الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج6

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
359 /
5

الجزء السادس‏

تتمة القسم الثالث: حتى غزوة الخندق‏

تتمة الباب الثالث: ما بين بدر و أحد

الفصل الرابع:

غزوات و سرايا دفاعية

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

غزوات و سرايا:
هناك سرايا و غزوات حصلت بين المسلمين و المشركين، و أخرى كانت بين المسلمين و اليهود. و نحن نشير هنا إلى كلا النوعين، فنقول:

أما بالنسبة لما كان بين المسلمين و غير اليهود، فنشير إلى:

غزوات لبني سليم و غطفان:
1-يقول المؤرخون: إن النبي (ص) غزا بنفسه بني سليم بعد بدر بسبع ليال، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، أو سباع بن عرفطة؛ فلما بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، أقام (ص) هناك ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، و لم يلق كيدا، و كان يحمل لواءه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان اللواء أبيض اللون.

و يبدو أن هذه هي نفس الغزوة التي يقال لها: «غزوة قرقرة الكدر» .

و سببها أنه قد بلغه (ص) : أن جمعا من بني سليم و غطفان بقرقرة الكدر (و الظاهر أنهم كانوا ينوون غزو المدينة) فسار إليهم في مائتين من أصحابه. فغنم منهم خمسمائة بعير، فخمّسها، و قسم الباقي على أصحابه. و وقع غلام اسمه يسار في سهمه؛ فأسلم، و رآه النبي (ص) يصلي، فأعتقه. و قال الواقدي: إن قرقرة الكدر كانت في المحرم سنة ثلاث‏ (1) .

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 211/212، و راجع ص 205 و مصادر ذلك كثيرة فراجع

8

2-و يقول الدمياطي: إن غزوة بني سليم هي نفس غزوة بحران، حيث بلغه: أن جمعا كثيرا من بني سليم كانوا في بحران؛ فخرج إليهم في ثلاثمائة من أصحابه، لست خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث، و لم يظهر وجها للسير؛ فرجع و لم يلق كيدا (1) . غ

غزوة السويق:
و بعد رجوعه (ص) من غزوة قرقرة الكدر، أي في ذي الحجة من السنة الثانية أو الثالثة: كانت غزوة السويق، فبعد أن أصيبت قريش في بدر حلف أبو سفيان: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا (ص) و قال:

كرّوا على يثرب و جمعهم # فإن ما جمعوا لكم نفل‏

إن يك يوم القليب كان لهم # فإن ما بعده لكم دول‏

آليت لا أقرب النساء و لا # يمس رأسي و جلدي الغسل‏

حتى تبيدوا قبائل الأوس # و الخزرج إن الفؤاد يشتعل‏

فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه؛ و ليثبت للناس: أن قريشا لا تزال قادرة على التحرك، و أيضا ليشد قلوب المهزومين في بدر.

فلما كان على بريد من المدينة (و البريد إثنا عشر ميلا) نزل هناك، فاتصل ببعض بني النضير من اليهود، ثم أرسل بعض أصحابه إلى بعض نواحي المدينة؛ فحرقوا بعض النخل، و وجدوا رجلين فقتلوهما، و هما:

معبد بن عمرو و حليف له، ثم انصرفوا راجعين؛ فنذر الناس بهم؛ فخرج كتب السيرة و التاريخ.

____________

(1) راجع في هذه السرية: تاريخ الخميس ج 1 ص 416، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، و السيرة الحلبية ج 2 ص 213، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91، و المغازي للواقدي ج 1 ص 196/197.

9

(ص) في طلبهم لخمس خلون من ذي الحجة، و جعل أبو سفيان و أصحابه يلقون بجرب السويق‏ (1) تخففا للهرب؛ فجعل المسلمون يأخذونه، و لم يدركهم المسلمون، فعادوا إلى المدينة بعد خمسة أيام‏ (2) .

قال العلاّمة الحسني: «و انقلب فرار أبي سفيان عليه خزيا و عارا، بعد أن كان يظن أن غزوته هذه ترفع من شأنه، و تعيد إلى قريش شيئا من مكانتها (3) » . غ

غزوة ذي أمر:
و في أول سنة ثلاث، أو لإثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، كانت غزوة ذي أمر، و لربما تكون هي غزوة غطفان. جمع فيها دعثور بن محارب في ذي أمر، جمعا من بني ثعلبة بن محارب لحرب الرسول، أو ليصيبوا من أطراف المدينة، فخرج الرسول (ص) إليهم، و أصاب أصحابه (ص) رجلا يقال له: جبار (أو حباب) ؛ فأسلم، و دلّهم على الطريق إليهم؛ فسمعوا بمسير الرسول (ص) ؛ فهربوا في رؤوس الجبال‏ (4) .

و يذكر هنا: أنه أصاب الرسول (ص) مطر كثير؛ فنزع (ص) ثوبيه، و نشرهما على شجرة، و اضطجع بمرأى من المشركين. و اشتغل المسلمون في شؤونهم، فنزل إليه دعثور (زعيم المشركين الغطفانيين) حتى وقف على رأسه، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟فقال (ص) : اللّه.

____________

(1) السويق: قمح أو شعير يغلى ثم يطحن ليسفّ إما بماء، أو عسل، أو لبن.

(2) راجع فيما تقدم: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 175-177، و تاريخ الخميس ج 1 ص 410 و 411، و السيرة الحلبية ج 2 ص 211 و غير ذلك.

(3) سيرة المصطفى ص 382.

(4) السيرة الحلبية ج 2 ص 212، و المغازي للواقدي ج 1 ص 194، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91.

10

و دفع جبريل في صدره، فوقع على ظهره، و وقع السيف من يده، فأخذ النبي (ص) السيف، و قال له: من يمنعك مني؟قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه. فأعطاه (ص) سيفه؛ فرجع إلى قومه، و جعل يدعوهم للإسلام. و نزلت هذه الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ (1) الآية.

و لعل هذه هي نفس غزوة ذي القصة، التي يقال: إنها في المحرم سنة 3 هـ. كما يظهر من المقارنة بينهما. غ

سريّة القردة:

و في جمادى الأولى، في السنة الثالثة، كانت غزوة القردة، و كان أميرها زيد بن حارثة، في أول إمارة له. و ذلك: أن نعيم بن مسعود قدم المدينة مشركا، فشرب الخمر مع بعض أصحابه، و ذلك قبل تحريم الخمر (مع أننا قد قلنا فيما سبق: أن الخمر كانت قد حرمت في مكة) ، و أخبرهم بالعير (2) .

و ذلك: أن قريشا قالت: «قد عوّر علينا محمد متجرنا، و هو على طريقنا» .

و قال أبو سفيان، و صفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس

____________

(1) سورة المائدة الآية رقم: 11، و راجع في قضية دعثور تاريخ الخميس ج 1 ص 415، و السيرة الحلبية ج 2 ص 213، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91، و البداية و النهاية ج 4 ص 2، و المغازي للواقدي ج 1 ص 195، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 168 و 169.

(2) البداية و النهاية ج 4 ص 5، و المغازي للواقدي ج 1 ص 198.

11

أموالنا.

فاتفقوا بعد بدر على العدول عن طريقهم المعتاد إلى الشام، و سلوك طريق العراق، فخرج جماعة فيهم صفوان، و أبو سفيان في تجارة أكثرها من الفضة. فبعث (ص) إليهم زيدا، فلقيهم على ماء يقال له:

«القردة» ؛ فأصاب العير و ما فيها؛ و أعجزه الرجال، و رجع بالغنيمة إلى الرسول (ص) ، فخمّسها، فبلغ الخمس عشرين ألفا، و قسم الباقي للسرية (1) . غ

وقفات مع ما تقدم: ألف: الأعمى، و القضاء:
بالنسبة لإستخلاف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بني سليم، و غيرها: نشير إلى ما ذكره البعض من أن رواية أبي داود تقول: إنه إنما استخلفه على الصلاة؛ لأنه ضرير، لا يجوز له الحكم بين الناس في القضايا و الأحكام؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، و لا يثبت الأعيان، و لا يدري لمن الحكم، و على من يحكم‏ (2) .

و لكننا لا نرتضي هذا الكلام، و ذلك لما يلي:

1-إن تولّي ابن أم مكتوم للمدينة لا يعني إصداره الأحكام و تولّيه منصب القضاء، لأن من الممكن حلّ مشاكل الناس بطريقة الصلح بين المتخاصمين، أو على أن يكون قاضي تحكيم يرضى بحكمه الخصمان،

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 416، و البداية و النهاية ج 4 ص 5، و المغازي للواقدي ج 1 ص 198، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 145، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 182.

(2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 205.

12

خصوصا بملاحظة قصر فترة غيابه (ص) عن المدينة في سفراته تلك، أو بأن يوكل من له صلاحية القضاء بين الناس، و يكون هو الوالي العام الحافظ للنظام، و المنفذ لتلك الأحكام.

2-إن القول بأن المراد من تولّي ابن أم مكتوم المدينة من قبل النبي (ص) هو تولّيه خصوص الصلاة بعيد جدا، و هو لا ينسجم مع إطلاق عباراتهم، مثل قولهم: «إستخلفه على المدينة» أو «ولاّه المدينة» أو نحو ذلك، خصوصا إذا لا حظنا: أنه (ص) قد استخلفه عليها إثنتي عشرة مرة، أو أكثر.

3-إن الإستدلال على عدم جواز تولّي الأعمى للقضاء بما ذكر، مدفوع بأن طريق معرفة الأشخاص و الأعيان لا ينحصر بالنظر و الرؤية؛ فيمكنه إثبات ذلك بالشهود، أو بالإقرار، أو بغير ذلك من وسائل. و ليكن نفس توليته (ص) لابن أم مكتوم (لو ثبت كون القضاء داخلا في ولايته) إثنتي عشرة مرة، دليلا على جواز تولّي الأعمى للقضاء. غ ب: من أهداف تلك السرايا و الغزوات: إن العرب قد رأوا: أن النبي الذي خرج بالأمس إلى المدينة لا جئا، لا قوة له، قد أصبح هو و أصحابه يقفون في وجه قريش، و يجلون اليهود -كما سنرى-، و يرسلون السرايا تتهدد المسالك، و يقتلون، و يأسرون.

