الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج11

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
368 /
5

الجزء الحادي عشر

تقديم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للّه كما هو أهله، و الصلاة و السلام على خير خلقه، و أشرف بريته محمد و آله الطاهرين.

و بعد..

فإنني أقدم إلى القارى الكريم هذا الجزء من كتاب «الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم» و أتمنى عليه أن يتحفني بما يراه ضروريا في نطاق الإضافة أو التصحيح أو التوضيح لمطالب هذا الكتاب.

و أنني أعتذر سلفا للقارى الكريم عن أي نقص أو تقصير، و له مني وافر تقديري، و خالص شكري.

و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله..

جعفر مرتضى الحسيني العاملي‏غ

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الباب الثاني‏

غزوة بني قريظة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

آيات في غزوة بني قريظة

قيل: إن بعض الآيات قد نزلت في غزوة بني قريظة و هي:

قوله تعالى: اَلَّذِينَ عََاهَدْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَ هُمْ لاََ يَتَّقُونَ. `فَإِمََّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. `وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ، إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ (1) .

و قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ، وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ، وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً.

`وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ، وَ أَمْوََالَهُمْ، وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهََا، وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (2) .

صدق اللّه العلي العظيم. غ

خلاصات عن غزوة بني قريظة:

و نقدم هنا خلاصة عن غزوة بني قريظة، إذ بدون ذلك فسيكون من الصعب لملمة خيوطها من ثنايا ما قمنا به من بحوث موسعة نسبيا، فرضتها علينا التزاماتنا التي أخذنا على عاتقنا مراعاتها في هذا الكتاب.

____________

(1) سورة الأنفال/56-58.

(2) سورة الأحزاب/26 و 27.

10

و لسوف تكون هذه الخلاصة بمثابة عناوين عامة، و كليات لن يغني الاطلاع عليها عن الاطلاع على التفاصيل و المناقشات، و الاستفادات، و التحليلات التي رأينا من المناسب التعرض لها؛ حسبما اقتضاه الحال، و سمحت به المناسبة.

و ما نريد أن نلمح إليه هنا هو ما يلي:

إنه قد تقدم: أنه كان بين بني قريظة و بين رسول اللّه (ص) عهد فنقضوه، فأرسل رسول اللّه (ص) سعد بن معاذ و آخرين إليهم، لاستطلاع الأمر، فحاول سعد إقناعهم بالتخلي عن فكرة نقض العهد، فسمع منهم ما يكره. و لم يزدهم ذلك إلا استكبارا و إصرارا.

فلما انقضى شأن الأحزاب في الخندق، بالهزيمة الذليلة، بعد قتل فارسهم عمرو بن عبدود، و من عبر الخندق معه. عاد النبي (ص) و المسلمون إلى المدينة، فجاءه جبرئيل فورا، و أمره بالمسير إلى بني قريظة. و كان (ص) -على ما هو الأظهر-حينئذ في بيت فاطمة عليها السلام فدعا صلى اللّه عليه و آله و سلم عليا (ع) ، و أمره بالتقدم إلى بني قريظة في مجموعة من المسلمين. ففعل.

ثم أمر (ص) المسلمين بأن لا يصلّوا العصر، أو الظهر-على ما هو الأرجح-إلا في بني قريظة.

و سار (ص) على حمار عري، يقال له: يعفور، حتى نزل على بئر لبني قريظة، يقال له: بئر «أنّا» بأسفل حرة بني قريظة، و تلاحق به الناس.

و جاء المسلمون أرسالا، و وصل بعضهم بعد العشاء الآخرة.

و منهم من لم يكن قد صلى الظهر أو العصر-بعد.

و حاصر المسلمون بني قريظة أشد الحصار-و دعاهم صلى اللّه‏

11

عليه و آله في بادى‏ء الأمر إلى الإسلام؛ فأبوا-و استمر الحصار أياما قيل: عشرة أيام. و قيل أكثر من ذلك، و تصاعدت الأقوال إلى شهر.

و أرسل (ص) إليهم أكابر أصحابه، فهزموهم. فبعث عليا عليه السلام فكان الفتح على يديه. و كلموا رسول اللّه بالنزول على ما نزلت عليه بنو النضير، فأبى عليهم رسول اللّه ذلك. و أسلم ثعلبة، و أسيد أبناء سعية، و كذلك أسد بن عبيد، و انضموا إلى صفوف المسلمين.

و استشار بنو قريظة أبا لبابة في النزول على حكم النبي (ص) ، فأشار إليهم بيده إلى حلقه: إنه الذبح. فنزلوا على حكم سعد بن معاذ.

و زعموا: أن أبا لبابة قد تاب من ذنبه هذا، و ربط نفسه إلى سارية في المسجد حتى أنزل اللّه توبته، فحله رسول اللّه بيده. و لم يثبت لنا صحة ذلك، كما سنرى.

و حين نزلوا على حكم سعد، أمر بهم رسول اللّه (ص) فكتفوا، و جعلوا ناحية، و جعل النساء و الذرية ناحية.

و جاؤا بالأسرى إلى المدينة، و جعلوهم في دار أسامة بن زيد، و دار بنت الحارث.. و جعل السلاح و الأمتعة في دار بنت الحارث أيضا.

و كان عدد السبي من الذراري و النساء سبع مئة و خمسين. و قيل:

كانوا تسع مئة، و قيل: كانوا ألفا.

و كان سعد يداوى من جرحه في خيمة رفيدة أو كعيبة، فجاؤا به، و كلمه بعض الناس من الأوس في أمر العفو عن بني قريظة، فلم يجبهم. ثم أصدر حكمه بقتل من حزّب على رسول اللّه (ص) منهم.

فقال له رسول اللّه: حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة.

فقتل النبي (ص) من أنبت ممن حزّب عليه من بني قريظة. و أمر

12

(ص) بأخدود فخدّت، فضربت أعناقهم فيها، ثم رد عليهم التراب.

و كان علي عليه السلام هو الذي قتلهم مع رؤسائهم. و قيل: إن الزبير قد شاركه أيضا. و لا مجال لتأكيد ذلك. و قيل أيضا: إن الأوس قد شاركوا في عملية القتل هذه.

و قيل: إن نباته النضيرية، و أرفة بنت عارضة كانتا من جملة القتلى. و أسلم بعضهم، مثل رفاعة بن سموأل، فلم يقتل.

و قد اختلفت كلمات المؤرخين في عدد من قتل منهم، فبلغت ثلاثة عشرة قولا، تتراوح ما بين الثلاثمئة رجل، و الألف.

و يظهر من النصوص: أن بني قريظة لم يقتلوا كلهم، بل قتل منهم خصوص من حزّب على النبي و المسلمين.

أما من استشهد من المسلمين، فلعله لا يزيد على رجلين أو ثلاثة.

ثم جمعت أمتعتهم، و أخرج الخمس منها، ثم قسمت: للفارس سهمان، و للراجل سهم واحد. و كانت خيل المسلمين ستة و ثلاثين فرسا. أو ثمانية و ثلاثين.

أما السبي فبيع في من يزيد، ثم قسم ثمنه في المسلمين المشاركين في هذه الغزوة.

و بعث (ص) ببعض السبي إلى نجد، أو الشام فبيع هناك، و اشتري بثمنه سلاح و خيل، و قسم (ص) ذلك بين المسلمين.

و بعد أن انتهى أمر بني قريظة، انفجر جرح سعد بن معاذ، و دام نزفه حتى مات رحمه اللّه شهيدا، فكرّمه الرسول (ص) مزيد تكريم، و حزن عليه، و بكاه أبو بكر و عمر، و رثاه حسان بن ثابت. غ

13

الفصل الأول المسير إلى حصون قريظة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بداية
لقد انتهت حرب الأحزاب (الخندق) التي كان المسلمون فيها يعانون من الجوع، و السهر، و الخوف، و الاشفاق من مهاجمة ذراريهم و نسائهم من قبل أعدائهم. و كان من الطبيعي أن يتنفسوا الصعداء حين رأوا عدوهم يغادر أرضهم خائبا، خائفا، خاسئا. و كانوا يتمنون أن يصلوا إلى أهلهم، و ذويهم، و بيوتهم؛ ليرتاحوا من ذلك العناء الطويل.

و لكن هل يمكن لهم أن يطمئنوا على مصيرهم و مستقبلهم و إلى جوارهم أولئك الذين حزبوا الأحزاب، و رموهم بذلك البلاء العظيم، الذي كاد أن يقضي على الإسلام و المسلمين و يستأصل شأفتهم؟

و من جهة ثانية، ما هو الموقف الذي يمكن أن يتخذه النبي (ص) من بني قريظة الذين كانوا السبب في كل ما حصل؟

«و لو افترضنا: أن النبي (ص) جدد العهد معهم في تلك الفترة فما الذي يمنعهم من نقضه و الخروج عليه مرة ثانية كما فعلوا بالأمس، في حين أنهم لم يجدوا منه إلا الصدق و الوفاء كما اعترف بذلك زعيمهم حينما دعاه حيي بن أخطب للاشتراك مع الغزاة» (1) .

