الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج29

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
335 /
5

الجزء التاسع و العشرون‏

تتمة القسم العاشر

تتمة الباب الثامن‏

الفصل الحادي عشر:

الكيد السفياني في حديث المباهلة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

إهمال ذكر علي عليه السّلام:
إن إشراك علي، و الحسنين، و فاطمة «عليهم السلام» في المبالهلة مما تواترت به الأخبار، و اجتمعت عليه كلمة المسلمين، فقد قال الطبرسي: «أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا: الحسن و الحسين» (1) .

و قال الطوسي: «أجمع أهل النقل و التفسير على ذلك» (2) .

و قال الرازي و غيره: «هذا الحديث كالمتفق عليه بين أهل التفسير و الحديث» (3) .

و قال الجصاص: «نقل رواة السيرة، و نقلة الأثر، و لم يختلفوا في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بيد الحسن و الحسين و علي و فاطمة رضي اللّه عنهم،

____________

(1) المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 142 و البحار ج 35 ص 266 و مجمع البيان ج 2 ص 452 و راجع: التبيان ج 2 ص 485 و نهج الحق (مطبوع مع دلائل الصدق) ج 2 ص 83 و تفسير الرازي ج 8 ص 80 و حقائق التأويل ص 114 و فيه: أجمع العلماء الخ..

(2) تلخيص الشافي ج 3 ص 6.

(3) التفسير الكبير للرازي ج 8 ص 80.

8

ثم دعا النصارى الذين حاجوه في المباهلة» (1) .

و قال الحاكم: «تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد اللّه بن عباس و غيره: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ يوم المباهلة بيد علي و الحسن و الحسين، و جعلوا فاطمة وراءهم الخ.. » (2) .

غير أننا نجد في مقابل ذلك: أن ابن كثير تبعا للشعبي لم يذكر عليا «عليه السلام» في حديث المباهلة (3) .

قال الطبري في تفسيره: «حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، قال:

فقلت للمغيرة: إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم، فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري، لسوء رأي بني أمية في علي، أو لم يكن في الحديث» ؟ (4) .

و نقول:

و الصحيح هو الأول؛ لأن ذكره في الحديث متواتر و لا شك. و لكنهم حين لم يجدوا مبررا لإقحام أي من محبيهم في هذا الحدث الهام جدا، و لم يمكنهم إنكار أو دلالة هذا الحدث على عظيم فضل أمير المؤمنين، إلى حد أنه يجعله أفضل من سائر الأنبياء باستثناء نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، لجأوا إلى ما ربما يثير شبهة، أو على الأقل يبعد عليا «عليه السلام»

____________

(1) أحكام القرآن ج 2 ص 16.

(2) معرفة علوم الحديث ص 50.

(3) البداية و النهاية ج 5 ص 65.

(4) جامع البيان للطبري ج 3 ص 211 و (ط أخرى) ص 407 و عن زاد المعاد ج 3 ص 39 و 40.

9

عن الذاكرة، إلى أن يجدوا مخرجا من هذه الورطة، و كان الشعبي هو الرائد في تنفيذ هذه الرغبة.. فله موقف بين يدي اللّه، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم، و سيجد فيه أن تجاهله هذا لعلي «عليه السلام» سيجر عليه من البلاء ما لا قبل له به و لا قدرة له على تحمله.

أبو بكر و عمر و حفصة و عائشة في المباهلة:
و قد ذكر بعضهم: أن عمر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا عنتهم بيد من تأخذ؟!

قال: آخذ بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين، و عائشة، و حفصة. و هذا (أي زيادة عائشة و حفصة) يدل عليه قوله تعالى: وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ (1) » (2) .

و عن الصادق «عليه السلام» عن أبيه، في هذه الآية: تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ (3) قال: «فجاء بأبي بكر و ولده، و بعمر و ولده، و بعثمان و ولده، و بعلي و ولده» و الظاهر: أن الكلام في جماعة من المؤمنين‏ (4) .

____________

(1) الآية 61 من سورة آل عمران.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 212 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 144 و 145 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 506 و السيرة الحلبية ج 3 ص 236.

(3) الآية 61 من سورة آل عمران.

(4) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن ابن عساكر، و تفسير المنار ج 3 ص 322 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 507 و كنز العمال ج 2 ص 379 و تفسير الميزان ج 3 ص 244 و فتح القدير ج 1 ص 348 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 177.

10

و نقول:

1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ بيد علي و فاطمة و الحسنين «عليهم السلام» ، فعلا، و لم يأخذ بيد عائشة و لا حفصة..

2-إن كلمة: «و نساءنا و نساءكم» لا تقتضي إضافة عائشة و حفصة، و سيأتي توضيح ذلك، لأن المقصود هو إشراك جنس المرأة الكاملة التي هي المثل الأعلى للتربية الإلهية، و ليس ذلك غير الزهراء «عليها السلام» ، و ليس المراد مطلق امرأة حتى لو قادت حروبا بين المسلمين، و ضد إمام زمانها بالذات..

و سيأتي: أن لذلك نظائر في الآيات القرآنية، التي تتحدث عن جماعة و يكون المقصود بها أفراد بأشخاصهم، كآية التطهير، و آيات أخرى..

3-إن حديث مجيئه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي بكر، و عمر و عثمان، و علي و ولدهم بالإضافة إلى أنه مما تكذّبه الروايات المتواترة، قد جاء موافقا لترتيب الخلافة.

و اللافت: أن أحدا من أتباع الخلفاء و محبيهم لم يذكر هذه الرواية و لا أشار إليها في سياق تشكيكاتهم بصحة أو بدلالة حديث المباهلة.. فكيف فاتهم ذلك، حتى انفرد به الإمام الصادق «عليه السلام» حسبما نسبه إليه ابن عساكر؟!

4-قد المحت بعض النصوص المتقدمة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» دون سائر نسائه، حيث قالت: «و فاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة و له يومئذ عدة نسوة» . أي أنه أخرجها دون نسائه رغم تعددهن، و ذلك يدل على عدم صحة إضافة كلمتي: «و عائشة و حفصة» إلى‏

11

الجماعة التي أخرجها «صلى اللّه عليه و آله» إلى المباهلة.

