الغدير - ج11

- الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي المزيد...
395 /
1

الجزء الحادي عشر فيه بعد البحث عن جملة من مواقف معاوية المخزية

ومناقبه المختلقة، ومخاريق أمة أخرى، تراجم جمع

من أعلام الطائفة، ورجالات العلم، وصاغة القريض، وصيارفة الأدب،

تضمن فوائد تاريخية، وطرائف أدبية، وتحوي من الآثار

والمآثر نوادر هي الأوضاح والغرر في جبهة الدهر

2

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لك يا إله الخلق ! بك أستفتح وبك أستنجح، أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى، واسلك بي الطريقة المثلى، وسيرني في أقرب الطرق للوفود إليك، واجعلني على ولايتك وولاية نبيك نبي الرحمة وعترته الطاهرة المطهرة صلواتك عليهم أجمعين أموت وأحيى، وما توفيقي إلا بك عليك توكلت .

الأميني

3

يتبع الجزء العاشر

مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط (عليه السلام)

إن لابن آكلة الأكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعر منها الجلود، وتقف منها الشعور، وتندى منها جبهة الانسانية، ويلفظها الدين والحفاظ، وينبذها العدل و الاحسان، وينكرها كرم الأرومة وطيب المحتد، ارتكبها معاوية مستسهلا كل ذلك، مستهينا بأمر الدين والمروءة .

من هو الحسن (عليه السلام)؟ لا أقل من أن يكون هو (سلام الله عليه) أوحديا من المسلمين، وأحد حملة القرآن، وممن أسلم وجهه لله وهو محسن، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة، ومغازي الكتاب والسنة، والملكات الفاضلة جمعاء، وهو القدوة والأسوة في مكارم الأخلاق، ومعالم الاسلام المقدس، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه، والوقيعة فيه، وإيذائه، ومحاربته، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم .

أضف إلى ذلك : إنه صحابي مبجل ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير، وأعظم فضائله : أنه ليس بين لابتي العالم من يستحق الإمامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذ غيره، لفضله وقرابته .

فهو أولى صحابي ثبت له ما أثبتوه لهم من الأحكام، فلا يجوز

4

منافرته والصد عنه، والإعراض عن آرائه وأقواله، وارتكاب مخالفته، وما يجلب الأذى إليه من السب له، والهتك لمقامه، واستصغار أمره .

زد عليه : أنه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيدة نساء العالمين، لحمه من لحمه، ودمه من دمه .

فيجب على معتنقي تلك النبوة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه، والحصول على مرضاته، وهو لا يرضى إلا بالحق الصراح والدين الخالص .

وهو (عليه السلام)قبل هذه كلها أحد أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى، الذين يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا .

وهو من ذوي قربى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الذين أوجب الله مودتهم وجعلها أجر الرسالة .

وهو أحد من باهل بهم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم .

وهو أحد الثقلين اللذين خلفهما النبي الأعظم (صلى اللّٰه عليه و آله) بين أمته ليقتدى بهم و قال : ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا .

وهو من أهل بيت مثلهم في الأمة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق .

وهو من الذين أوجب الله الصلاة عليهم في الفرائض، ومن لم يصل عليهم لا صلاة له .

وهو أحد من خاطبهم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بقوله : أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم .

وهو أحد أهل خيمة خيمها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال : معشر المسلمين ! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة .

5

وهو أحد ريحانتي رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يشمهما ويضمهما إليه .

وهو وأخوه الطاهر سيدا شباب أهل الجنة .

وهو حبيب رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يأمر بحبه قائلا : اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه .

وهو أحد السبطين كان جدهما (صلى اللّٰه عليه و آله) يأخذهما على عاتقه ويقول : من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني .

وهو أحد اللذين أخذ رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بيدهما فقال : من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة .

وهو أحد ابني رسول الله كان يقول (صلى اللّٰه عليه و آله) : الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار (1) هذا هو الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)وأما معاوية ابن آكلة الأكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرت عليك في الجزء العاشر ص 178 وأما جنايات معاوية على ذلك الإمام المطهر فقد سارت بها الركبان، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوهة المجلى، مسودة الهندام .

فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقه الثابت له بالنص والجدارة، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الإمام (عليه السلام)له بالصلح حقنا لدماء شيعته، وحرسا على كرامة أهل بيته، وصونا لشرفه الذي هو شرف الدين، وما كان يرمق إليه معاوية ويعلمه الإمام (عليه السلام)بعلمه الواسع من إن الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه، لكنه يستبقيه ليمن بذلك عليه، ثم يطلق سراحه، و هو بين أنيابه ومخالبه، حق يقابل به ما سبق له ولأسلافه طواغيت قريش يوم الفتح، فملكهم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أرقاء له، ثم من عليهم وأطلقهم، فسموا الطلقاء وبقي ذلك سبة عليهم إلى آخر الدهر، فراق داهية الأمويين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبة عليهم، لكنه أكدت آماله، وأخفقت ظنونه، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح

____________

(1) هذه الأحاديث تأتي بأسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها إنشاء الله .

6

الذي كان من ولائده الإبقاء على شرف البيت الهاشمي، ودرأ العار عنهم، إلى نتايج مهمة، كل منها كان يلزم الإمام (عليه السلام)بالصلح على كل حال، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه، والكائد الغادر بإله وذمته، فعهد إليه أن لا يسب أباه على منابر المسلمين، وقد سبه وجعله سنة متبعة في الحواضر الإسلامية كلها .

وعهد إليه أن لا يتعرض بشيعة أبيه الطاهر بسوء، وقد قتلهم تقتيلا، واستقرأهم في البلاد تحت كل حجر ومدر، فطنب عليهم الخوف في كل النواحي بحيث لو كان يقذف الشيعي باليهودية لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب (سلام الله عليه) .

وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب إليه (سلام الله عليه) : إن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس :

وإن أحـد أسـدى إليـك أمانة * فـأوف بهـا تدعى إذا مت وافي

ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * ولا تجفـه إن كان في المال فاني

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها (1) ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعد ما قتل الإمام السبط ليصفو له الجو .

ولما تصالحا كتب به الحسن كتابا لمعاوية صورته :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بن

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 4 : 13 .

7

أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غائلة سرا وجهرا، ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق، أشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيدا (1) فلما استقر له الأمر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال : يا أهل الكوفة ! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة و الحج ؟ وقد علمت إنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم (إلى أن قال) : وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين (2) وقال أبو إسحاق السبيعي : إن معاوية قال في خطبته بالنخيلة : ألا إن كل شئ أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به (3) قال أبو إسحاق : وكان والله غدارا (4) .

____________

(1) الصواعق لابن حجر ص 81 .

(2) راجع ما مر في الجزء العاشر ص 329 .

(3) شرح ابن أبي الحديد 4 : 16 .

(4) راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر ص 262 .

8

أبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة، و جدتي خديجة قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قديما وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا .

فقال طوائف من أهل المسجد : آمين .

قال الفضل : قال يحيى بن معين : وأنا أقول : آمين .

قال أبو الفرج : قال أبو عبيد قال الفضل : وأنا أقول : آمين، ويقول علي بن الحسين الاصفهاني : آمين .

قلت : ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب : آمين (1) قال الأميني : وأنا أقول : آمين .

وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دس إليه (عليه السلام)السم النقيع، فلقي ربه شهيدا مكمودا، وقد قطع السم أحشاؤه .

قال ابن سعد في الطبقات : سمه معاوية مرارا، لأنه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين .

وقال الواقدي : إنه سقي سما ثم أفلت، ثم سقي فأفلت، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه : هذا رجل قطع السم أمعائه، فقال الحسين : يا أبا محمد ! أخبرني من سقاك ؟ ! قال .

ولم يا أخي ؟ قال : أقتله والله قبل أن أدفنك، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه .

فقال : يا أخي ! إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه .

وقد سمعت بعض من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما (2) .

وقال المسعودي : لما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال : لقد سقيت السم عدة مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني اقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين : يا أخي ! من سقاك ؟ قال : وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما أحب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي رضي الله عنه .

وذكر : أن امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس إليها إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 4 : 16 .

(2) تاريخ ابن كثير 8 : 43 .

9

بمائة ألف درهم، وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمه، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها : إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه .

وذكر : إن الحسن قال عند موته : لقد حاقت شربته، وبلغ أمنيته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال .

وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة علي في شعر طويل :

جعـدة بكيـه ولا تسـأمي * بعـد بكـاء المعول الثاكل (1)

لـم يسبـل الستـر على مثله * في الأرض من حاف ومن ناعل

كـان إذا شبـت لـه نـاره * يـرفعها بالسند الغاتـل (2)

كيـما يـراها بائس مرمل * وفـرد قـوم ليس بالآهل

يغـلي بنـئ اللحم حتى إذا * أنـضج لم يغـل على آكل

أعـني الـذي أسلمنا هلكه * للـزمن المستخرج الماحل (3)

قال أبو الفرج الاصبهاني : كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح : أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده، وأن تكون الخلافة له من بعده، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس إليهما سما فماتا منه، أرسل إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني على أن تسم الحسن .

وبعث إليها بمائة ألف درهم، فسوغها المال ولم يزوجها منه .

مقاتل الطالبيين ص 29 .

وحكاه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 : 11، 17 من طرق مغيرة و أبي بكر بن حفص .

وقال أبو الحسن المدائني : كانت وفاته في سنة 49 وكان مريضا أربعين يوما وكان سنه سبعا وأربعين سنة، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث زوجة

____________

(1) في تاريخ ابن كثير : بكاء حق ليس بالباطل .

(2) في تاريخ ابن كثير : يرفعها بالنسب الماثل .

(3) مروج الذهب 2 : 50 .

10

الحسن، وقال لها : إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف، وأزوجك يزيد إبني .

فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد، وقال : أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) [شرح ابن أبي الحديد 4 : 4] .

وقال : كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشئ مما أعطاه، قتل حجرا وأصحاب حجر، وبايع لابنه يزيد، وسم الحسن .

شرح ابن أبي الحديد 4 : 7 .

وقال أبو عمر في الاستيعاب 1 : 141 : قال قتادة وأبو بكر بن حفص : سم الحسن بن علي، سمته امرئته بنت الأشعث بن قيس الكندي .

وقالت طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم .

ثم ذكر صدر ما رواه المسعودي .

وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 121 : قال علماء السير منهم : ابن عبد البر سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي .

وقال السدي : دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك .

فسمته فلما مات أرسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال : أنا والله ما أرضاك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا ؟ وقال الشعبي : إنما دس إليها معاوية فقال : سمي الحسن وأزوجك يزيد وأعطيك مائة ألف درهم، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب إنجاز الوعد، فبعث إليها بالمال وقال : إني أحب يزيد، وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوجتك إياه .

وقال الشعبي : ومصداق هذا القول : إن الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية : لقد عملت شربته وبلغت أمنيته، والله لا يفي بما وعد، ولا يصدق فيما يقول .

ثم حكى عن طبقات ابن سعد : إن معاوية سمه مرارا كما مر .

وقال ابن عساكر في تاريخه 4 : 229 يقال : : إنه سقي السم مرارا كثيرا فأفلت منه ثم سقي المرة الأخيرة فلم يفلت منها .

ويقال : إن معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما فسقاه فأثر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحوا من أربعين مرة .

وروى محمد بن المرزبان : إن جعدة بنت الأشعث بن القيس كانت متزوجة بالحسن فدس

11

إليها يزيد أن سمي الحسن وأنا أتزوجك ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها : إنا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا ؟ فقال كثير، ويروى إنه للنجاشي :

يا جعـدة ! ابكي ولا تسأمي * بكـاء حـق ليس بالباطل

لـن تستري البيت على مثله * في الناس من حاف ولا ناعل

أعـني الـذي أسلمه أهله * للـزمن المستخرج الماحل

كـان إذا شبـت له ناره * يـرفعها بالنسـب الماثل

كيـما يـراها بائس مرمل * أو وفـد قوم ليس بالآهل

يغـلي بنئ اللحـم حتى إذا * أنـضج لم يغل على آكل

وروى المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال عن أم بكر بنت المسور قالت : سقي الحسن مرارا وفي الآخرة مات فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا .

وفيه عن عبد الله بن الحسن : قد سمعت من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما .

وقال أبو عوانة عن مغيرة عن أم موسى : إن جعدة بنت الأشعث سقت الحسن السم فاشتكى منه أربعين يوما .

وفي (مرئاة العجائب وأحاسن الأخبار الغرائب) (1) قيل : كان سبب موت الحسن ابن علي من سم سم به يقال : إن زوجته جعدة بنت الأسود بن قيس الكندي سقته إياه، ويذكر والله أعلم بحقيقة أمورهم : إن معاوية دس إليها بذلك على أن يوجه لها مائة ألف درهم ويزوجها من ابنه يزيد، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال : إني أحب حياة يزيد .

وذكروا : إن الحسن قال عند موته : لقد حاقت شربته والله لا وفاء لها بما وعد ولا صدق فيما قال .

وفي سمه يقول رجل من الشيعة :

تعـرفكم لـك من سلوة * تفـرج عنك قليل الحزن

بمـوت النبي وقتل الوصي * وقتل الحسين وسم الحسن

وقال الزمخشري في (ربيع الأبرار) في الباب الحادي والثمانين : جعل معاوية

____________

(1) تأليف الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر زين الدين .

12

لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف درهم حتى سمته، ومكث شهرين وإنه يرفع من تحته طستا من دم وكان يقول : سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة، لقد لفظت كبدي .

وفي (حسن السريرة) (1) : لما كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دس معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن علي أن تسقي الحسن السم ويوجه لها مائة ألف ويزوجها من ابنه يزيد .

ففعلت ذلك .

كان معاوية يرى أمر الإمام السبط (عليه السلام)حجر عثرة في سبيل أمنيته الخبيثة بيعة يزيد، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين : عهده إليه (عليه السلام)في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب، وجدارة أبي محمد الزكي ونداء الناس به من ناحية أخرى، فنجى نفسه عن هذه الورطة بسم الإمام (عليه السلام)، ولما بلغه نعيه غدا مستبشرا، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه .

قال ابن قتيبة : لما مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية : إن استطعت أن لا يمضي يوم بي يمر إلا يأتيني فيه خبره فأفعل .

فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله ابن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية : يا ابن عباس هلك الحسن بن علي ؟ فقال ابن عباس : نعم هلك، إنا لله وإنا إليه راجعون .

ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة .

ثم شهق ابن عباس وبكى . الحديث (2) .

____________

(1) ألفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن الطبري ابن بنت محب الدين الطبري مؤلف الرياض النضرة .

(2) الإمامة والسياسة 1 : 144 .

13

وفي العقد الفريد 2 : 298 : لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي خر ساجدا لله، ثم أرسل إلى ابن عباس وكان معه في الشام فعزاه، وهو مستبشر .

وقال له : ابن كم سنة مات أبو محمد ؟ فقال له : سنه كان يسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال : بلغني إنه ترك أطفالا صغارا، قال : كل ما كان صغيرا يكبر، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير، ثم قال : مالي أراك يا معاوية ! مستبشرا بموت الحسن بن علي ؟ فوالله لا ينسأ في أجلك، ولا يسد حفرتك، وما أقل بقائك وبقائنا بعده ؟ وذكره الراغب في المحاضرات 2 : 224 .

وفي حياة الحيوان 1 : 58، وتاريخ الخميس 2 : 294، وفي ط : 328 : قال ابن خلكان : لما مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية : أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية : أقر الله عينك، ما الذي كبرت لأجله ؟ فقال : مات الحسن .

فقالت : أعلى موت ابن فاطمة تكبر ؟ فقال : ما كبرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي (1) .

ودخل عليه ابن عباس فقال : يا ابن عباس ! هل تدري ما حدث في أهل بيتك ؟ قال : لا أدري ما حدث إلا أني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك، فقال : مات الحسن . فقال ابن عباس : رحم الله أبا محمد .

ثلاثا، والله يا معاوية ! لا تسد حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنا أصبنا بالحسن فلقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فجبر الله تلك الصدعة وسكن تلك العبرة، وكان الخلف علينا من بعده . ا ه .

وكان ابن هند جذلانا مستبشرا بموت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)قبل ولده الطاهر السبط، فبلغ الحسن (عليه السلام)وكتب إليه فيما كتب : قد بلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * : تجهز لأخـرى مثلها فكأن قد

____________

(1) إلى هاهنا ذكره الزمخشري أيضا في (ربيع الأبرار) في الباب الحادي والثمانين، و البدخشي في (نزل الأبرار) .

