تاريخ بغداد - ج1

- الخطيب البغدادي المزيد...
435 /
3

-

4

الجزء الأول‏

مقدمة المحقق‏

<بسم اللّه الرّحمن الرّحيم> الحمد للّه رب العالمين على جزيل نعمائه، و الصلاة و السلام على سيد رسله و أنبيائه، سيدنا محمد النبي الأمي أشرف ذى نسب، و أكرم ذى حسب، و على آله و أصحابه البدور الكواكب، و على أتباعه و أنصاره النجوم الثواقب إلى يوم الدين.

و بعد، فهذا كتاب «تاريخ بغداد» للحافظ الخطيب البغدادي و الذي يعتبر من أهم و أكبر مؤلفاته حيث يضم 7831 ترجمة للمحدثين و أرباب العلوم الأخرى و رجالات المجتمع و الدولة الذين عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصره.

فهو كتاب يعكس مدى نشاط المحدثين ببغداد بحيث تتضاءل جهود أرباب العلوم و الأدب الأخرى أمامهم، و قد ارتفع شأن المحدثين ببغداد بعد تأسيسها بفترة وجيزة، و استمرت تنجب أعلام المحدثين على مرّ القرون، فكان منها: أحمد بن حنبل، و يحيى ابن معين في القرن الثالث، و الدارقطنيّ في القرن الرابع، و أبو بكر البرقاني و أبو القاسم الأزهرى ثم الخطيب البغدادي في القرن الخامس. لذلك قصدها طلاب الحديث من أقاصى المشرق و المغرب فكان الاتصال بين بغداد و المدن الأخرى، و ازدهرت الحركة الفكرية ببغداد، و ساعد على ازدهارها وجود المكتبات العامة و المدارس الخاصة بالفقه أو علوم القرآن أو الحديث.

و نحن إذ نقدم لـ «تاريخ بغداد» فلا بد أن نتعرض لمؤلفه الخطيب البغدادي، ثم نتناول كتابه بالدراسة و التحليل في الصفحات التالية:

التعريف بالخطيب البغدادي‏

اسمه و نسبه و مولده:

هو أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدي، ذكر ابن النجار-فيما نقله ابن قاضى شهبة-أنه ولد في غزية من أعمال الحجاز، و ذكر الصفدي أنه ولد في قرية من أعمال نهر الملك بهنيقة[1].

[1]الوافي بالوفيات 7/191. و يوسف العش ص 17.

5

ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة 392 هـ، و نشأ في درزيجان، و هي قرية كبيرة جنوب غربي بغداد. [1]

نشأته:

كان أبوه يتولى الخطابة في جامع القرية لمدة عشرين عاما، فأولى ولده اهتماما و توجيها حيث عهد به إلى هلال بن عبد اللّه الطيبي (ت 422 هـ) فأدبه و أقرأه القرآن، كما استفاد أيضا من منصور الحبّال في القراءات.

و سمع الحديث في حلقة أبى الحسن بن رزقويه بجامع بغداد في المحرم سنة 403 هـ ثم انقطع، و أخذ يتردد على مجلس أبى حامد الأسفراييني الفقيه الشافعي في مسجده. [2] و بعد وفاة الحبال أفاد الخطيب من ابن الصيدلاني الذي كان يعلّم القراءات في جامع الدارقطنيّ. ثم عاد الخطيب إلى حلقة ابن رزقويه مرة أخرى في بداية سنة 406 هـ و واظب على ذلك حتى سنة 412 هـ، و قد استفاد الخطيب من شيخه ابن رزقويه فتحمل عنه سماعا و إجازة روايات من مصنفات عديدة مشهورة ألفها معظمها يتعلق بالحديث و الرجال. [3] هذا و قد أفاد الخطيب من محدّث بارز آخر هو أبو بكر البرقاني الذي كان الخطيب يجله، فكان له أثر كبير في توجيهه نحو الحديث، و قد تحمل عن البرقاني مصنفات عديدة سماعا و إجازة.

و لم يمنع الخطيب شغفه بالحديث من متابعة تحصيل الفقه، فقد درسه على الفقيهين الشافعيين المشهورين: أبى الطيب الطبري، و أحمد بن محمد المحاملي. [4] و قد أفاد الخطيب عن عدد كبير من العلماء البغداديين، و كذلك من العلماء الواردين على بغداد ممن استقوا العلم منها و تأثروا بثقافة علمائها و سمعوا عليهم مصنفاتهم أو مصنفات المؤلفين القدامى التي ملكوا حق روايتها سماعا أو إجازة.

[1]سير النبلاء 11/413. و الأنساب 5/166. و معجم الأدباء 1/246. الخطيب البغدادي ليوسف العش 16-17. و تذكرة الحفاظ 1135.

[2]تذكرة الحفاظ 1137. و يوسف العش 18. و موارد الخطيب 30.

[3]موارد الخطيب 30.

[4]يوسف العش ص 21-22. تذكرة الحفاظ 1137. و سير النبلاء 11/414. و موارد الخطيب 30، 31.

6

فمن هؤلاء العلماء البغداديين الذين أخذ عنهم الخطيب العلم و روى عنهم في «تاريخ بغداد» :

أبو القاسم عبيد بن أحمد الأزهرى (1345 نصا) .

و أبو محمد الحسن بن محمد الخلال البغدادي (584 نصا) .

و أبو الحسن أحمد بن على بن الحسين المحتسب المعروف بابن التوزى (251 نصا) .

و أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقى (1053 نصا) .

و أبو القاسم على بن المحسن التنوخي (872 نصا) .

و أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز (662 نصا) .

و أبو عبد اللّه الحسين بن على الصيمري القاضي (447 نصا) .

و على بن محمد السمسار (550 نصا) .

و أبو الفرج الحسين بن على الطناجيرى (228 نصا) .

و أبو الحسين على بن محمد بن عبد اللّه بن بشران البغدادي المعدل (307 نصا) .

و أبو محمد الحسن بن على الجوهري (421 نصا) .

و أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق (197 نصا) .

و عبد اللّه بن يحيى السكرى (200 نصا) .

و أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان الأزرق (1109 نصا) .

و أبو العلاء محمد بن على الواسطي (573 نصا) .

و أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد اللّه بن مهدى البزاز (379 نصا) .

و أبو عبد الله بن عبد الواحد بن محمد البزاز (545 نصا) .

و أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن على البزار (95 نصا) .

و عبيد اللّه بن عمر بن أحمد بن شاهين (287 نصا) . [1] و إذا علمنا أن هؤلاء العلماء البغداديين هم الذين أكثر الخطيب الرواية عنهم في [1]موارد الخطيب ص 31-32.

7

«تاريخ بغداد» ، و منهم تحمل المصنفات المهمة الكثيرة التي اقتبس منها في «تاريخ بغداد» سواء سمعها منهم أو أجازوا بها؛ تبين أن مواد «تاريخ بغداد» معظمها كانت متوافرة ببغداد بشكل مصنفات مروية أو نسخ و أصول عند علماء بغداد، و يتبين أن أثر علماء المدن الأخرى كان أقل بكثير في بناء مادة «تاريخ بغداد» [1].

و كذلك أفاد الخطيب من أحمد بن محمد أبى سعد المالينى الهروي الصوفي، و هو أحد الرحالين في طلب الحديث و المكثرين منه، و قدم بغداد عدة مرات فسمع منه الخطيب، و روى عنه في «تاريخ بغداد» (224) . [2]

رحلاته في طلب العلم:

قال الخطيب: المقصود بالرحلة في الحديث أمران:

أحدهما: تحصيل علو الإسناد، و قدم السماع، و الثاني: لقاء الحفاظ و المذاكرة لهم و الاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب و معدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أولى. [3] قد رحل الخطيب البغدادي في طلب العلم، و لم يكتف بالأخذ عن الشيوخ الكثيرين ببغداد فرحل إلى العديد من المدن و البلاد و لقى العديد من الشيوخ و روى عنهم المصنفات الكثيرة[4].

رحلته إلى المدن القريبة من بغداد:

[5] تجول الخطيب البغدادي في المدن و القرى القريبة من بغداد، حيث يروى في «تاريخ بغداد» عن بعض الشيوخ الذين لقيهم فيها، و هذه المدن و القرى هي:

جرجرايا: حيث سمع الخطيب فيها من بكران بن الطيب السقطي.

و عكبرا: حيث سمع فيها من الحسن بن شهاب العكبري، و أبى حفص عمر بن أحمد ابن عثمان البزاز، و أحمد بن على بن أيوب العكبري، و الحسين بن محمد بن العاقولي.

و قد سحل الخطيب تاريخ سماعه عن ابن العاقولي في عكبرا و هو سنة 410 هـ، و لا يعرف إن كان قد سمع من الآخرين في نفس هذه الزيارة أم أنه زار عكبرا مرارا.

[1]موارد الخطيب ص 32-33.

[2]موارد الخطيب ص 33.

[3]الجامع لأخلاق الراوي 168، 169.

[4]موارد الخطيب ص 34.

[5]نقلا عن موارد الخطيب ص 35 إلى 46.

8

و بعقوبا: حيث سمع فيها من محمد بن الحسن بن حمدون القاضي.

و الأنبار: حيث سمع فيها من محمد بن أحمد اللخمي، و أبى طاهر محمد بن أحمد ابن أبى الصقر الخطيب.

و النهروان: حيث سمع فيها من أحمد بن عمر النهرواني، و قد تحمل الخطيب عنه أحد مصنفات المعافى بن زكريا الجريري النهرواني.

و درزيجان: حيث سمع فيها من أبى الحسين أحمد بن عمر بن على القاضي.

رحلته إلى الكوفة و البصرة:

و قد انحدر و هو في العشرين من عمره إلى البصرة مارا بالكوفة، و ذلك في جمادى الأولى من سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، و قد روى في «تاريخ بغداد» عن الشيوخ الذين لقيهم بالبصرة و هم: أبو الحسن على بن القاسم بن الحسن الشاهد، و أبو الحسين على ابن حمزة بن أحمد المؤذن، و أبو الحسن على بن أحمد بن إبراهيم البزار، و أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، و على بن أحمد بن محمد بكران الفسوي، و أبو محمد الحسن بن على بن أحمد بن بشار السابوري. و من المحتمل أنه أخذ عنهم جميعا في رحلته الأولى إلى البصرة، لأن المصادر لا تشير إلى دخوله البصرة ثانية، و لم تطل إقامته بالبصرة، فقد عاد إلى بغداد في نفس السنة حيث بدأ اسمه بالظهور و علمه بالاشتهار و حتى سمع منه أحد كبار شيوخه، و هو أبو القاسم الأزهرى.

رحلته الأولى إلى المشرق:

و بعد مضى ثلاث سنوات على رحلته الأولى تجدد عزمه على الرحلة، و كان مختارا بين الرحلة إلى نيسابور أو مصر، و قد أعانه شيخه أبو بكر البرقاني على تحديد و جهته؛ مبينا له أن في نيسابور جماعة كثيرة من المحدثين من تلاميذ الحافظ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، و ليس في مصر إلا عبد الرحمن بن النحاس، فإن فاته ضاعت رحلته.

و هكذا يمم الخطيب سنة 415 هـ شطر نيسابور، و لا شك أن الرحلة إلى نيسابور تعنى زيارة مراكز الثقافة الأخرى المهمة آنذاك في المشرق، فبعضها يقع على الطريق إلى نيسابور، و قد مر بها الخطيب في طريق ذهابه و إيابه، و أخذ عن عدد من الشيوخ‏

9

الذين لقيهم فيها، لكنه لم يمكث طويلا في هذه المدن، فقد كان هدفه نيسابور. و قد وصلها في نفس العام و كان فيها في شهر رمضان.

إن المراكز التي مر بها الخطيب، و روى عن بعض الشيوخ الذين لقيهم فيها في «تاريخ بغداد» هي: حلوان، و أسدآباذ، و همذان، و ساوة، و الري، ثم استقر في نيسابور، و لا يعرف تاريخ عودته إلى بغداد، لكنه كان فيها في سنة 419 هـ.

و أول المراكز التي مر بها في طريقه إلى نيسابور هي مدينة حلوان، حيث يروى في «تاريخ بغداد» عن أحد شيوخها و هو: أبو طالب يحيى بن على بن الطيب الدسكري الذي حدث الخطيب بأحاديث أبى بكر محمد بن إبراهيم بن زاذان المقرئ الأصبهانى.

ثم دخل الخطيب أسدآباذ، و كانت قد خرجت جماعة من مشاهير العلماء و المحدثين، حيث يروى عن أحد شيوخها و هو أبو أحمد الحسين بن على بن محمد بن نصر الأسدآباذي.