البعض يفتئت و يناقش:
و قد حاول البعض التشكيك في حديث المباهلة، بأنحاء أخرى، فنقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده: «أن الروايات متفقة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اختار للمباهلة عليا و فاطمة و ولديهما. و يحملون كلمة «نساءنا» على فاطمة، و كلمة «أنفسنا» على علي فقط» .

و مصادر هذه الروايات الشيعة، و مقصدهم منها معروف، و قد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، حتى راجت على كثير من أهل السنة.

و لكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإن كلمة «نساءنا» لا يقولها العربي و يريد بها بنته، لا سيما إذا كان له أزواج، و لا يفهم هذا من لغتهم.

و أبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم، لم يكن معهم نساؤهم و أولادهم.

و كل ما يفهم من الآية أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو المحاجين و المجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الإجتماع رجالا و نساء، و أطفالا، و يبتهلون إلى اللّه بأن يلعن هو الكاذب فيما يقول عن عيسى.

و هذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، و ثقته بما يقول. كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب، سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم، على امترائهم في حجاجهم، و مماراتهم فيما يقولون، و زلزالهم فيما يعتقدون، و كونهم على غير بينة و لا يقين. و أنى لمن يؤمن باللّه أن يرضى بأن‏

12

يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين و المبطلين في صعيد واحد، متوجهين إلى اللّه تعالى في طلب لعنه، و إبعاده من رحمته؟!و أي جراءة على اللّه، و استهزاء بقدرته و عظمته أقوى من هذا؟!

قال: أما كون النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام» فحسبنا في بيانه قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ (1) فالعلم في هذه المسائل الإعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

و في قوله: نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ.. (2) وجهان:

أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا، و نحن ندعو أبناءكم، و هكذا الباقي.

و ثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا و نساءنا و أنفسنا، و أنتم كذلك.

و لا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، و إنما الإشكال فيه على قول الشيعة و من شايعهم من القول بالتخصيص‏ (3) .

و نقول:

إن هذه المناقشات ظاهرة الوهن بينة السقوط، فلاحظ ما يلي:

أولا: إن ما زعمه من أن مصادر هذا الحديث هم الشيعة غير صحيح، فإن هذا الحديث قد روي في صحاح أهل السنة و مجاميعهم الحديثية

____________

(1) الآية 61 من سورة آل عمران.

(2) الآية 61 من سورة آل عمران.

(3) المنار ج 3 ص 322 و 323 و تفسير الميزان ج 3 ص 236.

13

و التفسيرية. و من غير المعقول أن يكون الشيعة قد دسوا هذه الروايات في تلك المجاميع.. إذ إن ذلك يؤدي إلى سقوطها، و منها صحيح مسلم و الترمذي و تفسير الطبري، و الدر المنثور، و سائر صحاح و مصادر أهل السنة عن الإعتبار..

كما أن ذلك لو صح، لأفسح المجال للقول: بأن الدس في كتب أهل السنة ميسور لكل أحد، و أن حصره في الشيعة لا وجه له، و تكون النتيجة هي: أن تصبح روايات أهل السنة كلها مسرحا لتلاعب جميع الفئات، فتصبح موضع شك و ريب، و تسقط بذلك عن الإعتبار..

و إن كان المقصود بالشيعة هو خصوص الصحابة و التابعين الذين رووا هذا الحديث فالأمر يصبح أشد خطورة، إذ هو يؤدي إلى نسبة جماعة من أئمة أهل السنة، و رواة حديثهم، و فقهائهم، إلى التشيع و الشيعة، مع أنه لا يرتاب أحد في تسننهم، بل فيهم من هو من الأركان في التسنن..

ثانيا: بالنسبة لقوله عن الشيعة: «و يحملون كلمة نساءنا على فاطمة، و كلمة أنفسنا على علي فقط» نقول:

إن المقصود من التعبير بالنساء و الأبناء هو: إيراد الكلام وفق ما يقتضيه طبعه العام، و إن كان مصداقه ينحصر في فرد واحد تماما كما هو الحال في قوله تعالى: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ (1) . إذ لا مصداق للمفهوم العام سوى علي بن أبي طالب «عليه السلام» في قضية تصدقه بالخاتم التي يعرفها كل أحد.

____________

(1) الآية 55 من سورة المائدة.

14

و كذلك الحال في قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (1) ، التي لا يقصد بها سوى الأئمة الإثني عشر..

و منه: آية التطهير التي قصد بها خصوص الخمسة أصحاب الكساء، مع أن كلمة أهل البيت يمكن أن تشمل العباس و أولاده أيضا. و لكن اللّه أخرجهم منها. و بيّن أن المراد بالآية أشخاص بأعيانهم.

و كذلك الحال في قوله: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ (2) ، مع أن المقصود بها خصوص أصحاب الكساء و الأئمة الأثني عشر كما دلت عليه الروايات.

و منه: قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ وَ بَنََاتِكَ (3) في حين أن إثبات بنات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» غير الزهراء «عليها السلام» صعب المنال، فراجع كتابنا «بنات النبي أم ربائبه» ، و كتاب: «القول الصائب في إثبات الربائب» ..

ثالثا: بالنسبة لقوله: «إن العربي لا يطلق كلمة نساءنا على بنت الرجل، لا سيما إذا كان له أزواج، و لا يفهم هذا من لغتهم» نقول:

ألف: إن الذين أوردوا هذه الروايات التي طبقت الآية على علي و فاطمة «عليهما السلام» ، كانوا من العرب الأقحاح الذين عاشوا في عصر النبوة و بعده، و قد سجلها أئمة اللغة، و علماء البلاغة في كتبهم و مجاميعهم، و لو كان

____________

(1) الآية 92 من سورة المائدة.

(2) الآية 23 من سورة الشورى.

(3) الآية 59 من سورة الأحزاب.

15

الأمر كما ذكره هذا الرجل لسجلوا تحفظهم على هذه الروايات أيضا..

