الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج22

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
340 /
5

الجزء الثانى و العشرون‏

تتمة القسم التاسع‏

الباب الثاني فتح مكة

الفصل الأول: هكذا تحرك من مرّ الظهران‏

الفصل الثاني: دخول مكة

الفصل الثالث: القتال في مكة

الفصل الرابع: منزل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و جوار أم هاني‏

الفصل الخامس: ما جرى لأبي قحافة

الفصل السادس: طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و تحطيم الأصنام‏

الفصل السابع: النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة

الفصل الثامن: الخطبة الأولي في مكة

الفصل التاسع: مفتاح الكعبة.. و البيعة في مكة

الفصل العاشر: أحداث.. و متابعات‏

6

-

7

الفصل الأول:

هكذا تحرك من مرّ الظهران‏

8

-

9

الإعلان بالأمان:
قال أبو سفيان و حكيم بن حزام: يا رسول اللّه، ادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش و كفت أيديها آمنون هم؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم» .

قال العباس: قلت: يا رسول اللّه!!قد عرفت أبا سفيان و حبه الشرف و الفخر، فاجعل له شيئا.

و عن أبي سلمة و يحيى بن عبد الرحمن: أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب السماع، يعني الشرف انتهى.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» .

فقال: و ما تسع داري؟

زاد ابن عقبة: «و من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» -و دار أبي سفيان بأعلى مكة، و دار حكيم بأسفلها- «و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن» .

فقال أبو سفيان: و ما يسع المسجد؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : «و من أغلق بابه فهو آمن» .

10

فقال أبو سفيان: هذه واسعة (1) .

و قال الحلبي الشافعي: «عقد «صلّى اللّه عليه و آله» في المسجد لأبي رويحة-الذي آخى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينه و بين بلال-لواء، و أمره أن ينادي: و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. أي و إنما قال ذلك لما قاله له أبو سفيان: و ما تسع داري؟و ما يسع المسجد» ؟ (2) .

و في نص آخر: أن العباس أخذ أبا سفيان فأباته عنده، فلما أصبح و سمع الأذان سأل العباس عنه، فأخبره، ثم أمره العباس بأن يتوضأ و يصلي... و علمه الوضوء.. ففعل.

فلما صلى غدا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إني أحب أن تأذن لي إلى قومك، فأنذرهم، و أدعوهم إلى اللّه و رسوله، فأذن له.

فقال العباس: كيف أقول لهم؟!بيّن لي من ذلك أمرا يطمئنون إليه!!

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «تقول لهم: من قال: لا إله إلا اللّه وحده لا

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن عقبة، و قال في هامشه: أخرجه الطبراني في الكبير 8/9 و انظر المجمع 6/172 و أخرج صدره مسلم في الجهاد باب (31 و 84 و 86) و أبو داود في الخراج باب (25) و أحمد 2/292 و 538 و البيهقي 6/234 و 9/117 و 118 و 171 و الطبراني في الكبير 8/9 و ابن أبي شيبة 14/475 و عبد الرزاق (9739) و الطبراني في الصغير 2/72 و الدار قطني 3/60 و الطحاوي في المعاني 3/321 و البيهقي في الدلائل 5/32 و 37 و 56 و السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 80.

11

شريك له، و شهد أن محمدا رسول اللّه، و كف يده فهو آمن، و من جلس عند الكعبة و وضع سلاحه فهو آمن» .

فقال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» .

قال أبو سفيان: داري؟

قال: دارك.

ثم قال: «و من أغلق بابه فهو آمن» (1) .

و نص آخر يقول:

و جاء حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلما و بايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين يديه إلى قريش، يدعوانهم إلى الإسلام.

و قال: من دخل دار أبي سفيان-و هو بأعلى مكة-فهو آمن، و من دخل دار حكيم-و هو بأسفل مكة-فهو آمن، و من أغلق بابه و كف يده فهو آمن‏ (2) .

و نقول:

إن في هذه النصوص العديد من الإشارات و الدلالات، نذكر منها ما يلي:

____________

(1) البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى.

(2) مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 104 و تاريخ الخميس ح 2 ص 81.

12

هل هذا تشريف لأبي سفيان؟!:
قد كان مما أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي سفيان: أن جعل الأمان لمن دخل داره، لأن أبا سفيان يحب التفخيم و الذكر، كما قاله العباس رحمه اللّه.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان قد أنعم لأبي سفيان بهذا الأمر و أعطاه إياه بيد، و لكنه عاد فأخذه منه باليد الأخرى، بأسلوب رصين يجعل الناس يدركون للتوّ: أنه مجرد إجراء شكلي ليس له مضمون تشريف و لا تكريم، لأنه:

1-أعطى مثل ذلك لحكيم بن حزام أيضا.

2-ساوى بين دخول دار أبي سفيان، و بين اللجوء إلى راية الأمان، التي جعلها مع أبي رويحة.

3-ساوى أيضا بينه و بين أية دار في مكة يدخلها صاحبها، و يغلق بابها على نفسه.

4-ساوى بين ذلك و بين أن يضع الإنسان سلاحه، و يكف يده، ليكون ذلك إشارة إلى مجرد اتخاذ وضع غير قتالي.

و بذلك يتضح: أن أبا سفيان ليس فقط لم يحصل على ما أراد من الذكر و الفخر، و إنما أخذ منه ما كان قد استلبه بغير حق.. لأن المساواة بين دخول داره و بين دخول دار أي إنسان في مكة، ثم بين ذلك و بين أن يكف الإنسان يده و يضع سلاحه فيها حط من المقام الذي جعله أبو سفيان لنفسه، و جعله كأي إنسان آخر من أهل مكة..

و ذلك بعد أن جعله أيضا مثل حكيم بن حزام.. الأمر الذي لا يرضاه‏

13

أبو سفيان، و لا يقرّ به له.

و لا بد من أن يرضي ذلك ابن حزام، و ربما تذهب به الأوهام إلى أبعد من ذلك، إذا كان يذكي لديه الطموح لمنافسة أبي سفيان، أو لعدم الإقرار له بالتفرد في الزعامة على الأقل.. و من شأن هذا أن يزعج أبا سفيان، و يؤرقه في مضجعه أيضا.

إستجداء بعد الإستغناء:
لقد كان أبو سفيان طيلة حوالي عشرين سنة يسعى لإطفاء نور اللّه، مدّعيا لنفسه مواقع الشرف و الكرامة، متخذا من هذا الفعل المخزي و المشين سبيلا للمجد و الذكر و الفخر، و شيوع الذكر.

و لكنه بين ليلة و ضحاها أصبح يستجدي شيئا من الذكر، و ما يوجب له الفخر من نفس هذا العدو الذي لم يزل يحاربه إلى تلك اللحظة، و لو قدر على شي‏ء من ذلك لما تردد فيه..

فما هذه الدنيا التي تذل حتى أشد الناس حبا لها، و لا تعطيهم شيئا إلا أن يدفعوا ثمنه أعز شي‏ء لديهم، و أغلاه عليهم؟!

حفظ حرم اللّه تبارك و تعالى:
و لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن إعلان الأمان لأهل مكة، و كذلك سائر المواقف و السياسات النبوية في مسيره «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، تظهر بما لا مجال معه لأي شبهة و ريب: أن المطلوب هو: أن لا تراق أية قطرة دم في حرم اللّه تبارك و تعالى..

و لا بد من أن يقارن الكثيرون من أهل مكة و غيرهم بين هذه السياسة

14

مع صناديد قريش و كل رجالها، و بين ما فعله أهل مكة أنفسهم بالخزاعيين الأبرياء من الصبيان، و النساء، و الرجال الضعفاء. في حين أن قريشا لو تمكنت من الحرب لأبادت هذا الجيش القادم بأكمله في نفس بيت اللّه و حرمه..

وضوء و صلاة أبي سفيان:
و قد أظهر النص المتقدم عن البحار عن إعلام الورى: أن أبا سفيان قد توضأ و صلى مع المسلمين.

و نقول:

إن ذلك لا مجال لقبوله، إن كان أبو سفيان على شركه إلى تلك اللحظة، كما ذكرته بعض الروايات، فإنه إنما أسلم بعد ما بات عند العباس..

