الخبران المختلفان» و في أدلّة الاستصحاب، و هكذا.

ففيه: إن الأمر ليس كذلك، لأنّ الخطاب في الآية لعموم المسلمين، و هل كان كلّهم في صدر الإسلام من أهل النظر و الاجتهاد؟ هذا أوّلًا.

و ثانياً: إن أدلّة حجية خبر الثقة إمضاء للسيرة العقلائية، و هي قائمة على العموم و الشمول للمقلّد.

و أمّا الإشكال باشتراط الأخذ بالدليل أو الرجوع إلى الأصل بعدم المعارض و الدليل، فقد أجاب عنه المحقق الخوئي‏ (1)- و تبعه سيدنا الاستاذ (2) و شيخنا و غيرهما (3)- بما حاصله: أنّ عجز المقلّد عن الفحص لا يخرجه عن كونه مخاطباً بالأدلّة، بل إنه يرجع إلى المجتهد في الفحص و اليأس عن المعارض و الدليل من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، فإذا أخبره باليأس عن العثور، أخذ المقلّد بالخبر أو بالأصل و عمل بمقتضاه.

و بعبارة اخرى: إنّ الفحص إنما يلزم لإحراز عدم المانع من الأخذ بالدليل أو الأصل، و هذا الإحراز كما يمكن أنْ يكون بالوجدان، كذلك يمكن حصوله بالتعبّد، كإخبار أهل الخبرة أو قيام البيّنة.

فظهر: أنْ لا وجه لتخصيص المكلّف في موضوع التقسيم بالمجتهد، بل‏

____________

(1) مصباح الاصول 2/ 9.

(2) منتقى الاصول 4/ 16.

(3) كالسيّد الصدر، بحوث في علم الاصول 4/ 15.

18

هو أعمّ منه و من غيره ....

بل ذكر سيدنا الاستاذ (رحمه اللَّه) أنه لا ظهور لقول صاحب الكفاية «متعلّق به أو بمقلّديه» في أخذه خصوص المجتهد في موضوع التقسيم، بل يمكن أنْ يكون نظره إلى تعميم الآثار في حالات المجتهد، بالنسبة إلى نفسه و إلى مقلّديه، لا أنّ الموضوع هو خصوص المجتهد. إذ قد يشكل في ثبوت الآثار لقطع المجتهد من جهتين:

إحداهما: إن بعض الأحكام التي يلتفت إليها المجتهد، موضوعها غير المجتهد، فلا علم له بالحكم الفعلي بالنسبة إليه، كأحكام الحيض بالنسبة إلى المجتهد الرجل.

و ثانيتهما: إن بعض الأحكام و إنْ كانت شاملةً للمجتهد بحسب موضوعها، لكن ليست محلّ ابتلائه فعلًا، فلا يتصوّر في حقّه العمل كي يصحّ التعبّد في حقّه، إذ التعبّد بلحاظ الجري العملي.

و يجمع هاتين الجهتين عدم كون الحكم الملتفت إليه فعليّاً بالنسبة إليه.

فنظر صاحب الكفاية إلى أنّ الحكم الذي يلتفت إليه المجتهد لا يلزم أن يكون متعلّقاً به، بل أعم مما يكون متعلّقاً به أو بمقلّديه، فهو ناظر إلى تعميم الأثر في حالة المجتهد، و لا دليل على كون نظره إلى تخصيص الموضوع بالمجتهد (1).

____________

(1) منتقى الاصول 4/ 13.

19

توجّه الإشكال على كلا القولين‏

أقول:

و سواء تمّ رفع اليد عن ظاهر كلام الكفاية في الاختصاص أوْ لا، فإنّ الإشكال المذكور متوجّه على القول بتخصيص الموضوع و بالتعميم معاً،- و إنْ كان قد يتوهّم وروده على القول الأول خاصّةً- لأن من الأحكام ما لا علاقة له بالمجتهد الرجل، كمسائل الحيض، و منها ما هو مشترك بين عامّة المكلّفين كمسائل الخمس و الزكاة و الحج، و لكنْ قد لا يتحقّق لها الفعليّة بالنسبة إلى المجتهد، فمن قامت عنده الأمارة على الحكم فيها و هو المجتهد قد لا يرتبط به الحكم، و من يرتبط به الحكم لم تقم عنده الأمارة. و كذا الحال في الأصل، فمن تحقّق عنده موضوع الاستصحاب و هو اليقين و الشك، قد لا تكون له علاقة بالحكم، و من له العلاقة به لم يتحقق عنده الموضوع، فكيف يجري المجتهد الاستصحاب في حقّ غيره؟

وجوه الجواب عنه‏

و قد اجيب عن هذا الإشكال‏ (1):

بأنّ مقتضى أدلّة الإفتاء و الاستفتاء هو تنزيل المجتهد منزلة المقلّد، فإذا قامت الأمارة عنده تحقق القيام لها عند المقلّد، و كذلك الحال في الشك و اليقين، فيقين المجتهد و شكّه بمنزلة يقين المقلّد و شكّه، و إلّا لكان الحكم بجواز الإفتاء و الاستفتاء لغواً.

____________

(1) نهاية الأفكار ق 1 ج 3 ص 3. نهاية الاصول 3/ 14.

20

و قرّبه السيّد الصّدر بقوله:

أي: تنزيل حال المجتهد منزلة حال العامّي، ففحصه بمنزلة فحص العامي، و كذلك يقينه بالحالة السابقة أو بالمعلوم الإجمالي ينزّل منزلة يقين العامي، فتشمله حينئذٍ الوظائف المقرّرة التي انتهى إليها المجتهد لا محالة. نعم، بالنسبة إلى الوظائف العقلية كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو منجزيّة العلم الإجمالي، لا بدّ و أنْ يفترض جعل حكم مماثل لحكم العقل، بحيث ينتج البراءة و الاحتياط الشرعيين في حقّ العامي، لأن التنزيل بلحاظ الحكم العقلي غير معقول كما هو واضح.

و أمّا كيفيّة استفادة ذلك إثباتاً، فببيان: أن المركوز في أذهان المتشرّعة و المتفاهم من أدلّة التقليد رجوع العامي إلى المجتهد، ليطبّق على نفسه نفس ما يطبّقه المجتهد على نفسه، بحيث يثبت في حقّه نفس ما يثبت في حقّ المجتهد من درجات إثبات الواقع أو التنجيز و التعذير عنه لا أكثر، و هذا لا يكون إلّا مع فرض التنزيل المذكور، فيستكشف من دليل التقليد- لا محالة- ثبوت هذا التنزيل و التوسعة في موضوع من تلك الوظائف الظاهرية بالدلالة الالتزاميّة (1).

أقول:

إلّا أنّ هذا الجواب غير تام، لعدم الدليل على التنزيل المذكور في اليقين و الشك، و اللّغويّة غير لازمة، لأنّ المجتهد قد يكون غنيّاً فيتوجّه عليه الحكم بالخمس، و يكون مستطيعاً فيجب عليه الحج، فما ذكر من أن لدليل التنزيل دلالة

____________

(1) بحوث في علم الاصول 4/ 13- 14.

21

اقتضائيّة كما في قوله عزّ و جلّ‏ «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (1) حيث يلزم تقدير كلمة «الأهل» حتى لا تلزم اللّغوية في الآية، غير جارٍ فيما نحن فيه، لأنّ اللّغوية في الآية لازمة لو لا التقدير المذكور، بخلاف أدلّة الإفتاء و الاستفتاء، فإنه لا تلزم اللّغوية لها بنفي التنزيل، لما ذكرنا من أن المجتهد قد يكون غنيّاً و مستطيعاً.