ب: إن إشكال هذا الرجل لو صح، فهو وارد على قوله هو على جميع الأحوال، فإنه يزعم: أن وفد نجران لم يكن معه نساء و لا أولاد، فما معنى أن تقول الآية: نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ ؟!. فكيف يمكنه تطبيق الآية؟!.

ج: إن المقصود هو أن يبلغهم أنه يباهلهم بجميع الأصناف البشرية التي لها خصوصية اشتراك في العلم و الأهلية، و هم النساء و الأطفال و الرجال، حتى لو لم يكن الجامعون للشرائط سوى فرد واحد من كل صنف، فهو كقول القائل: شرفونا و سنخدمكم نساء و رجالا و أطفالا. أي أن جميع الأصناف سوف تشارك في خدمتهم، حتى لو شارك واحد أو اثنان من كل صنف.

رابعا: زعم هذا القائل: أن ظاهر الآية هو أن المطلوب هو دعوة المحاجين و المجادلين في عيسى من أهل الكتاب جميع نسائهم و رجالهم و أبنائهم، و يجمع النبي جميع أبناء و نساء و رجال المؤمنين، ثم يبتهلون. و هذا من طلب المحال.

و يحق للنصارى أن يرفضوا هذا الطلب، و بذلك يثبت أن ثمة تعنتا، و طلبا لما لا يكون. و هو يستبطن الإعتراف بصحة ما عليه النصارى..

و إن كان المقصود هو: نساء و أبناء الوفد، و نساء و أبناء النبي فيرد إشكال: إنه لم يكن مع الوفد نساء..

و الجواب:

إن ما زعمه: من أنه لم يكن لدى الوفد أبناء و لا نساء، غير ظاهر المأخذ، فإن الناس كثيرا ما كانوا يسافرون و معهم نساؤهم و أبناؤهم. و كان‏

16

النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصطحب معه في حروبه إحدى زوجاته، و كان المشركون يأتون بنسائهم في حروبهم، كما كان الحال في بدر، و أحد.

أما في موضوع الوفود فلا يوجد فيها احتمال مواجهة أخطار، و تعرض لأذى و أسر و سبي، فالداعي إلى استصحاب النساء و الأطفال، لا يواجهه أي مانع أو رادع..

خامسا: لقد زعم هذا القائل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام» . و نقول:

إن الآية تدل على يقين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد دل فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المباهلة على أن الذين أخرجهم معه كانوا على يقين من ذلك أيضا.

و دل على ذلك أيضا قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ (1) .

حيث إنهم جميعا كانوا شركاء في الدعوى، و على يقين من صحتها.

و أما بالنسبة لسائر المؤمنين فلا شي‏ء يثبت أنهم كانوا على يقين من ذلك، فلعل بعضهم كان خالي الذهن عن كثير من التفاصيل.

بل لقد صرح القرآن بأن الشكوك كانت تراود أكثرهم، فقال: وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (2) .

سادسا: لا معنى لقوله: إن الآية قد تعني أن يفوض إلى النصارى دعوة الأبناء و النساء من المؤمنين، و يدعو المؤمنون أبناء و نساء النصارى في

____________

(1) الآية 61 من سورة آل عمران.

(2) الآية 106 من سورة يوسف.

17

المباهلة، إذ كيف يسلط النبي «صلى اللّه عليه و آله» النصارى على أبناء و نساء المؤمنين، ثم يطلب من النصارى أن يسلطوه على دعوة نسائهم و أبنائهم.. في حين أن المباهلة لا تحتاج إلى ذلك، بل يمكن أن يأتي كل فريق بمن أحب لكي يباهل الجماعة التي تأتي من قبل الفريق الآخر؟!.

سابعا: بالنسبة لدعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه نقول:

إن الشيعة لا يقولون بأن الآية تفرض ذلك، بل هم يقولون: إن المراد بقوله: و أنفسنا هو الرجال من أهل بيت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، الذين يكون حضورهم بمثابة حضور نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم إنما يحضرون بدعوة بعضهم بعضا (1) .

المباهلة بأعز الناس:
زعم بعضهم: أن آية المباهلة قد دلت على لزوم إحضار كل فريق أعز شي‏ء عنده، و أحب الخلق إليه في المباهلة، و الأعز و الأحب هو الأبناء، و النساء، و الأنفس (الأهل و الخاصة) .

ثم تقدم بعض آخر خطوة أخرى فزعم: أن إشراك أهل البيت في المباهلة أسلوب اتبعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» للتأثير النفسي على الطرف الآخر ليوحي لهم بثقته بما يدّعيه.

و نقول:

1-إن هذا يؤدي إلى إبعاد قضية المباهلة عن أن تكون بمستوى الجدية

____________

(1) راجع: تفسير الميزان ج 3 ص 242 و 243.

غ

18

الحقيقية، لتصبح أسلوب مناورة، يهدف للتأثير النفسي على الطرف الآخر، لينسحب من ساحة المواجهة.

2-إن اللافت هنا: أن هذا البعض قد نسب هذه المبادرة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن الآية قد صرحت: بأن الأمر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء من اللّه تبارك و تعالى، فهي تدبير إلهي، و قرار رباني.

3-إن كون هذا الأمر تدبيرا إلهيا يعطي: أن لهؤلاء الصفوة الذين أخرجهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قيمة كبرى و مقاما خاصا عنده تبارك و تعالى، و ليست القضية هي حب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لولده أو سبطه، أو لصهره الذي يوحي بأن سبب محبته و معزته لهم هو الرابطة النسبية، و كونهم أبناءه و نساءه، و أهله «صلى اللّه عليه و آله» ..

4-إننا لا نريد أن ننفي أن يكون في خروج هؤلاء إلى المباهلة دلالة على قيمتهم عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دلالة على معنى أن إشراك الحسنين و الزهراء و علي «عليهم السلام» في قضية لها مساس بحقيقة دين الإسلام، من حيث إن ما يراد إثباته، هو بشرية عيسى «عليه السلام» ، و نفي الألوهية عنه يدل دلالة قاطعة على أن من يباهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم قد بلغوا في الفضل و الكرامة و السؤدد حدا يصبح معه جعل اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» لهم في معرض الخطر، من أعظم الوثائق الدالة على صدق الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فيما يدّعيه من حيث إن التفريط بهم و هم أكرم الخلق عليه، و النموذج الأمثل للإنسان الإلهي في أسمى تجلياته يكون تفريطا بكل شي‏ء، حيث لا قيمة لشي‏ء في هذا الوجود

19

بدونهم، و هو ما أشير إليه في الحديث الشريف‏ (1) .