و إن أخذنا برواية البحار و إعلام الورى، و قلنا: بأنه قد أسلم ليلا، ثم سلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى العباس ليبيت عنده، فلما أصبح رأى أذان المسلمين و صلاتهم، فصلى معهم.. فلا غبار على الرواية التي نتحدث عنها من هذه الجهة..

إلا أن يقال: إنه قد بات ليلة أخرى غير الليلة التي أخذ فيها، و كان قد أسلم نهارا، و هو إنما توضأ و صلى في صبيحة الليلة الثانية، فلا يبقى إشكال في قولهم: إنه توضأ و صلى، حتى على القول الأول.

الدعاة الجدد إلى الإسلام:
و في النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام يدعوان الناس في مكة إلى الإسلام، بل فيها: أن‏

15

أبا سفيان نفسه قد تبرع بذلك، لكنه كان على جهل تام بما يريد قوله، فطلب أن يعلموه ما يقول للناس في ذلك، فعلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يطلب من الناس النطق بالشهادتين.

و نقول:

إن هؤلاء و هم رؤوس الشرك يمكن أن يساهموا في إطفاء نار الحرب، و حمل الناس على ترك القتال.. لأن ذلك يحفظ أرواح الناس، خصوصا إذا كانوا من أهلهم، و عشيرتهم، أو من أحبائهم و أصدقائهم، أو من حلفائهم.

و يمكن أن يقدموا على ذلك من منطق الحفاظ على حرمة البيت و الحرم، و لأجل حفظ ماء وجههم أمام الآخرين.. لا لأجل أن للحرم قداسة حقيقة في نفوسهم.

و لكننا لا يمكن أن نصدق: أن رؤوس الشرك يطلبون أن يكونوا دعاة للناس للدخول في هذا الدين، إلا على أساس أنه نفاق و استغلال، لا سيما و أنهم كانوا لا يزالون يحاربون هذا الدين للحظات خلت. بل إن أبا سفيان قد ما طل و سوّف و لم يزل يقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن في النفس شيئا من الشهادة له بالرسالة. فكيف يعقل أن يتحول في تلك اللحظة نفسها إلى داعية صادق لهذا الدين؟!و لو قيل: لعل اللّه هو الذي تصرف في قلبه!!

قلنا: لماذا تأخر هذا التصرف إلى الآن؟!

أبو سفيان يرصد كتائب الفتح:
و لما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس الغداة، قال للعباس:

16

«خذه إلى رأس العقبة، فأقعده هناك ليراه الناس جنود اللّه و يراها» .

فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك.

قال العباس: يا أبا سفيان هي نبوة.

قال: نعم‏ (1) .

و زعموا أيضا: أنه لما توجهوا ذاهبين قال العباس: يا رسول اللّه، إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه، فاردده حتى يفقه، و يرى جنود اللّه- تعالى-معك‏ (2) .

و عن أبي سلمة و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن أبا سفيان لما ولى، قال أبو بكر: يا رسول اللّه، لو أمرت بأبي سفيان فحبس على الطريق؟ (3) .

و نرى: أن الصحيح هو ما قاله ابن إسحاق و محمد بن عمر: من أن أبا سفيان لما ذهب لينصرف، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للعباس:

«احبسه بمضيق الوادي (حتى تمر عليه جنود اللّه) » .

قال ابن عقبة، و محمد بن عمر: فأدركه العباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟

فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون. زاد الواقدي قوله: و لكن لي إليك حاجة.

فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولا؟

____________

(1) البحار ج 21 ص 119 عن الخرايج و الجرايح، و المغازي للواقدي ج 2 ص 118.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن عقبة.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن أبي شيبة.

17

فقلت: إن لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي؟!

قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب.

و عبأ رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أصحابه الخ.. (1) .

و لفظ ابن عقبة: إنا لسنا بغدر، و لكن أصبح حتى تنظر جنود اللّه، و إلى ما أعد اللّه للمشركين.

قال ابن عقبة: فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة حتى أصبحوا (2) .

كتائب الإسلام إلى مكة:
قالوا: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مناديا ينادي، لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، و وقفت مع صاحبها عند رايته، و تظهر ما معها من الأداة و العدة.

فأصبح الناس على ظهر، و قدّم بين يديه الكتائب.

قالوا: و مرت القبائل على قادتها. و الكتائب على راياتها (3) .

قال محمد بن عمر: و كان أول من قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد في بني سليم و هم ألف، و يقال: تسعمائة، و معهم لواءان و راية، يحمل أحد اللواءين العباس بن مرداس، و الآخر يحمله خفاف بن

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 818 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 452.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و البحار ج 21 ص 104 و 118 و 119 و 129 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 556.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 219 عن ابن عقبة.

18

ندبة، و يحمل الراية الحجاج بن علاط-بعين مضمومة- (و عند المعتزلي:

و راية يحملها المقداد) ، فلما مروا بأبي سفيان، كبروا ثلاث تكبيرات، ثم مضوا، فقال أبو سفيان: يا عباس!!من هؤلاء؟

فقال: هذا خالد بن الوليد.

(و في نص آخر قال أبو سفيان: هذا رسول اللّه؟قال: لا، و لكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة) (1) .

قال: الغلام؟

قال: نعم.

قال: و من معه؟

قال: بنو سليم.

قال: ما لي و بني سليم!

ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين و أفناء العرب‏ (2) ، و معه راية سوداء.

فلما مروا بأبي سفيان كبروا ثلاثا.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟و في نص آخر: يا عباس!هذا محمد؟!

قال: هذا الزبير بن العوام.

قال: ابن أختك؟

قال: نعم.

____________

(1) البحار ج 1 ص 130.

(2) الأفناء: الأخلاط من الناس لا يعرف من أي القبائل هم.

غ

19

ثم مرت بنو غفار في ثلاثمائة، يحمل رايتهم أبو ذر.

و يقال: إيماء بن رحضة، فلما حاذوه، كبروا ثلاثا.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟

قال: بنو غفار.

قال: ما لي و لبني غفار؟

ثم مرت أسلم في أربعمائة، فيها لواءان، يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب، و الآخر ناجية بن الأعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: أسلم.

قال: ما لي و لأسلم؟ (ما كان بيننا و بينهم ترة قط.

قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام) .

ثم مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة، يحمل رايتهم بسر بن سفيان فلما حاذوه، كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو عمرو بن كعب بن عمرو، إخوة أسلم.

قال: نعم. هؤلاء حلفاء محمد.

ثم مرت مزينة في ألف. فيها ثلاثة ألوية، و مائة فرس. يحمل ألويتها النعمان بن مقرن، و عبد اللّه بن عمرو بن عوف، و بلال بن الحارث، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

قال: من هؤلاء؟

قال العباس: مزينة.

20

قال: ما لي و لمزينة؟قد جاءتني تقعقع من شواهقها (1) .

ثم مرت جهينة في ثمانمائة، فيها أربعة ألوية، يحملها أبو روعة معبد بن خالد، و سويد بن صخر، و رافع بن مكيث و عبد اللّه بن بدر، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال: جهينة.

قال: ما لي و لجهينة؟

ثم مرت كنانة بنو ليث و ضمرة، و سعد بن بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو بكر.

قال: نعم، أهل شؤم و اللّه!هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم. (زاد في نص آخر قوله: أما و اللّه ما شوورت فيهم و لا علمته، و لقد كنت له كارها حيث بلغني، و لكنه أمر حتم) .

قال العباس: قد خار اللّه-تعالى-لكم في غزو محمد «صلّى اللّه عليه و آله» أتاكم أمنكم، و دخلتم في الإسلام كافة.

ثم مرت أشجع و هم آخر من مر، و هم ثلاثمائة معهم لواءان، يحمل أحدهما: معقل بن سنان، و الآخر: نعيم بن مسعود. فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

قال أبو سفيان: من هؤلاء؟

____________

(1) تقعقع الشي‏ء: أحدث صوتا عند تحريكه.

21

قال العباس: هؤلاء أشجع.

قال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد.

قال العباس: و أدخل اللّه-تعالى-الإسلام في قلوبهم، فهذا فضل من اللّه.

ثم قال أبو سفيان: أبعد ما مضى محمد؟

فقال العباس: لا، لم يمض بعد، لو أتت الكتيبة التي فيها محمد رأيت فيها الحديد و الخيل و الرجال، و ما ليس لأحد به طاقة.