و أمّا دعوى قيام السيرة العقلائيّة على ذلك، فعهدتها على مدّعيها، و لا أقلّ من الشك، و القدر المتيقن من التنزيل غير ما نحن فيه.

و اجيب عنه أيضاً: (2)

بأنّه إن كان المقلّد ملتفتاً إلى الحكم فهو ذو يقين و شكٍ به، كان المجتهد بالخيار في إجراء الاستصحاب، فله أن يجريه بلحاظ يقين و شك مقلّده أو يقين و شك نفسه، فإذا علم بالحكم أفتى به و رجع إليه المقلّد فيه، إذ لا ينحصر رجوع الجاهل إلى العالم بحال كونه عالماً به عن قطعٍ أو أمارة.

و إنْ كان المقلّد غير ملتفت إلى الحكم، أجرى المجتهد الاستصحاب بلحاظ يقينه و شكّه بحال المرأة الحائض مثلًا، إذ لا مانع من حصول اليقين لشخصٍ بحكم شخص آخر، و هو يتابعه من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

و قد أشكل عليه شيخنا دام بقاه:

بأنه يعتبر في جريان الأصل وجود الموضوع- أي اليقين و الشك- و فعليّة الحكم بالنسبة إليه، و المفروض هنا عدم ابتلاء المجتهد بالحكم أو عدم فعليّته‏

____________

(1) سورة يوسف: 12.

(2) مصباح الاصول 2/ 8.

22

بالنسبة إليه، فلا يصحُّ له إجراء الاستصحاب و إنْ توفّر الموضوع لديه ... و بعبارة اخرى: فإنّ هذا الجواب مشتملٌ على المصادرة، لأن الإشكال كان من ناحية عدم فعليّة التكليف للمجتهد أو عدم ابتلائه به.

و أجيب عنه أيضاً (1):

قد يقرّب تخريج عمليّة الإفتاء في موارد الوظائف الظاهريّة على القاعدة حتى على فرض اختصاصها بالمجتهد، بأنّ الحكم الظاهري و إنْ كان مختصّاً بالمجتهد لتحقّق موضوعه فيه دون المقلّد، و لكنه بذلك يصبح عالماً بالحكم الواقعي المشترك بين المجتهد و المقلّد تعبّداً، فيكون حاكماً على دليل الإفتاء بالعلم و الخبرة بمقتضى دليل التعبّدية فيفتي المجتهد مقلّديه بالحكم الواقعي المعلوم لديه بهذا العلم، و هذا أمر على القاعدة لا يحتاج فيه إلى عناية زائدة بعد فرض دلالة دليل الحجيّة و العلمية التعبّدية.

أقول:

لكنّ هذا الجواب أيضاً لا يحلّ المشكلة في الاستصحاب- كما مثّلنا- لو كان مجدياً في غيره.

التحقيق في الجواب‏

و قد رأى شيخنا- و كذا السيّد الاستاذ (2)- أنّ التحقيق في الكلام على هذا الإشكال هو أنه:

إن قلنا: بأنّ المراد من اليقين و الشك في أدلّة الاستصحاب هو المتيقّن‏

____________

(1) بحوث في علم الاصول 4/ 11.

(2) منتقى الاصول 4/ 18- 19.

23

و المشكوك، و مفادها هو اعتبار بقاء الحادث أي: اعتبار الملازمة بين الحدوث و البقاء، كما هو مختار صاحب الكفاية، فلا موضوعيّة لصفة اليقين و الشك، فالإشكال مندفع، لأنّ المفروض إفادة الأدلّة للملازمة، فإذا ثبت الحدوث لدى المجتهد ثبت البقاء لديه، فيحصل له اليقين بحكم المقلّد الظاهري.

و إنْ قلنا: بأن لليقين و الشك موضوعيةً و لهما دخالة في ثبوت الحكم الاستصحابي، كما هو الحق، خلافاً لصاحب الكفاية، فالإشكال باقٍ، لأن المفروض تقوّم الحكم الاستصحابي باليقين، و هو حاصلٌ للمجتهد- إذا كان على يقين بأنّ حكم المقلّد كان كذا، و هو الآن يشك في بقاء حكمه- و غير حاصل للمقلّد، فمن يرتبط الحكم به لا يقين عنده، و من لا يرتبط به الحكم فهو ذو يقين، فأيّ أثرٍ لهذا الاستصحاب؟

و يمكن الجواب بتصوّر ترتّب الأثر العملي على هذا الاستصحاب، و هو جواز الإفتاء للمجتهد، فيستصحب المجتهد حكم المقلّد الذي كان على يقينٍ منه، ليترتّب عليه جواز الإفتاء به، و إذا أفتى به جاز لمقلّده الأخذ به. فتدبّر.

حالات المكلّف بين الرسائل و الكفاية

قد عرفت موارد الفرق بين كلامي الشيخ و الكفاية، و يبقى أنّ الشيخ قائل بالتثليث، و قد اورد عليه بوجوهٍ:

عمدتها ما أشار إليه صاحب الكفاية من لزوم تداخل الأقسام، فقد يكون المكلّف شاكّاً في الحكم إلّا أن عنده دليلًا معتبراً عليه، فمقتضى القاعدة الأخذ بالدليل و عدم جريان الأصل في حقّه، و قد يكون ظانّاً به بظن غير معتبر، فهو حينئذٍ للأصل العملي. فيلزم أن يكون المكلّف في بعض موارد الظنّ محكوماً

24

بحكم الشك، و في بعض موارد الشك محكوماً بحكم الظن. و هذا هو التداخل.

و أيضاً، فإنّ مقتضى تقسيم الشيخ أن تكون أحكام القطع مرتّبةً على القطع الواقعي، و الحال أنها غير مختصّة به بل تعمّ الظاهري أيضاً، فتدخل فيه مباحث الأمارات، فخبر الثقة- مثلًا- يُفيد الظن بالحكم الواقعي و القطع بالحكم الظاهري، كالاستصحاب و غيره من الاصول الشرعيّة.

فظهر: أن المكلّف إمّا قاطع بالحكم، أعمّ من الواقعي و الظاهري، و إمّا هو غير قاطع به، فإن كان انسدادياً- كالميرزا القمي- فالمبنى حكومة العقل بحجية الظن، و إلّا فالمرجع هو الأصل.

و هذا مراد المحقق الخراساني و وجه عدوله إلى التقسيم الثنائي.

و قد اورد على هذا التقسيم‏ (1) بأنّه ليس تقسيماً للمباحث الاصوليّة الواردة في الكتاب، بل هو تقسيمٌ بلحاظ ما يترتّب عليها أحياناً- كما لو ترتّب اليقين على البحث عن حجيّة الخبر أو ثبوت الاستصحاب- و المفروض كون النظر في التقسيم إلى أنْ يكون إجمالًا لأبحاث الكتاب.

ثم قال في الكفاية:

و إنْ أبيت إلّا عن ذلك، فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إما أن يحصل له القطع أوْ لا، و على الثاني: إمّا أنْ يقوم عنده طريق معتبر أوْ لا ... (2).

أي: و إنْ أبيت عن التثليث، فالأولى أن يقال فراراً من لزوم التداخل ....

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 17، نهاية الأفكار ق 1 ج 3 ص 5.

(2) كفاية الاصول: 257.

25

أقول:

و هذا التقسيم أيضاً مخدوش فيه، فإنه يرد عليه الإشكال- كما جاء في حاشية المحقق الأصفهاني أيضاً- بما حاصله:

إنّ هذا التقسيم يتناسب مع فهرست الكتاب الذي يذكر فى آخره للاطّلاع على مطالبه، و لا يتناسب مع بحوثه، لأن المبحوث عنه في الكتاب هو حجيّة الإمارة، و أنّه هل هي حجّة أوْ لا، لا الأمارة المعتبرة، فقوله: «إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أوْ لا» أخذٌ للحكم في الموضوع، و هذا غير صحيح‏ (1).

