الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج8

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
413 /
5

الجزء الثامن‏

تتمة القسم...

الباب الثامن:

غزوة بني النضير

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأول:

النصوص و الآثار

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد ضروري:
هناك بعض الأحداث الهامة، و المواقف الحساسة، التي تحمل في طياتها الكثير من العبر و العظات، و تترك لها آثارا بارزة على منحى و عمق الفكر الإنساني، و الرسالي، و على الفهم الدقيق للمسار العام في خط الرسالة.. هذا عدا عن التأثير الظاهر لها في البنية العقائدية، و في اللاشعور، و الشعور الوجداني، المهيمن على الموقف، و الحركة، و السلوك، للانسان في مختلف مراحله و أدواره، و في كثير من أحواله و أطواره.

و لكن هذه الأحداث و المواقف بالذات، و خصوصا ما كان منها في العهد النبوي الشريف لم تنل قسطها من البحث و التقصي، من قبل العلماء و أهل الفكر بل مروا عليها-تقريبا-مرور الكرام، فبدت: و كأنها أمورا تافهة و حقيرة، و محدودة و صغيرة، و خيّل إلى الكثيرين: أنها ليس فيها ما ينفع و لا ما يجدي.. فكان طبيعيا أن تبقى الكثير من جوانبها، و حقائقها، و ظروفها و ملابساتها رهن الابهام، و الاهمال. و كأنها ليست حقيقة ثابتة، و إنما هي محض وهم أو خيال.

و لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن غزوة بني النضير، كانت واحدة من هذه الأحداث، التي لها هذه الحالة التي أشير إليها، فهي حدث فريد و متميز، لا يقل في أهميته عن أي من الأحداث الكبرى في العهد النبوي‏

10

الشريف..

و يتضح ذلك بصورة أجلى و أتم من خلال در استنا لكثير من النصوص و الآثار التي وردت في هذه الواقعة.. و لا أدلّ على ذلك من أنهم يقولون:

إن سورة الحشر-بتمامها-قد نزلت في هذه المناسبة.. و هذا يبرهن على الأهمية البالغة لهذه الواقعة، و على أنها كانت تمثل تحولا كبيرا و إيجابيا، في مسيرة العمل و العاملين في سبيل اللّه سبحانه من جهة.. كما أنها تعتبر-من الجهة الأخرى-ضربة قاسية و قاصمة لأعداء اللّه، و أعداء دينه من الكافرين..

فقد كان اليهود-الذين كان بنو النضير-أقواهم شوكة، و أشدهم شكيمة، و أعزهم عزة يعيشون في قلب الدولة الإسلامية، و حيث كان بإمكانهم الإطلاع على أدق دقائقها، و على حقائق خفاياها و نواياها، ثم الوقوف على المستوى الحقيقي و الدقيق لما تملكه من قدرات و إمكانات مادية و معنوية.. و على كل الواقع الذي كان قائما في داخل المجتمع الإسلامي، سواء على مستوى العلاقات و الإرتباطات فيما بين فئات ذلك المجتمع، أو سائر المجالات، و مختلف المواقع.

كما أنهم-أعني اليهود-كانوا يملكون أذرعة، ظاهرة، و خفية، ممتدة هنا و هناك، و في عمق المجتمع الإسلامي الجديد، حتى على مستوى بعض القيادات فيه، و التي كانت تساهم بشكل فعال في صنع القرار، أو في عرقلته و تعطيله.

ثم إن لليهود الهيمنة الروحية و الثقافية و العلمية على الأكثرية الساحقة، التي يفترض فيها: أن تكون القاعدة الصلبة، و القوية، التي تعتمد عليها تلك القيادة في تنفيذ القرار، و في فعاليته، و قوة تأثيره، ثم في الحفاظ عليه و حمايته على المدى القريب أو البعيد على حد سواء..

11

هذا.. و علينا أن لا ننسى أن اليهود كانوا يملكون قوة كبيرة في حساب الثروات و الأموال..

و يكفي أن نذكر: أنهم كانوا يملكون من «الحليّ» الشي‏ء الكثير، قال بعضهم: إنهم كانوا يعيرونه للعرب من أهل مكة و غيرهم. و كان يكون عند آل أبي الحقيق‏ (1) ، و سيأتي في غزوة خيبر: أن آل أبي الحقيق قد قتلوا بسبب ذلك الحليّ كما ذكر ذلك غيره أيضا (2) .

هذا.. بالاضافة إلى ما كان لليهود من ديون على الناس، قد بلغت حدا، جعلهم يجدون فيها حائلا دون تسهيل أمر رحيلهم، لو لا أن تصدى النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» لحل هذا المشكل بالصورة التي لم يبق لهم معها أي خيار، حينما أمرهم بالوضع (أي حذف بعض المال) و بالتعجيل في الآجال‏ (3) .

و علينا أن لا ننسى: أن هذه الضربة القاسية و القاصمة التي تلقاها اليهود عامة، و بنو النضير بصورة أخص، إنما تمثل إضعافا لواحد من أهم مصادر القوة و التحدي لدى أعداء الإسلام و المسلمين، و لا سيما بالنسبة إلى المشركين، و كل من يتعاطف معهم من القبائل و الطوائف في المنطقة العربية، حيث خسروا واحدا من أهم حلفائهم، و ذوي القوة و النفوذ فيهم.

و قد نجد فيما يأتي من فصول إلماحة أو أكثر إلى هذا الأمر، و إلى غيره من أمور فرض علينا البحث التذكير بها، و الإلماح إليها.

و لذا.. فإننا سوف نكتفي هنا بهذا القدر، و نبدأ-بحول اللّه و قوته- بالحديث عن غزوة بني النضير، حسبما يتهيأ لنا في نطاق مراعاة نسق

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 267.

(2) الاموال ص 242 و زاد المعاد ج 2 ص 136.

(3) المغازي للواقدي ج 1 ص 374.

12

الكتاب و مستواه، و كثير من الأمور الأخرى التي لا بد لنا من مراعاتها، فيما يرتبط بمقتضيات البحث بصورة عامة..

فنقول.. و من اللّه نستمد الحول و القوة، و منه نطلب التوفيق و التسديد.

إننا نذكر في البداية نصا لهذه الغزوة، نختاره مما هو بحوزتنا من نصوص، و سوف يكون هذه المرة لإبن كثير في سيرته، و في بدايته و نهايته، مع حذف بعض ما رأينا من المناسب حذفه.. ثم نشير في نهاية النص إلى جانب من المصادر و المراجع، التي يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص هذه الغزوة:

فنقول:

نص ابن كثير:
قال ابن كثير عن سورة الحشر في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بني النضير.

و حكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد.

و قد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن عبد اللّه بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به.

و هكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبد اللّه بن جعفر الرقيّ، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري، فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة إثنتين.

قال: ثم غزا بني النضير، ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع.

و قال البيهقي: و قد كان الزهري يقول: هي قبل أحد.

13

قال: و ذهب آخرون إلى أنها بعدها، و بعد بئر معونة أيضا.

قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم، فإنه بعد ذكره بئر معونة و رجوع عمرو بن أمية و قتله ذينك الرجلين من بني عامر، و لم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول اللّه (ص) ؛ و لهذا قال له رسول اللّه (ص) : «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» .

قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول اللّه (ص) إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للعهد الذي كان (ص) أعطاهما، و كان بين بني النضير و بين بني عامر عهد و حلف، فلما أتاهم (ص) قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت.

ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه و رسول اللّه (ص) إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة و يريحنا منه.

فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، و رسول اللّه (ص) في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر و عمر و علي، فأتى رسول اللّه الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام و خرج راجعا إلى المدينة.

فلما استلبث النبي (ص) أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول اللّه (ص) حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.

قال الواقدي: فبعث رسول اللّه (ص) محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره و بلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبّتونهم و يحرضونهم على المقام و يعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، و حمي حيي بن‏

14

أخطب، و بعثوا إلى رسول اللّه (ص) : أنهم لا يخرجون، و نابذوه بنقض العهود.

فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم.

قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشرة ليلة.

و قال ابن إسحاق: و أمر النبي (ص) بالتهيّؤ لحربهم و المسير إليهم.

قال ابن هشام: و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، و ذلك في شهر ربيع الأول.

قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، و نزل تحريم الخمر حينئذ، و تحصنوا في الحصون، فأمر رسول اللّه (ص) بقطع النخيل و التحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد و تعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل و تحريقها.

قال: و قد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد اللّه بن أبي و وديعة و مالك و سويد و داعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا و تمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم و إن أخرجتم خرجنا معكم.

فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، و قذف اللّه في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول اللّه أن يجليهم و يكفّ عن دمائهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.

و قال العوفي: عن ابن عباس، أعطى كل ثلاثة بعيرا يعتقبونه (و) و سقا (1) .

رواه البيهقي.

و روى من طريق يعقوب بن محمد، عن الزهري، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن

____________

(1) الوسق: حمل البعير.

15

مسلمة، أن رسول اللّه (ص) بعثه إلى بني النضير و أمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال.

و روى البيهقي و غيره أنه كانت لهم ديون مؤجلة، فقال رسول اللّه (ص) : ضعوا و تعجّلوا.

و في صحته نظر. و اللّه أعلم.

قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف‏ (1) بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، و منهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلاّم بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق و حيي بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.

فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدّث أنهم استقبلوا بالنساء و الأبناء و الأموال، معهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم بزهاء و فخر، ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم.

قال: و خلّوا الأموال لرسول اللّه (ص) ، يعني النخيل و المزارع، فكانت له خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف و أبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، و أضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصّمة.

حكاه السهيلي.

قال ابن إسحاق: و لم يسلم من بني النضير إلا رجلان و هما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش و أبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.

قال ابن إسحاق: و قد حدثني بعض آل يامين أن رسول اللّه (ص)

____________

(1) النجاف: أسكفة الباب.

16

قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك و ما همّ به من شأني؟فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله لعنه اللّه.

قال ابن إسحاق: فأنزل اللّه فيهم سورة الحشر بكاملها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته، و ما سلط عليهم به رسوله، و ما عمل به فيهم. إلى أن قال ابن كثير:

فأسرهم بالمحاصرة بجنوده و نفسه الشريفة ست ليال، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا و صالحوا على حقن دمائهم و أن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم، على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح إهانة لهم و إحتقارا، فجعلوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

إلى أن قال:

و قد روى البخاري و مسلم جميعا عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللّه (ص) حرّق نخل بني النضير و قطع، و هي البويرة، فأنزل اللّه: «ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن اللّه و ليخزي الفاسقين» .

و عند البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللّه (ص) حرق نخل بني النضير و قطع، و هي البويرة، و لها يقول حسان بن ثابت:

و هان على سراة بني لؤيّ # حريق بالبويرة مستطير

فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:

أدام اللّه ذلك من صنيع # و حرّق في نواحيها السعير

ستعلم أيّنا منها بستر # و تعلم أي أرضينا نضير

قال ابن إسحاق: و قال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير و قتل‏

17

كعب بن الأشرف فاللّه أعلم:

لقد خزيت بغدرتها الحبور (1) # كذاك الدهر ذو صرف يدور

و ذلك أنهم كفروا برب # عظيم أمره أمر كبير

و قد أوتوا معا فهما و علما # و جاءهم من اللّه النذير

نذير صادق أدّى كتابا # و آيات مبينة تنير

فقالوا ما أتيت بأمر صدق # و أنت بمنكر منا جدير

فقال: بلى لقد أديت حقا # يصدقني به الفهم الخبير

فمن يتبعه يهد لكل رشد # و من يكفر به يخز الكفور

فلما أشربوا غدرا و كفرا # و جدّ بهم عن الحق النفور

أرى اللّه النبي برأي صدق # و كان اللّه يحكم لا يجور

فأيده و سلّطه عليهم # و كان نصيره نعم النصير

فغودر منهم كعب صريعا # فذلّت بعد مصرعه النضير

على الكفين ثم و قد علته # بأيدينا مشهّرة ذكور

بأمر محمد إذ دسّ ليلا # إلى كعب أخا كعب يسير

فما كره فأنزله بمكر # و محمود أخو ثقة جسور

فتلك بنو النضير بدار سوء # أبارهم بما اجترموا المبير (2)

غداة أتاهم في الزحف رهوا (3) # رسول اللّه و هو بهم بصير

و غسان الحماة مؤازروه # على الأعداء و هو لهم وزير

فقال السّلم و يحكم فصدوا # و خالف أمرهم كذب و زور

فذاقوا غبّ أمرهم و بالا # لكل ثلاثة منهم بعير

و أجلوا عامدين لقينقاع # و غودر منهم نخل و دور

____________

(1) الحبور: جمع حبر، و هم علماء اليهود.

(2) أبارهم: أهلكهم.

(3) رهوا: يسيرا سهلا.

18

و قد ذكر ابن إسحاق جوابها لسمال اليهودي، فتركناها قصدا.

قال ابن إسحاق: و كان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، و يقال: قالها قيس بن بحر بن طريف الأشجعي:

أهلي فداء لامرى‏ء غير هالك # أحل اليهود بالحسيّ المرسّم‏ (1)

يقيلون في جمر العضاة و بدلوا # أهيضب عودا بالوديّ المكمم‏ (2)

فإن يك ظنّي صادقا بمحمد # تروا خيله بين الصّلا و يرمرم‏ (3)

يؤمّ بها عمرو بن بهثة إنهم # عدو و ما حيّ صديق كمحرم‏

عليهن أبطال مساعير في الوغى # يهرّون أطراف الوشيج المقوّم‏ (4)

و كل رقيق الشفرتين مهنّد # توورثن من أزمال عاد و جرهم‏

فمن مبلغ عني قريشا رسالة # فهل بعدهم في المجد من متكرم‏

بأن أخاهم فاعلمنّ محمدا # تليد الندى بين الحجون و زمزم‏

فدينوا له بالحق تجسم اموركم # و تسمو من الدنيا إلى كل معظم‏

نبي تلاقته من اللّه رحمة # و لا تسألوه أمر غيب مرجّم‏

فقد كان في بدر لعمري عسيرة # لكم يا قريش و القليب الملمّم‏

غداة أتى في الخزر جية عامدا # إليكم مطيعا للعظيم المكرم‏

معانا بروح القدس ينكى عدوه # رسولا من الرحمن حقا لم يتعلم‏

رسولا من الرحمن يتلو كتابه # فلما أنار الحق لم يتعلثم‏

أرى أمره يزداد في كل موطن # علوا لأمر حمه الله محكم‏

____________

(1) الحسي: ما يحسى من الطعام. و المزنم: الرجل يكون في القوم ليس منهم، يريد:

أحلهم بأرض غربة في غير عشائرهم، و انظر الروض الأنف ج 2 177.

(2) جمر: الأصل خمر. و ما اثبته من ابن هشام، و العضاه: شجر، و اهيضب: مكان مرتفع. و الودي: صغار النخل، و المكمم: الذي خرج كمامه.

(3) الصلا: موضع، و يرموم جبل.

(4) الوشيج: شجر الرّماح.

غ

19

قال ابن إسحاق: و قال علي بن أبي طالب، و قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، و لم أر أحدا يعرفها لعلي.

عرفت و من يعتدل يعرف # و ايقنت حقا و لم أصدف‏

عن الكلم المحكم اللاء من # لدى اللّه ذي الرأفة الأرأف‏

رسائل تدرس في المؤمنين # بهن اصطفى أحمد المصطفى‏

فأصبح أحمد فينا عزيزا # عزيز المقامة و الموقف‏

فيا أيها الموعدوه سفاها # و لم يأت جورا و لم يعنف‏

ألستم تخافون أدنى العذاب # و ما آمن اللّه كالأخوف‏

و أن تصرعوا تحت أسيافه # كمصرع كعب أبي الأشرف‏

غداة رأى اللّه طغيانه # و اعرض كالجمل الأجنف‏

فانزل جبريل في قتله # بوحي إلى عبده ملطف‏

فدسّ الرسول رسولا له # بأبيض ذي هبة مرهف‏

فباتت عيون له معولات # متى ينع كعب لها تذرف‏

و قلن لاحمد ذرنا قليلا # فإنا من النّوح لم نشتف‏

فخلاهم ثم قال أظعنوا # دحورا على رغم الآنف‏

و أجلى النضير إلى غربة # و كانوا بدار ذوى أخرف‏

إلى أذرعات ردافا و هم # على كل ذي ذمر أعجف‏

و تركنا جوابها أيضا من سمال اليهودي قصدا.

ثم ذكر تعالى حكم الفي‏ء، و أنه حكم بأموال بني النضير لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ملكها له، فوضعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيث أراه اللّه تعالى.

كما ثبت في الصحيحين، عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بني النضير مما افاء اللّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللّه (ص) خاصة، فكان يعزل نفقة أهله‏

20

سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع و السلاح عدة في سبيل اللّه، إلى أن قال:

قال الإمام أحمد: حدثنا عارم و عفان، قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبي اللّه (ص) : أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء اللّه، حتى فتحت عليه قريظة و النضير، قال:

فجعل يردّ بعد ذلك.

قال: و إن أهلي أمروني أن آتي نبي اللّه (ص) فأسأله الذي كان أهله أعطوه، أو بعضه. و كان نبي اللّه (ص) أعطاه أم أيمن أو كما شاء اللّه.

قال: فسألت النبي (ص) فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي و جعلت تقول: كلا و اللّه الذي لا إله إلا هو لا أعطيكهن و قد أعطانيهن أو كما قالت، فقال النبي (ص) : لك كذا و كذا. و تقول:

كلا و اللّه.

قال: و يقول لك كذا و كذا، و تقول: كلا و اللّه. قال: و يقول لك كذا و كذا، حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله، أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما قال.

أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به.

ثم ذكر ابن كثير و غيره:

قصة عمرو بن سعدى القرظي:
حين مر على ديار بني النضير و قد صارت بعدها ليس بها داع و لا مجيب، و قد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام و أظهر صفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من التوراة.

قال الواقدي حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى‏

21

خرابها و فكّر، ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم؛ فاجتموا، فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل. و كان لا يفارق الكنيسة و كان يتألّه في اليهودية. قال: رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز و الجلد، و الشرف الفاضل، و العقل البارع، قد تركوا أموالهم، و ملكها غيرهم، و خرجوا خروج ذل، و لا و التوراة ما سلّط هذا على قوم قط للّه بهم حاجة، و قد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزهم ثم بيّته في بيته آمنا، و أوقع بابن سنينة سيدهم، و أوقع ببني قينقاع فأجلاهم و هم أهل جد يهود، و كانوا أهل عدة و سلاح و نجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم. و كلّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني و تعالوا نتبع محمدا، و اللّه إنكم لتعلمون انه نبي قد بشرنا به و بأمره ابن الهيّبان أبو عمير و ابن حراش، و هما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه و أمرانا بإتباعه، جاءانا من بيت المقدس و أمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما و دفّناهما بحرّتنا هذه.

فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم.

ثم أعاد هذا الكلام و نحوه، و خوّفهم بالحرب و السباء و الجلاء، فقال الزبير بن باطا: قد و التوراة قرأت صفته في كتاب باطا، التوراة التي نزلت على موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا.

قال: فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمان من إتباعه؟قال: أنت يا كعب، قال كعب: فلم؟و التوراة ما حلت بينك و بينه قط.

قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا و عقدنا فإن اتبعته اتبعناه و إن أبيت أبينا.

فأقبل عمرو بن سعدى على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك، الى أن‏

22

قال عمرو: ما عندي في أمره إلا ما قلت. ما تطيب نفسي أن أصير تابعا! رواه البيهقي‏ (1) .

____________

(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145-156 و البداية و النهاية ج 4 ص 74-81 و النصوص المتقدمة موجودة-كلا أو بعضا-في المصادر التالية: الثقات ج 1 ص 240-243 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و فتوح البلدان قسم 1 ص 18-22 و الوفاء ص 689-213 و التنبيه و الاشراف ص 213 و البدء و التاريخ ج 4 ص 212-213 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 422-431 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460-463 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196-197 و مجمع البيان ج 9 ص 257-262 و البحار ج 20 ص 157-173 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و 360 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 197 و 198 و 119-123 و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 173 و 174 و حياة الصحابة ج 2 ص 397 و 398 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 199-212 و بهجة المحافل ج 1 ص 213 و شرحه بهامشه، نفس الصفحات و المصنف للصنعاني ج 5 ص 357-361 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260-263 و أنساب الأشراف قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 1 ص 339 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 550-555 ط دار المعارف و لباب التأويل ج 4 ص 244 فما بعدها، مدارك التنزيل بهامشه، نفس الجزء و الصفحة، و تفسير جامع البيان ج 28 ص 19 فما بعدها، و غرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 29 فما بعدها و الجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 2 فما بعدها و فتح القدير ج 5 ص 195 فما بعدها و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 فما بعدها و أسباب النزول ص 236-239 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1764 فما بعدها و التفسير الكبير ج 29 ص 278 فما بعدها و زاد المعاد ج 2 ص 110 و 71-72، و كذلك في ج 4 ص 498 فما بعدها و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2، قسم 2 ص 28 و جوامع الجامع ص 486-488 و تفسير الصافي ج 5 ص 153 فما بعدها و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و الدر المنثور ج 6 ص 187-202 و حبيب السير ج 1 ص 355-356 و مغازي الواقدي ج 1 ص 365-383 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263-270 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 330-344 و عمدة القاري ج 12 ص 43 و ج 17 ص 125 فما بعدها.

23

و النضير إسم جبل نزلوا به، فسموا باسمه‏ (1) . غ

القتال.. في بني النضير:
يقول اليعقوبي، بعد أن ذكر إنذار النبي (ص) إياهم بالخروج من ديارهم و أموالهم؛ فلم يمتثلوا استنادا لوعود ابن أبي و المنافقين:

«.. فسار إليهم رسول اللّه (ص) بعد العصر، فقاتلهم، فقتل منهم جماعة، و خذلهم عبد اللّه بن أبي و أصحابه، فلما رأوا: أنه لا قوة لهم على حرب رسول اللّه طلبوا الصلح؛ فصالحهم على أن يخرجوا من بلادهم و لهم ما حملت الإبل، من خرتي‏ (2) متاعهم؛ لا يخرجون معهم بذهب، و لا فضة، و لا سلاح» (3) .

و قال ابن الجوزي: «فقاموا على حصنهم يضربون بالنبل و الحجارة» (4) .

و عند البعض: أنه لما جاء يستعينهم: «هموا بالغدر به، و خرجوا يجمعون الرجال و السلاح» (5) .

و سيأتي-حين الحديث عن خراب بيوتهم-ما يدل على ذلك أيضا..

و بعد أن ذكر الواقدي قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحصارهم، قال: غ

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49.

(2) الخرتي: أرادأ المتاع، راجع: لسان العرب ج 2 ص 145.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49.

(4) الوفاء ص 689 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و راجع: سيرة مغلطاي ص 53 و راجع البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني و غيره و زاد المعاد ج 2 ص 71 و مغازي الواقدي ج 1 ص 371 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.

(5) البدء و التاريخ ج 4 ص 212.

24

«.. و جعلوا يرمون ذلك اليوم بالنبل و الحجارة، حتى أظلموا، و جعل أصحاب رسول اللّه (ص) يقدمون من كان تخلف في حاجته، حتى تتاموا عند صلاة العشاء؛ فلما صلى رسول اللّه (ص) العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدرع، و هو على فرس، و قد استعمل عليا على العسكر، و يقال: أبا بكر.

و بات المسلمون يحاصرونهم، يكبرون حتى أصبحوا.

ثم أذن بلال بالمدينة؛ فغدا رسول اللّه (ص) بأصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، و استخلف على المدينة ابن ام مكتوم» (1) .

و سيأتي عن قريب: أن بعض النصوص تقول: إنه (ص) حصرهم، و طلب منهم: أن يعطوه عهدا؛ فأبوا؛ فقاتلهم يومهم ذاك، ثم غدا على بني قريظة، و دعاهم إلى أن يعاهدوه؛ ففعلوا، فغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء.

و إنما قاتلهم لأنه كان بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد و مدة، فنقضوا عهدهم‏ (2) .

قال السمهودي بعد ذكره رواية ابن إسحاق:

«و أصح منه ما رواه ابن مردويه، بسند صحيح: أنهم أجمعوا على الغدر، فبعثوا إلى النبي (ص) : أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، و يلقاك ثلاثة من علمائنا، فان آمنوا بك اتبعناك.

فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت إمرأة من بني النضير

____________

(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 371 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 265.

(2) تفسير القمي ج 2 ص 359. و مصادر كثيرة أخرى ستأتي في الفصل الثاني حين الكلام حول تاريخ غزوة بني النضير.

25

إلى أخ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير؛ فأخبر أخوها النبي (ص) بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم، فرجع و صبحهم بالكتائب؛ فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة، فحاصرهم فعاهدوه؛ فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء إلخ» (1) . غ

نصوص أخرى حول قضية بني النضير:
و في بعض النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أجّلهم عشرا-أو ثلاث ليال-فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا أياما يتجهزون، و أرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر، و تكاروا من أشجع ابلا، فأرسل إليهم ابن أبي: أن معه الفين من قومه، و غيرهم من العرب، يدخلون معهم حصنهم، و يموتون عن آخرهم، و تمدهم قريظة، و حلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي بن أخطب إلخ... (2)

و تذكر بعض النصوص: أنهم حين حاصرهم «صلى اللّه عليه و آله» و قطع نخلهم، قالوا: نحن نخرج من بلادك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا أقبله اليوم. و لكن اخرجوا منها،

____________

(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 398 و حياة الصحابة ج 1 ص 296-297 و فتح الباري ج 7 ص 255 و قال الكاندهلوي: و أخرجه أيضا أبو داود من طريق عبد الرازق عن معمر بطوله مع زيادة، و عبد الرزاق، و ابن المنذر و البيهقي في الدلائل كما في بذل المجهود ج 4 ص 142 عن الدر المنثور. و عن عبد بن حميد في تفسيره و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 214 و المصنف ج 5 ص 359 و راجع: تفسير لباب التأويل ج 4 ص 244 و أسباب النزول ص 237 و راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و أبي داود، و ابن المنذر و البيهقي في الدلائل و راجع:

السيرة الحلبية ج 2 ص 264-263 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 359.

(2) راجع على سبيل المثال: طبقات ابن سعد ج 2 ص 57.

26

و لكم دماؤكم، و ما حملت الإبل، إلا الحلقة، فنزلت يهود على ذلك.

و كان حاصرهم خمسة عشر يوما.. إلى أن قال: و تحملوا على ستمائة بعير (1) .

و نلاحظ هنا: إختلاف النصوص في مدة الحصار، من خمسة عشر يوما حسبما أشير إليه آنفا.. إلى:

ست ليال‏ (2)

و قيل خمسا و عشرين‏ (3) أو ثلاثا و عشرين و فيها نزلت صلاة الخوف‏ (4)

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و عمدة القاري ج 17 ص 126 و حول حصرهم خمسة عشر يوما راجع: الوفاء ص 690 و التنبيه و الاشراف ص 213 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 429 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و سيرة مغلطاي ص 53 و البحار ج 20 ص 165-166 عن الكازروني و غيره، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 553 و انساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ) ص 339.

(2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 59 و البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن سيرة ابن هشام، و عن الوفاء، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 198 و وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 220 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و حبيب السير ج 1 ص 355 و المغازي للواقدي ج 1 ص 394 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332.

(3) عمدة القاري ج 17 ص 126 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265

(4) عمدة القاري ج 17 ص 126 و الجامع للقيرواني ص 278 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.

27

أو نيفا و عشرين‏ (1)

أو قريبا من عشرين‏ (2)

أو عشرين‏ (3)

أو إحدى و عشرين‏ (4)

و من جهة أخرى روي عن بعض أهل العلم: أن بني النضير قد ألقوا الحجر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذه جبرئيل‏ (5) .

و في نص آخر: أنه لما أشرف حامل الصخرة بها أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» جبرائيل بالأمر (6) .

و كان الذين ذهبوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير، لا يبلغون عشرة، و هم: أبو بكر، و عمر، و علي، و طلحة، و الزبير، و سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير، و سعد بن عبادة (7) .

«و في رواية: لما رأوا قلة أصحابه (ص) قالوا: نقتله، و نأخذ

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.

(2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 261.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 265.

(4) البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني و غيره و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و بهجة المحافل ج 1 ص 214 و الكشاف ج 4 ص 498 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل بهامش لباب التأويل ج 4 ص 244.

(5) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 423.

(6) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 365.

(7) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و المغازي ج 1 ص 364 و عمدة القاري ج 17 ص 125 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260.

غ

28

أصحابه أسارى إلى مكة؛ فنبيعهم من قريش» (1) .

«و لزم رسول اللّه (ص) الدرع فبات فيه» (2) .

«و كان سعد بن عبادة يحمل التمر إلى المسلمين» (3) .

و لم يغثهم أحد، و لم يقدر ابن أبي أن يصنع شيئا، فجهدهم الحصار، و ضاقت عليهم الأحوال؛ فأرسلوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقبولهم الجلاء (4) .

و بعد حصارهم، و قطع نخلهم «قالوا: يا محمد نخرج من بلادك، و اعطنا مالنا، فقال: لا، و لكن تخرجون و لكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا ذلك، فبقوا أياما ثم قالوا: نخرج و لنا ما حملت الإبل، فقال: لا و لكن تخرجون و لا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه؛ فخرجوا على ذلك» (5) .

و كان منهم جماعة من أولاد الأنصار، لأن المرأة من الأنصار كان إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد تهوده، فلما أجليت بنو النضير، قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، و أنزل اللّه: لا إكراه في الدين، و هي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام، و إلا.. فإكراه

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 263.

(2) مغازي الواقدي ج 1 ص 372.

(3) مغازي الواقدي ج 1 ص 372 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.

(4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461.

(5) تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 2 ص 169-170 عنه و راجع حول عدم قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم: لباب التأويل ج 4 ص 244-245 و مدارك التنزيل بهامشه نفس الجلد و الصفحة. و غرائب القرآن، مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33-38 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و تفسير الصافي ج 5 ص 155.

29

الكفار الحربيين سائغ إلخ... (1) .

و قد ذكر البعض: أن ابن يامين قد جعل لرجل عشرة دنانير، ليقتل عمرو بن جحاش‏ (2) .

و ذكر البعض: أن المسلمين قد مشوا إلى بني النضير على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين من المدينة، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حمار فحسب‏ (3) أو على جمل‏ (4) .

و كانت منازلهم بناحية الفرع، و ما يقربها، بقرية يقال لها: زهرة (5) . غ

ليخبرن بما هممتم به:
و تذكر النصوص: انهم حين ائتمروا بالقاء الصخرة عليه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: سلام بن مشكم: لا تفعلوا، و اللّه، ليخبرن بما

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 267 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 عن أبي داود و لباب التأويل ج 1 ص 185 و فتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه و البيهقي في السنن و الضياء في المختارة و الدر المنثور ج 1 ص 328 عنهم و عن ابن مندة في غرائب شعبة و عن النحاس في ناسخه و عبد بن حميد و سعيد بن منصور.

(2) مغازي الواقدي ج 1 ص 374.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و راجع ص 261 و ذكر المسافة في فتح القدير ج 5 ص 197. و راجع: الجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 11.

(4) غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 38 و راجع: الجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 11.

(5) و سيأتي توضيح ذلك مع مصادر أخرى إن شاء اللّه تعالى..

30

هممتم به، و إنه لنقض العهد الذي بيننا و بينه‏ (1) . زاد الواقدي: ألا فو اللّه، لو فعلتم الذي تريدون، ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود، و يظهر دينه‏ (2) .

و في نص آخر: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حين قام من بين أصحابه، و ابطأ، و لم يرجع قال: كنانة بن صوريا: جاءه و اللّه الخبر الذي هممتم به‏ (3) .

و في نص آخر: أنه قال لهم: هل تدرون لم قام محمد؟!

قالوا: لا و اللّه، ما ندري، و ما تدري أنت!

قال: بلى و التوارة إني لأدري، قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، و اللّه، إنه لرسول اللّه، و ما قام إلا لأنه أخبر بما هممتم به، و إنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله اللّه حيث شاء.

و ان كتبنا، الذي درسنا في التوراة التي لم تغير و لم تبدل: أن مولده بمكة، و دار هجرته يثرب، و صفته بعينها لا تخالف حرفا مما في كتابنا، و ما يأتيكم به أولى من محاربته إياكم، و لكأني أنظر اليكم ظاعنين، يتضاغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا و أموالكم، و إنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، و الثالثة لا خير فيها.

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و زاد المعاد ج 2 ص 71 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و عمدة القاري ج 17 ص 125.

(2) مغازي الواقدي ج 1 ص 365.

(3) الثقات ج 1 ص 241 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 552 و المغازي للواقدي ج 1 ص 365 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و زاد: من الغدر، فلا تخدعوا انفسكم و اللّه، إنه لرسول اللّه، فأبوا أن يقبلوا.

31

قالوا: ما هما؟

قال: تسلمون و تدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم، و أولادكم، و تكونون من علية أصحابه، و تبقى بأيديكم أموالكم، و لا تخرجون من دياركم.

قالوا: لا نفارق التوارة، و عهد موسى.

قال: فإنه مرسل إليكم: أخرجوا من بلدي، فقولوا: نعم، فإنه لا يستحل لكم دما و لا مالا، و تبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، و إن شئتم أمسكتم.

قالوا: أما هذا فنعم.

قال: أما و اللّه إن الأخرى خيرهن لي، قال: اما و اللّه، لو لا أني أفضحكم لا سلمت، و لكن و اللّه، لا تعير شعثاء باسلامي أبدا، حتى يصيبني ما أصابكم؛ و ابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها، فقال:

سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها إلخ.. » (1) .

ثم أرسل اليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة و ذكّرهم بما كانوا ذكروه له من علامات النبي الموعود، و المنطبقة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و تستمر الرواية إلى أن تذكر رفض حيي بن أخطب مغادرة بلادهم، فقال له سلام بن مشكم:

لا تفعل يا حيي، فو اللّه، إنك لتعلم و نعلم معك: أنه رسول اللّه:

و أن صفته عندنا، و إن لم نتبعه، حسدناه حين خرجت النبوة من بني

____________

(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 365-366 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 426-427 و يوجد ملخص عنه في اعلام الورى ص 88-89 و البحار ج 20 ص 163-169 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و تفسير الصافي ج 5 ص 153.

32

هارون؛ فتعال؛ فلنقبل ما أعطانا من الأمن، و نخرج من بلاده فقد عرفت أنك خالفتني في الغدر به، فاذا كان آوان الثمر جئنا، أو جاءه من جاء منا إلى ثمره؛ فباعها و صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا؛ فكأنا لم نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا إلخ.. (1)

و في نص آخر: «فجاء عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة، ليطرحها عليه، فأمسك اللّه يده، و جاء فأخبره، فخرج رسول اللّه (ص) راجعا إلى المدينة.

ثم دعا عليا، و قال: لا تبرح مقامك؛ فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوه و لحقوا به» (2) .

كانت تلك طائفة من النصوص الواردة حول قضية بني النضير، و قد حان الآن وقت تسجيل ما يفيد و يجدي في الإستفادة منها، أو في التأييد، أو التفنيد، لأي منها، فنقول.

____________

(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 428-429.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و راجع البحار ج 20 ص 164 عن الكازروني و غيره و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 214.

غ

33

الفصل الثاني:

قبل أن تدق الطبول‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بداية:
قد تقدمت في الفصل السابق طائفة من النصوص التي تتحدث عن غزوة بني النضير، أو عن بعض ما يتصل بها، و سنجد فيما يلي من مطالب و فصول كثيرا من النصوص التي اقتضى البحث إيرادها، لسبب أو لآخر..

و حيث إن لنا الكثير من الوقفات و التساؤلات، بل و تراودنا شكوك قوية حول عدد منها، فإننا نشير إلى شي‏ء من ذلك ضمن البحوث التي أوردناها في هذا الفصل و فيما يليه من فصول، فنقول..

و من اللّه نستمد العون، و منه نطلب التوفيق و التسديد.

إن أول ما يطالعنا في نصوص قضية بني النضير هو:

الإختلافات الفاحشة:
إن هناك الكثير من الموارد التي اختلفت فيها النصوص و تناقضت بصورة فاحشة و ظاهرة.

و ما دام: أن المهم هو الإلماح إلى أن الواقع لا يمكن أن يكون هو كل ما تضمنته تلك الروايات و المنقولات، و إنما هو واحد، و واحد فقط..

فإننا نكل أمر تقصّي هذه الإختلافات إلى القارى‏ء نفسه، إن وجد ضرورة إلى ذلك.

36

و لأجل ذلك، فنحن نصرف عنان الكلام إلى التركيز على مفاصل أساسية، نجد أنها بحاجة لمزيد من البحث، و الجهد. و إن كنا قد اكتفينا فيها بما يتناسب في حجمه و مستواه مع سائر بحوث الكتاب و فصوله.

و أول ما نبدأ الحديث عنه هنا هو:

تاريخ غزوة بني النضير:
قالوا: إن غزوة بني النضير كانت سنة أربع، في شهر ربيع الأول منها، خرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، ثم راح إليهم عشية الثلاثاء.

و قد جعلها ابن إسحاق بعد سرية بئر معونة. و هذا مذكور في معظم المصادر فلا حاجة إلى تعداد مصادره..

و لكن قال الزهري، و كذا روي عن عروة و عن عائشة: إنها كانت بعد غزوة بدر بستة أشهر (1) .

____________

(1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 442-443-444 و ليراجع في قول الزهري وحده، أو منضما إلى غيره المصادر التالية:

الروض الأنف ج 3 ص 350 و المواهب اللدنية ج 1 ص 104 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1765 و سيرة مغلطاي ص 53 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و الجامع للقيرواني ص 278-279 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332-334 و الأموال ص 15 و وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 و صحيح البخاري ج 3 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 119-197 و الدر المنثور ج 6 ص 187 عن البيهقي في الدلائل، و عن ابن مردويه، و عن الحاكم و صححه. و فتح الباري ج 7 ص 253 و 255 و 256 و مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160-162 عنه و زاد المعاد ج 2

37

و هو ما جرى عليه البخاري، و ذهب إليه النووي و غيره‏ (1) .

أما نحن فنقول:

إن هذا هو الصحيح، و ذلك للأمور التالية:

1-إنهم يقولون: إن أبا سلمة بن عبد الأسد قد استفاد من أرض بني النضير (2) و من المعلوم: أن أبا سلمة قد مات قبل شهر ربيع الأول سنة أربع، و قبل بئر معونة.

و قال ابن حبان؛ بعد ذكره غزوة بني النضير مباشرة: «ثم رجع رسول اللّه (ص) إلى المدينة، ثم بعث رسول اللّه (ص) أبا سلمة بن عبد الأسد إلى ماء لبني أسد إلخ.. (3) » .

____________

ق ص 71 و 110 و البداية و النهاية ج 4 ص 74 و عمدة القاري ج 17 ص 126 و بهجة المحافل ج 1 ص 213 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145 كلاهما عن:

البخاري، و البيهقي، و تفسير ابن حبان، و المصنف ج 5 ص 357 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و فتح القدير ج 5 ص 198 و فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و مرآة الجنان ج 1 ص 9.

(1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 223-213 و فتح القدير ج 5 ص 205 و راجع:

السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 و جوامع الجامع ص 448. و فتح الباري ج 7 ص 255 حيث استغرب من السهيلي ترجيحه قول الزهري و راجع أيضا: وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و صحيح البخاري ج 3 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122-197.

(2) الطبقات الكبرى ج 1 ص 58 و المغازي للواقدي ج 1 ص 380. و قالا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه أرضا تسمى «بويلة» ، و وفاء الوفاء ج 4 ص 1157 و راجع:

تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269.

(3) الثقات ج 1 ص 243.

38

2-إنهم يقولون: إن الحارث بن الصمة قد استفاد هو الآخر من أراضي بني النضير (1)

مع أنهم يدّعون: أن الحارث هذا قد قتل في بئر معونة، فكيف تكون غزوة بني النضير بعدها..

هذا.. بالإضافة إلى أننا قد قدمنا: أن تاريخ سرية بئر معونة كان قبل السنة الرابعة، فراجع ما ذكرناه هناك.

و جعل قتله في بئر معونة دليلا على ضعف هذا الخبر (2) .

ليس بأولى من العكس، أي جعل استفادته من أراضي بني النضير دليلا على عدم صحة قتله في بئر معونة. و لا أقل من أنه يدل على تقدم غزوة بني النضير على تلك الغزوة التي يقال: إنه قد قتل فيها. و يتأكد ذلك إذا عرفنا أن أحدهما ليس ناظرا إلى الآخر. مع ملاحظة:

أنه لا داعي للجعل و الوضع في أي من الموردين، بالنسبة إلى هذا الرجل بخصوصه. غ

تذكير بما سبق:
و لنا هنا ملاحظة و هي: أن ابن التين قد قوّى أن تكون غزوة بني

____________

(1) مجمع البيان ج 9 ص 260 و تاريخ الخميس ج 1 ص 251 عن المدارك، و عن معالم التنزيل و السيرة الحلبية ج 2 ص 269 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جوامع الجامع ص 487 و التفسير الكبير ج 29 ص 285 و الكشاف ج 4 ص 505 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و راجع ص 14-24 و أحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1771-1772 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و الروض الأنف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق، و بهجة المحافل ج 1 ص 216 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 269.

39

النضير بعد سرية بئر معونة، و ذلك إستنادا إلى دليل لا يصح، و قد ذكرناه مع جوابه في سرية بئر معونة في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع هناك.

3-إنه لا شك في كون غزوة بني النضير قد كانت قبل حرب الخندق بثمانية أشهر في أقل الأقوال.

و قد قوّينا: أن تكون الخندق قد حصلت في السنة الرابعة من الهجرة و ليس في السنة الخامسة منها (1) . فتكون غزوة بني النضير قبلها..

بل إن ابن إسحاق، الذي ذكر: أن إجلاء بني النضير قد كان بعد أحد أي في السنة الرابعة.. قد ذكر: ان فتح قريظة كان مرجعه «صلى اللّه عليه و آله» من الأحزاب (أي الخندق) ، و بينهما سنتان‏ (2) .

فاذا كان بينهما سنتان (و إذا كانت قريظة التي هي بعد الخندق مباشرة) في السنة الرابعة فلا شك في كون غزوة بني النضير قد حصلت في السنة الثانية، بعد بدر مباشرة، لا بعد غزوة أحد.

4-إن بعض النصوص تذكر: ان سبب غزوة بني النضير هو: أن كفار قريش كتبوا-بعد بدر-إلى اليهود يهددونهم، و يأمرونهم بقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فأجمع حينئذ بنو النضير على الغدر، و أرسلوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك.

ثم تذكر الرواية كيف: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غدا عليهم

____________

(1) راجع كتابنا: حديث الإفك ص 96-106 و الجزء السادس من هذا الكتاب حين الحديث عن تحرر سلمان المحمدي (الفارسي) من الرق.

