الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج24

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
371 /
5

الجزء الرابع و العشرون‏

تتمة القسم العاشر

الباب الثاني غزوة حنين.. الهزيمة... الجريمة

الفصل الأول: إستعداد العدو.. و استطلاع النبي صلّى اللّه عليه و آله الفصل الثاني: الجيشان إلي حنين الفصل الثالث: قبل أن تبدأ الحرب الفصل الرابع: الهزيمة و تحمل الأعذار الفصل الخامس: متآمرون على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين...

و بعد..

نتابع فيه حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، و التي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها... لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام و للمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، و عتاته، و فراعنته، و جباريه.

و تتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين و أوطاس.. و سقوط ثقيف و خثعم في الطائف..

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال و فود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، و تأييدهم، و قبولهم بالإسلام دينا، و اعترافهم بمحمد نبيا..

و الذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب و فصوله هو عرض ما جرى في حنين، و أوطاس، و الطائف..

و أما الحديث عن الوفود، و عن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء اللّه تعالى..

فنقول... و نتوكل على خير مأمول و مسؤول:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأول:

استعداد العدو... و استطلاع النبي صلّى اللّه عليه و آله‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بداية
:

إن النصوص التاريخية تؤكد على: أن قبيلة هوازن هي التي بادرت إلى جمع الجموع و تحركت من أماكن سكناها باتجاه المسلمين، لتورد ضربتها الحاسمة فيهم، فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجمعها، و بتحركها، سار إليها.

و سنحاول في هذا الفصل متابعة أحداث هذا التحرك، و الأجواء المهيمنة على هذا المسير، فإلى ما يلي من عناوين و مطالب، و من اللّه نستمد العون و القوة، و نبتهل إليه أن يمنحنا التوفيق و التسديد، إنه ولي قدير و بالإجابة حري جدير...

هوازن تحشد و تستعد: قال المؤرخون، و المؤلفون:
[و تسمى أيضا غزوة هوازن، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . عن أبي الزناد: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع و تسير رؤساؤهم في العرب، تجمعهم‏]. (1)

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و راجع: البداية و النهاية ج 4 هامش ص 368.

12

قال أئمة المغازي: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة مشت أشراف هوازن، و ثقيف بعضها إلى بعض، (و كان أهلها عتاة، مردة، مبارزين) (1) و أشفقوا أن يغزوهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قالوا:

قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، و الرأي أن نغزوه.

فحشدوا، و بغوا، و قالوا: و اللّه، إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم، فسيروا في الناس، و سيروا إليه قبل أن يسير إليكم.

فأجمعت هوازن أمرها، و جمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النصري، و هو-يوم حنين-ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، و نصر، و جشم كلها، و سعد بن بكر، و ناس من بني هلال، و هم قليل.

قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، و لم يشهدها من قيس عيلان. إلا هؤلاء، و لم يحضرها من هوازن كعب و لا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور، و قال: و اللّه، لو ناوأوا محمدا من بين المشرق و المغرب لظهر عليهم‏ (2) .

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: البحار ج 21 ص 148 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 45 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 611.

13

و كان في جشم دريد بن الصمة و هو يومئذ ابن ستين و مائة.

و يقال: عشرين و مائة سنة، و قيل: مائة و خمسون سنة. و قيل: مائة و سبعون سنة (1) . (و ذكر السيد محسن الأمين: المكثر يقول بلغ المائتين و المقل المائة و العشرين) (2) و هو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شي‏ء إلا التيمن برأيه، و معرفته بالحرب، و كان شيخا مجربا قد ذكر بالشجاعة و الفروسية و له عشرون سنة (3) .

فلما عزمت هوازن على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سألت دريدا الرياسة عليها، فقال: و ما ذاك؟!و قد عمي بصري، و ما استمسك على ظهر الفرس؟و لكن أحضر معكم لأن أشير عليكم برأيي على أن لا أخالف، فإن كنتم تظنون أني أخالف أقمت و لم أخرج.

قالوا: لا نخالفك.

و جاءه مالك بن عوف، و كان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه.

فقال له دريد: يا مالك، إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب،

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 240 و مختصر المزني ص 272 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 92 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 27.

(2) أعيان الشيعة ج 1 ص 278.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و راجع: البحار ج 21 ص 148 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

14

و خافته العجم و من بالشام، و أجلى يهود الحجاز، إما قتلا و إما خروجا على ذل و صغار، و يومك هذا الذي تلقى فيه محمدا له ما بعده.

قال مالك: إني لأطمع أن ترى غدا ما يسرك.

قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوى عنه أنه يسير بالظعن و الأموال مع الناس‏ (1) .

و كان قائد ثقيف و رئيسهم كنانة بن عبد ليل، و قيل قارب بن الأسود (2) .

و كان جملة من اجتمع من بني سعد و ثقيف أربعة آلاف، و انضمت إليهم أعداد من سائر العرب، جموع كثيرة، كان مجموعهم كلهم ثلاثين ألفا، و جعلوا أمر الجميع إلى مالك بن عوف‏ (3) .

فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أمر الناس، فخرجوا معهم أموالهم، و نساؤهم، و أبناؤهم. ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، و جعلت الأمداد تأتي من كل جهة، و أقبل دريد بن الصمة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده، و قال: بأي واد أنتم؟

قالوا: بأوطاس.

قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، و لا سهل دهس. مالي أسمع

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

(3) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

15

بكاء الصغير، و رغاء البعير، و نهاق الحمير، و بعار الشاء، و خوار البقر؟

قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم، و نساءهم، و أموالهم.

فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني، فقد خالفني، فأنا أرجع إلى أهلي و تارك ما هنا.

قيل: أفتلقى مالكا فتكلمه؟

فدعي له مالك، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، و إن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. مالي أسمع بكاء الصغير، و رغاء البعير، و نهاق الحمير، و بعار الشاء، و خوار البقر؟!

قال: قد سقت مع الناس أبناءهم، و نساءهم، و أموالهم.

قال: و لم؟

قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله و ماله يقاتل عنهم.

فأنقض به دريد، و قال: راعي ضأن و اللّه، ما له و للحرب. و صفق دريد بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، و قال: هل يرد المنهزم شي‏ء؟إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فارفع الأموال، و النساء، و الذراري إلى عليا قومهم، و ممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل، و الرجال بين أصفاف الخيل، أو متقدمة دريّة أمام الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، و إن كانت عليك الفاك ذلك، و قد أحرزت أهلك و مالك.

فقال مالك بن عوف: و اللّه، لا أفعل، و لا أغيّر أمرا صنعته، إنك قد كبرت و كبر علمك، أو قال عقلك. و جعل يضحك مما يشير به دريد.

16

فغضب دريد و قال: هذا أيضا يا معشر هوازن، و اللّه ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم، و ممكّن منكم عدوكم، و لا حق بحصن ثقيف و تارككم، فانصرفوا و اتركوه.

فسل مالك سيفه، ثم نكسه، ثم قال: يا معشر هوازن!!و اللّه، لتطيعنّني، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. و كره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي.

فمشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: و اللّه، لئن عصينا مالكا ليقتلن نفسه و هو شاب، و نبقى مع دريد و هو شيخ كبير لا قتال معه، فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه، قال:

يا ليتني فيها جذع # أخب فيها و أضع

أقود و طفاء الزمع # كأنها شاة صدع‏ (1)

ثم قال دريد: يا معشر هوازن، ما فعلت كعب و كلاب؟

قالوا: ما شهدها منهم أحد.

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 311 و البحار ج 21 ص 148 و 149 و 164 و 165 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 123 و تفسير القمي ج 1 ص 286 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 239 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 345 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 890 و عن عيون الأثر ج 2 ص 214 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 612 و غريب الحديث ج 1 ص 320 و إعلام الورى ص 120 و 121 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و 100.

17

قال: غاب الحد و الجد، لو كان يوم علاء و رفعة. و في لفظ: لو كان ذكرا و شرفا ما تخلفوا عنه، يا معشر هوازن، ارجعوا، و افعلوا ما فعل هؤلاء.

فأبوا عليه.

قال: فمن شهدها منكم؟

قالوا: عمرو بن عامر، و عوف بن عامر.

قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان و لا يضران.

قال مالك لدريد: هل من رأي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم؟

قال دريد: نعم، تجعل كمينا، يكونون لك عونا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، و كررت أنت بمن معك، و إن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كمينا في الشعاب، و بطون الأودية، فحملوا الحملة الأولى التي انهزم فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال دريد: من مقدمة أصحاب محمد؟

قالوا: بني سليم.

قال: هذه عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحّى من سنن خيلهم، فنحي بعيره موليا من حيث جاء (1) .

و نقول:

إن لنا هنا ملاحظات، و وقفات عديدة، نشير إليها ضمن العناوين التالية:

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312.

18

حنين واد قرب الطائف:
حنين واد إلى جنب وادي ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه و بين مكة بضعة عشر ميلا (1) .

و قيل: حنين: اسم لما بين مكة و الطائف‏ (2) .

و قال بعضهم: اسم موضع قريب من الطائف‏ (3) .

و قيل: بينه و بين مكة ثلاث ليال، قرب الطائف‏ (4) .

سبب غزوة حنين:
تقدم أنهم يزعمون: أن سبب هذه الغزوة هو: أنه بعد فتح مكة مشت أشراف هوازن، و ثقيف، و قالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، و الرأي أن نغزوه.

و لكنّ نصا آخر يقول: إن سببها هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 351 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و عون المعبود ج 7 ص 229 و راجع ج 6 ص 134 و راجع: عمدة القاري ج 14 ص 157 و ج 17 ص 277 و 294 و معجم ما استعجم ج 2 ص 471 و معجم البلدان ج 2 ص 313 و فتح الباري (المقدمة) ص 106 و ج 8 ص 21.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

(3) السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61.

(4) تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و عمدة القاري ج 14 ص 157 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 149 و معجم البلدان ج 2 ص 313 و راجع: التنبيه و الإشراف ص 234 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 8 و ج 8 ص 388 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.

19

خرج لفتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، فبلغ الخبر إليهم، فتهيأوا، و جمعوا الجموع و السلاح، و اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف، فرأسوه عليهم و خرجوا الخ... (1) .

و نقول:

أولا: إن ثمة خللا في هذا النص الأخير، فإن ما بلغ هوازن قد كان قبل فتح مكة، و بعد فتحها و بقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها هذه المدة التي قد يقال: إنها قاربت العشرين يوما، لا بد أن يتوقع أن هوازن قد اقتنعت بأن مكة كانت هي المقصودة بذلك الجيش... فلا معنى لأن تقرر هوازن أن تجمع هذه الجموع و تسير لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: إن هوازن قد بقيت سنة تجمع الجموع، و تحث القبائل على مشاركتها في حربها مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2) .

و صرحت بعض الروايات: بأنهم قبل فتح مكة كانوا يريدون قتاله «صلى اللّه عليه و آله» (3) ، فلا معنى لقولهم: إنها قد تهيأت للحرب حين بلغها

____________

(1) البحار ج 21 ص 148 و 149 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 33 و التفسير الصافي ج 2 ص 330 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 197 و تفسير الميزان ج 9 ص 230 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 240 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 45.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: البداية و النهاية ج 4 هامش ص 368.

(3) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: معجم قبائل العرب ج 1 ص 150 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 344.

20

مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليها، أو أنها قد قررت جمع الجموع و الحرب بعد فتح مكة..

فلعل الصحيح هو: أنها قد بدأت بالتهيؤ للحرب قبل سنة، ثم زادت و تيرة هذا الاستعداد بعد ما بلغها مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها..

ثم جددت خيار المبادرة و الدخول في الحرب بصورة فعلية بعد فتح مكة.

دوافع هوازن:
لقد بات واضحا: أن هوازن لم تكن تريد بحربها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و للمسلمين أن تحقّ حقا، أو تبطل باطلا، كما أنها لم تكن تريد الدفاع عن نفس أو عرض، أو مال، أو أرض، و لا الدفاع عن حرية أو كرامة، و لا عن جاه و زعامة، و لا دفاعا عن قيم إنسانية، أو عن حقائق إيمانية، أو ثأرا لعدوان سابق عليهم. و إنما كانت حرب العصاة البغاة، و المعتدين الطغاة، و حرب الأجلاف الجفاة، و العتاة القساة.

إنهم يخوضون حربا يقرر زعماؤهم، و أصحاب الرياسة فيهم زجّهم فيها، و يفرضونها عليهم، و حملهم على مواجهة ويلاتها، و تحمل تبعاتها..

و لو أنهم تركوا الأمور تسير على طبيعتها، فإن غاية ما كان سيفعله معهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: أن يعرض عليهم ما يدعو إليه، و يقدم لهم الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة عليه، و يبقى خيار القبول أو الرفض عائدا إليهم، وفقا للشعار الذي طرحه الإسلام في قوله تعالى:

لاََ إِكْرََاهَ فِي اَلدِّينِ (1) .

____________

(1) الآية 256 من سورة البقرة.

غ

21

و إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ (1) .

و إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هََادٍ (2) .

و فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ (3) .

إلى عشرات من الآيات الأخرى المصرحة بهذا المعنى..

فلماذا إذن تبادر هوازن إلى جمع الجموع، و الاستعداد طيلة سنة كاملة لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟!و لماذا تريد منعه من إبلاغ رسالات ربه، بأساليب القهر، و الظلم و التعدي، الذي يبلغ حد شن حرب، تأكل الأخضر و اليابس؟!

هل هذا ضعف بصيرة أم خذلان؟!
و قد قرأنا في النصوص المتقدمة و لم نزل نقرأ أمثال هذه المزاعم في مواقف كثيرة أخرى مشابهة لأهل الكفر، مثل يهود خيبر و غيرهم: «أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إنما كانوا ينتصرون في حروبهم المتلاحقة، لأنهم كانوا يلاقون قوما لا يحسنون القتال.. ثم يزعمون أنهم هم أهل الجد و الجلد، و أهل العدة و العدد، و العارفون بفنون الحرب، و الذين يملكون خبرات عالية بأساليب الطعن و الضرب» ...

و لكن هؤلاء القوم و كذلك غيرهم من اهل اللجاج و العناد يرون المعجزات الباهرة، التي لا تبقي مجالا للشك بحتمية الرعاية الربانية لهذا

____________

(1) الآية 188 من سورة الأعراف.