قال: و من له بهؤلاء طاقة؟

و جعل الناس يمرون، كل ذلك يقول أبو سفيان: ما مر محمد؟

فيقول العباس: لا، حتى طلعت كتيبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخضراء التي فيها المهاجرون و الأنصار-و سميت الخضراء لما فيها من الحديد، و العرب تطلق الخضرة على السواد و العكس-و طلع سواد شديد، و غبرة من سنابك الخيل، و جعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: أما مر محمد؟

فيقول العباس: لا.

و في هذه الكتيبة: الرايات و الألوية، مع كل بطن من بطون الأنصار لواء و راية، و هم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، و لعمر بن الخطاب فيها زجل‏ (1) بصوت عال و هو يزعها (2) و يقول: رويدا حتى يلحق أولكم آخركم.

____________

(1) الزجل: رفع الصوت.

(2) وزع فلانا: زجره و نهاه. و وزع الجيش: رتب فرقه، و سواهم صفا واحدا.

22

و عند الواقدي: (فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل!من هذا المتكلم؟!

قال: عمر بن الخطاب.

فقال أبو سفيان: لقد أمر أمر بني عدي بعد-و اللّه-قلة و ذلة.

فقال العباس: يا أبا سفيان، إن اللّه يرفع من يشاء بما يشاء. و إن عمر ممن رفعه الإسلام، و يقال: كان في الكتيبة ألف دارع) (1) .

و يقال: ألفا دارع.

و أعطى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» رايته سعد بن عبادة، فهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نادى أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل اللّه قريشا.

و في نص آخر: اليوم تستحل الكعبة (2) .

قال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار (3) .

فمرت القبائل، و طلع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو على ناقته القصواء. قال محمد بن عمر: -طلع-بين أبي بكر الصديق، و أسيد بن الحضير-و هو يحدثهما-فقال العباس: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 821.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 82.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 220 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 818-821.

(4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و في هامشه عن: ابن عبد البر في الدرر (216) و البيهقي في الدلائل 5/38 و ابن كثير في البداية 4/290. و البحار ج 21-

23

و في الصحيح عن عروة: أن كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة، و معه الراية: قال: و لم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب، فيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع الزبير.

قال في العيون: كذا وقع عند جميع الرواة.

و رواه الحميدي في كتابه: هي أجل الكتائب، و هو الأظهر انتهى‏ (1) .

فقال أبو سفيان: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما.

قال العباس: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة.

قال: فنعم إذا (2) .

عن العباس-رضي اللّه عنه-قال: لما بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلت لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا.

قال: لا و اللّه حتى أرى الخيل تطلع من كداء.

قال العباس: قلت ما هذا؟

____________

قص 130 و 104 و 107 و 108 عن شرح النهج للمعتزلي و غيره، و السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و 81 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و 84.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و 267 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و 83.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و في هامشه قال: انظر المجمع 6/173.

و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 104 و 118 و 119 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

24

قال: شي‏ء طلع بقلبي، لأن اللّه لا يطلع خيلا هناك أبدا.

قال العباس: فلما طلع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره‏ (1) .

قالوا: فلما مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي سفيان، قال: يا رسول اللّه أمرت بقتل قومك؟!ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟!

قال: «ما قال» ؟!

قال: كذا و كذا، و إني أنشدك اللّه في قومك، فأنت أبر الناس، و أوصل الناس، و أرحم الناس.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذب سعد يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم يعظم اللّه فيه الكعبة، اليوم يوم تكسى فيه الكعبة، اليوم يوم أعز اللّه فيه قريشا» . و أرسل إلى سعد فعزله عن اللواء (2) .

و عند ابن إسحاق: أن سعدا لما قال ما قال، سمعه رجل من المهاجرين.

قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب.

فقال: يا رسول اللّه، أتسمع ما قال سعد؟ما نأمن أن يكون له في قريش صولة (3) .

زاد الديار بكري قوله: فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي بن أبي طالب

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 عن الطبراني و مجمع الزوائد ج 6 ص 173.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و البحار ج 21 ص 109 عن المعتزلي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 821 و 822.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

25

«عليه السلام» : أدركه، و خذ الراية، و كن أنت الذي تدخل بها (1) .

و استبعد ذلك الحافظ من عمر هنا؛ لكونه كان معروفا بشدة البأس عليهم‏ (2) .

و عند محمد بن عمر: أن عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، قالا ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3) .

و قال ضرار بن الخطاب الفهري-فيما ذكره محمد بن عمر، و أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي-شعرا يستعطف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل مكة، حين سمع قول سعد، قال أبو الربيع: و هو من أجود شعر قاله.

و عن جابر: أن امرأة من قريش عارضت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الشعر، فكأن ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قريش:

يا نبي الهدى إليك لجا # حي قريش و لات حين لجاء

حين ضاقت عليهم سعة الأر # ض و عاداهم إله السماء

و التقت حلقتا البطان على القو # م و نودوا بالصيلم‏ (4) الصلعاء

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و البحار ج 21 ص 109 عن المعتزلي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

(4) الصيلم: السيف المصقول.

26

إن سعدا يريد قاصمة الظهـ # ر بأهل الحجون و البطحاء

خزرجي لو يستطيع من الغيـ # ظ رمانا بالنسر و العواء

و غر الصدر (1) لا يهم بشي‏ء # غير سفك الدما و سبي النساء

قد تلظى على البطاح و جاءت # عنه هند بالسوءة السواء

إذ ينادي بذل حي قريش # و ابن حرب بذا من الشهداء

فلئن أقحم اللواء و نادى # يا حماة الأدبار أهل اللواء

ثم ثابت إليه من بهم الخز # رج و الأوس أنجم الهيجاء

لتكونن بالبطاح قريش # فقعة القاع في أكف الإماء

فأنهينه فإنه أسد الأسـ # د لدى الغاب و الغ في الدماء

إنه مطرق يريد لنا الأمـ # ر سكوتا كالحية الصماء

فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى سعد، فنزع اللواء من يده، و جعله إلى ابنه قيس بن سعد، و رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه‏ (2) .

و في رواية: دخل ولد سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون‏ (3) .

و زعموا أيضا: أن سعدا أبى أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول اللّه

____________

(1) و غر الصدر: امتلأ غيظا.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

(3) المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

27

«صلى اللّه عليه و آله» ، فأرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعمامته، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.

و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» ، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن‏ (1) .

و روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى الراية للزبير إذ نزعها من سعد (2) .

زاد الديار بكري قوله: و جعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين.

و عن الزبير: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دفعها إليه فدخل بلواءين‏ (3) .

قال الحافظ: و الذي يظهر في الجمع: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عليا لينزعها، و أن يدخل بها (4) .

ثم خشي تغير خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إن سعدا خشي أن يقع من ابنه شي‏ء يكرهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذها، فحينئذ أخذها الزبير (5) .

و يؤيد ذلك: ما رواه البزار بسند على شرط البخاري عن أنس قال:

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 عن ابن عبد البر و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 عن أبي يعلى، و موسى بن عقبة.

(4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82.

(5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

28

كان قيس في مقدمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم مكة، فكلم سعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شي‏ء فصرفه عن ذلك. انتهى‏ (1) .

و في نص آخر: أن أبا سفيان سعى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (و زاحم حتى مرّ تحت الرماح) ، و أخذ بغرزه‏ (2) ، فقبّله، و قال: بأبي أنت و أمي، أما تسمع ما يقول سعد؟إنه يقول:

اليوم يوم الملحمة # اليوم تسبى الحرمة

فقال لعلي «عليه السلام» : أدركه، فخذ الراية منه، و كن أنت الذي يدخل بها، و ادخلها إدخالا رفيقا.

فأخذها علي «عليه السلام» ، و أدخلها كما أمر (3) .

و نقول:

قد احتوت النصوص المتقدمة أمورا عديدة ينبغي الوقوف عندها. و قد آثرنا أن نقتصر هنا على بعض منها، و هي الأمور التالية:

العباس هو المشير أم أبو بكر؟!:
يلاحظ: أن بعض الروايات المتقدمة تذكر: أن العباس هو الذي اقترح أن يرى أبو سفيان عرض جنود اللّه تعالى.

