الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج2

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
364 /
5

الجزء الثاني‏

ايضاحات ضرورية

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد و إياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم.

و الصلاة و السلام على محمد المصطفى، خاتم الأنبياء و المرسلين، و آله الكرام البررة الطيبين الطاهرين.

و اللعنة على أعدائهم أجمعين، من الأولين و الآخرين، إلى يوم الدين.

و بعد..

فإنني إذ أقدم إلى القراء الكرام هذا الكتاب: «الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم» أو «المصطفى من سيرة المصطفى» أرى لزاما عليّ أن أشير-بإختصار-إلى الامور التالية:

1-لقد اعتمدت-بالدرجة الأولى-فيما كتبته هنا على مؤلفات القدماء. أما مراجعتي لمؤلفات المعاصرين، فلا تكاد تذكر؛ لأن ما راجعته منها، رأيت أنه-عموما-يكرر ما كتبه أولئك، إلا في كيفية التنسيق و التبويب و الإخراج، ثم التبرير و التوجيه له. بزيادة: أنهم يظهرون‏

6

براعتهم و تفوقهم في ترصيف الكلمات البراقة، و صياغة الجمل و العبارات الرنانة في تأييده و تأكيده. من دون أي تحقيق له، أو تدقيق فيه، صحة و فسادا؛ حتى ليخيل إليك: أن تلك النصوص جزء من الوحي الإلهي، الذي لا يتطرق إليه الشك، و لا يرقى إليه الريب، مهما كانت متناقضة و متنافرة؛ إذ لا بد من الجمع بينها، و تمحّل الوجوه لها، و لو كانت مما يأباه كل عقل، و لا يقره وجدان، و لا يرضاه ضمير، حتى إذا لم يمكن ذلك فلا بد من السكوت عنها، و الاعتراف بالعجز عن فهم حقيقة الحال فيها، و ذلك هو أضعف الإيمان.

2-لقد انصبّ اهتمامي في هذا الكتاب على الناحية التحقيقية حول صحة، و عدم صحة الكثير مما يدّعى أنه سيرة نبوية، أو تاريخ إسلامي. و لكن بالمقدار الذي يتناسب مع كتاب كهذا، يريد أن يعطي صورة متقاربة الملامح، قدر الإمكان عن فترة زمنية ثرية بالاحداث و المواقف الحساسة، و قد كانت و لا تزال محط النظر-بشكل رئيسي- لأهل المطامح و الأهواء السياسية، و المذهبية، و غيرها.

بل هي أخطر و أهم مرحلة تاريخية على الإطلاق؛ لأنها غيّرت جذريا، و ليس فقط أصلحت كل الأسس و المنطلقات الخاطئة لكل قضايا و شؤون الإنسان و الإنسانية جمعاء.

و قد كانت المهمة في الحقيقة شاقة و صعبة للغاية. و لكنني رضيت بتحمل ذلك، لأنني أدركت مدى حاجة المكتبة الإسلامية إلى جهد كهذا، مهما كان ناقصا و محدودا؛ ليكون النواة و الخطوة الأولى على طريق اعتماد المنهج التحقيقي العلمي في التعرف على قضايا التراث، بصورة شمولية، و مستوعبة.

3-و قد يلاحظ القارى‏ء لهذا الكتاب بعض الفجوات فيه، أو مدا و جزرا في الشمولية و الاستقصاء.

7

و له أن يرجع ذلك إلى أن هذا الكتاب قد أعدّ في فترات زمنية متباعدة، فرضها واقع الظروف التي تمنع الإنسان من الاستفادة من عنصر الوقت على النحو الأفضل و الأمثل.

كما أنه لا يمكن استبعاد حالات النشاط و الخمود الفكري التي تعتري الانسان تبعا لتفاوت حالات الهدوء و الاستقرار، الأمر الذي يؤثر بشكل واضح على طبيعة ما يكتب، و يظهر فيه شيئا من التفاوت و الاختلاف في مستوى التعرض لبحوثه و قضاياه.

4-حيث إن التاريخ الاسلامي-كما سنرى-قد تعرّض لمحاولات جادّة للتلاعب فيه من قبل أصحاب الأهواء السياسية و المذهبية و غيرها، و تسرّبت إليه بعض الترهات و الأباطيل من قبل أهل الكتاب و غيرهم، ثم حاولت الأيدي الأثيمة و الحاقدة أن تعبث به تحريفا، أو تزييفا، فقد أصبح البحث، و الوصول إلى الحقائق فيه على درجة كبيرة من الصعوبة، إن لم يصل إلى حد التعذر أحيانا، فقد كان لا بد لنا من أخذ الأمور التالية بنظر الاعتبار:

أ: إن الاعتماد على نوع معين من المؤلّفات و المؤلفين ربما يتسبب في حرمان القارى‏ء من الاطلاع على نصوص تناثرت هنا و هناك، و استطاعت أن تخترق الحجب، و تقفز فوق الحواجز الثقيلة، و تصل الينا سليمة-إلى حدّ ما-من التحريف، حين لم ير فيها السياسيون المحترفون خطرا، و لا رأى فيها المتمذهبون المتعصبون ضررا؛ فتركها هؤلاء و أولئك، ليتلقفها عشاق الحقيقة القليلون جدا؛ بعيدا عن غوغائية المتعصبين، و في مأمن و منأى من جبروت و تعنت الأشرار المحترفين.

ب: إننا رأينا-و الحالة هذه-أن البحث في الاسانيد، و الإعتماد عليها كمقياس و معيار نهائي في الردّ و القبول، إنما يعني: أن علينا أن نقتنع بنصوص قليلة جدا، لا تكاد تفي حتى بالتصور العام، و بالفهرسة

8

الإجمالية للسيرة النبوية المباركة، فضلا عن تفصيل أحداث تاريخ صدر الإسلام.

و لسوف نخسر كثيرا من النصوص الصحيحة، التي لم توفق لسند تتوفر فيه أدنى شرائط القبول.

هذا بالإضافة إلى أن الباحث سوف يفقد حرية الحركة، و الربط و الاستنتاج، و لسوف لن يكون لفهمه العميق للأجواء و الظروف و للإتجاهات السياسية و الفكرية و غيرها الذي اكتسبه من الممارسة الطويلة، أية فعالية تذكر في استخلاص الحقائق، التي أريد لها-لسبب أو لآخر-أن تبقى طي الكتمان، ورهن الإبهام و الغموض.

هذا عدا عن المشكلات الكبيرة التي تواجه الباحث، و لا بد له من التغلب عليها، ليمكن للبحث السندي، أن يكون مقبولا و معقولا لدى أرباب الفكر، و أساطين العلم و المعرفة.

و أهم هذه المشكلات هي مشكلة المعايير و المنطلقات و الضوابط للبحث السندي، و موازين القبول و الرد فيه. و التي يرتكز بعضها على أسس عقائدية أولية، يتطلب البحث فيها وقتا طويلا، و جهدا عظيما. إن لم ينته إلى الطريق المسدود، و يعود ممجوجا و عقيما في اكثر الأحيان؛ حيث يصّر البعض على اتخاذ منحى لا يتسم بالنزاهة و لا بالموضوعية، خصوصا في النواحي العقائدية. و لا نملك إزاء هذا النوع من الناس إلا أن نقول:

قاتل اللّه الأهواء، و العصبيات، و المصالح الشخصية و الفئوية.

و على هذا الأساس نقول: إننا إذا كنا قد بحثنا-أحيانا-في الاسانيد، فقد اعتمدنا في ذلك الطريقة المعقولة و المقبولة، المبتنية على قاعدة: الزموهم بما الزموا به أنفسهم. ثم الطرق التي يتوافق عليها إن لم يكن كل فأكثر أهل الفرق، و تؤدي إلى نتيجة مقبولة لدى الجميع، و إن‏

9

كان منشأ هذا القبول يختلف بين هؤلاء و أولئك في أحيان كثيرة.

ج: لقد حتم علينا ذلك المنهج، بالإضافة إلى ما تقدم: أن نتخذ من المبادئ الإسلامية، و من القرآن، و من شخصية و خصائص، و أخلاق الرسول الاعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» أساسا لتقييم كثير من النصوص المعروضة، و الحكم عليها بالرد أو القبول من خلال انسجامها مع ذلك كله، أو عدم انسجامها معه.

و ذلك ينسحب على كل شخصية استطعنا الحصول على فهم عام لسيرتها، و لخصائصها و أخلاقها، و مواقفها، و اتجاهاتها.

د: هذا بالاضافة إلى الكثير من أدوات البحث، التي توفرها الممارسة الطويلة في هذا الاتجاه، كتناقض النصوص، و الامكانية التاريخية، من خلال المحاسبات التاريخية الدقيقة. و غير ذلك من وسائل استفدنا منها في بحوثنا هذه، مما سوف يقف عليه القارئ الكريم لهذا الكتاب.

5-و بعد، فإن الكل يعلم: ان المسلمين قد اهتموا بتدوين تاريخ الإسلام، بشكل لا نظير له لدى أي من الأمم الأخرى، فهو بحق و برغم كل المحاولات أثرى تاريخ أمة و اغناه على الإطلاق.

و حيث إن البحث في جميع جوانبه أمر متعسر، بل متعذر علينا، فقد آثرنا الاكتفاء بالبحث في جانب يستطيع أن يهيئ لنا تصورا عاما، و هيكلية متقاربة الملامح و السمات، عن حياة نبينا الأكرم محمد «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .

6-لسوف يجد القارئ لهذا الكتاب أنني حاولت الإقتصار على أقل قدر ممكن من الشواهد و الدلائل و مصادرها المأخوذة منها. مع علمي بأن بالامكان حشد أضعاف ذلك في تأييد و تأكيد الحقائق التي أوردتها بشكل عام.

10

7-انني قد نسبت كل شي‏ء استفدته أو استشهدت به إلى قائله، أو كاتبه و ناقله، فأما الافكار التي لا مصدر لها، فهي جهد شخصي، لم أعتمد فيه على أحد.

8-و أخيرا، فقد كانت الفرصة تسنح أحيانا، في فترات الاحساس بشي‏ء من النشاط الفكري لتسجيل بعض الملاحظات أو الإلتفاتات أو التفسيرات لبعض المواقف أو القضايا و الأحداث.

و هي و إن كانت لا تصل في الأكثر إلى مستوى البحث الكامل و الشامل؛ لأنها جاءت على الأكثر بصورة عفوية، و مرتجلة، لم يسبقها إعداد، و لا مراجعة، و لا مطالعة. إلا أنها تعتبر-على الأقل-بمثابة استراحات للقارئ الكريم، كما كانت استراحات للكاتب نفسه من قبل.

و للقارئ الخيار بعد هذا في أن يحكم لها أو عليها. و إذا كان حكمه لها فهو بالخيار أيضا في أن يتلمس فيها شيئا من العمق، أو بعضا من الجمال.