(2) الآية 7 من سورة الرعد.

(3) الآية 29 من سورة الكهف.

22

الدين و أهله. و قد كانوا يرون بأم أعينهم المعجزات القاهرة للعقول، أو الكرامات الظاهرة الآسرة للوجدان، الموقظة للضمير.

فما معنى: أن يتعامى أولئك الناس عن كل مظاهر هذه العناية الإلهية، و الرعاية الربانية، و يتجهون نحو تزوير الحقائق، و إخفاء أمرها، و تدنيس طهرها..

فهل يرجع هذا إلى ضعف في بصيرتهم، أو إلى خذلان رباني لهم، حجبهم عن الحقائق، أو حجبها عنهم، على قاعدة: فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ (1) ، و وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ (2) .

إن الإجابة الصحيحة و الصريحة عن ذلك، هي: صحة و وقوع كلا هذين الأمرين، نعوذ باللّه من الخذلان، و من سوء العاقبة و عذاب الخزي في الدنيا و الآخرة..

دريد بن الصمة في محكمة الوجدان:
إن كلام دريد بن الصمة مع مالك بن عوف فيما يرتبط برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بموقعه، و بما حققه من إنجازات يشير إلى معرفته التامة بما يجري في المنطقة، و بما آلت إليه الأمور بعد تلك الحروب الطويلة، التي خاضها المسلمون مع أعدائهم من مختلف الأديان و الأجناس، و في جميع المواقع..

كما أنه قد أظهر خبرة غير عادية بحالات القبائل، و سياسات الناس

____________

(1) الآية 5 من سورة الصف.

(2) الآية 17 من سورة محمد.

23

و أحوالهم.. و تنبأ بما تكون عليه الحال، لو التقى الناس في ساحات القتال، و تنبأ بأن مالكا سيترك أصحابه، و يلجأ إلى حصن الطائف، و هذا ما حصل فعلا.

فإذا كان هذا الرجل يملك هذه الخبرة العالية، و يعرف: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رجل كريم، فلماذا يستجيز لنفسه قتال الرجل الكريم، من دون ذنب أتاه إليه، و لا إلى غيره، سوى أنه يدعوه إلى الحق و الخير و الهدى؟!

و إذا كان يعرف أيضا: أن هذا النبي قد أوطأ العرب، و خافته العجم، و خافه من في الشام.

و يعرف: أنه أجلى يهود الحجاز: إما قتلا، أو خروجا على ذل و صغار.

و يعرف: أن الحرب مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» ليست مجرد عبث يتلاشى و ينتهي، بل هي عمل تبقى آثاره و نتائجه إلى الأعقاب، عبر الأحقاب..

فلماذا يرضى من يعرف ذلك كله: بأن يكون المدبر لهذه الحرب الظالمة، و العدوانية، على رجل كريم، قد حقق كل هذه الإنجازات الهائلة التي لم تعرف لها المنطقة العربية مثيلا في كل تاريخها الطويل؟!

فهل هذه حكمة و دراية، أم رعونة و غواية؟!

طموح تحمية الرعونة:
و مما لفت نظرنا هنا أيضا: أن مالك بن عوف لا يرضى بما أشار به دريد بن الصمة، و يسعى إلى فرض رأيه على قومه بأسلوب أرعن و ساقط، حيث إنه يأخذ سيفا، و يهددهم بأنه سوف يقتل به نفسه إن خالفوه..

24

و هذا إن دل على شي‏ء فإنما يدل على ضعفه الشديد، و إفلاسه الأكيد، من أي منطق صحيح و سليم.

و لو كان يملك حجة و منطقا صحيحا، فهو يكفي لإلزامهم بالأخذ برأيه، و يفرض عليهم البخوع لحجته..

و الأشد غرابة هنا: أن لا نجد في تلك القبيلة الكبيرة بأسرها، و التي هي بصدد اتخاذ قرار مصيري و حاسم، يؤثر على مستقبلها و وجودها-لا نجد فيها-من يقول له: إن تهديدك بقتل نفسك لا يدل على صحة قراراتك، إن لم يكن دليلا على ضعف حجتك، و بوار منطقك..

و إذا كان قرارك خاطئا فسينتج المصائب و البلايا، و الكوارث و الرزايا، على مئات أو ألوف من البشر، لا يحق لك أن تتصرف بمصيرهم من دون روية، و تدبر، و حكمة و تبصر.

بل إنهم جميعا خضعوا لإرادته، و أطاعوه حبا بالحفاظ على حياته، و لم يفكروا بما يحفظ لهم حياتهم.. مع أن هذا الرجل هو مجرد شاب طامح، لا يملك الكثير من الخبرة، أو التجربة، و الحنكة، و لا يشعر بالمسؤولية بالمستوى الذي يؤهله لإصدار قرارات بهذا القدر من الحساسية، و بهذا المستوى من الخطورة. بل هو يستجيب لأحاسيسه، و ينقاد لمشاعره، و أهوائه.

و الأغرب من ذلك: أن هؤلاء الناس قد سمعوا حجة دريد بن الصمة على مالك بن عوف.. و كانت حجة قوية، و مرضية، و سمعوا أيضا جواب مالك عليها، الذي كان مجرد إصرار على رأي ظهر خطؤه، و قد صاحب إصراره هذا الضحك الإزدرائي و حفنة من الشتائم، حيث اعتبره إنسانا قد كبر، و كبر علمه، فأصبح هرم الجسم و العلم و العقل.. فهو يتكلم بما ربما

25

يصنف في دائرة الخرف و الإختلال، أو التدني في مستوى الإدراك و الوعي للأمور..

الإستطلاع.. و التثبت:
عن جابر بن عبد اللّه، و عمرو بن شعيب، و عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما سمع بخبر هوازن بعث عبد اللّه بن أبي حدرد، فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، و قال:

«إعلم لنا علمهم» .

فأتاهم، فدخل فيهم، فأقام فيهم يوما و ليلة، أو يومين، حتى سمع و علم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سمع من مالك، و أمر هوازن، و ما هم عليه‏ (1) .

و عند محمد بن عمر: أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف، فيجد عنده رؤساء هوزان، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، و إنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم، فإذا

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن ابن إسحاق، و البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 891 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346 و عن عيون الأثر ج 2 ص 214 و 215 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 572 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 48 و 49 و معجم قبائل العرب ج 2 ص 833.

26

كان السحر فصفّوا مواشيكم و نساءكم من ورائكم، ثم صفوا، ثم تكون الحملة منكم، و اكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، و احملوا حملة رجل واحد، و اعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا. انتهى‏ (1) .

ثم أقبل حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، فقال:

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب: «ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد» ؟

فقال عمر: كذب.

فقال ابن أبي حدرد: و اللّه لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق.

فقال عمر: ألا تسمع يا رسول اللّه ما يقول ابن أبي حدرد؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قد «كنت ضالا فهداك اللّه» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن الواقدي، و راجع: البحار ج 21 ص 149 و 164-165 و تفسير القمي ج 1 ص 286-287 و راجع: إعلام الورى ص 120 و المغازي للواقدي ج 3 ص 893 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 و إعلام الورى ص 120 و البحار ج 21 ص 165 و المغازي للواقدي ج 3 ص 893 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 86 و 82 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ص 891 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و المواهب اللدنية ج 1 ص 161 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 475 و (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 572 و أسد الغابة ج 3 ص 141 و شرح المواهب اللدنية ج 3 ص 2 و البداية-

27

(زاد الطبرسي قوله: و ابن أبي حدرد صادق) (1) .