____________

(1) المصدران السابقان.

(2) الغرز: ركاب الرجل.

(3) مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105 و 130 عن إعلام الورى، و عن مناقب آل أبي طالب.

29

لكن رواية أخرى تذكر: أن أبا بكر هو المشير بذلك.

غير أننا نعلم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى رأي أحد..

فإذا كانا قد بادرا إلى اقتراح من هذا القبيل، فذلك يشير إلى نقص فيهما، لأنهما يخالفان بذلك قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) .

و الصحيح هو: أن هذا هو قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يحتج فيه إلى أحد.

و قد صرحت بعض الروايات: بأنه بمجرد أن أعلن أبو سفيان بالشهادتين أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» العباس بأن يأخذه إلى العقبة ليراه جنود اللّه عز و جل، و يراهم.

أهداف حضور العرض:
و قد صرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالهدف الذي كان يتوخاه من حضور أبي سفيان عرض جنود اللّه تعالى، و هو أمران:

أولهما: أن يراه الناس جنود اللّه، لتقوى بذلك عزائمهم، و يصح يقينهم بوعد اللّه تعالى لهم بالفتح و النصر، منذ الحديبية.

ثانيهما: أن يرى هو جنود اللّه، لتذل و تتطامن نفسه الأمّارة بالسوء، التي تمنيه النصر، و تدعوه إلى محاربة اللّه و رسوله، و عباده المؤمنين، و ليكبته

____________

(1) الآية 1 من سورة الحجرات.

غ

30

اللّه تبارك و تعالى بذلك، و يشفي به صدور قوم مؤمنين طالما اضطهدهم، و ألحق بهم أنواعا من الأذايا و البلايا و الرزايا.

أبو سفيان يصر على أن ما يراه (ملك) :
و حين يعبّر أبو سفيان للعباس عن انبهاره بما يرى، تراه يقول: ما أعظم ملك ابن أخيك.

فهو يزعم للعباس: بأن ما يراه إنما هو من مظاهر السلطان و الملك، و لا يريد ان يعترف للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة، لأنه قد يستطيع أن يصنع لنفسه ملكا يضاهيه، أو أن يكيد لهذا الملك و يسقطه، أو يسلبه ممن هو له.

أما النبوة فهي شرف لا يمكن سلبه، و لا مجال للسعي للحصول عليه؛ لأن الإختيار فيه لا يعود إليه، و لا إلى أحد يمكن الوصول إليه، بل إلى اللّه تبارك و تعالى. و أبو سفيان لم يزل محاربا له سبحانه، منتهكا لحرماته..

و لذلك تراه يصر على توصيف كل ما يراه بأنه (ملك) ، متجاهلا كل ما يراه من معجزات و كرامات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .. لأنه يرى: أن ذلك من مصلحته، كما أن مصلحته-بزعمه الفاسد-هي بإنكار النبوة، أو التشكيك فيها على الأقل.

أغدرا يا بني هاشم؟!:
إن أبا سفيان لم يزل يصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأفضل الصفات، و بأنه أبر الناس و أوصلهم، و أرحمهم، و بأنه الحليم الكريم، و..

و.. و قد عرفه الناس بأنه الوفي الذي لا يغدر، و الواضح الذي لا يمكر،

31

و الطاهر الذي لا يفجر.

و قد رفض «صلى اللّه عليه و آله» بعد عهد الحديبية أن يستجيب لطلب أبي بصير بأن لا يسلمه لأهل مكة، و قال له: «لا يصح في ديننا الغدر» (1) .

و قد كان وفاؤه هذا معروفا لدى المشركين. و قد شهد بذلك مكرز بن حفص الذي بعثته قريش مع جماعة، ليستعلموا منه «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب مجيئه إلى مكة في عمرة القضاء، فقالوا له: «و اللّه، ما عرفت صغيرا و لا كبيرا بالغدر» .

إلى أن تقول الرواية: فقال مكرز: «هو الذي تعرف به البر و الوفاء» (2) .

و لكن أبا سفيان برغم هذا كله، بمجرد أن أشار إليه العباس بأن يقف لحاجة له معه، بادر لوصف جميع بني هاشم بالغدر.. مع أن طلب الوقوف ليس فيه ما يشير إلى غدر، و لا إلى سواه.

و لكن خوف أبي سفيان قد أعاده إلى غفلته، و أيقظ فيه سوء سريرته، فتعامل مع الأمور وفق طبعه هو، لا وفق ما يعلمه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من بني هاشم..

و الذي دل على ذلك: أنه قد برر و ستر بهذا الخوف ما صدر منه من اتهام بني هاشم بالغدر، فإنه حين قال له العباس: لي إليك حاجة.

قال له أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولا.

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 24.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 191 و في هامشه عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 92 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 321 و المغازي للواقدي ج 2 ص 734.

32

فقلت: إنّ لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي.

العدة و العدد:
و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر العباس بأن يوقف أبا سفيان على رأس العقبة ليراه عباد اللّه و يراهم.. ثم عبأ «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و أمرهم بإظهار الأداة و العدة..

و لا يحتاج هذا الإجراء إلى بيان، فهو المنطق الذي يفهمه عبيد الدنيا، الذين يفهمون الأمور بمقاديرها، و يقومونها بأحجامها، و هيآتها المادية، لا بمضمونها و معناها الواقعي.

كتائب أم قبائل:
و قد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» مناديا ينادي: لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، و وقفت مع صاحبها عند رايته. ثم صارت القبائل تمر على قادتها و القبائل على راياتها..

و السؤال هنا هو: عن السبب في هذه التبعية التي تعتمد على التصنيف العشائري مع أن الإسلام يرفض المنطق القبلي و العشائري.

و نقول في الجواب:

إن للعشائرية و القبائلية حالتين:

إحداهما: غير مضرة و لا مسيئة لأحد، و ربما تكون محبوبة و مرضية يتجاوز في محبوبيتها درجة الإستحباب لتصل إلى الوجوب.

و لتصبح بذلك منشأ للعقوبات و المثوبات الإلهية، لأن لها دورا في بناء الحياة، و في تصحيح مسارها.. مثل صلة الأرحام، و قضاء حوائجهم، و قد

33

حفظ الإسلام هذه الصلة و الخصوصية، و رضيها.

و لكنه نزع منها أو فقل: غيّر فيها نزعة العصبية و كرّسها في أن تكون عصبية للحق، و للدين، و السعي لرضا اللّه تعالى، و الالتزام بأوامره في حفظ نفس هذه الصلة أيضا.

الثانية: العصبية للعشيرة، و للنسب، و الإندفاع في تلبية طموحات ذلك المتعصب، و أهوائه إلى حد الظلم و العدوان على الآخرين، لمجرد الإستجابة للداعي النسبي، أو العشائري. و هذا مرفوض و مدان في الإسلام.

و من الواضح: أن ترتيب الكتائب وفق التصنيف العشائري هو من الصنف الأول أي أنه لا يوجب ضررا، بل هو مفيد و سديد، و يوجب تنافسا في السعي إلى تحقيق رضا اللّه تبارك و تعالى فيما ندبهم إليه.. و هو يدفع أيضا إلى التناصر في ساحات الجهاد، و يقلل من حجم الخسائر بين أهل الإيمان.

بل لقد كان لهذا التنظيم فائدة أخرى هامة جدا، و خصوصا في فتح مكة.. حيث رأى أبو سفيان: كيف أن مختلف قبائل العرب، التي طالما علّق آماله على نصرها، تنضوي تحت لواء الإسلام، و تأتي لفتح بلد كان يعتبره آخر ما يمكن أن يفكر أحد بجمع الجيوش لدخوله..

و لذلك كان أبو سفيان كلما مرت به قبيلة من تلك القبائل، على هيئتها و بعدتها القتالية، يعرب عن حيرته في دوافع تلك القبيلة إلى أن تكون في موقع المحارب له، ثم أن تبلغ في عدائها له و للمشركين إلى هذا الحد، و هو أن تدخل مكة، فيقول: ما لي و لقبيلة كذا.. ثم يكرر هذا القول بالنسبة للقبيلة التي تليها.. و هكذا.

و قد يقول عن بعض القبائل: «ما كان بيننا و بينها ترة قط» .