و عرفوا: أن ثمة قوة يجب أن يحسب لها حسابها، و لا بد من التفكير مليا قبل الإقدام على أي عمل تجاهها في المنطقة. و لكن الغرور كان يستولي على بعض تلك القبائل، إلى حدّ التفكير في الدخول في حرب مع النبي (ص) ، على حدّ تعبير البعض‏ (1) .

____________

(1) سيرة المصطفى ص 383.

13

فكان (ص) يبادر إلى الهجوم، بمجرد أن يعرف: أنهم قد جمعوا و استعدوا له، أو أنهم يستعدون للإغارة على أطراف المدينة، أو بعد حصول الإغارة و الإفساد منهم، الأمر الذي يدلنا على أن تلك الغزوات و السرايا كانت و قائية بالدرجة الأولى، و تستهدف أمورا:

1-إفشال مؤامرات الأعداء، و ردّ كيدهم إلى نحورهم.

2-إن ذلك منه (ص) كان يمثل حربا نفسية للمشركين؛ إذ ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، خصوصا إذا كان إنكسارهم بعد التعبئة الكاملة و الشاملة منهم لحرب هذه الفئة بالذات.

فإذا كانت هزيمتهم على يده (ص) ، و في عقر دارهم، و في أوج قدرتهم و استعدادهم؛ فسوف تتحطم معنوياتهم، و يجعلهم ذلك في المستقبل مضطرين لأن يتريثوا كثيرا، قبل أن يقرروا أي موقف لهم تجاهه. و هذا مصداق آخر لكونه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد نصر بالرعب.

3-ثم هناك الصدى و التأثير الإعلامي في المنطقة، و على قريش بالذات؛ فإذا انهزم المشركون في المنطقة و قريش روحيا و نفسيا، فإن هزيمتهم العسكرية سوف تكون أسهل و أيسر، و قد سئل أمير المؤمنين «عليه السلام» : بأي شي‏ء غلبت الأقران؟

فقال: «ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه» .

قال الرضي: يومى‏ء بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب‏ (1) . غ ج: العتق، و الصلاة: يلاحظ: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد أعتق

____________

(1) نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، قسم الحكم، رقم 318.

14

الغلام يسارا، حيث رآه يصلي. و قد رأينا في الحديث أن الإمام السجاد «عليه السلام» كان يعتق مواليه بعد أن يذكرهم بذنوبهم‏ (1) . كما أنه قد أعتق غلاما له، لأنه أكل كسرة خبز كان قد أعطاه إياها، حين وجدها ملقاة (2) .

و رأينا أيضا أن الإمام الحسن (ع) رأى غلاما يطعم كلبا، فاشتراه من سيده، و أعتقه‏ (3) .

و عن أبي البلاد، قال: قرأت عتق أبي عبد اللّه «عليه السلام» : هذا ما أعتق جعفر بن محمد، أعتق فلانا غلامه لوجه اللّه، لا يريد منه جزاء و لا شكورا، على أن يقيم الصلاة، و يؤدي الزكاة، و يحج البيت، و يصوم شهر رمضان، و يتولى أولياء اللّه، و يتبرأ من أعداء اللّه. شهد فلان، و فلان، و فلان‏ (4) .

و لعل سرّ عتقهم (ع) لهم في هذه المناسبات، و لا سيما في مناسبة الصلاة يعود إلى: أن العتق في مناسبة كهذه يهدف إلى ربطهم بالصلاة، و دفعهم إلى الإلتزام بها، و لا سيما حينما تطرح كقضية حاسمة في أسعد لحظات حياتهم، اللحظات التي ينالون فيها حريتهم، التي هي في الحقيقة عنوان هويتهم و وجودهم. و هذا ما سوف يدفعهم لاكتشاف واقع و حقيقة الصلاة، ثم التفاعل معها بشكل جدي و عميق، و لتكون من ثمّ سببا في تكاملهم الإنساني، و سعيهم إلى الإلتزام بسائر التعاليم الأخلاقية و الإنسانية الإسلامية.

____________

(1) البحار ج 46 ص 103، و إقبال الأعمال.

(2) تاريخ جرجان ص 418.

(3) البحار ج 44 ص 194، و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 75.

(4) مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 78، و البحار ج 47 ص 44.

15

كما أن ذلك يجعل هذا الإنسان يرى في شخصية النبي (ص) مثلا جديدا للإنسان الهادف، الذي يعيش من أجل هدفه، و يفنى فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى. و يعرفه: أنه لا يهدف إلى استعباد أحد، و لا يمكن أن يكون ذلك هدفا له، و إنما هدفه الأسمى هو إعلاء كلمة اللّه تعالى فقط، و فقط. كل ذلك تحت شعار: أن من يصبح عبدا للّه بحق، فهو جدير بالحرية حقا.

و كذلك الحال كان بالنسبة لما قدمناه عن الإمام الحسن، و الإمام السجاد عليهما الصلاة و السلام، و قد أشرت إلى هذا الموضوع في مقال مستقل، فمن أراده فليراجعه‏ (1) . غ د: التورية بالغزوات: لقد رأينا أيضا: أنه (ص) في غزوة بحران لم يظهر وجها للسير، و ذلك لا يختص بهذه الغزوة!إذ قد كان من عادته (ص) : أنه إذا أراد غزوة ورّى بغيرها (2) .

و معنى ذلك: هو أنه (ص) أراد تفويت الفرصة على عيون العدو و جواسيسه، إن كان له ثمة عيون و جواسيس، و على المنافقين الذين يوادّون من حادّ اللّه و رسوله، و كذلك على اليهود الذين كانوا لا يألون جهدا، و لا يدّخرون وسعا في مساعدة أعدائه ضدّه، و لا أقل من أنهم كانوا يهتمون في أن يفوته أعداؤه، و لا يتمكن من الظفر بهم.

و أسلوب إخفاء أمره (ص) في فتح مكة كان رائعا جدا. و لسوف

____________

(1) البحث هو بعنوان: «الإمام السجاد باعث الإسلام من جديد» في كتابنا: «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 77.

(2) المصنف ج 5 ص 398، و المنتقى لإبن تيمية ج 2 ص 765.

16

يأتي التعرض له في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى. غ هـ: قريش في مواجهة الأخطار: إن سرية زيد بن حارثة للاستيلاء على قوافل قريش قد جاءت في سياق السياسة القاضية بالمحاصرة الإقتصادية لقريش و باسترجاع الأموال التي تمالأ المشركون على حرمان المسلمين منها؛ حيث اضطروهم إلى ترك أوطانهم، و ديارهم، و أموالهم، و الهجرة إلى موضع يجدون فيه الحرية، و الأمن.

و قد سمعنا كلام صفوان، و أبي سفيان، الذي يوضح لنا: أن قريشا قد أصبحت تعتبر حربها مع النبي و المسلمين حربا مصيرية، و معركتها معه معركة حياة أو موت.

و لم يكن ذلك ليخفى على النبي (ص) ، فكان دائما على استعداد لكل طارى‏ء، و يتتبع كل تحركات العدو بدقة متناهية، و قد طوّقهم من جميع الجهات تقريبا.

و يكفي أن نذكر هنا قول صفوان بن أمية لقريش:

«إن محمدا و أصحابه قد عوروا علينا متجرنا؛ فما ندري كيف نصنع بأصحابه. و هم لا يبرحون الساحل. و أهل الساحل قد وادعوهم؛ فما ندري أين نسكن. و إن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لنا بقاء. و حياتنا بمكة تقوم على التجارة إلى الشام في الصيف، و إلى الحبشة في الشتاء» (1) . غ و: مناقشة قضية دعثور: و أما قصة دعثور مع الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ؛

____________

(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 197.

غ

17

فإننا و إن كنا لا نستبعد و قوعها... و لكن قولهم: إن آية: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلخ‏ (1) قد نزلت في هذه المناسبة. لا يصح.

و ذلك:

أولا: إنه إذا كان المراد: أن الآية قد نزلت مباشرة حين وقوع قضية دعثور، كما هو ظاهر التفريع بالفاء. فيرد عليه أن الآية في سورة المائدة، و هي قد نزلت في أواخر حياته (ص) مرة واحدة. و غزوة ذي أمر كانت -كما يقولون-في أوائل السنة الثالثة للهجرة.

و من غير المعقول: أن يحتفظ (ص) بآيات تبقى معلقة في الهواء -إلى عدة سنوات-، ثم يجعلها في سورة نزلت حديثا.

و ثانيا: إن الآية تذكر:

1-أن «قوما» قد همّوا بأن يبسطوا أيديهم إلى المسلمين، و دعثور شخص واحد، و لم نعهد إطلاق كلمة «قوم» على الواحد.

و قول البعض: إن قوله تعالى: لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ، يشمل سخرية فرد من فرد.

لا يصح؛ لأنه إنما يشمله بالملاك، لا بالظهور اللفظي، و الآية التي نحن بصددها إنما هي إخبار عن حادث وقع، و ليس فيها شمول ملاكي، كما هو ظاهر.

إلا أن يقال: إن نسبة ذلك إلى القوم باعتبار رضاهم بفعل دعثور هذا و هو كما ترى.

2-و من جهة أخرى فإنها قد عبّرت عن النبي (ص) بضمير الجمع، و لم نعهد التعبير عن الرجل الواحد بضمير الجمع إلا في مقام التعظيم،

____________

(1) سورة المائدة الآية رقم: 11.

18

و بضرب من التجوز. و هو هنا يمتنّ على المسلمين جميعا بأن اللّه قد صرف عنهم من همّوا ببسط أيديهم إليهم، و لو كان المقصود هو النبي فقط، فلماذا يعبر عنه بضمائر الجمع؟

و قد يجاب عن ذلك: بأن ذهابه (ص) ، و فقده، يكون سببا لذهابهم و تشتّتهم، و ضعفهم، و بسط اليد إليه بسط لها إليهم؛ لأنه قائدهم، و به قوام اجتماعهم.

إلا أن يقال: إن ذلك خلاف المفهوم من الآية، و فيه نوع من التجوز و الإدّعاء؛ فلا يعتمد عليه إلا بدليل.