ماذا يريد الرسول صلّى اللّه عليه و آله من ابن أبي حدرد؟!:
1-إننا لسنا بحاجة للتذكير بأهمية الإستخبارات في إنجاح أي عمل عسكري ضد العدو، و لذلك رأينا: أنه حين علم «صلى اللّه عليه و آله» بأمر هوازن كان أول عمل قام به هو إرسال العيون لمعرفة نواياهم الحقيقية في أمر الحرب و السلم من جهة، ثم معرفة الخطة التي سيعتمدونها في حربهم، فيما لو كان قرارهم هو إثارة الحرب ضد المسلمين من جهة أخرى.

2-ثم إن هذا التروّي، و عدم التسرع في اتخاذ القرار بجرد وصول الخبر عن جمع هوازن، يدخل في دائرة الإنصاف للآخرين، و الشعور بالمسؤولية، و تحاشي القيام بأي عمل حربي ضدهم، أو أي عمل إيذائي مهما كان نوعه قبل التأكد من صحة الأخبار الواصلة..

3-و يثير الإنتباه هنا: التعبير الذي اختاره «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصدر أمره لابن أبي حدرد، حيث قال له «صلى اللّه عليه و آله» : «إعلم لنا علمهم» .

فالمهمة إذن هي: أن ينوب عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تحصيل

____________

قو النهاية ج 4 ص 371 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و 614 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346.

(1) إعلام الورى ص 120 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 229 و البحار ج 21 ص 165.

28

العلم بالمطلوب.

4-و متعلق العلم الذي يريده «صلى اللّه عليه و آله» من ابن أبي حدرد هو أيضا نفس علمهم، أي أنه يريد منه أن لا يكتفي بالحدسيات، و بالإمارات و القرائن، و لا بالظنون مهما بلغت قوتها.. و لا بالاستنتاجات المستندة إلى الإجتهاد، بل المطلوب هو: أن يصبح علمه بما عزموا عليه هو نفس علمهم. و كأنه ينقل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفس علمهم.

و هذا غاية في الإحتياط، و منتهى في الدقة.

موقف عمر من ابن أبي حدرد:
و لا ندري السبب في هذا الموقف الغريب و العجيب، الذي اتخذه عمر بن الخطاب من ابن أبي حدرد!!فإن هذه القضية قد حملت معها الكثير من الدلالات اللافتة و المثيرة.. و نستطيع أن نشير هنا إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله:
فقد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن سمع ما نقله ابن أبي حدرد عن مالك بن عوف، قال لعمر: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟

و قد يكون التفسير الطبيعي لهذا السؤال هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد توجيه عمر إلى خطة مالك بن عوف، التي رسمها لأصحابه لمهاجمة أهل الإسلام.

غير أنه يمكن أن يفسر ذلك بطريقة أخرى، و هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد استدراج عمر، ليفصح عن دخيلة نفسه. و هذا ما حصل فعلا.

29

الأمر الثاني: تكذيب عمر لابن أبي حدرد:
ثم جاءت إجابة عمر نشازا، و هجينة في مضامينها، حين اتهم ابن ابي حدرد بالكذب. مع أن اللّه تعالى لم يطلعه على غيبه، كما أنه لم يكن يملك أي دليل يشير إلى كذب هذا الرجل.

إلا أن يكون لعمر بن الخطاب عيون قد حضروا نفس المجلس الذي حضره ابن أبي حدرد، و نقلوا له ما يدل على عدم صحة ما جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لا نظن أن أحدا يرتضي حتى إبداء هذا الإحتمال، إلا في صورة واحدة، و هي أن يكون على علم بسوء سريرة عمر بن الخطاب، و يرى أنه يخطط، و يعمل بصورة مستقلة، و لحساب فريق آخر غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جماعة المسلمين.

أو أنه يتهم عمر بأنه يمالئ مشركي هوازن، و يتصل بهم، و ينسق معهم، و يريد بموقفه هذا تعمية الأمور على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و التستر عليهم عنده، لتمكينهم من إيراد ضربتهم بأهل الإسلام. أو حفظهم، و دفع الأخطار عنهم، ما وجد إلى ذلك سبيلا.

و هذه احتمالات خطيرة، و لا يمكن البخوع لها و التسليم بها، إذا لم تدعمها الأدلة الدامغة، و الشواهد الواضحة.

الأمر الثالث: لربما كذبت بالحق:
و أما جواب ابن ابي حدرد لعمر بقوله: لربما كذبت بالحق. ثم تفسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك: بأنه قد كان ضالا فهداه اللّه.. فهو غير

30

ظاهر الوجه، و يصعب الإطمئنان إلى عدم عروض التحريف له.. لأن ابن أبي حدرد يريد أن يرد الاتهام بمثله، و التكذيب بالحق أيام الضلال مما لا يختص بعمر، بل هو حال عامة الناس آنئذ.

و عمر إنما نسب إلى ابن أبي حدرد الكذب في نفس مقامه، و عين كلامه، فالمناسب أن يكون رد ابن أبي حدرد عليه هو نسبة الكذب إليه بنفس المستوى، و في نفس ذلك المقام.

بل إن المناسب هو: أن يستبدل كلمة «لربما» بكلمة «لطالما» كما هو المتوقع في أمثال هذه المواقف.. و لعل محبي عمر استبدلوا هذه بتلك للإبقاء على مقام عمر و هيبته.

غير أن بالإمكان دفع هذه الإحتمالات بأن مقصود ابن أبي حدرد بكلامه هذا هو: أن حكم عمر بكذب ابن أبي حدرد في هذا المورد ربما يكون تكذيبا بالحق..

و لكن يرد على هذا: أنه يخالف التوجيه الذي نسبوه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جوابه لعمر، و هو قوله: «قد كنت ضالا فهداك اللّه» ..

كما أن ذلك لا يصحح اعتراض عمر، و استنجاده برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لا يبرر نجدة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له بهذا الكلام المنسوب إليه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لو كان هذا مقصود ابن أبي حدرد لكان عمر قد فهم كلام ابن أبي حدرد، و لم يكن معنى لأن يتوجه عمر بشكواه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأساس و لا أن يظهر كأنه يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله»

31

للإنتصار له.

و ليس ثمة ما يبرر الشكوى أو الاستنصار.

كما أنه لم يكن هناك ضرورة للتفسير من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ..

الأمر الرابع: صدق أبي حدرد:
و قد انتهى الأمر بإعلان النبي «صلى اللّه عليه و آله» صدق ابن أبي حدرد في أقواله.

حيث أضاف «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «و ابن أبي حدرد صادق» .

و هذا في حد ذاته يعتبر إدانة لعمر، و تكذيبا له، بل هو تأييد لقول ابن أبي حدرد: على رواية «لربما كذبت بالحق» إذا كان مقصوده: أن تكذيبك لي في هذا المورد ربما يكون تكذيبا بالحق.. و النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد أكد صحة ذلك..