(2) مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 عنه و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 218) ص 36 و راجع أيضا: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121.

غ

40

بالكتائب فحصرهم، و طلب منهم العهد، فقاتلهم يومه ذاك ثم تركهم و غدا إلى بني قريظة، و دعاهم إلى أن يعاهدوه ففعلوا؛ فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء (1) .

و عند العسقلاني: ان هذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير هو طلبه «صلى اللّه عليه و آله» منهم المساعدة في دية العامريين‏ (2) .

5-إن عددا من النصوص يذكر: أن كعب بن الأشرف كان لا يزال حيا إلى حين غزوة بني النضير، و أنه قد قتل حينها، أو بعدها..

و من المعلوم: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان على رأس خمسة و عشرين شهرا من الهجرة، و معنى ذلك هو صحة ما ذكر من أن هذه الغزوة قد كانت بعد ستة أشهر من بدر.

و نذكر من الشواهد على دور كعب في هذه الغزوة ما يلي:

ألف: إن بعض النصوص تقول: إنه لما جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير يستسلفهم في دية العامريين قصد أولا كعب بن الأشرف، فلما دخل عليه قال كعب: مرحبا يا أبا القاسم و أهلا. و قام كأنه

____________

(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر و البيهقي، و ابي داود و تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263، و المصنف للصنعاني ج 5 ص 360 و سنن أبي داود ج 3 ص 156-157 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445-446 و فتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، و عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و حياة الصحابة ج 1 ص 397 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل بهامشه نفس الصفحة و أسباب النزول ص 236.

(2) فتح الباري ج 7 ص 255.

41

يصنع له الطعام، و حدث نفسه بأن يقتل رسول اللّه، و يتبع أصحابه، فنزل جبرئيل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره‏ (1) .

ب: إن كعب بن الأشرف ذهب إلى مكة في أربعين رجلا، فاجتمع بأبي سفيان، و كان في أربعين رجلا أيضا، و تعاهدا بين الأستار و الكعبة، فنزل جبرائيل بسورة الحشر؛ فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة بقتله؛ فقتله في الليل ثم قصد إليهم، و عمد على حصارهم، فضرب قبته في بني خطمة (2) .

ج: و لكن ذكر الشيخ المفيد (رحمه اللّه) و غيره: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان حين قتل أمير المؤمنين «عليه السّلام» للعشرة، الذين خرجوا يلتمسون غرّة من المسلمين، قال المفيد (رحمه اللّه) :

«و في تلك الليلة قتل كعب بن الأشرف و اصطفى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أموال بني النضير» (3) .

و يفهم من الأربلي و غيره أيضا: أن قتل ابن الأشرف كان أثناء حصار بني النضير، فراجع‏ (4) .

____________

(1) تفسير القمي ج 2 ص 359 و اعلام الورى ص 89 و البحار ج 2 ص 163-169 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و تفسير الصافي ج 5 ص 153. و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 214 و شرحه بهامش نفس الصفحة و لباب التأويل ج 4 ص 244. و راجع: البحار ج 20 ص 158 و راجع: مجمع البيان ج 9 ص 257 و راجع: غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33.

(3) الإرشاد للمفيد ص 50 و كذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.

(4) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 201 و فتح الباري ج 7 ص 256 و راجع المصادر المتقدمة..

42

د: و لكن آخرين يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أمر بقتل كعب حين ذهب إلى بني النضير، يستعينهم في دية العامريين، فاطلع على محاولتهم الغدر به، فانصرف راجعا، و أمر بقتل كعب بن الأشرف ثم أصبح غاديا عليهم بالكتاب، و كانوا بقرية يقال لها زهرة، فوجدهم ينوحون على كعب، فقالوا: يا محمد، واعية إثر واعية، ثم حشدوا للحرب، و في آخره: قالوا: ذرنا نبكي سويعة، ثم أئتمر أمرك‏ (1) .

و على كل حال، فإن عددا من المؤرخين و المؤلفين قد صرحوا بأن غزوة بني النضير، كانت صبيحة قتل ابن الأشرف‏ (2) .

هـ: و يؤيد ذلك الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» في هذه المناسبة؛ فمنها قوله «عليه السلام»

و ان تصرعوا تحت أسيافه # كمصرع كعب أبي الأشرف‏

إلى أن قال:

فدس الرسول رسولا له # بابيض ذي هبة مرهف‏

فباتت عيون له معولات # متى ينع كعب لها تذرف‏

و قلن لاحمد ذرنا قليلا # فانا من النوح لم نشتف‏

____________

(1) راجع بهجة المحافل ج 1 ص 214 عن البخاري و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 عن مسلم و أبي داود و الترمذي، و لباب التأويل ج 4 ص 244 و راجع:

تاريخ الخميس ح 1 ص 461.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن معالم التنزيل، و فتح الباري ج 7 ص 256 عن عبد بن حميد في تفسيره و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و التفسير الكبير ج 29 ص 278 و الكشاف ج 4 ص 498 و جوامع الجامع ص 486، و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و المصادر المتقدمة في الهامش السابق و راجع مجمع البيان ج 9 ص 257 و البحار ج 20 ص 158-159 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 عن عبد بن حميد في تفسيره.

43

فخلاهم ثم قال اظعنوا # دحور على رغم الآنف‏

و أجلى النضير إلى غربة # إلخ.. (1)

فإن هذه الأبيات إنما تقرر القصة المذكورة فيما تقدم..

و: و يؤيد ذلك أيضا: أن البعض يقول: إن آية: فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا (2) ، يقال: نزلت في كعب بن الأشرف‏ (3) . و كذا قوله:

و قذف في قلوبهم الرعب، قيل: بقتل سيدهم كعب بن الأشرف‏ (4) .

و معنى ذلك: أن قتل كعب كان سببا في هزيمتهم، و أن قتله قد كان بعد غدرهم، و إعلانهم للحرب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما يفهم من الآيات الشريفة.

ز: و أخيرا، فإن بعض النصوص تقول: -و ذاك أمر غريب حقا-إن كعب بن الأشرف قد اعتزل قتال بني النضير، و زعم: أنه لم يظاهر على المسلمين، فتركه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم انبعث يهجوه و المؤمنين، ثم سار إلى قريش يستدعيهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

____________

(1) السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 207 و السيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 152-153 و البداية و النهاية ج 4 ص 79.

(2) الحشر الآية: 2.

(3) الروض الأنف ج 3 ص 251 و راجع: مجمع البيان ج 9 ص 158 و البحار ج 20 ص 160 عنه و راجع غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 34 و مدارك التنزيل المطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 245 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 3 عن أبي صالح، و السدي، و ابن جريج و التفسير الكبير ج 29 ص 279 و راجع: الكشاف ج 4 ص 499 و جوامع الجامع ص 484 و فتح القدير ج 5 ص 195.

(4) فتح القدير ج 5 ص 196.

44

إلخ... (1) .

و لعل المراد: أنه اعتزل قتال بدر، و إلا.. فإن بقاءه إلى ما بعد غزوة بني النضير، مما تضافرت النصوص التاريخية على خلافه فراجع حكاية مقتله في سيرة ابن هشام، و الطبري، و تاريخ الخميس، و غير ذلك.

6-و سيأتي أنهم يقولون: إن آية: لا إكراه في الدين قد نزلت في غزوة بني النضير، و معلوم أن هذه الآية قد وردت في سورة البقرة، التي نزلت في أوائل الهجرة و يبعد: ان يستمر نزولها إلى ما بعد بدر، حيث نزلت سورة الأنفال. و لم يرد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم ضعوا هذه الآية في السورة الفلانية، فالظاهر: انها في جملة الآيات التي نزلت تدريجا، فراجع في كيفية نزول القرآن ما ذكرناه في كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم، فصل: الترتيب و النزول.

7-و نشير أخيرا إلى أن الحاكم قد ذكر: أن إجلاء بني النضير و بني قينقاع قد كان في زمان واحد (2) . غ

تهافت ظاهر:
و بعد ما تقدم؛ فإن القول بأن هذه القضية قد حصلت في السنة الرابعة، لا يجتمع مع القول بأنها كانت متزامنة مع قتل كعب بن الأشرف -كما صدر من البعض‏ (3) -لأن ابن الأشرف قد قتل قبل هذا التاريخ بحوالي سنتين. كما يعلم بالمراجعة لكتب التاريخ و الرواية.

____________

(1) تاريخ المدينة ج 2 ص 461-462 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 9 و البداية و النهاية ج 4 ص 5 كلاهما عن البخاري و البيهقي.

(2) فتح الباري ج 7 ص 256.

(3) راجع على سبيل المثال ما قاله اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 49.

غ

45

سبب غزوة بني النضير:
لقد ذكرت معظم المصادر: أن سبب هذه الغزوة هو: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءهم يستعينهم في دية العامريين، الذين قتلهما بعض أصحابه بعد سرية بئر معونة، فأرادوا الغدر به، فجاءه الخبر من السماء. إلى آخر ما تقدم ذكره. غقال البعض: «و كانوا قد عاهدوا النبي (ص) على ترك القتال، و على أن يعينوه في الديات» (1) .

و لكننا نجد في مقابل ذلك أقوالا أخرى، و هي:

الأول: إن السبب هو أنهم قد طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يخرج إليهم في ثلاثة نفر، ليناقشوه في أمر الدين، و كانوا قد خبأوا الخناجر، فأرسلت إليه إمرأة منهم-بواسطة أخيها-تعلمه بخيانتهم فلما أخبره بالأمر، رجع قبل أن يصل إليهم‏ (2) .

و يبدو أن هذه هي نفس الرواية القائلة: إنهم طلبوا إليه أن يخرج اليهم في ثلاثين رجلا، و هم في مثلهم، ثم لما رأوا: أنه لا يمكن التفاهم فيما بين هذا العدد الكبير اقترحوا خروجه «صلى اللّه عليه و آله» في ثلاثة، و منهم كذلك.. و قد كان ذلك بسبب تهديد قريش لهم بعد غزوة بدر (3) ،

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 213، و شرحه للأشخر اليمني، مطبوع بهامشه، نفس الجلد و الصفحة.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462.

(3) راجع هذه القضية في دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445 446 و المصنف ج 5 ص 359-361 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل مطبوع بهامشه نفس الصفحة و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و حياة الصحابة ج 1 ص 397

46

و قد تقدم: أن العسقلاني قد اعتبر هذه الرواية أقوى مما ذكره ابن إسحاق، و وافقه عليه جل أهل المغازي، من ان السبب هو أنه خرج إليهم في دية العامريين‏ (1) .

و قد عرفنا فيما تقدم. أن هناك العديد من الدلائل و الشواهد التي تؤكد على أن غزوة بني النضير، قد كانت قبل بئر معونة..

فإن العامريين المشار إليهما هما اللذان قتلا بعد بئر معونة، فلا ينسجم ذلك مع ما تقدم. و لا يصح ما ذكره ابن إسحاق، و إن كانا قد قتلا قبل ذلك، و في مناسبة و قضية أخرى، فلا إشكال فيه من هذه الناحية.

الثاني: قيل: إنه إنما ذهب إليهم لأخذ دية العامريين لأن بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر (2) . فيسهل الدفع منهم؛ لكون المدفوع لهم من حلفائهم‏ (3) .

و لكن لا ندري لماذا يريد أن يأخذ الدية من حلفاء المقتول، فهل جرت عادة العرب على ذلك؟!

أم أنه يريد إذلال بني النضير في ذلك؟!

فإذا كان كذلك، فهل المراد الإيحاء بأن ناقض العهد في الحقيقة

____________

ق عن فتح الباري، و عن بذل المجهود ج 4 ص 142 عن الدر المنثور و فتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، و عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، و أسباب النزول ص 236 و سنن أبي داود ج 3 ص 156-157 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و ابي داود، و عبد بن حميد، و البيهقي في الدلائل، و وفاء الوفاء ج 1 ص 298.

(1) فتح الباري ج 7 ص 255.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264.

(3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260.

47

هو نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ذلك بغيا منه و تعديا في أمر لاحق له به.. نعوذ باللّه من الخطأ و الخطل، في القول و العمل..

الثالث: إن البعض يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذهب إلى بني النضير، ليسألهم كيف الدية عندهم، و ذلك للعهد الذي كان بينهم و بين بني عامر (1) ..

و لا ندري لماذا لم يكتف بارسال بعض أصحابه إليهم ليسألوهم عن ذلك، و هل كان ثمة اتفاق خاص في مقدار الدية فيما بين بني النضير و بني عامر، يختلف عن مقدارها لدى سائر الناس الذين يعيشون في تلك المنطقة؟!

و إذا كان كذلك، فكيف يريد هو أن يدفع خصوص هذا المقدار الذي اتفق عليه هؤلاء، و لماذا لا يدفع المقدار المتعارف عليه فيما بين سائر الناس؟!..

و إذا كان يريد أن يدفع المقدار المتعارف عليه بين عامة الناس، فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» يجهل هذا المقدار؟!.

و إذا كان-و العياذ باللّه-يجهل به، فهل لم يكن أحد من أصحابه، من سائر أهل المدينة، و سائر القبائل و الأقوام الذين يعيشون فيها و حولها، يعلم بمقدار الدية؟!حتى يحتاج إلى المسير مع جماعة من أصحابه إلى خصوص بني النضير؟!..

ام أن المقصود هو إظهار: ان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعرف أحكام الشريعة السابقة-شريعة اليهود خاصة-دون غيرهم من سائر اهل الملل. فلا بد أن يتفضل عليه اليهود، و يعلّموه مما عندهم، و يصبح مدينا لهم، هو و شريعته، و كل اتباعه من بعده.

____________

(1) المصدر السابق.

48

ثم ليثبت من خلال ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعمل ، بشريعة اليهود و أحكامهم!!

مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخالفهم في كل شي‏ء حتى لقد عبروا عن استيائهم من أنه يريد أن لا يدع من أمرهم شيئا إلا خالفهم فيه‏ (1) .

لا ندري.. و لعل الفطن الذكي يدري..

فإنا للّه و انا إليه راجعون.. و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

الرابع: قد تقدم أن بني النضير لما هزم المسلمون في أحد ارتابوا و نقضوا العهد، فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة، و حالفوهم و عاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد، ثم دخل أبو سفيان في أربعين و كعب بن الأشرف في أربعين المسجد، و أخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار و الكعبة. ثم رجع كعب و أصحابه إلى المدينة، و نزل جبرائيل، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما تعاقد عليه كعب بن الأشرف و أبو سفيان، و أمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، و كان أخاه من الرضاعة (2) .

الخامس: ورد في نص آخر ما ملخصه: أنه ذهب مع أصحابه يستقرض مالا من كعب بن الأشرف، فحدث كعب نفسه بقتل النبي، فاخبره جبرائيل، فقام كأنه يقضي حاجة، و عرف: أنهم لا يقتلون أصحابه

____________

(1) راجع حول إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على مخالفة اليهود: الجزء الرابع من هذا الكتاب ص 106.

(2) راجع: البحار ج 20 ص 158 و مجمع البيان ج 9 ص 257 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و قد تقدمت بقية المصادر حين الحديث عن تاريخ غزوة بني النضير، فلتراجع هناك.

غ

49

و هو حي، و أخذ طريق المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب، فأخبر كعبا بذلك، و رجع المسلمون.

فأخبرهم ابن صوريا بأن رب محمد أطلعه على ما هموا به، و أنه سوف يأمرهم بالجلاء إن لم يسلموا، فاختاروا الجلاء (1) .

و قد أسلفنا: أننا نرجّح هذه الرواية التي تنص على وجود كعب بن الأشرف، و على دور له في قضية بني النضير، و قد استحق بذلك الدور أن يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتله فقتل.

ولكننا لا ندري حقيقة هذا الدور، فلعل كعبا قد عاقد أبا سفيان على حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم هجا المسلمين، و شبب بنسائهم، ثم حاول نقض العهد حين طلب منه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الوفاء بتعهداته المالية، حيث قد كان ثمة عهد ينص على التعاون في الديات.

و كان ذلك من كعب بالتعاون مع قومه، حين انتدب عمرو بن جحاش لتنفيذ المهمة.

فكان أن تركهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قفل عائدا إلى أصحابه، فأمر بقتل كعب بن الأشرف، ثم غدا على بني النضير بالكتائب.

فإن من الطبيعي أن نجد رسول الإسلام الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يتحمل منهم نقض العهد أكثر من مرة، من أجل أن يقطع لهم كل عذر، و تعلل في ذلك، و ليتضح لكل أحد ما بيتوه من مكر و خداع، و ما

____________

(1) راجع: اعلام الورى ص 8988 و البحار ج 20 ص 163 و 169 و تفسير الصافي ج 5 ص 153 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196.

50

أبطنوه من ختل و غدر، و يحق اللّه الحق بكلماته، و ليخزي الفاسقين، بفضل صبر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و أناته.

ثم جاء أهل الحديث و الرواية فذكروا كل واحدة مما تقدم على أنها سبب مستقل، لما جرى على هؤلاء الغدرة الفجرة، مع الذهول عن أن تكرر ذلك منهم قد جعل من مجموع تلك الأسباب و العوامل سببا واحدا لما حصل.. غ

رواية لا يعتمد عليها:
و تقدم في الفصل الأول من هذا الباب رواية تقول: إنهم حين جاءهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و معه بعض أصحابه. فكروا في أن يقتلوه، و يأخذوا من جاء معه من أصحابه أسرى، و يبيعوهم من أهل مكة.