لقد كان منطق الحرب، و منطق الحذر يدعو إلى مهاجمتهم،

____________

(1) سيرة المصطفى ص 511.

16

لأنهم العدو القريب، الذي يتربص الدوائر بالإسلام و بالمسلمين و حربهم امتداد لحرب الأحزاب.. و أحد فصولها، التي لا بد من إنجازها.

و يبقى أن نشير إلى أن لا مجال لاحتمال أن يكون النبي (ص) حين رأى سرعة أصحابه للعودة إلى المدينة، قد فكر في أن يعطيهم فرصة للراحة فإنه لا مبرر لاحتمال كهذا وفق أي تقييم لما حدث و يحدث، فهذا الأمر الإلهي قد جاء ليظهر أن اللّه سبحانه يأبى أن يمهل الغدرة الفجرة، فربما يجدون أكثر من وسيلة للتملص و التخلص أو حتى لفرار البعض منهم.. من مواجهة الجزاء العادل لما اقترفته أيديهم.

و قد كان حيي بن أخطب و كعب بن أسد يتوقعون هذه الحرب فقد أخذوا العهد على حيي أن يدخل معهم في حصنهم و يصيبه ما أصابهم. غ

متى كانت غزوة بني قريظة: قد تقدم في أوائل الجزء التاسع من هذا الكتاب حديث عن تاريخ غزوة قريظة و الخندق. و قد رجحنا أنهما كانتا في السنة الرابعة للهجرة بل قال ابن حزم: «فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة متصلا بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة» (1) . و نحن نكتفي بما ذكرناه في ذلك الموضع فليراجعه من أراد. غ من هم بنو قريظة:
قريظة: «فخذ من جذام إخوة النضير. و يقال: إن تهودهم كان في

____________

(1) جوامع السيرة النبوية ص 156.

17

أيام عاديا أي السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له «قريظة» ؛ فنسبوا إليه.

و قد قيل: إن قريظة اسم جدهم» (1) .

«و ذكر عبد الملك بن يوسف في كتاب الأنواء له: أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي اللّه (ع) . و هو بمحتمل (كذا) فإن شعيبا كان من قبيلة جذام، القبيلة المشهورة. و هو بعيد جدا» (2) .

و لا يهمنا هنا تحقيق ذلك، و لا تتبع مصادره. غ

نقض قريظة للعهد:
و قد تقدم أنه كان بينهم و بين رسول اللّه (ص) صلح فنقضوه، و مالوا مع قريش. فوجه إليهم سعد بن معاذ، و آخرين، فذكّروهم العهد، فأساؤا الإجابة.

و يقول البعض: إن قوله تعالى: اَلَّذِينَ عََاهَدْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَ هُمْ لاََ يَتَّقُونَ، `فَإِمََّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. `وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ، إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ (3) . قد نزل في شأن بني قريظة، كما قاله مجاهد؛ فإنهم كانوا قد عاهدوا النبي (ص) على أن لا يضروا به، و لا يمالئوا عليه عدوا، ثم مالؤا عليه الأحزاب يوم الخندق، و أعانوهم عليه بالسلاح. «و عاهدوا مرة بعد أخرى، فنقضوا» (4) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33.

____________

(2) فتح الباري ج 7 ص 313 و وفاء الوفاء ج 1 ص 162.

(3) سورة الأنفال 56-58.

(4) مجمع البيان ج 4 ص 552 و البحار ج 20 ص 191 و راجع: الدر المنثور ج 3 ص 191 عن ابن أبي شيبة و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ-

18

و لم نجد فيما بأيدينا من نصوص تاريخية ما يدل على تكرر نقض العهد من بني قريظة. إلا ما رواه البخاري «عن ابن عمر قال: حاربت النضير و قريظة، فأجلى بني النضير، و أقر قريظة، و منّ عليهم. حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، و قسم نساءهم، و أموالهم و أولادهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي (ص) ؛ فأمنهم و أسلموا. و أجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، و هم رهط عبد اللّه بن سلام، و يهود بني حارثة، و كل يهودي بالمدينة.

و رواه أبو داود بنحوه، إلا أنه قال: حتى حاربت قريظة بعد ذلك، يعني بعد محاربتهم الأولى و تقريرهم.

و يؤخذ من ذلك: أن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل بني قريظة» (1) .

و روي عن الزهري، و مجاهد أن قوله تعالى: وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ قد نزل في بني قريظة (2) .

و روي أيضا: أنها نزلت في بني قينقاع‏ (3) .

و نقول:

إن الآية لا تنطبق على بني قريظة، لأنهم قد نقضوا العهد، و خانوا بالفعل، و الآية إنما تتحدث عن خوف النبي (ص) من خيانة قوم ما.

____________

ق-عن مجاهد باستثناء العبارة الأخيرة.

(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 309.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 191 عن أبي الشيخ عن الزهري. و عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن مجاهد. و أنساب الأشراف ج 1 ص 348 و راجع ص 309 عن الزهري.

(3) أنساب الأشراف ج 1 ص 348 و راجع ص 309.

19

و أما انطباقها على بني قينقاع فقد يكون له وجه، إذ أن ما فعلوه لا يصل إلى درجة ما فعله بنو قريظة، و لأجل ذلك جاء عقابهم أخف من عقاب أولئك.

على أننا نقول: إن الآية الكريمة و إن كانت قد نزلت في هذه المناسبة إلا أنها أرادت أن تعطي قاعدة عامة صالحة للانطباق في كل زمان. غ

آية نزلت في بني قريظة:
و قد روي عن مجاهد: أن قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ، وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ، وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً. `وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ، وَ أَمْوََالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهََا، وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (1) نزل في بني قريظة (2) .

و كذا روي عن قتادة (3) و سعيد بن جبير (4) .

و يؤيد ذلك بل يدل عليه: أن الضمير في «ظاهروهم» يعود إلى الذين كفروا في الآية السابقة، الذين هم الأحزاب، و الذين ظاهروا الأحزاب، و أنزلهم اللّه من صياصيهم، و قتل المسلمون فريقا منهم و أسروا فريقا، هم بنو قريظة بالذات.

____________

(1) سورة الأحزاب/26-27.

(2) الدر المنثور ج 5 ص 192 عن الفريابي، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و أنساب الأشراف ج 1 ص 348.

(3) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم.

(4) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن سعد.

غ

20

رؤيا كرؤيا عاتكة في بدر:
قالوا: لما انصرف المشركون من الخندق، خافت بنو قريظة خوفا شديدا، و قالوا: محمد يزحف إلينا. و كانت امرأة نباش بن قيس قد رأت‏ (1) -و المسلمون في حصار الخندق-الخندق ليس به أحد. و أن الناس تحولوا إليهم في حصونهم، فذبحوهم ذبح الغنم.

فذكرت ذلك لزوجها، فذكره للزبير بن باطا. فقال الزبير: ما لها، لا نامت عينها؟تولي قريش، و يحصرنا محمد، و التوراة؟و لما بعد الحصار أشد منه‏ (2) .

تعبير الرؤيا:
و نريد أن نسجل هنا:

1-أن الإنسان يهتم كثيرا بكل ما يمس مصيره و مستقبله و يتحرك حتى على أساس التخيل و التوهم لمواجهة أي احتمال قادم إليه من المجهول. فنجده يلتجى‏ء حتى لقارئة البخت التي يعلم أنها تكذب عليه، فإذا تكلمت بكلمات عامة و غائمة، تقولها عادة لكل إنسان؛ فإنه يتلقفها بلهفة، و بحساسية و شفافية متناهية، و يبدأ بتطبيقها على حاله و أحواله. فإذا قالت له مثلا: ستأتيك رسالة من صديق. تخيل أن فلانا الغائب هو الذي سيرسل إليه تلك الرسالة.

ثم إذا قالت له: هناك من يحسدك أو يكرهك، و هو أمر قد

____________

(1) أي رأت في منامها.

(2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 496/497.

ـ

21

يحدث لكل إنسان؛ فإنه يطبق ذلك على فلان أو فلان. و تضطرب الانفعالات في نفسه تجاهه.

و هكذا..

أما إذا كان الذي يأتيه من المجهول، و يلامس مستقبله و حياته و مصيره له درجة من الواقعية مهما كانت هزيلة و ضئيلة، فإن إحساسه بالخطر سوف يتعاظم إلى درجة كبيرة و خطيرة. و لسوف يؤثر على توازنه في حركته و في مواقفه. بل و قد يفقده ثقته بكثير من خططه المستقبلية، و يفسدها عليه.