و يرد عليه أيضاً: إن الغرض من هذا التقسيم درج مباحث الحجج في القطع بالحكم الظاهري، و لكنّ هذا ينافي ما ذهب إليه من أن المجعول في مواردها هو المنجزيّة و المعذريّة و ليس الحكم الظاهري.

و أمّا الإيراد: بأنّ الحكم الظاهري مورده عدم العلم بالحكم الواقعي، فهو بطبعه في طول الحكم الواقعي، فلو جعل التقسيم ثنائيّاً لجَمَع بين العلم بالحكم الواقعي و عدم العلم به في مقام التقسيم، و يصير ما في طول الحكم طبعاً في عرضه وضعاً.

فيمكن دفعه: بأنّ قولنا: خبر الثقة حجة، يعمّ الخبر بلا واسطة و الخبر مع الواسطة، مع أنّ الثاني في طول الأوّل، و لا يصدق عليه العنوان إلّا بعد صدقه عليه.

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 16.

26

تقسيم المحقّق الأصفهاني‏

و قسّم المحقق الأصفهاني حالات المكلّف تقسيماً ثلاثياً- و هو في الحقيقة رباعي- قال: فحقّ التقسيم أن يقال:

إن الملتفت إلى حكمه الشرعي، إمّا له طريق تام إليه أوْ لا. و على الثاني: إمّا أن يكون له طريق ناقص لوحظ لا بشرط- أي عن الاعتبار و عدمه- أوْ لا، و على الثاني: إمّا أن لا يكون له طريق أصلًا، أو يكون له طريق بشرط عدم الاعتبار.

فالأوّل هو القطع و هو موضوع التنجّز. و الثاني هو الطريق المبحوث عن اعتباره و عدمه، و الثالث موضوع الاصول‏ (1).

فالطريق التام موضوع للحجية عقلًا، و الطريق اللّابشرط موضوع للاعتبار و عدمه، لأنّه في مباحث الظن إنما يبحث عن اعتبار الطريق و عدمه، فالاعتبار و عدم الاعتبار يردان على الطريق اللّابشرط بالنسبة إلى كلٍّ منهما، كالوجود حيث يعرض على الماهيّة اللّابشرط بالنسبة إلى الوجود و العدم، فالذي يطرأ عليه الوجود هو الماهيّة اللّابشرط عنهما، و هكذا حال كلّ محمول بالنسبة إلى موضوعه، فالحجيّة لا تحمل على الطريق بشرط الاعتبار أو بشرط عدم الاعتبار، بل اللّابشرط. و كذا الاعتبار، فإنه يحمل على الموضوع اللّابشرط بالنسبة إلى الاعتبار و عدمه. و موضوع المقصد هو ما إذا عدم الطريق اللّابشرط، و هذا العدم يكون تارةً: مع وجود الطريق غير المعتبر كالقياس، و اخرى: يكون حيث لا طريق أصلًا.

فموضوع الاصول العمليّة عدم الطريق اللّابشرط.

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 17.

27

الكلام حوله‏

إن هذا التقسيم- و إنْ سلم عمّا ورد على تقسيم الكفاية من الإشكال بأخذ الحكم في الموضوع- قد أخذ فيه الحكم في الموضوع في طرف القطع، إذ وصفه بالطريق التام، و الحال أنه سيبحث عن كيفية طريقيّة القطع و أنّها ذاتيّة أوْ لا.

قال الاستاذ في الدورة اللّاحقة:

و الظاهر عدم تماميّته، لأنّ البحث عن كيفيّة الطريقيّة لا ينافي تماميّة الطريق، فإن القطع على أيّ حالٍ موضوع التنجّز.

و الذي يرد عليه:

أوّلًا: إن التقسيم هو فهرست موضوعات المسائل المبحوث عنها، و لا بدّ من لحاظ موضوع البحث في كلّ مسألةٍ عند التقسيم، فإن كان الموضوع عقليّاً، لزم تعيينه عن طريق العقل، و إنْ كان شرعيّاً فمن طريق الشرع. و في الاستصحاب الموضوع هو الشك الملحوظ معه الحالة السّابقة، بخلاف البراءة فهو الشكّ مع عدم لحاظها، فالموضوع في المسألتين شرعي و هو الشك، و هو مأخوذ في الأولى من أدلّة الاستصحاب و في الثانية من «رفع ما لا يعلمون». فظهر: أنّه ليس عدم الطريق اللّابشرط موضوع الاستصحاب و البراءة الشرعية، بل هو الشك، و أمّا في العقليّة، فالموضوع لحكم العقل عدم البيان.

و ثانياً: إنّ جعل الموضوع عدم الطريق اللّابشرط، مخدوش من جهة اخرى، و ذلك: لأنه يلزم أن يكون وجود الطريق اللّابشرط رافعاً لموضوع الاصول العمليّة، لأنه نقيض عدم الطريق اللّابشرط، لأن نقيض كلّ شي‏ء رفعه، و الحال أن رافع موضوعها هو الطريق المعتبر، أي الطريق بشرط الاعتبار.

28

و على الجملة، فإن هذا التقسيم أيضاً مخدوش كغيره من التقسيمات، لكنّه عند سيدنا الاستاذ أخفّها محذوراً (1).

أمّا شيخنا، فقد استوجه من بينها في الدورتين تقسيم الشيخ و دافع عنه، و إنْ خدش فيه من حيث أن الشيخ جعل موضوع الاعتبار في المقصد الثاني هو الظن، و الحال أن موضوع الاعتبار ليس الظن، بل هو خبر الثقة و الشهرة و نحوهما، سواء حصل الظن أوْ لا، فلم يكن تقسيمه فهرساً للموضوعات في المقاصد.

ثم قال دام بقاه- في الدّورة السّابقة- إن الأحسن تغيير كلمة الظن في التقسيم إلى: ما يمكن أن يكون معتبراً، و هو ما قاله الشيخ في أول بحث البراءة.

أقول:

و تلخّص: أن تقسيم الشيخ أحسن التقاسيم، و المراد من المكلّف هو الأعمّ من المجتهد و المقلّد، و المراد من الالتفات هو الأعم من التفصيلي و الإجمالي، فإنّ الإجمالي حاصل لغير المجتهد بل التفصيلي قد يحصل له. هذا إذا كان المقصود هو الالتفات إلى مجاري الاصول، و أمّا إن كان المراد بيان أحوال المكلّف تجاه الأحكام الشرعية من دون النظر في مجاري الاصول، فحالاته ثلاثة كما هو واضح.

____________

(1) منتقى الاصول 4/ 10.

29

مباحث القطع‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

هل القطع من المسائل الاصوليّة؟

قال في الكفاية:

المقصد السادس. في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلًا. و قبل الخوض في ذلك، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام، و إنْ كان خارجاً من مسائل الفن و كان أشبه بمسائل الكلام، لشدة مناسبته للمقام‏ (1).

ففي هذا الكلام تصريح بأنّ أحكام القطع ليست من مسائل الاصول، و أن البحث عنها أشبه بمسائل علم الكلام، لكنّا نبحث عنها في هذا العلم، لشدّة مناسبة القطع للمقام.

و ذلك، لأنّ الظنّ و الشك من حالات المكلّف، و قد قرّر الشارع المقدّس الأحكام المتعلّقة بهذين الحالين، إلّا أن للمكلّف حالًا آخر و هو القطع، فما هي أحكام القطع بالحكم؟

لكنّه لم يجعل البحث عن القطع من المسائل الكلاميّة، و إنما قال: «أشبه» بمسائل الكلام، و ذلك، لأنّه العلم الذي يبحث فيه عن المبدأ و المعاد بالأدلّة العقليّة و النقليّة، و لمّا كان المعتبر فيه هو الدليل القطعي فقط و لا يكفي الظنُّ فضلًا

____________

(1) كفاية الاصول: 257.