14

وإنا ومن قـد مات منا لكالذي * يروح فيمسي في المبيت ليقتدي

ولإرضاء معاوية منع ذلك الإمام الزكي عن أن يقوم ؟ أخوه الحسين السبط بإنجاز وصيته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له، وهو أولى إنسان بالدفن فيها، قال ابن كثير في تاريخه 8 : 44 : فأبى مروان أن يدعه، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية .

وقال ابن عساكر 4 : 226 قال (مروان) : ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله، قد دفن عثمان بالبقيع، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات .

قد قتـلت القرم من ساداتهم * وعـدلنا ميـل بدر فاعتدل

ليـت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

لعـبت هـاشم بالملك فلا * خـبر جـاء ولا وحي نزل

وإنه بضعة الزهراء فاطمة الصديقة حبيبة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ومنها نسله الذين ملأوا الدنيا أوضاحا وغررا من الحسب الوضاء، والشرف الباذخ، والدين الحنيف، كل ذلك ورغبات معاوية على الضد منها، وما تغنيه الآيات والنذر .

وفي الذكر الحكيم : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق

15

، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . الأعراف : 146 .

16

معاوية وشيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)

لم يبرح معاوية مستصغرا كل كبيرة في توطيد سلطانه، مستسهلا دونه كل صعب، فكان من الهين عنده في ذلك كل بائقة، ومن ذلك دؤبه على سفك دماء الشيعة - شيعة الإمام الطاهر - في أقطار حكومته، وفي جميع مناطق نفوذه، واستباحة أموالهم وأعراضهم، وقطع أصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم، ولم يستثن النساء، وهم المعنيون بثناء صاحب الرسالة (صلى اللّٰه عليه و آله) عليهم السابقة أحاديثه في الجزء الثالث ص 78 ط 2 .

وهب أن هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوة، أو أن روايته لم تبلغ ابن آكلة الأكباد، فهل هم خارجون عن ربقة الاسلام المحرم للنفوس والأموال والحرمات بكتابه وسنة نبيه ؟ وهل اقترفوا إثما لا يغفر أو عثروا عثرة لا تقال غير ولا يتهم لإمام أجمع المسلمون على خلافته وحث النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمته على اتباعه وولاءه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته ؟ أو أن ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كل تلكم الأحكام الواردة في الكتاب والسنة ؟ أو إنه لا يتحوب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدماء ولوغا ؟ ! .

بعث بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي، وبعث معه جيشا آخر، وتوجه برجل من عامر ضم إليه جيشا آخر، ووجه الضحاك بن قيس الفهري في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفوا أيدهم عن النساء والصبيان .

فمر بسر لذلك على وجهه حتى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناسا من أصحاب علي (عليه السلام)وأهل هواه، وهدم بها دورا، ومضى إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه، وأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان الحارثي وابنه، وكانا من

17

أصهار بني العباس عامل علي (عليه السلام)، ثم أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس عامل علي بن أبي طالب وكان غائبا، وقيل : بل هرب لما بلغه خبر بسر فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيين فأخذهما بسر لعنه الله (1) وذبحهما بيده بمدية كانت معه، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية .

وفعل مثل ذلك سائر من بعث به، فقصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسان البكري وقتل رجالا ونساء من الشيعة قال أبو صادقة (2) أغارت خيل لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملا لعلي (عليه السلام)يقال له : حسان بن حسان، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) فخرج حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال : إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وريب بالصغار، وسيم الخسف، وقد قلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فإنه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا .

فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، هذا أخو عامر قد جاء الأنبار فقتل عاملها حسان بن حسان وقتل رجالا كثيرا ونساء، والله بلغني إنه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرءا مسلما مات دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما بل كان به جديرا . الحديث .

أصاب أم حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله وله على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلا إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات :

يا من أحس بابـني اللذين همـا * كـالدرتين تشظى عنهما الصدف

يا من أحس بابنـي اللـذين هما * سمعـي وقلبي فقلبي اليوم مردهف

يا مـن أحـس بابني اللذين هما * مخ العـظام فمخي اليوم مختطف

____________

(1) كذا جاء في غير موضع من لفظ الحديث .

(2) أخرجه أبو الفرج مسندا حذفنا إسناده روما للاختصار .

18

نبئـت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الإفك الذي اقترفو

أنحى عـلى ودجـي ابني مرهفة * مشحـوذة وكذاك الإفـك يقترف

حتـى لقيت رجـالا من أرومته * شـم الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن ألعـن بسرا حـق لعـنته * هـذا لعـمر أبي بسر هو السرف

مـن دل والهة حـرى مـولهة * عـلى صبيين ضلا إذ غدا السلف

قالوا : ولما بلغ علي بن أبي طالب (عليه السلام)قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا، ودعا على بسر لعنه الله فقال : اللهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله .

فأصابه ذلك وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم (1) .

صورة مفصلة :

لقد أشن الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)سنة 39 وفرق جيوشه في أصقاع حكومته (عليه السلام)واختار أناسا ممن لا خلاق لهم لقتل أولئك الأبرياء أينما كانوا وحيثما وجدوا، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر .

ووجه سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره أن يأتي (هيت) فيقطعها ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى (هيت) ثم أتى الأنبار وطمع في أصحاب علي (عليه السلام)لقتلهم فقاتلهم فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية .

ووجه عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري (وكان أشد الناس على علي) في ألف وسبعمائة إلى ثيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع، ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك .

ووجه الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي (عليه السلام)من الأعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس

____________

(1) الأغاني 15 : 44 - 47، تاريخ ابن عساكر 3 : 223، الاستيعاب 1 : 65، النزاع والتخاصم ص 13، تهذيب التهذيب 1 : 435، 436 .

19

وأخذ الأموال، ومضى إلى الثعلبية وقتل وأغار على مسلحة علي، وانتهى إلى القطقطانة، فلما بلغ عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه .

ووجه عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح .

ووجه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع .

ووجه زهير بن مكحول العامري إلى السماوة، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبد الله الأشجعي ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر، فوافوا زهيرا فاقتتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله .

وبعث سنة 40 بسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد فصعد منبرها فنادى عليه : يا دينار ! ويا نجار ! ويا زريق ! (1) شيخي شيخي عهدي به بالأمس فأين هو ؟ يعني عثمان - ثم قال : يا أهل المدينة ! والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته .

فأرسل إلى بني سلمة فقال : والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله .

فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال لها : ماذا ترين ؟ إن هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن اقتل .

قالت : أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبد الله بن زمعة أن يبايعا، فأتاه جابر فبايعه، وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم سار إلى مكة فخاف أبو موسى أن يقتله فهرب، وكتب أبو موسى إلى اليمن : إن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس، تقتل

____________

(1) هذه بطون من الأنصار .

20

من أبى أن يقر بالحكومة .

ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي فأتاه بسر فقلته وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما : عبد الرحمن وقثم، وقال بعض : إنه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلما أراد قتلهما قال له الكناني : لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، قال : أفعل .

فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما .

فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : يا هذا ! قتلت الرجال، فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام، والله يا بن أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرحمة، وعقوق الأرحام، لسلطان سوء، وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة على باليمن وبلغ عليا الخبر .

تاريخ الطبري 6 : 77 - 81، كامل ابن الأثير 3 : 162 - 167، تاريخ ابن عساكر 3 : 222، 459، الاستيعاب 1 : 65، 66، تاريخ ابن كثير 7 : 319 - 322، وفاء الوفاء 1 : 31 .

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب 1 : 65 : كان يحيى بن معين يقول : كان بسر بن أرطاة رجل سوء .

قال أبو عمر : ذلك لأمور عظام ركبها في الاسلام فيما نقل أهل الأخبار وأهل الحديث أيضا منها : ذبحه ابني عبد الله بن العباس وهما صغيران بين يدي أمهما .

وقال الدارقطني : لم تكن له استقامة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العباس .

وقال أبو عمرو الشيباني : لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي رضي الله عنه قام إليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي فقال : يا أمير المؤمنين ! نسألك بالله والرحم أن تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل قيسا بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مكة .

فقال معاوية : يا بسر لا إمرة لك على قيس فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم .

(قال أبو عمرو) : وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر بن أرطاة على همدان

21

وسبى نسائهم، فكن أول مسلمات سبين في الاسلام، وقتل أحياء من بني سعد (ثم أخرج أبو عمرو بإسناده من طريق رجلين عن أبي ذر) : إنه دعا وتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال : فسئلاه مم تعوذت ؟ وفيم دعوت ؟ قال تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه .

فقالا : وما ذاك ؟ فقال : أما يوم البلاء فتلقى فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة فإن نساءا من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه .

فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق .

وفي تاريخ ابن عساكر 3 : 220 - 224 : كان بسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين، وأمره أن يستقرأ من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة وقد ولي البحر لمعاوية .

وقتل باليمن ابني عبيد الله بن العباس .

وقال الدارقطني : إن بسرا كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) (يعني : أنه كان من أهل الردة) .

قال : وروى البخاري في التاريخ : إن معاوية بعث بسرا سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة فبايع ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن عباس وفي رواية الزهري : أن معاوية بعثه سنة تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلغ الناس فأحرق دار زرارة (1) بن خيرون أخي بني عمرو بن عوف بالسوق، ودار رفاعة (2) ابن رافع، ودار عبد الله (3) بن سعد من بني الأشهل، ثم استمر إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن بن عبيد، وعمرو (4) بن أم إدراكة الثقفي، وذلك أن معاوية بعثه

____________

(1) صحابي توجد ترجمته في معاجم الصحابة .

(2) صحابي مترجم له في المعاجم .

(3) صحابي ترجم له أصحاب فهارس الصحابة .

(4) صحابي مذكور في عد الصحابة .

22

على ما حكاه ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة علي بن أبي طالب فأقام في المدينة شهرا فما قيل له في أحد : إن هذا ممن أعان على عثمان إلا قتله، وقتل قوما من بني كعب على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن .

وقتل من همدان بالجرف من كان مع علي بصفين فقتل أكثر من مأتين، وقتل من الأبناء كثيرا وهذا كله بعد قتل علي بن أبي طالب .

قال ابن يونس : كان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه عبد الرحمن وقثم عند رجل من بني كنانة وكانا صغيرين فلما انتهى بسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتد عليهم بسيفه حاسرا وهو يقول :

الليـث من يمنع حافات الدار * ولا يزال مصلتا دون الدار(1)

إلا فتـى أروع غـير غـدار

فقال له بسر : ثكلتك أمك والله ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ فقال : اقتل دون جاري فعسى أعذر عند الله وعند الناس .

فضرب بسيفه حتى قتل، وقدم بسر الغلامين فذبحهما ذبحا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت قائلة منهن : يا هذا هؤلاء الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا إسلام والله إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الرضع الصغيرة والمدره الكبير، وبرفع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء فقال لها بسر : والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف .

فقالت : تالله إنها لأخت التي صنعت، وما أنا بها منك بآمنة .

ثم قالت للنساء اللواتي حولها : ويحكن تفرقن .

وفي الإصابة 3 : 9 : عمرو بن عميس قتله بسر بن أرطاة لما أرسله معاوية للغارة على عمال علي فقتل كثيرا من عماله من أهل الحجاز واليمن .

صورة مفصلة :

كان بسر بن أرطاة (2) قاسي القلب، فظا سفاكا للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة

____________

(1) والصحيح : ولا يزال مصلتا دون الجار .

(2) ويقال ؟ : ابن أبي أرطاة .

23

، فأمره معاوية أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاء لهم، وإنك خيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا .

وفي راوية إبراهيم الثقفي في (الغارات) في حوادث سنة أربعين : بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف وقال : سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس، واخف به من مررت به، وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن له دخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم إنك تريد أنفسهم، وأخبرهم إنه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم، ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد، وأرحب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة، واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند، فإن لنا بها شيعة وقد جاء في كتابهم .

فخرج بسر في ذلك البعث مع جيشه وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها، وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر، فيردون تلك الإبل ويركبون إبل هؤلاء، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة، فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة، وعامل علي (عليه السلام)عليها أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فخرج عنها هاربا ودخل بسر المدينة، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم يومئذ وتوعدهم وقال : شاهت الوجوه إن الله تعالى ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا .

وقد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم أهله كان بلدكم مهاجر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده، فلم تشكروا نعمة ربكم ولم ترعوا حق نبيكم، وقتل خليفة الله بين أظهركم، فكنتم بين قاتل وخاذل ومتربص وشامت، إن كانت للمؤمنين قلتم : ألم نكن معكم ؟ وإن كان للكافرين نصيب، قلتم : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ؟ ثم شتم الأنصار، فقال : يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبد الأشهل ! أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لأدعنكم

24

أحاديث كالأمم السالفة، فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم، ففزعوا إلى حويطب بن عبد العزى، ويقال : إنه زوج أمه فصعد إليه المنبر فناشده وقال : عترتك وأنصار رسول الله وليست بقتلة عثمان، فلم يزل به حتى سكن ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ونزل فأحرق دورا كثيرة منها : دار زرارة بن حرون أحد بني عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الزرقي، ودار أبي أيوب الأنصاري، وفقد جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال : مالي لا أرى جابرا يا بني سلمة ؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر .

فعاذ جابر بأم سلمة رضي الله عنها، فأرسلت إلى بسر بن أرطاة فقال : لا أو منه حتى يبايع فقالت له أم سلمة : اذهب فبايع، وقالت لابنها عمر : اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه .

وروى من طريق وهب بن كيسان قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : لما خفت بسرا وتواريت عنه قال لقومي : لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني وقالوا : ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك فإنك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا وسبيت ذرارينا، فاستنظرتهم الليل فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر فقالت : يا بني انطلق فبايع احقن دمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع، وإني لأعلم إنها بيعة ضلالة .

قال إبراهيم : فأقام بسر بالمدينة أياما ثم قال لهم : إني قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل، ما قوم قتل إمامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا إني لأرجو أن لا تنالكم رحمة الله عز وجل في الآخرة، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم وخلافه .

ثم خرج إلى مكة .

وروى الوليد بن هشام قال : أقبل بسر فدخل المدينة فصعد منبر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال : يا أهل المدينة خضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوبا، والله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته .

ثم قال لأصحابه : خذوا بأبواب المسجد وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد الله بن الزبير وأبو قيس أحد بني عامر بن لوي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج إلى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس وكان عامل علي (عليه السلام)

25

ودخلها بسر فشتم أهل مكة وأنبهم ثم خرج عنها واستعمل عليها شيبة بن عثمان .

وروى عوانة عن الكلبي : إن بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا، وأخذ أموالا، وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها، وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال : أما والله لو تركت ورأيي فيكم لتركتكم وما فيها روح تمشي على الأرض . فقالوا : ننشدك الله في أهلك وعترتك .

فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال : الحمد لله الذي أعز دعوتنا، وجمع ألفتنا، وأذل عدونا بالقتل والتشريد، هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك وضيق قد ابتلاه الله بخطيئته، وأسلمه بجريرته، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه، وولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان، فبايعوا، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا .

فبايعوا وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أياما ثم خطبهم فقال : يا أهل مكة ! إني قد صفحت عنكم فإياكم والخلاف، فوالله إن فعلتم لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل، وتحرب المال، وتخرب الديار، ثم خرج إلى الطائف .

26

فكفوا وقام به بعيره، فنزل عنه وجاء على رجليه يشد فدفع الكتاب إليهم فأطلقوا، وكان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانكسر السيف أخاه .

قال إبراهيم : وروى علي بن مجاهد عن ابن إسحاق : إن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوه وهربوا، فخرج ابنا عبيد الله بن العباس وهما : سليمان .

وداود .

وأمهما حورية ابنة خالد بن فارط الكنانية وتكنى أم حكيم، وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي، وميمون هذا أخو العلاء بن الحضرمي، وهجم عليهما بسر فأخذهما وذبحهما فقالت أمهما :

هـا مـن أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف (1)

وقد روي أن اسمهما : قثم وعبد الرحمن، وروي : إنهما ضلا في أخوالهما من بني كنانة، وروي : إن بسرا إنما قتلهما باليمن وإنهما ذبحا على درج صنعاء وروى عبد الملك بن نوفل عن أبيه : إن بسرا لما دخل الطائف وقد كلمه المغيرة قال له : لقد صدقتني ونصحتني فبات بها وخرج منها وشيعه المغيرة ساعة ثم ودعه وانصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس وأمهما فلما انتهى بسر إليهم طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة، وكان أبوهما أوصاه بهما، فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بسر : ثكلتك أمك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ قال : اقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس .

ثم شد على أصحاب بسر بالسيف حاسرا وهو يرتجز :

آليـت لا يمنع حافات الدار * ولا يموت مصلتا دون الجار

إلا فـتى أروع غـير غدار

فضارب بسيفه حتى قتل، ثم قدم الغلامان فقتلا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الرضع الضعيف، والشيخ الكبير ورفع الرحمة، وقطع الأرحام، لسلطان سوء، فقال بسر : والله لهممت أن أضع فيكن

____________

(1) إلى آخر الأبيات التي مرت في صفحة 17، 18 .

27

السيف، قالت : والله إنه لأحب إلي إن فعلت .

قال إبراهيم : وخرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان وابنه مالكا وكان عبد الله هذا صهرا لعبيد الله بن العباس ثم جمعهم وقام فيهم، وقال : يا أهل نجران ! يا معشر النصارى وإخوان القرود ! أما والله إن بلغني عنكم ما أكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل، وتهلك الحرث، وتخرب الديار، وتهددهم طويلا ثم سار حتى دخل أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيع ويقال : إنه سيد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله، وأتى صنعاء قد خرج عنها عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران، وقد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن أراكة الثقفي، فمنع بسرا من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوما، وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد ورجع إلى قومه فقال لهم : أنعي قتلانا، شيوخا وشبانا .

قال إبراهيم : وهذه الأبيات المشهورة لعبد بن أراكة الثقفي يرثي بها ابنه عمرا :

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارسا * بصنعـاء كالليث الهزبر أبي الأجر

تعـز فـإن كـان البكا رد هالكا * عـلى أحد فاجهد بكاك على عمرو

ولا تـبك ميتا بعـد ميـت أحبة * عـلي وعـباس وآل أبـي بكر

قال : ثم خرج بسر من صنعاء فأتى أهل حبسان وهم شيعة لعلي (عليه السلام)فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأن ابني عبيد الله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا، وحرق قوما بالنار، فقال يزيد بن مفرغ :

تعلق من أسمـاء ما قـد تعلقا * ومثل الذي لاقـى من الشوق أرق

سقى منفـخ الأكناف منبعج الكلى * منـازلها مـن مشرقات فشرق

إلى الشرف الأعلى إلى رامهرمز * إلى قـربات الشـيخ من نهر اربق

إلى دست مـارين إلى الشط كله * إلى مجمع السلان من بطن دورق

إلى حيـث يرقى من دجيل سفينه * إلى مجـمع النهـرين حيث تفرق

28

إلى حيث سار المرء بسر بجـيشه * فقـتل بسـر مـا استطاع وحرق

قال : ودعا علي (عليه السلام)على بسر فقال : أللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا، وانتهك محارمك، وكانت طاعة مخلوق فاجر، آثر عنده مما عندك، أللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله، ولا توجب له رحمتك، ولا ساعة من نهار، أللهم العن بسرا وعمرا ومعاوية، وليحل عليهم غضبك، ولتنزل بهم نقمتك، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا ترده عن القوم المجرمين .

فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيرا حتى وسوس وذهب عقله، فكان يهذي بالسيف ويقول : اعطوني سيفا أقتل به .

لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات (1) .

وفي شرح ابن أبي الحديد 3 : 15 : روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي (عليه السلام)فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي (عليه السلام)فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : أن لا يجيروا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة .

وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد

____________

(1) شرح أبي الحديد 1 : 116 - 121 .

29

مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا، ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جائكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله .

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا إلى من أقامت عليه البينة إنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطائه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره .

فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي (عليه السلام)ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر إلخ .

استخلف زياد على البصرة سمرة بن جندب لما كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة، وسمرة من الذين أسرفوا في القتل على علم من معاوية بل بأمر منه، أخرج الطبري من طريق محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين : هل كان سمرة قتل أحدا ؟ قال : وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له معاوية : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا ؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت، أو كما قال .

قال أبو سوار العدوي : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن .

وروى بإسناده عن عوف قال : أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال : ما هذا ؟

30

قيل : أصابته أوائل خيل الأمير .

قال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا (1) .

أعطى معاوية سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأن قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد إنها نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وإن قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله .

نزل في ابن ملجم أشقى مراد (2) .

وأخرج الطبري من طريق عمر بن شبه قال : مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا .

قال عمر : وبلغني عن جعفر الضبعي قال : أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة : لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا .

وروى من طريق سليمان بن مسلم العجلي قال : سمعت أبي يقول : مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلي في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية، فمر أبو بكرة فقال : يقول الله سبحانه : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى .

قال أبي : فشهدت ذلك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة .

قال : وشهدته وأتي بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل : ما دينك ؟ فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإني بري من الحرورية .

فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون . تاريخ الطبري 6 : 164 .

وفي مقدم عمال معاوية الحاملين عداء سيد العترة، المهاجمين على شيعة آل الله بكل قوى متيسرة زياد بن سمية، ومن الزائد جدا بحثنا عن جرائمه الوبيلة التي حفظها له التاريخ، واسودت بها صفحات تاريخه، ولا بدع وهو وليد البغاء من الأدعياء المشهورين، ربيب حجر سمية البغي، والاناء إنما يترشح بما فيه، والشوك

____________

(1) تاريخ الطبري 6 : 132 .

(2) شرح ابن أبي الحديدا : 361 .

31

لا يثمر العنب، وقد صدق النبي الكريم في قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في السبطين ووالديهما : لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردي المولد .

وكان السلف يبور أولادهم بحب علي (عليه السلام)فمن كان لا يحبه علموا أنه لغير رشدة (1) .

فلا تعجب من الدعي ومن كتابه القارص إلى الإمام السبط الحسن الزكي (عليه السلام)قد شفع إليه في رجل من شيعته .

قال ابن عساكر : كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه وطلبه زياد فأتي الحسن بن علي فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته وحبسهم وأخذ ماله وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد : من الحسن بن علي إلى زياد .

أما بعد : فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، فإني قد أجرته فشفعني فيه .

فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة : أما بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة كتبت إلي في فاسق لا يؤبه به، وشر من ذلك توليه أباك وإياك، وقد علمت أنك أدنيته إقامة منك على سوء الرأي ورضي منك بذلك، وأيم الله لا تسبقني به، ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك، فإن أحب لحم إلي أن آكل منه اللحم الذي أنت منه، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق، والسلام (2)، ولما بلغ موته ابن عمر قال : يا ابن سمية ! لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك .

كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي (عليه السلام)- وفي لفظ البيهقي : يحرضهم على البرائة من علي (كرم الله وجهه)، فملأ منهم المسجد و

____________

(1) مرت تلكم الأحاديث وستأتي في مسند المناقب ومرسلها .

(2) تاريخ ابن عساكر 5 : 418، شرح ابن الحديد 4 : 7، 72 .

32

الرحبة - فمن أبي ذلك عرضه على السيف .

وعن المنتظم لابن الجوزي : إن زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهم أن يخرب دورهم، ويحمر نخلهم، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البرائة من علي (عليه السلام)وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم .

فذكر عبد الرحمن بن السائب قال : أحضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار، فرأيت شيئا في منامي وأنا جالس في الجماعة وقد خفقت، وهو إني رأيت شيئا طويلا قد أقبل فقلت : ما هذا ؟ فقال : أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فانتبهت فزعا فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال : انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء، وفي ذلك يقول عبد الله بن السائب :

ما كـان منتهـيا عـما أراد بنا * حـتى تأتـى له النقاد ذو الرقبة

فاسقـط الشـق منه ضربة ثبتت * لما تناول ظلما صاحب الرحبة (1)

قال الأميني : هلم معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوة بالمخازي وشية العار، المملوة بالموبقات والبوائق، فننظر هل في الشريعة البيضاء، أو في نواميس البشرية، أو في طقوس العدل مساغ لشئ منها ؟ دع ذلك كله هل تجد في عادات الجاهلية مبررا لشئ من تلكم الهمجية ؟ وهل فعل أولئك الأشقياء الأشداء في أيامهم المظلمة فعلا يربو مخاريق ابن هند ؟ لا .