و من الواضح: أن المنامات و الرؤى. قد أثبتت لها التجربة درجة من الواقعية، و لكنها درجة ضعيفة و خفيفة. و لكن هذا الإنسان يتعامل معها بجدية و باهتمام أكبر و أكثر مما تفرضه واقعيتها تلك.

و الذي يدل على واقعية الرؤيا، و أن لها تعبيرا، ما ذكره اللّه تعالى في سورة يوسف. و أن يوسف عليه السلام قد عبر الرؤيا لصاحبي السجن، ثم لملك مصر، و صدقت الرؤيا، و صدق يوسف عليه السلام.

هذا بالإضافة إلى رؤيا إبراهيم عليه السلام في قضية ذبح ولده إسماعيل عليه السلام.

2-إنه لا شك في أن للأحلام من حيث مناشئها حتى الكاذبة منها صلة بالواقع، بنحو أو بآخر. فالكاذبة لها صلة بالحالة النفسية و الجسدية للشخص؛ فقد تنشأ عن تأثير بعض المآكل أو المشاهدات، أو أي شي‏ء يواجهه الشخص في حال يقظته مما كان له أثر في النفس أو اختزنته ذاكرته، أو ما إلى ذلك.

و للصادقة صلة من نوع ما بالقوى الظاهرة و الخفية و النواميس الطبيعية المهيمنة التي تؤثر في مسيرة الحياة، إيجابا أو سلبا. و ليس‏

22

بمقدورنا تحديد حقيقة تلك القوى و لا تحديد نوع تلك النواميس، كما أننا لا نستطيع تحديد أبعاد، و مدى، و كيفية ذلك التأثير الذي يربط بين عالم الرؤيا، و عالم الواقع الخارجي الكوني و قواه و نواميسه.

و الذي يزيد في حيرتنا هو ما نجده من تأثير حقيقي لتعبير الرؤيا في الواقع الخارجي، و توجيهه باتجاه معين، لينتج واقعا محسوسا يختلف عن واقع محسوس آخر و أثر تعبير الرؤيا في إبعاد ذاك، ثم في حلول هذا مكانه.

فما هو نوع هذا التأثير، و مداه؟!و ما هي مقتضياته؟!و كيف تم ذلك؟و لماذا؟!كل ذلك و سواه لا يزال مجهولا لدينا، و ربما يبقى كذلك مجهولا، و المشيئة في ذلك كله إلى اللّه سبحانه.

3-و واضح أن رؤيا هذه المرأة القريظية، قد جاءت لتقدم إنذارا لأولئك الذين اعتادوا على نقض العهود و المواثيق، و لتريهم مصيرهم الذي ينتظرهم. و هي من الرؤى الصادقة، تماما كرؤيا عاتكة التي حصلت لها. قبل حرب بدر، فإنها هي الأخرى قد جاءت إنذارا لأهل مكة المشركين، و إقامة للحجة عليهم. بطريقة تلامس الوجدان الإنساني. و تثير ضميره، و تهزّه روحيا من الأعماق. غ

تزوير التاريخ:
يقول بعض المستشرقين عن قبيلة قريظة: «ظلت هذه القبيلة على الحياد فيما يتعلق بالعمل العسكري، و لكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد، و لو أنها وثقت من قريش و حلفائهم من البدو لانقلبت على محمد.

و قد هاجم محمد قريظة، بعد أن تخلص من أعدائه، ليظهر أن‏

23

الدولة الإسلامية الفتية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه.

و انسحبت قريظة إلى أطمها، و لم ترد على الهجوم بحماس. ثم أرسلت تطلب الاستسلام بنفس الشروط التي استسلم بها بنو النضير؛ فأجيبت: أن عليها أن تستسلم بدون قيد أو شرط.

فطلب اليهود استشارة أبي لبابة، فلبى نداءهم.

أما ما جرى بينهما، فلا يزال سرا الخ... » (1) .

و نقول:

إننا نسجل على هذا الكلام النقاط التالية:

1-إنه يظهر إن هذا الكاتب يريد تخفيف ذنب بني قريظة، و إبهام حقيقة تصرفاتهم، و ما صدر منهم؛ بهدف إظهار أن النبي (ص) قد ظلمهم و اعتدى عليهم، و عاقبهم عقوبة لا يستحقونها.

فهو يوحي: أن قريظة لم تنقلب على محمد، لأنها لم تثق بقريش و حلفائها!!

و هو يدعي: أنها لم ترد على الهجوم بحماس!!و انسحبت إلى أطمها.

و يدعي أيضا أن موقف قريظة لم يزد على أن كان موقفا مشبوها.

و قد هاجمها النبي؛ ليظهر أن الدولة الإسلامية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه!!و قريظة بزعمه قد عرضت الاستسلام بشروط قبلها النبي (ص) من بني النضير، لكنه رفضها من بني قريظة!!

بل كان (ص) -على حد زعمه-يريد أن تستسلم قريظة دون قيد أو شرط مع ما يتضمنه ذلك من معاني التحدي و العنفوان الإسلامي مع

____________

(1) محمد في المدينة، لمونتجمري وات ص 326.

24

الإمعان في إذلال قريظة و تحقيرها.

و هو يدعي كذلك سريّة ما جرى بين أبي لبابة و بني قريظة. ربما ليضفي-هذا القائل-المزيد من الغموض على حقيقة ما صدر من يهود قريظة، لأنه لا يصرح بتلاومهم على ما صدر منهم، و لا يصرح بمعرفتهم بحقيقة الحكم الذي سيصدر في حقهم. ليظهر أنهم قد أخذوا على حين غرة منهم. لينتج ذلك أنهم قد أخذوا خداعا و غدرا.

2-لقد ادعى ذلك المستشرق: أن ما صدر هو مجرد مفاوضات مع أعداء محمد (ص) ، لم تنته إلى اتفاق، و بقيت قريظة على ولائها، و لم تنقلب على محمد (ص) .

متناسيا حقيقة: أنهم نقضوا العهد، و أن النبي (ص) أرسل إليهم سعد بن معاذ، و آخرين ليقنعوهم بالعودة عن موقفهم، فرفضوا العودة عن نقض العهد، و أسمعوهم ما يكرهون.

و تناسى أيضا: أنهم كانوا قد أرسلوا من تحرّش بالنساء المسلمات في أطمهم، و قتلت صفية رحمها اللّه واحدا منهم.

ثم تناسى أنهم أرسلوا إلى قريش بأحمال الطعام، فاستولى المسلمون على القافلة، و جرى لهم معها قتال، و كان هناك جرحى.

و تناسى و تناسى.. إلى آخر ما هنالك من حقائق دامغة.

3-قد زعم هذا القائل أن قريظة انسحبت إلى أطمها، و لم ترد على الهجوم بحماس. مع أن بعض النصوص التاريخية تقول: إنهم قد ناجزوا المسلمين خارج حصونهم و ألحقوا بهم بعض الهزائم، كما سيأتي، فما معنى قوله: أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس..

إننا لا ندري من أين استنتج حقيقة أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس، و هم قد قاتلوا المسلمين بإصرار خارج حصونهم، ثم تحصنوا

25

في داخلها مدة طويلة-سيأتي أنها استمرت أياما كثيرة تراوحت الأقوال فيها ما بين عشرة أيام إلى شهر-و لم يفكروا بالاستسلام إلا بعد أن سمعوا عليا يقسم على أنه لن يرجع عنهم حتى يفتح اللّه عليه.

4-قوله: إن ما جرى بينهم و بين أبي لبابة قد بقي سرا، غير صحيح فقد ذكرنا موجزا عما جرى بينهم و بين أبي لبابة سيأتي في موضعه من هذا الجزء فراجع. غ

جبريل يأمر بالمسير إلى بني قريظة:
و تحدّثنا الروايات في مختلف المصادر التاريخية: أن النبي (ص) سار إلى بني قريظة عند منصرفه من الخندق. و ذلك يوم الأربعاء (كما ذكره الواقدي و غيره) لسبع بقين من ذي القعدة. و كانوا على بعض يوم من المدينة. و أضاف الواقدي: أنه انصرف عنهم لسبع خلون من ذي الحجة (1) .

و لما انصرف صلى اللّه عليه و آله من الخندق، و دخل المدينة، و وضع السلاح جاءه جبرئيل عليه السلام بأمر اللّه سبحانه في شأنهم بعد صلاة الظهر، فأمر (ص) المسلمين أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، كما ذكره البخاري و غيره‏ (2) .

____________

(1) راجع المصادر التالية: التنبيه و الاشراف ص 217 و المغازي للواقدي ج 2 ص 496 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء و عمدة القاري ج 17 ص 188.