و أنفسنا:
و زعم بعضهم: أن المراد بـ «أنفسنا» الرجال‏ (2) ، أي بقول مطلق، فتطبيق ذلك على علي «عليه السلام» لا لخصوصية فيه، بل لكونه رجلا، و حسب.

و جوابه واضح:

فأولا: روي عن علي «عليه السلام» ، قوله يوم الشورى: أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الرحم مني، و من جعله نفسه، و أبناءه أبناءه، و نساءه نساءه غيري؟!

قالوا: اللهم لا (3) .

و عن الشعبي: أنه قال: أبناؤنا الحسن و الحسين و نساؤنا فاطمة، و أنفسنا علي بن أبي طالب‏ (4) .

____________

(1) الكافي ج 1 ص 179 و 198 و الغيبة للنعماني ص 139 و 138 و بصائر الدرجات ص 488 و 489 و إكمال الدين للصدوق ص 233 و غيبة النعماني ص 142 و البحار ج 23 ص 43 و تاريخ آل زرارة للزراري ص 170.

(2) راجع كلام الفضل بن روزبهان في دلائل الصدق ج 2 ص 83.

(3) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و البحار ج 35 ص 367 و الغدير ج 1 ص 161 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 432 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1161 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 177.

(4) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ص 47 و البحار ج 35 ص 262 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 68 و نهج الإيمان لابن جبر ص 346.

20

فإن ذلك كله يدل على أن المراد: هو خصوص شخص بعينه، لا مطلق الرجال..

مساواة علي عليه السّلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله:
و قال العلامة الحلي «رحمه اللّه» : إن اللّه تعالى جعل عليا «عليه السلام» نفس محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فساواه بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجاب الفضل بن روزبهان بأن دعوى المساواة خروج من الدين.

فرد عليه الشيخ محمد حسن المظفر: بأن المقصود هو: المساواة في الخصائص و الكمال الذاتي عدا خاصة أوجبت نبوته، و ميزّته عنه، و هو مفاد ما روي: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : ما سألت اللّه شيئا إلا سألت لك مثله، و لا سألت اللّه شيئا إلا أعطانيه، غير أنه قيل لي: إنه لا نبي بعدك‏ (1) .

و يدل عليه: ما روي مستفيضا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن عليا

____________

(1) دلائل الصدق ج 2 ص 82 و 83 و 85 و الحديث الأخير نقله عن كنز العمال في فضائل علي «عليه السلام» عن ابن أبي عاصم، و ابن جرير و صححه، و ابن شاهين في السنة، و الطبراني في الأوسط. و العقد النضيد للقمي ص 79 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 582 و أمالي المحاملي ص 204 و المعجم الأوسط للطبراني ج 8 ص 47 و نظم درر السمطين للحنفي ص 119 و كنز العمال ج 13 ص 170 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 311 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 150 و راجع: كشف اليقين للحلي ص 283.

21

مني و أنا منه‏ (1) .

فتدل الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين «عليه السلام» لأن مساواته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في خصائصه عدا مزية النبوة تستوجب أن يكون مثله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أفضل من غيره بكل الجهات، و أن يمتنع صيرورته رعية و مأمورا لغيره كالنبي «صلى اللّه عليه و آله» (2) .

و نقل الرازي عن الشيخ محمود بن حسن الحمصي: أنه استدل بجعل علي «عليه السلام» نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» على كونه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن النبي «صلى اللّه عليه

____________

(1) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الكافي ج 8 ص 321 و دعائم الإسلام ج 1 ص 383 و أمالي الصدوق ص 264 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 449 و أمالي الطوسي ص 134 و مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 2 ص 60 و ج 3 ص 14 و العمدة لابن البطريق ص 198 و 203 و الطرائف لابن طاووس ص 65 و ذخائر العقبى للطبري ص 68 و البحار ج 20 ص 108 و ج 24 ص 261 و ج 31 ص 655 و ج 37 ص 221 و 235 و ج 38 ص 67 و 97 و 119 و ج 39 ص 333 و ج 56 ص 256 و الغدير ج 3 ص 215 و مسند احمد ج 4 ص 438 و سنن الترمذي ج 5 ص 296 و فضائل الصحابة للنسائي ص 15 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و مجمع الزوائد ج 9 ص 128 و عمدة القاري ج 16 ص 214 و مسند أبي داود الطيالسي ص 111 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و 126 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 87 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 374 و المعجم الأوسط للطبراني ج 6 ص 162 و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 129 و تفسير فرات الكوفي ص 81.

(2) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الصراط المستقيم لابن يونس العاملي ج 2 ص 26.

22

و آله» أفضل منهم، و علي «عليه السلام» نفسه.

ثم رد الرازي على ذلك بقيام الإجماع على أن الأنبياء «عليهم السلام» أفضل من غيرهم.

و أجاب المظفر «رحمه اللّه» : بأن المجمع عليه هو تفضيل صنف من الأنبياء على صنف آخر منهم، و تفضيل كل نبي على جميع أمته، لا تفضيل كل شخص من الأنبياء على جميع من عداهم، حتى لو كان من أمم غيرهم.

فذلك نظير تفضيل صنف الرجال على صنف النساء، فإنه لا ينافي تفضيل امرأة بعينها على كثير من الرجال.

و القول بما قاله الحمصي قال به الشيعة قبل الحمصي..

سبب إثارة الشبهات:
و أخيرا.. فإننا لا نجد مبررا لكل تلك التمحلات البالية، و التوهمات و الخيالات الخاوية سوى التخلص من شبح إثبات كرامة و فضيلة لأهل البيت «عليهم السلام» ، و ذلك بعد أن وجدوا: أن علماءهم مرغمون على الإقرار بهذا الأمر، و البخوع له، حتى لقد قال الزمخشري و غيره: «و فيه دليل لا شي‏ء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» (1) .