ثم مضى الخطيب من أسدآباذ إلى همذان حيث حدث في «تاريخ بغداد» عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها، و هم: عبد اللّه بن علي بن حمويه بن أبزك الهمذاني، و أبو محمد جعفر بن محمد الأبهرى، و أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين الأصبهانى، و أبو بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الريحاني، و أبو منصور محمد بن عيسى ابن عبد العزيز البزاز، الذي تحمل عنه الخطيب مصنفا لصالح بن أحمد التميمي، و أبو الحسن على بن محمد بن يوسف بن عمر الهمذاني.

و من همذان مضى الخطيب إلى ساوة حيث روى في «تاريخ بغداد» عن شيخ لقيه فيها و هو أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي.

ثم دخل الخطيب مدينة الري في نفس السنة 415 هـ، و قد روى في «تاريخ بغداد» عن شيخين لقيهما فيها و هما: أبو على عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن فضالة النيسابوري، و أبو الحسين على بن محمد بن جعفر الأصبهانى.

ثم انتهى الخطيب إلى نيسابور حيث كان فيها في رجب سنة 415 هـ نفسها، و قد سجل وجوده فيها في شهرى شعبان و رمضان أيضا.

10

و قد روى في «تاريخ بغداد» عن عدد كبير من الشيوخ الذين صرح بلقائه معهم فيها، و هم: أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطرازي، و أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ، و قد أخذ عنه كتاب «الكنى و الأسماء» لمسلم ابن الحجاج و بعض مرويات يحيى بن عبد اللّه بن بكير. و أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، و أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه السراج، و صاعد بن محمد الاستوائى، و أحمد بن على بن محمد الأصبهانى، و أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، و أبو سهل أحمد بن محمد بن العباس بن حسنويه الدلال.

و يلاحظ أن معظم الشيوخ الذين لقيهم في نيسابور هم من تلاميذ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، و قد أخذ عنهم الخطيب حديث الأصم بصورة خاصة، و كان اشتهار عالم واحد في مدينة ما يكفى لأن تجتذب إليها الأنظار، و يسعى إليها طلاب العلم من كل مكان.

و لا يعرف كم مكث الخطيب في نيسابور، و لكن لا بد أن تكون فترة مكوثه فيها أطول من الوقت الذي أمضاه في بقية المدن التي مر بها في طريق ذهابه و إيابه، و لا يعرف كم استغرقت رحلته الأولى إلى المشرق و التي بدأها سنة 415 هـ، و لكن من المعلوم أنه كان ببغداد سنة 419 هـ، و لعله رجع إليها قبل هذه السنة.

رحلته الثانية إلى المشرق:

و كانت وجهته في الرحلة الثانية إلى المشرق: مدينة أصبهان، و قد سجل وجوده فيها في ذى القعدة من سنة 421 هـ، و كذلك في ربيع الأول من سنة 422 هـ. و كان الخطيب يحمل معه وصية[1]من شيخه أبى بكر البرقاني إلى أبي نعيم محدّث أصبهان.

و قد استفاد الخطيب من أبى نعيم كثيرا، فروى عنه في «تاريخ بغداد» 589 رواية بأسانيد مختلفة، و تحمل عنه مصنفا لعبد اللّه بن محمد أبى الشيخ الأنصارىّ، و آخر لمحمد بن إسحاق السراج، و ثالثا لأبى القاسم سليمان الطبرانيّ.

و قد روى الخطيب في «تاريخ بغداد» عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها و هم:

أبو الفتح على بن محمد بن عبد الصمد الدليل، و أبو الحسين على بن محمد بن جعفر العطار، و أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن صالح العطار، و أبو سعيد الحسين بن محمد بن [1]انظر هذه الرسالة في سير أعلام النبلاء 11/416.

11

عبد اللّه بن حسنويه الكاتب، و أبو الحسن على بن يحيى بن جعفر الإمام، و أبو الحسين أحمد بن الحسين الأصبهانى، و أبو بكر أحمد بن محمد بن جعفر اليزدي، و أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن شاذة الأصبهانى، و أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب، و أبو القاسم عمر بن عبد اللّه بن عمر التميمي المؤدب، و أبو على أحمد بن محمد بن إبراهيم الصيدلاني، و أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى عمر بن قيصر الضبي، و غيرهم.

و لا يعرف متى زار الخطيب الدينور، و هل زارها في إحدى رحلتيه إلى المشرق أم رحل إليها خاصة، فقد روى في «تاريخ بغداد» عن اثنين من الشيوخ لقيهما فيها و هما: أبو الفتح منصور بن ربيعة بن أحمد الزهري الخطيب، و أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي.

استقرار الخطيب ببغداد فترة طويلة:

استقر الخطيب ببغداد ما بين سنتي 423 هـ-440 هـ، و هي فترة غامضة من حياته، حيث لا تذكر المصادر سوى إفادته من إسماعيل بن أحمد الحيرى النيسابوري الذي مر ببغداد في طريقه إلى الحج سنة 423 هـ، فانتهز الخطيب الفرصة و قرأ عليه صحيح البخاري كله في ثلاثة مجالس، و لا شك أن هذه ليست القراءة الأولى له لصحيح البخاري، لكن الحيرى يرويه بسند عال، و طلب الإسناد العالي مما يحرص عليه كل محدث آنذاك.

و تذكر المصادر أيضا أن الخطيب أمّ الناس في الصلاة على جنازة أبى على الهاشمي أحد فقهاء الحنابلة، الذي كان قاضيا ببغداد سنة 428 هـ مما يعكس مكانته الاجتماعية و هو بعد في الثلاثين من عمره.

و يبدو أن الخطيب كان عاكفا في هذه الفترة على تصنيف كتابه «تاريخ بغداد» فاحتاج إلى الانزواء عن الحياة العامة ليتفرغ لمؤلفه الكبير، الذي أنجزه بشكل جعله يتمنى على اللّه في موسم الحج سنة 444 هـ أن تتاح له الفرصة ليحدث به في بغداد.

رحلته إلى الشام:

زار الخطيب دمشق مرارا، و قد سجل وجوده فيها سنة 440 هـ، و مر بها عند سفره إلى الحج سنة 444 هـ، حيث ذكر وجوده في برية السماوة قاصدا دمشق في طريقه إلى الحج في شهر رمضان سنة 445 هـ، و بعد الحج سلك في العودة طريق‏

12

الشام أيضا، فرجع إلى دمشق حيث ذكر وجوده فيها في الثاني من جمادى الأولى سنة ست و أربعين و أربعمائة.

أما زيارته الرابعة لدمشق فكانت عقب ذلك بخمس سنوات، حيث اضطر إلى الخروج من بغداد على أثر حركة أبى الحارث البساسيرى فيها سنة 401 هـ، و تعرض بعض الحنابلة له بالأذى، و كان الخطيب وثيق الصلة بالوزير ابن المسلمة مما قوى مركزه ببغداد و منع خصومه عنه، فلما قتل ابن المسلمة في حركة ابن البساسيرى فقد الخطيب سنده و حاميه، فخرج إلى دمشق حاملا معه عددا من الكتب التي كانت تحتويها مكتبته، و قد ذكر الخطيب أنه خرج من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى و خمسين و أربعمائة، و أنه كان بدمشق في يوم عيد الأضحى من نفس السنة.

و قد مكث الخطيب في دمشق فترة طويلة لم يمكثها في مدينة أخرى سوى بغداد، و كان يعقد مجلسه في الجامع الأموى بدمشق حيث حدث بمصنفاته و مصنفات غيره من مسموعاته.

و لا شك أن الخطيب أفاد علماء دمشق أكثر مما استفاد منهم، فقد استقر بينهم بعد أن نضج علمه و تكاملت ثقافته.

و قد استمر الخطيب يحدث بدمشق رغم سيطرة الفاطميين عليها و عدم ارتياحهم من نشاطه العلمي، خاصة بعد أن بلغهم أنه يحدث بكتاب «فضائل الصحابة الأربعة» لأحمد بن حنبل، «و فضائل العباس» لأبى الحسن بن رزقويه، فقامت السعاية ضده، و كادوا أن يقتلوه لو لا أن أجاره الشريف أبو القاسم بن أبى الجن العلوي، و احتال في خلاصه ثم سهل له الخروج إلى صور في صفر سنة 459 هـ.

و كان الخطيب قد زار صور عند عودته من الحج سنة 446 هـ، ثم قدمها بعد إخراجه من دمشق، فمكث فيها من سنة 459 هـ إلى سنة 462 هـ.

كذلك زار الخطيب حلب و طرابلس بعد خروجه من صور سنة 462 هـ، و لا يعرف متى زار الخطيب صيدا، و كذلك لا يعرف متى زار المصيصة.

أما بيت المقدس فقد زارها إثر رجوعه من الحج، و سجل وجوده فيها في رجب سنة خمس و أربعين و أربعمائة، كما كان يتردد عليها خلال إقامته في صور.

13

رحلته إلى الحجاز:

دخل الخطيب مكة حاجا، و سجل وجوده فيها في 8 ذى الحجة سنة 445 هـ، و قد التقى فيها ببعض الشيوخ الذين روى عنهم في «تاريخ بغداد» .

عودته إلى بغداد:

عاد الخطيب إلى بغداد بعد غياب طويل امتد أحد عشر عاما، فوصلها في ذى الحجة من سنة 462 هـ و استقر في حجرة بباب المراتب في درب السلسلة بجوار المدرسة النظامية.

صفات الخطيب البغدادي:

[1] كان الخطيب مهيبا وقورا نبيلا خطيرا، حسن الخط، كثير الشكل و الضبط، فصيح القراءة، جهوري الصوت، منصرفا إلى العلم لا يحفل بالدنيا، و لا يحرص على التقرب من أهل السلطان و المال، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون حسن اللباس و الهيئة، يجمع من المال ما يغنيه عن الحاجة إلى الناس، كما وصف الخطيب بالمروءة و الكرم و عزة النفس و التواضع، لكنه لم يسلم من اتهام خصومه له و تشنيعهم عليه، و هذا مبعث تلك الروايات التي تحاول تشويه سمعته، فترميه مرة بالسكر، و أخرى بالتغزل بالغلمان بل و حبه لهم، و تنسب إليه أشعار قالها في ذلك، و معظمها لا ينسجم مع طبيعة شخصيته و ثقافته، كما أن رواة بعضها لا يوثق بهم.

مكانته العلمية و ثقافته:

اهتم الخطيب بالحديث و علومه، و الفقه و أصوله، و الأدب و التاريخ و الأخبار، لكن أكثر اهتمامه كان في نطاق الحديث و علومه‏[2].

و كان الخطيب على مذهب الأشعريّ في الأصول، و للأشعرى قولان في الصفات:

أشهرهما التأويل، و ثانيهما-و هو المتأخر-عدم التأويل و التعطيل، و هو مذهب السلف و مذهب الإمام أحمد و أهل الحديث.

و قد صرح الخطيب بأنه على مذهب أهل الحديث في الصفات، و هو القول الأخير للأشعرى أيضا.

[1]موارد الخطيب، ص 50.

[2]موارد الخطيب، ص 47، 48.

14

و أما في الفروع فكان الخطيب على مذهب الشافعي، و يقال أنه كان شافعيا منذ باكورة طلبه للعلم، و يقال أنه كان حنبليا ثم تحول إلى مذهب الشافعية. [1]

توثيقه:

وثقه من معاصريه: عبد العزيز الكتاني، و ابن الأكفانى، و ابن ماكولا.

و أشاد به و بعلمه كبار العلماء و جهابذة النقاد أمثال: السمعاني، و ابن النجار، و السبكى، و قد اعتبره الكثيرون دارقطني زمانه، و جعلوه خاتمة المحدثين الحفاظ، و به ختم ديوان المحدثين، كما عبر ابن عساكر و تابعه الذهبي في معناه.

و قد حاول خصومه الطعن في علمه و من ذلك رميه بالتصحيف، و بتحديثه عن الضعفاء و بكثرة أوهامه، كما يرى بعض علماء الحنفية أنه يتعصب على رجال مذهبهم و خاصة في ترجمته للإمام أبى حنيفة رضى اللّه عنه.

و يتهمه ابن الجوزي بالتعصب ضد الحنابلة، كما أخذ عليه احتجاجه بالأحاديث الموضوعة في مصنفاته و مدحه للمبتدعة و أصحاب الكلام. و قد رد دارسوه معظم هذه الاتهامات.

و كذلك فقد اتهم بالتدليس، فقال الحافظ زين الدين العراقي: «و ممن اشتهر بتدليس الشيوخ: أبو بكر الخطيب، فقد كان لهجا به في تصانيفه» و قد دافع عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال معقبا على كلام العراقي: «ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك، و أن يستدل بفعله على جوازه، فإنه إنما يعمى على غير أهل الفن، و أما أهله فلا يخفى ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، و لم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهاما للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ و المرويات، و الناس بعده عيال عليه، و إنما يفعل ذلك تفننا في العبارة» .