فإذا كان صادقا، فلماذا لم يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تأنيب عمر على نسبته إلى الكذب؟!فإن هذا هو المتوقع من النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» في مثل هذه الحالات، إلا إذا فرض: أن ثمة ما يمنع من الزيادة على هذا، و اللّه هو العالم بالحقائق.

الأمر الخامس: لماذا الحذف؟!:
و قد لاحظنا: أن أكثر نقلة هذه القضية يقتصرون على بعض فقراتها، و يحذفون سائرها.. خصوصا حينما يصل الأمر إلى عمر و موقفه، و ما جرى، مع أنهم يلاحقون الواو و الفاء، و الباء، و التاء حين يكون هناك ما يحتملون فيه أدنى تأييد له.. فراجع على سبيل المثال السيرة الحلبية، و الإصابة، و أسد

32

الغابة.. و غير ذلك من مصادر..

أليس هذا من أجلى مصاديق القول المعروف: «حبك الشي‏ء يعمى و يصم» ؟!.

أعاذنا اللّه من الزلل و الخطل في الفكر، و في القول، و في العمل، إنه ولي قدير، و بالإجابة جدير..

33

الفصل الثاني:

الجيشان إلى حنين‏

34

-

35

الإستعداد للمسير و عقد الألوية:
و يلاحظ: أن المؤرخين لا يجرؤون على ذكر صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة، و لكن القمي «رحمه اللّه» ، لم يهمل الروايات المصرحة باسمه، فجهر بالحق، و لم يبال بالأخطار التي أدناها الاتهام بالزندقة، و الخروج عن الدين، فهو يقول:

«بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اجتماع هوزان بأوطاس، فجمع القبائل، و رغّبهم في الجهاد، و وعدهم النصر، و أن اللّه قد وعده أن يغنمه أموالهم، و نساءهم، و ذراريهم.

فرغب الناس، و خرجوا على راياتهم، و عقد اللواء الأكبر، و دفعه إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» . و كل من دخل مكة براية، أمره أن يحملها.

و خرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممن كانوا معه‏ (1) .

____________

(1) البحار ج 21 ص 147 و 149 و 155 و 165 و تفسير القمي ج 1 ص 286 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 113 و نور الثقلين ج 2 ص 199 و إعلام الورى ج 1 ص 228 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 140 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 139 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و التفسير الصافي ج 2 ص 330 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 106 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 2 ص 55 و جامع-

36

و قيل: عشرة آلاف‏ (1) .

و قيل: أحد عشر ألفا (2) .

و قيل: أحد عشر ألفا و خمس مائة (3) .

و قيل: أربعة عشر ألفا (4) .

و قيل: ستة عشر ألفا (5) . فيهم ثمانون من المشركين من أهل مكة منهم صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو (6) .

و نلاحظ هنا ما يلي:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» -وفق هذا النص-قد أخبر الناس بنتائج

____________

قالبيان ج 10 ص 130 و كشف الغمة ج 1 ص 220 و 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 341 و شجرة طوبى ج 2 ص 307 و زاد المسير ج 3 ص 281 و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25 فتح القدير ج 2 ص 348.

(1) زاد المسير ج 3 ص 281.

(2) فتح القدير ج 2 ص 348.

(3) راجع: تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و زاد المسير ج 3 ص 281 عن مقاتل و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.

(4) راجع: تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.

(5) فتح القدير ج 2 ص 348 و زاد المسير ج 3 ص 281 و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.

(6) تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: إمتاع الأسماع ج 8 ص 389 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 64.

37

تلك الحرب مسبقا. و لعل ذلك يرجع لعدة أسباب:

أحدها: أن يرغّب الناس في الخروج إلى الحرب..

الثاني: أن يكون ذلك من أسباب الربط على قلوبهم، و تأكيد اليقين لديهم بصحبة النبوة..

الثالث: أن يثقوا برعاية اللّه تعالى لهم، و لطفه بهم..

الرابع: أن يعرف الناس، و يميز أهل اليقين، و الصادقين في إيمانهم عن غيرهم من المدّعين غير الصادقين.

الخامس: أن يدلهم ما جرى من الهزيمة الشاملة، ثم النصر العتيد الذي يأتي بعدها بسيف علي «عليه السلام» على: أن ذلك كان بعلم اللّه، و أن الذي تحقق لم يكن عن استحقاق منهم، بل هو أمر صنعه اللّه لوليه و وصي رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنهم إنما ينعمون بفواضله، و يستفيدون من ثمار جهده و جهاده، فالغنائم ليست لهم، و كذلك السبايا و الأسرى، فإذا قسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على من شاء من المؤلفة قلوبهم، فليس لأحد الحق في أن يعترض بشي‏ء، و ليس له أن يتوهم أن له نصيبا أو حقا فيها.. بل هي لخصوص صانع النصر، ألا و هو علي بن أبي طالب «صلوات اللّه و سلامه عليه» ..

عقد الألوية:
زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عقد الألوية ليلة حرب حنين في وقت السحر، «فدفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، و لواء إلى علي بن أبي طالب، و لواء إلى سعد بن أبي وقاص، و لواء الأوس إلى أسيد بن‏

38

حضير، و لواء الخزرج إلى حباب بن المنذر، و آخر إلى سعد بن عبادة.

و قيل: كان لكل من الأوس و الخزرج لواء في تلك الغزوة، و لكل قبيلة من القبائل التي كانت معه لواء، ثم ركب «صلى اللّه عليه و آله» بغلته الخ.. » (1) .

و في سيرة الدمياطي: في كل بطن من الأوس و الخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم‏ (2) .

و نقول:

قد تقدم: أن اللواء الأكبر كان مع علي «عليه السلام» ، و لكن هؤلاء يحاولون الكيد لعلي «عليه السلام» ، و التشكيك بما له من فضائل و كرامات بهذه الطريقة الغبية و المفضوحة، فنحن نسجل هنا ما يلي:

1-إنهم هم أنفسهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى لواء المهاجرين لعلي «عليه السلام» ، و أعطى راية لعمر بن الخطاب‏ (3) .

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 101 السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 12 و ج 7 ص 170.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64، و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150.

(3) السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 170.

39

إنه لا شك في كذب هذه الإدعاءات، فالألوية إنما تعطى للشجعان الأكفاء، و لم يظهر من عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك، بل ظهر منه عكسه في كثير من المقامات التي انهزم فيها.

2-إن عامة المؤرخين، و المصنفين في السيرة النبوية لا يجرؤن على التصريح باسم حامل اللواء الأكبر في هذه الحرب الهائلة، و أنه علي «عليه السلام» . و هذا يرجع إلى أن لدى الحكام، و كل من يدور في فلكهم من وعاظ السلاطين، و سائر الناس-و الناس على دين ملوكهم-حساسية كبيرة من ذكر أي شي‏ء يرتبط بعلي «عليه السلام» ، أو يشير إلى فضله، و مناقبه و مقاماته..

و لعل تصريح المصادر الكثيرة: بأنه «عليه السلام» كان حامل لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد جعلهم يكتفون بذلك، و يعتبرون: أن هذه التصريحات تبرّئ ذمتهم، و تدفع عنهم الإحراجات التي يخشون التعرض لها من التصريح بهذا الأمر في كل غزوة، و مقام، و مشهد، فلا ضير إذا أهملوا ذلك و اكتفوا به عن التصريح المتعاقب و المتوالي في كل مرة.