و ثالثا: قال العلامة الحسني: «و موضع التساؤل في هذه القصة:

أن النبي (ص) هل كان ينفرد عن أصحابه في غزواته؟!و هل يتركه أصحابه وحيدا في تلك الفلاة، و المشركون على مقربة منهم؟!وهب أنه ذهب إلى الشجرة ليجفف ثيابه من المطر، و لكن كيف تركه ذلك الجيش المؤلف من (450) مقاتلا؟و خفي عليهم ذلك الرجل الذي تحدّر من الجبل لإغتياله، و هو بعيد عن أصحابه إلخ؟... » (1) .

و يمكن المناقشة في هذا بأن النبي (ص) قد تخلّف عن الجيش الراجع من غزوة بدر ليمرض عليا «عليه السلام» كما تقدم في موضعه.

إلا أن يقال: إنه في بدر قد تخلّف في موضع أمن، لا في موضع مخافة.

و أما الإيراد على ذلك بأن النبي (ص) قد تخلّف في بعض غزواته، ليسابق زوجته عائشة (2) فهو لا يصح، لأننا نعتقد أنها مجرد قصص مختلقة

____________

(1) سيرة المصطفى ص 384.

(2) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 176 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 2 ص 290، و مغازي الواقدي ج 2 ص 427، و سنن أبي داود ج 3 ص 30 و عن النسائي و ابن ماجة.

19

و خيالية، لا أساس لها من الصحة كما سيأتي.

و خلاصة الأمر: إن تخلّف النبي عن جيشه إلى مكان قريب، ليجفف ثوبه، مع الإحساس بالأمن، ليس بالأمر المستهجن، و لا النادر الوقوع. لا سيما إذا كان يريد حاجة يطلب فيها الستر عن أعين الناس.

و قد كان أفراد الجيش ينفصلون عن الجيش قليلا لقضاء بعض حاجاتهم.

و لعل الآية قد نزلت فيمن يهم الرواة إبعاد التهمة عنهم، فلفّقوا هذه المناسبة لإبعاد الشبهة عمن يحبون. غ

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الفصل الخامس:

غدر اليهود و مرحلة الاغتيالات المنظمة

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

مع عقائد اليهود و آثارها:
قبل أن نبدأ بالحديث عن العمليات العسكرية التي جرت بين المسلمين و اليهود فيما بين بدر و أحد، نود أن نشير باختصار إلى بعض عقائد اليهود، ثم إلى بعض ما يرتبط بمواقفهم و خططهم، و مؤامراتهم على الإسلام، و على المسلمين، فنقول:

1-عنصرية اليهود: اليهود شعب عنصري، مؤمن بتفوق عنصره على البشر كافة. و الناس عندهم لا قيمة لهم و لا اعتبار، و إنما خلقوا لخدمة الإسرائيليين و حسب. فكل الناس إذن يجب أن يكونوا في خدمتهم، و تحت سلطتهم، كما يقول لهم تلمودهم.

فقد جاء في التلمود ما ملخصه: أن الإسرائيلي معتبر عند اللّه أكثر من الملائكة. و أن اليهودي جزء من اللّه. و من ضرب يهوديا فكأنه ضرب العزة الإلهية. و الشعب المختار هم اليهود فقط، و أما باقي الشعوب فهم حيوانات. و يعتبر اليهود غير اليهود أعداء لهم، و لا يجيز التلمود أن يشفق اليهود على أعدائهم. و يلزم التلمود الإسرائيليين بأن يكونوا دنسين مع الدنسين، . و يمنع من تحية غير اليهودي إلا أن يخشوا ضررهم، و لا يجيزون الصدقة على غير اليهودي. و يجوز لهم سرقة ماله، و غشه، كما أن على الأمميين أن يعملوا، و لليهود أن يأخذوا نتاج هذا العمل.

و يجيز التلمود التعدّي على عرض الأجنبي، لأن المرأة إن لم تكن‏

24

يهودية فهي كالبهيمة. و لليهودي الحق في اغتصاب غير اليهوديات.

و لا يجوز لليهودي الشفقة على غيره. و يحرم على اليهودي أن ينجي غيره‏ (1) إلى آخر ما هنالك، مما لا يمكن الإحاطة به في هذه المناسبة.

نعم، هذه هي نظرة اليهود لغيرهم، و هذه هي حقيقة ما يبيّتونه تجاه كل من هو غير يهودي. و قد نعى اللّه تعالى عليهم هذه النظرة السيئة، فقال:

وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصََارى‏ََ نَحْنُ أَبْنََاءُ اَللََّهِ وَ أَحِبََّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ، وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ (2) .

فهو يؤكد لهم: أنهم كغيرهم من الخلق، يعذبهم اللّه بذنوبهم، و لا فضل لهم على غيرهم؛ لأن التفاضل إنما هو بالتقوى و العمل الصالح.

2-اليهود وحب الحياة الدنيا: و اليهودي أيضا يؤمن بالمادة، و يرتبط بها بكل وجوده و طاقاته، فهو يحب المال و جمعه حبا جما، و هو يعيش من أجله، و يعمل في سبيله بكل ما أوتي من قوة و حول؛ فهو من أجل المادة ولد، و في سبيلها عاش و يعيش، و على حبها سوف يموت.

و لأجل ذلك فلا ينبغي أن نستغرب إذا رأينا: أن ارتباطهم بالناس مصلحي و نفعي، و أن المال و اللذة هما المنطق الوحيد لهم في كل موقف، و المقياس للحق و للباطل عندهم.

____________

(1) راجع: الكنز المرصود ص 48-106، و مقارنة الأديان (اليهودية) لأحمد شلبي ص 272-274 عنه و عن: التلمود شريعة بني إسرائيل 22-25 و 40-44 و 65.

(2) المائدة: 18.

25

و لا يجب أن نعجب أيضا إذا رأينا: أن الشيوعية، و هي التفكير الداعي إلى اعتبار المادة هي أساس الكون و الحياة، و هي المحرك، و المنطلق، و هي الغاية، و إليها ستكون النهاية، و هي المعيار و المقياس الذي لا بد و أن يهيمن على كل شؤون الحياة و الإنسان و الكون، و كل نظمه و قوانينه، و علاقاته. نعم، لا عجب إذا رأينا: أن هذا التفكير يبدأ من اليهود، و إليهم ينتهي‏ (1) .

3-أكثر اليهود لا يؤمنون بالبعث:

و اليهودي يكره الموت، و هو يتمنى لو يعمّر ألف سنة، قال تعالى:

وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ (2) ، وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (3) .

و لعل سر ذلك يعود إلى أن توراة اليهود المحرفة الحاضرة لم تشر بشكل واضح إلى البعث و القيامة، و إنما ورد حديث عن الأرض السفلى، و الجب التي يهوى إليها العصاة، و لا يعودون «و إن الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد» .

و يقول البعض: إن الكتاب المقدس نفسه يعد الحياة الدنيا وحدها هي عالم الإنسان، و ليس هناك اعتقاد بعد ذلك في بعث و جنة أو نار؛ و ثوابهم و عقابهم مقصوران على الحياة الدنيا.

____________

(1) الخطر اليهودي ص 67 و فيه: أن أعضاء المجلس الشيوعي الذي كان يحكم روسيا سنة 1951 كان يتألف من سبعة عشر عضوا كلهم يهود صرحاء باستثناء ثلاثة هم:

ستالين، و فيرشيلوف، و مولوتوف. و هؤلاء الثلاثة زوجاتهم يهوديات، و فيهم يهودي الأم، أو الجدة، أو صنيعة مجهول النسب من صنائع اليهود، كما أن المنظر الأكبر للشيوعية هو اليهودي كارل ماركس.

(2) تنكير (الحياة) للتحقير، أي مهما كانت تافهة و حقيرة.

(3) البقرة: 96.

26

و على العموم، فإن فكرة البعث لم تجد لها أرضا خصبة لدى اليهود، و قد حاول بعض طائفة الفريسيين القول بها، و لكن هذه المحاولة لقيت معارضة شديدة، أما باقي الفرق اليهودية، فلم تعرف عنها شيئا.

و إذا كان الإنسان لا يعتقد بالبعث، و يؤمن بأن الجزاء ليس إلا في هذه الدنيا، فمن الطبيعي أن يسعى إلى المنكرات و اقتراف الآثام‏ (1) . غ

ملاحظة:

هذا، و قد تفاقم فيهم حبهم للدنيا حتى بلغ بهم الحرص عليها: أن حرمهم من الإستفادة من الأموال التي يجمعونا، ، فتجد الكثيرين منهم يعيشون في دناءة من العيش و فيهم شح كبير، و لؤم و بخل ظاهر، و خسة لا يحسدون عليها. هذا إلى جانب إهمال الكثير منهم جانب النظافة المطلوبة، كما يظهر لمن سبر أحوالهم، و عاش في بيئتهم.

و يعتقد اليهود: أن اللّه سيغفر لهم كل ما يرتكبونه من جرائم و عظائم. و هذا ما يشجعهم على الفساد و الإنحراف، و الإمعان في المنكرات و الجرائم.

و قد رد اللّه تعالى على عقيدتهم هذه‏ (2) ، حينما قال: وَ قَطَّعْنََاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أُمَماً، مِنْهُمُ اَلصََّالِحُونَ، وَ مِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ، وَ بَلَوْنََاهُمْ بِالْحَسَنََاتِ وَ اَلسَّيِّئََاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. `فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا اَلْكِتََابَ، يَأْخُذُونَ عَرَضَ هََذَا اَلْأَدْنى‏ََ، وَ يَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنََا. وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ، أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثََاقُ اَلْكِتََابِ: أَنْ لاََ يَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ، وَ دَرَسُوا مََا فِيهِ؟وَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ؛ أَ فَلاََ

____________

(1) راجع: أحكامهم هذه في كتاب، مقارنة الأديان (اليهودية) ص 199 و 200، و اليهود في القرآن ص 37.

(2) اليهود في القرآن 44/45.

27

تَعْقِلُونَ (1) .