و في الختام، فإنني أرجو من القارئ الكريم أن يتحفنى بآرائه، و مؤاخذاته و لسوف أكون له من الشاكرين.

و الحمد للّه، و الصلاة و السلام على عباده الذين اصطفى محمد و آله الطيبين الطاهرين.

ايران-قم المشرفة 16/12/1400 هـ. ق.

جعفر مرتضى الحسيني العاملي‏غ

11

القسم الأول:

ما قبل البعثة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الفصل الأول:

ما قبل الميلاد

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

البداية الطبيعية:

إن من البديهي: أن البداية الطبيعية و المعقولة لتاريخ الإسلام، و أعظم ما فيه و هو سيرة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» تحتم علينا اعطاء لمحة خاطفة عن تاريخ ما قبل البعثة، و ما اتصل بها من احداث سبقتها، لنتعرف على الأجواء و المناخات التي انطلقت فيها دعوة الدين الحق، و هو دين الإسلام فنقول: غ

الوضع الجغرافي لشبه جزيرة العرب:

هي شبه جزيرة مستطيلة يحدها شمالا: الفرات، و آخر قطعاتها بادية الشام و السماوة، و فلسطين، و شرقا خليج فارس، و جنوبا خليج عدن، و المحيط الهندي، و غربا: البحر الأحمر (1) .

و لا يعنينا الوضع الجغرافي هنا إلا في النواحي التالية:

الأولى: إنه لم يكن في جزيرة العرب حتى نهر واحد، بالمعنى الصحيح للكلمة (2) ، و أكثرها جبال، و أودية، و سهول جرداء، لا تصلح

____________

(1) راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 1 ص 140 فما بعدها.

(2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 1 ص 157 فما بعدها.

16

للزراعة و العمل. و من ثم فهي لا تساعد على الإستقرار، و تنظيم الحياة.

و من هنا فقد كان أكثر سكانها، بل قيل: خمسة أسداسهم من البدو الرحل، الذين يمسون في مكان، و يصبحون في آخر.

الثانية: إن هذا الوضع قد جعل هذه المنطقة في مأمن من فرض السيطرة عليها، من قبل الدولتين العظميين آنئذ: الرومان، و الفرس، و غيرهما؛ فلم تتأثر المنطقة بمفاهيمهم و أديانهم كثيرا. بل لقد هرب اليهود من حكامهم الرومان إلى جزيرة العرب، و احتموا فيها في يثرب (المدينة) و غيرها.

و قد نشأت عن هذا الوضع للجزيرة العربية، ظاهرة الدويلات القبلية، فلكل قبيلة حاكم، و كل ذي قوة له سلطان.

الثالثة: إن هذه الحياة الصعبة، و هذا الحكم القبلي، و عدم وجود روادع دينية، أو وجدانية قوية، قد دفع بهذه القبائل إلى ممارسةالإغارة و السلب ضد بعضها البعض، كوسيلة من وسائل العيش أحيانا، و أحيانا لفرض السيطرة و السلطان، و أحيانا أخرى للثأر و إدراك الأوتار، إلى آخر ما هنالك، فتغير هذه القبيلة على تلك؛ فتستولي على اموالها، و تسبي نساءها و أطفالها، و تقتل أو تأسر من تقدر عليه من رجالها. ثم تعود القبيلة المنكوبة لتتربص بهذه الغالبة الفرصة لمثل ذلك، و هكذا.

و من هنا، فإن من الطبيعي أن يكون شعور أفراد كل قبيلة بالنسبة لأبناء قبيلتهم قويا جدا، بدافع من شعورهم بالحاجة إلى بعضهم البعض للدفاع عن الحياة، و الكفاح من أجلها، مما كان سببا قويا لزيادة حدّة التعصب القبلي، الذي لا يرثي، و لا يرحم، و لا يلين، حيث لا بد من الوقوف إلى جانب إبن القبيلة، سواء أكان الحق له، أو عليه، حتى لقد قال شاعرهم يتمدحهم بذلك:

لايسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا

17

و من الجهة الأخرى، فإن القبيلة تتحمل كل جناية أو جريمة يرتكبها أحد أبنائها، و تحميه من كل من أراده بسوء. بل يكون أخذ الثأر من غير الجاني إذا كان من قبيلته كافيا و شافيا للموتورين، الذين يريدون شفاء ما في نفوسهم، و إدراك أوتارهم. غ

الحضر في شبه جزيرة العرب:

أما الحضر في جزيرة العرب، و هم الذين يسكنون المدن، و يستقرون فيها، فإنهم و إن كانوا في حياتهم أرقى من العرب الرحل، إلا أن رقيهم هذا لم يكن بحيث يجعل الفارق بينهما كبيرا.

و من هنا، فإننا نلاحظ تشابها كبيرا فيما بينهما في العقلية، و في المفاهيم، و في العادات و التقاليد، و أساليب الحياة، و بدائيتها. هذا إن لم نقل: إن العرب الرحل كانوا أصح أبدانا، و أفصح لسانا، و أقوى جنانا، و أصفى نفسا، و فكرا و قريحة.

و لكن امتياز هؤلاء و أولئك في بعض الأمور لم يكن إلى الحد الذي يحتم على الباحث فصل الحديث عنهما، و لا سيما بالنسبة الى أولئك الحضريين الذي يسكنون الحجاز.

و الخلاصة: إننا إذا كنا لم نجد في تاريخ ما قبل الإسلام ما يبرر نسبة التفوق إلى أحد الطرفين على الآخر، كما يتضح من كلمات أمير المؤمنين الآتية و غيرها، فليس في فصل الحديث عنهما كبير فائدة، و لا جليل أثر. غ

الحالة الإجتماعية عند العرب:

و إن من يطالع كتب التاريخ سيرى بوضوح إلى أي حد كانت الحالة الإجتماعية متردية في العصر الجاهلي. و قد قدمنا: ان السلب و النهب و الإغارة، و التعصب القبلي، و غير ذلك قد كان من مميزات الإنسان‏

18

العربي، حتى إنه إذا لم تجد القبيلة من تغير عليه من أعدائها أغارت على أصدقائها، و حتى على أبناء عمها، يقول القطامي:

و كن إذا أغرن على قبيل # و أعوزهن نهب حيث كانا

أغرن من الضباب على حلال‏ (1) # و ضبة إنه من حان حانا

و أحيانا على بكر أخينا # إذا ما لم نجد إلا أخانا

و لقد رأينا: أن تلك الظروف الصعبة، و الفقر و الجوع، و الخلافات التي كانوا يعانون منها، و المفاهيم الخاطئة التي كانت تعيش في أذهانهم -و خصوصا عن المرأة-.

و كذلك ظروف الغزو و الإغارة، التي تعني سبي النساء و الأطفال، قد دفعتهم إلى قتل أو وأد أولادهم، و لا سيما البنات. و كان ذلك في قبائل تميم، و قيس، و أسد، و هذيل، و بكر بن وائل‏ (2) .

بل إننا نستطيع أن نعرف مدى شيوع الوأد بينهم من تعرض القرآن لهذه المسألة، و ردعه لهم عنها، و إدانتها، قال تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ مِنْ إِمْلاََقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيََّاهُمْ (3) .

و قال أيضا: وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ*`بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (4) .

كما أننا نجده «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد نص على ذلك في بيعة العقبة و قد قال محمد بن إسماعيل التيمى، و غيره-تعليقا على هذا:

خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل و قطيعة رحم؛ فالعناية بالنهي عنه آكد؛

____________

(1) الضباب إسم قبيلة. و الحلال: المجاور.

(2) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 174.

(3) سورة الأنعام، الآية: 151.

(4) سورة التكوير، الآيات: 8-9.

ـ

19

و لأنه كان شائعا فيهم، و هو وأد البنات و قتل البنين، خشية الإملاق إلخ‏ (1) » .

و يقول البعض: «كان هذا الوأد-على رأي بعض الباحثين-في عامة قبائل العرب» يستعمله واحد، و يتركه عشرة؛ أو كان على الاقل معروفا في بعض القبائل كربيعة، و كنده، و تميم‏ (2) . غ

المرأة في الجاهلية:

و قد كانت حياة المرأة في الجاهلية أصعب حياة؛ حيث لم يكن لها عندهم قيمة أبدا، و قد كتب الكثير عن هذا الموضوع؛ و لذا فلا نرى حاجة كبيرة للتوسع فيه، و يكفي أن نذكر هنا قوله تعالى:

وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ََ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ، `يَتَوََارى‏ََ مِنَ اَلْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مََا بُشِّرَ بِهِ، أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ََ هُونٍ، أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ، أَلاََ سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ (3) .

و سياق الآية الكريمة يشير إلى كثرة ذلك و شيوعه فيهم.

و من ذلك نعرف ان الخضري قد حاول تكذيب القرآن، حينما ادعى: أن العربي قبل الإسلام كان يحترم المرأة و يجلها (4) .

نعوذ باللّه من الخذلان، و من وساوس الشيطان.

كما أن فيه تكذيبا للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي يقول:

«و اللّه، إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل اللّه فيهن ما أنزل،

____________

(1) فتح الباري ج 1 ص 61.

(2) راجع: النظم الإسلامية ص 442/443.

(3) النحل: 58-59.

(4) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ص 17-20

20

و قسم لهن ما قسم» (1) . غ

شواهد عن حالة العرب في الجاهلية:

و عن حالة العرب في الجاهلية يكفي أن نذكر بعض ما قاله سيد الخلق بعد الرسول علي أمير المؤمنين «عليه السلام» فمن ذلك قوله «عليه السلام» «بعثه و الناس ضلال في حيرة، و حاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، و استزلتهم الكبرياء، و استخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، و بلاء من الجهل» (2) .

و قال «عليه السلام» : «و أنتم معشر العرب على شر دين، و في شرّ دار، تنيخون بين حجارة خشن، و حيات صم، تشربون الكدر، و تأكلون الجشب، و تسفكون دماءكم، و تقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، و الآثام فيكم معصوبة» (3) .

و قال «عليه السلام » : «فالأحوال مضطربة، و الأيدي مختلفة، و الكثرة متفرقة، في بلاء أزل، و أطباق جهل، من بنات موؤودة، و أصنام معبودة، و أرحام مقطوعة، و غارات مشنونة» (4) .

و كلمات أمير المؤمنين هنا حجة دامغة على كل مكابر متعصب.

و هناك كلمات كثيرة له «عليه السلام» في هذا المجال؛ فمن أرادها فليراجع نهج البلاغة و غيره.

____________

(1) صحيح البخاري ط سنة 1309: ج 3 ص 133.

(2) نهج البلاغة الذي بهامشه شرح الشيخ محمد عبده الخطبة 91. و الإمامة و السياسة:

ج 1ص 154.

(3) نهج البلاغة، عبده، الخطبة 25.

(4) نهج البلاغة، عبده، الخطبة 187.