و قد غاب عنهم: أن هذا التصرف منهم قد أفسح المجال للحاقدين، و المصطادين بالماء العكر لمحاولة تزوير الحقائق، و إطلاق ادّعاءات تجانب الواقع و الحقيقة في المواقف المختلفة، فزعموا في حرب حنين: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى لواء المهاجرين لعمر بن الخطاب، و أن عليا صلوات اللّه و سلامه عليه كان يحمل لواء من ألوية المهاجرين، و أعطى «صلى اللّه عليه و آله» راية لسعد و راية لعمر. ثم أعطى لواء الخزرج لحباب بن المنذر، و لواء

40

الأوس لأسيد بن خضير.

نقول:

إن ذلك لا يصح، لأن لواء الجيش كله كان مع علي. و لا يمنع أن يكون معه لواء المهاجرين أيضا.

و يدل على ذلك:

1-إنهم يقولون: إنه «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد (1) .

2-عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي و عجمي صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هو صاحب لوائه في كل زحف. و هو الذي ثبت معه يوم المهراس (أي يوم أحد) ؛ و فرّ الناس. و هو الذي أدخله قبره‏ (2) .

____________

(1) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 145 و تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 42 ص 74 و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 14 و (ط دار صادر) ج 3 ص 23 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 625 و كفاية الطالب ص 336 عنه، و في هامشه عن: كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، و الرياض النضرة ج 2 ص 202 و قال: أخرجه نظام الملك في أماليه.

و راجع: فضائل الصحابة لابن حنبل ج 2 ص 650 و 1106 عن ابن عباس، و الحكم، و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 528 و ج 30 ص 220 و ج 32 ص 24.

(2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مناقب الخوارزمي ص 21 و 22 و إرشاد المفيد ص 48 و (ط دار المفيد) ج 1 ص 79 و ذخائر العقبى-

41

3-عن ابن عباس: كان علي «عليه السلام» أخذ راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر.

قال‏[الحكم‏]الحاكم: و في المشاهد كلها (1) .

4-و عن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير و إخوانه من القراء:

من كان حامل راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قالوا: كان حاملها علي (رض) (2) .

____________

قص 86 و البحار ج 20 ص 81 و ج 38 ص 240 و 256 و تيسير المطالب ص 49 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 39 و الإستيعاب ج 3 ص 1090 و شرح النهج ج 4 ص 117 و نظم درر السمطين ص 134 و شواهد التنزيل ج 1 ص 118 و الإكمال في أسماء الرجال ص 127 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 135 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 72 و تهذيب الكمال ج 20 ص 480 و الوافي بالوفيات ج 21 ص 178 و أعيان الشيعة ج 1 ص 335 و المناقب للخوارزمي ص 58 و كشف الغمة ج 1 ص 79 و 190 و العدد القوية ص 244 و النصائح الكافية ص 237 و بناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص 133 و منهاج الكرامة ص 95 و غاية المرام ج 5 ص 175 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 454 و 455 و ج 15 ص 430 و 654 و ج 20 ص 457 و ج 22 ص 146 و ج 23 ص 509 و ج 31 ص 296 و 604.

(1) ذخائر العقبى ص 75 و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 4 ص 156 و ينابيع المودة ج 2 ص 166 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 189 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 527 و ج 30 ص 221 و راجع: الكامل لابن عدي ج 1 ص 240 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 72.

(2) ذخائر العقبى ص 75 و ينابيع المودة ج 2 ص 167 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 269 و ج 15 ص 550 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 85 و البحار ج 42 ص 60.

42

و في نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك إلى إخوانه من القرّاء، فعرّفوه: أنه خائف من الحجاج.

فعاد و سأله، فقال: كان حاملها علي (رض) .

هكذا سمعت من عبد اللّه بن عباس‏ (1) .

و في نص آخر عن مالك بن دينار، قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قال: إنك لرخو اللبب.

فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك. كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏ (2) .

5-عن جابر: قالوا: يا رسول اللّه، من يحمل رايتك يوم القيامة؟

____________

(1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 137 و صححه، و قال: له شاهد من حديث زنفل العرفي، و فيه طول فلم يخرجه الحاكم، و أعيان الشيعة ج 1 ص 337 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 11 ص 345 و مناقب الخوارزمي ص 258 و 259 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 358، و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 269 و ج 8 ص 524 و ج 15 ص 549 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 85 و البحار ج 42 ص 60 و غاية المرام ج 7 ص 51.

(2) الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 15 و (ط دار صادر) ج 3 ص 25 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مناقب الخوارزمي ص 21 و 22 و الإرشاد للمفيد ص 48 و تيسير المطالب ص 49 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 437 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 524 و ج 32 ص 343.

43

قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، إلا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب؟! (1) .

و في نص آخر: عبر باللواء بدل الراية (2) .

6-و حينما مرّ سعد بن أبي وقاص برجل يشتم عليا «عليه السلام» ،

____________

(1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 27 و البحار ج 39 ص 213 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 291 و 515 و ج 2 ص 498 و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 247 و الإكمال في أسماء الرجال ص 34 و قاموس الرجال ج 10 ص 334 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 3 ص 54 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 47 و المسترشد للطبري هامش ص 334 و الإحتجاج للطبرسي هامش ص 180 و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 172 عن نظام الملك في أماليه، و كفاية الطالب ص 336، و قال: ذكره محدث الشام-أي ابن عساكر-في ترجمة علي «عليه السلام» من كتابه بطرق شتى عن جابر، و عن أنس، و كنز العمال ج 13 ص 136 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن المغازلي ص 200 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 74 و 75 و الموضوعات ج 1 ص 16 و 388 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 240 و البداية و النهاية ج 7 ص 371 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 182 و عمدة القاري ج 16 ص 216 و مناقب الخوارزمي ص 358 و شرح إحقاق الحق ج 15 ص 552 و 553 و ج 23 ص 297 و ج 30 ص 224 و حديث خيثمة ص 199 و تنبيه الغافلين ص 19.

(2) تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 75 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 8 ص 149 و شرح إحقاق الحق ج 15 ص 557.

44

و الناس حوله في المدينة، وقف عليه، و قال: يا هذا!علام تشتم علي بن أبي طالب؟

ألم يكن أول من أسلم؟

ألم يكن أول من صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

ألم يكن أزهد الناس؟

ألم يكن أعلم الناس؟

و ذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزواته؟ (1) .

و ظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات اللّه و سلامه عليه.

7-عن مقسم: إن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و راية الأنصار مع سعد بن عبادة، و كان إذا

____________

(1) شرح الأخبار ج 2 ص 542 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 78 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 35 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 8 ص 321 و شرح إحقاق الحق ج 18 ص 203 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ص 291 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 500 و صححه على شرط الشيخين هو و الذهبي في تلخيص المستدرك، و حياة الصحابة ج 2 ص 514 و 515. و أظن أن القضية كانت مع سعد بن مالك أبي سعيد الخدري، لأن سعد بن أبي وقاص كان منحرفا عن أمير المؤمنين «عليه السلام» . و يشير إلى ذلك ما ذكره الحاكم في مستدركه ج 3 ص 499 من أن أبا سعيد قد دعا على من كان ينتقص عليا «عليه السلام» فاستجاب اللّه له.