(2) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و الوفا ص 695 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و الثقات ج 1 ص 274 و جوامع السيرة النبوية ص 152 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244/245 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 و نهاية الإرب ج-

26

و عن ابن إسحاق أنه (ص) أمر بلالا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (1) لكن ذكر مسلم و آخرون أنه (ص) قال: لا يصلين أحد الظهر (2) .

و يقولون: إنه (ص) بعث يومئذ مناديا ينادي: «يا خيل اللّه اركبي» (3) . غ

في بيت عائشة أم في بيت فاطمة؟!
و لتفصيل القول فيما تقدم نقول: قد ذكر المؤرخون أن جبرئيل جاء إلى النبي (ص) ، و هو في بيت عائشة فغسل رأسه، و اغتسل، و دعا بالمجمرة ليجمر، و قد صلى الظهر، فأتاه جبريل على بغلة... على ثناياه النقع، فوقف عند موضع الجنائز، فنادى: عذيرك من محارب.

____________

ق-17 ص 187 و وفاء الوفاء ج 1 ص 305 و الاكتفاء ج 2 ص 176 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224، و المغازي للذهبي ص 253 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 و 7.

(1) فتح الباري ج 7 ص 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9.

(2) راجع في ذلك: إرشاد الساري ج 6 ص 328/329 و عمدة القاري ج 17 ص 189/190 و فتح الباري ج 7 ص 313/314 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34 و 35 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 8 و إمتاع الاسماع ج 1 ص 242.

(3) عيون الأثر ج 2 ص 68 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

27

فخرج (ص) فزعا. فقال له جبرئيل: ألا أراك وضعت اللامة، و لم تضعها الملائكة بعد. لقد طردناهم إلى حمراء الأسد. إن اللّه يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم.

فدعا (ص) عليا إلخ‏ (1) .

و يقول نص آخر عن عائشة: سلّم علينا رجل، و نحن في البيت، فقام رسول اللّه (ص) فزعا. فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي. فقال:

هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة. قالت: فكأني برسول اللّه (ص) يمسح الغبار عن وجه جبريل (ع) (2) .

أو قالت: بينا هو عندي إذ دق الباب (أو: سمع صوت رجل) فارتاع لذلك رسول اللّه (ص) ، و وثب وثبة منكرة، و خرج، و خرجت في أثره، فإذا رجل على دابة، و النبي (ص) متكي على معرفة الدابة يكلمه فرجعت... فسألته عن ذلك الرجل، فأخبرها أنه جبرئيل‏ (3) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497، و راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر، و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241/242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10. و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و 332 و 333.

(2) راجع: عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 318 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 254.

(3) راجع: عيون الأثر ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 عن البيهقي و دلائل النبوة للأصبهاني ص 437 و مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 8 و 10 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225/226.

28

و نحن نرتاب في صحة هذه الروايات و أضرابها، و ذلك لما يلي:

أولا: هي مضطربة و متنافرة إلى حد كبير؛ و نشير إلى موردين فقط من موارد التنافر و الاختلاف هما:

1-أن عائشة تذكر: أنها خرجت في أثر رسول اللّه (ص) ، فرأته (ص) متكئا على معرفة دابة جبريل، فرجعت، فلما دخل النبي سألته عنه، فأخبرها.

لكن في رواية أخرى تقول عائشة: كأني أنظر إلى جبريل من خلل الباب، قد عصب رأسه العنان (الغبار) (1) .

و في نص ثالث: كأني أنظر إلى رسول اللّه يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية الكلبي يا رسول اللّه؟!فقال: هذا جبريل‏ (2) .

2-كان في بيت عائشة ساعتئذ، و هي تغسل رأسه و قد غسلت شقه، فجاءه جبريل‏ (3) .

مع أن ما تقدم آنفا يقول: فغسل رأسه و اغتسل، و دعا بالمجمر ليجمر، و قد صلى الظهر، فأتاه جبريل.

و في نص ثالث أنه وضع لأمته و اغتسل و استجمر (4) .

____________

(1) الوفا ص 694 و 697 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و 118 و 123 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و فتح الباري ج 7 ص 318 و راجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 171 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347.

(2) سيرة ابن إسحاق ص 397.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و راجع: ابن سعد ج 2 ص 75/76 و فيه:

أنه نادى في الناس: أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل فأتاهم عند الحصن.

(4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438-

29

ثانيا: ذكرت الروايات المتقدمة أنه (ص) كان حين جاءه جبريل في بيت عائشة، مع أن ثمة روايات أخرى تخالفها في ذلك، فلاحظ ما يلي:

1-إنه (ص) كان حين جاءه جبرئيل في بيت زينب بنت جحش و هي تغسل رأسه و في الدر المنثور: يغسل رأسه، و قد غسلت شقه إذ جاء جبرئيل فقال إلخ‏ (1) .

2-إنه (ص) قد كان في بيت أم سلمة (2) .

3-إنه (ص) كان حينئذ في بيت فاطمة عليها السلام، فقد قال الديار بكري: «و في رواية في بيت فاطمة» (3) .

قال الزهري و عروة: «لما دخل النبي (ص) المدينة، و جعلت فاطمة تغسل رأسه، إذ قال له جبريل: رحمك ربك، وضعت السلاح، و لم يضعه أهل السماء؟ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء» (4) .

و في نص آخر: «فضربت فاطمة ابنته غسولا، فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبريل على بغلة، معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق، معلق عليها الدر و الياقوت، عليه الغبار (5) ثم يذكر سائر ما تقدم في

____________

ق-و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 عن الطبراني و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9.

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن قتادة.

(2) راجع: زاد المعاد لابن القيم 2 ص 119.

(3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء.

(5) إعلام الورى ط سنة 1390 هـ. ق. ص 93 و البحار ج 20 ص 272/273 عنه.

غ

30

النص السابق.

و يؤيد هذا القول الأخير ما روي من أنه (ص) كان إذا سافر كان آخر عهده ببيت فاطمة، و إذا عاد من سفر، فإن أول ما يبدأ به هو بيت فاطمة (1) .

و المفروض: أن هذا الأمر قد كان فور عودته من حرب الخندق.

إلا أن يقال: إنه قد مرت فترة كبيرة تكفي لزيارة ابنته فاطمة، ثم انتقاله إلى بيت إحدى زوجاته: أم سلمة، أو زينب، أو عائشة. و هذا ما دعانا إلى اعتبار ذلك القول مؤيدا لا دليلا..

و نأمل أن لا يخفى على القارى الكريم أنه قد كان ثمة من يهتم بالتركيز على نقل خصوص ما يرتبط بعائشة، خصوصا إذا دخلت روايتها، أو روايتهم سيرة ابن إسحاق، أو ابن عقبة، أو الواقدي، أو الصحيحين، ثم يأتي الآخرون، و يقتصرون على نقل ما يجدونه في هذه

____________

(1) إحقاق الحق ج 10 ص 229-238 و ج 19 ص 105-107 عن الاستيعاب و مصادر كثيرة أخرى، و مستدرك الحاكم ج 1 ص 488 و ج 3 ص 155 و 156 و حلية الأولياء ج 2 ص 30 و ج 6 ص 123 و مقتل الحسين للخوارزمي ص 63 و 56 و ذخائر العقبى ص 37 و الجامع الصغير ج 2 ص 294 و ينابيع المودة ص 198 و إسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 189 و 190 و وفاء الوفاء ج 1 ص 331 و أعلام النساء ج 3 ص 1217 و سنن البيهقي ج 1 ص 26 و نظم درر السمطين ص 177 و تلخيص المستدرك للذهبي ج 3 ص 156 و كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 145 و مسند أحمد ج 5 ص 275 و مختصر سنن أبي داود ج 6 ص 108 و أهل البيت لتوفيق أبي علم ص 120. و عن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع و راجع: عوالم العلوم ج 11 ص 313 و البحار ج 43 ص 83 و ج 88 ص 93.

31

الكتب، التي تهتم بمنقولات عائشة، و ابن أختها عروة بن الزبير، و أضرابهما.

فيخيل-بعد هذا-للناظر في كتب التاريخ: أن القضية من المسلمات التاريخية، و أن ما عداها شاذ، لا يلتفت إليه.

و هذا الأمر ينسحب على كثير من القضايا التي حفلت بها كتب التاريخ، و تناقلتها على أوسع نطاق. فإذا راجعت و قارنت، و تتبعت المصادر، فستجد أنها تنتهي إلى مصدر واحد تقريبا في أكثر الأحيان.

و ثالثا: قد ذكرت عائشة: أنها رأت جبرئيل من خلل الباب قد عصب رأسه العنان، و سيأتي: أن كثيرين من الصحابة قد رأوه، و أن النبي (ص) قد أخبرهم أنه جبرئيل.