و تدليس الخطيب للشيوخ من أصعب ما يواجه الباحث في مؤلفاته؛ لذلك نبه العلماء على بعض ذلك، فنبه الحافظ ابن حجر إلى أن الخطيب يذكر الحاكم النيسابوري باسم «محمد بن نعيم الضبي» و نبه الأكفانى إلى أنه يذكر «عبد العزيز بن محمد الكتاني» باسم «عبد العزيز بن أبى طاهر الصيرفي» .

[1]موارد الخطيب، ص 50.

15

مصنفات الخطيب البغدادي:

ألف الخطيب البغدادي مصنفاته في المجالات التي أولاها اهتماما و هي: الحديث و علومه، و التاريخ، و الرجال، و الفقه و أصوله، و الرقائق، و الأدب.

و قد حاول خصومه اتهامه بانتحال هذه المصنفات زاعمين أنها لشيخه محمد بن على الصوري، فقد نقل عن ابن الطيوري قوله: «أكثر كتب الخطيب سوى «تاريخ بغداد» مستفاد من كتب الصوري، كان الصوري ابتدأ بها، و كانت له أخت بصور، مات الصوري و خلف عندها عدلا مخروما من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصل من كتبه ما صنف منها كتبه» [1].

و ما ذكره ابن الطيوري فرية لا تصح؛ لأن معظم مصنفات الخطيب أتمها قبل خروجه إلى الشام، و قد عقب الحافظ الذهبي على هذه الرواية بقوله: «ما الخطيب بمفتقر إلى الصوري، و هو أحفظ و أوسع رحلة و حديثا و معرفة» . [2].

و نذكر فيما يلي أسماء مؤلفات الخطيب البغدادي مرتبة حسب الموضوعات. [3]

في علم الحديث:

1-الأمالى. [4] 2-كتاب فيه حديث «الإمام ضامن و المؤذن ضامن» .

3-حديث عبد الرحمن بن سمرة و طرقه-في جزءين.

4-حديث النزول.

5-كتاب فيه حديث «نصر اللّه امرأ سمع منا حديثا» .

6-طريق حديث قبض العلم-في ثلاثة أجزاء.

7-حديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» .

8-مجموع حديث أبى إسحاق الشيباني-في ثلاثة أجزاء.

[1]موارد الخطيب، ص 49.

[2]انظر: موارد الخطيب، ص 55.

[3]سير أعلام النبلاء 11/419.

[4]موارد الخطيب، ص 56-84. يوسف العش، ص 120-134. ـ

16

9-مجموع حديث محمد بن جحادة، و بيان بن بشر، و صفوان بن سليمان، و مطر الوراق، و مسعر بن كدام.

10-مجموع حديث (أو مسند) محمد بن سوقة-في ثلاثة أجزاء.

11-كتاب السنن. [1] 12-مسند أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه-في جزء.

13-مسند صفوان بن عسال.

14-مسند نعيم بن همار الغطفاني-في جزء.

15-حديث جعفر بن حيان. [2].

16-حديث الستة من التابعين و ذكر طرقه، و هو حديث «أ يعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة بثلث القرآن» . [3] 17-المسلسلات-في ثلاثة أجزاء.

18-الرباعيات-في ثلاثة أجزاء.

في الأحاديث المخرجة:

19-كتاب أطراف الموطأ.

20-جزء فيه أحاديث مالك بن أنس عوالي تخريج أبى بكر الخطيب. [4] 21-أمالى الجوهري، تخريج أبى بكر الخطيب، رواية محمد بن البزاز. [5] 22-فوائد أبى القاسم النرسي، تخريج الخطيب-في 20 جزءا.

23-فوائد عبد اللّه بن على بن عياض الصوري-في 4 أجزاء.

24-الفوائد المنتخبة الصحاح و الغرائب. انتقاء الخطيب من حديث الشريف أبى القاسم على بن إبراهيم بن العباس بن أبى الجن الحسيني-في 20 جزءا. [6] [1]يوسف العش، ص 121. و فهرس مخطوطات الظاهرية ص 266. و بروكلمان 1/564.

[2]منه نسخة مختصرة في دار الكتب المصرية برقم 485 حديث، اختصرها الحافظ المنذرى.

[3]منه نسخة في الظاهرية حديث 390 (يوسف العش/ص 122) .

[4]الظاهرية، مجموع 115 (ق 10-18) . فهرس الظاهرية، ص 267.

[5]منه نسخة في الظاهرية (مجموع 101)

[6]منه مجلسان في الظاهرية (مجموع 105)

[7]منه قطعة في الظاهرية من الجزء الثامن مجموع (4) (46) 2، و الجزء الثالث عشر مجموع 140 (139) و الجزء الرابع عشر مجموع 40 (178) و جزء آخر مجموع 40 (172) .

17

25-الفوائد المنتخبة الصحاح و الغرائب، تخريج الخطيب لأبى القاسم المهروانى. [1] 26-الفوائد المنتخبة الصحاح العوالي، تخريج الخطيب، لجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القارئ. [2] 27-مجلس من إملاء أبى جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، تخريج الخطيب. [3] 28-منتخب من حديث أبى بكر الشيرازي و غيره. [4]

في مصطلح الحديث:

29-الكفاية في علم الرواية. [5] 30-الفصل للوصل المدرج في النقل-في تسعة أجزاء.

31-الإجازة للمعدوم و المجهول. [6] 32-بيان حكم المزيد في متصل الأسانيد.

في آداب المحدث:

33-اقتضاء العلم العمل. [7] 34-شرف أصحاب الحديث. [8] 35-نصيحة أهل الحديث. [9] 36-الرحلة في طلب الحديث. [10] 37-تقييد العلم. [11] 38-الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع.

[1]منه نسخة في الظاهرية، حديث 353 و مجموع 47 (4) .

[2]منه أجزاء في الظاهرية، انظر: فهرس الظاهرية للألبانى 268.

[3]منه نسخة في الظاهرية، مجموع 117 (21)

[4]منه نسخة في الظاهرية، حديث 330 (ق 27-35)

[5]طبع أكثر من مرة.

[6]منه نسخة في مكتبة السلطان أحمد الثالث تحت رقم 612/243/12

[7]طبع بتحقيق صبحى السامرائى

[8]طبع بتحقيق الألبانى.

[9]طبع بتحقيق محمد سعيد خطيب‏أوغلى.

[10]طبع بتحقيق صبحى السامرائى

[11]طبع بتحقيق صبحى السامرائى.

[12]طبع بتحقيق يوسف العش.

[13]طبع أكثر من مرة.

18
في علم رجال الحديث:

39-الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة-في جزء. [1] 40-الأسماء المتواطئة و الأنساب المتكافئة.

41-تلخيص المتشابه في الرسم و حماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف و الوهم. في ستة عشر جزءا[2].

42-تالى التلخيص، في أربعة أجزاء. مستدرك على التلخيص.

43-التبيين لأسماء المدلسين. في جزءين.

44-التفصيل لمبهم المراسيل‏[3]-في جزء.

45-تمييز المزيد في متصل الأسانيد-ثمانية أجزاء.

46-رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء و الأنساب.

47-الرواة عن شعبة. في ثمانية أجزاء.

48-الرواة عن مالك بن أنس، و ذكر حديث لكل منهم في تسعة أجزاء.

49-روايات الصحابة عن التابعين، جزء.

50-رواية الآباء عن الأبناء، في جزء.

51-غنية الملتمس في إيضاح الملتبس، [4]في مجلد.

52-كتاب فوائد النسب.

53-كتاب المتفق و المفترق‏[5]، في ستة عشر جزءا.

54-من حدث و نسى، في جزء.

55-من وافقت كنيته اسم أبيه مما لا يؤمن وقوع الخطأ فيه، في ثلاثة أجزاء.

56-المؤتنف في تكملة المختلف و المؤتلف، في أربعة و عشرين جزءا. [6] [1]منه نسخة في الظاهرية مجموع 101 (19) و نسخ أخرى (موارد الخطيب 69، 70) .

[2]منه قطعة كبيرة بجامع الزيتونة، و في الظاهرية، و دار الكتب المصرية

[3]منه نسخة في السكوريال رقم 1597.

[4]منه نسخة في برلين 1059، و في آصفية 3/328، 191.

[5]طبع أخيرا، و نسخه الخطبة كثيرة ذكرت في مقدمته.

[6]في الظاهرية نسخة باسم «المؤتلف و المختلف» برقم حديث 285 (140) .

19

57-المكمل في بيان المهمل، في ثمانية أجزاء. [1] 58-كتاب الوفيات.

59-السابق و اللاحق في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد. في 9 أجزاء. [2] 60-كتاب موضح أوهام الجمع و التفريق. [3]

في التاريخ:

61-تاريخ بغداد. و سنتكلم عنه فيما بعد.

62-مناقب الشافعي.

63-مناقب أحمد بن حنبل.

في العقائد:

64-مسألة الكلام في الصفات. [4] 65-القول في علم النجوم-في جزء. [5]

في أصول الفقه:

66-الفقيه و المتفقه. [6] 67-الدلائل و الشواهد على صحة العمل بخبر الواحد.

في الفقه:

68-نهج (أو منهج) الصواب في أن التسمية آية من فاتحة الكتاب-في جزءين.

69-إبطال النكاح بغير ولى-في جزء.

70-إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.

[1]انظر فهرس مخطوطات الظاهرية ص 268.

[2]منه نسخة في شيستربتى رقم 3508. دار الكتب المصرية (381 مصطلح حديث) .

[3]طبع بالهند في جزءين.

[4]منه نسخة في الظاهرية، مجموع 16 (ق 43-44) .

[5]منه نسخة في عاشر أفندى بإستنبول 1/190.

[6]طبع بالرياض بعناية إسماعيل الأنصارىّ.

20

71-الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة. في جزءين. [1] 72-الحيل. في أربعة أجزاء.

73-ذكر صلاة التسبيح و الأحاديث التي رويت عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم فيها، اختلاف ألفاظ الناقلين. [2] 74-الغسل للجمعة، في جزءين.

75-القضاء باليمين مع الشاهد. في جزءين.

76-القنوت و الآثار المروية فيه على اختلافها و ترتيبها على مذهب الشافعي، في ثلاثة أجزاء.

77-النهى عن صوم يوم الشك. في جزء.

78-الوضوء من مس الذكر.

79-مسألة الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه و الرد على الطاعنين بعظم جهلهم عليه. في جزء. [3]

في الزهد و الرقائق:

80-بيان أهل الدرجات العلى.

81-كتاب فيه خطبة عائشة في الثناء على أبيها.

82-المنتخب من الزهد و الرقائق. [4]

في الأدب:

83-التنبيه و التوقيف على فضائل الخريف.

84-البخلاء. [5] 85-التطفيل و حكايات الطفيليين و أخبارهم و نوادر كلامهم و أشعارهم. [6] 86-كشف الأسرار.

[1]) فهرس الظاهرية، ص 268.

[2]منه نسخة بالظاهرية (حديث 279) 194.

[3]فهرس الظاهرية، ص 269.

[4]فهرس الظاهرية، ص 269.

[5]طبع أكثر من مرة.

[6]طبع أكثر من مرة.

21

87-رياض الأنس إلى حضائر القدس. [1]

وفاة الخطيب البغدادي:

لما عاد الخطيب من رحلته إلى الحجاز استقر في حجرة بباب المراتب في درب السلسلة بجوار المدرسة النظامية، و أخذ يلقى دروسه في حلقته بجامع المنصور، و في حجرته أحيانا.

و قد مرض الخطيب في رمضان سنة 463 هـ، فأوصى بتفريق ثروته، و وقف كتبه على المسلمين و سلمها إلى أبي الفضل بن خيرون ليعيرها لمن يطلبها.

و في يوم الاثنين سابع ذى الحجة سنة 463 هـ، توفى الخطيب البغدادي، و شيعت جنازته و حضرها العلماء و الكبراء، و دفن في مقبرة باب حرب في جوار بشر الحافى. [2] [1]الظاهرية، تفسير 122 (144) .

[2]الوافي بالوفيات 7/192. و معجم الأدباء 1/259. و المنتظم، لابن الجوزي

22

كتاب تاريخ بغداد أهميته-منهجه-و ترتيبه‏

أهميته:

يعد «تاريخ بغداد» من أهم و أكبر مؤلفات الخطيب البغدادي، إذ يضم الكتاب 7831 ترجمة للمحدثين و أرباب العلوم الأخرى و رجالات المجتمع و الدولة، فهو تاريخ النخبة و هم أصحاب الكفاءات و المبرزين في المجتمع.