34

و قال عن بعضها: «جاءتني تقعقع من شواهقها» .

بل هو حين مر به بنو بكر قال: أهل شؤم و اللّه، هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم.

و لعل أكثر ما آلم قلبه هو: أنه قد مرت به قبائل كانت من أشد الناس عداوة لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» .. فما الذي قلب الأمور، و كيف تغيرت الأحوال؟!

من هؤلاء:
و لكن يبقى لنا سؤال عن طبيعة أسئلة أبي سفيان للعباس عن الأشخاص و عن القبائل.. فقد كانت معرفة أبي سفيان تضاهي معرفة العباس بهم و بها، فقد كانا يعرفان خالدا و عمر بن الخطاب، و.. و.. الخ.. و يعرفان سليما و بني بكر، و بني أشجع الخ..

فهل كانت أسئلة تقديرية، أم أنه كان متجاهلا في أسئلته لا جاهلا، ليظهر للعباس أنه قد فوجئ بالأمر؟!أم أن هناك بعض الأسباب الأخرى التي لم تخطر على بالنا؟!

كل ذلك نجعله في بقية الأماكن و لكن النتيجة واحدة على كل حال، و هي فتح اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نصره على أهل الشرك و الضلال.

خالد.. غلام!!:
و قد ورد في الروايات المتقدمة: أن أبا سفيان وصف خالد بن الوليد

35

بالغلام حين رآه يقود كتيبته و هو يدخل مكة (1) .

و لا ندري ما المبرر لإطلاق هذا الوصف عليه، فقد كان عمره عاليا، و قد يكون من أتراب أبي سفيان نفسه، إن لم يكن أسن منه.

و هل يصح أن يوصف بـ «الغلام» من يزعمون: أنه كان أحد أشراف قريش في الجاهلية (2) ، و إليه كانت القبة التي كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش؟ (3) .

و إليه-حسب زعمهم أيضا-كانت أعنة خيل قريش في الجاهلية (4) .

إلا إذا كان يقصد بـ «الغلام» الشيخ، على اعتبار أن هذه الكلمة من الأضداد التي تطلق على الفتى الطار الشارب و الكهل‏ (5) .

و لكن قد يقال: إنه تأويل غير مقبول؛ لأن أبا سفيان لما سمع باسم خالد قال مستفهما: «الغلام؟قال: نعم» .

فقد يفيد هذا السياق: أن هذه الكلمة مما عرف إطلاقها على خالد..

فكأنها كانت من ألقابه لمناسبة اقتضت ذلك.

____________

(1) الإصابة ج 1 ص 413 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 406 عن الزبير بن بكار.

(2) الأعلام للزركلي ج 2 ص 300.

(3) تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 254 و ج 24 ص 118 و البداية و النهاية ج 5 ص 366.

(4) الأعلام للزركلي ج 2 ص 300 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 254 و ج 24 ص 118 و البداية و النهاية ج 5 ص 366.

(5) راجع: أقرب الموارد ج 2 ص 884.

36

اللواء و الراية:
قدمنا بعض الحديث عن اللواء و الراية، و اتحادها أو عدمه، في أوائل غزوة أحد، و ربما في مواضع أخرى أيضا..

و سياق الحديث في بعض النصوص المتقدمة يشير إلى اختلافهما أيضا.

و يظهر من بعضها خلاف ذلك.

فهو يجمع بين الألوية و الرايات، فيقول عن بني سليم: كان معهم لواءان و راية.

و أضاف المعتزلي راية أخرى أيضا.

و لكنه تحدث عن خصوص الألوية في مواضع أخرى، فقد قال عن بني مزينة: إن لهم ثلاثة ألوية.

و عن جهينة: إن فيهم أربعة ألوية.

و عن أشجع: كان فيهم لواءان.

و عن بني سليم: كان معهما لواءان، و لم يذكر رايات.

و ذكر لبعض الفئات: راية أو أكثر، و لم يذكر لها لواء مثل المهاجرين، و أفناء العرب، و كذلك الحال بالنسبة لقبيلة غفار.

و كل ذلك يزيد في إبهام الأمر بالنسبة للاصطلاح الذي جرى عليه الرواة هنا.

و لعل ذلك يعزز ما قلناه من عدم الفرق بين اللواء و الراية، و إن كان بعض الرواة قد يستنسب خصوصية في مورد، فيبادر إلى التفريق بينهما في تعابيره لأجلها، و إن لم يكن لها مدخلية حقيقية في أصل المعنى.

37

الرايات السود:
و قد ذكر فيما تقدم: أن راية المهاجرين و أفناء العرب كانت سوداء..

و قالوا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد يوم حنين و يوم الفتح راية سوداء (1) .

و سيأتي أيضا عن أبي هريرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل مكة يومئذ «و عليه عمامة سوداء، و رايته سوداء و لواؤه أسود» (2) .

و نقول:

إننا لم نجد مبررا لعقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راية لعمه، خصوصا بملاحظة الرواية الصحيحة التي صرحت: بأن العباس كان من الطلقاء..

و لو أغمضنا النظر عنها؛ فإن عقد راية له معناه: أن يطبل العباسيون و يزمروا لها ما شاؤوا.

و لكانت قد حفلت كتب التاريخ بذكرها تبركا، أو تزلفا لهم!!و لم نجد لذلك أثرا، لا في تبجحات العباسيين، و لا في تزلفات المتزلفين.

و بالمناسبة نقول:

قد يظهر من الكميت: أن الراية التي كان المسلمون يرفعونها في حروبهم ضد الكفار كانت سوداء، فهو يقول:

و إلا فارفعوا الرايات سودا # على أهل الضلالة و التعدي‏

____________

(1) صبح الأعشى ج 3 ص 370 عن كتاب الحاوي الكبير للماوردي.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 و المغازي للواقدي ج 2 ص 824.

38

و قد كانت راية علي «عليه السلام» في صفين سوداء أيضا (1) ، و قد خاطب صلوات اللّه و سلامه عليه حضين بن المنذر بقوله:

لمن راية سوداء يخفق ظلها # إذا قيل: قدمها حضين تقدما (2)

لقد عزّ عمر بعد قلة و ذلة:
و قد تكلمنا فيما سبق عن مقام و موقع عمر في الجاهلية و في الإسلام، و ليس لنا أن نعيد ما ذكرناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في فصل «حتى الشعب» ، تحت فقرة بعنوان: «هل عز الإسلام بعمر حقا» ؟!

و قد أظهرت النصوص الصريحة: أن عمر بن الخطاب لم يكن من بيوت العز و الشرف و السؤدد، بل كان في قلة و ذلة، و كان هو في نفسه عسيفا، أي تابعا مستهانا به.

و لكن بالإسلام ينال الناس الشرف و العزة، إلا إذا تخلفوا عن الإلتزام بمناهجه، و عن العمل بتعاليمه.. فلا بد من ملاحظة سيرة حياتهم، و تقييمهم على هذا الأساس.

____________

(1) راجع: السيادة العربية و الشيعة و الإسرائيليات هامش ص 126.

(2) الغارات ج 2 ص 790 و 792 و مواقف الشيعة للأحمدي ج 1 ص 125 و دستور معالم الحكم لابن سلامة ص 196 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 293 و 296 و ج 16 ص 210 و تهذيب الكمال ج 6 ص 556 و الإصابة ج 5 ص 93 و الأعلام للزركلي ج 2 ص 262 و أنساب الأشراف ص 269 و 307 و الأنساب للسمعاني ج 1 ص 45 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 26 و المنتخب في ذيل المذيل للطبري ص 146 و الجمل للمفيد ص 172.

39

أبو سفيان يصر على موقفه:
و قد ذكرنا في فصول متقدمة: كيف تعامل أبو سفيان مع ما جرى على خزاعة، حين قتلت بنو بكر و قريش طائفة من نسائها و صبيانها، و ضعفاء الرجال فيها، و نقضوا بذلك عهدهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

و كان رأيه جحد هذا الأمر، و إنكاره.. و سافر من مكة إلى المدينة لكي يوهم المسلمين ببراءة قريش من هذا الأمر، و حصر الأمر فيه بآحاد من بني بكر.

و ها هو يعود ليزعم: أنه كان لما جرى على خزاعة كارها..