و لكن قد روي في المقابل: أن الذي يرى جبرئيل (ع) يبتلي بالعمى فما رآه أحد إلا طمست عيناه.

فلما ذا لم تبتل عائشة، و لا أحد من الصحابة بالعمى بسبب رؤيتهم جبرئيل؟!

و ستأتي الأحاديث الدالة على ذلك بعد الفقرة التالية. غ

المسلمون يرون جبرئيل:
و يقول المؤرخون: إن رسول اللّه (ص) خرج إلى بني قريظة فلما بلغ الصّورين‏ (1) (هو موضع قرب المدينة) قال: هل مرّ بكم أحد.

قالوا: نعم، مرّ بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء.

____________

(1) قال الشامي: الصوران: اسم للنخل المجتمع الصغار. موضع في أقصى بقيع الغرقد مما يلي طرف بني قريظة. سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 38.

32

فقال رسول اللّه (ص) : ذاك جبرئيل‏ (1) .

و في نص آخر: خرج (ص) فمر على مجلس من مجالس الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول اللّه (ص) ، فقال لهم: هل مر بكم الفارس آنفا؟ثم أخبرهم أنه جبرئيل و ليس دحية.

زاد في نص آخر قوله: أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، و يقذف في قلوبهم الرعب‏ (2) .

بل جاء في بعض الروايات ما يلي: «و تخلف النبي (ص) ، ثم لحقهم؛ فجعل كلما مر رسول اللّه (ص) بأحد، فقال: هل مر بكم الفارس؟!

فقالوا: مر بنا دحية بن خليفة، و كان جبرئيل يشبّه به» (3) .

و يقول نص آخر: «فخرج رسول اللّه (ص) فاستقبله حارثة بن نعمان. فقال له: ما الخبر يا حارثة؟

قال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.

____________

(1) الثقات ج 1 ص 274 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 69. و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247.

(2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 14 و 9 و 11 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 210 عنه و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء و البداية و النهاية ج 4 ص 118 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و السيرة الحلبية 2 ص 332. و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و الاكتفاء ج 2 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237 و 226 و 227 و 228 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 254/255.

(3) تفسير فرات ط سنة 1460 هـ. ق. ص 174 و البحار ج 20 ص 266 عنه.

33

فقال: ذاك جبرئيل» (1) .

غير أن نصا آخر يذكر: أنه (ص) مر بنفر من بني النجار بالصورين، فيهم حارثة بن النعمان، قد صفوا عليهم السلاح، فقال:

هل مر بكم أحد؟!

قالوا: نعم، دحية الكلبي... إلى أن قال: فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا و صففنا. و قال لنا: هذا رسول اللّه يطلع عليكم الآن.

قال حارثة بن النعمان: فكنا صفين. فقال لنا رسول اللّه: ذلك جبريل (بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم، و يقذف الرعب في قلوبهم) .

فكان حارثة بن النعمان يقول: رأيت جبريل من الدهر مرتين: يوم الصورين، و يوم موضع الجنائز، حين رجعنا من حنين‏ (2) .

و نقول:

إن الروايات المتقدمة تفيد أن الكثيرين من المسلمين خصوصا من بني النجار و كذلك حارثة بن النعمان قد رأوا جبريل، إما و هو ينادي في الناس، يأمرهم بالمسير إلى بني قريظة، أو حينما مرّ على مجالسهم، و طلب منهم أن يلبسوا السلاح لأجل ذلك.

قال ابن حزم: «رأى قوم من المسلمين يومئذ جبرئيل في صورة

____________

(1) تفسير القمي ج 2 ص 189/190 و البحار ج 20 ص 233/234.

(2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 498/499 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 11 و لم يذكر قول حارثة الأخير. و كذا في المصادر التالية:

تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

34

دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيفة، ثم مر عليهم دحية» (1) .

مع أنهم يروون: أن من يرى جبرئيل يصاب بالعمى، إذا لم يكن نبيا. و نذكر من هذه الروايات ما يلي:

1-روي: أنه رأى ابن عباس رجلا مع النبي (ص) ، فلم يعرفه.

فسأل النبي (ص) عنه. فقال له النبي (ص) : رأيته؟!

قال: نعم.

قال: ذلك جبرئيل. أما إنك ستفقد بصرك فعمي بعد ذلك في آخر عمره‏ (2) .

2-و روي أيضا: أن ابن عباس جاء إلى النبي (ص) و عنده رجل- قال: فقمت خلفه. فلما قام الرجل التفت إلي، فقال: يا حبيبي، متى جئت؟

قلت: منذ ساعة.

قال: فرأيت عندي أحدا؟!

قلت: نعم، الرجل.

قال: ذاك جبرئيل. أما إنه ما رآه أحد إلا ذهب بصره، إلا أن يكون نبيا. و أنا أسأل اللّه أن يجعل ذلك في آخر عمرك. اللهم فقهه في الدين، و علمه التأويل، و اجعله من أهل الإيمان‏ (3) .

____________

(1) جوامع السيرة النبوية ص 152 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 123.

(2) الاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 356 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه و راجع: المعجم الكبير ج 10 ص 292 و مجمع الزوائد ج 9 ص 276 عنه و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 299.

(3) تاريخ بغداد ج 14 ص 435 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه.

35

3-و روي: أن ابن عباس قال في عماه بسبب رؤية جبرئيل، و إخبار النبي (ص) له بذلك:

إن يأخذ اللّه من عيني نورهما # ففي لساني و قلبي منهما نور

قلبي ذكي و عقلي غير ذي دخل # و في فمي صارم كالسيف مأثور (1)

4-و في رواية أخرى: أن العباس أرسل ولده عبد اللّه إلى النبي (ص) في حاجة، فوجد عنده رجلا، فرجع و لم يكلمه، فلقي العباس رسول اللّه (ص) بعد ذلك، فذكر ذلك له: فقال (ص) : يا عم، تدري، من ذاك الرجل؟!

قال: لا.

قال: ذاك جبرئيل لقيني. لن يموت ولدك حتى يذهب بصره، و يؤتى علما (2) . غ

توضيح لا بد منه:
إننا أردنا بما تقدم تسجيل تحفظ على ما يذكرونه من رؤية الناس لجبرئيل.. لكن هذا التحفظ لا يعني أن يكون جبرئيل لم يقم بأي عمل في غزوة بني قريظة؛ إذ من الجائز أن يكون (ع) قد نادى في الناس، و سمعوا صوته، و يكون النبي (ص) هو الذي أخبرهم بأن هذا هو صوت جبرئيل، و ذلك كما حصل في أحد حين نادى:

لا فتى إلا علي # و لا سيف إلا ذو الفقار

____________

(1) الاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 2 ص 356 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه.

(2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 و مجمع الزوائد ج 9 ص 277 و قال: رواه الطبراني بأسانيد و رجاله ثقات.

غ

36

جبرئيل (ع) و النبي (ص) :
و مهما يكن من أمر فإن جبرئيل عليه السلام قال للنبي (ص) عن الأحزاب: ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1) .

أو قال له: لقد طردناهم إلى حمراء الأسد (2) .

ثم أمره بالمسير إلى بني قريظة، و في بعض النصوص أنه قال له:

إن اللّه يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم‏ (3) .

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 و إعلام الورى ص 93 ط سنة 1390 و البحار ج 20 ص 272/273 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492.

(2) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 4 و 9 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و تفسير فرات ط سنة 1410 هـ. ق. ص 174 و البحار ج 20 ص 266.

(3) سيرة مغلطاي ص 56 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 و 228 و 235 و 237 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 12 و البداية و النهاية ج 4 ص 16 و راجع ص 123 و الوفا ص 694 و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و 332/333 و الاكتفاء ج 2 ص 176 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و مسند أحمد ج 6 ص 141/142 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 255 و وفاء الوفاء ج 1 ص 305 و 306 و حدائق الأنوار ج 2 ص 594 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244 و عيون الأثر ج 2 ص 68 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و 23 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 241/242 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر. و المغازي للواقدي-

37

و في نص آخر أنه قال: و اللّه لأدقنهم دق البيضة على الصخرة (1) .

أو قال له: «اخرج و قد أمرت بقتالهم، و إني غاد بمن معي فنزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا؛ فأعطى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الراية، و خرج في إثر جبرئيل، و تخلف النبي (ص) ، ثم لحقهم، فجعل كلما مر إلخ... » (2) .

و يقول نص آخر: فجاء جبريل و من معه من الملائكة، فقال: يا رسول اللّه، انهض إلى بني قريظة.

فقال: إن في أصحابي جهدا (فلو أنظرتهم أياما) .

قال: إنهض إليهم، لأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم، ثم لأضعضعنهم‏ (3) .