وإنك لا تسمع عن أحد ممن يحمل عاطفة إنسانية ولا أقول ممن يعتنق الدين الحنيف فحسب يستبيح شيئا من ذلك، أو يحبذ مخزاتا من تلكم المخازي، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود . الآية؟(2) . فهل ترى ابن أبي سفيان خارجا عنهم ؟ فليس هو من رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ولا ممن معه، ولا رحيما بهم، أو أن من ناواه وعاداه وسبه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الاسلام ؟

____________

(1) مروج الذهب 2 : 69، المحاسن والمساوي للبيهقي 1 : 39، قال المسعودي والبيهقي : صاحب الرحبة هو علي بن أبي طالب، شرح ابن أبي الحديد 1 : 286 نقلا عن ابن الجوزي .

(2) سورة الفتح 29 .

33

فهو شديد عليهم وهم خيرة أمة محمد المسلمة، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا .

فالحكم للنصفة لا غيرها .

كأن هاهنا نسيت ثارات عثمان وعادت تبعة أولئك المضطهدين محض ولاء علي أمير المؤمنين (عليه السلام)وقد قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله، وحبهم لمن يحبه الله ورسوله، وطاعتهم لمن فرض الله طاعته، وودهم من جعل الله وده أجر الرسالة .

فلم يقصد معاوية وعماله أحدا بسوء إلا هؤلاء، فطفق يرتكب منهم ما لا يرتكب إلا من أهل الردة والمحادة لله ولرسوله .

فكان الطريد اللعين ابن الطريد اللعين مروان، وأزني ثقيف مغيرة بن شعبة، وأغيلمة قريش الفسقة في أمن ودعة، وكان يولي لأعماله الزعانفة الفجرة أعداء أهل بيت الوحي : بسر بن أرطاة، ومروان بن الحكم، ومغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبد الله الفزاري، وسفيان بن عوف، والنعمان بن بشير، والضحاك بن قيس، وسمرة بن جندب، ونظرائهم، يستعملهم على عباد الله وهو يعرفهم حق المعرفة ولا يبالي بقول رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) : من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين (1) .

____________

(1) مجمع الزوائد 5 : 211 .

(2) صحيح البخاري : باب لا يحل القتال بمكة 3 : 168، صحيح مسلم 4 : 109 .

34

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقولوا له : إن الله أذن لرسوله (صلى الله عليه وسلم) ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب (1) .

وأمر ابن هند بالاستحواذ على مدينة الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) وإخافة أهلها والوقيعة فيهم واستقراء من يوجد فيها من شيعة علي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وللمدينة المنورة في الاسلام حرمتها الثابتة، ولنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) فيها قوله الصادق : المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا (2) أو آوى حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل (3) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء (4) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء (5) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : أللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف (6) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : من أراد أهل هذه البلدة بسوء (يعني المدينة) أذابه الله كم

____________

(1) صحيح البخاري : باب لا يعضد شجر الحرم 3 : 167 .

(2) قال القاضي عياض : معنى قوله : من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا .. الخ . من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه .

(3) صحيح البخاري 3 : 179، صحيح مسلم 4 : 114، 115، 116، مسند أحمد 1 : 81، 126، 151، ج 2 : 450، سنن البيهقي 5 : 196، سنن أبي داود 1 : 318 .

(4) صحيح البخاري 3 : 181 .

(5) صحيح مسلم 4 : 113 .

(6) صحيح مسلم 4 : 117، سنن أبي داود 1 : 318، واللفظ لمسلم .

35

يذوب الملح في الماء . وفي لفظ سعد : من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله .. الخ (1) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (2) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : أيما جبار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء .

وفي لفظ : من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء (3) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيما أخرجه الطبراني برجال الصحيح : أللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل (4) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، وغضب عليه، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا (5) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيما أخرجه النسائي : من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله (6) .

وفي لفظ ابن النجار : من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي .

أخرجه أحمد في مسنده 3 : 354 بالإسناد عن جابر بن عبد الله : إن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر : لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال : تعس من أخاف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال ابناه أو أحدهما : يا أبت ! وكيف أخاف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد مات ؟ قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول : من أخاف . الحديث .

____________

(1) صحيح مسلم 4 : 121، 122 .

(2) صحيح البخاري 3 : 178، سنن البيهقي 5 : 197 .

(3) وفاء الوفاء للسمهودي 1 : 31 .

(4) وفاء الوفاء 1 : 31 وصححه .

(5) وفاء الوفاء 1 : 31، فيض القدير 6 : 40 .

(6) وفاء الوفاء 1 : 31 .

36

قلت : الأمير المشار إليه هو بسر بن أرطاة كما في وفاء الوفاء للسمهودي 1 : 31 وصحح الحديث .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيما أخرجه الطبراني في الكبير : من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل . وفاء الوفاء 1 : 32 .

نعم : إن بسرا لم يلو إلى شيئ من ذلك وإنما أوتمر بما سول له معاوية من هتك الحرمات بقتل الرجال، وسبي النساء، وذبح الأطفال، وهدم الديار، وشتم الأعراض، وما رعي لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا ولا ذمة في مجاوري حرم أمنه، وساكني حماه المنيع فخفر ذمته كما هتك حرمته، واستخف بجواره، وآذاه بإباحة حرمه حرم الله تعالى، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (1) وإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة (2) فيالها من جرأة تقحم صاحبها في المحادة لله ولرسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) ودينه القويم .

كما أن يزيد كان يحذو حذو أبيه في جرائمه الوبيلة وشن الغارة على أهل المدينة المشرفة، وبعث مسلم بن عقبة الهاتك الفاتك إلى هتك ذلك الجوار المقدس بوصية من والده الآثم قال السمهودي في وفاء الوفاء 1 : 91 .

وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بنت أسماء : سمعت أشياخ المدينة يتحدثون : إن معاوية رضي الله عنه لما احتضر دعا يزيد فقال له : إن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته .

فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه و دعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة .. الخ .

وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف 5 : 43 بلفظ أبسط من لفظ السمهودي .

____________

(1) سورة التوبة : 61 .

(2) سورة الأحزاب : 57 .

37

معاوية وحجر بن عدي وأصحابه

إن معاوية استعمل مغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أمره عليها دعاه وقال له : أما بعد : فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا . وقد قال المتلمس :

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما عـلم الانسان إلا ليعـلم

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح رعيتي، ولست تارك إيصاءك بخصلة : لا تقهم عن شتم علي وذمه .

والترحم على عثمان والاستغفار له، و العيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان (رضوان الله عليه) والإدناء لهم، والاستماع منهم .

فقال المغيرة : قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم .

ثم قال : بل نحمد إن شاء الله .

فأقام المغيرة عاملا على الكوفة سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال : بل إياكم فذم الله ولعن ثم قام وقال : إن الله عز وجل يقول : كونوا قوامين بالقسط شهداء الله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم .

فيقول له المغيرة : يا حجر ! لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ! ويحك اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته .

اللهم ارحم عثمان بن عفان، وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله، فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك (صلى الله عليه وسلم)، وجمع كلمتنا، وحقن دمائنا، وقتل مظلوما (1)، اللهم فارحم أنصاره وأوليائه ومحبيه والطالبين

____________

(1) هذه كلها تخالف ما هو الثابت المعلوم من سيرة عثمان كما فصلنا القول فيها في الجزء الثامن والتاسع .

38

بدمه .

ونال من علي بن أبي طالب (عليه السلام)ولعنه ولعن شيعته، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه وقال : إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان ! مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين .

فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون : صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئا .

وأكثروا في مثل هذا القول، فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا : علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة و يجتري عليك في سلطانك هذه الجرأة ؟ فيوهن سلطانك، ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية، وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فقال لهم المغيرة : إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة، إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا أحب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك و أشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة .

ثم هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد (ابن سمية) فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ووجه إلى حجر فجاءه، وكان له قبل ذلك صديقا فقال له : قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومؤدة، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان : حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك، وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد .

فقال حجر : لن يرى الأمير مني إلا ما يحب وقد نصح وأنا قابل نصيحته .

ثم خرج من عنده .

39

ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط : اذهب فأتني بحجر فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه : لا يأتيه ولا كرامة فسبوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فقال : يا أشراف أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون بأخرى ؟ أبدانكم عندي وأهواءكم مع هذا الهجاجة المذبوب (2) .

وفي الكامل : أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق .

و الله ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم .

فقالوا : معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك .

قال : فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه، وقال زياد لصاحب شرطته : انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به .

فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم فقال أبو العمرطة الكندي لحجر : إنه ليس معك رجل معه سيف غيري فما يغني سيفي ؟ قم فألحق بأهلك يمنعك قومك .