32

عن الشك، احتيج إلى البحث عن حجيّة القطع، فكان علم الكلام أولى بأنْ تطرح فيه هذه المسألة من علم الاصول، و إنْ كان لطرحها فيه وجه من جهةٍ اخرى، كما أشرنا، و سيأتي التفصيل.

و أيضاً: فإنه يبحث في علم الكلام عمّا يجوز و لا يجوز على اللَّه، فيكون من صغرياته البحث عن جواز عقاب المخالف للقطع و عدم جوازه.

وجه خروج القطع‏

و أمّا الوجه في أنه خارج عن المسائل الاصوليّة، فهو عدم انطباق تعريف‏ (1) علم الاصول عليه، فإنه ....

إن كان «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو ما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الدليل»، كما عرّف صاحب الكفاية (2)، فليس شي‏ء من مسائل القطع واسطة في استخراج حكم شرعي، و لا هو المرجع بعد الفحص و اليأس عن الدليل، بخلاف مثل مسألة حجيّة خبر الواحد، فإنه بعد تطبيق هذه الكبرى على خبر زرارة و القول بحجيّته، يستنبط من خبره حكم من الأحكام الشرعيّة.

و إنْ كان «العلم بالقواعد التي إذا انضمّت إليها صغرياتها انتجت نتيجةً فقهيّة» كما قال الميرزا (3) و السيّد الخوئي‏ (4)، فالقطع بالحكم لا يقع في طريق‏

____________

(1) لا يخفى أنّا قد أشبعنا الكلام في تعريف علم الاصول في أوّل الجزء الأول من كتابنا، و لذا نكتفي هنا بالإشارة إلى الاقوال و أثر كلٍّ منها في محلّ الكلام.

(2) كفاية الاصول: 9.

(3) أجود التقريرات 1/ 5.

(4) محاضرات في علم الاصول 1/ 8.

33

استنباط الحكم الشرعي، بل هو بنفسه نتيجة.

و إنْ كان «العلم بالقواعد التي تقع في طريق تعيين الوظيفة العمليّة» كما قال المحقق العراقي‏ (1)، فكذلك، لأنّ الوظيفة العملية تارةً: هي الحكم الواقعي كأن نقول: هذا ما قام عليه خبر الثقة، و كلّما قام عليه خبر الثقة فهو واجب واقعاً، فهذا واجب واقعاً. و اخرى: هي الحكم الظاهري، كأن نقول: هذا متيقّن الوجوب سابقاً و مشكوك البقاء لاحقاً، و كلّما كان كذلك فهو واجب ظاهراً. و ثالثة: هي الحكم العقلي، كأن نقول: هذا مما لم يقم عليه بيان من المولى، و كلّما كان كذلك فهو مرخّص فيه منه عقلًا، فهذا مرخّص فيه عقلًا.

و البحث عن حجيّة القطع و منجزيّته للواقع لا ينتج شيئاً من ذلك.

و هذا كلّه في القطع الطريقي واضح.

و أمّا القطع الموضوعي فلا يفيد إلّا ترتّب الحكم على موضوعه، كما هو الحال في سائر الموضوعات بالنسبة إلى أحكامها، كأن يجعل القطع بمجي‏ء المسافر موضوعاً لوجوب التصدّق على المسكين، فوجوب التصدّق ليس مستفاداً من القطع، بل هو حكم مستفاد من أدلّته.

و من هنا، فقد ذكر الشّيخ‏ (2) و صاحب الكفاية (3) و تبعهما غيرهما (4) أنّ القطع ليس بمسألةٍ اصوليّة، و أنّ البحث عنه في علم الاصول استطرادي، لعدم‏

____________

(1) نهاية الأفكار 1/ 18.

(2) فرائد الاصول 1/ 29.

(3) كفاية الاصول: 257.

(4) مصباح الاصول 2/ 5، منتقى الاصول 4/ 32.

34

انطباق ضابط المسألة الاصوليّة عليه ... و لعلّه المشهور، لضرورة الوسطيّة في الإثبات عندهم كما عرفت من تعاريفهم، و القطع لا يقع كذلك.

و يبقى تعريف المحقق الأصفهاني، فإنه قال: «ما يبحث فيه عن القواعد الممهّدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي» (1).

في المراد من «الحجّة»

و للحجّة مصطلحات ثلاثة:

الأوّل: المصطلح الاصولي، و هو ما يقع في كبرى قياس الاستنباط.

الثاني: المصطلح المنطقي، و هو ما يقع وسطاً في القياس.

و الثالث: المفهوم اللّغوي، و هو مطلق ما يحتجّ به المولى على العبد أو يعتذر به العبد أمام المولى.

فإنْ كان المراد من «الحجة» في التعريف هو الاصطلاح الاصولي، فإنّ القطع حجّة و ليس بمقيم الحجة، لأن القطع عين الانكشاف للحكم و ليس طريقاً لاستنباطه.

و إنْ كان المراد هو الاصطلاح المنطقي، فكذلك، لأنّ الوسط في القياس المنطقي ما هو العلّة أو المعلول للأكبر، أو هما معلولان لعلّةٍ ثالثة، و الحال أن القطع ليس بعلّةٍ للحكم و لا هو معلول له و لا هما معلولان لعلّة ثالثة.

و إنْ كان المراد هو المعنى اللّغوي، فإنّ القطع حجةٌ بلا كلام.

____________

(1) نهاية الدراية 1/ 42.

35

و إلى ما ذكرنا أشار سيّدنا الاستاذ (1) و شيخنا في الدورة اللّاحقة.

لكنّ كون مراد المحقق الأصفهاني من «الحجّة» في تعريف مسائل علم الاصول هو المعنى اللّغوي، أوّل الكلام، و مما يؤيّد النّظر إشكال الاستاذ على التعريف المذكور باستلزامه خروج كثير من المسائل عن الاصول بوجهٍ و دخول علم الرّجال في الاصول بوجهٍ آخر (2). فلو كان المقصود من الحجّة هو المعنى اللّغوي لَما ورد عليه الإشكال أصلًا، بل المحقق الأصفهاني نفسه غير موافق على ذلك. قال:

نعم، إذا كان البحث في التجرّي بحثاً عن تعنون الفعل المتجرّى به بعنوان قبيح ملازم، بقاعدة الملازمة للحرمة شرعاً، دخل في مسائل الفن. لكنّه لم يحرّر بهذا العنوان في الكتاب و غيره‏ (3).

أقول:

و لعلّ الوجه في عدم تحرير التجرّي بهذا العنوان في الكتب الاصوليّة، ليكون من المسائل الاصوليّة هو: أنّ البحث عن قبح الشي‏ء عقلًا بحث عن صغرى قاعدة الملازمة، فهو نظير البحث عن صغرى أدلّة حجيّة خبر الثقة، و هو وثاقة زيد مثلًا، فإنّ موضعه علم الرجال، فإذا تمّت وثاقته هناك و انضمّ ذلك إلى ما دلّ على حجيّة خبر الثقة، كانت المسألة اصوليّة.

و بعبارة اخرى: إن المسألة الاصوليّة عبارة عن المسألة المستنبَط منها

____________

(1) منتقى الاصول 4/ 31.

(2) تحقيق الاصول 1/ 44.

(3) نهاية الدراية 3/ 12.