و نحن نشك في هذه الرواية أيضا؛ فإن أسر من جاء معه و بيعهم إلى أهل مكة، معناه إثارة حرب طاحنة فيما بين بني النضير، و بين الأوس و الخزرج، و من معهم من سائر المسلمين، و لن يمكنهم الوصول بهم إلى مكة قبل أن تندر الرؤوس، و تطيح الأيدي، و تخرب البلاد، و تهلك العباد..

و قد جرب اليهود حظهم مع الأوس و الخزرج فيما سبق، و استطاع هؤلاء أن يخرجوا أولئك من المدينة ليعيشوا حواليها، و في أطرافها. و قد كان هذا و أمر اليهود مجتمع؛ فكيف تكون الحال بعد أن أجلي منهم بنو قينقاع مع كون العلاقات بين بني قريظة و النضير غير متكافئة و لا طبيعية بسبب التمييز الظالم لبني النضير عليهم، حسبما أوضحناه حين الحديث، حول كونهم بمنزلة بني المغيرة في قريش كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

و بعد أن أصبح بنو النضير أضعف ناصرا و أقل عددا، فإن التفكير بهذا الأمر يصبح في عداد المحالات و الممتنعات..

51

و ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان، و لا إلى إقامة برهان. غ

نقض العهد.. و التكبير:
و قد ورد في بعض النصوص: أنهم حين أبلغوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنقض بني النضير للعهد أظهر التكبير، و قال:

اللّه أكبر، حاربت يهود. و كبّر المسلمون بتكبيره‏ (1) كما تقدم: أن المسلمين باتوا يحاصرون بني النضير، و يكبرون حتى أصبحوا..

و نقول:

إن إظهار المسلمين للتكبير، و تكبير النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالذات أمر له دلالاته الهامة، و آثاره الظاهرة، و يتضح بعض ذلك ضمن النقاط التالية:

1-لقد كان من الطبيعي أن يتوقع اليهود: أن يواجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون نقضهم للعهد بكثير من القلق، و عدم الارتياح، بل و حتى بالخوف، و بالوجوم الناجم عن الإرتباك، و التزلزل..

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين قد قابلوا ذلك -و بسرعة غير متوقعة-بموقف لا يمكن أن يخطر لليهود على بال، الأمر الذي من شأنه أن يربكهم، و يوقعهم في حيرة، و يثير لديهم أكثر من

____________

(1) راجع في ذلك ما يلي: الثقات ج 1 ص 242 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57-58 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 20 ص 169 عنه و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 553 و زاد المعاد ج 2 ص 71 و تفسير الصافي ج 5 ص 154 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و المغازي للواقدي ج 1 ص 370 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264 و عمدة القاري ج 17 ص 126.

52

سؤال، ثم هو يزعزع ثباتهم، و يذكي مخاوفهم، بصورة كبيرة و خطيرة

2-إنه إذا كان يوجد فيما بين المسلمين من ينظر إلى اليهود نظرة إجلال و إكبار، و يكنّ لهم في نفسه قدرا من الثقة و الإحترام؛ فان معنى ذلك هو أن نشاطات المنافقين-و على رأسهم عبد اللّه بن أبي-في التخذيل عن حربهم، و الصد عن مواجهتهم، لسوف تجد مجالا واسعا، و لسوف تترك آثارها السلبية على تماسك الصف الإسلامي في مواجهتهم..

و لعل وجود أبناء للمسلمين في بني النضير لسوف يجعل اتخاذ موقف حازم ضدهم على درجة من الصعوبة بالنسبة لكثير من الآباء، و من يتصل بهم بسبب، أو بآخر.

و لأجل ذلك؛ فإن توفّر جو حماسي جماهيري، لسوف يضعف حالة التردد لدى هؤلاء و أولئك، و ينقلهم من أجواء الإنسياقات العاطفية، و الإندهاش و الإنبهار بالإنتفاخات غير الواقعية، التي تؤثر في نشوء حالة من التقديس غير المنطقي. -ينقلهم-إلى أجواء الشعور بالقوة، ثم التغلب على عوامل الضعف النفسي من خلال مساعدة العامل الداخلي، بعامل خارجي يعطيه القدرة على الصمود و التصدي، كما و يعطيه المناعة و المصونية من التأثر بعامل العاطفة منفصلا عن الإحساس بالمسؤولية، أو التأثر بعامل التوهمات، و التقديسات، التي لا ترتكز على الدليل المقنع، و لا تقوم على التأمل القاطع لكل الشبهات، و لكل التساؤلات المنطقية، التي يثيرها العقل الفطري السليم و الراشد..

و هكذا، فإن هذا العامل المساعد للإحساس الواقعي بالمسؤولية، و القادر على المواجهة الحازمة، القائمة على الدراية و العقل. لسوف يضعف من قدرة اليهود و المنافقين على التأثير في درجة التصميم على التصدي، أو التأثير في خلخلة الوضع الداخلي، و تمييع الموقف‏

53

بالإستفادة من عامل العاطفة أو عامل الإنبهار القائم على التخيل و التوهم غير المنطقي و لا المسؤول.

3-و إذا كان القرآن الكريم، و النبي الأمي «صلى اللّه عليه و آله» و كذا التاريخ الطويل الزاخر بالأحداث قد قدم للمسلمين صورة تكاد تكون واضحة عن الحالة الأخلاقية الذميمة لليهود، و عن طموحاتهم اللامنطقية و اللامشروعة و التي كانوا يدعمونها بتعاليم دينية مزيفة، و يعملون على تحقيقها بسياساتهم الخبيثة في مجال الإعلام و السياسة، و الإقتصاد، و كل نشاطاتهم الإجتماعية-إذا كان كذلك-فان صدق هذه النبوءة، المتمثل في بروز صفة الغدر و الخيانة فيهم على صعيد الواقع بصورة ملموسة و ظاهرة للعيان، لسوف يمسح عن أعين الكثيرين غبار الخداع و الانخداع، و لسوف يكون في ذلك آية أخرى تدل على صدق هذا النبي الأكرم، و على حقانية موقفه، و صواب سياساته منهم و يقطع من ثم كل عذر، و يزيل كل شبهة، فقد، تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ (1) ، وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ (2) . غ

نقض العهد و المؤامرة:
هذا، و نجد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتبر تآمرهم على حياته، و محاولتهم اغتياله، و إن لم ينجحوا في مجال تنفيذ ذلك، نقضا للعهد يبرر مواجهتهم بالموقف الصارم و الحازم.

و واضح: أن إغتيال القيادة الإسلامية هو أجلى مظاهر الخيانة، و أخطرها، و لا يجب أن ننتظر من الخائنين إعلانهم للحرب، و التصدي

____________

(1) البقرة: 256

(2) الكهف: 29.

54

الفعلي و الظاهر لها، كما ربما يفترضه البعض. غ

المعاهدات في الإسلام:
و يحدثنا التاريخ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عاهد بني النضير، كما عاهد غيرهم، و لعل أبرز عهد عقده هو عهد الحديبية، حيث أمر بكتابة نسختين للكتاب‏ (1) لأن بالكتابة يتم الحفاظ على النص، و يمكن الإلتزام به، و يكون مرجعا لا يمكن التشكيك و لا المراء فيه، فيما إذا ثار خلاف، و قد اعتبر الإسلام هذه العهود وسيلة لا يقاف الحروب، و للمنع من نشوبها، يتوفر للإنسان المسلم في ظلها حرية التعبير، و حرية العمل و الحركة كما سنرى.

و هذا بالذات هو السر في أننا نجد الإسلام قد أولى العهود و الإتفاقات أهمية بالغة، و رسم لها حدودها، و بين بوضوح تام مختلف الأصول و الأهداف التي لا بد من رعايتها، و الحفاظ عليها فيها.

و بديهي: أن دراسة هذا الموضوع بعمق، و الإلمام بجميع جوانبه إسلاميا و تاريخيا، يتطلب بذل جهد كبير، و يحتاج إلى دراسة مستقلة و منفصلة، و إلى وقت يتيح الفرصة للإطلاع على قدر كاف من الآيات الشريفة و النصوص الواردة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة «عليهم السلام» ، ثم دراسة المعاهدات التي عقدت في صدر الإسلام و ظروفها، و لا نجد أنفسنا قادرين على توفير ذلك في ظروفنا الراهنة. إلا أن ذلك لا يمنع من إيراد إلماحة سريعة، ترتكز-عموما-على بعض ما ورد في هذا المجال في خصوص نهج البلاغة، فنقول:

من عهد الأشتر:
قال «عليه السلام» في عهده لمالك الأشتر:

____________

(1) آثار الحرب في الفقه الإسلامي ص 659 عن السياسة الشرعية، للبنا.