____________

(1) راجع: الكشاف ج 1 ص 370 و الصواعق المحرقة ص 153 عنه، و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 351 و الطرائف لابن طاووس ص 43 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 235 و الصراط المستقيم لابن يونس العاملي ج 1 ص 249 و البحار ج 21 ص 282 و ج 35 ص 60 و راجع: الإرشاد للمفيد ص 99 و تفيسر الميزان ج 3 ص 238 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 1 ص 294 و تفسير-

23

تناقضات الشعبي:
و يلاحظ هنا: أن الشعبي يقع في المتناقضات، فقد روى تارة: أن عليا «عليه السلام» هو المقصود بقوله تعالى: وَ أَنْفُسَنََا كما تقدم‏ (1) .

و لكنه في مورد آخر يروي قضية المباهلة و لا يذكر عليا «عليه السلام» ، فتحيّر الراوي في ذلك، و عزاه إما إلى سقط في رواية الشعبي، أو لسوء رأي بني أمية في علي‏ (2) . و لا ريب في أن الثاني هو الأصوب، حسبما عرفناه و ألفناه من أفاعيلهم.

و نحن لا نستطيع في هذه العجالة أن نتعرض لجميع الجوانب التي لا بد من بحثها في حديث المباهلة، فإن ذلك يحتاج إلى تأليف مستقل، و لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: النموذج الحي:
إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في قضية المباهلة لم يكن بالأمر العادي، أو الإتفاقي.. و إنما كان مرتبطا بمعاني و مداليل هامة، ترتبط بنفس شخصية الحسنين «عليهما السلام» ، فقد كانا صلوات اللّه و سلامه عليهما ذلك المصداق

____________

قالبحر المحيط لابي حيان الأندلسي ج 2 ص 503.

(1) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الطرائف لابن طاووس ص 47 و البحار ج 21 ص 349 و ج 35 ص 262 و تفسير فرات الكوفي ص 87 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 2 ص 311 و أسباب نزول الآيات الواحدي النيسابوري ص 68 و شواهد التنزيل ج 1 ص 159 و نهج الإيمان لابن جبر ص 346.

(2) راجع: جامع البيان ج 3 ص 211 و في (ط دار الفكر) ج 3 ص 404.

24

الحقيقي، و المثل الأعلى، و الثمرة الفضلى التي يعنى الإسلام بالحفاظ عليها، و تقديمها على أنها النموذج الفذ لصناعته الخلاقة، و البالغة أعلى درجات النضج و الكمال.. حتى إنه ليصبح مستعدا لتقديمها على أنها أعز و أغلى ما يمكن أن يقدمه في مقام التدليل على حقانيته و صدقه، بعد أن فشلت سائر الأدلة و البراهين-رغم وضوحها، و سطوع نورها، و قاطعيتها لكل عذر-في التخفيف من عنت أولئك الحاقدين، و صلفهم، و صدودهم عن الحق الأبلج..

فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه، و بهؤلاء، الذين هم القمة في النضج الرسالي، بالإضافة إلى أنهم أقرب الناس إلى اللّه، و هم النموذج الأعلى للتربية الإلهية، فإنه لا يمكن أن يكون كاذبا-و العياذ باللّه-في دعواه.

كما لاحظه نفس رؤساء أولئك الذين جاؤوا ليباهلوه، و ذلك لأن محبة النفس، ثم محبة الأقارب، و إن كانت قد تجعل الإنسان على استعداد للتفريط بكل شي‏ء، قبل أن يفكر في التفريط بنفسه و بهم، إلا أن الأنبياء لا يفكرون بهذه الطريقة، و إنما يفكرون بما من شأنه حفظ الدين و الرسالة، و هم لا يبخلون عليها بمال و لا بنفس و لا بولد حتى لو كان هذا الولد يملك من المزايا و الفضائل و الكمالات، ما لا يملكه أحد على وجه الأرض‏ (1) .

____________

(1) و يرى المحقق العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : أن من الممكن أن يكون العباس قد اقتدى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما أخرج العباس الحسنين «عليهما السلام» للإستسقاء، و منع عمر من الإلتحاق بهم، و قال له: لا تخلط بنا غيرنا- و ذلك في قضية تبرك عمر بهم في حادثة الإستسقاء. راجع: تبرك الصحابة و التابعين ص 283-287.

25

فإذا كان على استعداد للتضحية بنفسه، و بنوعيات كهذه-من أهل بيته- فإن ذلك يكون أدل دليل على صدقه، و على فنائه المطلق في هذا الدين، و على ثقته بما يدعو إليه-و ليس هدفه هو الدنيا الفانية، و حطامها الزائل، لأنه يعلم أن أي ضرر يلحق به و بهؤلاء سوف يسقط محل هذه الدعوة التي جاء بها، لأنهم هم المحور و الأساس لها..

و هذا بالذات هو ما حصل في قضية المباهلة، التي كان النزاع يدور فيها حول بشرية عيسى عليه الصلاة و السلام، و إبطال ما يقوله النصارى فيه، تمهيدا للتأكيد على صحة الإسلام، و أحقية ما جاء به النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

بل إن بعض الإخوة قد ذكر أن من المحتمل أن لا يريد النصراني في:

«إذا باهلكم بأهل بيته فهو صادق» الإشارة إلى قاعدة عامة، و أن لكل نبي- أو كل من باهل-بأهل بيته فهو صادق، لأنهم أغلى ما عنده، و لا يمكنه التفريط بهم، بل يكون ذلك للإشارة إلى بعض المأثور عندهم في كتبهم من أن نبي آخر الزمان يباهلهم بأهل بيته الذين هم خير الناس و أفضلهم.

الأمر الثاني: التخطيط.. في خدمة الرسالة:
و لربما يتصور البعض: أن اعتبارنا هذا الوليد اليافع، و أخاه عليهما الصلاة و السلام ذلك المثل الأعلى، و النموذج الفذ لصناعة الإسلام و خلاقيته.. نابع عن متابعة غير مسؤولة للعواطف و الأحاسيس المتأثرة بتعصب مذهبي، أثارته لجاجة الخصوم..

لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، فإن ما ذكرناه نابع عن وعي عقائدي‏

26

سليم، فرضته الأدلة و البراهين، التي تؤكد-بشكل قاطع-على أن الأئمة الأطهار «عليهم السلام» كانوا حتى في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهلهم لتحمل الأمانة الإلهية، و قيادة الأمة قيادة حكيمة و واعية، كما كان الحال بالنسبة لإمامنا الجواد و الإمام الهادي عليهما الصلاة و السلام، و كذلك الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحملوا مسؤوليات الإمامة في السنين المبكرة من حياتهم. تماما كما كان الحال بالنسبة لنبي اللّه عيسى «عليه السلام» ، الذي قال اللّه تعالى عنه: فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا `قََالَ إِنِّي عَبْدُ اَللََّهِ آتََانِيَ اَلْكِتََابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا.. الآيات» (1) .

و كما كان الحال بالنسبة لنبي اللّه يحيى عليه الصلاة و السلام، الذي قال اللّه سبحانه عنه: يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا (2) .

نعم.. لقد كان الحسنان «عليهما السلام» حتى في أيام طفولتهما الأولى في المستوى الرفيع من الكمال الإنساني، و يملكان كافة المؤهلات التي تجعلهما محلا للعناية الإلهية، و أهلا للأوسمة الكثيرة التي منحهما إياها الإسلام على لسان نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تجعلهما قادرين على تحمل المسؤوليات الجسام، حتى يصح إشراكهما في الدعوى، و في المباهلة لإثباتها.. حسبما أشار إليه العلامة الطباطبائي و المظفر رحمهما اللّه تعالى، على

____________

(1) الآيتان 29 و 30 من سورة مريم.

(2) الآية 12 من سورة مريم.

27

اعتبار أن قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ (1) يراد منه: الكاذبون الذين هم في أحد طرفي المباهلة، و إذا كانت الدعوى، و المباهلة عليها هي بين شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بين السيد و العاقب و الأهتم، فكان يجب أن يأتي بلفظ صالح للإنطباق على المفرد و الجمع معا، كأن يقول: (فنجعل لعنة اللّه على الكاذب) ، أو (على من كان كاذبا) مثلا..

و لكن الآية أوردت صيغة الجمع، لتشير إلى وجود جماعة كاذبة، و لا بد من طلب إهلاكها.

و هذا يعطي: أن الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، فإن الكذب لا يكون إلا فيها.. و عليه.. فعليّ، و فاطمة، و الحسنان «عليهم السلام» شركاء في الدعوى، و في الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. و هذا من أفضل المناقب التي خص اللّه بها أهل بيت نبيه‏ (2) .

و تقدم قول الزمخشري: «و فيه دليل لا شي‏ء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» .

و قال الطبرسي و غيره: «قال ابن أبي علان-و هو أحد أئمة المعتزلة-:

هذا يدل على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.

و قال أصحابنا: إن صغر السن و نقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال

____________

(1) الآية 61 من سورة آل عمران.

(2) راجع: تفسير الميزان ج 3 ص 224 و دلائل الصدق ج 2 ص 84.

غ

28

العقل، و إنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية» (1) .

و قد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل.

على أن عندنا يجوز أن يخرق اللّه العادات للأئمة، و يخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم: إبانة لهم عمن سواهم، و دلالة على مكانهم من اللّه تعالى، و اختصاصهم.

و مما يؤيده من الأخبار قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ابناي هذان إمامان، قاما، أو قعدا» (2) .

أضف إلى ما تقدم: أن مما يدل على ما ذكره الطباطبائي و المظفر و غيرهما: نزول سورة هل أتى، في أهل الكساء، و منهم الحسنان «عليهما السلام» ، و قد وعدهم اللّه تعالى جميعا بالجنة.

____________

(1) و من الواضح: أنه قد لوحظ في ذلك عامة الناس و غالبهم.

(2) مجمع البيان ج 2 ص 452 و 453 و غنية النزوع للحلبي ص 299 و السرائر لابن إدريس ج 3 ص 157 و جامع الخلاف و الوفاق للقمي ص 404 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 30 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 303 و المسائل الجارودية للمفيد ص 35 و النكت في مقدمات الأصول للمفيد ص 48 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 141 و البحار ج 16 ص 307 و جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 70 و مجمع البيان للطبرسي ج 2 ص 311 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 407 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 368. و كلام ابن أبي علان موجود في التبيان أيضا ج 2 ص 485، و راجع الإرشاد للمفيد.

و في البحار للمجلسي بحث حول إيمان علي «عليه السلام» ، و هو لم يبلغ الحلم.

29

و يؤيد ذلك أيضا: إشراكهما «عليهما السلام» في بيعة الرضوان، ثم استشهاد الزهراء «عليها السلام» بهما في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك‏ (1) ، إلى غير ذلك من أقوال و مواقف للنبي «صلى اللّه عليه و آله» منهما في المناسبات المختلفة..

كما أن ذلك كله-كان يتجه نحو إعداد الناس نفسيا و وجدانيا لقبول إمامة الأئمة «عليهم السلام» ، حتى و هم صغار السن، كما كان الحال بالنسبة للأئمة: الجواد و الهادي و المهدي «عليهم السلام» .

الأمر الثالث: سياسات لا بد من مواجهتها:
هذا و قد كان ثمة سياسات و مفاهيم منحرفة، لا بد من مواجهتها، و الوقوف في وجهها.. و نشير هنا إلى أمرين:

عنصر المرأة:
إن إخراج عنصر المرأة ممثلة بفاطمة الزهراء صلوات اللّه و سلامه عليها، و التي تعتبر النموذج الفذ للمرأة المسلمة-في أمر ديني و مصيري كهذا. من شأنه أن يضرب ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أية قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء و بلاء، و مجلبة للعار، و مظنة للخيانة، و قد قدمنا بعض الكلام حول هذا الموضوع في بعض فصول هذا الكتاب؛ فلم يكن يتصور أحد أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة و فاصلة، بل و مقدسة كهذه المسألة، فضلا عن أن تعتبر

____________

(1) ستأتي بعض المصادر لذلك إن شاء اللّه تعالى..

30

شريكة في الدعوى، و في الدعوة لإثباتها و لو بمواجهة أعظم الأخطار.

و يرى البعض: أن إخراج الزهراء «عليها السلام» للمباهلة، دون سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم أن الآية قد جاءت عامة، حيث عبرت بـ «نساءنا» و مع أن زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» من أجلى مصاديق هذا التعبير-إن ذلك-له مغزى يشبه إلى حد كبير المغزى من إرسال أبي بكر بآيات سورة براءة، ثم عزله، استنادا إلى قول جبرئيل: لا يبلّغ عنك إلا أنت أو رجل منك!!.

و هكذا يقال بالنسبة للعموم في قوله: «و أنفسنا» ، و لم يخرج سوى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و في قوله: «و أبناءنا» و لم يخرج سوى الحسنين «عليهما السلام» . انتهى.

و نقول:

إننا نلاحظ على ما ذكره هذا الأخ الكريم ما يلي:
أولا: إن إطلاق كلامه حول النساء غير مقبول، فإن بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كأم سلمة-لم يكنّ ممن يستحقنّ التعريض بهن..

لأنها كانت من خيرة النساء، و من فضلياتهنّ.

إلا أن يقال: إن المقصود هو: أنه ليس أحد منهن أهلا لأن يباهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» به سوى فاطمة «عليها السلام» ، لأنها وحدها المرأة التي بلغت أعلى درجات الكمال حتى استحقت أن تشارك الأنبياء و الأوصياء في مثل هذه المهمات الكبرى..

و ثانيا: إن هذا المحقق يريد: أن قوله: «نساءنا» لا يقصد به الزوجات، و إن كان قد أطلق في القرآن عليهن في بعض الموارد.

31

بل المقصود هو: المرأة المنسوبة إليه، و بنت الرجل تنسب إليه، و يطلق عليها: أنها من نسائه.

و على هذا نقول:

إن ما ذكره هنا يناقض ما ذكره هو نفسه في موضع آخر حيث قال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» للمباهلة بعنوان: «المرأة المسلمة من ذوات الأزواج، من أهل هذه الدعوة، لا باعتبار أنها من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن كان كلامه هذا الأخير ليس في محله، كما ستأتي الإشارة إليه.

الحسنان أبناء النبي صلّى اللّه عليه و آله:
إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم، محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهما ابنا ابنته الصديقة الطاهرة صلوات اللّه و سلامه عليها له دلالة هامة، و مغزى عميق كما سنرى..

لكننا قبل أن نشير إلى ذلك، و إلى مغزاه، لا بد من الإجابة على مناقشة طرحها بعض المحققين‏ (1) ، مفادها:

أن الآية لا تدل على أكثر من أن المطلوب هو إخراج أبناء أصحاب هذه الدعوة الجديدة، حيث قال: «أبناءنا» ، و لم يقل «أبنائي» . و ليس في الآية ما يدل على لزوم إخراج ابني صاحب الدعوة نفسه، فكون الحسنين «عليهما السلام» ابنين لبعض أصحاب الدعوة كاف في الصدق.. انتهى.

____________

(1) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» ..

32

و نقول:

1-إن الإمام عليا «عليه السلام» قد استدل بهذه الآية يوم الشورى على أن اللّه سبحانه قد جعله نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعل ابنيه إبنيه، و نساءه نساءه..

و احتج بها أيضا الإمام الكاظم «عليه السلام» على الرشيد.

و احتج بها أيضا يحيى بن يعمر.

و كذلك سعيد بن جبير على الحجاج-كما سيأتي-فلم يكن استدلالهم بأمر تعبدي بحت، و إنما بظهور الآية، الذي لم يجد الخصم سبيلا إلا التسليم به، و الخضوع له..

2-لو كان المراد مطلق أبناء أصحاب الدعوة، لكان المقصود بأنفسنا مطلق الرجال الذين قبلوا بهذا الدين، و ليس شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقط.. و عليه فقد كان الأنسب أن يقول: «و رجالنا و رجالكم» بدل قوله: «و أنفسنا» .

أضف إلى ذلك: أن من غير المناسب أن يقصد من الأنفس شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يقصد من الأبناء و النساء أبناء و نساء رجال آخرين، إذ الظاهر: أن الأبناء و النساء هم لنفس من أرادهم بقوله:

«و أنفسنا» ، و لو كان المقصود بأنفسنا شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأبنائنا أبناء الآخرين، لكان من قبيل قولنا: «إن لم يكن ما أدعيه صحيحا فليمتني اللّه، و ليمت ابن فلان» مثلا!!..

3-إن كلمات: «أنفسنا» ، و «أبناءنا» ، و «نساءنا» كلها جاءت بصيغة الجمع.. فلماذا اقتصر من الأنفس على اثنين، و كذلك من الأبناء، و من‏

33

النساء، على واحدة؟!فإن ذلك إنما يدل على مزيد من الخصوصية لهؤلاء الذين أخرجهم بالذات..

و لو كان المقصود مجرد النموذج، فلماذا لم يكتف بواحد واحد من الأنواع الثلاثة؟.

و لو كان المقصود تخصيص جماعة بشرف معين، للتعبير عن أنهم وحدهم هم الذين بلغوا الذروة في فنائهم بهذه الدعوة، التي يراد المباهلة من أجلها.

فيصح قولهم: إن هذه الآية تدل على فضيلة لا أعظم منها لأصحاب الكساء. و لا سيما بملاحظة ما تقدم عن العلامتين-الطباطبائي و المظفر-:

من أن هؤلاء شركاء في الدعوى، و في الدعوة للمباهلة لإثباتها.

و هكذا يتضح: أن دعوى أن الآية لا تدل على أكثر من الأمر بإخراج نموذج من أبناء من اعتنق هذه الدعوة لا يمكن القبول بها، و لا الاعتماد عليها بوجه.