غ

45

استعر القتال كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما يكون تحت راية الأنصار (1) .

8-عن عامر: إن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و كانت في الأنصار حيثما تولوا (2) .

و قد يناقش في هذين النصين الواردين تحت رقم (7) و (8) بأنهما فيما يبدو يرجعان إلى نص واحد و هو المروي عن ابن عباس‏ (3) بواسطة عامر تارة و مقسم أخرى و عامر عن مقسم ثالثة، و كلاهما عن ابن عباس في مورد رابع. و قد يظهر لنا من كل ذلك أنها رواية واحدة اكتفى الراوون بذكر واحد ممن رأوه هو الأشهر و الأذكر بنظرهم.

و في جميع الأحوال نقول:

قد يقال: إن هذه الرواية أو الروايتين لا تدلاّن على أن الراية كانت دائما مع علي «عليه السلام» بصورة أكيدة و صريحة، لكن الإنصاف هو: أن ظاهرهما ذلك. و لكن تبقى هذه رواية شاذة لا عبرة بها إذا قورنت بذلك السيل الهائل من الروايات الصحيحة و الصريحة في خلاف ذلك كما هو ظاهر.

____________

(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 288، و التاريخ الكبير ج 6 ص 258 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 527 و ج 20 ص 529 و 332 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 249 و سير أعلام ج 1 ص 273 و راجع: فتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد، عن ابن عباس بإسناد قوي.

(2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 288 و شرح إحقاق الحق ج 20 ص 530.

(3) مجمع الزوائد ج 5 ص 321 و راجع: فتح الباري ج 6 ص 89 و التاريخ الكبير ج 6 ص 258 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 371 و 372 و ج 9 ص 109 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 526.

46

9-عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب‏ (1) .

10-قال ابن حمزة: «و هل نقل أحد من أهل العلم: أن عليا كان في جيش إلا و هو أميره» ؟ (2) .

11-و في حديث المناشدة: أن عليا «عليه السلام» قال: نشدتكم اللّه، هل فيكم أحد صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منذ يوم بعثه اللّه إلى يوم قبضه، غيري؟!

قالوا: اللهم لا (3) .

عتاب أمير مكة:
قالوا: لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خبر هوازن و ما عزموا عليه، أراد التوجه لقتالهم، و استخلف عتاب بن أسيد أميرا على أهل مكة، و معاذ بن جبل (إماما بها، وفقيها فيها) يعلمهم السنن و الفقه، و كان عمر عتاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة (4) .

____________

(1) أسد الغابة ج 4 ص 20 و أنساب الأشراف ج 2 ص 106 لكن فيه: ميسرة العبسي بدل سعد بن عبادة، و راجع: شرح إحقاق الحق ج 8 ص 525.

(2) الشافي لابن حمزة ج 4 ص 164.

(3) المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب «عليه السلام» ص 57 و (ط سنة 1415 قم) ص 334.

(4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 و 406 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار-

47

و نقول:

قد تقدم الحديث عن عتاب بن أسيد و استخلافه على مكة، و عن إبقاء معاذ بن جبل معه، ليعلمهم بعض الأحكام و السنن.

و قد بينا هناك بعض ما يفيد في معرفة ما يرمي إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من هذا الإختيار و ذاك..

إستعارة السلاح من المشركين:
عن جابر بن عبد اللّه، و عمرو بن شعيب، و عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، و الزهري، و عن أمية بن سفيان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أجمع السير إلى هوازن ذكر له: أن عند صفوان بن أمية أدرعا و سلاحا، فأرسل إليه-و هو يومئذ مشرك-فقال: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا» .

فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟

قال: «لا، بل عارية مضمونة حتى نردها إليك» .

قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس‏ (1) .

____________

قالمعرفة) ج 2 ص 108 و راجع: إعلام الورى ص 128 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و البحار ج 21 ص 174 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 48 و 49 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 137 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 عن ابن إسحاق، و أحمد، و أبي داود، -

48

و يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استعار منه أربعمائة درع بما يصلحها (1) .

و زعم بعضهم: أن بعض تلك الأدرع فقد، فأراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يضمنها له، فأبى بعد إسلامه، و قال: «أنا اليوم في الإسلام يا رسول اللّه أرغب» (2) .

قالوا: و استعار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة حنين أيضا من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال: «صلى اللّه

____________

قو النسائي، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 891 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 66 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346 و التنبيه و الإشراف ص 234 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 262 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و عيون الأثر ج 2 ص 215 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و إمتاع الأسماع ص 10 و إعلام الورى ص 119 و البحار ج 21 ص 164 و 165 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و إمتاع الأسماع ص 10 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و تفسير القرطبي ج 8 ص 97.

(2) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و سبل السلام ج 3 ص 69 و تلخيص الحبير ج 11 ص 210 و نيل الأوطار ج 6 ص 41 و مسند أحمد ج 3 ص 401 و ج 6 ص 465 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 410 و سنن الدارقطني ج 3 ص 35 و تنقيح التحقيق للذهبي ج 2 ص 121 و أضواء البيان للشنقيطي ج 9 ص 123 و البداية و النهاية ج 4 ص 371 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 8 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 614 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ص 63.

49

عليه و آله» : كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين‏ (1) .

و نقول:

قد يقال: ما هو السبب في استعارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» درعا من مشرك، و كذلك في اقتراضه أموالا من المشركين في مكة، و منهم صفوان بن أمية كما تقدم.

مع أن هذا الأمر لا يخلو من إحسان و تفضل من المعير بالنسبة للمستعير، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب من اللّه: أن لا يجعل لكافر و لا مشرك عليه يدا يستحق أن يكافئه، أو أن يشكره عليها (2) .

و نقول في الجواب:

إن الإمتنان على الآخرين، إنما يصح لو كان لذلك المشرك مال يبذله، و عطاء يسديه، و أما إعطاء العبد لمالكه مالا، فلا يعد تفضلا، لأن العبد و ما ملكت يداه لسيده و مولاه..

و صفوان بن أمية كان من مشركي مكة التي افتتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و من دون قتال، لأن ما وقع من قتال لم يكن بأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كان منهيا عنه. فأصبح أهلها الذين

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 عن السهيلي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108.

و راجع: المستدرك للحاكم ج 3 ص 246 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 4 ص 1512 و قاموس الرجال ج 10 ص 415 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 47 و أسد الغابة ج 5 ص 46 و المنتخب من ذيل المذيل ص 10.

(2) تقدمت مصادر ذلك في الحديث عن إيمان أبي طالب.

50

نابذوه و قاتلوه ملكا له، يتصرف فيهم كيف يشاء، و أصبح مالهم ماله، فاستعارة الدروع من صفوان لا تجعل لصفوان يدا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن صفوان و دروعه ملك له «صلى اللّه عليه و آله» .

يضاف إلى ذلك: أنه قد يقال: إن اقتراضه «صلى اللّه عليه و آله» هذا لم يكن لاستفادته الشخصية، بل هو لأجل حفظ الدين و الدفع عن المؤمنين، فليس لهم أن يمنّوا على شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يعود نفعه لغيره.