36

الحكم الشرعي من غير حاجةٍ إلى ضمّ ضميمة، و لذا قال الميرزا بكونها كبرى القياس، بل يعتبر على تعريف المحقق الأصفهاني أيضاً إفادتها الحجّة على حكم العمل بنفسها لا مع غيرها، و قد عرفت أنّ التجري لا يستنبط منه الحكم إلّا بضمّ قاعدة الملازمة إليه.

37

مباحث القطع‏

و مباحث القطع كثيرة، لأنه إذا التفت إلى الحكم الشرعي و حصل له القطع به، فهل هو حجة أوْ لا؟ و ما المراد من الحجيّة، هل هي الحجية العقليّة أو الشرعيّة؟ و هل هي قابلة للجعل أوْ لا؟

ثم إنّ القطع تارةً: يكون موافقاً للواقع، و اخرى: مخالفاً له، فيطرح بحث التجرّي.

و أيضاً: تارةً: يحصل القطع من السبب المتعارف، و اخرى: من غير المتعارف، فيطرح بحث قطع القطّاع، فهل هو حجة على أيّ حالٍ؟

و القطع تارةً: إجمالي، و اخرى: تفصيلي، فيبحث حينئذٍ في مسألة العلم الإجمالي و أحكامه، و الإجمال تارة: في مرحلة ثبوت التكليف، و اخرى: في مرحلة سقوطه.

و القطع الحاصل يكون تارةً: كاشفاً فقط عن الحكم، و اخرى: يكون موضوعاً له، فيطرح بحث القطع الطريقي و الموضوعي.

ثم إنّه هل يلزم الالتزام القلبي على طبق القطع علاوةً على الالتزام العملي،

38

أوْ لا يلزم؟ فيطرح بحث الموافقة العملية و الموافقة الالتزامية للقطع.

و هذا أوان الشّروع في مباحث القطع و أحكامه على طبق المنهج المرسوم في (رسائل الشيخ) و (كفاية الاصول) و باللَّه التوفيق:

39

أحكام القطع‏

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه):

لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً (1).

فهو يرى وجوب متابعة القطع و العمل على طبقه، و يعلّل ذلك بكونه طريقاً إلى الواقع، فوجوب العمل به ناشئ من طريقيّته الذاتية. لكنه لم يوضّح أنّ الطريقية له عين ذاته أو من لوازمها؟

و قال صاحب الكفاية:

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلًا و لزوم الحركة على طبقه جزماً، و كونه موجباً لتنجّز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم و العقاب على مخالفته، و عذراً فيما أخطأ قصوراً. و تأثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم، فلا حاجة إلى مزيد بيانٍ و إقامة برهان. و لا يخفى أنّ ذلك لا يكون بجعل جاعل، لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضاً بتبع جعله بسيطاً (2).

____________

(1) فرائد الاصول 1/ 29.

(2) كفاية الاصول: 258.

40

فأفاد (رحمه اللَّه) وجوب العمل على طبق القطع، و أنه منجّز و معذّر، و جعل الدليل على ذلك الوجدان، فكأنّه بيَّن قول الشيخ «بأنّه طريق بنفسه»- بأنّ ذلك وجداني و لا يحتاج إلى إقامة برهان.

فكلاهما يقولان بوجوب متابعة القطع، لكن المحقق الخراساني أضاف المنجزية و المعذرية أيضاً ....

فظهر مورد الاشتراك بين الكلامين و مورد الامتياز.

فقال المحقق الاصفهاني بشرح الكفاية:

المراد بوجوب العمل عقلًا ليس إلّا إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع، لا أن هناك بعثاً و تحريكاً من العقل أو العقلاء نحو ما تعلّق به، ضرورة أنه لا بعث من القوة العاقلة، و شأنها إدراك الأشياء، كما أنه لا بعث و لا تحريك اعتباري من العقلاء (1).

أمّا المحقق العراقي فقال:

لا شبهة في وجوب متابعة القطع عقلًا، و الوجه فيه ظاهر، فإن القطع من جهة كونه بذاته و حقيقته عين انكشاف الواقع بالكشف التام و الوصول إليه، بحيث يرى القاطع نفسه واصلًا إلى الواقع، إذا فرض تعلّقه بحكم من الأحكام يكون له السببيّة التامّة لحكم العقل تنجيزاً بوجوب المتابعة، على معنى حكمه بلزوم صرف الغرض و الإرادة نحو امتثال أمر المولى الراجع إليه أيضاً حكمه بحسن الإطاعة و قبح المخالفة .... (2)

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 17- 18

(2) نهاية الأفكار ق 1 ج 3 ص 3

41

فأرجع الأمر إلى قضيّة حكم العقل بحسن الإطاعة و قبح المخالفة.

و وافق الميرزا الشيخ (رحمه اللَّه)، إلا أنه في الدّورة الاولى جعل الطريقيّة من لوازم القطع، (1) و في الثانية (2) جعلها عين القطع.

تفصيل الكلام في المقام‏

و تفصيل الكلام هو:

إنّ في القطع جهات عديدة:

إحداها: كاشفيّة القطع عن الواقع و طريقيّته إليه، و أن وزانه وزان النور في الإراءة و المظهريّة.

و الثانية: حجيّة القطع، فإنها غير الطريقيّة، إذ قد يحصل القطع بشي‏ء و لا حجيّة هناك، كالقطع بوجود مكّة مثلًا، أمّا الحجيّة، فهي المنجزية من قبل المولى و المعذريّة من قبل العبد.

و الثالثة: وجوب العمل و الحركة على طبق القطع.

و الرابعة: إن طريقيّة القطع قابلةٌ للجعل أوْ لا؟

و هنا نحتاج إلى فهم حقيقة الجعل، و توضيحه هو:

مقدمة في أقسام الجعل و أنحائه‏

إن الجعل على قسمين، بسيطٌ و مركّب. فالأوّل: هو الإيجاد بمعنى كان التامّة، و الثاني: هو الإيجاد بمعنى كان الناقصة، أي الجعل بين الشي‏ء و ما هو خارج عن ذاته.

____________

(1) فوائد الاصول 3/ 6.

(2) أجود التقريرات 3/ 12.

42

و الجعل المتعلّق بالذات أو الوجود- على اختلاف المبنى في أصالة الوجود أو الماهيّة- بسيطٌ، و المتعلّق بالخارج عن ذات الشي‏ء أو الوجود مركب، و قد يسمّى بالجعل التأليفي أيضاً.

ثم إنّ الجعل تارة: جعل بالذات، و اخرى: جعل بالعرض، و المجعول إمّا بالذات و إمّا بالعرض، و المجعول بالعرض خارج عن الذات- أعم من الوجود- و هو تارةً: متأصّل في الخارج، و اخرى: غير متأصّل بل هو اعتبار من العقل، و المتأصّل تارةً: موجود بالغير، مثل الكميّة للشي‏ء، و اخرى: موجود بوجود المنشأ لانتزاعه، مثل الفوقية للسقف. و أمّا ما لا أصالة له في الخارج أصلًا، فهو كالماهيّة بالنسبة إلى الوجود- بناءً على القول بأصالة الوجود- فهي أمر ينتزعه العقل و ليس له مطابق خارجاً.

فظهر أن المجعول بالعرض ثلاثة أقسام: جعل الكميّة للشي‏ء و الزوجيّة للأربعة، و جعل الفوقيّة للسقف، و جعل الماهيّة. و إسناد الجعل إلى الماهيّة مجاز لكنه في الأول و الثاني حقيقة.