21

و يقال: إن المغيرة بن شعبة قد قال ليزد جرد: «.. و أما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالا منا، و أما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس و الجعلان، و الحيات، و نرى ذلك طعامنا. أما المنازل فإنما هي ظهر الأرض. و لا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، و أشعار الغنم؛ ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، و أن يبغى بعضنا على بعض، و ان كان أحدنا ليدفن إبنته و هي حية، كراهية أن تأكل من طعامه» (1) .

و لابن العاص أيضا كلام يشير إلى بعض ذلك؛ فمن أراده فليراجعه في مصادره‏ (2) . غ

علوم العرب:

لقد أوضح لنا الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» في كلماته المتقدمة حالة العرب، و مستواهم العلمي و الثقافي، و أنهم كانوا يعيشون في ظلمات الجهل، و الحيرة، و الضياع.

و هذا يكذب كل ما يدعيه الآخرون-كالآلوسي و غيره-من أن العرب كانوا قد تميزوا ببعض العلوم، كعلم الطب، و الأنواء، و القيافة، و العيافة، و السماء، و نحو ذلك..

و قال بعضهم: «خصت العرب بخصال: بالكهانة، و القيافة، و العيافة و النجوم، و الحساب» (3) .

فإن ما كان عندهم من ذلك هو مجرد ملاحظات بسيطة ساذجة،

____________

(1) البداية و النهاية ج 7 ص 42 و الطبري ج 3 ص 18. و حياة الصحابة ج 1 ص 220 و لكلامه هذا نص آخر ذكره في الأخبار الطوال ص 121.

(2) مجمع الزوائد ج 8 ص 237، عن الطبراني و حياة الصحابة ج 3 ص 770 عن المجمع.

(3) الموفقيات ص 362/363.

22

مبنية على الحدس و التخمين، متوارثة عن مشايخ الحي و عجائزه.

و هذا هو رأي ابن خلدون أيضا، الذي كان يرى: أن علم الطب عندهم لا يتعدى معلومات أولية، و ملاحظات بسيطة، لا تستحق أن تسمى علما، و لا شبه علم.

و مثل هذا يقال عنهم في علم الانواء و السماء؛ فضلا عما يسمى بالقيافة، و العيافة. هذا عدا عن أن بعض هذه الأمور، لا تستحق أن يطلق عليها إسم «علم» .

و يكفي أن نذكر هنا: أنهم كانوا أميين، لا يعرفون القراءة و الكتابة أصلا، إلا من شذ منهم، حتى ليذكرون: انه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» أرسل رسالة إلى قبيلة بكر بن وائل؛ فلم يجدوا قارئا لها في القبيلة كلها.

و قرأها لهم رجل من بني ضبيعة فهم يسمون: بني الكاتب‏ (1) .

و يروي البلاذري: أن الاسلام قد دخل، و في قريش سبعة عشر رجلا فقط، و في الأوس و الخزرج في المدينة إثنا عشر رجلا يعرفون القراءة و الكتابة (2) .

و قال ابن عبد ربه: «جاء الإسلام و ليس أحد يكتب بالعربية غير سبعة عشر إنسانا» . ثم عدهم فذكر عليا «عليه السلام» أولا (3) .

____________

(1) مجمع الزوائد ج 5 ص 305، و قال: إن رجاله رجال الصحيح، عن أحمد، و البزار، و أبي يعلى، و الطبراني في الصغير، عن أنس، و مرثد بن ظبيان. و راجع:

كشف الأستار، عن مسند البزار ج 2 ص 266. و المعجم الصغير ج 1 ص 111.

(2) فتوح البلدان ط أوروبا ص 471 فما بعدها، و ص 80 في القسم الثالث من الطبعة التي حققها صلاح الدين المنجد. و إن كنا نناقش في بعض من عدّهم في من يكتب أو يقرأ كعمر بن الخطاب، الذي سيأتي في قضية إسلامه: أنه لم يكن يعرف حتى القراءة.

(3) العقد الفريد: ج 4 ص 157.

23

و يرى إبن خلدون: أن أكثرهم كان لا يتقنها، بل كان بدائيا، و ضعيفا فيها بشكل ملحوظ.

و يلاحظ من أسمائهم: أن أكثرهم قد تعلمها بعد ظهور الإسلام، و ذكر إسم علي «عليه السلام» يدل على ذلك.

بل ربما كانوا يعتبرون القراءة و الكتابة عيبا؛ فقد قال عيسى بن عمر: «قال لي ذو الرمة: إرفع هذا الحرف. فقلت له: أتكتب؟فقال بيده على فيه، أي أكتم علي؛ فإنه عندنا عيب» (1) .

و فى حديث أبى هريرة: تعربوا يا بنى فروخ، فإن العرب قد أعرضت، أى عن العلم‏ (2) .

هذا، مع أن قريشا كانت أعظم قبيلة شأنا و خطرا، و نفوذا في الحجاز كله.

و مع أن التجارة تتطلب مثل ذلك عادة، و كان الأوس و الخزرج أيضا في المرتبة الثانية بعد قريش، تحضرا و نفوذا في الحجاز.

فإذا كان مستواهم الثقافي هو هذا، فمن الطبيعي ان يصير لليهود عموما و للنصارى-و لو بصورة أضعف-هيمنة فكرية كبيرة، و أن ينظر إليهم العرب نظرة التلميذ إلى معلمه، و لربما نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

هذا، و من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن أمية العرب كانت هي السر في قوة الحافظة عندهم. و لكنها عادت إلى الضعف التدريجي،

____________

(1) الشعر و الشعراء لابن قتيبة ص 334. و التراتيب الإدارية: ج 2 ص 248.

(2) مشكل الآثار: ج 3 ص 56.

24

حسب نسبة اعتمادهم على الكتابة في العصور المتأخرة، إبتداء من عصر التدوين.

و لسوف نشير إن شاء اللّه تعالى في غزوة بدر من هذا الكتاب، الى مدى الأهمية التي اولاها الاسلام لمحو الأمية، حتى لقد ورد أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد جعل فداء الأسير في غزوة بدر تعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة و الكتابة كما سيأتي. و قد كانت بدر أدق مرحلة يمر بها الإسلام و المسلمون في دعوتهم الى اللّه، و حربهم مع المشركين.

و خلاصة القول: إن جهل العرب كان هو الحاكم المطلق، و لا نلاحظ أية ظاهرة للنبوغ فيهم قبل الإسلام، بل على العكس من ذلك يمكن ملاحظة الكثير مما كان يزيدهم إمعانا في الجهل و الحيرة و الضياع‏غ

ميزات و خصائص:

لقد امتاز العرب قبل الإسلام ببعض الصفات التي تمدحهم الناس و أثنوا عليهم لأجلها. و هي صفات قليلة بالنسبة الى ما يقابلها من صفات و عادات ذميمة. و لكننا إذا دققنا النظر فيها فإننا لا نجد فيها ما يوجب مدحا بل ربما كانت في كثير من الاحيان موجبة لعكس ذلك تماما.

لأن ما يعطي للشي‏ء قيمته الحقيقة من أي نوع كانت هو دوافعه و منطلقاته، و أهدافه. و نحن لا نجد في تلك الأمور المنسوبة الى العرب ما يبرر تمدحهم من أجلها؛ لا من حيث المنطلقات و الدوافع، و لا من حيث الأهداف و الغايات، كما سنرى.

ولكن حين جاء الإسلام، و تغيرت تلك الدوافع و الأهداف، أصبحت تلك الصفات ذات قيمة، و صاروا يستحقون عليها التكريم و التقدير. غ

25

من امتيازات العرب:

لقد امتاز العرب بالصفات التالية:

1-بالكرم و حسن الضيافة-و هذا هو الأمر الوحيد الذي احتج به أبو سفيان على صحة دينه!!حيث قال لكعب بن الأشرف: «أديننا أحب إلى اللّه أم دين محمد و أصحابه؟و أينا أهدى في رأيك، و أقرب الى الحق؟إنا نطعم الجزور الكوماء، و نسقي اللبن على الماء، و نطعم ما هبت الشمال.

فقال له إبن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا (!!!) » (1) .

ولكن ذلك في الحقيقة لا يمكن أن يعد فضلية للعرب، إلا إذا ثبت أن بذلهم للمال كان نابعا من إيمان العربي بمثل أعلى، يدفعه إلى البذل و العطاء، أو أنه كان نابعا من عاطفة إنسانية، مصدرها رؤيا حاجة الآخرين، و التفاعل معها، بحيث يندفع إلى العطاء و البذل بنفسه، و من دون سؤال او تحريك.

مع أننا نجد أن الدافع لذلك كان في كثير من الاحيان ليس هو المثل العليا، و لا العاطفة الإنسانية، و إنما هو إبعاد العار، و التحرز من هجاء الشعراء، و حتى لا يسير ذكرهم في البلاد في اللؤم و الخسة، و لا تتعرض أعراضهم و كراماتهم للهدر، أو أملا بحسن الذكر، و طيب الاحدوثة؛ أو طمعا بزعامة قبيلة او منافسة قرين. و الشواهد على ذلك في التاريخ غير قليلة و الإستثناء لا يلتفت إليه.

بل نجد ان زيد الخيل حين يريد ان يعطي البعض، قد وعده بالعطاء بعد أن يشن الغارة، فلما شن الغارة على بني نمير بالملح و أصاب

____________

(1) البداية و النهاية: ج 4 ص 6، و السيرة النبوية لابن كثير: ج 3 ص 11.

و مصادر ذلك كثيرة ستأتي في أول غزوة الخندق إن شاء اللّه.

26

مائة بعير، أعطاه إياها (1) .

مع ان شن الغارة معناه التسبب في قتل الرجال و حتى الاطفال و النساء و الشيوخ و سبيهم، و الإستيلاء على أموالهم، و هدر كراماتهم.

و زيد الخيل هو من رجال العرب المعروفين، و يضارع حاتم الطائي في الشهرة و السؤدد.

هذا، و لا بد من الإشارة أخيرا الى ان عجز البدوي تجاه قوى الطبيعة القاسية، التي تستولي على الصحراء، من شأنه أن يولد فيه الشعور بضرورة الضيافة، و ضرورة البذل، حيث لا يمكنه حمل قوته في سفره الشاق الطويل، الذي يمتد عشرات الأيام. و هو مضطر الى السفر بين حين و آخر بحثا عن الماء و الكلأ، و لغير ذلك من أمور.

2-حميتهم و عصبيتهم، و هذه في الحقيقة صفة ذميمة، إذ أنهم يرون أن النصر لا بد أن يكون لذوي قرابتهم، و لابن قبيلتهم، و أن العون لا بد أن يمحض له، ظالما كان أو مظلوما.

و قد نعى القرآن عليهم ذلك، و عبر عنها بـ «حمية الجاهلية» (2) ، لأنها مبنية على الجهل، و عدم التثبت.

و قد تقدم ما يشير إلى سر نشوء ذلك فيهم، فلا نعيد.