فإن قلت: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حرر أهل مكة، و قال لهم:

اذهبوا فأنتم الطلقاء. فكانت الأموال لأهلها، فإن أعاروها له «صلى اللّه عليه و آله» كانت يدا لهم عنده.

و نجيب:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، و لم يقل لهم:

اذهبوا فأنتم الأحرار. و الطليق مقابل المقيد، و الأسير. و العبد مقابل الحر..

و إطلاق الأسير يعطيه القدرة على التنقل و الحركة، سواء أكان هذا الطليق عبدا أو حرا.

و إنما لم يقل لهم: اذهبوا فأنتم الأحرار، لإمكان أن يوهموا الناس بأن مقصود النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو تقرير حقيقة ثابتة منذ الأزل.

فاختيار كلمة: أنتم الطلقاء تعني من جهة: سبق العبودية لهم. و هي من جهة أخرى تبقي الأمر مؤرجحا بين احتمالين:

أحدهما: أنه قد حررهم بنفس هذه الكلمة.

و الثاني: أنهم لا زالوا على عبوديتهم، و لكنه يعطيهم الحرية في التصرف كتصرف الأحرار.

51

فمعاملتهم من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة، كما يعامل الأحرار لا ينافي ما قلناه. لأنه يكون قد جاء على سبيل التفضل و التكرم، فإن للسيد أن يفسح المجال لعبده ليتملك، و يتزوج، و يبيع و يشتري، و لا يلزمه بالإستئذان منه في شي‏ء من ذلك.. و إن انتهى الأمر بعد ذلك إلى صرف ذلك المالك نظره عن عبده هذا بالكلية، ليصبح طليقا و حرا أيضا..

أي أن حريته تتحقق بصرف النظر هذا، لا بكلمة: اذهب فأنت طليق..

و على هذا الأساس يصح من مالك ذلك العبد أن يقترض من عبده، و أن يرد إليه ما اقترضه منه.

و نلاحظ هنا: دقة و أهمية هذه السياسة النبوية مع أناس يعرف «صلى اللّه عليه و آله» أخلاقهم و طموحاتهم، و نفسياتهم، و يتوقع، بل و يعرف كيف سيكون موقفهم من هذا الإسلام، و من رموزه الحقيقين، و هم علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، فأراد أن يبقي على هذا الشعور عندهم بحقيقة ما انتهى إليه أمرهم معه من خلال تذكيرهم بأنهم لا يستحقون إلا أن يكونوا أرقاء و يسجل ذلك للتاريخ و للأجيال..

نعود لنقول:

إن مكة لم تفتح عنوة، و خوف أهل مكة من الجيش المندفع إليها لا يجعلها مفتوحة بقوة السيف.. و لا نرى فرقا بين أن تجتمع الجيوش في المدينة، فيخاف أهل مكة، و يعلنون استسلامهم، و بين أن تحضر الجيوش إلى محيط البلد، فيخاف أهلها، و يجنحون إلى الاستسلام، و بين أن يدخلها ذلك الجيش، فيخاف أهلها و يعزفزن عن القتال. ففي هذه الموارد كلها لا يقال:

إن البلد قد فتحت عنوة..

52

و ربما يشهد لكون مكة ملكا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

ما ورد في الروايات من كراهة تأجير بيوت مكة للحجاج، و أن يعلقوا عليها أبوبا، و أنه لا ينبغي أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها و أن للحجاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار، حتى يقضوا مناسكهم، و أن أول من جعل لدور مكة أبوابا هو معاوية (1) .

ثانيا: لو سلمنا: أن إطلاقهم يعني تحريرهم، لكن ذلك لا يخرج أموالهم عن كونها غنائم للفاتحين، و لا يعيدها إليهم إلا بإعطاء جديد و صريح.

و مجرد إغماض النظر عن المطالبة بتلك الأموال يكون منة أخرى له «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» أباح لهم التصرف بها، و إن لم يملّكهم إياها.

و ربما يقال: إن هذه الأموال إن كانت غنائم، و كانت مكة قد فتحت عنوة، فمعنى ذلك: أنها ملك للفاتحين، و هم هذا الجيش الذي دخل مكة

____________

(1) راجع النصوص في المصادر التالية: مسائل علي بن جعفر ص 143 و 168 و قرب الإسناد ص 65 و 52 و الكافي ج 1 ص 243 و 244 و ج 4 ص 243 و 244 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 126 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 420 و 463 و علل الشرايع ج 1 ص 396 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 267- 270 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 367 و 368 و البحار ج 33 ص 171 و التفسير الأصفى ج 2 ص 802 و التفسير الصافي ج 3 ص 371 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 481 و الحدائق الناضرة ج 17 ص 348 و 349 و جواهر الكلام ج 20 ص 49 و جامع المدارك ج 2 ص 549 و مختلف الشيعة ج 4 ص 367 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 99 و 101 و منتقى الجمان ج 3 ص 476.

53

كله، فما معنى أن يتصرف بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دونهم، و أن يعطيها لأهل مكة ليتصرفوا بها؟!

و نجيب: بأن فتحها عنوة إنما هو بمعنى أخذها قهرا عن أهلها، و لو بواسطة ما دخلهم من رعب حين رأوا ذلك الجيش.. فإذا لم يقع قتال و استسلم الناس لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن أموالهم تكون خالصة له «صلى اللّه عليه و آله» ، لا للمقاتلين، و في هذه الحال يكون هو الذي يعطي و يهب، و يأذن بالتصرف، أو لا يأذن.

فالمراد بقوله: لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب: أنه مما لم يقاتل عليه.

و ليس المراد: أنه لم تحضره الخيل و الرجال.

و أما ما وقع من خالد بن الوليد، من قتال في مكة، فهو غير مشروع، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يأذن به، بل هو قد نهى عنه..

و دعوى: أن دخول الجيوش إلى مكة، و استسلام أهلها خوفا من تلك الجيوش لإحساسهم بالعجز عن مواجهتها، لا يوجب اعتبار مكة مفتوحة عنوة، كما أوضحناه فيما سبق، و التعبير بكلمة: «فتح» مكة لا يجدي في تغيير الحكم الذي يدور مدار فتحها نتيجة القتال..

تاريخ خروج النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى حنين:
قال أهل المغازي: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حنين لست خلون من شهر شوال‏ (1) .

____________

(1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و البحار ج 21 ص 181 عن مجمع البيان-

54

و قال ابن إسحاق: لخمس، و به قال عروة، و اختاره ابن جرير، و روي عن ابن مسعود (1) .

و قيل: لليلتين بقيتا من شهر رمضان‏ (2) .

و جمع بعضهم بين القولين: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» بدأ بالخروج من أواخر رمضان، و سار سادس شوال‏ (3) .

و كان وصوله في عاشره‏ (4) .

____________

قج 5 ص 18 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 610 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255 و معجم قبائل العرب ج 3 ص 1232 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 9 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 123 و عن أبي نعيم، و ابن إسحاق، و الواقدي، و ابن سعد، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و 371 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 143 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 610 و 615 و راجع: عمدة القاري ج 12 ص 136.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و البحار ج 21 ص 181 عن مجمع البيان ج 5 ص 18 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 143 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 133.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21.

(4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 11 و ج 8 ص 388 و أعيان الشيعة ج 1 ص 379 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255.

غ