إذا عرفت هذا، فإنّ الطريقيّة قابلة للجعل بالجعل البسيط كما هو واضح، إمّا وجودها بناءً على أصالة الوجود، و إمّا ماهيّتها بناءً على أصالة الماهيّة، إنما الكلام في جعل الطريقيّة للقطع أي الجعل التأليفي، و هنا يأتي البحث:

في كيفيّة الطريقيّة المجعولة للقطع‏

هل الطريقيّة خارجة عن ذات القطع أو داخلة؟ و على الثاني: هي جزء الذات أو كلّها، و على الأوّل، هي مفارقة أو لازمة؟

فعلى القول بالخروج و أنها لازمة للقطع، فالجعل التأليفي غير ممكن، لأن‏

43

لوازم الذات مجعولة بجعلها بالجعل بالعرض، فهل هي خارجة عن الذات؟

إنه لا يعقل أن تكون النسبة بين الطريقيّة و القطع نسبة الزوجيّة للأربعة، خلافاً لما جاء في كلام الميرزا، لأنّ كلّ خارج عن الذات- و إنْ كان لازماً لها- فهو في مرتبة الذات فاقد للذات، فالأربعة في مرتبة ذاتها فاقدة للزوجيّة، إذ اللّازم لا يكون في مرتبة الملزوم، فإذا كانت الطريقيّة ليست في مرتبة ذات القطع، فذات القطع في مرتبة ذاتها لا طريق و لا كشف، و هذا محال و خلف للفرض. إذن، ليست الطريقيّة خارجة و من لوازم القطع، بل هي نفس ذات القطع، و الجعل التأليفي بين الشي‏ء و نفسه غير معقول كما ذكر صاحب الكفاية.

و على الجملة، فإن الكاشفيّة إن كانت من لوازم القطع، فالجعل التأليفي بين الشي‏ء و لازمه غير معقول، و إن كانت عين ذات القطع، فجعل الذات للذات غير معقول، فهي- على كلّ تقدير- غير قابلة للجعل، فما في كلام بعض المحققين من أنه جعل الذاتي للذات غير صحيح.

و المختار- كما تقدّم- أن الكشف عين ذات القطع، لِما تقدّم من أن اللّازم غير الملزوم، مع عدم الانفكاك بينهما، و العلم نفس حضور المعلوم لدى النفس و لو لم يكن عين الكشف لزم الغياب و هو محال. و لأن العلم من الامور الوجدانية، و لا يعقل خفاء الأمر الوجداني على الواجد له، و لا يعقل أن يكون الكشف من اللّوازم و تكون الملازمة خافية، و الحال أنا لا نجد شيئاً آخر وراء الكشف و الحضور يكون لازماً للكشف ....

فحقيقة العلم عين الكشف، و جعل الكاشفيّة له جعل الذات للذات، و هو محال.

44

تنبيهان‏

و هنا يلزم التنبيه على أمرين:

أحدهما: قد يرد الإشكال على القول بالطريقيّة الذاتية للقطع- سواء القول بأنها عين الذات أو ملازمة لها- بأنه يستلزم إصابة الواقع دائماً و لا يكون هناك تخلّف عن الواقع، و الحال أنه ليس كذلك، بل القطع يحصل للجاهل بالجهل المركّب.

و الجواب:

إن المراد من كون القطع عين الكشف عن الواقع هو انكشاف المعلوم بالذات، لا انكشاف المعلوم بالعرض الذي يقبل التخلّف عن الواقع و لا يعقل أن يكون عين الذات. فالكشف في قولهم: الكشف عين ذات القطع، هو حضور المعلوم بالذات المشترك بين علم المصيب و المخطئ، و الموجود في الجهل المركّب أيضاً.

و بعبارة أخرى: إن الطريقيّة شي‏ء و الإصابة شي‏ء آخر، و لا ينبغي الخلط بينهما، و مرادهم من الكاشفية هي الإراءة، و إراءة الواقع موجودة في الظنّ أيضاً، إلّا أنّها إراءة ناقصة بمعنى وجود احتمال الخلاف، بخلاف القطع حيث لا وجود لاحتمال الخلاف معه، فالذي يراه القاطع هو رؤية عقلية للواقع كما يرى البصير الواقع بالرؤية الحسيّة، فهي إراءة و رؤية، أمّا المطابقة للواقع فهي أمر آخر خارج عن ذات الرؤية و حقيقتها.

45

الأمر الثاني: لا يخفى أنّ مورد البحث هو الطريقيّة و الكاشفيّة التكوينيّة للقطع، لا الكشف الجعلي الاعتباري، فالطريقيّة قد تكون اعتباريّة كما في خبر الثقة حيث يُجعل له الطريقيّة و الكاشفيّة عن الواقع، و قد تكون ذاتية تكوينيّة، و هي التي في القطع، و جعل الطريقيّة للقطع ممكن إلّا أنه لغو، لكونه كاشفاً و طريقاً إلى الواقع تكويناً.

هذا بالنسبة إلى الطريقيّة و الكاشفيّة.

حجيّة القطع و لزوم الحركة على طبقه‏

و أمّا حجيّة القطع و لزوم الحركة على طبقه، فيجوز للمولى أن يحتجّ على العبد بالقطع الحاصل له، و للعبد أن يحتج أمام المولى بذلك، و يعبّر عن ذلك بالمنجزية و المعذرية، فظهر أنّ الحجيّة و لزوم الحركة إنما يطرحان في مورد القطع بأحكام المولى، بخلاف طريقية القطع، فلا اختصاص لها بالأحكام.

فهل يرى العقل الحجيّة للقطع و لزوم الحركة على طبقه إذا تعلّق بأحكام المولى الحقيقي؟

و إنما قيّدنا بالمولى الحقيقي، لعدم دخالة العقل في الامور العرفية الجعليّة.

و هل يرجع ذلك إلى استحقاق العقاب على المخالفة؟

و هل هذا الحكم العقلي تنجيزي أو تعليقي، بأن يصحّ نفيه في بعض الموارد أو الأحوال؟

لقد تقدّم أن الطريقيّة و الكاشفيّة عين القطع، أمّا الحجيّة، فهي خارجة عن ذاته و حقيقته، لكنه يستلزم الحجيّة، فإذا انكشف الواقع استلزم استحقاق العقاب على المخالفة عند العقل.

46

قالوا: بأنّ العقل يحكم بالحجيّة و المنجزيّة، بأن يحكم بأنّ القطع يصحّ العقوبة على مخالفته.

و خالف المحقق الأصفهاني، و أنكر أن يكون العقل حاكماً، لأن الحكم من شئون المولى، قال: بل العقل مدرك فقط. و وافقه المتأخرون عنه، و لو قيل بأنّ العقل يدرك الحكم، لم يصح كذلك، لأنه لغو، إذ العقل يرى أنّ القطع منشأ لاستحقاق العقاب، فجعل الحكم من قبل الشارع بلزوم الحركة على وفق القطع لغو، و لزوم الحركة ليس إلّا الحجيّة.

هل حجيّة القطع من الأحكام العقليّة أو المجعولات العقلائية؟

و قد وقع البحث في أنّ حجيّة القطع من المجعولات العقلائيّة، أي من أحكام العقل العملي، أو من الأحكام العقلية النظريّة غير القابلة للسّلب عن القطع؟

ذهب المحقق الأصفهاني- تبعاً للفلاسفة- إلى أنّ قضيّة الحسن و القبح من القضايا المشهورة، أي القضايا التي لا يقام البرهان عليها، فهي اعتبارات عقلائيّة من أجل حفظ النظام، و حجيّة القطع من هذا القبيل، فقد تطابقت عليها آراء العقلاء.

لكنّ المشكلة هي: أن حجيّة القطع- أي صحّة العقاب على مخالفة المولى الحقيقي- موجودة، سواء كانت المخالفة مستلزمة لاختلال النظام أو لا، بل حتى لو لم يكن نظام في العالم، لا يجوز مخالفة أحكام المولى الحقيقي، و هي موجبة لاستحقاق العقاب.