و لقد استبطن الخطيب البغدادي في كتابه بعض الكتب التي ألفت في تاريخ بغداد و فقدت، فحفظها لنا الخطيب في تاريخه، و خاصة التي انفرد بها أو يكاد.

و تظهر أهمية «تاريخ بغداد» من ناحية الحياة الثقافية في أنه يكشف عن طرق التدريس و مناهج العلماء و مقاييسهم و علاقتهم مع تلاميذهم، و التعريف بالمدارس التي انتشرت في القرنين الرابع و الخامس، و كذلك الحلقات العلمية و مجالس العلماء في المساجد للتحديث و التدريس. [1] كما يعكس «تاريخ بغداد» نشاط العلماء و مدى اتصال الحركة الفكرية في المدن الإسلامية ببعضها البعض، و ذلك عن طريق ذكره رحلة العلماء في طلب العلم، إما تصريحا أو بواسطة ذكر نسبتهم إلى أكثر من مدينة مما يدل على دخولهم إلى مدن عديدة، و بالتالى يعكس مدى الصلات الفكرية بين تلك المدن. [2] و لا شك أن الأهمية العظمى للكتاب «تاريخ بغداد» تكمن في مجال الحديث، حيث ترجم الخطيب البغدادي لحوالى خمسة آلاف ترجمة هم من رجال الحديث من إجمالى 7831 ترجمة هم عدد تراجم الكتاب.

و لقد استخدم الخطيب البغدادي الإسناد بدقة عند سرد الروايات سواء كانت تتصل بالحديث و رجاله أو بالتاريخ أو بالأدب، و بذلك أعان على الكشف عن موارده، و نظرا لفقدان معظم المصنفات التي اقتبس منها، بل إن بعضها لم تشر إليها الكتب المختصة بأسماء المؤلفات، فإن لاقتباساته عنها بأسانيده إليها أهمية عظيمة في التعريف بكثير من المؤلفات المفقودة، و خاصة في الحديث و التاريخ مما له أهمية كبيرة في دراسة تاريخ التأريخ و تأريخ الحديث. [3] [1]موارد الخطيب، ص 87-88.

[2]موارد الخطيب، ص 88-89.

[3]موارد الخطيب، ص 89-90.

23

و لا بد من التنويه بأهمية «تاريخ بغداد» في ذكر أسماء العديد من المصنفات، و قد بلغت 446 كتابا ألفت جميعا خلال القرون الثالث و الرابع و الخامس، و هي في موضوعات شتى هي: علوم القرآن و القراءات (57 كتابا) و التفسير (24 كتابا) و الحديث (73 كتابا) و علوم الحديث و شرحه (21 كتابا) و الفقه (21 كتابا) و أصول الفقه (3 كتب) و العقائد و الفرق (12 كتابا) و الرقائق و التصوف (6 كتب) و المنطق و علم الكلام (3 كتب) و السيرة النبوية (9 كتب) و الفضائل و المناقب (4 كتب) و التراجم (8 كتب) و علم الرجال (56 كتابا) و التاريخ (10 كتب) و الأخبار (12 كتابا) و النسب (11 كتابا) و المبتدأ (3 كتب) و الأدب و دواوين الشعر (37 كتابا) و اللغة (30 كتابا) و النحو و الصرف (31 كتابا) و الجغرافية (كتابان) و كتب أخرى متفرقات (13 كتابا) . و عند مقارنة هذه القائمة بكتاب الفهرست لابن النديم تبين أن الخطيب البغدادي ذكر 298 كتابا لم يذكرها ابن النديم، مما يدل على أهمية الإضافة التي قدمها الخطيب البغدادي بسبب ذكره مصنفات أصحاب التراجم أحيانا، رغم أنه أهمل الإشارة إلى كثير من المصنفات الأخرى التي صنفها أصحاب التراجم الذين تناولهم كتابه. [1] و يلاحظ أن الخطيب أهمل تخريج تراجم الرياضيين و الفلكيين و الفلاسفة، و لم يستوعب تراجم رجالات السياسة و الإدارة و الحرب و لا الأدباء و الشعراء و المغنين، بل لم يستوعب تراجم غير المحدثين الذين فاته ذكر بعضهم فاستدركهم عليه ابن النجار و غيره من أصحاب الذيول على «تاريخ بغداد» كما لم يقدم الخطيب في تاريخه معلومات مفصلة عن التاريخ السياسى و العسكري و لا عن الإدارة و النواحي الاقتصادية، و من ثم فإن «تاريخ بغداد» ليس تاريخا شاملا رغم غناه و وفرة مادته عن الحياة الثقافية. [2] و لعل ما يبرز أهمية «تاريخ بغداد» أيضا هو اقتباس المؤلفات التي أرخت للفترة التي تناولها و نقل مؤلفيها عن «تاريخ بغداد» و من أبرز المؤلفين الذين أكثروا النقل عنه:

على بن هبة اللّه بن ماكولا (475 هـ في كتابه «الإكمال» .

أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (562 هفي كتابه «الأنساب» .

[1]موارد الخطيب، ص 90-91.

[2]موارد الخطيب، ص 91.

24

ابن أبى يعلى (ت 526 هـ في «طبقات الحنابلة» .

أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي (597 هفي كتابيه «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» و «المصباح المضي‏ء في أخبار المستضي‏ء» .

و ياقوت الحموي (626 هفي كتابيه «معجم البلدان» و «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب» و أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان (681 هـ في كتابه «وفيات الأعيان» و ابن الفوطي (723 هـ في «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب» .

و الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (748 هفي كتبه: «تذكرة الحفاظ» و «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» و «تاريخ الإسلام» و في غيرها من مؤلفاته الكثيرة.

و ابن نقطة في كتابه «التقييد في رواة السنن و المسانيد» .

و ابن فرحون في: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب» .

و تاج الدين عبد الوهاب بن على السبكى (771 هفي كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» .

و الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تهذيب التهذيب» .

و السيوطي في «بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة» . [1] و الداودي في «طبقات المفسرين» ، و غيرهم الكثير.

و يرجع ذلك إلى ثقة هؤلاء في مادة «تاريخ بغداد» و اعتمادهم عليه و شهرته.

منهج الخطيب في تاريخه:

حاول الخطيب أن يترجم لسائر العلماء الذين عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصره، فاعتمد على المصنفات التي سبقته و منها كتب في تراجم المحدثين و أخرى في تراجم الخلفاء أو الأدباء أو الشعراء و منها كتب الحوليات.

كما اهتم بتخريج أحاديث للمترجمين فاستخدم كتب الحديث و معاجم الشيوخ [1]موارد الخطيب 82-93.

25

و منتخبات و أجزاء حديثية يختلط فيها الحديث و الضعيف، و قد تعقب الخطيب بعضها و انتقدها، و لكنه لم يفعل ذلك دائما، و لتعقيبات الخطيب على الأحاديث أهمية كبيرة لتضلعه في الحديث و علومه. [1] و هكذا فإن الخطيب استفاد من المؤلفات التي سبقته في تأليف كتابه، حتى إن ما اقتبسه يكوّن حوالى ثلاثة أرباح مادة كتابه.

و لا شك أن الخطيب وجد أمامه مكتبه هائلة في التراجم و التاريخ و الأدب انتقى منها مصادره، ثم انتقى من مصادره الروايات التي ضمنها «تاريخ بغداد» فمعلوماته عن صاحب الترجمة قد تكون أوسع بكثير مما كتبه عنه، و قد صرح الخطيب بذلك في أحد المواضع.

و عملية الانتقاء هذه ضرورية في مصنفه لعدة أسباب: منها الحذر من تضخم كتابه فهو مع اقتضابه في معظم التراجم جاء بحجم كبير. و منها تكرر المعلومات بسبب تماثل الروايات عن صاحب الترجمة في الكتب المختلفة.

و قد حاول الخطيب أن يقدم ترجمة متكاملة تحتوى على التعريف بصاحب الترجمة بذكر اسمه و نسبه و كنيته و شيوخه و تلاميذه، و أحيانا يسرد بعض أخباره الدالة على أخلاقه و مكانته، ثم أقوال النقاد في بيان حاله من الجرح و التعديل، ثم تاريخ وفاته، و ربما موضع قبره.

و هذا قد يضطره أحيانا إلى أن يقتطع أجزاء من النصوص المقتبسة ليمنع تكرر المعلومات و ليؤلف بينها في محاولة تكوين عناصر الترجمة الضرورية؛ لكن المقارنات مع الأصول التي اقتبس منها تدل على عدم تصرفه بأسلوب المصنفين الذين نقل عنهم، بل كان مثالا للأمانة العلمية و الدقة. [2] و الخطيب عالم ناقد متفحص، و تظهر سعة اطلاعه و قابليته على النقد و التمحيص في بيان أوهام العلماء و المصنفين السابقين و تصحيحها، و في الكشف عن الروايات الشاذة التي خالفت ما اتفق عليه العلماء، و في الترجيح بين الروايات المتعارضة.

فأما بيان أوهام العلماء و المصنفين السابقين فقد كشف الخطيب في مواضع كثيرة [1]موارد الخطيب، ص 97، 89.

[2]موارد الخطيب، 98.

26

عن أوهام و أخطاء وقع فيها علماء كبار ثم صححها، و هي تتعلق إما بتواريخ الوفيات أو بتواريخ الموالد، أو في التعريف بمدن و مواطن الرواة، أو في اعتبار عدد من الرواة إخوة و ليسوا كذلك، أو في عدم تمييز المتشابه من الأسماء. [1] و أبرز الأعلام الذين استدرك عليهم أخطاءهم هم: شعبة بن حجاج، و يحيى بن معين، و أحمد بن حنبل، و أبو عبيد القاسم بن سلام، و يعقوب بن سفيان الفسوي، و ابن أبى حاتم الرازي، و محمد بن عبد اللّه بن عمار، و الجوزجاني، و محمد بن إسماعيل البخاري، و محمد بن مخلد الدوري، و ابن قانع البغدادي، و أبو سعيد بن يونس، و أبو الحسين بن المنادى، و الدار قطني، و محمد بن يعقوب الأصم، و زكريا بن يحيى الساجي، و أبو زكريا الأزدى، و هلال بن المحسن الصابي، و يوسف القواس، و وكيع القاضي، و عبد اللّه بن محمد البغوي، و أبو القاسم الطبرانيّ.

أما من طبقة شيوخه فقد استدرك على كل من أبى نعيم الأصبهانى، و أبى العلاء محمد بن على الواسطي، و هبة اللّه بن الحسن الطبري، و أبى على الحسن بن أبى بكر ابن شاذان، و محمد بن أحمد بن رزق، و محمد بن أحمد العتيقى، و أبى بكر البرقاني، و أبى القاسم الأزهرى.

و سائر هؤلاء الأعلام من المتضلعين إما في الحديث و الرجال أو في التاريخ و الأخبار، و بالطبع فلن يقدح فيهم أن يخطئوا فحسبهم أن أخطاءهم أمكن حصرها و عدها عليهم، لكن مما يعلى من شأن الخطيب و علمه أن يتفطن لهذه الأخطاء و يصححها رغم فواتها على الأكابر، و إن كان لهم فضل السبق مع أنهم لم يتيسر لهم ما تيسر للخطيب من المصنفات الكثيرة في علم الرجال و الحديث و التاريخ التي شاعت في عصره. [2] و أما ما يتعلق بكشفه عن الروايات الشاذة فإنه يدل على سعة اطلاع لأن معرفة ذلك يقتضى الإحاطة بسائر الروايات و معرفة الإجماع لأن الشاذ ما خالفه.

و قد ضبط الخطيب على كبار المصنفين ما شذوا فيه من روايات خالفوا بها ما اتفق عليه العلماء، و لعلهم في الغالب جانبوا الصواب فيها، إذ الاحتمال ضعيف في أن يكون المصنف قد انفرد بذكر ما هو صواب و من سواه اتفقوا على ما هو خطأ. [3] [1]موارد الخطيب، 98، 99.

[2]موارد الخطيب، ص 100.

[3]موارد الخطيب، ص 100.

27

و قد سجل الخطيب هذه المخالفات أو الروايات الشاذة، و هي إما مخالفة في أسماء الرواة، أو التوهم فيها، أو تصحيفها، أو قلبها، أو في جعل الاثنين واحدا، أو الخطأ في الكنى أو الأنساب، أو في تحديد طبقة الرجل أو موضع قبره، أو وقوع التصحيف في ألفاظ الأحاديث، أو النقص في أسانيدها.

و يكتفى الخطيب بإظهار شكه في بعض الروايات عند ما لا يمكنه القطع بصحتها أو زيفها، كما أنه يرد بعض هذه الأخطاء إلى النقلة.