3-الشجاعة: و إنما يستحق صاحبها المدح و الذم بملاحظة الأهداف في الموارد التي يستعملها فيها، فإذا استعملت في مورد حسن؛ إستحق صاحبها مدحا، و إلا فذما. و لهذا فليس هناك أشجع من الأسد، ولكن ذلك لا يعتبر فضيلة له.

و نحن إذا دققنا النظر فإننا نجد: أن سر شجاعة العرب هو أنهم

____________

(1) الأغاني ط دار إحياء التراث العربي (بيروت) : ج 17 ص 255.

(2) سورة الفتح/26.

27

بحكم بيئتهم و حياتهم في الصحراء، بلا حواجز و موانع طبيعية أو غيرها.

و مواجهتهم الخطر المستمر من الحيوان، و من بني الإنسان على حد سواء، يشعر كل فرد منهم: أنه مسؤول عن حماية نفسه، و الدفاع عنها بنفسه، و لا يرد عنه إلا يده و سيفه، ما دام أنه في كل حين عرضة للغزو، و النهب، و السلب، و أخذ الثارات منه.

هذا بالإضافة إلى أنه لا يأكل في كثير من الاحيان إلا من سيفه و يده، و إلا فإنه هو نفسه يكون عرضة لأن يؤكل، فمن لم يكن شجاعا فاتكا أكل، أو على الأقل لم يستطيع أن يأكل، فكأنهم يتعاملون بمنطق؛ إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، و بعد فهل يمدح الذئب على فتكه بفريسته، و تمزيقه لها؟!إلا إذا كان هذا الفتك من منطلق الدفاع عن المثل أو القيم، أو عن الضعيف الذي يحتاج إلى الناصر، أو ما إلى ذلك.

4-النجدة و الإقدام: و لا يختلف الكلام في ذلك عن الكلام في الشجاعة، إلا أننا نشير هنا إلى أن ذلك يرجع لإطمئنانه إلى أنه غير مسؤول عما يعمل، بل هو منصور من قبل قبيلته على كل حال، ظالما كان او مظلوما.

يضاف إلى ذلك: أن حياة البادية و الغزو المفاجئ، و عمليات الإغتيال ثأرا، و غير ذلك من أخطار كانت تتهددهم باستمرار، كل ذلك يستدعي سرعة الإقدام، و مباشرة العمل فورا، فإذا أضيف الى ذلك شعورهم بعدم المسؤولية عن كل ما يحصل، فإن الإقدام بلا ترو و لا تريث؛ لا بد أن يصبح هو الصفة المميزة لهم، و الطاغية على تصرفاتهم.

و لا بد ان نشير هنا: إلى أن قدرتهم على الانتقام فورا من شأنها أن تجعل فيهم حساسية متناهية؛ و لذا قل أن تجد فيهم حليما، إلا من بعض المسنين، أو أصحاب الهمم العالية، او الجبناء، الذين يتخذون الحلم وسيلة لتغطية إنهزاميتهم. غ

28

5-الأنفة و العزة، و الإعتداد بالنفس، و النزوع الى الحرية، و قوة الإرادة و الفصاحة، و قوة البيان؛ و الجوار.

و الكلام فيها لا يختلف كثيرا عما تقدم، فإن هذه الصفات لا تستحق مدحا أو ذما إلا بملاحظة الدوافع و الأهداف التي تكون من أجلها، أو تستعمل فيها.

و منشأ هذه الصفات فيهم بالإضافة الى ما تقدم، هو عدم تعرضهم للخضوع الى سلطة مركزية، تحاول الهيمنة عليهم، و فرض النظام فيهم، و لو بالإذلال، و القهر، مما من شأنه أن يعطيهم حرية في التصرف، و الحركة، و القول، و ما الى ذلك.

6-و أخيرا، الوفاء بالعهد: و هو أمر حسن في نفسه و لا بأس به، إلا أن يكون عهدا مضرا بالمجتمع.

و هذا الوفاء أيضا أمر قد فرضته عليهم طبيعة حياتهم التي أشرنا إليها آنفا.

و أما حلف الفضول، الذي هو أشرف حلف في العرب، فمصدره في الحقيقة بنو هاشم، و كذا حلف عبد المطلب مع خزاعة، فلا يعبر ذلك عن خلقيات سائر العرب.

و قد اتضح من كل ما تقدم: أن كل تلك الصفات ليست جديرة بأن تعتبر فضائل أخلاقية، و صفات إنسانية، إلا حينما كانت تصدر عن خلق فاضل، و إنسانية كريمة، أو عن تقوى و شعور ديني، و إلا فقد تكون على العكس من ذلك، إذا عبرت عما يناقص ذلك و ينافيه. غ

الإسلام و تلك الصفات:

لقد حاول الإسلام أن يضع تلك الصفات في خطها الصحيح، و أن‏

29

يجعلها تنطلق من قواعد إنسانية، و عواطف صافية و حقيقة، و فضائل أخلاقية، و بالأخص من إحساس ديني صحيح، و ليستفيد منها-من ثم- في بناء الأمة على أسس صحيحة و سليمة.

أماما كان منها لا يصلح لذلك، فقد كان يهتم بالقضاء عليه، و إستئصاله بالحكمة، و الموعظة الحسنة، كلما سنحت له الفرصة، و واتاه الظرف.

فمثلا، نلاحظ: أنه قد حاول أن يجعل المنطلق للكرم، و بذل المال، هو العاطفة الإنسانية، و الشعور بحاجة الآخرين، كما يظهر من كثير من النصوص، هذا بالاضافة إلى طلب الأجر و المغفرة من اللّه تعالى، و ذلك هو صريح قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً `إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً (1) بل لقد تعدى ذلك و تخطاه إلى تمدح الإيثار على النفس، حتى في موقع الخصاصة و الحاجة الملحة، فقال تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ، وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ (2) .

أما العصبيات القبيلة، فقد حاول أن يوجهها وجهة بناءة و يقضي على كل عناصر الشر و الإنحراف فيها، فدعا إلى بر الوالدين، و إلى صلة الرحم، و جعل ذلك من الواجبات، حينما يكون سببا في تلاحم و ربط المجتمع بعضه ببعض.

و لكنه أدان كل تعصب لغير الحق، و نددبه، و عاقب عليه، و اعتبر ذلك من دعوات الجاهلية المنتنة، كما هو صريح بعض النصوص التي سنشير إليها في السيرة النبوية، إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) سورة الإنسان، الآية 8-9.

(2) الحشر 9.

30

و كذلك فإنه قد حاول أن يوجه الشدة و القسوة إلى حيث تكون في صالح الدين و الإنسان. و مثمرة للحق و الخير، و الحفاظ عليهما.

و النصوص الدالة على ذلك كثيرة جدا، و يكفي أن نشير إلى قوله تعالى:

أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ، رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ (1) و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جََاهِدِ اَلْكُفََّارَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ (2) و قََاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفََّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (3) و الآيات و الروايات في هذا المجال كثيرة جدا، فهو يريد الشدة في دفع الظلم و الإنحراف. و الحفاظ على الحق، و أن لا تأخذ المؤمن في اللّه لومة لائم. و يريد أن تتحول هذه الشدة إلى رحمة و حنان و سلام فيما بين المؤمنين أنفسهم.

و هكذا يقال بالنسبة إلى سائر الصفات المتقدمة، فإن من يراجع النصوص القرآنية، و الاحاديث الواردة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» و عن آله المعصومين «عليهم السلام» ، لا يبقى لديه أدنى شبهة فيما ذكرناه من أن الإسلام قد صب كل اهتمامه على توجيه الصفات الحسنة، و التصرف في دوافعها و أهدافها، و جعلها تصب في مصلحة الدين و الأمة، و القضاء على الصفات الذميمة، التي تقضي على سعادة البشر، و تهدم بناء الحق الشامخ.

و لسوف يأتي في الفصل الثالث، حين الكلام عن العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام و انتصاره، أن هذه المميزات و الخصائص قد أدت دورا هاما في ذلك، فإلى هناك.

____________

(1) الفتح 29.

(2) التوبة 73.

(3) التوبة 123.

غ

31

متى كان بناء مكة:

لا نستطيع أن نحدد بدقة تاريخ بناء مكة، و اتساعها حتى صارت جديرة باسم: «أم القرى» . و قد يقال: إن بدء بنائها كان قبل بناء ابراهيم «عليه السلام» للبيت، حسبما تشير إليه بعض الروايات، بل و يدل عليه قول اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً (1) .

و عليه، فما يحاول البعض إثباته، من أن قصيا هو أول من بنى مكة، و كان البيت وحيدا في الصحراء، و كان الناس يتركونه ليلا، و يعودون إليه نهارا، بدليل أن قصيا سمي «مجمعا» ؛ لأنه جمع القبائل حول البيت:

لا يصح، بل هو لا يدل أيضا؛ لأن تاريخ مكة قبل قصي خير شاهد على أنها كانت آهلة بالسكان، معمورة، و معروفة و مشهورة. نعم ربما يكون قصي قد نظم سكن القبائل في مكة بالشكل المناسب.

و مهما يكن من أمر، فإن تحديد ذلك لا يهمنا كثيرا الآن. و ما يهمنا هو التعرف على المكانة الدينية لمكة، و مدى ارتباط قبائل العرب، بل و غيرهم بها. و الحديث عن ذلك لا ينفصل عن الحديث عن البيت العتيق، الذي تحتضنه مكة. ثم عن قريش التي كان لها شرف خدمة ذلك البيت؛ فنقول:

ألف: بناء الكعبة:
الكعبة هي أول بيت وضع للناس ببكة، مباركا، و هدى للعالمين، كما هو صريح القرآن‏ (2) ، و المعروف المشهور هو: أن واضعه هو شيخ الأنبياء إبراهيم «عليه السلام» .

____________

(1) سورة ابراهيم 35.

(2) راجع: آل عمران/96.

32

و لكننا نجد في كلمات أمير المؤمنين «عليه السلام» ما يدل على أن البيت قد كان من لدن آدم أبي البشر «عليه السلام» . أما إبراهيم فهو رافع قواعده و مشيد بنيانه و أركانه.

قال «عليه السلام» : «ألا ترون أن اللّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم، صلوات اللّه عليه، و إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضر و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع، فجعلها بيته الحرام، الذي جعله للناس قياما. ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا، و أقل نتائق الدنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية قطرا، بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون و شلة، و قرى منقطعة، لا يزكو بها خف و لا حافر، و لا ظلف. ثم أمر آدم و ولده:

أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم، تهوى إليه الأفئدة من مفاوز سحيقة إلخ.. (1) »

و يدل على ذلك أيضا: روايات وردت من طرق الخاصة و غيرهم؛ فمن أرادها فليراجعها في مظانها (2) .