فقام وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر وغشيهم أصحاب زياد فضرب رجل من

____________

(1) تاريخ ابن عساكره : 421 .

(2) في لفظ الطبري : الهجهاجة الأحمق المذبوب .

40

الحمراء يقال له : بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وحمله رجلان من الأزد وأتيا به دار رجل يقال له : عبيد الله بن موعد الأزدي، وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه، وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة .

وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت : من تطلبون ؟ فقالوا : حجر بن عدي .

فقالت : هو في النخع .

فخرج حجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له : والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا .

فاستمهله فأمهله ثلاثا واحضر قيس بن يزيد أسيرا فقال له زياد : لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وإنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكني ائتني بأخيك عمير .

فاستأمن له منه على ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقال قيس بن يزيد لزياد : ألم تؤمنه ؟ قال : بلى قد أمنته على دمه ولست أهريق له دما، ثم ضمنه وخلى سبيله .

41

مكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد فلما رآه قال : مرحبا بك أبا عبد الرحمن ! حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس .

على أهلها تجنى براقش .

فقال حجر : ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة وإني لعلى بيعتي .

فقال : هيهات هيهات يا حجر ! أتشج بيد وتأسو بأخرى ؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى ؟ كلا والله لأحرصن على قطع خيط رقبتك .

فقال : ألم تؤمني حتى أتى معاوية فيرى في رأيه ؟ قال : بلى، إنطلقوا به إلى السجن، فلما مضى به قال : أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه .

فأخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال، وزياد ماله غير الطلب لرؤس أصحاب حجر .

عمرو بن الحمق

خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق يقال له : عبيد الله بن أبي بلتعة خبرهما فسار إليهما في الخيل فخرجا إليه، فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده امتناع .

وأما رفاعة فكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو : أقاتل عنك ؟ قال : وما ينفعني أن تقتل ؟ ! أنج بنفسك .

فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فلم يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت ؟ فقال : من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر عليكم .

فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي فلما رأى عمرا عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية : إنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فأطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان .

فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهن أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الاسلام .

42

قال الأميني : هذا الصحابي العظيم (عمرو بن الحمق) الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة (1) محكوم عليه عند القوم وغيرهم بالعدالة وكون أقواله وأفعاله حجة لولا أن عدالة الصحابة تمطط إلى أناس معلومين بالخلاعة والمجون كمغيرة بن شعبة، والحكم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن أبي سرح، وزياد بن أبيه، وأغيلمة قريش من الشباب الزائف ممن جرت المخازي إليهم الويلات، وتتقلص عن آخرين أنهكتهم العبادة، وحنكتهم الشريعة، وأبلتهم الطاعة كعمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وزيد وصعصعة ابني صوحان، ولداتهم .

هل لمعاوية أن يثبت إن هلاك عثمان كان بطعنات عمرو ؟ وهؤلاء المؤرخون ينصون على أن المجهز عليه هو كنانة بن بشر التجيبي، وقد جاء في شعر الوليد بن عقبة :

ألا إن خـير الناس بعـد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وقال هو أو غيره :

عـلاه بالعـمود أخـو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا (3)

____________

(1) كذا وصفه الإمام السبط الحسين (عليه السلام)فيما مر من كتاب له إلى معاوية .

(2) راجع الجزء التاسع ص 150 - 153 .

(3) الأنساب للبلاذري 5 : 98، تاريخ الطبري 5 : 132 .

43

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 106 بإسناده عن كنانة العدوي قال : كنت فيمن حاصر عثمان قال : قلت : محمد بن أبي بكر قتله ؟ قال : لا، قتله جبلة بن الايهم رجل من أهل مصر .

قال : وقيل : قتله كبيرة السكوني فقتل في الوقت .

وقيل : قتله كنانة بن بشر التجيبي، ولعلهم اشتركوا في قتله لعنهم الله، وقال الوليد بن عقبة :

ألا إن خـير الناس بعـد نبيهم * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وفي الاستيعاب 2 : 477، 478 : كان أول من دخل الدار عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال : دعها يا بن أخي والله لقد كان أبوك يكرمها .

فاستحى وخرج، ثم دخل رومان به سرحان رجل أزرق قصير محدود عداده في مراد وهو من ذي أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال : على أي دين أنت يا نعثل ؟ ! فقال عثمان : لست بنعثل ولكني عثمان ابن عفان وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين قال : كذبت وضربه على صدغه الأيسر فقتله فخر .

وقال : اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل : محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص .

وقيل بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره، وكان الذي قتله سودان بن حمران وقيل : بل ولي قتله رومان اليمامي .

وقيل : بل رومان رجل من بني أسد بن خزيمة .

وقيل : بل إن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها وقال : ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له : يا ابن أخي ! أرسل لحيتي فوالله إنك لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني . فيقال : إنه حينئذ تركه وخرج عنه . ويقال : إنه حينئذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه . والله أعلم .

وأخرج أيضا ما رويناه عن المستدرك بلفظ : فقال محمد بن طلحة فقلت لكنانة : هل ندى محمد بن أبي بكر بشئ من دمه ؟ قال : معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان : يا ابن أخي لست بصاحبي وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشئ من دمه .

قال : فقلت لكنانة : من قتله ؟ قال : قتله رجل من أهل مصر يقال له : جبلة بن الايهم ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول : أنا قاتل نعثل .

44

وذكر المحب الطبري في رياضه 2 : 130 ما أخرجه أبو عمر في (الاستيعاب) من استحياء محمد بن أبي بكر وخروجه من الدار ودخول رومان بن سرحان وقتله عثمان . فقال : وقيل : قتله جبلة بن الايهم . وقيل : الأسود التجيبي وقيل : يسار بن غلياض .

وأخرج ابن عساكر في حديث ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 175 : وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى بأبي رومان .

وقال قتادة : اسمه رومان .

وقال غيره : كان أزرق أشقر .

وقيل : كان إسمه سودان بن رومان المرادي .

وعن ابن عمر قال : كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا .. إلخ .

وقال ابن كثير في تاريخه 7 : 198 : أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصح (1) عن أحد من الصحابة إنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله لكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم .

ثم أي مبرر لابن هند في أمره بإتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به ؟ وهل في الشريعة تعبد بأن يفعل بالمقتص منه مثل ما فعله بمن يقتص له ؟ أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل ؟ ولعل عند فقيه بني أمية مسوغا لا نعرفه أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد، وهو أول رأس مطاف به في الاسلام (2) .

قال النسابة أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب [المحبر] ص 490 : ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيا ودير به في السوق . وكان عبد الرحمن بن أم الحكم أخذه بالجزيرة .

وقال ابن كثير : فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقي في حجرها .

فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت : غيبتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلي قتيلا، فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية .

____________

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع فتعرف الصحيح من السقيم وتقف على جلية الحال في القضية .

(2) معارف ابن قتيبة 127، الاستيعاب 2 : 404، الإصابة 2 : 533 وقال : ذكره ابن حبان بسند جيد، تاريخ ابن كثير 8 : 48

45

نعم : هذه الأفاعيل إلى أمثالها من نماذج فقه أمه آكلة الأكباد الذي سوغ لها ما فعلت بعم النبي الأعظم سيد الشهداء حمزة (سلام الله عليه)، واقتص أثر أبيه يزيد بن معاوية فيما ارتكبه من سيد شباب أهل الجنة الحسين السبط (صلوات الله عليه)، فقتله و آله وصحبه الأكرمين أشنع قتلة وطيف برؤوسهم الكريمة في الأمصار على سمر القنا فأعقبهما خزاية لا يغسلها مر الدهور، وشية قورن ذكرها بالخلود .

على إنه لو كان هناك قصاص فهو لأولياء الدم وهم ولد عثمان، وإن لم يكن هناك ولي أو إنه عجز عن تنفيذ الحكم فيقوم به خليفة الوقت فإنه ولي الدم وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو يومئذ وقبله مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام)فهو موكول إليه، وكان عمرو ابن الحمق في كنفه يراه ويبصر موقفه وخضوعه له، فلو كان عليه قصاص أجراه عليه و هو الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، وساوى عدله القريب والبعيد، وكانت يده مبسوطة عند ذاك، وعمرو أخضع له من الظل لديه، ومعاوية عندئذ أحد أفراد الأمة - إن صدق إنه أحد أفرادها - لا يحويه عير ولا نفير، ولا يناط به حكم من أحكام الشريعة، غير أنه قحمه في الورطات حب الوقيعة في محبي علي أمير المؤمنين (عليه السلام)والله من ورائه حسيب .