قال: فأدبر جبريل و من معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار (4) و هم جيران

____________

ق-ج 2 ص 497 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10.

(1) إعلام الورى ص 93 ط سنة 1390 هـ. ق و البحار ج 20 ص 272/273.

(2) تفسير فرات ط سنة 1410 هـ. ق ص 174 و البحار ج 20 ص 266، عنه.

(3) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 77 ط صادر و فتح الباري ج 7 ص 313 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

(4) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق و راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 22 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 56 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 وفاء الوفاء ج 1 ص 306 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 437 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 253 و دلائل-

38

المسجد (1) .

و في نص آخر: أن جبرئيل (ع) قال للنبي (ص) إني قد قلعت أوتادهم، و فتحت أبوابهم، و تركتهم في زلزال و بلبال‏ (2) . غ

النبي (ص) يندب الناس إلى بني قريظة:
قال الطبرسي: فدعا رسول اللّه (ص) عليا، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة..

فقام علي عليه السلام، و معه المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد. و جعل النبي (ص) يسرب إليه الرجال، فما صلى العصر إلا بعد العشاء (3) .

و عند ابن شهر أشوب: «قدم عليا (ع) و قال: سر على بركة اللّه؛ فإن اللّه قد وعدكم أرضهم و ديارهم. و معه المهاجرون، و بنو النجار، و بنو الأشهل، و جعل يسرّب إليه الرجال.

فلما رأوه قالوا: أقبل إليكم قاتل عمرو؛ فقال علي (ع) : الحمد للّه الذي أظهر الإسلام، و قمع الشرك» (4) .

و عن عائشة: أنه (ص) بعث بلالا، فأذن في الناس: إن رسول اللّه (ص) يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة.

____________

ق-النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224.

(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 123.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

(3) إعلام الورى ط سنة 1390 هـ. ق ص 93 و بحار الأنوار ج 20 ص 272/273 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء.

39

و لبس رسول اللّه (ص) السلاح، و المغفر، و الدرع، و البيضة.

و أخذ قناة بيده، و تقلد الترس، و ركب فرسه (اللحيف) . و حف به أصحابه، و تلبسوا السلاح، و ركبوا الخيل‏ (1) .

و في نص آخر يقول: لبس (ص) لامته، و بيضته. و شد السيف في وسطه، و ألقى الترس من وراء كتفه، و أخذ رمحه، و ركب فرسه، و اسمه لحيف. و اجتنب فرسين‏ (2) .

و لم يتخلف عنه من المهاجرين أحد، و أفاء عامة الأنصار (3) .

و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم‏ (4) أو أبا رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين‏ (5) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و 498 و 499. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8-11 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241/242 و راجع أيضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و 333 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

(4) الوفا ص 695 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و نور اليقين ص 166 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 68 عنه و طبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط دار صادر و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 و البداية و النهاية ج 4 ص 116 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

(5) التنبيه و الإشراف ص 217.

ـ

40

و نحن نشير هنا إلى الأمور التالية:

الأول: قدّم راية المهاجرين:
تقدم أن النص المنقول عن الطبرسي يقول: إن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة. فقام علي (ع) و معه المهاجرون و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، إلخ.. و أن عامة الأنصار كانوا معه أيضا.

و نحن نشير هنا إلى ما يلي:

ألف: قد يدور بخلد البعض: أن هذا النص يهدف إلى الإيحاء بأن عليا كان في هذه الغزوة يحمل راية المهاجرين فقط، لا راية الجيش كله..

و نقول:

إن هذا لا يمنع من أن يكون لواء الجيش كله و رايته مع علي، بالإضافة إلى راية المهاجرين التي أعطاه رسول اللّه (ص) إياها أولا..

و مما يؤكد ذلك أن نفس الطبرسي قد صرح بأن الذين قاموا مع علي حين أعطاه راية المهاجرين هم المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها. و جعل رسول اللّه يسرّب.

و سيأتي ما يؤكد: أن راية الجيش و لواءه كان في بني قريظة مع علي عليه السلام.

و لعل سر تصريح النبي (ص) في بادي الأمر براية المهاجرين..

ثم ألحقها صلى اللّه عليه و آله براية الجيش كله هو ما يلي:

1-إنه صلى اللّه عليه و آله و سلم قد أراد أن يفهم بني قريظة:

41

أنهم إذا كانوا قد نقضوا عهده من أجل أن ينصروا أهل مكة في صراعهم معه. فإن هؤلاء أيضا من أهل مكة. و قد جاؤا لحربهم و قتالهم، و على رأسهم ابن شيخ الأبطح علي بن أبي طالب عليه السلام.

2-إنه إذا كان فريق من قبيلة الأوس يشعر بأن لبني قريظة معه علاقة من نوع ما، و لا بد من التعامل على أساس حفظ هذه العلاقة، و حفظ ما يترتب عليها من التزامات، فإن النبي (ص) سوف لن يواجههم بما يعتبرونه تفريطا بالتزاماتهم تلك، أو عدم احترام لها، أو قلة وفاء بها، إلا بعد أن تتكون لديهم هم أنفسهم القناعة الكاملة، بما يريد لهم أن يلتزموا بموقف محدد تجاهه.

و لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن هذا قد كان من أسباب بدئه بالمهاجرين في هذه الغزوة بإعطاء رايتهم لعلي (ع) ، كما أنه كان أيضا من أسباب تقديم النبي (ص) أهل بيته في الحروب، بالإضافة إلى أسباب أخرى ليس هنا محل التعرض لها.

كما أن هذا بالذات هو سبب إرسال سرايا المهاجرين في بداية الهجرة. حتى اقتنع الأنصار بأن مشاركتهم الحربية ليس فيها أي مساس بالتزاماتهم، و لا بما عقدوه مع الآخرين من عهود و عقود. كما أنه يعتبر من صميم التزاماتهم تجاه الإسلام و نبي الإسلام.

ب: قد تقدم مبادرة بني عبد الأشهل، و بني النجار كلهم، ثم لحوق عامة الأنصار بهم، حيث كان النبي (ص) يسرّبهم إلى علي عليه السلام و ذلك إن دل على شي‏ء فإنما يدل على مزيد من الوعي، و الإخلاص، و الإحساس بالمسؤولية لدى الأنصار بصورة عامة. غ

42

الثاني: حمراء الأسد أو الروحاء:
و قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة أيضا: أن جبرئيل عليه السلام قال للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1) .

و نحن نشك في صحة ذلك، لأن جبرئيل قد جاء إلى النبي ظهر اليوم الذي فر المشركون في ليلته، أو بعد الظهر بقليل. أي بعد فرار المشركين بنصف يوم أو أكثر بقليل. و لا يمكن للمشركين أن يقطعوا المسافة التي بين المدينة و بين الروحاء بهذه المدة القصيرة.

و ذلك لأن الروحاء كانت على بعد ليلتين من المدينة (2) . بينهما أحد و أربعون أو اثنان و أربعون ميلا (3) ، و قيل: ستة و ثلاثون‏ (4) . و قيل:

نحو أربعين‏ (5) و قيل: ثلاثون‏ (6) . و قيل: أربعة برد (7) .

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 و إعلام الورى ط سنة 1390 ص 93 و البحار ج 20 ص 272/273.

(2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

(3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

(4) راجع: معجم البلدان ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 87 و فيه: يوما. و هو خطأ. و الصحيح ميلا. و مراصد الاطلاع ج 2 ص 637 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1222 و عن صحيح البخاري كتاب البيوع، باب 111 و عن صحيح مسلم كتاب الصلاة ح 15.

(5) مراصد الاطلاع ج 2 ص 637 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1222 و معجم البلدان ج 3 ص 87 ط دار الكتب العلمية و فيه: يوما و هو خطأ. و الصحيح:

ميلا.

(6) المصادر المتقدمة.

(7) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

43

فالصحيح هو تلك الرواية التي تقول: إن الملائكة طردت المشركين حتى بلغوا حمراء الأسد (1) ، التي تبعد عن المدينة ثمانية أميال‏ (2) . غ

الثالث: على حمار، أم على فرس:
قد ذكر فيما سبق أنه (ص) ركب فرسه، و كان له (ص) ثلاثة أفراس كانت معه.

مع أنه قد روي عن أبي رافع: أن رسول اللّه (ص) غدا إلى بني قريظة على حمار عري، يقال له: يعفور. زاد في بعض المصادر قوله:

و الناس حوله. و عند ابن سعد: و الناس يمشون‏ (3) .

و في شمائل الترمذي: كان (ص) يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف ليف‏ (4) .

و قال اليعقوبي: و ركب حمارا له‏ (5) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و امتاع الأسماع ج 1 ص 24 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9. و تفسير فرات ط سنة 1410 هـ. ق ص 174 و بحار الأنوار ج 20 ص 266 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332. و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254.