و أما ترجيح الخطيب بين الروايات المتعارضة فيقع خاصة في سنى الوفيات و أحيانا في سنى الموالد، أو في الأسماء أو المتفق و المفترق، و قد يكتفى بحكاية الاختلاف بين العلماء في الأسماء، أو النسبة أو الكنى، أو الأنساب، أو في مدينة صاحب الترجمة. [1] و الخطيب يدقق و يحقق، فإذا لم يتم له التحقق من الخبر حكاه بصيغة التمريض، و قد تقوم بعض القرائن عنده على أن اثنين ممن ترجمت لهم الكتب المتقدمة على كتابه هما واحد، لكن القرائن لا تكفى للبت بذلك فيحتاط و يترجم لاثنين.

و قد ترجم مرة لشخص مختلق لينبه على ذلك، و هو يتوقف أمام أسماء بعض الرواة الذين لا تتوافر له معلومات كافية للتعريف بهم فيذكر الاحتمالات دون أن يجازف و دون أن يقصر بترك التعقيب عليهم.

كذلك هو يتوقف فيما يشتبه عليه متجنبا المجازفة في العلم، و عند ما يروى بعض أخبار الصوفية العجيبة فإنه يعبر بلفظ «يحكى عن» و صرح مرة ببراءته من عهدة هذه الأخبار لأنه مجرد ناقل. و هذا لا يعنى أن الخطيب انتقد سائر الروايات التي تظهر فيها المبالغة بل سكت عن بعضها. [2]

ترتيب تاريخ بغداد:

رتب الخطيب البغدادي تراجم كتابه على أساس الحروف بصفة عامة، و لكنه لم يلتزم الترتيب المعجمى داخل الحرف الواحد، لكنه يبدو أنه قد راعى نظام الطبقات أحيانا داخل الحرف الواحد و الاسم الواحد، و لم يلتزم ذلك أيضا و لم يصرح به.

و لكن نستطيع القول بأنه كان يقدم تراجم المتقدمين على المتأخرين دائما.

[1]موارد الخطيب، ص 101، 102.

[2]موارد الخطيب، ص 102.

28

و على الرغم من أن تراجم الكتاب مترتبة طبقا لترتيب الحروف إلا أنه قد تكررت بعض التراجم، و يرجع ذلك إلى أن الخطيب كان يورد ترجمة الرجل في ترتيبها حسب الحروف، ثم إن كانت له كنية أو لقب يشتهر به، أو كان هناك اختلاف بين المصنفين المتقدمين في اسم صاحب الترجمة، أعاده مرة أخرى، و لكن بصورة مختصرة و يشير إلى أنها قد سبقت.

أما بالنسبة لتكرار الروايات فإن الخطيب كان يتفادى ذلك بالإحالة إلى موضع الرواية التي سبق إيرادها إن هو احتاج إليها في ترجمة أخرى، بل كان يحيل إلى مؤلفاته كالجامع، و موضح أوهام الجمع و التفريق، و مناقب أحمد إن احتاج الأمر للتفصيل.

المختصرات و الذيول على تاريخ بغداد:

لقد ذيل الكثيرون على «تاريخ بغداد» للخطيب باعتباره أصلا، و كذلك اختصروه لتسهيل الاستفادة منه.

فبالنسبة للمختصرات فهناك مختصر لابن مكرم و آخر للحافظ الذهبي. [1] و كذلك اختصره مسعود بن محمد بن أحمد بن حامد البخاري، [2]و ليحيى بن عبيد اللّه الحكيم البغدادي مصنف سماه «المختار من مختصر تاريخ بغداد لأبى بكر الخطيب البغدادي» [3] أما الذيول فسوف نرجئ الكلام عنها عند تناولنا للذيول بالتحقيق، إن شاء اللّه.

[1]الإعلان بالتوبيخ، للسخاوى، ص 622-623.

[2]المجلد الأول منه في برلين 9850 يقع في 165 ورقة نسخت منه 5846

[3]منه نسخة في رئيس الكتاب تحت رقم 692 بتركيا تحتوى على الجزء الثاني في 159 ورقة نسخت سنة 609 هـ.

29

منهج التحقيق‏

اعتمدنا في تحقيق «تاريخ بغداد» على مخطوطة دار الكتب المصرية تحت رقم (تاريخ 3196) بالإضافة للمطبوعة الوحيدة للكتاب في 14 مجلدا و التي اعتمد في طبعها على أجزاء متفرقة من مكتبات عديدة ذكرت في حواشيها و كان عملنا في الكتاب ما يلي:

1-مقارنة المطبوعة بمخطوطة دار الكتب المصرية مع إثبات الاختلافات في أغلب الأحيان، و كذلك إثبات الاختلافات مع النسخ الأخرى و استخلاص نسخة صحيحة بقدر المستطاع، ثم مقارنة النصوص الواردة بالكتاب بمصادرها التي نقلت منها كلما أمكن ذلك.

2-كتابة النص طبقا للقواعد الإملائية الحديثة و إثبات علامات الترقيم و بدايات السطور.

3-ضبط أغلب النص بالشكل و خاصة الأعلام و الأنساب و غيرها مما يلتبس الأمر فيه على الباحث.

4-تخريج الأحاديث النبوية الشريفة على كتب السنة بقدر الإمكان، و كذلك الآيات القرآنية على المصحف الشريف.

5-تخريج التراجم الواردة بالكتاب على كتب التاريخ و التراجم كلما أمكن ذلك.

6-التعليق على بعض الكلمات و كذلك الأنساب و الروايات و بخاصة الروايات التي وردت في ترجمة أبي حنيفة.

7-عمل مقدمة للكتاب شملت التعريف بالمؤلف و الترجمة له بترجمة وافية، ثم التعريف بالكتاب من حيث أهميته و منهجه و ترتيبه و مختصراته و ذيوله.

8-ذكرنا في النهاية المراجع التي تم الرجوع إليها و الاعتماد عليها في التحقيق.

و بعد، فعساني أكون قد قدمت عملا يضاف إلى المكتبة الإسلامية و يخدم طلبة العلم و الباحثين، راجيا من القارئ أن يتجاوز عما يكون في هذا العمل من خطأ غير مقصود، و أن يدعو الله لنا بالعفو و العافية إنه قريب مجيب، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المحقق مصطفى عبد القادر عطا الأهرام في: ليلة النصف من شعبان سنة 1416 ه

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

<بسم اللّه الرّحمن الرّحيم>

مقدمة المصنف‏

الحمد للّه الذي خلق السموات و الأرض، و جعل الظلمات و النور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا يحصى عدد نعمته العادّون، و لا يؤدي حق شكره المتحمّدون، و لا يبلغ مدى عظمته الواصفون، بديع السموات و الأرض، و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

أحمده على الآلاء، و أشكره على النعماء، و أستعين به في الشدة و الرخاء، و أتوكل عليه فيما أجراه من القدر و القضاء؛ و أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أعتقد أن لا رب إلا إياه، شهادة من لا يرتاب في شهادته، و اعتقاد من لا يستنكف عن عبادته.

و أشهد أن محمّدا عبده الأمين، و رسوله المكين، حسّن اللّه به اليقين، و أرسله إلى الخلق أجمعين، بلسان عربي مبين؛ بلغ الرسالة، و أظهر المقالة، و نصح الأمة، و كشف الغمة، و جاهد في سبيل اللّه المشركين، و عبد ربه حتى أتاه اليقين؛ فصلى اللّه على محمّد سيد المرسلين، و على أهل بيته الطّيّبين، و أصحابه المنتخبين، و أزواجه الطّاهرات أمهات المؤمنين، و تابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين.

هذا كتاب «تاريخ مدينة السّلام و خبر بنائها، و ذكر كبراء نزّالها، و ذكر وارديها و تسمية علمائها» . ذكرت من ذلك ما بلغني علمه، و انتهت إليّ معرفته؛ مستعينا على ما يعرض من جميع الأمور باللّه الكريم، فإنه لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال: سمعت عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النّيسابوريّ يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي الشّافعيّ: يا يونس دخلت بغداد؟قال: قلت: لا. قال: ما رأيت الدّنيا[1].

[1]انظر الخبر في: المنتظم لابن الجوزي 8/84.

34

باب القول في حكم بلد بغداد و غلته و ما جاء في جواز بيع أرضه و كراهته‏

أول ما نبدأ في كتابنا هذا: ذكر أقوال العلماء في أرض بغداد و حكمها و ما حفظ عنهم من الجواز و الكراهة لبيعها؛ فذكر عن غير واحد منهم أن بغداد دار غصب لا تشترى مساكنها و لاتباع. و رأى بعضهم نزولها باستئجار؛ فإن تطاولت الأيام فمات صاحب منزل أو حانوت أو غير ذلك من الأبنية لم يجيزوا بيع الموروث؛ بل رأوا أن تباع الأنقاض دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها و أما الأرض فلا حق لهم فيها إذ كانت غصبا.

أنبأنا أبو القاسم الأزهري، أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى القرشيّ، و أنبأنا أبو محمّد الحسن بن على الجوهريّ، أنبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز. قالا: أنبأنا أحمد بن محمّد بن جعفر أبو الحسين، حدّثني أبو الفضل جعفر بن محمّد المؤدّب: أن أباه لما مات أرادت والدته أن تبيع دارا و رثاها. فقالت لي: يا بني امض إلى أحمد بن حنبل و إلى بشر بن الحارث فسلهما عن ذلك؛ فإني لا أحب أن أقطع أمرا دونهما، و أعلمهما أن بنا حاجة إلى بيعها. قال: فسألتهما عن ذلك، فاتفق قولاهما على بيع الأنقاض دون الأرض، فرجعت إلى والدتي فأخبرتها بذلك فلم تبعها. و منع جماعة من العلماء من بيع أرض بغداد لكونها من أرض السواد؛ و أرض السواد عندهم موقوفة لا يصح بيعها. و أجازت طائفة بيعها؛ و احتجت بأن عمر بن الخطّاب أقر السواد في أيدي أهله، و جعل أخذ الخراج منهم عوضا عن ذلك.

و كان غير واحد من السلف يكره سكنى بغداد و المقام بها، و يحث على الخروج منها.

و قيل: إن الفضيل بن عياض كان لا يرى الصلاة في شي‏ء من بغداد لأجل أنها عنده غصب.

أخبرنا أبو القاسم الأزهري، أخبرنا أحمد بن محمّد بن موسى القرشيّ، و أخبرنا الحسن بن على الجوهري، أخبرنا محمّد بن العبّاس الخزّاز، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمّد بن عبيد اللّه المنادي نبّأ أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر بن خالد النّيسابوريّ المعروف بابن القصير، نبّأ عمر بن أيّوب، قال: سألت الفضيل بن عياض عن المقام ببغداد. فقال لي: لا تقم بها و اخرج عنها فإن أخبثهم مؤذنوهم.

35

أنبأ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسحاق الحافظ بأصبهان نبأ أحمد بن بندار بن إسحاق أنبأنا محمّد بن يحيى بن مندة، قال: أن إبراهيم بن يزداد البغداديّ بأصبهان، قال: نبأنا محمّد بن يحيى الأزديّ، قال: قلت لعبد اللّه بن داود، إن لي خالة ببغداد، قال: اقطعها قطع القثاء.

حدّثني أبو محمّد الحسن بن محمّد بن الحسن الخلاّل و أبو طالب عمر بن إبراهيم ابن سعيد الفقيه. قال: نبأنا يوسف بن عمر القوّاس نبأنا محمّد بن إسحاق المقري حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن يوسف بن الضّحاك، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: بغداد ضيقة على المتقين لا ينبغي لمؤمن أن يقيم فيها. قلت له:

فهذا أحمد بن حنبل فما تقول؟قال: دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة.

أنبأنا أبو الحسن أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال نبأنا عبيد اللّه بن عبد الرّحمن قال حدّثنا أبو عبد الرّحمن بن محمّد الزّهريّ قال نبأنا محمّد بن إبراهيم بن جناد قال سمعت أبا عمران الجصاص قال قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه هذه أربعة دراهم: درهم من تجارة برة، و درهم من صلة الإخوان، و درهم من التعليم، و درهم من غلة بغداد. فقال: ما منها شي‏ء أحبّ إليّ من التجارة، و لا فيها شي‏ء أكره عندي من صلة الإخوان؛ و أما التعليم فإني أرجو أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه، و أما غلة بغداد فأنت تعرفها أيش‏[1]تسألني عنها.