و إذا لم يكن في حجية القطع ملاك القضايا المشهورة، فهل هي حكم عقلي‏

47

أو أنها من لوازمه العقلية؟ الصحيح هو الثاني، لِما تقدم من أن العقل مدرك و ليس بحاكم.

و على الجملة، فإن الحجيّة هي المنجزية، و وجوب الحركة على طبق القطع و استحقاق العقاب على المخالفة، من لوازم القطع بحكم المولى الحقيقي، و هذا اللّزوم عقلي لا اعتباري، وعليه، فجعل الحجيّة للقطع جعلٌ للوازم الشي‏ء للشي‏ء، و هو غير معقول، نعم، تجعل اللّوازم بجعل الشي‏ء بالجعل البسيط، فكما لا يمكن أن يجعل الجسم متشكّلًا أو متحيّزاً، لا يمكن أن يجعل القطع حجّةً، بل متى تحقق القطع كان لازمه الحجيّة.

الرّدع عن اتّباع القطع يستلزم التناقض‏

و هل يمكن الردع عن القطع؟

إنه لمّا يقطع بحكم شرعي كوجوب الصّلاة، فقد تعلّق القطع بوجوبها و حكم العقل بحجيّة القطع و لزوم الحركة على طبقه، فكان الحكم الشرعي متقدّماً في الرتبة على القطع، و الحكم العقلي متأخراً عن الحكم الشرعي المتعلّق به القطع، فتقدم الحكم الشرعي على الحكم العقلي بمرتبتين.

فقال الشيخ:

فإذا قطع بكون مائع بولًا من أي سبب كان، فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لأن المفروض أنه بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله: هذا بول، و كلّ بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، فحكم الشارع بأنه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له‏ (1).

____________

(1) فرائد الاصول 1/ 31.

48

و في الكفاية:

و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضاً، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً و حقيقةً في صورة الإصابة (1).

و توضيح ذلك: إنه عند ما قطع بحرمة الخمر، فقد يكون القطع موافقاً للواقع، و قد يكون مخالفاً له، فإن قال الشارع لا يجب الاجتناب عنه، و كان القطع موافقاً للواقع، لزم اجتماع الضدّين في الواقع و في اعتقاد القاطع، و إن كان مخالفاً للواقع، لزم اجتماعهما في اعتقاد القاطع، دون الواقع لفرض عدم الحرمة.

و المراد من التضاد هنا هو المعنى الاصولي لا الفلسفي، أي ما ينافي الشي‏ء، الأعم من التضاد و التناقض.

نظريّة المحقق العراقي‏

و للمحقق العراقي هنا كلام نتعرّض له بتوضيح منّا و له مقدّمتان:

الاولى: إن الأحكام العقلية المرتبطة بالأعمال على قسمين:

الحكم العقلي التنجيزي، كحكمه بقبح معصية المولى، و المقصود من تنجيزيته عدم قبوله لأيّ تصرّف من الشارع.

و الحكم العقلي التعليقي، و هذا ما يقبل التصرّف منه، كما في صورة انسداد باب العلم، حيث أن لنا علماً إجمالياً بأحكام المولى لكنّ باب العلم بها منسدٌّ علينا، فالعقل يحكم بمتابعة الظنّ من باب ترجيح الراجح على المرجوح و هو الوهم، فهو يحكم في هذا الظرف بالامتثال الظني إلّا أن حكمه بذلك معلّق على‏

____________

(1) كفاية الاصول: 258.

49

عدم الردع من الشارع، فيجب علينا اتّباعه كما في ردعه عن الظن القياسي و إن قلنا بالحكومة.

و في العلم الإجمالي مسلكان:

فقيل: بأنه موضوع لحكم العقل بالتنجيز و استحقاق العقاب فلا يقبل التصرّف من الشارع.

و قيل: بأن الحكم العقلي في مورد العلم الإجمالي معلّق على عدم التصرّف من الشارع بالترخيص في الارتكاب بجعل الأصل في أطراف الشبهة.

الثانية: إن أساس امتناع اجتماع الضدّين في الأحكام و عدم امكان جعل الحكمين المتضادّين، هو امتناع اجتماع النقيضين، لأنّ كلّاً من الضدّين ملازم لعدم الضدّ الآخر، فلو اجتمع الضدّان حصل اجتماع الضدّ مع عدمه، فكان أساس الاستحالة هو التناقض.

هذا، و يعتبر في التناقض وحدة المرتبة و إلّا فلا استحالة للاجتماع. مثلًا:

العلم بالشي‏ء متأخر عن الشي‏ء، و كذا الظن، و منشأ هذا التأخر هو تفرّع الكاشف على المنكشف، فذات الكشف متعلّقة بالمنكشف و لا عكس، فكان العلم بالشي‏ء متأخّراً عن الشي‏ء برهاناً.

و إذا عرفت ذلك نقول: إنه بعد ثبوت الكاشفيّة و الطريقيّة الذاتيّة للقطع و سببيّته لحكم العقل التنجيزي بلزوم المتابعة و حسن الطاعة و لتحقّق الحركة نحو المقصود في ظرف تعلّق الغرض الفعلي بتحصيله، يكون من المستحيل قابلية مثله لتعلّق الردع به، لأن الرّدع عنه إمّا أن يرجع إلى سلب طريقيته تكويناً، و إمّا أن يرجع إلى المنع عن متابعته و العمل على وفقه تشريعاً.

50

و الأوّل واضح الاستحالة، لبداهة امتناع سلب ما هو ذاتي الشي‏ء عن الشي‏ء أو إثباته له، بل و لا يظنّ توهّمه من أحد.

و أمّا الثاني، فعدم إمكانه أيضاً بالمرحلة الأخيرة واضح، لما عرفت من أنّ في ظرف انكشاف الواقع و تعلّق الغرض الفعلي بتحصيل المقصود، تكون الحركة على وفق المقصود قهرية، بحيث لا يمكن الرّدع عنها إلّا بسلب جهة كشفه. و أمّا بالنسبة إلى المرحلة الاولى- أعني حكم العقل بحسن صرف الإرادة بنحو الطاعة- فعدم إمكانه إنما هو من جهة منافاته لحكم العقل التنجيزي بوجوب المتابعة و حسن الطاعة، لأن مرجع ردعه حينئذٍ إلى ترخيصه في معصيته و هو- كما ترى- مما يأبى عنه الوجدان و لا يكاد يصدّقه بعد تصديقه بالخلاف، لكونه من التناقض في نظر القاطع و إنْ لم يكن كذلك بحسب الواقع.

وعليه، فلا مجال للمنع عن صحّة الردع بما افيد من برهان المناقضة، لأن المقصود من برهان المناقضة:

إن كان مناقضة ترخيصه مع الحكم الشرعي المحفوظ في الرتبة السّابقة على القطع.

ففيه: إنه لا مناقضة و لا تضادّ بينهما، بعد كون مرجع ردعه إلى الترخيص في الرتبة اللّاحقة عن القطع، كيف؟ و إنه بذلك تختلف الرتبة بين الحكمين، فترتفع المناقضة و التضادّ من البين.

و إن كان المقصود مناقضته مع الحكم العقلي في الرّتبة المتأخرة عن القطع.

ففيه: إنه مبني على ثبوت تنجيزية حكم العقل بوجوب المتابعة، لأنه من مبادي المناقضة المزبورة، و إلّا فعلى فرض تعليقيّته لا يكاد يبقى مع الردع عنه‏

51

حكم للعقل بوجوب المتابعة، كي ينتهي الأمر بينهما إلى مقام المضادّة و المناقضة.