و ليت شعري إذا كان له كارها، حيث بلغه، فلما ذا سعى في طل دماء أولئك المقتولين ظلما، و جحد أن يكون لقريش أي أثر فيه، و سافر إلى المدينة لإيهام المسلمين بهذا الأمر؟!

و لكنه أمر حتم:
و اللافت: أن أبا سفيان يعود هنا فيلقي بالمسؤولية على القدر، و يتحاشى أن ينسب إلى أولئك المجرمين القتلة أية مسؤولية عن قتل أولئك الأبرياء، فهو يقول: «و لكنه أمر حتم» .

و نقول له:

إنه أمر صنعته إرادات و أيدي زعماء قريش، و زعماء بني بكر، و لم يرحموا فيه صغيرا و لا كبيرا، و لم يجبرهم عليه أحد.

فهو لم يكن محتوما لو لا ركوبهم لخيول الهوى و العصبية، و طاعتهم للشيطان.

40

هذا.. و قد عوّدنا الأقوياء حين يضعفون و يعجزون، و كذلك الذين يستشعرون بعض القوة، ثم يظهر لهم ما هم فيه من الوهن و الفشل- عودونا-أن يبرروا ذلك بالإحالة على القدر، أو على الجبر التكويني الإلهي، لتغطية ذلك العجز و الوهن، و التستر على ما هم فيه من فشل و خيبة..

و قد كانت عقيدة الجبرية في المشركين، و ورثها الناس عنهم، و ربما يكون لأهل الكتاب أيضا دور في ترسيخها فيهم.

قال تعالى عن المشركين: سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا وَ لاََ حَرَّمْنََا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذََلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. (1) .

بل إن اليهود قد جعلوا اللّه تعالى محكوما بقدره، و مقهورا و مجبرا فيما يفعل، فقد قال سبحانه عنهم: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ.. (2) .

و قد استخدم الحكام و أهل الأطماع هذه العقيدة لخدمة مصالحهم، و تسيير أمورهم، و حل مشاكلهم، و الخروج من بعض المآزق التي أوقعوا أنفسهم فيها.

و برروا بها إقدامهم على كثير من الأمور غير المشروعة أيضا.

ثم وضعت الأحاديث الكثيرة على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتأييد هذه العقيدة و نشرها..

من أجل هذا و ذاك ظهرت هذه العقيدة في مفردات كثيرة من مواقف

____________

(1) الآية 148 من سورة الأنعام.

(2) الآية 64 من سورة المائدة.

غ

41

و كلمات و تصرفات الخلفاء و الحكام، و الشخصيات المعروفة-باستثناء علي و أهل بيته «عليهم السلام» -فراجع ما ينقل من ذلك عن عمر، و أبي بكر، و عائشة، و خالد بن الوليد، و معاوية، و عمر بن سعد، و المنصور و.. و.. الخ..

و بها بررت عائشة حرب الجمل التي خاضتها ضد أمير المؤمنين «عليه السلام» (1) .

و بها برر عمر بن الخطاب بعض أعماله حتى حين مزق كتابا سجل فيه حكما في مسألة إرثية..

و بها برر عثمان تمسكه بالحكم إلى أن قتل.

و بها احتج معاوية لعهده بالخلافة بعده ليزيد الخمور و الفجور.

و بها برر عمر بن سعد قتله للإمام الحسين «عليه السلام» .

و بها استدل خالد بن الوليد لقتل مالك بن نويرة، و من معه من المسلمين.

و بها برر معاوية و المنصور العباسي منع الناس من حقوقهم في بيت مال المسلمين.

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه‏ (2) .

____________

(1) المحاسن و المساوي للبيهقي ج 1 ص 471 و راجع: شواهد التنزيل ج 2 ص 38 و 39 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 276 و مجمع البيان ج 8 ص 357 و راجع:

البحار ج 35 ص 222 و في هامشه عن الطرائف ص 20.

(2) إن ما تقدم من أمثلة و شواهد، و من أحاديث أيضا موجود في المصادر المختلفة بصورة متفرقة، فمن أراد أن يقف على متفرقاته و يجمع بين شتاته، فليلتقط بعضه من المصادر التالية: تأويل مختلف الحديث ص 5 و 6 و 29 و 45 و 48 و 82 و 83 و 128 و 235 و 236 و الهدى إلى دين المصطفى ج 2 ص 162 و 271-

42

____________

ق و المصنف للصنعاني ج 10 ص 119 و 122 و 18 و ج 6 ص 356 و حياة الصحابة ج 2 ص 12 و 95 و 94 و 230 و ج 3 ص 487 و 492 و 501 و 529. و راجع: الغدير ج 7 ص 147 و 154 و 158 و ج 8 ص 132 و ج 9 ص 34 و 95 و 192 و ج 10 ص 333 و 245 و 249 و ج 5 ص 365 و ج 6 ص 128 و 117 و نور القبس ص 31 و 266 و 65 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 4 ص 69 و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 1 ص 401 و قاموس الرجال ج 6 ص 36 و الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 239 و ربيع الأبرار ج 2 ص 64 و 65 و ج 1 ص 821 و المعجم الصغير ج 1 ص 158 و 74 و 130 و 255 و ج 2 ص 67 و 55 و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 5 ص 148 و 543 و ج 7 ص 163 و 417 و ج 3 ص 72 و 66 و كلمة الأديان الحية ص 77 و 80 و الإلمام ج 6 ص 119 و لسان الميزان ج 1 ص 448 و الكفاية في علم الرواية ص 166 و جامع بيان العلم ج 1 ص 20 و ج 2 ص 148 و 149 و 150 و ضحى الإسلام ج 3 ص 81 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 340 و ج 12 ص 78 و 79 و الإمامة و السياسة ص 183 و الأخبار الدخيلة (المستدرك) ج 1 ص 193 و 197 و مقارنة الأديان (اليهودية) ص 271 و 249 و أنيس الأعلام ج 1 ص 279 و 257 و التوحيد و إثبات صفات الرب ص 80-82 و المقدمة لابن خلدون ص 143 و 144 و الأغاني ج 3 ص 76 و العقد الفريد ج 1 ص 206 و ج 2 ص 112 و تاريخ الأمم و الملوك (ط مطبعة الاستقامة) ج 2 ص 445 و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 43 و 49 عن العديد من المصادر و تذكرة الخواص ص 104 و 105 و تاريخ بغداد ج 1 ص 160 و بهج الصباغة ج 7 ص 120 و الدر المنثور ج 6 و المغازي للواقدي ج 3 ص 904 و الموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 92 و 93 و مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 67 و مناقب الشافعي ج 1 ص 17 و صحيح البخاري ج 8 ص 208 و المعتزلة ص 7 و 39-

43

هذا.. و قد تصدى أمير المؤمنين و أهل البيت «عليهم السلام» و كذلك شيعتهم «رضوان اللّه عليهم» لهذه العقيدة الفاسدة، بكل ما أمكنهم.. كما تصدوا لكل فاسد وافد، و بينوا زيفه بالأدلة و بالشواهد..

بنو بكر أهل شؤم:
و قد قال أبو سفيان عن بني بكر، حين مروا به: «نعم، أهل شؤم و اللّه! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم» .

و نقول:

إنه كلام غير سليم، و هو يستبطن نوعا من التدليس للحقيقة، و المغالطة

____________

ق و 40 و 87 و 91 و 201 و 265 عن المنية، و الأمل ص 126 و الخطط للمقريزي ج 4 ص 181 و الملل و النحل ج 1 ص 97 و 98 و العقائد النسفية ص 85 و وفيات الأعيان ص 494.

و في «الإمام الصادق و المذاهب الأربعة» ج 3 ص 45 عن الطبري ج 6 ص 33 و ج 3 ص 207 و عن الترمذي ص 508.

و في حياة الصحابة نقله عن المصادر التالية: كنز العمال ج 3 ص 138 و 139 و ج 8 ص 208 و ج 1 ص 86 و صحيح مسلم ج 2 ص 86 و أبي داود ج 2 ص 16 و الترمذي ج 1 ص 201 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 209 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 50 و ج 6 ص 349 و مسند أحمد ج 5 ص 245 و مجمع الزوائد ج 6 ص 3 و ج 1 ص 135 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري (مقتل برير) ج 4 ص 124 و ج 3 ص 281 و البداية و النهاية ج 7 ص 79.

و نقل أيضا عن: جامع البيان ج 6 ص 60 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 594 و عن أنساب الأشراف ج 5 ص 24.

44

فيها، فلاحظ ما يلي:

أولا: إن بني بكر لم يكونوا وحدهم حين قتلوا الأطفال، و النساء، و الضعفاء من رجال خزاعة، بل كان معهم من قريش جماعة فيهم زعماء، و كبار، و لم يكن بنو بكر ليجبروهم على اتخاذ موقفهم، بل اتخذوه بمل‏ء اختيارهم.

فما معنى: أن يعتبرهم شؤما، فضلا عن أن يجعلهم سبب غزو محمد «صلى اللّه عليه و آله» لقريش؟!

ثانيا: لو صح قول أبي سفيان هذا، فقد كان بإمكانه أن يتلافى ما حصل، بالعمل على القصاص من المجرمين، أو على الأقل أن يعطي أولئك القتلة الظالمون خزاعة دية قتلاها..

ثالثا: لماذا ساهم هو في التستر على مرتكبي الجريمة، و في السعي لخداع المسلمين، و إعطائهم انطباعا خاطئا عن حقيقة ما جرى؟!

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من كلام سعد:
و عن قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل اللّه قريشا، نقول:

إنه مرفوض جملة و تفصيلا، بعد أن صدرت الأوامر الصارمة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ظهرت رغبته الأكيدة بحفظ حرمة بيت اللّه، و حرمه.

و هذا ينم عن جهل، أو عن عصبية جاهلية اعترت سعدا في ذلك الموقف.. إلا إذا كان يريد أن يخيف أبا سفيان، أو أنه أطلق كلماته تلك انسياقا

45

مع مشاعره الجياشة، و انسجاما مع عواطفه الثائرة، بعد كل ما رآه من بغي و طغيان، و ظلم مارسته قريش ضد الإسلام و أهله طيلة أكثر من عشرين سنة.

و في جميع الأحوال نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد حفظ حرم اللّه و التأكيد على كرامة بيته، لأن في ذلك حفظ الإسلام.. حتى لو أدى ذلك إلى أن يتمكن بعض الظلمة من أن يفلتوا من العقوبة التي يستحقونها في هذه الدنيا، و لم يكن يريد حفظ أقاربه و قومه، بما هم قوم و أقارب، فقد أثبتت الأيام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يفكر بهذه الطريقة، و لا ينطلق في مواقفه من مثل هذه المفاهيم و المعاني.

كما أنه يريد: أن يفسح المجال للناس الذين استضعفهم أولئك المستكبرون، ليمارسوا حريتهم في الاختيار و في الممارسة، و أن يمنع حدوث أي شي‏ء يؤسس لأحقاد، أو لطلب ثارات، قد تتسبب في تفجير أوضاع خطيرة على مستقبل الدين و أهله..

و قد نسبت بعض الروايات إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «كذب سعد» . و هي كلمة قوية و حادة، إن كان يريد أن سعدا تعمد أن يكذب.

و إن كان يريد أنه لم يصب الواقع، لاشتباه الأمر عليه، فظن أن يوم المرحمة هو يوم الملحمة، فليس في هذه الكلمة إهانة لسعد، بل هو يريد تخطئته و حسب.

يوم المرحمة و يوم عزّ قريش:
و لا شك في أن الرحمة الإلهية قد شملت أهل مكة بهذا الفتح الذي‏

46

فرض عليهم الإسلام، و أدى إلى هيمنة أحكامه و شرائعه، التي هي محض الحق و العدل، و بها يكون لهم بلوغ درجات الكرامة و الفضل.

إنه يوم رفع الظلم، و الجبرية، و يوم إعلان الحرب على الفساد و المفسدين، و إبطال حكومة الأهواء و النزوات، و إسقاط هيمنة العصبيات و الشهوات.

و هو أيضا: يوم تعظيم الكعبة و كسوتها.. بعد أن خرجت من يد المشركين بربهم، الذين هتكوا حرمة حرم اللّه بذبح أطفال، و نساء، و ضعفاء رجال خزاعة فيه.. و تجرؤوا على اللّه بعبادة الأصنام في بيته و الدعوة إلى الشرك به تعالى فيه..

و هو يوم عزّ قريش التي أعلنت براءتها من الشرك، و التزامها بالإيمان باللّه، و بأنبيائه و رسله، و قبول دينه، فمنحها ذلك حصانة، و عزة، حتى لو كان إيمانها لا يزال في مراحله الأولى، الذي يقتصر على مجرد الإعلان اللساني، و لم يلامس بعد شغاف القلوب، و لم يتمازج مع الأرواح، و لا طبعت به النفوس.

أخذ الراية من سعد:
و لم يكن أخذ الراية من سعد يهدف إلى إهانته، أو المسّ بمقامه. و لذلك أخذت منه لكي تعطى لمن هو أولى بها منه و من كل أحد، ألا و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، ليدخلها إلى مكة إدخالا رفيقا، بعيدا عن أجواء الإثارة و التحدي، و الرهج‏ (1) ، و الحركات المؤذية للناس..

____________

(1) الرهج: الشغب.

47

و يعيدها إلى قيس بن سعد بن عبادة، ليركزها عند الحجون، لأن إعطاء الراية للولد يرضي الوالد، و يحفظ ماء وجهه، و يطمئنه إلى أن المقصود ليس هو الطعن بمقامه، و إنما تهدئة الأمور، و تبريد الأجواء.

و بذلك نستطيع أن ندرك: أن الروايات التي ذكرت أخذ الراية من سعد، لتعطى لعلي «عليه السلام» ، أو لقيس بن سعد ليست متنافرة.

كما أنها لا تتضمن إهانة أو حطا من مقام سعد. و إن كان محبو أبي بكر و عمر قد يرضيهم إعطاؤها هذا الطابع، لأن سعدا لا يحظى بالإحترام، و التقدير لديهم، و لا يتمتع بالحصانة التي تمنع من نسبة ذلك إليه، لأنه بنظرهم يستحق كل مهانة، لأنه نافس أبا بكر على الخلافة في يوم السقيفة، في حديث معروف و مشهور..

و مما يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقصد ذلك: ما تقدم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» نزع اللواء من يده، و جعله إلى ابنه قيس. و قد قالوا: و رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه.

سعد لم يكن ينوي البطش بأهل مكة:
و مما يؤكد: على أن سعدا لم يكن ينوي البطش بأهل مكة، و إنما قال ما قال على سبيل التهديد و التخويف لأبي سفيان.. أو لأنه فهم أن الأمور ستؤول إلى ذلك، ما رووه: من أنه بعد أن صار اللواء إلى ولده خاف أن يقدم ولده على شي‏ء من العنف، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن‏

48

يأخذ اللواء حتى من ولده‏ (1) .

و أما احتمال أن يكون قد طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذ اللواء من ولده قيس بسبب انزعاجه من عزله و تولية ولده، فهو احتمال ردي‏ء يؤدي إلى إتهام سعد في دينه، من حيث إنه يتضمن اعتراضا منه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و أما القول: بأن لا شي‏ء يدل على أن سعدا قد خاف على ولده من أن يرتكب مخالفة فيبادر إلى الطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذ منه الراية أيضا.

فيقال في جوابه: إنه يمكن أن يكون راوي الحديث قد رأى قرائن و دلالات، أعطته الانطباع بأن سعدا يريد حفظ ولده من أن يقع في خلاف ما يريده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

علي عليه السّلام صاحب اللواء:
و لسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بأن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد، و في يوم فتح مكة أيضا.

و قد تقدم ذلك في أوائل غزوة أحد.

و قد صرحت النصوص هنا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أضاف إلى علي لواء سعد بن عبادة أيضا.

غير أن ثمة من يدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطى راية سعد

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 عن البزار.

49

للزبير، و زعموا: أن الزبير دخل مكة بلواءين.

و هي رواية الزبيريين لصالح سيدهم و كبيرهم، بل يظهر من ملاحظة بعض الروايات: أن الزبير قد روى ذلك أيضا لنفسه، في محاولة منه لجر النار إلى قرصه..

غير أننا نقول:

لنفترض: أن لهذا الكلام نصيبا من الصحة، فلعل أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد أن أدخل الراية إلى مكة إدخالا رفيقا، إمتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -لعله-أعطاها بعد ذلك للزبير، مكتفيا هو بحمل لواء الجيش كله، حسبما ألمحنا إليه..

فإنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن‏ (1) . فلعله جعلها مع الزبير مدة يسيرة بعد ذلك إلى أن جاء قيس بن سعد، فأخذها من الزبير و أوصلها إلى الحجون.

عمر بن الخطاب يتعاطف مع قريش:
و اللافت هنا: أن عمر بن الخطاب الذي أظهر حرصه على قتل أبي سفيان قبل قليل، و لم يزل يظهر الشدة على المشركين، و يطالب بسفك دمهم، هو الذي سمع سعدا يقول: اليوم يوم الملحمة الخ.. فجاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال له: «يا رسول اللّه، اسمع ما قال

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222.

50

سعد!!ما نأمن أن يكون له في قريش صولة» (1) .

ثم تابعه على ذلك عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان‏ (2) .

ثم دس ضرار بن الخطاب بشعره المتقدم مع امرأة لتنشده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يستعطفه فيه أيضا على أهل مكة، بعد أن سمع هو الآخر مقالة سعد بن عبادة.

فما هذا الحرص من خصوص هؤلاء على سلامة قريش من صولات سعد؟!

و لماذا يكون عمر شديدا هناك، في حين كان واضحا لكل أحد أن المصلحة هي في عدم التعرض لأحد من أولئك الناس، و أن الأمر فيهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه، ثم يكون حريصا على سلامة قريش هنا، حيث لا يوجد ما يمنع سعدا من أن تكون له في قريش صولة إلا تدخّل النبي «صلى اللّه عليه و آله» معه لمنعه من ذلك.. مع توفر الدواعي للبطش بقريش، و كسر عنفوانها، و مجازاتها على بعض ما صدر منها من ظلم، و ما ارتكبته من جرائم في حق سائر أهل الإيمان في المنطقة بأسرها.

و أما استبعاد البعض: أن يكون عمر قد فعل ذلك، لكونه كان معروفا بشدة البأس عليهم‏ (3) ، فقد تقدم في غزوة أحد ما يفيد في بيان عدم صحة هذا الكلام، حيث قلنا: إن هناك ما يشير إلى وجود عطف متبادل فيما بين

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

(2) تقدمت المصادر لذلك.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221.

51

المشركين و بين عمر.

و أما المواقف التي كان يظهر فيها عمر شدته عليهم، فإنما هي في المواقع التي كان يعلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ قرارا بعدم التعرض لهم. و لأجل ذلك لم نجده «صلى اللّه عليه و آله» أذن له و لو مرة واحدة بإلحاق الأذى بأي فرد منهم، رغم كثرة طلبه ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» .

أبو سفيان يقبّل غرز رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» :
و قد أشرنا أكثر من مرة إلى مشروعية التقبيل للأنبياء و الأولياء و آثارهم، و قد ذكر في الروايات الكثير من الشواهد و الدلالات على ذلك، و الروايات المتقدمة أظهرت سعي أبي سفيان، و مزاحمته للناس حتى مر تحت الرماح، و وصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخذ بغرزه فقبله..

و لم يمنعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، و لا أشار إلى أي تحفظ على هذا التقبيل، فيدخل تحت قاعدة مشروعية فعل ما سكت المعصوم عن الاعتراض على فاعله..

و من جهة أخرى، فإن أبا سفيان الذي لم يزل يجد في داخله إرهاصات الانتقام من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين استكبارا منه، و ظلما و عتوا قد أصبح في موقع المستجدي لعطفهم، و المتملق لهم، و المقبّل لغرز النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المعلن بالمدح و الثناء عليه، فهو يقول له: أنت أبر الناس، و أوصل الناس، و أرحم الناس.

فهل يعتبر هذا الرجل، و يكف عن التآمر، و الكيد، و بث الفتن و الأحقاد؟!غ

52

تأثير المرأة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله!!:
و قد تقدم في بعض الروايات: أن ضرار بن الخطاب الفهري حين سمع مقالة سعد أرسل أبياتا مع امرأة من قريش، فعارضت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بها، «فكأن ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قريش» .

و نقول:

إن هذا تفكير تافه و سخيف، يتناسب مع ذهنية المشركين الذين لا يعرفون معنى النبوة، و لا يعيشون آفاقها.

فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان إنسانا كامل المزايا الإنسانية و منها العاطفة الجياشة، و لكن عاطفته هذه تبقى خاضعة لعقله، و محكومة بالشرع و الدين، و برضا اللّه تبارك و تعالى..

فإذا كان هذا العطف متوافقا مع الباطل، و يسخط اللّه، فإنه يتحول إلى غضب حازم، و قرار جازم لا يحابي، و لا يجامل، و لا تخالطه عاطفة، و لا عصبيات باطلة.

و إن كان متوافقا مع الحق، و مع رضا اللّه، فرضاه تعالى هو الذي يحرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الحق هو الذي يهيمن على تلك الحركة.

إيحاءات لا تجدي شيئا:
و قد ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل مكة و هو بين أبي بكر (الصديق) و أسيد بن حضير، و هو يحدثهما..

53

فقال العباس لأبي سفيان: هذا رسول اللّه!!

و نقول:

إن مجرد أن يمشي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين هذا و ذاك لا يدل على فضيلة لأي منهما.

إلا إذا ثبت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب منهما أن يكونا معه و إلى جانبه.

و ثبت أيضا: أنه أراد تكريمهما بذلك..

و لم يثبت أي من هذين الأمرين.. لكننا نعرف أن من المألوف أن يسعى الناس أنفسهم للتقرب من العظماء، فكيف لا يتقربون من الأنبياء؟و لا سيما في مثل هذا الفتح العظيم.

بل إن التحدث عن أن هذا الأمر يشير إلى خصوصية امتاز بها أبو بكر و أسيد بن حضير على من سواهما يوجب الريب فيما يدّعيه أتباع و محبو نفس هؤلاء، من تقدم لعمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و سواهما على أسيد بن حضير، فكيف اختص أسيد بهذه الفضيلة دون هؤلاء، بما فيهم عمر بن الخطاب؟!

و أما قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يحدث أبا بكر، و أسيد بن حضير.. فإن كان على تقدير أن يكون أحدهما قد سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر مّا، فكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجيبه عنه، فهو مقبول..

و أما إن كان يراد تعظيم أبي بكر و أسيد، و لو بقيمة تصغير شأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد خاب من اعتدى و افترى على مقام النبوة الأقدس.

على أن من الجائز أن يكونا قد حشرا نفسيهما في هذا الموقع، و بادرا إلى‏

54

طرح بعض الأسئلة لكي يرى الناس أن لهما من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» موقعا خاصا.

أسلم بنا:
و عن قول العباس لأبي سفيان، حين بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

أسلم بنا، نقول:

إنه لمن الغريب حقا: أن يكون ابن عبد المطلب سيد الحجاز، و شيخ بني عبد مناف يعيش هذه التبعية الذليلة و المهينة أمام أبي سفيان، حتى إنه يعتبر إسلام أبي سفيان أساسا لإسلامه، و إسلام من هم على شاكلته من الناس.. فأبو سفيان هو المتصرف بهم، حتى في قضايا الإيمان و الإسلام.

و يا ليت العباس كان قد تستر على هذا الضعف المهين، أو أخفى طرفا من هذه التبعية المشينة، فإن إظهارها بهذه الطريقة، و كأنها من الأمور العادية و المسلمة، حيث يقول: أسلم بنا!!فذلك يؤلم روح الإنسان الحر، و يؤذي مشاعره، لأنه يعتبر ذلك إهانة للإنسانية و استخفافا بالضمير، و تحقيرا للعقل.

و على كل حال، فإن العباس بقي على تبعيّته لأبي سفيان طيلة عشرين سنة، بل إنه حتى حين لم يعد له مناص هو و أبو سفيان من إعلان الإسلام لم يضعف اهتمامه بحفظ أبي سفيان، و لم يفتر عن السعي في مصالحه، و ما يرضيه.. و لم نجده متحمسا لحفظ أهل الإيمان، حتى لابن أخيه علي «عليه السلام» حين اعتدى عليه المعتدون بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بمقدار عشر حماسته لأبي سفيان في يوم الفتح.. و ذلك ظاهر لا يخفى.