حدّثني عبد العزيز بن على الورّاق قال حدّثنا على بن عبد اللّه الهمداني بمكة قال أنبأنا الخالدي قال حدّثني أحمد بن عبد اللّه بن خالد، قال: سأل أحمد بن محمّد بن حنبل عن مسألة في الورع. فقال: أنا أستغفر اللّه، لا يحل لي أن أتكلم في الورع؛ أنا آكل من غلة بغداد. لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه؛ فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد و لا من طعام السواد؛ فهو يصلح أن يتكلم في الورع.

نبأنا أبو القاسم الأزهري أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى و أنبأنا الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس. قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد، قال: و كان مما بقي في كتابي غير مسموع عن أبي الحسن على بن إسماعيل البزار المعروف بعلوية، قال: نبأنا يحيى بن الصامت، قال: سأل رجل عبد اللّه بن المبارك: تري لي أن [1]أيش: معناها أي شي‏ء.

36

أنزل من بغداد متى ما دخلتها؟قال: إن ابتليت بذلك فانزل نهر الدجاج فإنه في أيدي أربابه لم يغصبوا عليه أحدا.

أخبرني عبيد اللّه بن أبي الفتح الفارسيّ قال حدّثنا على بن محمّد بن إبراهيم الجوهريّ نبأنا أبو الحسن طلحة بن أحمد بن حفص الصّفّار نبأنا العبّاس بن يوسف نبأنا أبو الطّيّب الذام قال سمعت ابن المبارك يقول:

الزم الثغر و التعبّد فيه # ليس بغداد مسكن الزهاد

إن بغداد للملوك محل # و مناخ للقارئ الصياد

أخبرنا أبو محمّد عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه الأصبهانيّ أنبأنا جعفر بن محمّد ابن نصير الخلدي أنبأنا مفضل بن محمّد الجندي أنبأنا يونس بن محمّد نبأنا يزيد بن أبي حكيم. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: المتعبّد ببغداد كالمتعبّد في الكنيف.

نبأنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى، و أنبأنا الجوهريّ أنبأنا محمّد ابن العبّاس. قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدّثني جدي محمّد بن عبيد اللّه المنادي.

قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أزرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب في ذلك في قول عمر بن الخطّاب في أرض السواد.

أنبأنا أبو الحسين محمّد بن على بن محمّد بن مخلد الورّاق و أبو الحسين أحمد بن على بن الحسين التوزي. قالا: أنبأنا أبو الحسن محمّد بن جعفر بن هارون النّحويّ الكوفيّ نبأنا أبو القاسم الحسن بن محمّد السكوني. قال: قال أبو بكر محمّد بن خلف-و هو وكيع القاضي-: لم تزل بغداد مثل أرض السواد إلى سنة خمس و أربعين و مائة.

قال الخطيب: يعني أنها كانت تمسح و يؤخذ عنها الخراج؛ حتى بناها أبو جعفر المنصور و مصّرها و نزلها و أنزلها الناس معه.

باب الخبر عن السواد و فعل عمر فيه و لأى علة ترك قسمته بين مفتتحيه‏

أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزّاز أنبأنا دعلج بن أحمد ابن دعلج المعدّل أنبأنا محمّد بن على بن يزيد الصائغ قال نبأنا سعيد بن منصور نبأنا هشيم قال أنبأنا العوام بن حوشب أنا إبراهيم التّميميّ. قال: لما افتتح المسلمون‏

37

السواد قالوا لعمر بن الخطّاب: أقسمه بيننا فأبى. فقالوا: إنا افتتحناها عنوة قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، و أخاف أن تقتتلوا.

فأقر أهل السواد في أرضهم و ضرب على رءوسهم الضرائب-يعني الجزية-و على أرضهم الطّسق‏[1]-يعني الخراج-و لم يقسمها بينهم.

أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ بالبصرة أنا أبو على محمّد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال أنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال حدّثنا أحمد بن حنبل قال أنا عبد الرّحمن-يعني ابن مهديّ-عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. قال: لو لا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خيبر.

أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الخريبيّ بنيسابور قال أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم قال أنبأنا محمّد بن عبد اللّه ابن عبد الحكم قال أنبأنا ابن وهب قال أنبأنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول: لو لا أني أترك الناس بيّانا لا شي‏ء لهم، ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خيبر.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن أحمد بن غالب الخوارزميّ قال أنبأنا عمر بن نوح البجليّ قال أنبأنا أبو خليفة قال حدّثنا محمّد بن كثير قال أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب. قال: أراد عمر أن يقسم السواد؛ فعدوهم فأصاب كل رجل ثلاثة من الفلاحين؛ فاستشار عمر فيهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. فقالوا:

للناس نائبة و لا يبقى لمن بعدهم شي‏ء فتركهم.

أخبرنا أبو الحسن على بن محمّد بن عبد اللّه بن بشران المعدّل قال أنبأنا أبو على إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال أنا الحسن بن على بن عفان قال أنا يحيى بن آدم قال أنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب. قال: كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق:

أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم و ما أفاء اللّه عليهم؛ فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع [1]الطسق: ما يوضع من الوظيفة على الجربان من الخراج المقرر على الأرض، فارسي معرب.

و في التهذيب: الطسق شبه الخراج له مقدار معلوم، و ليس بعربي خالص. و الطسق: مكيال.

معروف.

38

أو مال و اقسمه بين من حضر من المسلمين و اترك الأرضين و الأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين؛ فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شي‏ء[1].

اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون و يقهرون العدو عليها. فذهب بعضهم: إلى أن الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم فيعزل منهم السهم الذي ذكره اللّه تعالى في آية الغنيمة فقال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ [الأنفال 41]الآية. و يقسم السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها؛ فإن لم يختر ذلك وقف جميعها كما فعل عمر بن الخطّاب في أرض السواد.

و ممن ذهب إلى هذا القول: أبو حنيفة النعمان بن ثابت و سفيان بن سعيد الثوري.

و قال مالك بن أنس: تصير الأرض وقفا بنفس الاغتنام و لا خيار فيها للإمام.

و قال محمّد بن إدريس الشّافعيّ: ليس للإمام إيقافها و إنما يلزمه قسمتها؛ فإن اتفق المسلمون على إيقافها و رضوا ألا تقسم جاز ذلك. و احتج من ذهب إلى هذا القول بما روى أن عمر بن الخطّاب قسم أرض السواد بين غانميها و حازوها؛ ثم استنزلهم بعد ذلك عنها و استرضاهم منها و وقفها.

فأما الأحاديث التي تقدمت بأن عمر لم يقسمها فإنها محمولة على أنه امتنع من إمضاء القسم و استدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم، أو أنه لم يقسم بعض السواد و قسم بعضه ثم رجع فيه.

أخبرنا أبو محمّد عبد اللّه بن يحيى بن عبد الجبّار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن أبي زيدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم. قال: كنا ربع الناس يوم القادسيّة فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين، ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك. فقال: أما و اللّه، لو لا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم، فأرى أن تردوا على المسلمين؛ ففعل. و أجازه بثمانين دينارا[2].

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم البغويّ قال [1]انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص 27، 28.

[2]انظر الخبر في كتاب الخراج ليحيى بن آدم ص 45.

39

أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد القاسم بن سلاّم قال نبأنا هشيم عن إسماعيل عن قيس. قال: قالت امرأة من بجيلة-يقال لها أم كرز-لعمر: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك و سهمه ثابت في السواد و إني لم أسلّمه فقال لها: يا أم كرز، إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء و تملأ كفي ذهبا. قال: ففعل عمر ذلك.

قال أبو عبيد: فاحتج قوم بفعل عمر هذا. و قالوا: أ لا تراه قد أرضي جريرا و البجليّة و عوضهما. و إنما وجه ذلك عندي: أن عمر كان قد نفل جريرا و قومه ذلك نفلا قبل القتال، و قبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله. و لو لم يكن نفلا ما خصه و قومه بالقسمة خاصة دون الناس؛ و إنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك و ملكوه بالنفل. فلا حجة في هذا لمن يزعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم‏[1].

قال الخطيب: ثم إن عمر رضي اللّه عنه أقر أهل السواد فيه و ضرب عليهم الخراج بعد أن سلم إليهم الأرض يعملون فيها و ينتفعون بها، و بعث عماله لمساحتها و قبض الواجب عنها.

فأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا الأنصاريّ محمّد بن عبد اللّه. و لا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلاّ قد حدّثناه أيضا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز أن عمر بن الخطّاب بعث عمّار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم و جيوشهم، و عبد اللّه بن مسعود على قضائهم و بيت مالهم، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض. ثم فرض لهم في كل يوم شاة. أو قال: جعل لهم كل يوم شاة، شطرها و سواقطها لعمّار، و الشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعا في خرابها. قال فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم و على جريب النخل خمسة دراهم، و على جريب القضب‏[2] ستة دراهم، و على جريب البر أربعة دراهم، و على جريب الشعير درهمين‏[3].

[1]انظر الخبر في: كتاب الأموال لأبي عبيد ص 87، 88.

[2]القضب: كل شجرة طالت و بسطت أغصانها.

[3]انظر الخبر في: الأموال، لأبي عبيد ص 98، 103.

40

أخبرنا على بن محمّد بن عبد اللّه القرشيّ قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نا سعدان بن نصر قال أنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم: أن عمر بن الخطّاب بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر -حيث يناله الماء-قفيزا و درهما. قال وكيع: يعني الحنطة و الشعير-و وضع على جريب الكرم عشرة دراهم، و على جريب الرطاب‏[1]: خمسة دراهم.

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال أنا أبو عبيد قال أنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف مسح السواد فوجده ستة و ثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما و قفيزا. قال أبو عبيد: أرى حديث مجالد عن الشعبي هو المحفوظ. و يقال: إن حد السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبّادان من شرقي دجلة، هذا طوله. و أما عرضه: فحده منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب. فهذا حدود السواد و عليها وقع الخراج.

أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن شجاع الصّوفيّ قال أنبأنا أبو على محمّد بن أحمد ابن الحسن الصّوّاف قال أنا محمّد بن عبدوس بن كامل و محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو بكر بن أبي شيبة قال أنا حميد بن عبد الرّحمن عن حصين عن مطرف قال: ما فوق حلوان فهو ذمة، و ما دون حلوان من السواد فهو في‏ء، و سوادنا هذا في‏ء.

أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الحافظ قال ثنا أبو بكر محمّد بن جعفر بن أحمد ابن الليث الواسطي قال ثنا أسلم بن سهل قال ثنا محمّد بن صالح قال نبأنا هشام بن محمّد بن السائب قال سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد سوادا لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل و الشجر و الماء فسموه سوادا.

أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن الحسين الأصبهانيّ بها قال أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطبراني قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد:

كان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنما سمي به للكثرة؛ و إنما أنا فأحسبه سمي [1]الرطبة: روضة الفصفصة ما دامت خضراء، و قيل: هي الفصفصة نفسها، و جمعها رطاب (لسان العرب: رطب) .

41

بالسواد للخضرة التي في النخيل و الشجر و الزرع، لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فتوضع إحداهما موضع الآخر، و من ذلك قول اللّه تعالى حين ذكر الجنتين:

مُدْهََامَّتََانِ [الرحمن 64]هما في التفسير خضراوان، فوصفت الخضرة بالدهمة و هي من سواد الليل، و قد وجدنا مثله في أشعارهم.

قال ذو الرمة:

قد أقطع النازع المجهول معسفة # في ظل أخضر يدعو هامة البوم‏

يريد: بالأخضر-الليل-سماه بهذا لظلمته و سواده.

أخبرنا على بن محمّد بن عبد اللّه المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصفار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال قال حسن بن صالح:

و أما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد و من لم يقاتلهم من النبط و الدهاقين على حالهم، و وضعوا الجزية على رءوس الرجال؛ و مسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الأرض و وضعوا عليها الخراج، و قبضوا كل أرض ليس في يد أحد، فكانت صوافي إلى الإمام.

قال يحيى: كل أرض كانت لعبدة الأوثان من العجم أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب ممن تقبل منهم الجزية، فإن أرضيهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رءوسهم و الخراج على أرضيهم؛ فإن ذلك يقبل منهم، و إن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعد ما يخمسه و هي الغنيمة التي لا يوقف شي‏ء منها. و ذلك قوله عز و جل: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ [الأنفال 41]. و أما القرى و المدائن و الأرض فهي في‏ء كما قال اللّه تعالى: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ [الحشر 7].

فالإمام بالخيار في ذلك إن شاء وقفه و تركه للمسلمين؛ و إن شاء قسمه بين من حضره‏[1].

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد: إنما جعل-يعني عمر-الخراج على الأرضين التي تغل [1]انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص 21، 22.

42

من ذوات الحب و الثمار و التي تصلح للغلة من العامر و الغامر؛ و عطل من ذلك المساكن و الدور التي هي منازلهم فلم يجعل عليهم فيها شيئا[1].

باب ذكر حكم بيع أرض السواد و ما روي في ذلك من الصحة و الفساد

أخبرنا على بن محمّد بن عبد اللّه المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال أنبأنا الحسن بن على بن عفان قال أنبأنا يحيى بن آدم قال حدّثني الحسن بن صالح قال أبو على الصّفّار أظنه عن منصور عن عبيد أبي الحسن عن عبد اللّه بن مغفل المزني. قال: لا تباع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا و أرض الحيرة فإن لهم عهدا[2].

أنبأنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأ أبو عبيد قال أنبأ عبّاد بن العوام عن حجاج عن الحكم عن عبد اللّه ابن مغفل. قال: لا تشترين من أهل السواد إلا من أهل الحيرة و بانقيا و أليس. قال أبو عبيد: فأما أهل الحيرة فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر، و أما أهل بانقيا و أليس فإنهم دلوا أبا عبيد و جرير بن عبد اللّه البجليّ على مخاضة حتى عبروا إلى فارس؛ فبذلك كان صلحهم و أمانهم. و يروى عن الحسن بن صالح بن حي: أنه رخص في شراء أرض الصلح و كره شراء أرض العنوة، و هو مذهب مالك بن أنس‏[3].

و جاء عن مجاهد بن جبر: في أرض العنوة نحو ذلك.

أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رزق البزّار قال أنبأنا محمّد بن يحيى بن عمر بن على بن حرب الطائي قال نبأنا على بن حرب عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال: أيما مدينة افتتحت عنوة فأسلموا قبل أن يقسموا فأموالهم للمسلمين.

أنبأنا محمّد بن أبي نصر النرسي قال حدّثني جدي على بن أحمد بن محمّد بن يوسف القاضي بسرّ من رأى قال أنبأنا إبراهيم بن عبد الصّمد الهاشميّ قال أنبأنا [1]انظر الخبر في الأموال، لأبي عبيد ص 121.

[2]انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم، ص 27، 51.

[3]انظر الخبر في: كتاب الأموال، لأبي عبيد، ص 116، 117.

43

أبو مصعب عن مالك بن أنس. قال: أما أهل الصلح فإن من أسلم منهم أحق بأرضه و ماله: و أما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فإن من أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه، و كانت أرضه للمسلمين فيئا. لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم و صارت فيئا للمسلمين.

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال حدّثني يحيى بن عبد اللّه بن بكير. قال قال مالك: كل أرض فتحت صلحا فهي لأهلها لأنهم منعوا بلادهم حتى صالحوا عليها؛ و كل بلاد أخذت عنوة فهي في‏ء للمسلمين.

أخبرنا على بن محمّد المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على العامري. قال قال يحيى بن آدم: و كره حسن-يعني ابن صالح- شراء أرض الخراج؛ و لم ير بأسا بشراء أرض الصلح مثل الحيرة و نحوها[1].

قال الشيخ: فهؤلاء الذين كرهوا شراء أرض السواد إنما كرهوه لجهتين: إحداهما أن الخراج كانوا يذهبون إلى أنه صغار فلم يروا أن يدخلوا فيه، و الثانية: أن السواد لما فتح عنوة فوقف فلم يقسم حصل عندهم مما لا يجوز بيعة سوى من رخص في المواضع التي ذكر أن لأهلها ذمة و هي بانقيا و الحيرة و أليس خاصة. و قد روي عن محمّد بن سيرين أنه قال: بعض السواد عنوة، و بعضه صلح من غير تبيين لأحد الأمرين من الآخر.

أخبرنا على بن محمّد المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال حدّثنا يحيى بن آدم قال أنا أبو زيد عن أشعث عن ابن سيرين.

قال: السواد منه صلح و منه عنوة؛ فما كان منه عنوة فهو للمسلمين: و ما كان منه صلحا فلهم أموالهم. و قال يحيى: حدّثنا الحسن بن صالح عن أشعث عن ابن سيرين. قال: ما نعلم من له صلح ممن ليس لهم صلح من أهل السواد.

قال الشيخ أبو بكر: فيحتمل أن يكون الصلح الذي ذكره بن سيرين من السواد هو لأهل المواضع التي سميناها في حديث أبي عبيد، و يحتمل أن يكون لقوم آخرين؛ و إنا نظرنا في ذلك فوجدنا من السواد شيئا ذكر أنه صلح سوى ما تقدم ذكرنا له.

[1]انظر الخبر في: الخراج، ليحيى بن آدم ص 52، 53.

44

أخبرنا على بن أبي بكر القنوي قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا الحسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي. قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة و أهل عين التمر. قال: و كتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه. قال يحيى: قلت للحسن بن صالح؛ فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة إنما هو شي‏ء عليهم و ليس على أرضيهم؟قال: نعم.

و قال يحيى حدّثنا حسن بن صالح عن جابر عن الشعبي. قال: لأهل الأنبار عهد أو قال عقد[1].

و ذكر محمّد بن خلف وكيع القاضي: أن محمّد بن إسحاق الصغاني أخبرهم قال نبأنا أبو سعيد الحدّاد قال نبأنا محمّد بن الحسن عن أبي شيبة عن الحكم قال:

كلواذى صلح.

أخبرنا بذلك محمّد بن على الورّاق قال أنبأنا محمّد بن جعفر التّميميّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف: و بغداد من أفنية كلواذي؛ فقد حصلت من بلاد الصلح على هذه الرواية و في كونها صلحا جواز بيع أرضها؛ و لا أحسب الذين كرهوا شراء أرض بغداد انتهت إليهم هذه الرواية عن الحكم.

و قد كان الليث بن سعد اشترى شيئا من أرض مصر و حكمها حكم سواد العراق؛ و إنما استجاز الليث ذلك لأنه كان يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح.

و كان مالك بن أنس و عبد اللّه بن لهيعة و نافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل لأن مصر كانت عندهم عنوة. و لعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم أو بلغهم فلم يثبت عندهم، و اللّه أعلم.

[1]انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص 52.

45

فصل‏

قال الشيخ أبو بكر: قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة و صار غنيمة للمسلمين. فقال بعض أهل العلم: لمّا لم يقسم و وقف صار بيعه لا يصح و يؤيد هذا قول عمر بن الخطّاب لطلحة بن عبيد اللّه و عتبة بن فرقد: أما قوله لطلحة.

فأخبرنا الحسين بن شجاع الصّوفيّ قال أنبأنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف قال نبأنا محمّد بن عبدوس بن كامل و محمّد بن عثمان بن أبي شيبة. قالا: نبأنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نبأنا حميد بن عبد الرّحمن عن حسن عن مطرّف عن بعض أصحابه. قال: اشترى طلحة بن عبيد اللّه أرضا من النشاستك نشاستك بني طلحة هذا الذي عند السيلحين. فأتى عمر بن الخطّاب فذكر ذلك له فقال: إني اشتريت أرضا معجبة. فقال له عمر: ممن اشتريتها؟اشتريتها من أهل الكوفة؟اشتريتها من أهل القادسيّة؟قال طلحة: و كيف أشتريها من أهل القادسيّة كلهم؟قال: إنك لم تصنع شيئا إنما هي في‏ء.

و أما قوله لعتبة.

فأخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق و عليّ بن محمّد بن بشران. قالا: أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم عن عبد السّلام بن حرب عن بكير بن عامر عن عامر. قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج؛ ثم أتى عمر فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟قال: من أهلها.

قال: فهؤلاء أهلها المسلمون أ بعتموه شيئا؟قالوا: لا. قال: فاذهب فاطلب مالك‏[1].

و أخبرنا ابن رزق و ابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل، قال: نبأنا الحسن قال نبأنا يحيى قال نبأنا قيس عن أبي إسماعيل عن الشعبي عن عتبة بن فرقد. قال: اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي؛ فذكرت ذلك لعمر. فقال لي: اشتريتها من أصحابها؟قلت: نعم: قال: رح إليّ، فرحت إليه.

فقال: يا هؤلاء أ بعتموه شيئا؟قالوا: لا. قال: ابتغ مالك حيث وضعته.

و قال قوم: بل السواد ملك لأهله لأن عمر قد أقره في أيديهم و فرض الخراج عليهم.

[1]انظر الخبر في: كتاب الخراج ليحيى بن آدم ص 57.

46

و قال قوم: باعهم عمر الأرض بالخراج فلهم رقاب الأرض يتوارثونها و يتبايعونها.

و احتجوا على ذلك بما[1].

أخبرنا القاضي أبو الفرج محمّد بن أحمد بن الحسن الشّافعيّ قال أنبأنا أحمد بن يوسف بن خلاد المعدّل قال نبأنا محمّد بن يونس قال نبأنا عبد اللّه بن داود الخريبي قال: كان الحسن و الحسين لا يريان بأسا بأرض الخراج.

و أخبرنا ابن رزق و ابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا حسن بن صالح عن ابن أبي ليلى قال: اشترى الحسن بن على ملحة أو ملحا، و اشترى الحسين بريدين من أرض الخراج. و قال: و قد رد إليهم عمر أرضيهم و صالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم. قال: و كان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأسا[2].

أخبرنا عبد اللّه بن يحيى بن عبد الجبّار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن المبارك عن سفيان بن سعيد، قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد و الأموال و السّبي بعد ما يخرج الخمس من ذلك، و إن شاء منّ عليهم فترك الأرض و الأموال فكانوا ذمة المسلمين كما صنع عمر بن الخطّاب بأهل السواد. فإن تركهم صاروا عهدا توارثوا و باعوا أرضهم. قال يحيى: و سمعت حفص بن غياث يقول: تباع و يقضى بها الدين و تقسم في المواريث‏[3].

أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد: و مع هذا كله إنه قد سهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم و لم يشترطوا عنوة و لا صلحا، منهم من الصحابة: ابن مسعود، و من التابعين: محمّد بن سيرين و عمر بن عبد العزيز، و كان ذلك رأى سفيان الثوري فيما يحكى عنه‏[4].

أما حديث بن مسعود، فأخبرناه أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل بن شاذان [1]انظر الخبر في المصدر السابق، نفس الصفحة.

[2]انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص 57.

[3]انظر الخبر في: الخراج، ليحيى بن آدم ص 47.

[4]انظر الخبر في: كتاب الأموال، لأبي عبيد ص 119.

47

الصّيرفيّ بنيسابور قال نبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم قال نبأنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبّار العطاردي قال نبأنا أبو معاوية عن الأعمش.

- و أنبأنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن رزق البزار أنبأنا عثمان بن أحمد الدّقّاق نبأنا محمّد بن عبيد اللّه المنادي أنا أبو بدر نبأنا سليمان بن مهران-و هو الأعمش- عن شمر بن عطيّة عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه قال قال عبد اللّه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدّنيا[1]»

.

قال عبد اللّه و براذان ما براذان‏[2]!و بالمدينة ما بالمدينة!فقد ذكر ابن مسعود هذا الحديث: أن له براذان مالا.

أخبرنا أبو أحمد عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أحمد الدّقّاق و أبو محمّد عبد اللّه بن يحيى السكري، قالا: أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا سعدان بن نصر قال نبأنا أبو معاوية عن الحجّاج عن القاسم بن عبد الرّحمن، قال: اشترى عبد اللّه أرضا من أرض الخراج. قال فقال له صاحبها-يعني دهقانها: أنا أكفيك إعطاء خراجها و القيام عليها.

و أما حديث ابن سيرين فأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال: حدّثني قبيصة عن سفيان عن عبد العزيز بن قرير عن ابن سيرين: أنه كانت له أرض من أرض الخراج، و كان يعطيها بالثلث و الربع‏[3].

و أما حديث عمر بن عبد العزيز: فأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد اللّه ابن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا عبد الرّحمن بن مهديّ عن حمّاد بن سلمة عن رجاء أبي المقدام عن نعيم بن عبد اللّه. أن عمر بن عبد العزيز: أعطاه أرضا بجزيتها.

[1]انظر الحديث في: سنن الترمذي 2328، و مسند الإمام أحمد 1/377، 426، 443. و المستدرك 4/322. و صحيح ابن حبان 2471. و مسند الحميدي 122. و المصنف لابن أبي شيبة 13/241.

و الزهد للإمام أحمد 29. و الأحاديث الصحيحة 12. و مشكاة المصابيح 5178. و فتح الباري 5/4.

و تاريخ أصبهان لأبي نعيم 2/116. و إتحاف السادة المتقين 8/147.