فالعمدة في المنع عن إمكان مجي‏ء الردع هو: إثبات تنجيزية حكم العقل، و يكفي في إثباته ما ذكرناه من الوجدان و إبائه بحسب الارتكاز عن إمكان مجي‏ء ردع عن العمل بقطعه، لكونه ترخيصاً من الشارع في المعصية و ترك الطاعة. (1)

نقد تلك النظرية

و قد أورد عليه الاستاذ في الدّورتين بلزوم التناقض على مسلك المحقق العراقي أيضاً.

و توضيح ذلك هو: إنه (رحمه اللَّه) يرى أنّ حقيقة الحكم عبارة عن الإرادة أو الكراهة المبرزة، فالإرادة الشديدة المبرزة منشأ لانتزاع الوجوب، و الكراهة الشديدة المبرزة منشأ لانتزاع الحرمة، أمّا الإرادة أو الكراهة الضعيفة، فمنشأ للاستحباب و الكراهة الشرعية. هذا أوّلًا.

و ثانياً: إنه يرى أنّ متعلّق الإرادة- و كذا الكراهة- هي الصورة المرئيّة خارجاً، لا الوجود الخارجي، لأن الإرادة أمر نفساني، و تعلّقه بالخارج غير ممكن- و قد برهن المحقق الأصفهاني على ذلك بأنه يستلزم إمّا خارجيّة الذهن أو ذهنية الخارج، و كلاهما محال- فالمتعلّق هو الخارج، لعدم تعلّق الشوق و عدمه بالوجود الذهني، لكن لا الوجود الخارجي بل الصورة المرئية خارجاً.

و بناءً على ما ذهب إليه في حقيقة الحكم و متعلّقه: يرد عليه لزوم اجتماع‏

____________

(1) نهاية الأفكار ق 1 ج 3 ص 7- 8.

52

النقيضين فيما ذكره في المقام، لأنّ تعلّق الوجوب بالصّورة المرئيّة خارجاً لدى القاطع، هو إرادة وجوده، فإذا تعلّق بها الترخيص كان غير مراد، و كون الشي‏ء مراداً و غير مراد اجتماعٌ للنقيضين.

هذا، و لا يتوهّم اختلاف المرتبة حتى يندفع الإشكال.

لأنّ متعلّق الإرادة أو الكراهة هو الوجود لا المرتبة، فصحيحٌ أنّ الإرادة و المراد مختلفان في المرتبة، لتقدّم المراد على الإرادة طبعاً، لكنهما موجودان بوجودٍ واحد، كما هو الحال بين الواحد و الاثنين، إذ الاثنان متأخّر رتبةً عن الواحد طبعاً، لكنهما موجودان بوجودٍ واحد.

و هذا هو الإشكال على المحقق العراقي هنا بناءً على مسلكه.

و أمّا على مسلك القائلين باعتباريّة الحكم- على اختلافٍ فيما بينهم في حقيقته- إذ قال بعضهم بأنه الطلب الإنشائي، و بعضهم بأنه عبارة عن البعث أو الزجر الاعتباري، و بعضهم أنه الثبوت على الذمّة اعتباراً و اعتبار الحرمان ...

- فالتناقض لازم بلا إشكال، و ذلك: لأن كلّ حكمٍ يصدر من الحاكم فهو فعل اختياري له، و لا يعقل أن يكون مهملًا، لأن المفروض أنه- لكونه حكيماً- يلحظ موضوع الحكم و انقساماته، فإنْ كان غرضه متعلّقاً بالمقسم خرج الحكم مطلقاً، و إن كان متعلّقاً بالقسم خرج مقيّداً، و لا يعقل أنْ يكون الغرض مهملًا، و الحكم معلول للغرض، فلا إهمال فيه كذلك.

و على هذا، فإذا حكم الشارع بوجوب الصّلاة، فتارة: يتعلّق القطع بالوجوب، و اخرى: لا، فإن كان الغرض قائماً بالمقسم أطلق الوجوب و إلّا قيّده بوجود القطع أو عدمه، لكنّ التقييد هناك محال، إذ لا يعقل تقييد وجوبها بعدم‏

53

القطع به، لأنّ الغرض من الصّلاة- و هو النهي عن الفحشاء و المنكر مثلًا- أعمّ.

هذا أوّلًا.

و ثانياً: فإنّ التقييد بعدم القطع بالوجوب لغوٌ لعدم الأثر ....

فظهر أن التقييد محالٌ كما أنّ الإهمال محال، فالإطلاق واجب ... أي:

الصّلاة واجبة سواء قطع بوجوبها أوْ لا، فلو اعتبر عدم وجوبها في مرتبة القطع بوجوبها، لزم اجتماع النقيضين- أي الوجوب و عدمه- في المتعلّق الواحد.

فالحق، لزوم التناقض على جميع المسالك.

هذا، و لا يخفى أنّ هذا التناقض يلزم في الحكم الشرعي- كما تقدّم- و في الحكم العقلي أيضاً، لأن كلّ حكمٍ شرعي فهو بمجرّد وصوله موضوع لحكم العقل بلزوم الطاعة و الامتثال.

نظريّة المحقّق الأصفهاني‏

و قال المحقق الأصفهاني (رحمه اللَّه):

بل التحقيق أن حديث التضادّ و التماثل أجنبي عمّا نحن فيه، لما فصّلناه في مسألة اجتماع الأمر و النهي: أن الحكم- سواء كان بمعنى الإرادة و الكراهة أو البعث و الزجر الاعتباريين- ليس فيه تضادّ و تماثل، فإنهما من صفات الأحوال الخارجية للموجودات الخارجية. فراجع.

بل المانع من اجتماع البعثين، إمّا صدور الكثير عن الواحد لو انبعث البعثان المستقلّان عن داع واحد، أو صدور الواحد عن الكثير لو انبعثا عن داعيين، فإن الفعل الواحد عند انقياد المكلّف لمولاه لو صدر عن بعثين مستقلّين، لزم صدور الواحد عن الكثير، كما أنّ صدور مقتضى البعث و الزجر لازمه اجتماع‏

54

المتناقضين، فيلغو البعث بداعي إيجاد الفعل و الزجر بداعي تركه‏ (1).

و قد اشتمل كلامه على نفي و إثبات.

أمّا ما أفاده في جهة النفي، فتوضيحه هو: إن المثلين عبارة عن الوجودين من الماهيّة الواحدة، و الضدّان عبارة عن الأمرين الوجوديين المتعاقبين على الموضوع الواحد، الداخلين تحت جنس قريب و بينهما نهاية الخلاف. و على هذا، فالتماثل و المثلية و كذا التضاد و الضديّة من أحوال الموجودات الخارجيّة، و الحكم إمّا هو الإرادة أو الكراهة التشريعيّة، أو البعث و الزجر الاعتباريّان- على الخلاف- من الاعتباريات، و أحكام الموجودات الخارجيّة لا تجري في الامور الاعتبارية، فلا معنى لأن يقال: حكمان متماثلان أو متضادّان، و لا يلزم اجتماع المثلين أو الضدّين.

و أمّا ما أفاده في جهة الإثبات، فتوضيحه: إنّ المانع من تصرّف الشارع هو صدور الكثير من الواحد و بالعكس، أو لزوم اجتماع المتناقضين في مقام الامتثال، فالقطع بوجوب شي‏ء بعث، فإذا جاء ببعثٍ آخر نحوه، كان البعثان حاصلين من داعٍ واحد لكون المصلحة واحدة، و صدور الكثير من الواحد محال. أمّا في مقام امتثال التكليف، فالحاصل انبعاث واحد عن البعثين، و صدور الواحد من الكثير محال كذلك. و إنْ كان الحكم غير مماثل، يلزم اجتماع المتناقضين في مقام الامتثال.

إذن، لا يمكن التصرّف لا بالمماثل و لا بالمخالف، للزوم ما ذكر من‏

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 20.