صيفي بن فسيل

وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له : إن امرءا منا يقال له : صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليه فبعث إليه فأتي به فقال له زياد : يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ فقال : ما أعرف أبا تراب .

قال : ما أعرفك به ؟ أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : بلى .

قال : فذلك أبو تراب .

قال : كلا ذاك أبو الحسن والحسين .

فقال له صاحب الشرطة : أيقول لك الامير : هو أبو تراب، وتقول أنت : لا ؟ قال : أفإن كذب الأمير أردت أن أكذب، وأشهد له بالباطل كما شهد ؟ قال له زياد : وهذا أيضا مع ذنبك، علي بالعصا فأتي بها فقال : ما قولك في علي ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد الله أقوله في أمير المؤمنين .

قال : إضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض .

فضرب حتى لصق بالأرض ثم قال : أقلعوا عنه، إيه ما قولك في علي ؟ ! قال : والله لو شرحتني

46

بالمواسي والمدي ما قلت إلا ما سمعت مني . قال : لتلعننه أو لأضربن عنقك . قال : إذا والله تضربها قبل ذلك، فأسعد وتشقى . قال : ادفعوا في رقبته . ثم قال : أوقروه حديدا واطرحوه في السجن، ثم قتل مع من قتل من حجر وأصحابه .

قال الأميني : ما أكبرها من جناية على رجل يقول : ربي الله ويدين بالرسالة ويوالي إمام الحق، وليس عليه ما يجلب التنكيل به كما فعله ابن سمية بإيعاز من ابن آكلة الأكباد إلا الخضوع لولاية أمر الكتاب بها والرضوخ لها، وقد أكدته السنة في نصوصها المتواترة .

وهل الامتناع عن لعن من أمر الله باتباعه وطهره وقدسه يسوغ الضرب والحبس والقتل ؟ أنا لا أدري .

وإن ابن الزانية ومن ركزه على ولاية الأمصار لعليمان بما ارتئاه، لكن احتدام بغضهما لصاحب الولاية الكبرى حداهما إلى أن يلغا دم من أسلم وجهه لله وهو محسن . وإلى الله المنتهى .

قبيصة بن ضبيعة

بعث زياد إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب شرطته شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة : أنت آمن على دمك و مالك، فلم تقتل نفسك ؟ فقال له أصحابه : قد أومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك ؟ قال : ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني .

قالوا : كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد : وحي عسى تعزون على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الأمراء .

قال : إني لم آتك إلا على الأمان .

قال : فانطلقوا به إلى السجن وقتل مع من قتل من أصحاب حجر .

عبد الله بن خليفة

بعث زياد بكير بن حمران الأحمري إلى عبد الله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر فبعثه في أناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم

47

فأخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس إمتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء أخته : يا معشر طئ ! أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم ؟ فلما سمع الأحمري نداءها خشي أن تجتمع طئ فيهلك فهرب فخرج نسوة من طئ فأدخلنه دارا وانطلق الأحمري حتى أتى زيادا فقال : إن طيئا اجتمعت إلي فلم أطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه وقال : جئني به وقد أخبر عدي بخبر عبد الله، فقال عدي : كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟ قال : جئني حتى أن قد قتلوه، فاعتل له وقال : لا أدري أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي فأتوا زيادا فكلموه فيه وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدي إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت، فبعث إليه عدي : والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك .

فدعا زياد عديا فقال له : إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى جبلي طئ قال : نعم فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة : أخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله .

فخرج إلى الجبلين ومات بهما قبل موت زياد .

الشهادة المزورة على حجر

جمع زياد من أصحاب حجر بن عدي أثنى عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع وهم : عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة . وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان . وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة .

وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء الذين معه هم رؤس أصحابه وعلى مثل رأيه .

ونظر زياد في شهادة الشهود وقال : ما أظن هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة فدعا الناس ليشهدوا عليه وقال زياد :

48

على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس فقال : اكتبوا اسمي فقال زياد : ابدؤا بقريش ثم اكتبوا إسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالصحة والاستقامة (1) فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد : ألقوهم إلا من عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة [وهم أربع وأربعون فيهم : عمر بن سعد بن أبي وقاص . شمر بن ذي الجوشن شبث بن ربعي . زجر بن قيس] .

وممن شهد شداد بن المنذر أخو الحضين وكان يدعى : ابن بزيعة . فكتب : شهادة ابن بزيعة .

فقال زياد : أما لهذا أب ينسب إليه ؟ ألغوا من الشهود فقيل له : إنه أخو الحضين بن المنذر ؟ فقال : انسبوه إلى أبيه فنسب، فبلغ ذلك شدادا فقال : والهفاه على ابن الزانية أو ليست أمه أعرف من أبيه ؟ فوالله ما ينسب إلا إلى أمه سمية .

وكتب في الشهود شريح بن الحرث، وشريح بن هانئ .

فأما شريح بن الحرث فقال : سألني عنه فقلت : أما إنه كان صواما قواما .

وأما شريح بن هانئ فقال : بلغني إن شهادتي كتبت فأكذبته ولمته، وكتب كتابا إلى معاوية وبعثه إليه بيد وائل بن حجر وفي الكتاب : بلغني إن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر إنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه .

فلما قرأ معاوية الكتاب قال : ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم .

وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله .

قال الأميني : هذه شهادة زور لفقها ابن أبيه أو ابن أمه على أصناف من الناس منهم الصلحاء والأخيار الذين أكذبوا ذلك العز والمختلق كشريح بن الحرث وشريح بن هانئ ومن حذا حذوهما، وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة وساحتها، لكن يد الإفك أثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله .

ومنهم رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور ويستسوغون من جرائها إراقة

____________

(1) يعني المعروفين بالاستقامة في عداء أمير المؤمنين علي (عليه السلام)وأهل بيته .

49

الدماء ليس لهم من الدين موضع قدم ولا قدم كعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس، فتناعقوا بشهادة باطلة لأجلها وصفهم الدعي بأنهم خيار أهل المصر وأشرافهم، وذوو النهى والدين .

وإن معاوية جد عليم بحقيقة الحال لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي حبذت له قبول الشهادة المزورة والتنكيل بحجر وأصحابه الصلحاء الأخيار، فصرم بهم أصول الصلاح وقطع أواصرهم يوم أودى بهم، ولم يكترث لمغبة ما ناء به من عمل غير مبرور فإلى الله المشتكى .

تسيير حجر وأصحابه إلى معاوية ومقتلهم

دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أي يسيرا بهم إلى الشام فخرجوا عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير : إئذنا لي فأوصي أهلي .

فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال : أسكن فسكتن .

فقال : اتقين الله عز وجل واصبرن فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين : إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن .

ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية .

فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنى عشر رجلا : حجر بن عدي، الأرقم بن عبد الله، شريك بن شداد، صيفي بن فسيل، قبيصة بن ضبيعة، كريم بن عفيف، عاصم بن عوف، ورقاء بن سمي، كدام بن حيان، عبد الرحمن بن حسان، محرز بن شهاب، عبد الله بن حوية .

وأتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الأسود فتموا أربعة عشر رجلا فحبسوا بمرج عذراء فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان أما بعد : فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فأدا له من عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه

50

، إن طواغيت الترابية الصبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا .

فلما قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال : ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون ؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي : أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها وكتب معاوية إلى زياد : أما بعد : فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم، والسلام .

فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية التميمي : أما بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلي .

فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء، فقال : يا هؤلاء ! أما والله ما أرى برأتكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما أحببتم مما ترون إنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به .

فقال حجر أبلغ معاوية : أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وإنما شهد علينا الأعداء والأظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية وأخبره بقول حجر فقال معاوية .

زياد أصدق عندنا من حجر .

فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي .

ويقال : عثمان بن عمير الثقفي : جذاذها جذاذها .

فقال له معاوية : لا تعن أبرا .

فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم فقال النعمان : قتل القوم .

أقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين بعث بهما زياد ولحقا بحجر وأصحابه فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود فقال : يا عامر ! اسمع مني أبلغ معاوية : إن دماءنا عليه حرام . وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا . فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا . فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهب