الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج5

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
372 /
5

-

6

الجزء الخامس‏

تتمة القسم الثالث: حتى غزوة الخندق‏

الباب الثاني:

بدر العظمى‏

7

الفصل الأول:

في أجواء القتال‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

محاولة قرشية فاشلة:
و بعد مضيّ مدة على وجود النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين في المدينة، كتب كفار قريش إلى عبد اللّه بن أبيّ بن سلول، و من كان يعبد الأوثان من الأوس و الخزرج، و رسول اللّه (ص) يومئذ بالمدينة-قبل وقعة بدر يقولون:

«إنكم آويتم صاحبنا، و إنكم أكثر أهل المدينة عددا، و إنّا نقسم باللّه، لتقتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن‏ (1) عليكم العرب، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، و نستبيح نساءكم» .

فلما بلغ ذلك ابن أبيّ و من معه من عبدة الأوثان تراسلوا؛ فاجتمعوا، و أجمعوا لقتال النبي (ص) .

فلما بلغ ذلك النبي (ص) و أصحابه. لقيهم في جماعة، فقال:

«لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم. فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم و إخوانكم» .

فلما سمعوا ذلك من النبي (ص) تفرقوا؛ فبلغ ذلك كفار قريش، و كانت وقعة بدر (2) .

____________

(1) الظاهر: أن الصحيح هو: لنستعينن.

(2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 358/359.

غ

10

الانتداب الى بدر:
و في السنة الثانية، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك كانت حرب بدر العظمى بين المسلمين و مشركي مكة.

و ذلك أن العير التي طلبها المسلمون في غزوة العشيرة، و أفلتت منهم إلى الشام، ظل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يترقبها، حتى علم بعودتها، و كانت بقيادة أبي سفيان، مع ثلاثين، أو أقل، أو أربعين، أو سبعين راكبا. و فيها أموال قريش؛ حتى قيل: إن فيها ما قيمته خمسون ألف دينار، في ذلك الوقت الذي كان فيه للمال قيمة كبيرة.

فندب رسول اللّه (ص) المسلمين للخروج إليها؛ فانتدب الناس؛ فخف بعضهم، و ثقل آخرون، و لعلهم تخوفوا من كرة قريش عليهم، حينما لابد لها من محاولة الإنتقام لهذا الإجراء الذي يستهدف مصالحها الحيوية.

يقول عدد من المؤرخين: «و أبطأ عن النبي (ص) كثير من أصحابه، و كرهوا خروجه، و كان في ذلك كلام كثير و اختلاف. و تخلّف بعضهم من أهل النيات و البصائر، لم يظنوا أن يكون قتال، إنما هو الخروج للغنيمة، و لو ظنوا أن يكون قتال ما تخلفوا» (1) .

و قال الواقدي: «كره خروج رسول اللّه (ص) أقوام من أصحابه إلى بدر، قالوا: نحن قليل، و ما الخروج برأي، حتى كان في ذلك اختلاف كثير» (2) .

و قد حكى اللّه تعالى ذلك، فقال: كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ

____________

(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 85 و مغازي الواقدي ج 1 ص 20/21 و البحار ج 19 ص 328 و السيرة الحلبية ج 2 ص 143.

(2) مغازي الواقدي ج 1 ص 131.

11

بِالْحَقِّ، وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكََارِهُونَ. `يُجََادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ بَعْدَ مََا تَبَيَّنَ، كَأَنَّمََا يُسََاقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (1) نعم لقد كرهوا ذلك لعلمهم بأن قريشا لن تسكت على أمر خطير كهذا.

و من هنا نعرف: أن قول بعضهم: إن من تخلف لم يكن يظن أن النبي (ص) يلقى حربا (2) .

في غير محله، بل هو محاولة إيجاد عذر للمتخلفين مهما كان فاشلا و غير معقول؛ و إلا فالآية الكريمة خير دليل على عدم صحة هذا القول.

و خرج المسلمون يريدون العير، و علم أبو سفيان بالأمر، فأرسل إلى قريش يستنفرهم لنجاة العير. غ

الذين يخشون الناس:
و يذكر هنا: أن عبد الرحمان بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و المقداد، و قدامة بن مظعون، كانوا يؤذون في مكة؛ فكانوا يستأذنون النبي (ص) بقتال المشركين، فلا يأذن لهم، فلما أمروا بالقتال، و السير إلى بدر، شق على بعضهم؛ فنزل قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ، وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ ، إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ، أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَ قََالُوا رَبَّنََا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتََالَ، لَوْ لاََ أَخَّرْتَنََا إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ، قُلْ مَتََاعُ اَلدُّنْيََا قَلِيلٌ، وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى‏ََ (3) .

____________

(1) الأنفال: 5-6.

(2) الكامل لإبن الأثير ج 2 ص 116.

(3) البحار ج 19 ص 209 و مجمع البيان ج 3 ص 77، و الدر المنثور ج 2 ص 184 عن: النسائي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الحاكم، و صححه، و البيهقي في سننه، و عبد بن حميد، و ابن المنذر.

12

و نحن نقول: إن نفسية المقداد و مواقفه تأبى أن يكون ممن شق عليهم ذلك؛ بدليل موقفه العظيم الآتي بعد صفحات يسيرة إن شاء اللّه، حينما استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» أصحابه في حرب قريش.

أضف إلى ذلك: أن الآية تدل على أن هؤلاء قد خافوا و جبنوا عن القتال، و كانت خشيتهم و خوفهم من الناس أشد منها بالنسبة إلى اللّه سبحانه، و أن ذلك كان لأجل حب البقاء، و للتمتع بالدنيا. و نحن نعلم:

أن المقداد لم يكن جبانا قط، و لا كان من محبي البقاء في الدنيا على حساب الدين و الإسلام، و تلك هي حياته و سيرته خير شاهد على ما نقول.

كما أن الرواية و الآية تدلان على أن فريقا من أولئك المذكورين أولا قد شق ذلك عليهم، و ليس الكل.

و أما من عدا المقداد ممن ذكرت الرواية أسماءهم، فإن تعلقهم بالدنيا كما يظهر من سيرة حياتهم و مواقفهم المختلفة، يؤيد أن يكونوا ممن شق عليهم ذلك فعلا.

فأما عبد الرحمان بن عوف؛ فلا يشك في كونه من الذين قالوا ذلك كما يفهم من بعض النصوص‏ (1) و لقد ترك هذا الرجل من المال ما هو معروف و مشهور، و قد جرى بين أبي ذر و عثمان و كعب الأحبار، ما جرى بسبب ذلك‏ (2) ، و قد صرح بأنه أكثر قريش مالا (3) .

____________

(1) يفهم ذلك من إطلاقات روايات الدر المنثور فراجع.

(2) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 و مسند أحمد ج 1 ص 63 و راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 160 و الغدير ج 8 ص 351 و راجع: أنساب الأشراف ج 5 ص 52 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 54 و ج 8 ص 256 و تفسير الميزان ج 9 ص 251-258 و تاريخ الأمم و الملوك و غير ذلك.

(3) راجع: كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 172 و مجمع الزوائد ج 9 ص 72.

13

و موقفه في يوم الشورى معروف أيضا. فإنه قد ضرب بكل الأوامر الإلهية و الوصايا النبوية في حق علي (ع) ، عرض الحائط، فلم يكن ليهتم كثيرا بأوامر اللّه و رسوله (ص) و ذلك رغبة منه في الدنيا و إيثارا لها.

و أما قدامة فقد حدّه عمر في الخمر، و تخلف عن بيعة علي (ع) (1) .

كل ذلك طلبا للدنيا، و انسياقا وراء الهوى.

و أما سعد، فقد أبى أن يبايع عليا (ع) ، و قعد عنه في حروبه، و قطع «عليه السلام» عنه العطاء، و صارمه عمار، و أخذ بعض أموال بيت مال الكوفة (2) . إلى غير ذلك مما يدل على تعلقه بالدنيا، و عدم اهتمامه بأوامر اللّه و رسوله.

فهؤلاء هم الذين يمكن أن يكونوا محط نظر الآية و الرواية، و إنما أخفى الرواة أسماءهم، و خلطوهم بغيرهم، لأن السياسة كانت ترغب في ذلك، كما هو معلوم. غ

رؤيا عاتكة:
و يقول المؤرخون: إن عاتكة بنت عبد المطلب كانت قد رأت في الرؤيا: أن رجلا أقبل على بعير له ينادي: يا آل غالب، و في رواية: يا آل غدر، أغدوا إلى مصارعكم، ثم دهده حجرا من أبي قبيس؛ فما ترك دارا بمكة إلا أصابتها منه فلذة.

فأخبرت عاتكة العباس برؤياها، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة،

____________

(1) راجع قاموس الرجال ج 7 ص 385 و عن كونه قد حدّ في الخمر راجع: الإصابة ج 3 ص 228-229 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 361 و اسد الغابة ج 4 ص 199 و شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 23.

(2) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 312-315.

14

فقال: هذه مصيبة تحدث في قريش. أما أبو جهل، فقال: هذه نبية ثانية في بني عبد المطلب، و اللات و العزى، لننظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا، و إلا لنكتبن كتابا بيننا: إنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا، و نساء من بني هاشم.

فلما كان اليوم الثالث جاءهم النذير يناديهم: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة، اللطيمة (1) . غ

قريش تتجهز:
و ما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، و قالوا: من لم يخرج نهدم داره، فلم يتخلف رجل إلا أخرج مكانه رجلا (2) .

و بعث أبو لهب العاصي بن هشام مكانه على أربعة آلاف درهم، كانت له عليه من مال المقامرة-على ما قيل- (3) .

____________

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 143 و 144 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 136 و 137 و الروض الأنف ج 3 ص 43 و تاريخ الخميس ج 1 ص 369 عن ابن إسحاق و المغازي للواقدي ج 1 ص 29 السيرة النبوية لإبن هشام ج 2 ص 259 و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 29 و 30 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 116 و 117 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 53 و البحار ج 19 ص 245 و البداية و النهاية ج 3 ص 357 و السيرة النبوية لإبن كثير ج 2 ص 382.

(2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 261.

____________

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 145 و أنساب الأشراف ج 1 ص 292 و راجع: السيرة النبوية لإبن هشام ج 2 ص 261 و تاريخ الخميس ج 1 ص 370 و المغازي‏

15

موقف أمية بن خلف:
و كان أمية بن خلف معرضا عن الخروج؛ لأن سعد بن معاذ كان قد قدم مكة معتمرا، فنزل على أمية، لصداقة بينهما، و خرج سعد ليطوف، و معه أمية، فلقيهما أبو جهل، فقال لسعد: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، و قد آويتم الصباة، و زعمتم أنكم تنصرونهم، و تعينونهم؟!أما و اللّه لو لا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما.

فقال له سعد-و قد رفع صوته-: أما و اللّه، لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة.

فاعترض أمية عليه لرفعه صوته على سيد أهل الوادي بزعمه.

فقال سعد: دعنا عنك، فو اللّه لقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول:

إنهم قاتلوك.

فقال أمية: بمكة؟

قال سعد: لا أدري.

قال أمية: و اللّه ما كذب محمد.

و فزع فزعا شديدا (و قيل: أحدث في ثيابه فزعا) ، و عزم على ألاّ يخرج.

فلما كان يوم بدر أصرّ عليه أبو جهل ليخرج، حتى ليقال: إنه أرسل إليه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها بخور، حتى وضعها بين يديه، و قال:

استجمر، فإنك من النساء. فتحمس حينئذ، و تهيأ للخروج، فنهته زوجته و قالت:

____________

قللواقدي ج 1 ص 33 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 137 البداية و النهاية ج 3 ص 258.

16

«و اللّه، إن محمدا لا يكذب» .

فأبى إلا المسير، فقتل في بدر (1) . غ

مع قضية ابن خلف:
و لا بد لنا هنا من تسجيل النقاط التالية:

1-إن مما يلفت النظر هنا تهديد سعد لأبي جهل بقطع طريقه على المدينة، و اعتباره هذا الإجراء أشد على أبي جهل من منع المدنيين من الوصول إلى مكة.

و ذلك أمر واضح؛ فإن الحياة الإقتصادية للمكيين قائمة على التجارة، و أهم المراكز التجارية لهم هو الشام. و إذا تعرضت مكة لضغط إقتصادي قوي، و أصبحت بحاجة إلى الآخرين؛ فإن ذلك سوف يؤثر على وضعها السياسي و الإجتماعي أيضا، حيث تفقد هيبتها، و أهميتها، و نفوذها في القبائل العربية.

و لماذا و على أي شي‏ء كانت تحارب محمدا (ص) و المسلمين؟! أليس لأجل النفوذ و الزعامة، التي تعتبرها فوق كل شي‏ء، و أعز و أجل شي‏ء؟!.

و قد تقدم بعض الكلام في هذا الموضوع حين الكلام عن الهجرة.

2-إننا نلاحظ: أن أمية بن خلف لم تكن مواقفه و تصرفاته محكومة لعقله، و لا نابعة من أعماق ضميره و وجدانه. فهو يقتنع بصدق محمد (ص) ،

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 145، و راجع: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة بدر و باب علامات النبوة و السيرة النبوية لإبن كثير ج 2 ص 384/385 و رواه أحمد.

17

و لكنه لا يقعد عن حربه-حين يقعد-من أجل ذلك، و إنما خوفا على نفسه، و حفاظا عليها، كما أنه لا يحاربه حين يحاربه من أجل تبدّل الرؤية لديه، و إنما بوحي من تحمسه الكاذب، و نخوته الجاهلية؛ فأورده ذلك المهالك في الدنيا و في الآخرة. و قد حكى اللّه تعالى حالة أمثاله، بأجلى بيان، و أوجز عبارة، فقال: وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ؛ ظُلْماً وَ عُلُوًّا؛ فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ (1) .

3-في هذه القضية أيضا دلالة واضحة على المكانة السامية التي كانت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفوس الناس جميعا، و على أنهم يرونه صادقا فيما يخبر به حين يرجعون إلى ضميرهم و وجدانهم، و إلى ما في قرارة نفوسهم من قناعة واقعية إلى حدّ أنهم يقسمون على صدقه فيما يخبر به، و أنه لا يكذب. و لكنهم في نفس الوقت يشعرون أنهم بحاجة إلى إظهار العناد و التكذيب لمصالح دنيوية، و اعتبارات قبلية، أو غير ذلك. غ

رجوع طالب بن أبي طالب عن الحرب:
و خرج مع المشركين من بني هاشم: العباس، و عقيل، و نوفل بن الحارث، و طالب بن أبي طالب.

فأما طالب فخرج مكرها، فجعل يرتجز و يقول:

يا رب إما يغزون طالب # في مقنب من هذه المقانب‏

فليكن المسلوب غير السالب # و ليكن المغلوب غير الغالب‏

فجرت بينه و بين القرشيين ملاحاة و قالوا: و اللّه، لقد عرفنا أن هواكم مع محمد؛ فرجع طالب فيمن رجع إلى مكة، و لم يوجد في القتلى، و لا

____________

(1) النمل: 14.

18

في الأسرى، و لا فيمن رجع إلى مكة (1) . و ادعى البعض: أنه مات كافرا في غزوة بدر حين وجهه المشركون إلى حرب المسلمين‏ (2) .

هكذا قالوا. و نحن نقول:

ألف: كيف لم يوجد فيمن رجع إلى مكة، و ابن هشام يذكر له قصيدة يمدح فيها رسول اللّه (ص) ، و يبكي أهل القليب-على حدّ تعبير ابن هشام-و يطلب في شعره من بني عبد شمس و نوفل أن لا يثيروا مع الهاشميين حربا تجر المصائب و البلايا، و الأهوال، و فيها يقول:

فما إن جنينا في قريش عظيمة # سوى أن حمينا خير من وطأ التربا

أخا ثقة في النائبات مرزّأ # كريما ثناه، لا بخيلا و لا ذربا

يطيف به العافون يغشون بابه # يؤمّون نهرا لا نزورا و لا ضربا

فو اللّه لا تنفك عيني حزينة # تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا (3)

و هذا يدل على أنه قد عاش إلى ما بعد وقعة بدر. و أما بكاؤه أهل القليب، فالظاهر أنه كان مجاراة لقريش، كما يدل عليه مدحه للنبي (ص) ، و طلبه من بني عبد شمس و نوفل أن لا يحاربوا الهاشميين و إلا، فكيف نفسر شعره المتقدم:

و ليكن المسلوب غير السالب # و ليكن المغلوب غير الغالب‏

ب-لقد ورد في رواية مرسلة عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن

____________

(1) راجع: البحار ج 19 ص 294-295، و روضة الكافي ص 375، و تاريخ الطبري ج 2 ص 144، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 121، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 271، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375 و راجع البداية و النهاية ج 3 ص 266 و أنساب الأشراف ج 2 ص 42 و فيه أنه حضر بدرا مع المشركين.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 163.

(3) سيرة ابن هشام ج 3 ص 27/28 و البداية و النهاية ج 3 ص 340.

19

طالبا قد أسلم‏ (1) . و روي أنه هو القائل:

و خير بني هاشم أحمد # رسول الإله على فترة (2)

و ليس من البعيد: أن تكون قريش قد دبرت أمر التخلص من طالب، انتقاما لنفسها، لما جرى عليها من علي في بدر و غيرها. غ

المكرهون و الراجعون:
و حينما خالف أبو سفيان في الطريق، و نجا بالعير، أرسل يطلب من قريش الرجوع، فأبى أبو جهل، إلا أن يرد بدرا، و يقيم ثلاثة أيام، و يأكل، و يشرب الخمور، حتى تسمع العرب بمسيرهم و جمعهم؛ فيها بونهم أبدا.

و لكن الأخنس بن شريق رجع ببني زهرة، و لم يشهدوا الحرب.

و قيل: شهدها رجلان منهم قتلا في بدر. بل قال التلمساني في حاشية الشفاء: إن الأخنس نفسه قد قتل في بدر، و قيل مات في خلافة عمر.

و يذكرون أن سبب رجوع الأخنس ببني زهرة هو أنه سأل أبا سفيان سرا: إن كان محمد يكذب، فقال له: ما كذب قط، كنا نسميه الأيمن، و لكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية و الرفادة لها و المشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شي‏ء يكون لنا، فانخنس الأخنس، و رجع ببني زهرة (3) .

و كذلك لم يشهد بدرا من بني عدي أحد.

و أراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، و قال: لا تفارقنا

____________

(1) البحار ج 19 ص 294.

(2) شرح النهج ج 14 ص 78.

(3) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 153.

20

هذه العصابة حتى نرجع‏ (1) . غ

موقف الرسول (ص) من المكرهين و الراجعين:
فلأجل ما تقدم، و لأجل موقف الهاشميين من النبي (ص) و المسلمين، و حمايتهم لهم في مكة، نهى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل من خرج من بني هاشم، و نهى أيضا عن قتل أبي البخترى، الوليد بن هشام، لأنه كان يكف الناس عنه (ص) بمكة، و كان لا يؤذيه، و هو ممن قام في نقض صحيفة المقاطعة. و لكنه حين أبى أن يستأسر في بدر إلا مع زميل له، قتل هو و إياه.

و كذلك فقد نهى «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل الحارث بن نوفل؛ لكراهته الخروج أيضا، فقتله من لم يعرفه. و كذلك جرى لزمعة بن الأسود. غ

نظرة في موقف النبي (ص) من هؤلاء:
و في مجال الإستفادة مما تقدم نسجل النقاط التالية:

1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن-كما قدمنا، و كما يشعر به موقفه المسجل من هؤلاء-يهدف من الحرب إلى التغلب، و الحصول على الملك و السلطان، و لا هو يرغب في سفك الدماء، و لا كان يعجبه أن يرى جثث القتلى، و يسمع أنين الثكالى؛ بل كان له هدف أسمى و غاية فضلى، ترجع بالنفع العميم على الأمة، و على الأجيال، و يريد الوصول إليها بأقل عدد ممكن من الضحايا.

2-كما أنه كان يقدر مواقف الناس، التي تعبر عن حسن خلق،

____________

(1) راجع في ما تقدم السيرة لإبن هشام ج 2 ص 271 و السيرة الحلبية ج 2 ص 154. و ج 1 ص 291 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 31 و 33.

21

و سجية، و شهامة، و أريحية فيهم، مهما كانت هويتهم و انتماؤهم، و أيا كان موقفهم، لأنه هو الإنسان الكامل و رسول الإنسانية، فهو الذي يستطيع أن يدرك تلك الصفات و السجايا، و يقدرها أكثر من أي إنسان آخر.

و من هنا، فقد كان موقفه واحدا من جميع أولئك الذين أحسنوا السيرة و التصرف-و لو مرة-و كذا كان موقفه من الذين أكرهوا على الخروج.

و لم يكن ليختص بموقفه هذا أقاربه و أهل عشيرته، فإنه لم يكن يتأثر في مواقفه بعواطف نسبية، بل ليس من مصلحته ذلك في مثل هذا الموقف من وجهة نظر المنطق، و التصرف العقلاني السليم.

3-و هو بالتالي يقدّر، و يفهم الظروف الصعبة التي كان يعاني منها البعض، بحيث تفرض عليهم قريش موقفا لا ينسجم مع رغائبهم و قناعاتهم، أو على الأقل مع ميل و هوى نفوسهم، و إن كانوا مدينين من جهة أخرى، حيث كان بإمكانهم أن ينصروا الحق، و أن يقفوا موقفا عقلانيا سليما، كما فعل غيرهم ممن أسلموا، و عرضوا أنفسهم للرزايا و النكبات عن رضى و اختيار منهم حتى نصرهم اللّه تعالى و جعل كلمة الحق هي العليا. غ

النبي (ص) يستشير في أمر الحرب:
لما كان المسلمون قرب بدر، و عرفوا بجمع قريش، و مجيئها، خافوا و جزعوا من ذلك؛ فاستشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في الحرب، أو طلب العير.

فقام أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه، إنها قريش و خيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، و ما ذلت منذ عزت. و لم تخرج على هيئة الحرب.

فقال له رسول اللّه (ص) : اجلس؛ فجلس؛ فقال (ص) : أشيروا علي. غ

22

فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر.

فأمره النبي (ص) بالجلوس، فجلس. و نسب الواقدي و الحلبي الكلام المتقدم لعمر، و قالا عن أبي بكر: إنه قال فأحسن‏ (1) .

ثم قام المقداد فقال: يا رسول اللّه، إنها قريش و خيلاؤها، و قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا: أن ما جئت به حق من عند اللّه، و اللّه لو أمرتنا:

أن نخوض جمر الغضا (نوع من الشجر صلب) ، و شوك الهراس لخضناه معك، و لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت و ربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون‏ (2) ، و لكنا نقول: إذهب أنت و ربك؛ فقاتلا، إنا معكم مقاتلون. و اللّه لنقاتلن عن يمينك و شمالك، و من بين يديك، و لو خضت بحرا لخضناه معك، و لو ذهبت بنا برك الغماد لتبعناك‏ (3) .

فأشرق وجه النبي (ص) ، و دعا له، و سر لذلك، و ضحك كما يذكره المؤرخون‏ (4) .

فيلاحظ: أن الكلام كله قد كان من المهاجرين، و قد ظهر منهم:

أنهم لا يريدون حرب قريش، و هم يتفادون ذلك بأي ثمن كان، غير أن المقداد قد ردّ عليهم مقالتهم، و خالفهم في موقفهم. ثم توجه النبي

____________

(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 48، و السيرة الحلبية ج 2 ص 150، و الدر المنثور ج 3 ص 166 عن دلائل النبوة للبيهقي، و البحار ج 19 ص 247، و تفسير القمي ج 1 ص 258.

(2) المائدة: 24.

(3) برك الغماد: يعني مدينة الحبشة كما في تاريخ الخميس ج 1 ص 373 و موضع من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر و هو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. راجع مغازي الواقدي ج 1 ص 48.

(4) تاريخ الخميس ج 1 ص 373، و السيرة الحلبية ج 2 ص 150 عن الكشاف و مغازي الواقدي ج 1 ص 48.

23

(ص) إلى الأنصار، حيث يقول النص التاريخي:

ثم قال: أشيروا علي-و إنما يريد الأنصار، لأن أكثر الناس منهم؛ و لأنه كان يخشى أن يكونوا يرون: أن عليهم نصرته في المدينة، إن دهمه عدو، لا في خارجها، فقام سعد بن معاذ-و قيل ابن عبادة، و هو وهم؛ لأنه لم يشهد بدرا؛ لأنه كان قد لدغ، فلم يمكنه الخروج‏ (1) -فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، كأنك أردتنا؟

فقال: نعم.

فقال: فلعلك قد خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟

قال: نعم.

قال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، إنّا قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند اللّه؛ فمرنا بما شئت. إلى أن قال:

و اللّه، لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، و لعل اللّه يريك ما تقر به عينك؛ فسر بنا على بركة اللّه.

فسر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمرهم بالمسير، و أخبرهم بأن اللّه تعالى قد وعده إحدى الطائفتين، و لن يخلف اللّه وعده، ثم قال:

و اللّه، لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، و عتبة بن ربيعة، و شيبة إلخ...

و سار حتى نزل بدرا.

و يظهر من بعض النصوص: أن الصحابة كانوا-في أكثرهم- يميلون إلى طلب العير، و ترك النفير (2) .

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 150.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 163 و 169 عن ابن جرير، و أبي الشيخ، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و الكشاف، و البيهقي، و عبد بن حميد و البداية و النهاية ج 3 ص 263.

24

و قد ذكر اللّه تعالى ذلك في قرآنه المجيد، فهو يقول: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ، وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ، وَ يَقْطَعَ دََابِرَ اَلْكََافِرِينَ (1) .

و قبل أن نمضي في الحديث نشير إلى الأمور التالية:

1-إستشارة النبي (ص) أصحابه:
لقد تحدثنا فيما سبق حينما تكلمنا عن سر إرسال المهاجرين في الغزوات، و لسوف نتحدث فيما يأتي في غزوة أحد في فصل: قبل نشوب الحرب إن شاء اللّه تعالى، عن موضوع إستشارة النبي (ص) لأصحابه بما فيه الكفاية.

و لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى أنه قد كان من الضروري أن يستشير «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في حرب بدر التي كانت حربا مصيرية، سوف يتقرر على أساس نتائجها مصير الإيمان و الشرك في المنطقة في المستقبل المنظور على الأقل، بل و مطلقا كما أشار إليه (ص) في دعائه:

«اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» .

و واضح أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى رأيهم، و إنما هو يستشيرهم لأنهم هم الذين سوف يتحملون أعباء الحرب، و يعانون من نتائجها، على مختلف الأصعدة.

ثم إنه يستخرج بذلك دخائل نفوسهم، و يتميز المنافق من المؤمن، و الجبان من الشجاع، و الذي يفكر في مصلحة نفسه من الذي يفكر من منطلق التكليف الشرعي، و يعرف أيضا الذكي من الغبي، و العدو من الولي، و الضعيف من القوي إلى غير ذلك مما هو ظاهر لا يخفى.

____________

(1) الأنفال: 7.

25

و يدل على ما نقول: أن سعد بن معاذ يسأل النبي (ص) : لعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره، فقال (ص) : نعم. فهذا يدل على أن أمر الحرب مقضي و مأمور به من قبل اللّه تعالى؛ فليست استشارته (ص) لهم إلا لما قلناه هنا، و قدمناه، و سيأتي في غزوة أحد. غ

2-حرب قريش هو الرأي:
و من الواضح: أن الرأي الحق هو حرب قريش، كما أراد اللّه و رسوله؛ و ذلك لأن الأمر يدور بين:

أن يرجع المسلمون دون أن يتعرضوا للعير، و لا لقريش. و في ذلك هزيمة روحية و نفسية واضحة للمسلمين، و إطماع لغيرهم بهم؛ من المشركين، و اليهود، و المنافقين.

أو أن يطلبوا العير فيدركوها، فيأخذوها، بعد قتل أو أسر رجالها.

و لن تسكت قريش على هذا الأمر، بل هي سوف تتعرض لحربهم على أوسع نطاق. و قد تتمكن من مهاجمة المدينة قبل رجوع المسلمين إليها، و تقوم بإنزال الضربة القاصمة بالمسلمين، فإن قريشا و هي بهذه العدة و العدد لن تسكت عن أمر كهذا، بل سوف تحاول رد هيبتها، و الثأر لكرامتها.

فلم يبق إلا خيار واحد، و هو أن يقفوا في وجه قريش بعد أن يعرضوا عليها عروضا مقبولة، و عادلة، و معقولة.

إذن، فحرب و قتال قريش هو الخيار الأفضل و الأمثل في ظروف كهذه، و لا سيما إذا طلبوا العير، و ربما يوجب ذلك أن يزيد الأمر تعقيدا و إشكالا بالنسبة إلى المسلمين بما لا قبل لهم به.

و تكون النتيجة هي أنه إذا أراد المسلمون العيش في عزة و منعة، و أن لا يطمع بهم من حولهم، و المشركون، و اليهود، و المنافقون، فلابد

26

من المبادرة للقتال، و ليس ثمة خيار آخر أمامهم. غ

3-التربية النفسية:
و في مجال آخر نشير إلى:

ألف: لقد كان هدف المسلمين أولا هو الحصول على المال؛ فأراد اللّه و رسوله أن يرتفع بهم عن هذا الهدف الدنيوي إلى ما هو أغلى، و أعلى، و أسمى. و إلا فإن قريشا أيضا قد كانت تهدف من وراء جمعها الجموع، و إثارة الحرب إلى أهداف دنيوية، إقتصادية، و اجتماعية، و سياسية أيضا.

ب: لقد كان لحرب بدر أثرها في بث روح الإعتماد على النفس، و مواجهة المسؤوليات بصلابة و شجاعة، حيث لابد من قتل فراعنة قريش، و إفناء صناديدها و أسرهم‏ لِيَقْضِيَ اَللََّهُ أَمْراً كََانَ مَفْعُولاً* ، ثم التهيؤ لحرب العرب و العجم بعد ذلك. غ

4-نظرة في الآراء حول الحرب:
و يلاحظ: أن أكثر المؤرخين قد حذفوا كلام عمر و أبي بكر هنا، و اكتفوا بقولهم: قام أبو بكر فأحسن، ثم قام عمر فأحسن، ثم قال المقداد كذا و كذا (1) . و ربما ينسبون إلى بعضهم كلاما آخر لا ربط له بسؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصلا.

و أما الفقرات التي نقلناها عنهما فلم تعجب الكثيرين من المؤرخين، فأضربوا عنها صفحا بالطريقة المشار إليها آنفا.

و لكن من الواضح: أن سرور النبي (ص) بكلام المقداد، و دعاءه له يدل على أن كلاهما (أعني أبا بكر و عمر) لم يكن منسجما مع ما كان

____________

(1) راجع على سبيل المثال: البداية و النهاية ج 3 ص 262، و الثقات ج 1 ص 157.

27

يهدف إليه النبي (ص) من مشاورته لهم، بل كان مضادا لما كان يرمي إليه (ص) ، و لو كان كلامهما لائقا لذكره محبوهم من المؤرخين و الرواة و ما أكثرهم.

و أما مشورة المقداد، فكانت هي السليمة و المنسجمة مع المنطق، و مع الأهداف السامية التي كان يرمي إليها الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . و ذلك هو ما كان يتوقعه (ص) ، و يرمي إلى الوصول إليه، و الحصول عليه. و لذلك فقد استحق المقداد مدح النبي (ص) و دعاءه له.

بل لقد ورد: أنه حين بلغ النبي (ص) إقبال أبي سفيان شاور أصحابه، فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه‏ (1) .

فإعراضه (ص) عنهما ليس إلا لتخذيلهما عن النفير إلى حرب قريش، و مدحهم لها بأنها: ما ذلت منذ عزت، و ما آمنت منذ كفرت إلخ... لا لأنه كان يريد من الأنصار أن يجيبوا و حسب. و إلا فلماذا سر من كلام المقداد، و دعا له، و هو من المهاجرين؟!حتى لقد قال ابن مسعود، عن موقف المقداد هذا: لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به‏ (2) ، و عن أبي أيوب، قال-في ضمن حديث له-: «فتمنينا معشر الأنصار لو أنّا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من مال عظيم» ، فأنزل اللّه عز و جل على رسوله: كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكََارِهُونَ (3) .

____________

(1) صحيح مسلم باب غزوة بدر ج 5 ص 170، و مسند أحمد ج 3 ص 219 بطريقين، و عن الجمع بين الصحيحين، و البداية و النهاية ج 3 ص 263، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 394.

(2) صحيح البخاري باب تستغيثون ربكم ج 3 ص 3 ط الميمنية، و البداية و النهاية ج 3 ص 262-263، و سنن النسائي.

(3) البداية و النهاية ج 3 ص 263-264 عن أبي حاتم و ابن مردويه.

28

أضف إلى ذلك كله أن كلام رسول اللّه (ص) كان عاما للجميع:

للأنصار و المهاجرين على حد سواء، كما أن المهاجرين كانوا كالأنصار من حيث إنهم لم يبايعوه على الحرب. غ

5-سرّ سروره (ص) بكلام سعد و المقداد:
و إن التأمل في كلام سعد بن معاذ و المقداد يفيد: أنهما لم يشيرا عليه، لا بالحرب، و لا بالسلام؛ بل ما زادا على أن أظهرا التسليم و الإنقياد لأوامر النبي (ص) و نواهيه، و ما يقضيه في الأمور. إنهما لم يبديا رأيا، و لا قدما بين يديه أمرا. و هذا هو منتهى الإيمان، و غاية الإخلاص و التسليم، و قمة الوعي لموقعهما، و وظائفهما، و ما ينبغي لهما.

فهما ما كانا يريان لأنفسهما قيمة في مقابل قضاء اللّه و رسوله، على حد قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (1) .

و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (2) .

و لهذا الإيمان العميق، و التسليم المطلق، كان سرور رسول اللّه و استبشاره صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين. غ

6-أين رأي علي (ع) ؟!
و يلاحظ هنا: أننا لا نجد عليا في هذا المقام يبدي رأيا، و لا يبادر إلى موقف، أو مشورة، مع أنه رجل الحكمة، و معدن العلم؛ فما هو السر

____________

(1) الأحزاب: 36.

(2) الحجرات.

29

في ذلك يا ترى؟!

و نقول في الجواب: إن موقف علي (ع) هو موقف نفس النبي (ص) . و قد وصفه اللّه سبحانه و تعالى في آية المباهلة بأنه نفس النبي، فقال: فَقُلْ: تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ، وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ، وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ .

أضف إلى ذلك: أن عليا (ع) لم يكن ليتقدم بين يدي اللّه و رسوله في شي‏ء و قد كان يرى أن من واجبه السكوت، و التسليم، و الرضا بما قضاه اللّه و رسوله، و لا يجد في نفسه أي حرج من ذلك. غ

الحباب ذو الرأي:
و يروون: أن رسول اللّه (ص) نزل أدنى ماء ببدر؛ فأشار عليه الحباب بن المنذر بأن ينزل أدنى ماء من القوم، ثم يصنع حوضا للماء، و يغور سائر القلب؛ فيشرب المسلمون، و لا يشرب المشركون. ففعل الرسول (ص) ذلك، ثم صوّب رأي الحباب.

فسمي الحباب حينئذ: «الحباب ذو الرأي» (1) .

و لكن هذه الرواية لا تصح، و ذلك:

أولا: إنه قد دل الدليل على أن النبي (ص) مصيب في كل ما يفعل و يرتأي، و لا يصغى لما يقال من جواز الخطأ عليه في الأمور الدنيوية، فإنه مما يدفعه العقل و النقل. (و سيأتي البحث عن أن العصمة عن الخطأ و النسيان إختيارية عن قريب إن شاء اللّه تعالى) .

____________

(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 272، و تاريخ الخميس ج 1 ص 376، و السيرة الحلبية ج 2 ص 155؛ و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 122، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 403 و 402، و البداية و النهاية ج 3 ص 267، و غير ذلك.

30

و ثانيا: إن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، و كانت أرضا لا بأس بها. و لا ماء بالعدوة الدنيا، و هي خبار تسوخ فيها الأرجل‏ (1) .

و ثالثا: إن المشركين هم الذين سبقوا بالنزول في بدر كما سيأتي؛ و لا يعقل أن ينزلوا في مكان لا ماء فيه، و يتركوا الماء لغيرهم.

و رابعا: إن ابن إسحاق ينص على أن المشركين وردوا الحوض، فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يعترضوهم‏ (2) . و قد فعل أمير المؤمنين علي (ع) في صفين مثل ذلك؛ حيث أباح الماء لأعدائه القاسطين، مع أنهم كانوا قد منعوه إياه أولا (3) .

و من الواضح: أن منعهم من الماء لا ينسجم مع أخلاقيات و مبادى‏ء الإسلام و نبيه الأعظم (ص) .

فالصحيح هو الرواية التي تقول: إن المسلمين لم يكونوا على الماء، فأرسل اللّه السماء عليهم ليلا حتى سال الوادي، فاتخذوا الحياض، و شربوا و سقوا الركائب، و اغتسلوا و ملأوا الأسقية (4) كما أشار إليه تعالى، حين قال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ، وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ

____________

(1) راجع: فتح القدير ج 2 ص 291 عن الزجاج و 311، و الكشاف ج 2 ص 223/203، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 292 عن ابن عباس، و قتادة، و السدي، و الضحاك، و الدر المنثور ج 3 ص 171 عن ابن المنذر، و أبي الشيخ، و السيرة الحلبية ج 2 ص 154، و سيرة ابن كثير ج 2 ص 400 و عن الكشاف، و أنوار التنزيل، و المدارك، و غير ذلك.

(2) و راجع: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 123.

(3) راجع كتابنا: الإسلام و مبدأ المقابلة بالمثل.

(4) راجع: الكشاف ج 2 ص 203-204، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 292 غير أنه لم يذكر اتخاذ الحياض.

31

اَلسَّمََاءِ مََاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ اَلشَّيْطََانِ، وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ، وَ يُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدََامَ (1) .

و ذلك هو سر بناء الحوض، و ليس ما ذكروه. غ

عدة و عدد المسلمين و المشركين:
و كان رسول اللّه (ص) قد خرج في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، عدد أصحاب طالوت (و قيل: أكثر، و أقل) و الأول هو قول عامة السلف‏ (2) .

و كان معهم من الإبل سبعون بعيرا يتعاقبون عليها، الإثنان و الثلاثة؛ فكان النبي (ص) ، و علي (ع) ، و مرثد بن أبي مرثد، و قيل: زيد بن حارثة، يعتقبون بعيرا.

و كان معه من الخيل: فرس للمقداد قطعا بإجماع المؤرخين. قيل:

فقط (3) . و روي ذلك عن أمير المؤمنين (ع) (4) . و قيل: و فرس للزبير، أو لمرثد، أو هما معا.

____________

(1) الأنفال: 11

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 149.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 371 عن الكشاف، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، و البحار ج 19 ص 323، و هو عن تفسير العياشي ج 2 ص 25 و 54، و حياة الصحابة ج 1 ص 493 عن الترغيب ج 1 ص 1316 عن ابن خزيمة.

و راجع: المغازي للذهبي (تاريخ الإسلام) ص 56 و 59، و السيرة الحلبية ج 2 ص 149، و دلائل النبوة للبيهقي ط المكتبة العلمية ج 3 ص 38 و 39 و 49، و المغازي للواقدي ج 1 ص 27، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 35.

(4) تاريخ الطبري ج 2 ص 135، و السيرة الحلبية ج 2 ص 149، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 388.

غ

32

و معهم من السلاح ستة أدرع، و ثمانية سيوف‏ (1) .

و معه من المهاجرين، قيل: أربعة و ستون، و قيل: سبعون، و قيل:

ستة و سبعون أو سبعة و سبعون، و قيل: ثمانون، و قيل: مئتان و سبعون من الأنصار، و بقيتهم من سائر الناس، و قيل غير ذلك‏ (2) . و الذين من الخزرج كانوا مئة و سبعين. و في عدد الخزرج إختلاف أيضا.

أما المشركون، فخرجوا و هم يشربون الخمور، و معهم القيان، يضربن بالدفوف، و قد أرجعوهن من الطريق.

و كان معهم سبعمائة بعير (3) .

و من الخيل، قيل: أربعمائة (4) ، و قيل: مئتان، و قيل: مئة فرس‏ (5) ، و قيل غير ذلك. و كلهم دارع. و مجموع الدارعين فيهم ستمائة (6) .

و كان يتبرع بالإطعام رجل منهم كل يوم، فينحرون لهم تسعا، أو

____________

(1) راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، و البحار ج 19 ص 206، و مجمع البيان ج 2 ص 214، و حسب طبعة دار إحياء التراث المجلد الأول ص 415، و تاريخ الخميس ج 1 ص 371.

(2) راجع: البحار ج 19 ص 323، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 40، و البداية و النهاية ج 3 ص 269، و السيرة الحلبية ج 2 ص 146، و حياة الصحابة ج 1 ص 603، و تاريخ الخميس ج 1 ص 371، و أنساب الأشراف ج 1 ص 290، و مجمع الزوائد ج 6 ص 93، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 118، و غير ذلك.

(3) راجع ما تقدم في المصادر المتقدمة في الهوامش المختلفة.

(4) تفسير القمي ج 1 ص 262.

(5) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 187، و السيرة الحلبية ج 2 ص 146، و البحار ج 19 ص 224 و 206، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 118، و مجمع البيان، و غير ذلك، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387.

(6) التنبيه و الاشراف ص 204، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387.

33

عشرا من الإبل، فكان المطعمون إثني عشر رجلا، منهم: عتبة، و شيبة، و العباس، و أبو جهل، و حكيم بن حزام؛ الذي أصبح فيما بعد من المؤلفة قلوبهم، كما هو معروف. غ

المشركون يدركون بغيهم و عدوانهم:
و التقى بعض المسلمين ببعض عبيد قريش على ماء بدر، فأخذوهم، و سألوهم عن العير، فأنكروا معرفتها، فضربوهم و رسول اللّه (ص) يصلي، فانفتل من صلاته، و قال: إن صدقوكم ضربتموهم، و إن كذبوكم تركتموهم؟

ثم سألهم عن عدة قريش، فقالوا: لا علم لهم بعددهم.

فقال (ص) : كم ينحرون كل يوم من جزور؟

قالوا: تسعة إلى عشرة.

فقال (ص) : القوم تسعمائة إلى ألف رجل‏ (1) (و قيل: أكثر، حتى لقد قال البعض: إنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل؛ و هو بعيد) .

فأمر بهم (ص) ، فحبسوا، فعلم مشركو قريش، ففزعوا، و ندموا على مسيرهم، حيث إنهم بعد أن علموا بنجاة العير أصروا على المجي‏ء إلى بدر لتهابهم العرب، كما تقدم.

و قد اعترف عتبة بن ربيعة، الذي كان ولده أبو حذيفة مع النبي

____________

(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 298-269، و المغازي للواقدي ج 1 ص 53، و البداية و النهاية ج 3 ص 263-264، و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 327 و 328، و السنن الكبرى ج 9 ص 147 و 148، و زاد المعاد ج 3 ص 175، و صحيح مسلم ج 5 ص 170، و كشف الأستار ج 2 ص 311، و الطبقات الكبرى ط صادر ج 2 ص 15، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 132-134 و 142، و السيرة الحلبية ج 2 ص 152.

34

(ص) : بأن مسيرهم بعد نجاة عيرهم كان بغيا منهم و عدوانا. و بذلت محاولة للإتفاق على الرجوع، لكن أبا جهل أبى ذلك، و قال:

«لا، و اللات و العزى، حتى نقحم عليهم بيثرب، و نأخذهم أسارى، فندخلهم مكة، و تتسامع العرب بذلك، و لا يقوم بيننا و بين متجرنا أحد نكرهه» (1) .

و رجع بنو زهرة حينئذ بإشارة الأخنس بن شريق، كما تقدم. غ

مواقع الجيشين:
و سبق المشركون إلى بدر، فنزلوا في العدوة القصوى، في جانب الوادي مما يلي مكة، حيث الماء، و كانت العير خلف المشركين‏ (2) . قال تعالى: وَ اَلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . و محل نزولهم كان صلبا. و نزل المسلمون في العدوة الدنيا، أي جانب الوادي مما يلي المدينة، حيث لا ماء، و حيث الأرض رخوة، لا تستقر عليها قدم؛ مما يعني أن منزل المسلمين كان من وجهة نظر عسكرية غير مناسب.

و لكن اللّه أيّد عباده و نصرهم على عدوهم، و جاء المطر ليلا على المشركين، فأوحلت أرضهم، و على المسلمين؛ فلبّدها، و جعلها صلبة، و جعلوا الماء في الحياض‏ (3) .

____________

(1) البحار ج 19 ص 250 عن تفسير القمي، و راجع مغازي الواقدي ج 1 ص 71.

(2) لسوف يأتي: أن العير قد سلمت، لأن أبا سفيان قد سلك بها طريق البحر و ابتعد عن المدينة و عن مسير المسلمين.

(3) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 271 و 272، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375، و تاريخ الأمم و الملوك ط الإستقامة ج 2 ص 144، و السيرة الحلبية ج 2 ص 154، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 122، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 35، و البداية و النهاية ج 3 ص 266.

غ

35

معنويات المسلمين و العنايات الربانية:
و لما بلغ المسلمين كثرة المشركين، خافوا، و تضرعوا إلى اللّه.

و عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» : لما نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى كثرة المشركين، و قلة المسلمين، استقبل القبلة، و قال:

«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ؛ فنزلت الآية: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ. `وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ، وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ (1) .

فالإمداد بالملائكة إذن، ليس إلا للتطمين، و إعطاء توهج روحي للمسلمين، الذين يحسون بالضعف، و يستغيثون ربهم، حسب مدلول الآية الشريفة.

ثم ألقى اللّه النعاس على المسلمين؛ فناموا، و قد ذكر اللّه سبحانه ذلك، و إرسال المطر عليهم؛ فقال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ، وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ اَلشَّيْطََانِ، وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ، وَ يُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدََامَ (2) .

نعم، لقد كان ذلك النعاس ضروريا لفئة تواجه هذا الخطر الهائل، و هي تدرك أنها لا تملك من الإمكانات المادية شيئا يذكر لدفعه. نعم، لا بد من هذا النعاس؛ لئلا تستبد بهم الوساوس في هذا الليل البهيم، الذي تكبر فيه الأشياء و تتضخم، فكيف إذا كانت الأشياء كبيرة بطبيعتها؟

و قد كان هذا النعاس ضروريا أيضا ليحصل لهم الأمن و السكون:

«أمنة» و لتقوى قلوبهم بالإيمان و السكينة، حتى لا يضعفوا عن مواجهة

____________

(1) الأنفال: 9 و 10.

(2) الأنفال: 11.

36

الخطر، و حتى يمكن لعقولهم و فكرهم أن يسيطر على طبيعة تصرفاتهم و مواقفهم، بدلا من الضعف و الإنفعال، و التوتر. و بواسطة هذا النعاس و ذلك المطر يربط اللّه على قلوبهم، حيث يطمئنون إلى أن اللّه ناظر إليهم، و إلى أن ألطافه و عناياته متوجهة نحوهم، فلا يهتمون بعد ذلك بالحوادث الكاسرة، و لا تهمهم الجيوش بكثرتها الكاثرة.

و في مقابل ذلك، فقد ألقى اللّه تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب، و الخوف، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

و قد يقال: إن اللّه سبحانه قد أخبر في السور المكية، كسورة محمد (ص) ، بعد ذكره الذين تحزبوا ضد أنبيائهم، و ثمود، و فرعون، عن أن هناك حادثة شبيهة لما جرى لتلك الفئات، ستقع للمسلمين، فقال:

جُنْدٌ مََا هُنََالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزََابِ (1) ، فكان ذلك وقعة بدر، كما قاله البعض. غ

أهداف الحرب:
و الملاحظة الهامة هنا هي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصرح بأن حرب بدر حرب مصيرية، و أن هدفه من هذه الحرب هو التمكين لعبادة اللّه تعالى، و ليس عبادة الذات، أو المال، أو الجنس، أو الجاه، أو السلطان، و لا غير ذلك، و لا سيما إذا شعرت قريش بالضيق و الذل و الضعف، عن طريق جعلها في معاناة إقتصادية و نفسية، حينما تدرك: أن طريق قوافلها إلى الشام و لبلدان أخرى أصبح مهددا، و هذا ما سوف يضعف من عزائم القرشيين، و يزلزل وجودهم، و يجعلهم في الموقف الأضعف.

أما هدف المشركين، فهم أنفسهم قد أفصحوا عنه، و هو أن تهابهم

____________

(1) سورة ص: 11.

37

العرب، و أن لا يكون بينهم و بين متجرهم أحد يكرهونه.

و شتان ما بين الهدفين، و كذلك ما بين نتائج الحرب-كما سنرى- بالنسبة إلى الفريقين. غ

في المواجهة:
و لما أصبح رسول اللّه (ص) عبأ أصحابه. و كانت رايته مع أمير المؤمنين (ع) (1) .

و كان (ع) صاحب لواء رسول اللّه (ص) في بدر، و في كل مشهد (2) ، و سنثبت ذلك في غزوة أحد إن شاء اللّه تعالى.

فما يقال: من أنه كان لرسول اللّه (ص) في بدر أكثر من لواء: مع مصعب بن عمير، أو الحباب بن المنذر.

في غير محله، إلا أن يكون مرادهم: أن لواء المهاجرين كان مع مصعب، و لواء الأنصار كان مع الحباب، و نحو ذلك. و أما تفريقهم بين

____________

(1) مناقب الخوارزمي ص 102، و الآحاد و المثاني لابن أبي عاصم النبيل، مخطوط في مكتبة كوبرلى رقم 235، و مسند الكلابي في آخر مناقب ابن المغازلي ص 434، و مناقب ابن المغازلي نفسه ص 366، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 3 ص 33 و 34، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 11، و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مجمع الزوائد ج 9 ص 125. و نقل ذلك عن: شرح النهج للمعتزلي ط أولى ج 2 ص 102، و جمهرة الخطب ج 1 ص 428، و الأغاني ط دار الكتب ج 4 ص 175، و تاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 430.

(2) ترجمة الإمام أمير المؤمنين من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 145، و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 14، و كفاية الطالب ص 336 عنه، و في هامشه عن: كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، و الرياض النضرة ج 2 ص 202، و قال: أخرجه نظام الملك في أماليه.

38

الراية و اللواء في محاولة لرفع التنافي، فهو أيضا محاولة فاشلة؛ لأن كلا منهما قد ورد أنه كان مختصا بأمير الؤمنين (ع) ، كما يتضح من مراجعة النصوص في المصادر المشار إليها في الهامش‏ (1) . و سيأتي مزيد من التوضيح لذلك في واقعة أحد إن شاء اللّه تعالى.

أضف إلى ذلك: أن ابن سعد و ابن إسحاق قد ذكرا: أن الراية قد اتخذت بعد وقعة بدر، و بالذات في وقعة خيبر (2) .

هذا لو سلّم وجود إختلاف بين اللواء و الراية، و إلا فقد نص جماعة من أهل اللغة على ترادفهما (3) . غ

هدوء ما قبل العاصفة:
و بعد أن عبأ النبي (ص) أصحابه، قال لهم: غضوا أبصاركم، و لا تبدؤوهم بالقتال، و لا يتكلمن أحد (4) .

و سكت المسلمون، و غضوا أبصارهم، امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأثر هذا الموقف في قريش بشكل واضح، حتى إن أحدهم حين جال بفرسه حول المسلمين؛ ليعرف إن كان لهم مدد، أو كمين، رجع للمشركين، و قال: «ما لهم كمين، و لا مدد. و لكن نواضح يثرب حملت الموت الناقع. أما ترونهم خرسا لا يتكلمون؟يتلمظون تلمظ الأفاعي، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم؟!و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، و لا يقتلون حتى يقتل بعددهم» .

____________

(1) راجع المصادر في الهامشين السابقين.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 147.

(3) المصدر السابق ص 147 و 148.

(4) المصدر السابق.

39

فشتمه أبو جهل؛ لأنه رآه يجبن أصحابه.

و قال أبو جهل يشجع أصحابه مشيرا إلى قلة عدد المسلمين: «ما هم إلا أكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد» .

و أرسل رسول اللّه (ص) إلى المشركين يقول لهم: «معاشر قريش، إني أكره أن أبدأكم بقتال، فخلوني و العرب و ارجعوا؛ فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، و إن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري» .

و يقال: إن عتبة بن ربيعة رجح للمشركين قبول ذلك، فرماه أبو جهل بالجبن، و أنه انتفخ سحره‏ (1) لما رأى محمدا و أصحابه، و أنه خاف على ابنه أبي حذيفة الذي هو مع محمد.

فلما بلغ عتبة قول أبي جهل، قال: سيعلم مصفّر أسته‏ (2) من انتفخ سحره: أنا، أم هو؟و تحمس لذلك، و لبس درعه، هو و أخوه شيبة و ولده الوليد، و تقدموا يطلبون البراز.

و نحن هنا نشير إلى الأمور التالية:

ألف: سر رعب المشركين:
إن المشركين كانوا يدركون مدى تصميم المسلمين على الحرب، و أنهم على استعداد لأن يموتوا جميعا، بعد أن يقتلوا بعددهم على الأقل

____________

(1) انتفاخ السحر: كناية عن الجبن. و السحر: الرئة.

(2) و الظاهر أنه يرميه بالأبنة؛ فإن الأنصار كانوا يرمونه بذلك. راجع: مجمع الأمثال ج 1 ص 251 عند قولهم: أخنث من مصفر أسته، و البرصان و العرجان ص 102/103 متنا و هامشا، و الغدير ج 8 ص 251 عن صواعق ابن حجر ص 108 عن الدميري في حياة الحيوان، و راجع: الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة ج 1 ص 188.

40

في سبيل دينهم و عقيدتهم.

و هذا من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب المشركين، الذين يقاتلون من أجل البقاء في هذه الدنيا، و التمتع بلذاتها و خيراتها حسب زعمهم.

و إذا كان المسلمون ساكتين و اجمين، فإن ذلك يزيد الجور رهبة، و يؤكد و يزيد الخوف و الرعب في قلوب المشركين، الذين سوف تزيد حيرتهم حيث لا شي‏ء يشير إلى طبيعة الحرب التي سوف يخوضونها، و مستواها، و الإتجاه و الطابع الذي سوف يعطونها إياه.

و أما قول أبي جهل عن المسلمين: ما هم إلا أكلة رأس إلخ. فهو لا يدل على عدم الرعب لدى المشركين، لأنه لم يقل ذلك إلا على سبيل التشجيع لأصحابه. و لا سيما بعد أن رأى ترددهم و جبنهم عن المواجهة.

أضف إلى ذلك: أننا لا بد أن نتذكر هنا: أنه تعالى في بعض مراحل المواجهة قد قلل المشركين في أعين المسلمين، و قلل المسلمين في أعين المشركين؛ ليقضي أمرا كان مفعولا، و لسوف يأتي الكلام في هذا في أواخر الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى. غ

ب: نظرة في عروض النبي (ص) على المشركين:
لقد حاول النبي (ص) أن يكلم المشركين من الزاوية التي ينظرون منها، و تتلاءم و تنسجم مع فكرهم و منطقهم، و تتلاقى مع مصالحهم التي يدعون أنهم جاؤوا يحاربون من أجلها. و ذلك حينما قال لهم: «فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا» . فإن هذا ينسجم مع حبهم للرياسة و الزعامة، الذي كان من القوة و الطغيان فيهم بحيث جعلهم يؤثرون تلك الرئاسات و الزعامات على كل علاقاتهم النسبية و القبلية، و يحاربون قومهم، و حتى آباءهم و أبناءهم في سبيلها.

ثم هو يقول لهم: «و إن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري» . و هذا

41

ينسجم أيضا مع محبتهم للسلامة و الحياة، و مع مصالحهم الإقتصادية.

و ذلك يعوض ما يرونه في رجوعهم عن حربه من تنازل، و اعتراف بقوته و شوكته.

مع إمكان تلافيهم ذلك بإظهار بعض الأعذار التي تحفظ لهم ماء الوجه بحسب نظرهم.

و لكن طغيان قريش، و غطرستها يأبيان عليها الإنصياع للمنطق الواعي، و الرأي السليم، فتصر على الحرب و القتال، و مواجهة نتائجها الساحقة لها و لكبريائها الزائف، و صلفها الأحمق و المقيت. غ

جيم: النبي (ص) لا يبدأ القتال:
ثم إننا نجد: أن النبي (ص) لا يبدأ القتال، و يأمر المسلمين أن لا يبدأوا به، و يحاول أن يعطي الطرف الآخر الفرصة، و يقدم له خيارات كلها فيها مخرج مشرف له؛ فإذا أبي ذلك، و طغى و بغى، و اعتدى على المسلمين، فإن من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم، و أن يردوا كيد المعتدي، من كان، و مهما كان.

و هكذا كان أمير المؤمنين (ع) مع أعدائه، سواء في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو بعد وفاته. بل إن ذلك كان هو شعار شيعة أهل البيت رضوان اللّه تعالى عليهم، اقتداء بإمامهم، الذي يقتدي بالنبي الأعظم (ص) . و لسوف تأتي الإشارة إلى ذلك حين الحديث حول خصائص الشيعة بعد الإنتهاء من غزوة بدر مع أبحاث أخرى في فصل:

«بحوث ليست غريبة عن السيرة» إن شاء اللّه تعالى. و قد تقدمت أيضا إشارة إلى ذلك. غ

النبي (ص) في العريش:
و يقولون: إنهم صنعوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عريشا من جريد

42

النخل فكان فيه و أبو بكر معه، و ليس معه غيره.

و يدعون أيضا: أنه (ص) قد وافق على أن يضعوا نجائب و ركائب مهيأة عنده، فإن انتصر فهو المطلوب و إن كانت الأخرى ركب النجائب، و لحق بمن وراءهم من الصحابة في المدينة (1) .

و لكن ذلك لا يصح بأي وجه؛ فقد قال المعتزلي: «قلت: لأعجب من أمر العريش، من أين كان لهم أو معهم من سعف النخل ما يبنون به عريشا، و ليس تلك الأرض-أعني أرض بدر-أرض نخل؟و الذي كان معهم من سعف النخل، يجري مجرى السلاح يسيرا جدا. قيل: إنه كان بأيدي سبعة منهم سعاف عوض السيوف، و الباقون كانوا بالسيوف و السهام و القسي. هذا قول شاذ، و الصحيح أنه ما خلا أحد منهم عن سلاح.

اللهم إلا أن يكون معهم سعفات يسيرة، و ظلل عليها بثوب أو ستر، و إلا فلا أرى لبناء عريش من جريد النخل هناك وجها» (2) .

و نقول: أولا: إن ما ذكره من وجود السلاح مع المهاجرين لا يمكن قبوله. فقد تقدمت النصوص التي تتحدث عن مستوى تسلحهم، و ليس فيها ما ذكره المعتزلي. و الظاهر هو أن عددا منهم كان مسلحا بالقسي، كما يدل عليه أمر النبي (ص) لهم برمي المشركين بالنبل إذا أكثبوهم.

و لعل بعضهم كان معه رماح، و البعض الآخر عصي، و فريق كان لديه سيف، أو حربة، و فريق آخر كان معه سعف النخل، يدفع بها عن نفسه، و يهاجم العدو بها إن وجد فرصة لذلك.

____________

(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 222 و 279، و مغازي الواقدي ج 1 ص 49 و 55، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 122، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 118، و السيرة الحلبية ج 2 ص 155/156 و 161 و غير ذلك من المصادر الكثيرة.

(2) شرح النهج ج 14 ص 118.

43

و ثانيا: إن استدراكه الأخير في غير محله؛ فإن السعفات المظلل عليها بالثوب يقال لها: خيمة، و ليس عريشا، بل لا يقال لها خيمة أيضا، كما يرى البعض. كما أن ما ذكره من عدتهم و سيوفهم محط نظر يعرف مما تقدم.

و نضيف نحن هنا:

أولا: إن النبي (ص) لا يمكن أن يفر من الزحف.

و ثانيا: قوله (ص) : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» -و هو ما نقله مختلف المؤرخين-يكذب أن يكون (ص) أراد الفرار على نجائبه، لو ربح المشركون هذه الحرب. إذ أن اللّه تعالى لا يمكن أن يعبد في الأرض حتى و لو رجع النبي (ص) إلى أهل المدينة؛ فكيف يقول ذلك ثم يقدم على تصرف كهذا؟!.

و ثالثا: لو أن النبي (ص) خسر حرب بدر، فلن يتركه المشركون ينجو بنفسه منهم؛ و لن يعطوه الفرصة ليجمع لهم الجموع من جديد؟!.

و لسوف لن يتركوا مهاجمة المدينة، و القضاء على مصدر متاعبهم فيها.

و هم الآن بالقرب منها، و يعيشون نشوة النصر و الظفر، و معهم جيش على أحسن ما يرام في عدده و في عدته.

و رابعا: كيف يكون (ص) قد اتخذ العريش مكانا له، و حرسه الحراس فيه، و هم يقولون: إنه (ص) رؤي يوم بدر في أثر المشركين مصلتا السيف، يتلو قوله تعالى: سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ (1) .

و يقولون أيضا: إنه قد اشترك في حرب بدر بنفسه، و قاتل بنفسه قتالا شديدا (2) .

____________

(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 172.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 123 و 167، لكنه حاول توجيه ذلك بما هو خلاف صريح‏

44

و مما يدل على اشتراكه في الحرب أيضا، قولهم: كان ثمة يوم بدر رجال يقاتلون، واحد عن يمينه، و آخر عن شماله، و ثالث أمامه، و رابع خلفه‏ (1) .

و يروون عن علي (ع) أيضا قوله: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول اللّه (ص) ، فكان أشد الناس بأسا، و ما كان أحد أقرب إلى المشركين منه‏ (2) .

إذن، فلا بد أن نسأل: أين كان أبو بكر آنئذ؟أمع النبي (ص) في ساحة القتال؟أم في العريش وحده، ليكون في موقع القائد و الرئيس كما يريد الجاحظ أن يدعي حسبما سيأتي؟و لسوف تأتي بقية الحديث حول موضوع شجاعة أبي بكر، و حضوره في العريش في الفصل الذي يأتي بعد وقعة بدر إن شاء اللّه تعالى.

و خامسا: إنه إذا لم يكن معهم سوى فرس المقداد، فمن أين جاءت النجائب المعدة لفرار رسول اللّه (ص) ؟!و لماذا لم تشارك في الحرب، للدفاع عن الدين و عن المسلمين؟!. غ

إشارة:
و لو فرض صحة الحديث المتقدم المروي عن علي (ع) ، فلا بد أنه كان يتحدث عن غيره لا عن نفسه، لأن عليا لم يكن يخشى المشركين، و لم يكن ليحتاج إلى ملجأ يحميه منهم. كيف و هو الذي قتل أكثر من

____________

قالكلام، فقال: إن المراد بالجهاد: الدعاء!!. كل ذلك من أجل أن يصح حديث العريش!!.

(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 78.

(2) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 135، و السيرة الحلبية ج 2 ص 123، و البداية و النهاية ج 6 ص 37، و حياة الصحابة ج 2 ص 677 عن أحمد، و البيهقي.

45

نصف قتلى المشركين في بدر؟و شارك في النصف الآخر كما سنرى؟

و يكون قوله (ع) ذلك نظير أن يقول شخص مثلا: إننا في بلادنا نأكل كذا، أو نلبس أو نصنع الشي‏ء الفلاني. مع أن هذا القائل لم يأكل، أو لم يلبس، أو لم يصنع ذلك الشي‏ء شخصيا أبدا. غ

المبارزة:
و كان أول من برز للقتال عتبة، و شيبة، و الوليد؛ فبرز إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا لهم: ارجعوا؛ فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش، فأرجعهم النبي (ص) ، و بدأ بأهل بيته؛ لأنه كره أن تكون البدأة بالأنصار (1) ، و ندب عبيدة بن الحارث، و حمزة، و عليا، قائلا: «قم يا عبيدة، قم يا عم، قم يا علي، فاطلبوا بحقكم الذي جعله اللّه لكم إلخ... » .

فسأل عتبة عنهم، فأخبروه عن أنفسهم، و سأل شيبة عن حمزة، فقال له: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد اللّه و أسد رسوله. فقال شيبة: قد لقيت أسد الحلفاء، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد اللّه.

فقتل علي (ع) الوليد، و جاء فوجد حمزة معتنقا شيبة، بعد أن تثلمت في أيديهما السيوف، فقال: يا عم طأطى‏ء رأسك، و كان حمزة طويلا، فأدخل رأسه في صدر شيبة؛ فاعترضه علي بالسيف فطير نصفه (أي نصف رأسه) . و كان عتبة قد قطع رجل عبيدة، و فلق عبيدة هامته، فجاء علي فأجهز على عتبة أيضا.

فيكون أمير المؤمنين (ع) قد شرك في قتل الثلاثة (2) .

____________

(1) تفسير القمي ج 1 ص 264، و البحار ج 19 ص 313 و 253، و سعد السعود ص 102.

(2) راجع: المناقب ج 3 ص 119 عن صاحب الأغاني و غيره...

46

و مما يدل على أنه شرك في قتلهم جميعا، ما ورد في كتاب «المقنع» من أن هندا قالت:

ما كان لي عن عتبة من صبر # أبي، و عمي، و شقيق صدري‏

أخي الذي كان كضوء البدر # بهم كسرت يا علي ظهري‏ (1)

و قال السيد الحميري رحمه اللّه في مدح أمير المؤمنين (ع) :

و له ببدر وقعة مشهورة # كانت على أهل الشقاء دمارا

فأذاق شيبة و الوليد منية # إذ صبحاه جحفلا جرارا

و أذاق عتبة مثلها أهوى لها # عضبا صقيلا مرهفا بتارا (2)

و يدل على ذلك أيضا: ما أجاب به بعض بني عامر حسان بن ثابت على أبيات له، يقول ذلك البعض:

ببدر خرجتم للبراز فردكم # شيوخ قريش جهرة و تأخروا

فلما آتاهم حمزة، و عبيدة # و جاء علي بالمهند يخطر

فقالوا: نعم، أكفاء صدق، فأقبلوا # إليها سراعا إذ بغوا و تجبروا

فجال علي جولة هاشمية # فدمرهم لما بغوا و تكبروا (3)

و قد كتب «عليه السلام» في رسالة له لمعاوية: «فأنا أبو الحسن حقا، قاتل جدك عتبة، و عمك شيبة، و خالك الوليد، و أخيك حنظلة، الذين سفك اللّه دماءهم على يدي في يوم بدر، و ذلك السيف معي،

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 283، و العثمانية، قسم نقوض الإسكافي ص 432، و البحار ج 19 ص 292، و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 121.

(2) ديوان السيد الحميري ص 215، و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 122.

(3) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 119، و البحار ج 19 ص 291.

47

و بذلك القلب ألقى عدوي» (1) . غ

بعد قتل الفرسان الثلاثة:
و حمل حمزة و علي «عليه السلام» عبيدة بن الحارث، و أتيا به إلى رسول اللّه (ص) ، فاستعبر؛ و قال: يا رسول اللّه، ألست شهيدا؟!قال:

بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى أنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته (ص) ، و هكذا كان) .

فقال عبيدة: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه. قال:

و أي أعمامي تعني؟قال: أبو طالب، حيث يقول:

كذبتم و بيت اللّه يبزى محمد # و لما نطاعن دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرع دونه # و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

فقال (ص) : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله، و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة؟!.

قال: يا رسول اللّه، أسخطت علي في هذه الحالة؟

قال: ما سخطت عليك، و لكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك‏ (2) .

____________

(1) الفتوح لابن اعثم ج 2 ص 435، و نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 13، و الغدير ج 10 ص 151.

(2) تفسير القمي ج 1 ص 265، و البحار ج 19 ص 255، و في شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 80: أن رسول اللّه استغفر له و لأبي طالب يومئذ. و الغدير ج 7 ص 316. و في نسب قريش لمصعب ص 94: أن عبيدة قال: «يا رسول اللّه ليت أبا طالب حيا حتى يرى مصداق قوله إلخ» . و ربما يقال: إن هذا هو الأنسب بأدب عبيدة و إخلاصه، و لكن لا؛ فإن قوله الآنف لا يضر في أدبه و لا في إخلاصه، حيث يرى نفسه قد ضحى بنفسه في سبيل الدين، فلا مانع من أن يقول ذلك.

48

و قد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الأخير منها.

قالوا: و نزل في هؤلاء الستة قوله تعالى: هََذََانِ خَصْمََانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيََابٌ مِنْ نََارٍ .

و في البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم‏ (1) .

و نزل في علي، و حمزة، و عبيدة أيضا قوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ (2) . و قيل: نزلت في علي وحده‏ (3) .

و ثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين «عليه السلام» (4) فراجع.

و بعد ما تقدم، فإننا نشير إلى الأمور التالية:

ألف: غضب النبي (ص) لأبي طالب:
إنه إذا كان الرسول (ص) يغضب لذكر عمه، و لو بهذا النحو المهذب، و المحدود، فكيف إذن يكون موقفه ممن يرمي أبا طالب بالشرك

____________

(1) البخاري ط الميمنية ج 3 ص 4، و مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 118 عن مسلم، من دون قسم أبي ذر، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 386، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه، و الغدير ج 7 ص 202 عن: تفسير ابن كثير ج 3 ص 212، و تفسير ابن جزي ج 3 ص 38، و تفسير الخازن ج 3 ص 698، و تفسير القرطبي ج 2 ص 25-26، و صحيح مسلم ج 2 ص 550، و طبقات ابن سعد ص 518، و بهذا قال ابن عباس، و ابن خثيم، و قيس بن عباد، و الثوري، و الأعمش، و سعيد بن جبير، و عطاء.

(2) الصواعق المحرقة ص 80.

(3) مناقب الخوارزمي ص 188، و الكفاية للخطيب ص 122.

(4) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 118 و غيره.

49

و الكفر، و يعتبره مستحقا للعذاب الأليم في نار اللّه المؤصدة؟!

فهل تراه سوف يكون مسرورا و مرتاحا لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا السياسة، و ما أدراك ما السياسة؟!. غ

ب: بدء النبي (ص) بأهل بيته:
و قد رأينا: أن النبي (ص) هو الذي أرجع الثلاثة الذين هم من الأنصار، و أمر حمزة و عليا و عبيدة بن الحارث بالخروج إلى ساحة القتال أولا (1) و هم من أهل بيته، و قد قال علي (ع) عن النبي (ص) : «كان إذا حضر البأس، و دعيت نزال، قدّم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، و حمزة يوم أحد، و جعفر يوم مؤتة إلخ» (2) .

و نقول:

إنه حين يبدأ الرسول (ص) الحرب بأهل بيته فإنه يكون قد أثبت بالفعل لا بالقول فقط، للأنصار و للمهاجرين: أنه ليس فقط لا يريد أن يجعلهم وسيلة للوصول إلى أهدافه، و يدفع بهم الخطر عن نفسه و أهل

____________

(1) و في أمالي المرتضى ج 1 ص 275، و إعلام الورى ص 308، و البحار ج 48 ص 144، و مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 316 أن الإمام الكاظم (ع) قال لنفيع الأنصاري: «... و إن كنت تريد المفاخرة، فو اللّه ما رضوا مشركوا قومي مسلمي قومك أكفاءهم حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش» .

و أقول: لا منافاة بين الأمرين، فلعل المشركين لم يرضوا به، كما أنه (ص) لم يرغب في البدأة بهم.

(2) أنساب الأشراف ج 2 ص 81، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 77، و كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 90، و نهج البلاغة باب الكتب الكتاب التاسع، و العقد الفريد ج 4 ص 336، و مناقب الخوارزمي ص 176، و نهج البلاغة ج 3 ص 10 و 11.

50

بيته، و إنما ثمة هدف أسمى، لابد أن يساهم الجميع في العمل من أجله و في سبيله. و هو (ص) شريك لهم في كل شي‏ء، في السراء و الضراء، و الشدة و الرخاء. و هو يضحي و يقدم قبل أن يطلب ذلك من غيره، بل هو يحاول أن يدفع عن غيره، و لو بأهل بيته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

و ذلك هو ما يجب أن يكون المثل الأعلى لكل صاحب هدف، و لكل سياسي و قائد. فإن عليه أن يقدم هو أولا التضحيات فإذا احتاج إلى معونة غيره، فإن طلبه منهم يكون له مبرراته، و يراه كل أحد: أنه صادق و محق في طلبه ذاك. و ليس له أبدا أن يجلس في برجه العاجي، ثم يصدر أوامره للآخرين، دون أن يرى نفسه مسؤولا عن التحرك في اتجاه الهدف إلا في حدود الكلام و إصدار الأوامر، فإن الكلام لن يكون كافيا في تحقيق الأثر المطلوب في مجال التحرك نحو الهدف، مهما كان ذلك الهدف مقدسا، و ساميا. غ

ج: سخرية شيبة:
لقد رأينا كيف أن شيبة يسخر من كون حمزة أسد اللّه و أسد رسوله، و يعتز بكونه أسد الحلفاء؛ مع أن مقتضى الإنصاف و الواقع هو عكس ذلك تماما؛ فقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأهداف الوضيعة، القائمة على أساس المنطق القبلي، و المنافع الخاصة، التي توخاها الحلفاء من حلفهم ثم هم يتوخونها من حرب بدر و غيرها..

و كلنا يعلم، و هم يعلمون: أن هدف اللّه و رسوله، و أسد اللّه من التضحيات على وجه الارض ليس إلا إسعاد البشرية، و نجاة الإنسانية إن دنيا و إن آخرة. غ

د: الحق الذي جعله اللّه للمسلمين:
ثم ما هو هذا الحق الذي أشار إليه النبي (ص) في قوله لعلي (ع) ، ـ

51

و حمزة و عبيدة: «فاطلبوا بحقكم الذي جعله اللّه لكم» ؟أليس هو حق حرية الرأي و العقيدة، و حق الدفاع عن دين اللّه، و عن النفس، ورد البغي و العدوان؟في مقابل القرشيين الذين عذبوهم، و أخرجوهم من ديارهم، و سلبوا أموالهم، بل و قتلوا منهم من قتلوا، و بغوا عليهم أقبح البغي؟!.

و خلاصة الأمر: إنهم يريدون أن يعيشوا أحرارا، و أن يدافعوا عن دين اللّه في مقابل من يريد الإستمرار في الإنحراف و التعدي. و للمظلوم حق في أن يطالب بإنصافه من ظالمه، و الباغي عليه، و لا سيما بعد أن عرض النبي (ص) على قريش تلك الخيارات المتقدم ذكرها، فلم ترعو عن غيها. بل أرادت إطفاء نور اللّه، و أصرّت على حرب المسلمين و إذلالهم، قال تعالى:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، `اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اَللََّهُ (1) . غ

المعركة في ضرامها:
و لما رأى أبو جهل مقتل عتبة و شيبة و الوليد، حاول إنقاذ الموقف؛ فقال: لا تعجلوا، و لا تبطروا، كما بطر إبنا ربيعة. عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، و عليكم بقريش، فخذوهم أخذا، حتى ندخلهم مكة؛ فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها.

و يذكر ابن عباس، في قوله تعالى: وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ : أن النبي (ص) -بأمر من جبرئيل-قال لعلي (ع) : ناولني كفا من حصباء، فناوله كفا من حصباء (و في رواية: عليه تراب) فرمى به في وجوه

____________

(1) الحج: 39 و 40.

52

القوم؛ فما بقي أحد إلا امتلأت عينه من الحصا. و في رواية: و أفواههم، و مناخرهم، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم، و يأسرونهم‏ (1) . فابن عباس إنما يطبق الآية على هذا العمل الإعجازي. غ

الملائكة في بدر:
و قد أمد اللّه المسلمين بالملائكة لتثبيت قلوبهم، و في كونهم حاربوا خلاف. و ظاهر القرآن ربما لا يساعد عليه حيث يقول تعالى: وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الأنفال/15.

و لكن ثمة آية أخرى تشير إلى إشتراكهم بالقتال، و هي قوله تعالى في سورة الأنفال/12: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاََئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنََاقِ، وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنََانٍ .

هذا إذا كان قوله تعالى: فاضربوا إلخ خطابا للملائكة، كما لعله الظاهر، و إن كان خطابا للمقاتلين من الناس، فلا دلالة في الآية على ذلك أيضا.

و مهما يكن من أمر، فإن الملائكة كانوا يتشبهون بأمير المؤمنين علي «عليه السلام» (2) .

____________

(1) البحار ج 19 ص 229 عن تفسير الثعلبي، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 189، و ليراجع الحلبية ج 2 ص 167.

(2) البحار ج 19 ص 285 عن المناقب. و يروي الآخرون: أنهم كانوا على هيئة الزبير الذي كان عليه عمامة صفراء فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر كما في المستدرك للحاكم ج 3 ص 361، و حياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه، و عن كنز العمال ص 268 عن الطبراني و ابن عساكر، و مجمع الزوائد ج 6 ص 84، و لكن يعكر على هذا ما في دلائل النبوة لأبي نعيم ص 170، و حياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه من أن الملائكة كان عليهم يوم بدر عمائم بيض.

53

و لربما كانوا هم الوسيلة لتكثير المسلمين في أعين المشركين أثناء القتال، كما قال تعالى: و يكثركم فِي أَعْيُنِهِمْ . غ

عائشة في حرب الجمل:
و بالمناسبة، فإن عائشة قالت في حرب الجمل: ناولوني كفا من تراب، فناولوها؛ فحثت في وجوه أصحاب أمير المؤمنين، و قالت: شاهت الوجوه-كما فعل رسول اللّه (ص) بأهل بدر-فقال أمير المؤمنين: «و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان رمى، و ليعودن و بالك عليك إن شاء اللّه» (1) .

كما أن عائشة قد نظرت إلى علي «عليه السلام» و هو يجول بين الصفوف في حرب الجمل، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول اللّه (ص) يوم بدر، أما و اللّه ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس‏ (2) .

و هكذا كان. صدق أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه. غ

الخزي و الهزيمة:
و هزم اللّه المشركين شر هزيمة؛ و قتل أبو جهل. و كان رسول اللّه (ص) قد أوعده أن يقتله اللّه بأضعف أصحابه، بل أخبر (ص) بكل ما جرى في بدر قبل وقوعه‏ (3) . فقتله رجل أنصاري، و احتز رأسه ابن

____________

(1) كتاب الجمل للشيخ المفيد ص 186، و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 257، و راجع الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 325.

(2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 214.

(3) البحار ج 19 ص 267 عن الإحتجاج، و التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 118 و 119.

54

مسعود. و قيل: إنه وجده بآخر رمق، فأجهز عليه، و لكن الأقرب هو الأول، لأن سلبه أخذه غير ابن مسعود.

و كان أول من انهزم في بدر إبليس لعنه اللّه، فإنه كان قد تبدى للمشركين-كما جاء في الرواية-بصورة سراقة بن مالك المدلجي، من أشراف كنانة، حيث إن قريشا كانت قد خافت من بني بكر بن عبد مناف، لدم بينهم؛ فتبدى لهم إبليس بصورة سراقة، و أعطاهم جواره؛ فلما رأى ما جرى للمشركين، و رأى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه، فانهزم المشركون. و قال المكيون: هزم سراقة؛ فقال سراقة: ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم؛ فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

و روي أن أبا سفيان لما أبلغ العير إلى مكة رجع، و لحق بجيش قريش، فمضى معهم إلى بدر، فجرح يومئذ جراحات، و أفلت هاربا، و لحق بمكة راجلا (1) .

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 375.

غ