و لعل ظاهر القرآن لا يأبى عن هذا أيضا؛ حيث جاء التعبير فيه عن تجديد بناء إبراهيم للبيت بقوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ (3)

و هذا لا ينافي أن تكون الأسس و القواعد قد وضعت قبل ذلك، و إبراهيم هو الذي رفع هذه القواعد، و شيد على تلكم الأسس. و هذا موضوع يحتاج إلى بحث و تحقيق، نسأل اللّه يوفقنا لمعالجته في فرصة أخرى إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) نهج البلاغة بشرح عبده، الخطبة المعروفة بالقاصعة رقم 187.

(2) راجع على سبيل المثال: تفسير نور الثقلين ج 1 ص 126-129، و الطبري، و الدر المنثور، و شرح النهج، و أخبار مكة للأزرقي: ج 1 ص 3-30، و تفسير البرهان:

ج 1 ص 300 و غير ذلك.

(3) البقرة 127.

غ

33

ب: دعاء إبراهيم:
و مهما يكن من أمر، فإن إبراهيم «عليه السلام» قد لاحظ: أن البيت الذي اختبر اللّه الناس به قد وضع في بقعة تكون الحياة فيها صعبة و شاقة، كما يظهر من كلمات الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» المتقدمة؛ و لذلك فقد دعا ربه فقال:

رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (1) .

و لقد استجيت دعوة إبراهيم «عليه السلام» ، و أصبحت مكة قبلة الآملين، و مهوى أفئدة الصفوة من العالمين. غ

ج: تقديس الكعبة:
لقد كانت الكعبة مقدسة و معظمة عند جميع الأمم، فيذكر العلامة الطباطبائي قدس سره:

أن الهنود يعتقدون: أن روح سيفا، و هو الأقنوم الثالث عندهم قد حلت في الحجر الأسود، حينما زار هو و زوجته بلاد الحجاز.

و الصابئة من الفرس و الكلدانيون يعدون الكعبة أحد البيوت السبعة المعظمة (2) ، و ربما قيل: إنها بيت زحل لقدم عهدها، و طول بقائها..

____________

(1) ابراهيم 37.

(2) البيوت السبعة هي: الكعبة، و مارس: على رأس جبل بأصفهان. و هندوستان:

ببلاد الهند. و نوبهار: بمدينة بلخ. و بيت غمدان: بمدينة صنعاء. و كاوسان: بمدينة فرغانة من خراسان، و بيت بأعالي بلاد الصين.

34

و اليهود أيضا كانوا يعظمونها، و يدعون أنهم يعبدون اللّه فيها على دين إبراهيم «عليه السلام» . و يقولون: إنه كان فيها تماثيل و صور، منها تمثال إبراهيم و إسماعيل، و بأيديهما الأزلام، و أن فيها صورتا العذراء و المسيح، و يشهد على ذلك تعظيم النصارى لأمرها كاليهود.

و كانت العرب أيضا تعظمها كل التعظيم، و تعدها بيتا للّه تعالى.

و كانوا يحجون إليها من كل جهة (1) ..

و ستأتي كلمات أبي طالب حول هذا الأمر حين الكلام عن زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بخديجة أم المؤمنين «عليها السلام» و قد حكى اللّه سبحانه هذا الأمر حينما قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ اَلنََّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (2) .

فالكعبة إذن، كانت مقدسة عند جميع الأمم و الطوائف، و بالأخص عند العرب، و ظلت على ذلك مددا متطاولة في العصر الجاهلي، و يزيد ذلك قوة و رسوخا: أن العربي كان يعتبرها مصدر عزته، و موضع أمله، و كيف لا تكون كذلك، و هو يرى ان الأمم الأخرى تنظر اليه-لأجلها- بعين الحسد و الشنآن. و تعمل على انتزاع هذا الشرف منه، أو على التقليل من خطره و أهميته، حتى لقد:

1-أقام الغساسنة بيتا في الحيرة في مقابلها (3) .

2-و في نجران أيضا: أقيمت كعبة أخرى لتضاهي كعبة مكة، يقول الأعشى: يخاطب ناقته:

____________

(1) راجع الميزان ج 3 ص 361، 362. و ما ذكره يحتاج إلى تحقيق، و إثبات بالأدلة و الشواهد.

(2) العنكبوت/67.

(3) حياة محمّد لمحمّد حسين هيكل ص 63. و راجع: الأصنام ص 45.

35

و كعبة نجران حتم عليك # حتى تناخي بأعتابها

و كعبة نجران هذه يقال: إنها بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي، على بناء الكعبة، و عظموها مضاهاة للكعبة، و سموها: كعبة نجران‏ (1) .

3-و في الشام كانت الكعبة الشامية (2) .

4-و في اليمن الكعبة اليمانية (3) .

و كان رجل من جهينة قال لقومه: هلم نبني بيتا نضاهي به الكعبة، و نعظمه، حتى نستميل به كثيرا من العرب، فاعظموا ذلك و أبوا عليه» (4)

و يكفي أن نذكر: أن أبرهة بن الأشرم أقام في اليمن بيتا، و دعا الناس إلى تعظيمه، و الحج إليه. و كتب إلى ملك الحبشة: «إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها أحد قط. و لست تاركا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجونه إليه» (5) .

و رغم أنه زخرفه و فرشه بأفخر ما يقدر عليه، إلا أن ذلك لم ينفع في صرف الناس حتى اليمنيين عن الكعبة إليه، فضلا عن أن يصرف غيرهم أو أهل مكة عن كعبتهم، و استمر الناس، و أهل اليمن على الحج إلى مكة.

و بعد أن تغوط أحد بني كنانة في كنيسة أبرهة، غضب، و اندفع إلى

____________

(1) معجم البلدان لياقوت الحموي ج 5 ص 268. و راجع: الأصنام ص 44/45.

(2) البداية و النهاية ج 2 ص 192.

(3) البداية و النهاية ج 2 ص 192.

(4) الأصنام: ص 45.

(5) الأصنام: ص 47.

36

مكة في عام الفيل و قال لعبد المطلب: إنه لا يقصد إلا هدم البيت، فأجابه إن للبيت ربا سيمنعه، و جرى ما جرى لأبرهة و جيشه و أنزل اللّه في ذلك:

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ `أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ `وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبََابِيلَ `تَرْمِيهِمْ بِحِجََارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ `فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (1) .

5-و يقولون: إن تبع بن حسان كان قبل ذلك، قد حاول أن يهدم البيت و يحول حجارته إلى اليمن، فيبني بها بيتا هناك تعظمه العرب، فدفع اللّه عن البيت شره و كيده‏ (2) . غ

الأصنام، و الكعبة:

و يقولون: إن عمرو بن لحيّ، كبير خزاعة، عند ما كان يتولى أمر البيت، سافر إلى الشام، و حمل معه منها الصنم المسمى بـ «هبل» و وضعه على الكعبة. و كان أول صنم وضع عليها، ثم أتبعه بغيره، و في ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي:

يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة # شتى بمكة حول البيت أنصابا

و كان للبيت ربا واحدا أبدا # فقد جعلت له في الناس أربابا

____________

(1) سورة الفيل راجع في هذه القضية البحار: ج 15 ص 140 و 136 و 131 و 72 و 69 و 66، و أمالي الطوسي: ص 78/79، و أنساب الأشراف: ج 1 ص 68، و تاريخ ابن الوردي: ج 1 ص 127، و السيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 34، و السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 51، و البداية و النهاية: ج 2 ص 172، و تاريخ الخميس:

ج 1 ص 189، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) : ج 1 ص 31، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 59-61.

(2) ثمرات الأوراق ص 287 و راجع: تاريخ الخميس: ج 1 ص 191.

37

قالوا: «و كان قوله-أي عمرو بن لحي-فيهم كالشرع المتبع؛ لشرفه فيهم، و محلته عندهم، و كرمه عليهم» (1) .

فشاعت عبادة الأصنام بين العرب، و أصبحت كل قبيلة تضع لها صنما على الكعبة، تختلف إليه من جميع الأقطار، حتى صار بها أكثر من (300) صنما، او تنصبه في الموضع المناسب لها، فإذا أرادوا الحج وقفوا عند الصنم، و صلوا عنده، ثم يلبون حتى يصلوا إلى مكة (2) .

و اتخذ أهل كل دار صنما يعبدونه في دارهم، فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب، و إذا قدم تمسح به أول ما يصل قبل أن يصل إلى أهله.

و كان ذلك هو حجة من قال: إن العرب لم تكن تعبد الأصنام قبل عمرو بن لحي‏ (3) .

و ثمة رأي آخر يقول: إن بني إسماعيل كانوا لا يفارقون مكة حتى كثروا، و ضاقت بهم مكة، و وقعت بينهم الحروب و العدوات، و أخرج بعضهم بعضا، فاضطروا إلى التفرق في البلاد، و ما من أحد منهم إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم؛ فحيث مانزلوا، وضعوه فطافوا به، كطوافهم بالكعبة، حتى أدى بهم ذلك إلى عبادة تلك الحجارة. ثم جاء من بعدهم؛ فنسوا ما كان عليه آباؤهم من دين إسماعيل، فعبدوا الأوثان‏ (4) و فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم

____________

(1) البداية و النهاية ج ص 187 و السيرة الحلبية: ج 1 ص 10 و 11، و راجع: الأصنام ص 9.

(2) تاريخ اليقعوبي ج 1 ص 255.

(3) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 10 و 11.

(4) راجع: البداية و النهاية ج 2 ص 188، و المستطرف ج 2 ص 75 عن ابن إسحاق، و الأصنام ص 6 و غير ذلك.

غ

38

و إسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت و الطواف به، و الحج و العمرة، و الوقوف على عرفة و مزدلفة، و إهداء البدن، و الإهلال بالحج و العمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه‏ (1) .

و نحن نرجح أن هذا الأخير هو سر عبادتهم للأوثان. و أما عمرو بن لحي، فالظاهر أنه أول من وضع الاصنام على الكعبة، أو حولها، و تبعه غيره. و ربما يشهد لذلك أن مجيئه بالصنم من الشام لا بد أن يسبقه -بحسب العادة-نوع قبول للأصنام، و تعظيم لها، هذا، إن لم نقل: إنه يعني: أنه كان يعبد الأصنام قبل أن يذهب إلى الشام.

و ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى ما كان للكعبة من مكانة لدى الإنسان العربي، فضلا عن غيره، سواء في الوقت الذي كان يعبد فيه الأوثان و يعظمها، أو في تلك الظروف التي بدأ يشعر فيها بعض الناس بسخافة عبادة الأوثان، و عدم معقوليتها.

و بالنسبة للمراد من الصنم فإنهم يقولون: «إذا كان معمولا من خشب أو ذهب، أو من فضة صورة إنسان، فهو صنم، و إذا كان من حجارة فهو وثن» (2) . غ

ولاية الكعبة:

كانت ولاية الكعبة أولا في يد ولد إسماعيل، ثم خرجت من يدهم إلى أخوالهم الجرهميين‏ (3) و يقال: إلى العماليق، ثم عادت إلى جرهم.

____________

(1) الأصنام: ص 6.

(2) الأصنام: ص 53.

(3) يقال: إن زوجة إسماعيل كانت جرهمية. و هم في الأصل يمنيون قحطانيون، لا من عدنان.

39

ثم لما كثر ولد اسماعيل؛ و أصبحوا ذوي قوة و منعة، حاربوا الجرهميين بقيادة كبير خزاعة، و انتزعوا منهم ولاية البيت، و استمرت في الخزاعيين إلى أن أخرجها منهم قصي بن كلاب، الجد الرابع للنبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .

و كانت الولاية بيد حليل الخزاعي أبي زوجة قصي، فجعل الولاية بعد موته لابنته، التي كانت تحت قصي، و لكنه جعل مفتاح البيت مع رجل يقال له أبو غبشان فيقال: إن قصيا إشتراه منه بزق خمر، و بذلك يضرب المثل «أخسر من صفقة أبي غبشان» ، و قال في ذلك بعضهم:

أبو غبشان أظلم من قصي # و أظلم من بني فهر خزاعة

فلا تلحوا قصيا في شراه # و لوموا شيخكم إذ كان باعه‏ (1)

و من أجل ذلك فقد جرت بين قريش و خزاعة حرب كان النصر فيها لقريش، و هم أولاد فهر بن مالك‏ (2) ، هكذا يقولون.

و لكن ذلك ليس هو الرأي النهائي هنا؛ إذ أننا نرى البعض الآخر يقول:

إن قصيا قد استعاد البيت من خزاعة بعد حروب جرت بينه و بينهم، ثم تحاكموا إلى عمرو بن عوف، فحكم لقصي‏ (3) .

و ثمة قول آخر يفيد: أن حليلا أوصى عند موته بولاية البيت لصهره قصي. و هذا ما تزعمه خزاعة (4) .

____________

(1) راجع تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239 و 240.

(2) البداية و النهاية ج 2 ص 210، و غيره.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 240 و البداية و النهاية ج 2 ص 207 عن ابن إسحاق.

(4) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239 و البداية و النهاية ج 2 ص 205 عن ابن إسحاق.

40

و إذا كانت خزاعة تزعم ذلك فما هو المبرر لحربها، إلا الحسد له، و البغي عليه؟!. و الظاهر أن حليلا قد أوصى إليه به فحاربته خزاعة حسدا و بغيا، (1) ثم تحاكموا إلى يعمر بن عوف، فحكم له.

و حكم يعمر بن عوف له يقرب وصية حليل بالولاية إليه، و كان يعمر قد اطلع على هذه الوصية، إن لم يكن لقصي حجج أخرى في المقام جعلت الحكم يكون في صالحه‏ (2) .

و على كل حال فقد جدد قصي بناء البيت في القرن الثاني قبل الهجرة (3) و بنى إلى جانب الكعبة دار الندوة، التي كانت تجتمع فيها قريش للحكومة، و القضاء، و الشورى‏ (4) و هذا من مآثره الجليلة، الدالة على درايته و حكمته، و بعد نظره. غ

مكانة قريش:

و واضح أن سدانة قريش للبيت العتيق، و هو الذي يعظمه الكثيرون ثم اتصال نسبها بإسماعيل و إبراهيم «عليهما السلام» ، و العربي-بطبعه يحترم نسبا كهذا، إنطلاقا من اهتمامه بالأنساب، و إذعانه لها على أنها مصدر شرف و سؤدد و لا سيما بملاحظة تعرض العربي للغارات و السبي الأمر الذي يجعل لديه حساسية خاصة تجاه هذا الأمر.

و أيضا، لأن قريشا كانت أقرب إلى الحنيفية من غيرها، و شعائر

____________

(1) راجع السيرة الحلبية: ج 1 ص 8، و تاريخ الخميس: ج 1 ص 155، و تاريخ الأمم و الملوك: ج 2 ص 16.

(2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 9، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك: ج 2 ص 17.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 19.

(4) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 12 و 15، و راجع: تاريخ الخميس: ج 1 ص 155، و تاريخ الأمم و الملوك: ح 2 ص 18/19.

41

الحج إنما هي من بقاياها كما هو معلوم. و الحنيفية هي الدين الذي يحترمه العربي و يقدسه و يعنوله-إن كل ذلك، و غيره من أمور قد أكسب قريشا شرفا، و منحها مكانة، و نفوذا و خطرا، و أصبح الناس عامة ينظرون إلى قريش نظرة فيها الكثير من الإحترام و التقديس و الإكبار.

و الشواهد على هذا كثيرة، و يكفي أن نذكر قول قصي لقريش: «قد حضر الحج، و قد سمعت العرب ما صنعتم، و هم لكم معظمون» (1) .

و قول أبي طالب حين تزويج خديجة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» : «الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم و ذرية إسماعيل و أنزلنا حرما آمنا، و جعلنا الحكام على الناس، و بارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه» (2) .

و عليه، فإنه إذا كانت قريش من نسل إسماعيل، و تحترم دين الحنيفية.

و إذا كانت مكة تعتبر حتى من العرب، أهل الحرب و الغارة، حرما يأمن من لجأ إليه، و قد يلتقي العربي فيها بقاتل ولده، أو أبيه؛ فلا يؤذيه، و لا يستطيع أن يثأر منه.

و إذا كان تقديس مكة قد بلغ عندهم هذا الحد؛ فإن من الطبيعي أن يكون لسادة مكة نصيب وافر من هذا التقديس. و أن يتميزوا على سائر الناس باحترام خاص. أضف إلى ذلك سدانتهم للبيت الذي تفد إليه العرب من جميع الأقطار و الأنحاء.

و إذا كانت قريش و خصوصا الهاشميون ترى: أن شرفها، و سؤددها، و مجدها، و حتى إقتصادها، مرتبط بالبيت و متصل به اتصالا وثيقا؛ فمن

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239.

(2) ستأتي بعض المصادر لذلك إن شاء اللّه تعالى حين الكلام عن زواج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بخديجة.

42

الطبيعي أن تدرك أن انتهاك حرمته ليس من مصلحتها. لأن ذلك يقلل من تقديس البيت، و من احترام سدنته و يفقدهم-من ثم-أعز و أغلى ما لديهم.

و من هنا فإنه و إن كان في قريش جماعات شريرة، لا ترجع إلى دين، و هم أصحاب حلف الأحلاف (لعقة الدم) . لكن قد كان في مقابلهم رجال أشراف كرام لا يرضون بما يصدر من أولئك، و يحاولون إرجاع الحق إلى نصابه ما أمكنهم ذلك، و من هنا كانت المبادرة إلى عقد حلف المطيبين، و بعده حلف الفضول، الذي ينص على أن تردّ كل مظلمة إلى صاحبها، لا فرق بين قرشي و غيره، و على التأسي بالمعاش‏ (1) . غ

أنا ابن الذبيحين:

و يذكرون هنا: أنه حين لقي عبد المطلب-و هو يحفر زمزم-من قريش ما لقي: من مخاصمتها إياه في شأن تلك البئر، و شدتها عليه، حلف لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم. فلما ولدوا له دعاهم إلى الوفاء للّه بالنذر؛ فأجابوه، فضرب القداح فخرجت على ولده عبد اللّه أصغر بني أبيه، على حد تعبير ابن هشام.

و نقول:

الصحيح: بني أمه، و إلا فإن الحمزة و العباس كانا أصغر منه.

إلا أن يقال: إنهما لم يكونا قد ولدا بعد.

و الظاهر: أن المقصود بالعشرة: ما يشمل أولاد اولاده. و قد ذكروا:

أنه كان للحرث بن عبد المطلب ولدان؛ هما أبو سفيان و نوفل، بل ذكر بعضهم: أن أعمامه (ص) كانوا إثني عشر، بل قيل: ثلاثة عشر. و أن

____________

(1) سيأتي الحديث عن ذلك مفصّلا في فصل: من الميلاد إلى البعثة.

43

عبد اللّه ثالث عشرهم. و عليه فلا إشكال، لأن الحمزة و العباس، كانا من أم أخرى كما أشرنا إليه‏ (1) .

كما أننا نشك في قولهم إن ضرب القداح كان عند هبل، و أراد التنفيذ عند إساف و نائلة؛ لأن عبد المطلب كان على دين الحنيفية كما سيأتي عن قريب، و لم يكن يحترم الأصنام آنئذ.

و مهما يكن من أمر فقد أراد عبد المطلب ذبح ولده عبد اللّه، فأطاعه ولده؛ فمنعوه من ذلك؛ فضربت القداح عليه، و على عشرة من الإبل -مقدار دية رجل-من جديد فخرجت عليه، فزادها عشرة، و ضربت القداح فخرجت عليه، و هكذا إلى ان بلغت مئة؛ فخرجت على الإبل فنحرت: و لذلك يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» كان يقول:

أنا ابن الذبيحين، أي إسماعيل، و عبد اللّه‏ (2) . غ

من هو الذبيح:

و يقول البعض: إن المراد بالذبيحين هابيل، و عبد اللّه.. على اعتبار أن المراد بالذبيح هو إسحاق، كما جاء في بعض الروايات‏ (3) .

____________

(1) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 38و المواهب اللدنية ج 1 ص 18.

(2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 35-38 و راجع المواهب اللدنية ج 1 ص 17 و السيرة النبوية لدحلان ط دار المعرفة ج 1 ص 16.

(3) راجع ابن إسحاق، و السهيلي و به جزم ابن سلام الجمحي في كتاب طبقات الشعراء ص 107، و حكاه عن: عمر، و العباس، و ابن مسعود، و مسروق، و عكرمة، و سعيد بن جبير، و مجاهد، و عطاء، و الشعبي، و مقاتل و عبيد اللّه بن عمر، و أبي ميسرة، و زيد بن أسلم، و عبد اللّه بن شقيق، و الزهري، و القاسم، و ابن أبي بردة، و مكحول، و عثمان؟و السدي، و الحسن و قتادة، من السلف و غيره قالوا بذلك كل ذلك في البداية و النهاية ج 1 ص 159. و البحار: ج 12 ص 132، و تاريخ

44

و لإجماع أهل الكتاب على ذلك‏ (1) على اعتبار أن العرب تجعل العم أبا (2) .

و هذا لا يصح؛ أما:

أولا: فإنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ليس من ولد هابيل إجماعا.

إلا أن يقال: إن العم بمنزلة الأب.

و يرده:

ألف: أن أبوة الذبيح الآخر في قوله: أنا ابن الذبيحين؛ لا بد أن لا تختلف عن أبوة عبد اللّه له، لأنه ذكرهما في كلام واحد، فإرادة هذا المجاز البعيد في أحدهما؛ و الحقيقة في الآخر غير معقول، حتى لو جوزنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، كما هو الصحيح، بدليل وجود التورية في كلام العرب.