3-و بعد ما تقدم، و بعد أن كان اليهودي لا يعتقد بالآخرة، فإن من الطبيعي أن يكون اليهود شعبا جبانا، لأنه يخشى الموت، و يرهب الأخطار، لأنه يرى بالموت نهايته الحقيقية (2) . و من طبع الجبان أن يتعامل مع خصومه بأساليب المكر و الخداع، و الغدر و الخيانة بالدرجة الأولى. غ

من أسباب عداء اليهود للاسلام:
و نشير هنا إلى أننا نلاحظ: أن اليهود بدأوا يحاربون الإسلام من أول يوم ظهوره، و كانوا و ما زالوا يحقدون عليه، رغم أنهم كانوا أول من بشر بظهور النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ، مستندين في بشاراتهم تلك إلى الدلائل القاطعة التي يجدونها في كتبهم. و نستطيع أن نذكر من أسباب عدائهم للمسلمين و للإسلام:

1-إنهم قد وجدوا أن هذا النبي يدعو الناس إلى دين هو نظام كامل و شامل للحياة؛ و أن هذا الدين قد جاء بنظام اقتصادي متكامل و متوازن؛ و اهتم بمحاربة الربا، و الإحتكار، و جميع أنواع و أشكال استغلال إنسان لإنسان آخر؛ و جعل في أموال الناس حقا معلوما للسائل و المحروم، فلم ينسجم ذلك مع أطماعهم، و مع ما ألفوه و أحبوه، بل رأوه يتنافى مع تلك الأطماع و مع أهدافهم و مصالحهم، و مع نظرتهم للكون، و للحياة، و الإنسان.

2-و الذي زاد من حنقهم و حقدهم: أنهم كانوا يأملون أن يتم

____________

(1) الأعراف: 168/169.

(2) و يلاحظ: أن العرب في هذه الأيام يجبنون عن مواجهة اليهود في حرب الكرامة و الشرف، لماذا؟أليس لأجل ابتعادهم عن دينهم و استسلامهم لا نحرافاتهم، و حبهم للحياة، و قلة يقينهم بالموت و المعاد.

28

القضاء على هذا الدين من قبل قومه القرشيين، و من معهم من ذؤبان العرب، دون أن يكلّفهم ذلك أية خسائر؛ خصوصا في الأرواح، فرضوا بالمعاهدة التي سلف ذكرها. و لكن فألهم قد خاب، فها هو الإسلام يزداد قوة، و اتساعا و نفوذا، يوما عن يوم. و ها هو يسجل في بدر العظمى أروع البطولات، و أعظم الإنتصارات، فلم يعد يقرّ لهم قرار، أو يطيب لهم عيش، إذ كان لا بد-بنظرهم-من القضاء على هذا الدين قبل أن يعظم خطره و يكتسح المنطقة، و يضرى بهم إعصاره الهادر.

3-و زاد في حنقهم و قلقهم: أنهم رأوا النبي (ص) و المسلمين معه، كما أنهم لا يخدعون، و لا يؤخذون بالمكر و الحيلة، كذلك هم لا يستسلمون للضغوط، و لا تثنيهم المصاعب و المشقات مهما عظمت.

و كلما زاد الإسلام اتساعا كلما زاد الطموح لدى المسلمين، و الضعف لدى خصومهم، إذن، فلا بد من اهتبال الفرصة، و مناهضة هذا الدين، و القضاء عليه بالسرعة الممكنة.

4-و يقول الجاحظ: «إن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب و غيرها؛ و عداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب، في شدة التمكن و ثبات الحقد، و إنما يعادي الإنسان من يعرف، و يميل على من يرى، و يناقض من يشاكل، و يبدوله عيوب من يخالط، و على قدر الحب و القرب يكون البغض و البعد، و لذلك كانت حروب الجيران و بني الأعمام من سائر الناس و سائر العرب أطول، و عداوتهم أشد.

فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، و قد كانت الأنصار متقدمة الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على نعمة الدين، و الإجتماع بعد الإفتراق، و التواصل بعد التقاطع إلخ» (1) .

____________

(1) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 13/14 نشر يوشع فنكل سنة 1382 هـ.

29

5-ثم هناك حسدهم للعرب أن يكون النبي الذي تعد به توراتهم منهم، و ليس إسرائيليا، و قد أشار إلى ذلك تعالى فقال:

وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ، وَ كََانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ؛ فَلَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ. `بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ: أَنْ يَكْفُرُوا بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ، فَبََاؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ََ غَضَبٍ، وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ مُهِينٌ (1) .

و لعل هذا هو السر في أنهم-حسبما يقوله البعض-حينما طلب النبي (ص) منهم أن يدخلوا في الإسلام امتعضوا، و أخذوا يخاصمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» (2) .

6-لقد عز عليهم و أرهبهم: ما رأوه من قدرة الإسلام على توحيد أهل المدينة: الأوس و الخزرج، الذين كانوا إلى هذا الوقت أعداء يسفك بعضهم دماء بعض، قال تعالى: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنْفَقْتَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مََا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَ لََكِنَّ اَللََّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (3) .

7-ثم إنهم قد رأوا: أن هذا الدين يبطل مزاعمهم، و يقضي على اليهودية، و على أحلام بني أسرائيل و قد أبطل أسطورتهم في دعواهم التفوق العلمي، و أظهر كذبهم في موارد كثيرة، و تبين لهم: أن الإسلام يعلو و لا يعلى عليه.

أضف إلى ذلك: أنه قد ظهر أن نبي الإسلام أفضل من موسى «عليه

____________

(1) البقرة: 89-90.

(2) راجع: اليهود في القرآن ص 23.

(3) الأنفال: 63.

غ

30

السلام» ، و من سائر الأنبياء. و أصبحوا يرون الناس يؤمنون بدين جديد، هو غير اليهودية، و هم يقولون: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم‏ (1) .

و فوق ذلك كله، فإن الإسلام يرفض إعطاء الإمتيازات على أساس عرقي، و هو يساوي بينهم و بين غيرهم، و هذا ذنب آخر لا يمكن لهم الإغماض عنه بسهولة. غ

اليهود في مواجهة الاسلام:
لقد حاول اليهود مواجهة المد الإسلامي الكاسح بكل ما لديهم من قوة و حول. و نذكر هنا بعض ما يرتبط بالأساليب و الطرق التي حاولوا الإستفادة منها في هذا السبيل، من دون ملاحظة الترتيب بينها، لا سيما و أن بعضها متداخل في الأكثر مع بعض، فنقول:

1-قد أشار الجاحظ إلى أنهم: «شبّهوا على العوام، و استمالوا الضعفة، و مالأوا الأعداء و الحسدة، ثم جاوزوا الطعن، و إدخال الشبهة إلخ» (2) .

نعم، لقد حاولوا تشكيك العوام، و ضعاف النفوس بالإسلام، و كانوا يرجحون لهم البقاء على الشرك، كما فعله كعب بن الأشرف، حينما سأله مشركوا مكة عن الدين الأفضل، كما ألمحنا إليه فيما سبق.

بالإضافة إلى ممالأتهم للذين و ترهم الإسلام، أو وقف في وجه مطامعهم و طموحاتهم اللامشروعة و اللاإنسانية. و نذكر مثلا على ذلك: ما جاء في الروايات من أن الناس يعتبرون: أن من علامات الحق: أن لا يرجع عنه من يقتنع به، فإذا رجع عنه فلا بدّ أن يكون ذلك لأجل أنه وجد فيه ضعفا، أو نقصا، و لذلك نجد ملك الروم يسأل أبا سفيان أحد ألدّ

____________

(1) آل عمران: 73.

(2) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 14.

31

أعداء محمد (ص) : «هل يرجع عن الإسلام من دخل فيه؟فقال أبو سفيان: لا» .

و قد حاول اليهود أن يتبعوا نفس هذا الأسلوب. و قد حكى اللّه تعالى عنهم هذا الأمر، فقال: وَ قََالَتْ طََائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ، وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (1) .

2-طرح الأسئلة الإمتحانية على النبي (ص) بهدف تعجيزه.

و يلاحظ: أن هذه المحاولات كانت تبذل من قبل مختلف قبائل اليهود:

قريظة، النضير، قينقاع، ثعلبة إلخ. و لكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل الذريع. بل لقد ساهم ذلك بشكل فعال في تجلّي و وضوح تعاليم الإسلام، و ترسيخها، و قد دفعهم فشلهم هذا إلى أن يطلبوا من النبي (ص) : أن يأتيهم بكتاب من السماء: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ، فَقََالُوا: أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً (2) .

ثم تمادوا في العناد و اللجاج، إلى ما هو أبعد من ذلك، قال تعالى:

وَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ: لَوْ لاََ يُكَلِّمُنَا اَللََّهُ أَوْ تَأْتِينََا آيَةٌ، كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (3) الآية.

فإن سياق الآيات ظاهر في أن اليهود هم الذين قالوا ذلك.

3-و لما فشلوا في محاولاتهم محاربة الإسلام على صعيد الفكر، اتجهوا نحو أسلوب الضغط الإقتصادي على المسلمين؛ فيذكرون: أن

____________

(1) آل عمران: 72، و ليراجع كتاب: اليهود في القرآن ص 31، فإنه أشار أيضا إلى هذا الأمر.

(2) النساء: 153.

(3) البقرة: 118.

32

رجالا من أهل الجاهلية باعوا يهودا بضاعة، ثم أسلموا و طلبوا من اليهود دفع الثمن فقالوا: ليس علينا أمانة، و لا قضاء عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنت عليه، و ادّعوا: أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

فجاء في الآية المباركة الرد عليهم: وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينََارٍ لاََ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً، ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قََالُوا: لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (1) .

و أيضا فقد رفض رؤساء اليهود أن يقرضوا المسلمين مالا في أول عهدهم في المدينة، و قد كانوا في ضنك شديد، فالمهاجرون فقراء لا مال لهم، و الذين دخلوا في الإسلام من أهل المدينة لم يكونوا على سعة من الرزق.

و قد أجابوا رسول اللّه حينما طلب منهم القرض بقولهم: أحتاج ربكم أن نمدّه؟فنزل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قََالُوا: إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ، سَنَكْتُبُ مََا قََالُوا (2) .

4-ممالأة أعداء الإسلام و مساعدتهم بكل ما أمكنهم، و لو بالتجسس، و بغير ذلك من وسائل.

5-محاربة الإسلام أيضا: عن طريق إثارة الفتن بين المسلمين، و لا سيما بين الأوس و الخزرج، و بين المسلمين و المشركين.

و نذكر هنا على سبيل المثال قضية شاس بن قيس، الذي حاول تذكير الأوس و الخزرج بأيام الجاهلية، و إثارة الإحن القديمة في نفوسهم؛ فتثاور الفريقان، حتى تواعدوا أن يجتمعوا في الظاهرة لتصفية الحسابات،

____________

(1) آل عمران: 75.

(2) آل عمران: 181 راجع في ذلك: اليهود في القرآن ص 28.

33

و تنادوا بالسلاح، و خرجوا، و كادت الحرب أن تقع بينهما؛ فبلغ الخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ؛ فخرج إليهم بمن كان معه من أصحابه المهاجرين؛ فوعظهم؛ فأدركوا أنها نزعة من الشيطان، و كيد من عدوهم، فندموا على ما كان منهم، و تعانق الفريقان و تصافيا، و انصرفوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» .

و يقول البعض: إن الآيات الشريفة التالية قد نزلت في هذه المناسبة: قُلْ: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ، لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهََا عِوَجاً، وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ، وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ. `يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ كََافِرِينَ. `وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ، وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ آيََاتُ اَللََّهِ، وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ، وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللََّهِ، فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1) .

6-تآمرهم على حياة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» و تحريضهم الناس عليه كما سنرى، إن شاء اللّه تعالى.

7-محاولات إثارة البلبلة، و تشويش الأوضاع، بإشاعة الأكاذيب، و تخويف ضعاف النفوس من المسلمين.

8-تآمرهم مع المنافقين على الإسلام، و مكرهم معهم بالمسلمين، ثم علاقاتهم المشبوهة مع قريش، و ممالأتهم إياها على حرب الرسول الأكرم (ص) .

9-تآمرهم و مكرهم و تدبيرهم لمنع المسلمين من الخروج للحرب، و كانوا يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، لأجل تثبيط الناس عن الرسول (ص) في غزوة تبوك، فعرف رسول اللّه (ص) بهم فأحرق البيت عليهم‏ (2) .

____________

(1) آل عمران: 99-101.

(2) السيرة النبوية لإبن هشام ج 4 ص 160، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 309.

34

و قد رجع عبد اللّه بن أبي، حليف يهود بني قينقاع في ثلاثمائة رجل من أصحابه، و ذلك في حرب أحد، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى. غ

موقف النبي (ص) من اليهود:
و لكن جميع محاولات اليهود للكيد للإسلام و المسلمين، باءت بالفشل الذريع، بسبب وعي القيادة الإسلامية العليا.

و لقد صبر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» على مخالفاتهم الكبيرة تلك، تفاديا لحرب أهلية قاسية في مقره الجديد..

حتى طفح الكيل، و بلغ السيل الزبى، و عرف المسلمون: أن اليهود كانوا -بزعمهم-يستغلون ظروف المسلمين و مشاكلهم، و يصعّدون من تحدياتهم لهم. و أصبحوا في الحقيقة هم الخطر الداهم و الحقيقي الذي يتهدد وجود الإسلام من الأساس.

لا سيما و أن هذا العدو الماكر و الحاقد يعيش في قلب المجتمع الإسلامي، و يعرف كل مواقع الضعف و القوة فيه، و يتربص به الدوائر، و يترصد الفرصة المؤاتية.

فكان لا بد من صياغة التعامل مع هذا العدو على أساس الحزم و العدل، بدلا من العفو و التسامح و الرفق، فليس من الصالح أن يترك اليهود يعيثون في الأرض فسادا، و ينقضون كل العهود و المواثيق، و يسددون ضرباتهم للمسلمين كيف و أنى شاءوا، بل لا بد من الرد الحاسم و الحازم و العادل على كل اعتداء، و مواجهة كل مكيدة، قبل أن يكون الندم حيث لا ينفع الندم. غ

العمليات العسكرية في مرحلتين:
و بعد أن اتضح نقض اليهود لكل العهود و المواثيق، حاول الإسلام‏

35

أن يتعامل معهم على مرحلتين:

الأولى: أن يتبع معهم أسلوب الإنذار الحازم و العادل، فكانت عمليات القتل المنظمة لبعض الأفراد، بمثابة جزاء عادل لناقضي العهود، الذين يشكلون خطرا جديا على صعيد استقرار المنطقة.

كما و كانت بمثابة إطلاق صفارة الإنذار لكل من ينقض عهدا، و يتآمر على مصلحة الإسلام العليا، مع إعطائهم الفرصة للتفكير، و إفهامهم أن الإسلام يمكن أن يتحمل، و لكنه ليس على استعداد لأن يقبل بوضع كهذا إلى النهاية، لا سيما إذا كان ذلك على حساب وجوده و بقائه.

الثانية: الحرب الشاملة و المصيرية، حيث لا يمكن حسم مادة الفساد بغير الحرب. و نحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، كلا على حدة في الصفحات التالية. غ

الاغتيالات المنظمة: 1-قتل أبي عفك:
كان الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد عاهد اليهود على الموادعة، و عدم تعرّض أي من الفريقين للآخر.

و لكن سرايا المسلمين في المنطقة، و ما تبع ذلك من إجراءات على صعيد بناء المجتمع الجديد و تقويته، قد زاد من قوة المسلمين، و رفع من معنوياتهم، و جعل منهم قوة لها خطرها؛ مع أنه لم يمض بعد عامان على قدومهم كلاجئين، يبحثون عن مأوى و ملجأ و ملاذ. إذن، فلا بد-برأي اليهود-من تطويق هذا الخطر، و الحد من هذا النفوذ قبل فوات الأوان؛ حتى يتسنى لليهود الإستمرار في الإحتفاظ بالتفوق السياسي و الإقتصادي في المنطقة.

36

و قد بدأت محاولات اليهود في هذا السبيل من أوائل الهجرة، و قبل حرب بدر، ثم كانت حرب بدر و نتائجها المذهلة، فزاد ذلك من مخاوف اليهود، و المشركين، و المنافقين على حد سواء، فصعّدوا من نشاطاتهم، و تحدياتهم بشكل ملحوظ كما سنرى.

و قد بدأ اليهود قبل بدر بالتحريض على الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و التعرض لهم بمختلف أنواع الأذى، فكان (أبو عفك) اليهودي يحرض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ، و يقول فيه الشعر؛ فنذر سالم بن عمير أن يقتله، أو يموت دونه؛ فذهب إليه فقتله‏ (1) .

و يبدو أن قتله كان قبل حرب بدر، كما سيظهر من العبارات التالية: غ

2-قتل العصماء بنت مروان:
فلما قتل أبو عفك، تأففت العصماء بنت مروان (و هي من بني أمية بن زيد، و زوجة يزيد الخطمي) من قتله، فصارت تعيب الإسلام و أهله، و تؤنب الأنصار على اتباعهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تقول الشعر في هجوه (ص) ، و تحرّض عليه، و استمرت على ذلك إلى ما بعد بدر.

فجاءها عمير بن عوف ليلا لخمس بقين من شهر رمضان المبارك، فوجدها نائمة بين ولدها، و هي ترضع ولدها-و عمير ضعيف البصر- فجسّها بيده؛ فوجد الصبي على ثديها يرضع، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أخرجه من ظهرها، ثم ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ، فقال له (ص) : أقتلت ابنة مروان؟

____________

(1) راجع: تأريخ الخميس ج 1 ص 408، و المغازي للواقدي ج 1 ص 174 و 175.

37

قال: نعم.

قال (ص) : لا ينتطح فيها عنزان. أي لا يعارض فيها معارض‏ (1) .

هكذا زعم المؤرخون: و ان كنا نشك في صحة ذلك، إذ لا يعقل ان ينحي ولدها عنها و لا تلتفت إليه، و تبقى ساكنة ساكته، حتى يضع سيفه في صدرها.

هذا، قد جاء في شواهد النبوة: أن عمير بن عدي الخطمي سمع أبياتها التي قالتها حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» في بدر، و التي قالتها في ذم الإسلام و المسلمين، و كان ضريرا؛ فنذر: لئن ردّ اللّه رسوله سالما من بدر ليقتلنّها. ففي ليلة قدومه (ص) ذهب إليها عمير فقتلها؛ فلما رآه النبي (ص) قال له: أقتلت ابنة مروان؟قال: نعم.

فأقبل «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» على الناس، و قال: «من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة اللّه و رسوله؛ فلينظر إلى عمير بن عدي» .

فقال عمر: إلى هذا الأعمى؟بات في طاعة اللّه و رسوله!!.

فقال النبي (ص) : مه يا عمر، فإنه بصير، أو كما قال‏ (2) .

و رجع عمير إلى قومه من بني خطمة؛ فقال لهم: يا بني خطمة، أنا قتلت إبنة مروان، فكيدوني جميعا، و لا تنظرون.

فذلك أول ما عزّ الإسلام في دار بني خطمة، و كان من أسلم منهم يستخفي بإسلامه، و يومئذ أسلم رجال منهم بما رأوا من عزّ الإسلام‏ (3) .

____________

(1) راجع ما تقدم في: تاريخ الخميس ج 1 ص 406 و 407، و المغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 407 و 406 عن شواهد النبوة، و المغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173.

(3) راجع ما تقدم في المغازي للواقدي ج 1 ص 173 و 174.

38

و لعل ما في شواهد النبوة من أن عميرا كان أعمى، و قد جاء هذا على لسان عمر أيضا، قد جاء على سبيل المبالغة؛ لأنه كان ضعيف البصر بالفعل. فإن من الصعب على الضرير أن يقوم بعملية كهذه، و هي نائمة ليلا بين ولدها.

إلا أن يقال: إنه إذا عرف مكانها الذي تنام فيه، فإن بإمكانه تمييز الطفل عن غيره بواسطة تلمّس أبدانهم، كما هو صريح الرواية.

و لكنها-كما قلنا-تبقى عملية صعبة على الرجل الضرير. و لذلك فنحن نرجح طريقة المبالغة كما قلنا. غ

3-قتل كعب بن الأشرف:
قال الواقدي: إن قتل كعب بن الأشرف كان في ربيع الأول في سنة ثلاث.

و خلاصة ما جرى: أن اليهود كانوا يتوقعون: أن يستأصل المشركون شأفة المسلمين و الإسلام، و كان لانتصار المسلمين في بدر وقع الصاعقة عليهم، و ثارت ثائرتهم، و طاشت عقولهم.

قال ابن إسحاق: لما أصيب المشركون في بدر؛ فبلغ ذلك كعب بن الأشرف، و كبر عليه قتل من قتل في بدر، و بكاهم، و هجا النبي (ص) و أصحابه في شعره، و كان يشبب بنساء المسلمين (و أضاف البعض‏ (1) :

نساء النبي (ص) أيضا) حتى آذاهم‏ (2) .

____________

(1) هو ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء ص 71.

(2) راجع فيما تقدم: سيرة ابن إسحاق ص 317، و البداية و النهاية ج 4 ص 6، و المغازي ج 1 ص 185، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 188 و 190، و تاريخ الخميس ج 1 ص 413، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 178، و البحار ج 20 ص 10، و طبقات الشعراء لإبن سلام ص 71.

39

فسار إلى مكة، و حرض على رسول اللّه (ص) ، و لم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على حرب رسول اللّه.

و سأله أبو سفيان: أديننا أحب إلى اللّه أم دين محمد و أصحابه؟، و أيّنا أهدى في رأيك، و أقرب إلى الحق: إنا لنطعم الجزور الكوماء، و نسقي اللبن على الماء، و نطعم ما هبت الشمال.

فقال له: أنتم أهدى منهم سبيلا (1) .

فلما عاد إلى المدينة، قال رسول اللّه (ص) : من لي بابن الأشرف؟ فانتدب له محمد بن مسلمة، و قال: يا رسول اللّه، لا بد لنا أن نقول. قال:

قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.

فذهب إليه هو و أبو نائلة، أخو كعب من الرضاعة، و آخرون.

فاجتمع به أبو نائلة، و أظهر له تبرّمه من الوضع المعيشي الذي نجم عن قدوم النبي (ص) إليهم، و طلب منه: أن يبيعه طعاما في مقابل رهن، فطلب ابن الأشرف أن يرهنوه نساءهم، فرفض أبو نائلة، ثم طلب أبناءهم، فرفض أيضا، و عرض عليه رهن السلاح، حتى لا ينكر كعب السلاح إذا جاء مع أصحابه؛ فقبل كعب.

و رجع المفاوض إلى جماعته، فجاء بهم، و معهم السلاح، و شيعهم (ص) إلى بقيع الغرقد، و دعا لهم؛ فلما انتهوا إلى الحصن صاحوا به، فقالت له زوجته-و كان حديث عهد بعرس-أسمع صوتا يقطر منه الدم.

فقال لها كعب: إن أبا نائلة لو رآه نائما ما أيقظه. و نزل إليهم، فأخذ أبو نائلة رأسه فشمه، و تعجب من طيبه، و كرّر ذلك حتى اطمأن كعب. ثم أخذ بفوديه، و قال: اضربوا عدوّ اللّه، فخبظوه بأسيافهم، و قتلوه، و جرح

____________

(1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 6، و السيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 11، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 191.

ـ

40

منهم بأسيافهم الحارث بن أوس بن معاذ، فتفل (ص) على جرحه.

فأصبحوا و قد خافت يهود مما جرى لكعب «فليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه‏ (1) » ، و ذهبوا إلى رسول اللّه (ص) ؛ فقالوا: قتل صاحبنا غيلة. فذكرهم النبي (ص) ما كان يهجوه في أشعاره و يؤذيه.

قال: ثم دعاهم النبي (ص) إلى أن يكتب بينه و بينهم صلحا، قال:

أحسبه قال: فذلك الكتاب مع علي‏ (2) .

و قال كعب بن مالك بهذه المناسبة أبياتا منها:

فغودر منهم كعب صريعا # فذلت بعد مصرعه النضير (3)

قال العلامة الحسني: «و مع ذلك فلم يتراجعوا عن الدس و التحريض على المسلمين و التصدي لهم، و النيل من النبي (ص) ، و طلب منهم النبي أن يكفوا عمّا هم عليه، و أن يلتزموا بالعهد الذي أعطوه على أنفسهم، حين دخوله المدينة، فلم يزدهم ذلك إلا عتوا و تماديا في إيذاء المسلمين، و نشر الفساد، و النبي (ص) من جانبه يوصي المسلمين بالهدوء و ضبط الأعصاب» (4) .

____________

(1) راجع جميع ما تقدم في المصادر التالية: سيرة ابن إسحاق ص 317-319، و البداية و النهاية ج 4 ص 5-8، و المغازي للواقدي ج 1 ص 188-191، و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 192-200، و تاريخ الخميس ج 1 ص 413-414، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 179 و 180، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 143 و 144.

(2) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 204، و طبقات ابن سعد ج 2 ص 23، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 198، و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 192، و تاريخ الخميس ج 1 ص 414.

(3) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 8.

(4) سيرة المصطفى ص 378.

41

و لا بد أن يكون ذلك-لو صح-باستثناء ناقضي العهد من الشخصيات الخطرة، التي كانت تحرض على الإسلام و المسلمين، و تشكل خطرا جديا عليهم، كما يظهر مما يأتي:

ملاحظة: قد تقدم أن الكتاب الذي كتبه النبي (ص) بينه و بين اليهود قد كان مع علي «عليه السلام» .

و نحن نستثير القارى‏ء ليطرح سؤاله حول السر في أن يكون ذلك الكتاب عند علي «عليه السلام» دون غيره، فهل ذلك يشير إلى خصوصية لعلي (ع) بالنسبة إلى النبي (ص) في المجال السياسي، أو حتى فيما يرتبط بالإمامة من بعده (ص) ؟!غ

4-قتل ابن سنينة:
و يذكر المؤرخون: أن رسول اللّه (ص) قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي، فقتله، فقال له أخوه حويصة-و لم يكن قد أسلم بعد-: يا عدو اللّه قتلته؟!أما و اللّه لرب شحم في بطنك من ماله.

فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك.

قال فواللّه، إن كان لأول إسلام حويصة. فاستحلفه على ذلك؛ فحلف له فقال: إن دينا بلغ بك ما أرى لعجب!ثم أسلم‏ (1) . غ

5-قتل أبي رافع:

____________

(1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 8، و سيرة ابن إسحاق ص 319 و 320، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 200، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 180 و 181.

42

و في جمادى الآخرة من السنة الثالثة (1) ، و قيل: سنة أربع‏ (2) . و عند البعض: بعد أحد من دون تعيين. كان قتل أبي رافع ابن الحقيق بخيبر، الذي كان يظاهر ابن الأشرف في معاداته للنبي (ص) ، و يؤذي النبي (ص) ، و يبغي عليه.

و ذلك أنه: بعد قتل الأوس لابن الأشرف قالت الخزرج: و اللّه لا يذهبون بها علينا عند رسول اللّه (ص) ؛ فوقع اختيارهم على ابن الحقيق هذا، المعروف ببغيه و أذاه، و المظاهر لإبن الأشرف؛ فاستأذنوا رسول اللّه (ص) في قتله فأذن لهم.

فخرج إليه خمسة نفر أو ثمانية، عليهم عبد اللّه بن عتيك، فأتوا داره ليلا، فأغلقوا أبوابه على أهله، و كان هو في علّيّة، فاستأذنوا عليه؛ بحجة: أنهم جاؤا يطلبون الميرة، فدخلوا عليه، و أغلقوا باب العلّية، فوجدوه على فراشه؛ فابتدروه، فصاحت المرأة؛ فأرادوا قتلها، ثم ذكروا نهي النبي (ص) عن قتل النساء و الصبيان، فقتلوه، و خرجوا.

و لكنهم لم يطمئنوا إلى أنه قد مات؛ فأرسلوا أحدهم، فدخل بين الناس، و عرف الخبر منهم، و رجع إليهم فأخبرهم بهلاكه.

ثم رجعوا إلى النبي (ص) ، و اختلفوا فيمن قتله، فأخذ النبي (ص) أسيافهم، فرأى على سيف ابن أنيس أثر الطعام؛ فقال: هذا قتله‏ (3) .

و أضاف ابن الأثير في روايته المفصلة: أن ابن عتيك وصل إلى

____________

(1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 182، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 146.

(2) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 183، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 148.

(3) راجع: السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 287 و 288، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 146/147، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 184 و 185، و البحار ج 20 ص 13.

43

غرفة أبي رافع المظلمة، فناداه، فأجابه، فضرب جهة الصوت، فصاح؛ فهرب ابن عتيك، ثم عاد إليه، فقال: ما هذا الصوت؛ فأجابه: أن رجلا في البيت، فضرب نحو الصوت، فأثخنه، ثم وضع السيف في بطنه، حتى خرج من ظهره، و نزل من درج فوقع، فانكسرت ساقه؛ فعصبها بعمامة؛ ثم جلس عند الباب، ليعرف إن كان قد قتل حقا، فسمع أول الفجر نعيه، فانطلق إلى أصحابه، ثم جاء إلى النبي (ص) ، فمسح (ص) رجله، فكأنه لم يشتكها قط (1) .

و قبل المضي في الحديث لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: الإسلام قيد الفتك: إنه ربما يتخيل: أن الإغتيالات المنظمة التي تحدثنا عنها لا تناسب ما ورد من أن الإسلام قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، حتى ليقال: إن هذا كان هو المانع لمسلم بن عقيل من قتل عبيد اللّه بن زياد في بيت هاني بن عروة (2) .

____________

(1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 12، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 91 ط صادر، و مجمع الزوائد ج 6 ص 197 و 198، و البحار ج 20 ص 302 و 303، و بهجة المحافل ج 1 ص 193، و المواهب اللدنية ج 1 ص 122 و 123، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 183، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 147 و 148.

(2) الجامع الصغير ج 1 ص 124 عن البخاري في التاريخ، و أبي داود و مستدرك الحاكم و مسند أحمد و مسلم و كنوز الحقائق بهامش الجامع الصغير ج 1 ص 96، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 352، و مسند أحمد ج 1 ص 166 و 167، و منتخب كنز العمال بهامش المسند ج 1 ص 57، و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 202 فصل 10، و مناقب ابن شهر آشوب ج 2 ص 318، و مقتل الحسين للمقرم ص 171، و الكامل لإبن الأثير ج 4 ص 27، و تاريخ الطبري ج 4 ص 271،

44

و لكن الحقيقة هي: أنه لا منافاة بين ما ذكر؛ فإن المقصود بالفتك هو القتل غدرا لمن يكون منك في أمن من ناحيتك. و الغدر أعم من الفتك.