[2]راذان: قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: راذان الأسفل و راذان الأعلى: كورتان بسواد بغداد تشتمل على قرى كثيرة، و راذان أيضا قرية بنواحي المدينة جاءت في حديث عبد الله بن مسعود.

[3]انظر الخبر في: الأموال، لأبي عبيد ص 120.

48

قال عبد الرّحمن: يعني-من أرض السواد-قال أبو عبيد: و كأنّ عمر بن عبد العزيز تأول الرخصة في أرض الخراج أن الجزية التي قال اللّه تعالى: حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ [التوبة 29]. إنما هي على الرءوس لا على الأرض، و كذلك يروي عنه. قال أبو عبيد يقول: و الداخل في أرض الجزية ليس يدخل في هذه الآية.

قال أبو عبيد: و قد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بالسواد. و الذي يروى عن سفيان أنه قال:

إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها و تبايعوها؛ فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها.

قال أبو عبيد: إنما اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذات المزارع و الشجر، فأما المساكن و الدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره شراءها و حيازتها و سكناها، قد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر و هو أذن في ذلك، و نزلها من أكابر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و كان منهم سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن مسعود، و عمّار، و حذيفة، و سلمان، و خبّاب، و أبو مسعود، و غيرهم. ثم قدمها علىّ عليه السّلام فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعد بها فما بلغنا أن أحدا منهم ارتاب بها و لا كان في نفسه منها شي‏ء بحمد اللّه و نعمته، و كذلك سائر السواد. و الحديث في هذا أكثر من أن يحصى‏[1].

أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى القرشيّ و أنبأنا الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز قال أنبأنا أحمد بن جعفر أبو الحسين. قال: كان فيما فاتني عن العبّاس بن عبد اللّه الترقفي حدّثني على بن الصباح ابن أخت الهرويّ. قال: أتيت عبد اللّه بن داود الخريبي فسألته سكنى بغداد.

قال: و لا بأس. قلت له: أين، فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها فقال: كان سفيان يكره جوار القوم و قربهم. قلت: فابن المبارك يقول أنه كان كلما دخلها يتصدق بدينار. فقال: و من أين يصح هذا لنا عن ابن المبارك؟قلت: فسمعت ابن حرب و الفضيل بن عياض. فقال: لم تذكر لنا فقيها بعد. قلت: فما تقول في أرض السواد؟ فقال: خذ بيد من اتخذ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في أرض السواد، اتخذها سعد بن [1]انظر الخبر في: كتاب الأموال، لأبي عبيد 120، 121.

49

أبي وقاص، و ابن مسعود، و عمّار، و حذيفة، و سلمان، و أنس. قال البيهقي:

و سمعت الحسن بن الرّبيع البوراني‏[1]يقول: قيل لابن المبارك: إن الناس يقولون إنك كلما دخلت بغداد تصدقت بدينار. فقال: إن دنانيرنا إذا لكثيرة. فقال أبو الحسين أحمد بن جعفر: و هذا إخبار من ابن المبارك و ليس هو بجواب سؤال السائل، و إنا نكره المراجعة، فاستعمال المحاجزة و الآفات المشهور عنه فيها التغليظ و الذم الصريح و الصّدقة إذا دخلها مجتازا غير مختار، و قد ذكر عنه في ذم ساكنيها مع الكلام أشعار.

فمنها ما أخبر به عن أبي الحسن محمّد بن محمّد المعروف بحبيش بن أبي الورد.

قال قال ابن المبارك يذم الناسك الذي سكن بغداد:

أيها الناسك الذي لبس الصو # ف و أضحى يعدّ في العبّاد

الزم الثغر و التعبد فيه # ليس بغداد مسكن الزهاد

إن بغداد للملوك محلّ # و مناخ للقارئ الصياد

أخبرنا أبو القاسم عبيد اللّه بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ قال نبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز قال نبأنا عبد اللّه بن محمّد بن عبد العزيز قال نبأنا أبو زكريّا يحيى بن أيّوب العابد. قال: شهدت معروفا-يعني الكرخي-و رجل عنده فذكر أن بغداد غصب. فقال له معروف: يا هذا اتق اللّه احفظ لسانك ما نعرف شيئا غصب.

أنبأنا محمّد بن على الورّاق و أحمد بن على المحتسب. قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر بن هارون الكوفيّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال زعم عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن حميد بن جبلة قال حدّثني أبي عن جدي جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة، و كانت لستين نفسا من البغداديّين فعوضهم عنها عوضا أرضاهم، و أخذ جدي جبلة قسمه بينهم، و كان شارع طريق الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترايتة. قال: و قال ابن أبي سعد عن أبيه قال سمعت السري بن الحطم-و أظنه من بجيلة بن عمر: أن المنصور كان ابتاع منه ما بين قنطرة البردان إلى الجسر، و أنه لم يقبض ثمن ذلك منه؛ و إن حد أرضه من الجسر حتى ينتهي إلى قرية تعرف بالأثلة على فرسخ من الجانب الشرقي، و منزله بالحطمية على ميلين من بغداد، و رفع في ذلك إلى الرشيد و إلى المأمون فلم يعطياه.

[1]في الأصل: النوراني، و التصحيح من كتب الرجال.

50

قال الشيخ أبو بكر: و في حديثي ابن أبيّ سعد هذين إبطال لقول من زعم أن بغداد دار غصب، و دحض لزعمه و كسر لدعواه، و قد قدمنا القول عمّن حكيناه عنه في إجازة بيع أرض السواد، و تحصل منه أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث و تستغل و تباع، و على ذلك كان من أدركنا من العلماء و القضاة و الشهود و الفقهاء.

لا يكرهون الشهادة في مبيع، و لا يتوقفون عن الحكم في موروث، و بهم يقتدى فيما وقع التنازع فيه، و حكمهم هو الحجة على مخالفيه. مع ما.

أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى و أخبرنا الحسن ابن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس، قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر بن المنادي. قال: سأل رجل أحمد بن محمّد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله و يسكن في دار منه، كيف سبيله عنده؟. فقال له: هذا شي‏ء ورثته عن أبي، فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه و دفعت إليه.

ذكر أقاليم الأرض السبعة و قسمتها و أن الإقليم الذي فيه بغداد سرتها[1]

ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة، و أن الهند رسمتها فجعلت صفة الأقاليم كأنها حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر على هذه الصفة، كل دائرة منها إقليم من الأقاليم الستة، فالدائرة الوسطى هي إقليم بابل، و الدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى: فالإقليم الأول منها إقليم بلاد الهند، و الإقليم الثاني إقليم الحجاز، و الإقليم الثالث إقليم مصر، و الإقليم الرابع إقليم بابل، هو المثل بالدائرة الوسط التي اكتنفتها سائر الدوائر، و هو أوسط الأقاليم و أعمرها و فيه جزيرة العرب و فيه العراق الذي هو سرّة الدّنيا.

و حدّ هذا الإقليم مما يلي أرض الحجاز و أرض نجد الثعلبية من طريق مكة، وحده مما يلي الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخا، وحده مما يلي أرض خراسان وراء نهر بلخ، وحده مما يلي الهند خلف الديبل‏[2]بستة فراسخ و بغداد في وسط هذا الإقليم.

[1]انظر: المنتظم، لابن الجوزي 8/70. و مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي 1/61-65.

[2]في الأصل: «الدبيل» و التصحيح من القاموس، و الديبل: بضم الباء الموحدة و سكون الياء المثناة، قصبة بلاد السند.

51

و الإقليم الخامس بلاد الروم و الشام، و الإقليم السادس بلاد الترك، و الإقليم السابع بلاد الصين. فالإقليم الرابع الذي فيه العراق-و في العراق-بغداد-هو صفوة الأرض، و وسطها لا يلحق من فيه عيب سرف و لا تقصير[1].

قالوا: و لذلك اعتدلت ألوان أهله و امتدت أجسامهم، و سلموا من شقرة الروم و الصقالبة، و من سواد الحبش و سائر أجناس السودان، و من غلظة الترك‏[2]، و من جفاء أهل الجبال و خراسان، و من دمامة أهل الصين، و من جانسهم و شاكل خلقهم، فسلموا من ذلك كله، و اجتمعت في أهل هذا القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار، و كما اعتدلوا في الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة و التمسك بالعلم و الأدب و محاسن الأمور، و هم أهل العراق و من جاورهم و شاكلهم‏[3].

ذكر تعريب اسم العراق و معناه و أن حده حد السواد و منتهاه‏

أخبرنا على بن أبي على البصريّ قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدّل قال قال أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباريّ قال ابن الأعرابي: إنما سمي العراق عراقا لأنه سفل عن نجد و دنا من البحر، أخذ من عراق القربة و هو الخرز الذي في أسفلها.

و قال غيره: العراق معناه في كلامهم الطير. قالوا: و هو جمع عرقة و العرقة ضرب من الطير: و يقال أيضا: العراق جمع عرق.

و قال قطرب: إنما سمي العراق عراقا لأنه دنا من البحر و فيه سباخ و شجر، يقال:

استعرقت إبلكم إذا أتت ذلك الموضع‏[4].

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال نبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز قال أنبأنا أبو أيّوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال قال: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي:

العراق من يلدّ[5]إلى عبادان، و عرضه من العذيب إلى جبل حلوان. و إنما سميت [1]انظر: مرآة الزمان، لسبط الجوزي 1/65. و المنتظم 8/70.

[2]في المنتظم: و من غلظ الترك.

[3]انظر الخبر في: المنتظم 8/70.

[4]انظر: الروض المعطار في خبر الأقطار، للحميري ص 109، 110.

[5]هكذا في الأصل: و في القاموس: بلد: مدينة بالجزيرة.

52

العراق‏[عراقا[1]]لأن كل استواء عند نهر أو عند بحر عراق، و إنما سمي السواد سوادا لأنهم قدموا يفتحون الكوفة فلما أبصروا سواد النخل قالوا: ما هذا السواد؟

- أخبرنا أبو بكر محمّد بن عمر بن بكير المقرئ قال حدّثني أحمد بن محمّد بن إبراهيم الأنباريّ قال نبأنا أبو عمر محمّد بن أحمد الحليمي قال نبأنا آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب عن معن بن الوليد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «اللهم بارك لنا في صاعنا و مدّنا و في شامنا و في يمننا و في حجازنا» . قال فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللّه، و في عراقنا، فأمسك النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل. فقال: يا رسول اللّه، و في عراقنا، فأمسك النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فلما كان في اليوم الثالث قام إليه الرجل، فقال: يا رسول اللّه و في عراقنا، فأمسك النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فولّى الرجل و هو يبكي، فدعاه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم. فقال: «أ من العراق أنت؟» . قال نعم: قال: «إن أبي إبراهيم عليه السّلام همّ أن يدعو عليهم فأوحى اللّه تعالى إليه لا تفعل، فإني جعلت خزائن علمي فيهم، و أسكنت الرحمة قلوبهم‏[2]»

.

أخبرنا الحسن بن على بن عبد اللّه المقرئ قال أنبأنا محمّد بن جعفر التّميميّ الكوفيّ قال أنبأنا الجلودي-يعني أبا أحمد البصريّ-قال أنبأنا محمّد بن زكويه عن ابن عائشة قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى كعب الأحبار: اختر لي المنازل. قال:

فكتب: يا أمير المؤمنين إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت؛ فقال السخاء: أريد اليمن. فقال حسن الخلق: أنا معك، و قال الجفاء: أريد الحجاز. فقال الفقر: و أنا معك. و قال البأس: أريد الشام. فقام السيف: و أنا معك، و قال العلم: أريد العراق، فقال العقل:

و أنا معك. و قال الغني: أريد مصر، فقال الذل و أنا معك، فاختر لنفسك. قال: فلما ورد الكتاب على عمر. قال: فالعراق إذا؛ فالعراق‏[3]إذا.

أخبرنا محمّد بن الحسين القطّان قال أنبأ عبد اللّه بن جعفر النّحويّ قال نا يعقوب ابن سفيان قال نا قبيصة قال نا سفيان عن الأعمش عن شمر بن عطيّة عن رجل عن عمر قال: أهل العراق كنز الإيمان، و جمجمة العرب، و هم رمح اللّه عز و جل يحرزون ثغورهم و يمدون الأمصار.

[1]ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل.

[2]انظر الحديث في: صحيح البخاري 3/30، 4/42، 8/99. و صحيح مسلم، كتاب الحج 476.

و مسند الإمام أحمد 60/240، 3/47. و فتح الباري 4/98، 99. و الترغيب و الترهيب 2/227.

و مرآة الزمان 1/96.

[3]انظر الخبر في: المنتظم 8/70، 71.