(2) معجم البلدان ج 2 ص 346 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1196 و مراصد الاطلاع ج 1 ص 424.

(3) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، و امتاع الأسماع ج 1 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 11 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 76 ط صادر و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

(4) تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

(5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

غ

44

الرابع: من الذي نادى في الناس: علي، أم بلال؟!
و ذكر نص آخر ذكرناه فيما تقدم أيضا: أن النبي (ص) بعث بلالا، فأذن في الناس أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة.

بينما نجد نصا آخر يقول: إن قتادة بن النعمان أخبر النبي (ص) أن دحية ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.

فقال (ص) : ذاك جبرئيل، ادع لي عليا.

فجاء علي، فقال له: ناد في الناس ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فجاء أمير المؤمنين عليه السلام، فنادى فيهم، فخرج الناس، فبادروا إلى بني قريظة.

و خرج رسول اللّه (ص) ، و علي بن أبي طالب بين يديه مع الراية العظمى إلخ‏ (1) .

و إذا كنا نعلم: أن السياسة كانت تتجه إلى إعطاء كل الأدوار إلى الآخرين و تجاهل، بل و تزوير التاريخ لإبعاد علي عليه السلام عن الواجهة إلى درجة تجعل البعض يتخيل أنه لم يكن قد ولد بعد. فإننا ندرك السبب في أنهم يذكرون نصف هذا النص و يرددونه في كتبهم و صحاحهم، و يتجاهلون النصف الآخر، إلى درجة التجرؤ على استبدال علي عليه السلام ببلال. كما تقدم. فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا.

____________

(1) تفسير القمي ج 2 ص 189/190 و البحار ج 20 ص 233/234.

غ

45

الخامس: رواية لا تصح:
و عن الزهري، عن ابن المسيب، بعد أن تحدث عن هزيمة الأحزاب، قال:

«فندب النبي (ص) أصحابه في طلبهم. فطلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد. قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي (ص) لأمته، و اغتسل، و استجمر، فنادى النبي (ص) جبرئيل: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللامة، و لم نضعها نحن!!

فقام النبي (ص) فزعا؛ فقال لأصحابه: عزمت عليكم ألا تصلوا العصر حتى تأتوا بني قريظة. فغربت الشمس قبل أن يأتوها إلخ» (1) .

و نقول:

أولا: لا ندري لماذا قام النبي (ص) فزعا. مع أن المقام مقام طمأنينة مع وجود العنايات الربانية، و التسديد و التوجيه الإلهي، الذي يظهر جليا بمشاركة جبرئيل و الملائكة في هذه الحرب.

إلا أن يكون (ص) قد خشي من أن يكون قد ارتكب شيئا من التقصير في مطاردة أعداء اللّه، و القضاء على مصدر الشر و الانحراف و حاشاه أن يقصّر!!

ثانيا: إن معظم المسلمين حين جلاء الأحزاب قد تنفسوا الصعداء، و بادروا إلى التوجه نحو المدينة، مخالفين بذلك أمر رسول اللّه (ص) . كما قدمناه في أواخر الجزء التاسع. فما معنى القول: إنهم

____________

(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 و راجع: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 و أشار إليه في مجمع الزوائد ج 6 ص 140 عن الطبراني.

46

طلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد؟!

ثالثا: قد تقدم آنفا: أن جبرئيل و الملائكة (ع) هم الذين طاردوا المشركين إلى حمراء و الأسد و الروحاء (1) و لعل الأمر قد اشتبه على ابن المسيب بين غزوة الأحزاب و غزوة أحد، فإن المسلمين إنما طاردوا المشركين إلى حمراء الأسد في غزوة أحد لا الأحزاب. غ

السادس: لماذا لم يعنف (ص) تاركي الصلاة؟:
قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن المسلمين اجتمعوا عند النبي (ص) عشاء، فمنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة، و منهم من قد صلى، فذكروا ذلك لرسول اللّه (ص) ؛ فما عاب أحدا منهم. و في بعض النصوص: أن صلاة العصر حانت و هم في الطريق فذكروا الصلاة، فاحتج الذين لم يصلوا بقول النبي (ص) لهم: لا يصلين أحد العصر، أو الظهر إلا في بني قريظة (2) .

____________

(1) راجع الهوامش التي تقدمت تحت عنوان: جبرئيل و النبي. و تحت عنوان:

في بيت عائشة أم في بيت فاطمة. و تحت عنوان: حمراء الأسد أو الروحاء.

(2) راجع: فيما تقدم المغازي للواقدي ج 2 ص 500 و جوامع السيرة النبوية ص 152 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و 114 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و ص 246 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 76 و السير النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و 14 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 و 245 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 210 عنه و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225-228 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و 119 و الروض الأنف ج 3 ص 281 و حدائق الأنوار ج 2 ص 594 و المصنف للصنعاني ج 5 ص-

47

و قد اختلفت الكلمات في توجيه ذلك، و نحن نجمل أولا ما ذكروه، ثم نشير إلى بعض النقاط التي تفيد في تأييد أو تفنيد ذلك؛ فنقول:

1-قد ذكر البعض: أن عدم تعنيفه (ص) لأولئك الذين تركوا صلاة العصر إنما هو لأنهم أدركوا أن قيام الدولة الإسلامية، و العمل له ألزم من الصلاة، مع ما لها من مكانة في الإسلام؛ لأنها إن أقيمت دولة الإسلام أقيمت الصلاة، و سائر تعاليم الإسلام‏ (1) .

و نقول:

إن هذا الكلام لا يصح، و ذلك لما يلي:

أولا: إنه حين لم يعب أحدا منهم، فأما أن يكون الفريقان معا على صواب، و هذا غير معقول. أو يكون أحدهما مصيب و الآخر مخطى‏ء. فاللازم في هذه الحالة هو تعليم المخطى‏ء و إرشاده إلى الخطأ الذي وقع فيه.

ثانيا: لو صح هذا الكلام لكان بوسع كل من يسعى لإقامة دولة إسلامية أن يترك الصلاة ما دام يعمل في هذا السبيل.

بل كان له أن يترك سائر شعائر الإسلام، و أحكامه، إذا جاز له

____________

ق-370 و مجمع الزوائد ج 6 ص 140 و بهجة المحافل ج 1 ص 272/273 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 253 و 254 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8-10 و 33-35 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 173 و صحيح مسلم ج 5 ص 162 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6- 8 و 12 و الاكتفاء ج 2 ص 177 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و الثقات ج 1 ص 274 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 314.

(1) التفسير السياسي للسيرة ص 279-280.

48

ترك عمود الدين، للعلم القطعي بعدم خصوصية للصلاة في هذا المورد..

2-و ذكر البعض توجيها آخر، لما ذكروه من عدم تعنيف النبي صلى اللّه عليه و آله لمن صلى. و لمن ترك الصلاة.

فادّعى: أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، و امتثال الأمر في المحافظة على الوقت، و إنما لم يعنف (ص) الذين أخروها: لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، و لأنهم اجتهدوا فأخروا امتثالا للأمر، لكنهم لم يصلوا إلى أن يكونوا في أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى‏ (1) .

و عبارة البعض هنا تقول: «إن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي (ص) : لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة، المبادرة بالذهاب إليهم، و أن لا يشتغل عنه بشي‏ء لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه، من حيث أنه تأخير.

فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى، لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت. و أخذ آخرون بظاهر اللفظ و حقيقته، فأخروها.

و لم يعنف النبي (ص) واحدا من الفريقين لأنهم مجتهدون‏ (2) .

و نقول تعليقا على ذلك:

إننا نرى: أن سبب عدم عيب النبي صلى اللّه عليه و آله من ترك

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494.

(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98.

49

صلاته ليس هو ما ذكره هؤلاء و لا يمكن استفادة ضابطة و لا تأسيس أي من القواعد التي استفادوها، و أسسوا و بنوا عليها، استنادا إلى فهمهم المنقول عنهم آنفا؛ لأنه فهم خاطى، و لا مبرر له.

بل السبب في أن النبي (ص) ما عاب، و لا عنف، و لا لام أحدا منهم على ذلك هو أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم قد عذرهم بفهمهم الخاطئ لمرمى كلامه، رغم وضوحه و ظهوره. و ذلك إن دل على شي‏ء، فإنه ليس فقط لا يدل على اجتهادهم المدّعى. بل هو يدل على تدن خطير في مستوى تفكيرهم، إلى درجة يلحقهم بالقاصرين، الذين يعذرون فيما يأتونه و يرتكبونه عن جهل و قصور.