و ثمة رواية تفيد: أن الفتك لا يجوز إلا بإذن الإمام، و قد حكم على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين «عليه السلام» أن يذبح كبشا. و لو أنه قتلهم بإذن الإمام لم يكن عليه شي‏ء (1) . و ذلك لأن الفتك لو شاع لا نعدم الأمن، و سلبت الراحة من كل أحد.

و قد كان عبيد اللّه بن زياد في بيت هاني بن عروة يرى نفسه في أمن من ناحيتهم، و لم يكن ثمة إعلان حرب فيما بينه و بينهم، إنما كان ثمة إرهاصات بالحرب فيما بينه و بين الحسين «عليه السلام» ، و لم يكن ذلك قد اتضح بصورة تامة في ذلك الحين.

و ليس الأمر بالنسبة لليهود كذلك، لأنهم كانوا قد عاهدوا النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» : أن لا يحاربوه و لا يظاهروا عليه عدوه. و هؤلاء هم الذين آذوا المسلمين، و هجوهم، و حرضوا المشركين عليهم، و ناحوا على قتلى بدر، بل ذهب ابن الأشرف إلى مكة للتحريض عليهم، و شبب بالنساء المسلمات، و حتى بنساء رسول اللّه (ص) إلى آخر ما تقدم.

إذن فقد صار هؤلاء من أظهر مصاديق «المحاربين» ، و ناقضي العهود، و لا بأس بالإحتيال على المحارب لقتله؛ فإن «الحرب خدعة» (2) .

____________

ق-و البحار ج 44 ص 344، و عن وقايع الأيام عن الشهاب في الحكم و الآداب و لا بأس بمراجعة مشكل الآثار ج 1 ص 78.

(1) التهذيب للشيخ الطوسي ج 10 ص 213/214، و الكافي ج 7 ص 376.

(2) المنتقى ج 2 ص 765، و التهذيب للشيخ الطوسي ج 6 ص 162 و 2163،

45

و قد كان «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» إذا أراد غزوة ورّى بغيرها (1) ، كما أنه (ص) قد أجاز لهم أن يقولوا ما شاءوا، حينما ذهبوا إلى قتل ابن الأشرف، و ذلك لأن شر هذا المحارب و فساده في الأرض، و وقوفه في وجه كلمة اللّه، و إقامة العدل و الحق، أعظم من أي قول يقولونه، و أي أسلوب يتبعونه.

و أخيرا، فهل يشك أحد في أن من يكون في ساحة الحرب، فإن لعدوه أن يختله من خلفه، و يتخلص منه؟!. و من كان محاربا، فليس له أن يأمن عدوه، و ينام قرير العين، فارغ البال!

و يدل على ما قلناه: أن نفس امرأة كعب بن الأشرف قد حذرته، و قالت له: «إنك امرؤ محارب، إن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة» !!

____________

ق-و المعجم الصغير ج 1 ص 30 و 17، و الوسائل ج 11 ص 102 و 103، و الكافي ج 7 ص 460، و البحار (ط بيروت) ج 97 ص 27 و ج 20 ص 207، و صحيح البخاري ج 4 ص 126 و ج 2 ص 112، و مسند أحمد ج 1 ص 81 و 90 و 113 و 131 و 134 و 126 و ج 2 ص 214 و 312 و ج 3 ص 224 و 297 و 308 و ج 6 ص 387، و مستدرك الوسائل ج 11 ص 103 ط مؤسسة آل البيت، و تفسير القمي ج 2 ص 60، و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 378 منشورات جماعة المدرسين، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 945 و 946 و ص 950، و صحيح مسلم ج 5 ص 143، و سنن أبي داود ج 3 ص 43 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 400، و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 193 و 194، و سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من المجلد الثالث ص 317، و مسند أبي يعلى ج 13 ص 482 و ج 4 ص 91 و 384 و ج 3 ص 359 و 464 و ج 1 ص 382 و 423 و ج 12 ص 130 و ج 8 ص 44، و مواضع أخرى أشار إليها في الهامش و إلى مصادر كثيرة أيضا.

(1) راجع سنن الدارمي ج 2 ص 219، و معاني الأخبار للصدوق ص 365 و 366،

46

و مما يدل على ذلك أيضا: أنهم قد احتاجوا إلى تجديد العهد الذي نقضوه، و كتابة عهد آخر كان عند علي أمير المؤمنين، وصي النبي و وارثه، صلوات اللّه و سلامه عليه‏ (1) .

جريمة معاوية: و بعد ما تقدم، فإننا نجد معاوية يحاول-كعادته-أن ينتقص رسول اللّه (ص) ، و يظهر ابن الأشرف على أنه قد قتل مظلوما؛ فعن عباية، قال: ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية، فقال: كان قتل غدرا. فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ؟لا يظلني و إياك سقف بيت أبدا (2) .

و حسبنا هنا أن نقول عن معاوية، و مواقفه، و مخزياته: و كل إناء بالذي فيه ينضح.

____________

ق-و البحار (ط بيروت) ج 72 ص 396 و ج 21 ص 240 و 241، و التفسير المنسوب للعسكري (ع) ص 232، و صحيح البخاري ج 2 ص 105، و السنن الكبرى ج 9 ص 150، و نيل الأوطار ج 8 ص 56، و المغازي للواقدي ج 3 ص 990، و صحيح مسلم ج 8 ص 106، و سنن أبي داود ج 3 ص 43، و الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 2 ص 167 ط صادر، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 542، و مسند أحمد ج 3 ص 456 و 457 و ج 6 ص 387، و السيرة النبوية لإبن هشام ج 4 ص 159، و تاريخ الخميس ج 2 ص 123، و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 110.

(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 204، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 23، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 198 ط دار الكتب العلمية، و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 192، و تاريخ الخميس ج 1 ص 414.

(2) مشكل الآثار ج 1 ص 77.

غ

47

ب: رعب اليهود: إن عمليات قتل هؤلاء الأفراد، التي نظمت، و نفذت ببراعة فائقة، و ذكاء و عبقرية، قد أرعبت اليهود، و أخافتهم، و لا سيما بعد قتل ابن الأشرف الغادر، حتى إنه «ليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه» .

و حتى قال كعب بن مالك:

فغودر منهم كعب صريعا # فذلت بعد مصرعه النضير

و قد كان يهود بني النضير أعزّ من بني قريظة، و غيرهم، ممن كان لا يزال في تلك المنطقة. و كان لهذه الضربة فيهم أثر هام في رعب سائر اليهود آنئذ.

و أصبح القضاء على من يغدر من اليهود أسهل و أيسر، فالمسلمون يملكون الجرأة الكافية، و اليهود أصبحوا خائفين على أنفسهم، و القضاء على الخائف المرعوب أسهل و أيسر من القضاء على غيره، و كان ذلك واحدا من مصاديق قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «نصرت بالرعب» . و ذلك أمر طبيعي بالنسبة لمن لا يؤمن بالمعاد، و يعتقد أن جنته هي هذه الدنيا، و أنه إذا فقد حياته، فقد فقد كل شي‏ء، حسبما ألمحنا إليه من قبل. غ ج: مع موقف عمير في أصالته و نبله: 1-يلاحظ: أن عمير بن وهب ينحّي ولد العصماء عن صدرها، ثم يقتلها.

و هذا يؤكد: على أن الإسلام قد ربى أتباعه على أنه ليس ضد الإنسان، و إنما هو ضد مواقفه و تصرفاته المنحرفة عن الحق، و العدل، و الفطرة. فهو يريد فقط: أن يقضي على مصدر الخطر على الحق و الفطرة. و حينما لا يبقى ثمة سبيل إلا القضاء على مصدر الفتنة؛ و حيث يكون آخر الدواء الكي؛ فإنه لا بد أن يكتفى بالحد الأدنى، الذي يتحقق‏

48

فيه الهدف الأقصى، و هو إقامة الدين و الحق.

2-ثم إننا لنكبر هذا التعقل النادر لعمير في موقف حرج و خطير كهذا، حتى إنه ليملك في هذه اللحظات الحساسة جدا أن يتخذ القرار الحاسم و المبدئي، و كما يريده الإسلام، بعيدا عن كل اضطراب و انفعال، لا سيما و هو ضرير، كما قيل، أو ضعيف البصر. نعم، إنه يتصرف بهدوء و اطمئنان، و وعي، حتى في أحرج اللحظات، و أكثرها إثارة للأعصاب، و تشويشا للحواس. و مثل ذلك يقال بالنسبة لا متناعهم عن قتل المرأة التي كادت تفضحهم بصياحها في قضية أبي رافع، حين تذكروا نهي النبي (ص) عن قتل النساء و الصبيان.

و هذه هي الشخصية الإسلامية التي يريدها الإسلام، و استطاع أن يصدّر للعالم الكثير من النماذج الحية لها، من أمثال سلمان، و عمار، و أبي ذر، و المقداد، و الأشتر، و فوق هؤلاء جميعا سيدهم، و إمامهم، و أميرهم، أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و الأئمة من ولده صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

و يكفي أن نذكر مثالا و قدوة لكل الأحرار، و الذين يعيشون المبدأ بكل وجودهم: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما أراد أن يقتل عمرو بن عبد ودّ، فشتمه عمرو، و تفل في وجهه، قام عنه، حتى ذهب عنه غضبه، ثم عاد إليه فقتله، فعل ذلك ليكون قتله له خالصا للّه، لا يتدخل فيه عنصر حب الإنتقام لنفسه، و غضبه لها، و لو بشكل لا شعوري.

هذه من علاه إحدى المعالي # و على هذه فقس ما سواها

3-ثم هناك رواية شواهد النبوة، التي تضيف: أن بعض الصحابة قد نفس على عمير هذا الوسام النبوي الذي ناله عن جدارة و استحقاق، و لم يستطع أن يخفي ذلك في نفسه، بل ظهر في فلتات لسانه بتعبير فيه شي‏ء من الجفاء الجارح، دعا الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» ـ

49

إلى محاولة حسم الموقف، ثم التلطيف و التخفيف من وقع تلك العبارة، ثم معاودة التأكيد على جدارة عمير، و استحقاقه للثناء، و عرفان حقه، بقوله (ص) : «مه يا عمر، فإنه بصير» .