ب: إن الذي بمنزلة الأب-لو سلم أنه عرفا كذلك-إنما هو العم القريب، لا العم الذي يأتي بعد عشرات الآباء و الأجداد.

ثانيا: كون الذبيح هو إسحاق لا يصح. و ذلك لما يلي:

ألف: إنه قد ذكر في سورة الصافات قضية الذبح، ثم عقبها

____________

ق الخميس ج 1 ص 95 و راجع ص 139 و مفاتيح الغيب: ج 25 ص 153، و لكنه ذكر معهم عليّا (ع) و ابن عباس. و نحن نجلهما عن الإلتزام بأمر يخالف القرآن. بل إنه هو نفسه قد ذكر عنهما أنهما قالا: إسماعيل. و نجد في الكافي: ج 4 ص 206 و 208/209 ط الآخندي، و كذا في ج 1 ص 117 ط الإسلامية، و عنه في البحار:

ج 12 ص 135 ما يدل على أن الذبيح هو إسحاق، و لكن في ص 205/209 ج 4 من الكافي ما يدل على التردد في ذلك، حيث ذكر ما معناه: أن إبراهيم قد حجّ بأهله، فالذي كان مع إبراهيم من أهله كان هو الذبيح، و قد أشارت بعض الأخبار إلى أن إسحاق قد تمنى الذبح أيضا.

(1) البحار: ج 12 ص 134.

(2) المواهب اللدنية ج 1 ص 17.

45

بالبشارة باسحاق فقال: وَ بَشَّرْنََاهُ بِإِسْحََاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصََّالِحِينَ (1) مما يشعر بأن اسحاق قد ولد بعد قضية الذبح، لأن هذه بشارة بالميلاد بقرينة قوله تعالى في آية أخرى: «فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ» (2) و لو كان الذبح لإسحاق لم يحسن الإتيان بإسمه، بل كان المناسب إيراد ضميره. و تكون البشارة بنبوته مكافأة على صبره على الذبح، و ليست بشارة به نفسه كما هو ظاهر الآية.

و قد روي الإستدلال بالآيات عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و عن محمد بن كعب القرظي أيضا (3) .

و يشير إلى هذا أيضا: الترتيب الذي جاء على لسان إبراهيم «عليه السلام» حيث قال: «الحمد للّه الذي وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحاق» .

كما أن اللّه قد ذكر إسماعيل و إسحاق في القرآن معا في ست آيات، و في كلها يقدم ذكر إسماعيل على إسحاق.

و في ذلك إشارة إلى ما ذكرناه:

2-و لو أغمضنا النظر عن ذلك فإننا نقول: إن من غير المعقول أن يبشر اللّه تعالى نبيه بغلام سيكبر، و يكون نبيا و يتزوج، و يولد له ولد اسمه يعقوب ثم يأمره بذبح ذلك الولد الكبير و النبي نفسه، فإنه لا يرتاب حينئذ بأن الأمر بالذبح ليس حقيقيا و إنما هو صوري و هذا يفقد قضية الذبح كل قيمتها. فلاحظ قوله تعالى: وَ بَشَّرْنََاهُ بِإِسْحََاقَ نَبِيًّا و قوله: وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ .

____________

(1) الصافات 112.

(2) هود/71.

(3) راجع: الميزان ج 17 ص 155 و البداية و النهاية ج 1 ص 161 و 159.

46

إلا أن يدعى: أن النبوة و البشارة بيعقوب ليست داخلة في البشارة الأولى.

و لكن ذلك خلاف الظاهر. و الذين يصرون على ان الذبيح هو إسحاق لا يقولون بالبداء ليمكنهم التشبث به في الإجابة هنا.

أو يدعى: أن الذبح قد يكون بعد أن ولد له يعقوب.

و يرده: أنهم يقولون: إن قضية الذبح قد حصلت حينما كان عمره ثلاث عشرة سنة (1) .

3-و قد روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد أوضح أن كونه ابن الذبيحين إنما هو بنذر عبد المطلب، و بذبح إسماعيل «عليه السلام» (2) .

4-و أخيرا.. فقد أنكر أبو عمرو بن العلاء أن يكون إسحاق هو الذبيح، على اعتبار أن الذبح كان بمكة، و إسماعيل هو الذي كان بمكة و بنى البيت مع والده. و كذا قال ابن القيّم‏ (3) . غ

خلاصة و بيان:

و نستخلص مما تقدم: أنه قد كان هناك بشارتان:

إحداهما بولادة إسماعيل «عليه السلام» ، فولد، ثم أمر بذبحه، و جرى ما جرى. ثم جاءت البشارة الأخرى بولادة إسحاق بملاحظة: أن أمه لم تكن ولدت، رغم أنها كان قد كبر سنها فبشرها اللّه بذلك-كما

____________

(1) راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 161.

(2) البحار ج 12 ص 132 و مفاتيح الغيب ج 25 ص 153.

(3) المصدران السابقان و مجمع البيان ج 8 ص 453 و الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 161 و المواهب اللدنية ج 1 ص 18 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 16 و تاريخ الخميس ج 1 ص 95

47

ذكرته سورة هود-فتعجبت: أن تلد و هي في هذا السن.

و عدم ذكر إسماعيل في سورة الصافات، و الاكتفاء بذكر إسحاق و يعقوب لعله يشير إلى ذلك أيضا على اعتبار أن الأمر بالنسبة لإسماعيل كان قد مضى و انقضى. غ

أهل الكتاب هم الداء الدوي:

و بعد هذا. فإن السؤال الذي يلح في طلب الإجابة عليه هو: من أين جاء هذا الأمر الغريب: أن الذبيح هو إسحاق؟

و الجواب: هو ما قاله ابن كثير و غيره: «إنما أخذوه-و اللّه أعلم- من كعب الاحبار، أو من صحف أهل الكتاب. و ليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم، حتى نترك من أجله ظاهر الكتاب» (1) فاليهود إذن قد أرادوا ترويج عقيدتهم بين المسلمين، و تخصيص هذه الفضيلة بجدهم إسحاق حسب زعمهم.

و لكن اليهود أنفسهم قد فاتهم: أن التوراة المتداولة نفسها متناقضة في هذا الأمر؛ فإنها في حين تقول: «خذ إبنك، وحيدك، الذي تحبه إسحاق. و اذهب إلى أرض المريا، و أصعده هناك محرقة على الخ.. » (2) .

فقد عبرت هنا بكلمة: «وحيدك» الدالة على أن إسحاق هو أكبر ولد إبراهيم. و لكنها تعود فتكذب نفسها، و تنص على أن إسحاق لم يكن وحيدا و إنما ولد و عمر إسماعيل أربعة عشر سنة (3) .

____________

(1) البداية و النهاية ج 1 ص 161 و 159 و راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 38 عن ابن تيمية.

(2) سفر التكوين: الإصحاح 22، الفقرة 1-33 و لتراجع سائر فقرات الإصحاح أيضا.

(3) سفر التكوين الإصحاح 16 الفقرة 15/16 نص على أن عمر ابراهيم حين ولادة

48

بل لقد ذكر ابن كثير: أنه لا خلاف بين أهل الملل: أن إسماعيل أول ولد إبراهيم و بكره‏ (1) .

و قد اعترف أحد مسلمة أهل الكتاب بأن اليهود يعلمون: أن الذبيح هو إسماعيل، و لكنهم يصرون على خلافه حسدا منهم للعرب‏ (2) . غ

ملاحظات هامة:

الأولى: إننا نلاحظ: أن إبراهيم قد رزق ولده إسماعيل الوحيد في شيخوخته، كما أشار اليه القرآن. و طبيعي أن يكون تعلقه بهذا الولد أشد، و حبه له أعظم. و نلاحظ أيضا: أن أمر اللّه تعالى له بذبحه قد كان، و ولده في أروع أيام حياته، و في السن التي يزداد تعلق والديه به فيه، و حبهما له؛ حيث تمتزج المحبة بالعاطفة، و الرأفة بالإعجاب..

و أيضا، لقد رزقه اللّه ولدا هو في أعلى درجات الكمال الإنساني، عقلا و دراية و سلوكا، و استقامة، إلى غير ذلك من فضائل و كمالات إنسانية فاضلة. و هذا أيضا ادعى إلى التعلق به، وازدياد المحبة له.

و بعد ما تقدم فإننا نجد: أن اللّه سبحانه يكلف هذا الأب بذبح طفل كهذا بيده. و إذا كان التخلي عن طفل كهذا في ظروف كهذه هو من أصعب الأمور، فكيف إذا كان يجب أن يتم هذا التخلي بيد نفس ذلك الأب؟!..

____________

ق-إسماعيل 86 سنة. و في سفر التكوين الإصحاح 17 و الإصحاح 18 نص على أنه ولد له إسماعيل و هو ابن 99، أو مئة سنة. و راجع: البداية و النهاية ج 1 ص 153، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 38.

(1) البداية و النهاية ج 1 ص 157، و راجع: البحار: ج 12 ص 134.

(2) البحار: ج 12 ص 134، و مجمع البيان: ج 8 ص 453، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 38. و تاريخ الخميس ج 1 ص 95/96 و المواهب اللدنية ج 1 ص 18.

49

و يلبي إبراهيم، و يستجيب إلى أمر اللّه، دون أن يسأل عن السبب، و دون أن يبرمه أمر كهذا، و حتى دون أن يتحير في ذلك؛ لأنه واثق بحسن ما يختاره له ربه، و بصلاح ما يأمره به.

يستجيب لهذا الأمر، و لا يندفع إلى تنفيذه بسرعة و بدون أن يعلم ولده بهذا الأمر، ليريح أعصابه، و يستريح من هذا الكابوس، الأمر الذي يخفي وراءه شيئا من الضعف و الوهن، بل هو يخبر ولده بالأمر، و يطلب منه أن يتخذ هو نفسه أيضا القرار الحاسم في الإستسلام لذلك أو عدمه و ذلك يدل على ثقته بحسن اختيار ولده. و يدل على أنه كان يحترم فيه كبر عقله، و سداد رأيه، و لا يعتبره طفلا لا يمكن أن توكل إليه أية مسؤلية.

و طبيعي أيضا: أن يكون توجه إسماعيل لذلك، و أن يتخذ هو نفسه القرار في ذلك بقوله: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين. مما يزيد في الآم أبيه.

و إسماعيل.. الذي أراد أبوه أن ينيله أجر الطاعة، و يتذوق حلاوة التسليم، لم يكن منه إلا التسليم لأمر اللّه سبحانه، و الإنصياع له بثقة و رضا ولكنه لا يعتبر هذا التسليم و الرضا شجاعة و بطولة منه، و إنما يعتبره خضوعا لمشيئة اللّه تعالى و يرى: أن صبره مستمد منه، و منته إليه؛ و لذلك عبر اللّه تعالى عن حالتهما هذه بقوله: «فلما أسلما» ؛ فهما قد أسلما للّه تعالى، و ليس لغيره من الشهوات، و لا للغرائز، و لم تقيدهما القيود المادية، و لا الدنيوية في شي‏ء (1) .

و لذلك فإن إبراهيم و ولده هما ممن يكون اللّه أحب إليه من كل شي‏ء مما نصت عليه الآية الكريمة التي تقول: قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ وَ إِخْوََانُكُمْ وَ أَزْوََاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوََالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهََا، وَ تِجََارَةٌ

____________

(1) لقد أشار في كتاب: في ظلال القرآن إلى بعض ما ذكرناه أيضا.

50

تَخْشَوْنَ كَسََادَهََا وَ مَسََاكِنُ تَرْضَوْنَهََا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ جِهََادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتََّى يَأْتِيَ اَللََّهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ (1) .

الثانية: إن من الواضح أن ذبح إسماعيل، و إراقة دمه لم يكن هو المقصود النهائي له تعالى؛ و ذلك لقوله تعالى لإبراهيم: قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا ، و إنما كان المقصود هو البلاء و الإمتحان لإبراهيم و ولده؛ لقوله تعالى: إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ .

و حكمة هذا البلاء هي: أن يزيد في تزكية، و تصفية نفس إسماعيل، في مراحل إعداده لتحمل مسؤولية النبوة، و قيادة الأمة. و كذلك فإن في ذلك تزكية و تصفية و امتحانا لنفس إبراهيم «عليه السلام» و لربما يكون ذلك من الكلمات اللواتي استحق إبراهيم بإتمامهن أن يجعله اللّه للناس إماما. قال تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قََالَ إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً قََالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟قََالَ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ (2) .

و كانت قضية الذبح هي البلاء المبين كما نصت عليه الآية الكريمة.

و قد رأيت بعد أن كتبت هذا: أن العلامة الطباطبائي يذكر: أن البعض قد تنبه لذلك كالطباطبائي نفسه، و استدل له، بقوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي إذ لا معنى لقوله هذا إن لم يكن له ذرية بالفعل، كما أنه لم يكن يعلم، و لا يظن: أنه سيكون له ولد قبل تبشير الملائكة له بذلك، و إبراهيم لا يتفوه بما لا علم له به، و لا يظنه، و لا يحتمله، و لا يخطر له على بال، و هو بهذه السن المتقدمة. و لو كان ذلك قبل ولادة إسماعيل؛ لكان اللازم أن يقول: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي إن رزقتني ذرية (3) .

____________

(1) التوبة 24.

(2) البقرة 124.

(3) راجع: الميزان ج 1 ص 267/268.

51

و قد أورد البعض على الفقرة الاولى بإمكان أن يكون هذا الطلب من إبراهيم قد حصل بعد تبشير الملائكة له بالذرية. فنزلها في كلامه منزلة الأمر الحاصل و المحقق.

و بعد، فإن حكم هذا البلاء، هو أن يضرب بذلك المثل الأعلى للأجيال، في التضحية في سبيل المبدأ الحق، و لا يكتفى بمجرد رفع الشعارات، و الإعلان عن المواقف كلاميا فقط. فبإسماعيل و إبراهيم ينبغي أن تكون القدوة لكل مؤمن و مؤمنة.

كما أن في إخراج فضائلهما من عالم القوة إلى عالم الفعل، و إظهارها للناس و التعريف بها تشجيع للفضائل الكامنة في غيرهم، و تحريك لها لتقوم بمحاولة الظهور على الصعيد العملي، أي أن في ذلك هزة عاطفية مؤثرة في كل من يملك عاطفة جياشة؛ تستطيع أن تستثير الفضائل الكامنة في نفس الإنسان؛ لتكون واقعا حيا و ملموسا، و لتقود عملية التغيير الشاملة في حياة الإنسان، و مستقبله بشكل عام.

هذا و من غير البعيد: أن يكون المجتمع الذي عاش فيه إبراهيم و إسماعيل، قد طغت عليه المادية؛ فأراد اللّه تعالى تحويل هذا الإتجاه بصورة عملية، دون الإقتصار على إسداء النصايح، و التوجيهات.

و لعل المتأمل في هذه القضية يكتشف الكثير، مما لم نذكره، أو لم نشر إليه، و اللّه هو الموفق و المسدد.

الثالثة: و يبقى أن نشير هنا إلى أن من المقطوع به: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» لا يريد أن يفتخر بقوله هنا: أنا ابن الذبيحين، و إنما لعله يريد من قوله هذا: أن يوجه الأنظار للإستفادة من هذين الحدثين الهامين جدا. و أيضا يريد أن يفهم الآخرين: أنه شخصيا ليس غريبا عن هذا الجو، و أنه إذا كان أولئك قد بلغوا هذه المكانة في القرب من اللّه، و التفاني في سبيله و التسليم له، فلا يجب أن يتوقع منه موقف آخر،

52

يختلف عن هذا، أو يقل عنه. و إذن؛ فإن آمالهم في أن يقف موقف المساوم-في يوم ما إنما هي سراب في سراب؛ فإن القضية قضية مبدأ و عقيدة، و ليست قضية مصالح شخصية، كما يتخيلون.

و قد اثبتت الوقائع صحة ذلك؛ حيث كان (ص) يقدم أهل بيته في الحروب، و قد ضحى بكل غال و نفيس في سبيل هذا الدين.

الرابعة: إن نذر عبد المطلب هذا ربما يقال فيه: إنه غير جائز؛ إذ كيف جاز له التصرف في شخصية غيره إلى هذا الحد؟!و هل يمكن أن يعتقد أحد بوجوب الوفاء بنذر كهذا، يكون الضحية فيه نفس محترمة أخرى، حتى و لو كانت ولدا مثل عبد اللّه بن عبد المطلب؟!.

و الجواب: إننا نلاحظ: أن عبد المطلب قد سار في إيمانه سيرا تكامليا (1) كما أشار إليه الحلبي حيث قال: و رفض في آخر عمره عبادة الاصنام، و وحد اللّه سبحانه‏ (2) .

و بهذا نفسر كونه في أول أمره يسمي أبناءه بـ «عبد مناف» و مناف إسم صنم، و «عبد العزّى» و العزى كذلك. و لكنه يترقى و يتقدم حتى يبلغ به الأمر حدا من التسليم و الإيمان باللّه، أن أرعب إيمانه هذا أبرهة صاحب الفيل، كما يذكره المؤرخون.

و قد أشبه في هذا الأمر نبي اللّه إبراهيم «عليه السلام» فإن ابراهيم على ما يظهر كان موحدا لإحساسه الوجداني و الفطري بوجود إله واحد قادر،

____________

(1) و هذا لا ينافي ما سيأتي إن شاء اللّه، من أن جميع آبائه كانوا مؤمنين موحّدين؛ فإن المهم هو وصولهم جميعا إلى درجة الإيمان و لو بصورة تكاملية وتدريجية. إلا أن يقال: إنه لم يثبت تسمية أبنائه بعبد العزى، و عبد مناف. و لعلها أسماء قد لحقتهم بعد أن كبروا و ظهر شركهم باللّه و اهتمامهم بالعزى و بغيرها من الأصنام.

(2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 4، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) . ج 1 ص 21.

53

عالم حكيم إلخ.. و لكنه بعد أن بلغ سن الرشد أراد أن يدعم هذا الإيمان الوجداني بالدليل و البرهان؛ فدخل المختبر و جرب حتى وصل إلى النتيجة فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأى‏ََ كَوْكَباً قََالَ هََذََا رَبِّي، فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ. `فَلَمََّا رَأَى اَلْقَمَرَ بََازِغاً قََالَ هََذََا رَبِّي. فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ. `فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي، هََذََا أَكْبَرُ. فَلَمََّا أَفَلَتْ قََالَ: يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ .

هذا إن قلنا: إن كلام إبراهيم كان على سبيل الحقيقة و ليس على سبيل الإستدراج.

و كذلك كان حال عبد المطلب، فلعله كان يعتقد باللّه الواحد القادر، الحكيم إلخ.. إستنادا إلى حكم الفطرة و الوجدان. لكنه كان يحتمل اولا أن يكون لهذه الأصنام شأن و شفاعة (مّا) من دون أن يؤثر ذلك على توحيده. ثم ترقى في فهمه فأدرك أنها لا شي‏ء.

و الفرق بينه و بين إبراهيم في السرعة و البطء. والا فإن إبراهيم لم يعرف اللّه بالوحي، و إلا لم يمكن إثبات نبوته.

هذا بالنسبة لإيمانه أما بالنسبة لسلوكه و مواقفه فإنهم يقولون عنه:

إنه كان يقطع يد السارق، و يمنع من طواف العراة، و يوفي بالنذر، و يؤمن بالمعاد، و يحرم الزنا، و الخمر، و نكاح المحارم، و كان يأمر ولده بترك الظلم و البغي، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و ينهاهم عن دنيات الأمور، و كان مجاب الدعوة و ترك الأصنام‏ (1) .

و قد ذكرت كتب التاريخ: أن بعض الأصنام قد كانت تماثيل

____________

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 4، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) : ج 1 ص 21. و مسالك الحنفا ص 41، عن الملل و النحل للشهرستاني.

و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 237.

54

لأشخاص من أهل الخير و الصلاح، فراجع كتاب الأصنام لابن الكلبي، و سيرة ابن هشام و غير ذلك.

و عن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» : يا علي، إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، و لا يعبد الأصنام، و لا يأكل ما ذبح على النصب؛ و يقول: أنا على دين إبراهيم «عليه السلام» (1) .

و قد بلغ الحد الإيماني الأعلى بعد ولادة حفيده محمد «صلى اللّه عليه و آله و سلم» حيث سمع و رأى الكثير من العلامات الدالة على نبوته (ص) بأم عينيه. و شهد و عاين الكثير من الكرامات و الدلالات القطعية فيه.

و بعد كل ما تقدم نقول: انه لا مانع من أن يكون اعتقاده أولا انه يرى لنفسه الحق في تصرف كهذا، و نذر كهذا و لم يكن ذلك مستهجنا لدى العرف آنئذ.

أضف إلى ذلك: أنه لم يثبت عدم جواز نذر كهذا في الشرايع السابقة. فقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها محررا لخدمة بيوت اللّه.

و أمر اللّه تعالى نبيه إبراهيم بذبح ولده إسماعيل. غ

النسخ في قصة إبراهيم:

هذا، و قد ادعى البعض: أن قصة إبراهيم تدل على جواز النسخ قبل حضور وقت العمل.

و أجيب عن ذلك:

أولا: إن إبراهيم «عليه السلام» لم يؤمر بالذبح الذي هو فري الأوداج، بل أمر بالمقدمات، كما يدل عليه قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ

____________

(1) البحار: ج 77 ص 56.