فقد كان من الواضح: أنه صلى اللّه عليه و آله حين أمرهم بالمسير إلى بني قريظة على النحو المتقدم، إنما أراد منهم الإسراع في ذلك إلى درجة أن لا يصلّوا العصر إلا في بني قريظة، أي أنه صلى اللّه عليه و آله يريد منهم أن يصلوا إليها حينما يحين وقت صلاة العصر، أو قبل ذلك.

و هذا بالذات هو الذي فهمه الذين صلوا في الطريق، كما ذكره البعض‏ (1) . لا أنه صلى اللّه عليه و آله أراد أن يسقط عنهم الصلاة في خارج منطقة بني قريظة.

و الذين صلوا في الطريق كانوا-فيما يظهر-هم الفئة الأكثر وعيا، و تفهما للكلام في مداليله اللغوية و العرفية.

3-أما ابن حزم فقد قال: «أما التعنيف، فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية، و هو يعلم أنها معصية، و أما من تأول للخير، فهو-

____________

(1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 227 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و 34 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و فتح الباري ج 7 ص 315 و أول ص 316.

غ

50

و إن لم يصادف الحق-غير معنف. و علم اللّه أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة، و لو بعد أيام.

و لا فرق بين نقله (ص) صلاة في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، و بين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، و صلاة العصر من يوم عرفة إلى وقت الظهر. و الطاعة في ذلك واجبة (1) .

و نقول:

لقد غلط ابن حزم هنا غلطا فاحشا، و ذلك لما يلي:

أولا: اعتبر أن النبي صلى اللّه عليه و آله قد نقل صلاة العصر إلى بني قريظة، بحيث لو لم يذهبوا إلى بني قريظة إلا بعد أيام لتركوا صلاة العصر في كل تلك الأيام. و لو كان ابن حزم معهم لفعل مثل فعلهم أيضا.

مع أن النبي (ص) لم ينقل الصلاة، بل أمرهم بالإسراع في الحضور إلى بني قريظة، بهذا الأسلوب. بحيث لو تأخر بعضهم عمدا، أو انصرف عن الذهاب عصيانا، أو لعذر فإن صلاة العصر لا تسقط عنه، بل تبقى واجبة عليه، و عليه أن يصليها في مكانه أينما كان. و لو أن ابن حزم فعل غير هذا لكان هو الآخر مخطئا، كما أخطأ ذلك الفريق من الصحابة في تركهم الصلاة في وقتها.

و ثانيا: لقد ناقض ابن حزم نفسه حين أشار إلى أن الذين أخروا صلاتهم، قد تأولوا قصدا للخير، و إن لم يصادفوا الحق. ثم اعتبر-من جهة أخرى-أن صلاة العصر لم تكن واجبة عليهم إلا في بني قريظة.

و ثالثا: لماذا التزم ابن حزم باختصاص هذا الحكم بصلاة

____________

(1) جوامع السيرة النبوية ص 152/153 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 118.

51

العصر، أو الظهر، و لا يتعداها إلى غيرها، مع أن ما ذكره من التعليل بالتأويل قصدا للخير يقتضي تعميم ذلك. كما أن تصريحه بنقل الصلاة إلى بني قريظة يجعل الحكم مختصا بصلاة العصر في ذلك اليوم فقط.

و رابعا: قد ادعى: أن صلاة المغرب قد نقلت ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، و أن صلاة العصر قد نقلت يوم عرفة إلى وقت الظهر.

و إن صلاة العصر قد نقلت يوم بني قريظة إلى بني قريظة. مع أن وقت المغرب مستمر إلى ما قبل منتصف الليل بقليل، و تختص هي في أول المغرب بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها و بين العشاء إلى ما قبل منتصف الليل بمقدار أربع ركعات و هو يختص بالعشاء.

كما أن الظهر تختص في أول الزوال بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها و بين العصر إلى ما قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات التي هي خاصة بالعصر.

غير أن وقت فضيلة الظهر و زيادة المثوبة عليها يمتد إلى حين يصير ظل كل شاخص مثله، و وقت فضيلة العصر و زيادة المثوبة عليها تمتد إلى أن يصير ظل كل شي‏ء مثليه.

و يؤيد ذلك، بل يدل عليه قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ، وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً (1) .

فإنه تعالى لم يذكر في كتابه الكريم إلا ثلاثة أوقات للصلاة، و لا ينطبق ذلك إلا على التقدير الذي ذكرناه آنفا.

و خامسا: إن كلام ابن حزم لو سلمناه، فإنما يصح لو كانت قد فاتتهم صلاة العصر فقط: أما لو كان الفائت هو صلاتا الظهر و العصر

____________

(1) الإسراء/78.

52

معا. كما في بعض الروايات و كان النبي (ص) قد قال لهم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فلا يستطيع ابن حزم أن يثبت نقل كلا الصلاتين إلى بني قريظة. لأن المذكور في كلامه (ص) هو إحداهما أما الأخرى و هي العصر، فإنه لم يصرح بنقلها، فكيف تركوها..

و النصوص التي هي محط نظرنا هي التالية:

في البخاري-في جميع الروايات-: لا يصلين أحد العصر. و في مسلم: الظهر. مع اتفاقهما على روايتهما عن شيخ واحد، بإسناد واحد (1) .

و وافق البخاري أبو نعيم، و أصحاب المغازي، و الطبراني، و البيهقي في دلائله‏ (2) و الإسماعيلي.

و وافق مسلما: أبو يعلى، و ابن سعد (3) ، و أبو عوانة (4) ، و ابن حبان‏ (5) .

و قد جمع البعض بينهما باحتمال أن يكون بعضهم كان قد صلى الظهر قبل الأمر بالذهاب و بعضهم لم يصلها؛ فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر. و لمن صلاها: لا يصلين أحد العصر.

أو أن طائفة منهم راحت بعد طائفة؛ فقيل للطائفة الأولى:

الظهر. و للتي بعدها: العصر.

____________

(1) راجع: هامش كتاب الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 321.

(2) راجع: ج 4 ص 8.

(3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 76.

(4) مسند أبي عوانة ج 4 ص 173.

(5) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 320/321.

53

قال ابن حجر: و كلاهما جمع لا بأس به.

لكن يبعده اتحاد المخرج؛ لأنه عند الشيخين بإسناد واحد، من مبدئه إلى منتهاه؛ فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده قد حدّث به على الوجهين؛ إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، و لم يوجد ذلك.

و قيل: في وجه الجمع أيضا: أن يكون صلى اللّه عليه و آله قال لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبا: لا يصلين أحد الظهر. و قال لغيرهم: لا يصلين أحد العصر (1) .

هذا كله، مع العلم بأن المسافة إلى بني قريظة لم تكن بعيدة بل كانت لا تحتاج إلى أكثر من ساعتين من نهار، كما سنرى. غ

استفادات و دلالات:
قد ذكروا أنه يستفاد من هذا التشريع أعني جواز ترك الصلاة استنادا إلى اجتهاد أو فهم مشابه-يستفاد-الأمور التالية:

1-إن الخطأ مرفوع عنه الإثم، كما قال (ص) : رفع عن أمتي الخطأ و النسيان‏ (2) .

____________

(1) راجع المصادر التالية: إرشاد الساري ج 6 ص 328/329 و عمدة القاري ج 17 ص 189/190 و فتح الباري ج 7 ص 313/314 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33 و 34 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332.

(2) خاتم النبيين ج 2 ص 951 و فتح الباري ج 7 ص 315 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34.

54

2-إن هذا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير (1) .

3-إن هذا منه (ص) تقرير لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية.

4-إن المتخالفين في الاجتهاد معذوران، و مثابان «سواء قلنا:

إن المصيب واحد، أو متعدد» (2) .

5-إن استئصال الخلاف في مسائل الفروع، التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم.

حكمة ذلك كله هو أن تكون الاجتهادات المختلفة وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا، ليمكن للمسلمين أن يأخذوا بأيها شاؤوا حسب ظروفهم و مصالحهم. و هذا من مظاهر رحمة اللّه لهم‏ (3) .

6-في هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. و في حكم داود و سليمان في الحرث أصل لهذا الأصل أيضا.

و لا يستحيل أن يكون الشي‏ء صوابا في حق إنسان. و خطأ في حق غيره. فيكون من اجتهد في مسألة؛ فأدّاه اجتهاده إلى التحليل مصيبا في استحلاله، و آخر اجتهد فأداه اجتهاده و نظره إلى تحريمها مصيبا في تحريمها. و إنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين. في حق شخص واحد» (4) .

و قال ابن الديبع: «و في ذلك فسحة للمجتهدين رضي اللّه عنهم،

____________

(1) خاتم النبيين ج 2 ص 351.

(2) فقه السيرة للبوطي ص 307/308.

(3) المصدر السابق.

(4) الروض الأنف ج 3 ص 281 و فتح الباري ج 7 ص 315 و راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 334.