4-و هناك أيضا موقف آخر لعمير في قومه، الذي أدى إلى أن يعزّ الإسلام فيهم، و يسلم منهم رجال.

فإن في ثقة عمير بنفسه و بدينه، و صلابته في التعبير عن هذه الثقة، حتى لقد صرح لهم: أنه لم يعد يخشى أحدا على الإطلاق-إن في ذلك-ما يجعل كل من يتردّد في قبول الإسلام، بسبب خوفه، و ضعف نفسه، يشعر بأن بإمكانه أن يجد في الإسلام نصيرا و معينا و حاميا له، و لم يعد ثمة ما يبرر موقفه السلبي منه. و لأجل هذا نجد: أن عددا منهم يدخل في الإسلام، حينما شعر بعزّة الإسلام و بقوته في تلك القبيلة. غ د: ابن الأشرف، و أبو سفيان: و في قضية ابن الأشرف يواجهنا سؤال أبي سفيان لكعب عن الدين الحق، ثم محاولة أبي سفيان الإستدلال على أحقية دينه بما تقدم، من أنهم يطعمون الجزور الكوماء، و يسقون اللبن على الماء إلخ. غ و نحن هنا نسجل ما يلي: 1-إن ذلك يؤيد ما قدمناه، من أن العرب كانوا يرون في اليهود مصدرا للمعرفة و الثقافة.

و قد استقر ذلك في نفس عمر بن الخطاب، حتى إنه كان يأتي بترجمة التوراة إلى النبي (ص) حتى أظهر النبي (ص) انزعاجه من ذلك، حسبما قدمناه في مدخل هذه الدراسة، حين الكلام حول المرسوم العام، حيث قال النبي (ص) لعمر بن الخطاب: أمتهوكون أنتم؟!

50

هذا بالإضافة إلى أننا و إن كنا نكاد نطمئن إلى أن أبا سفيان لم يكن يجهل بأحقية دين الإسلام، و أنه من أجلى مصاديق قوله تعالى:

وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ و إنما هو يحارب الإسلام من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية، و امتيازاته غير المشروعة و لا المعقولة، التي كرّسها له و لأمثاله العرف الجاهلي الظالم و المنحرف.

إلا أننا نعتقد: أن أبا سفيان كان يهدف من سؤاله هذا لابن الأشرف اليهودي إلى خداع البسطاء و السذج من قومه و أتباعه، من أجل ضمان استمرارهم معه في حرب الإسلام و المسلمين، و جدّيتهم في ذلك.

2-إننا نلاحظ: أن كرم العرب هو أقصى ما استطاع أن يأتي به أبو سفيان كدليل على أحقية دينه. و قد تقدم في أوائل هذا الكتاب ما يرتبط بقيمة ما عرف عن العرب من ميزات و خصائص فلا نعيد. غ هـ: تساؤل حائر: إنهم يذكرون: أن النبي (ص) قد أعلن بشكل عام رغبته في قتل ابن الأشرف، فقال: من لي بابن الأشرف، فانتدب له محمد بن مسلمة.

ثم يذكرون كيفية احتيالهم عليه، و قتلهم إياه.

و لكن السؤال هنا هو: كيف يعلن النبي (ص) ذلك، ثم لا يصل الخبر إلى مسامع ابن الأشرف عن طريق مشركي المدينة أو يهودها، أو على الأقل منافقيها؟!. و كيف جازت عليه حيلتهم بهذه السهولة، و هو يعلم: أنه محارب؟!.

و عن محمد بن مسلمة و دوره في قتل ابن الأشرف، تساورنا شكوك و شكوك، فإن من يراجع كتب السيرة يلاحظ: أن ثمة كثيرا من التركيز على دوره في هذه القضية، مع أن من يتأمل في وقائعها لا يجد له كبير أثر فيها، بل الدور الأكبر هو لأبي نائلة. و ابن مسلمة لو كان معهم، فإنما كان كغيره‏

51

ممن حضر.

كما و يلاحظ: أن ثمة اهتماما في إعطائه بعض الأدوار الهامة في الدفاع عن الإسلام، و الدين. و نحن نشك في ذلك، و لا نستبعد أن يكون للسياسة يد في هذا الأمر، لإظهاره على أنه رجل شجاع، مناضل، مخلص إلخ. في مقابل الآخرين ممن تهتم السلطة بإيجاد بدائل لهم و عنهم، فإن محمد بن مسلمة كان ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» (1) .

و روي: أن عليا «عليه السلام» قال لعمار رحمه اللّه: «ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود» (2) (و لعله كان أخاله من الرضاعة) .

و في شرح المعتزلي: أنه كان من المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام» ، و أنه هو الذي كسر سيف الزبير (3) و كان أيضا أحد ثقات الخليفة الثاني و معتمديه، كما نص عليه البلاذري و غيره‏ (4) .

كما أن عمر قد بعثه إلى الشام في مهمة قتل سعد بن عبادة كما يقول البعض‏ (5) .

و قد عينه عمر لاقتصاص أخبار العمال، و تحقيق الشكايات التي تصل إلى الخليفة من عماله‏ (6) .

____________

(1) الإمامة و السياسة ج 1 ص 53، و قاموس الرجال ج 8 ص 388، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9.

(2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 54، و قاموس الرجال ج 8 ص 388.

(3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 48، و قاموس الرجال ج 8 ص 388.

(4) الزهد و الرقائق لإبن المبارك ص 179، و راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 267.

(5) راجع في كل ذلك: قاموس الرجال ج 8 ص 388.

(6) التراتيب الإدارية ج 1 ص 267 عن سيرة عمر.

غ

52

و: التنافس القبلي: و لقد رأينا: أن التنافس القبلي بين الأوس و الخزرج، حينما وظف في خدمة الإسلام و المسلمين آتى ثمارا خيّرة. فكان قتل الخزرج لأبي رافع واحدة من تلك الثمار، و كان هو النتيجة البنّاءة الطبيعية لهذا التنافس، الذي سعى النبي (ص) إلى تغيير منطلقاته، و أهدافه، لتكون في خدمة الدين و الحق و الخير للإنسان، الفرد و الجماعة على حد سواء. غ ز: جهل و غرور ابن الأشرف: إن غرور كعب بن الأشرف، و اعتداده الزائد بنفسه، حتى ليقول لزوجته عن أبي نائلة: إنه لو وجده نائما لما أيقظه، و الأهم من ذلك جهله بالتغيير الجذري الذي يحدثه الإسلام في نفس و في شخصية الإنسان، هو الذي أوقعه في الفخ الذي نصبه له أولئك المجاهدون البواسل، الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم الحق.

و لو أنه كان قد أدرك ما كان حويصة قد أدركه في أخيه محيصة، و عاش الواقع الحي الذي يواجهه، و حاول أن يتفاعل معه، و تخلّى عن عنجهيته و غروره، لما كان ينبغي أن يسبقه حويصة إلى التشرف بالإسلام. غ ح: الإسلام، و الإنسان: و قد سبق: أن حويصة حينما عرف أن هذا الدين قد بلغ بأخيه: أنه لو أمره الرسول بقتل أخيه لقتله، أدرك أحقية هذا الدين، و تشرف بالدخول فيه.

و سبق كذلك: أن أحد الأخوة يبارز أخاه في صفين، و يلقيه على الأرض، و يجلس على صدره ليذبحه، فلما رأى وجهه عرف أنه أخاه، و لكنه بقي مصرا على قتله، رغم تدخل الآخرين لمنعه، و لم يقبل أن يتركه إلا إذا أذن له أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فأذن له، فتركه‏

53

حينئذ (1) .

و هذه الدرجة من اليقين، هي التي دعت عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيّ إلى: أن يستأذن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلّم» في قتل أبيه المنافق، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا مجال لا ستقصائها (2) .

كما أن هذا اليقين هو الذي أشار إليه عمار بن ياسر رضوان اللّه تعالى عليه، حينما قال عن الجيش الذي جاء لمحاربة أمير المؤمنين (ع) :

«و اللّه لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعرفت أنّا على حق و هم على باطل» (3) .

فعمار لم ير النصر العسكري، و القوة العسكرية مقياسا للحق و الباطل، كما هو شأن ضعاف النفوس. بل هو يجعل النصر و الهزيمة رهن الحق و الباطل. فالمحق منتصر دائما، حتى حينما يكون منهزما عسكريا و سياسيا، و المبطل هو المنهزم، و إن كان منتصرا على الصعيد العسكري و السياسي و غير ذلك في ظاهر الأمر.

نعم، إن قضية حويصة و محيصة تمثل لنا الشخصية التي يريد الإسلام، و استطاع الرسول الأعظم (ص) و الأئمة من بعده: أن يصنعوا منها نماذج متفوقة، تعتبر حب اللّه متفوقا على كل حب، و رابطة العقيدة تسمو على كل رابطة (4) .

____________

(1) صفين للمنقري ص 271/272.

(2) تفسير الصافي ج 5 ص 180، و الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد و ابن المنذر، و السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

(3) صفين للمنقري ص 322، و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 27، و قاموس الرجال ج 7 ص 113.

(4) راجع مقال: الحب في التشريع الإسلامي في كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام أول الجزء الثاني.

54

و لكن لم تستطع سائر الأجهزة التي حكمت باسم الإسلام، و تحت شعار خلافة النبوة: أن تصنع و لو نموذجا واحدا من هذا القبيل، حتى و لو في المستوى الأدنى، إلا إذا كان ذلك عن طريق خداع بعض السذج ببعض الشعارات البراقة، و الأساليب الشيطانية، فينقادون لهم، و يؤخذون بسحرهم.

و هذا ليس هو محط كلامنا، فنحن نتكلم عن الإيمان العميق المدعوم بالعقيدة الراسخة، و المنطلق من الوعي و الفكر، و الرؤية الصحيحة. فإذا لوحظ وجود فرد يتجه في هذا السبيل، فإنك ستجده -حتما-يرتبط بأهل بيت النبوة و معدن الرسالة بنحو من الإرتباط و الإتصال.

و بعد ما تقدم، فإننا لا بد أن نفسح المجال أمام الحديث عن المرحلة الثانية، و هي مرحلة الحرب العلنية، فإلى الصفحات التالية. غ