عود على بدء:
كانت تلك هي المناقشة التي أحببنا الإشارة إليها، و كان ذلك هو بعض ما يمكن أن يقال في الإجابة عنها..

و بعد ذلك.. فإننا نشير إلى أن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في المباهلة، يدل دلالة واضحة على أنهما ابنان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهما ابنا ابنته، فلا مجال لإنكار ذلك، أو للتشكيك فيه، حتى إنهم ليعترفون صراحة بأن: في الآية دلالة على أن الحسن و الحسين، و هما ابنا البنت يصح‏

34

أن يقال: إنهما ابنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما» (1) .

و ظاهر الآية: أن كلمة الأبناء قد أريد بها المعنى الحقيقي، سواء بالنسبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، أو بالنسبة إلى النصارى و الكافرين.

و ذلك له دلالات هامة، أشرنا إلى بعضها آنفا، و نضيف هنا ما يلي:
أولا: إن ذلك يسقط المفهوم الجاهلي البغيض، القائل: بأن أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة، دون بني البنات، الأمر الذي ينشأ عنه أن يتعرض جماعات من الناس لكثير من المشاكل النفسية، و المصاعب الإجتماعية، و الإقتصادية، و غيرها. تلك المشاكل التي لا مبرر لها، و لا منطق يساعدها، إلا منطق الجاهلية الجهلاء، و العصبية العمياء..

و لكن مما يؤسف له هو: أن المروجين لهذه المفاهيم العمياء قد أصروا بعده «صلى اللّه عليه و آله» على الأخذ بها إلى حد أنها انعكست حتى على آرائهم الفقهية أيضا، و من ذلك جعلهم قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي

____________

(1) تفسير الرازي ج 8 ص 81 و فتح القدير ج 1 ص 347 و تفسير النيسابوري (بهامش تفسير الطبري) ج 3 ص 214 و التبيان ج 2 ص 485 عن أبي بكر الرازي (و هو غير الفخر الرازي) ، و مجمع البيان ج 2 ص 452 و الغدير ج 7 ص 122 عنه، و عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 104 و السرائر لابن إدريس ج 3 ص 238 و الكافي ج 8 ص 317 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 58 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 142 و البحار ج 43 ص 232 و ج 93 ص 239 و تفسير القمي ج 1 ص 209.

35

أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (1) مختصا بعقب الأبناء، دون من عقبته البنات.

قال ابن كثير: «قالوا: إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه و بنو بنيه، «أي دون بني بنته» ، و احتجوا بقول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد (2)

«و قال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، و الفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، و أن الإنتساب إلى الآباء، و الفقهاء كذلك في الوصية، و أهل المعاني و البيان في التشبيه» (3) .

و نقل القرطبي: أن الإمام مالك بن أنس هو الذي لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي يكون على الولد، و ولد الولد (4) .

و مالك هذا هو الذي كان خلفاء بني العباس يعظمونه، و قد بلغ من اهتمامهم بأمره: أن أرادوا حمل الناس على العمل بالموطأ بالقوة (5) .

و حينما أخذ المنصور أموال عبد اللّه بن الحسن، و باعها، و جعلها في بيت

____________

(1) الآية 11 من سورة النساء.

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 155 و الغدير ج 7 ص 121 عنه.

(3) الغدير: ج 7 ص 122 و خزانة الأدب ج 1 ص 300 و في (ط دار الكتب العلمية) .

(4) الغدير: ج 7 ص 123 عن تفسير القرطبي ج 7 ص 31.

(5) جامع بيان العلم ج 1 ص 160، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الأول ص 165، و أضواء على السنة المحمدية ص 298 عن الانتقاء ص 41 و عن الشافعي.

36

مال المدينة «أخذ مالك بن أنس الفقيه رزقه من ذلك المال بعينه اختيارا» (1) .

كما أن المنصور كان إذا أراد أن يولي أحدا على المدينة يستشيره أولا (2) .

كما أن محمد بن الحسن الشيباني يقول: إن من أوصى لولد فلان، و له ابن، و ولد بنت «إن الوصية لولد الابن، دون ولد البنت» (3) .

نعم.. لقد ألغى اللّه سبحانه ذلك المفهوم الجاهلي البغيض بنص المباهلة، و لكن هؤلاء قد احتفظوا به، حتى حكّموه في آرائهم الفقهية، و ذلك انصياعا للجو السياسي، و تنفيذا لمآرب الحكام، الذين كانوا-سواء منهم الأمويون أو العباسيون-يحاولون تركيز هذا المفهوم و تثبيته، كما سنرى..

و ثانيا: لقد كان لا بد من تفويت الفرصة على أولئك الحاقدين و المنحرفين، الذين سوف يستفيدون من ذلك المفهوم الجاهلي لمقاصد سياسية، فيما يتعلق بموضوع الإمامة و الخلافة و الزعامة بعد رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات فيما يختص بشخص هؤلاء الذين أخرجهم عليه و آله الصلاة و السلام للمباهلة، و كرمهم في حديث الكساء، و آية التطهير، و غير ذلك مما لا مجال له هنا..

و ذلك لأن الذين استأثروا بالأمر بعد النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» قد احتجوا في السقيفة بأنهم: أولياء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عشيرته،

____________

(1) أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج 3 ص 88.

(2) الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الأول ص 494 و 504 و 505 و 506 و 507 و 164 و 165.

(3) حقائق التأويل ص 115.

37

و بأنهم عترة النبي، و بأنهم أمسّ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رحما (1) .

و جاء الأمويون أيضا، و اتّبعوا نفس الخط، و ساروا على نفس الطريق، و كانت الخطط الجهنمية لهؤلاء و أولئك تتجه نحو تضعيف شأن أهل البيت «عليهم السلام» ، و عزلهم عن الساحة، بل و القضاء عليهم و تصفيتهم بشكل نهائي: إعلاميا و سياسيا، و إجتماعيا، و نفسيا، بل و حتى جسديا، أيضا..

و كان رأس الحربة يتجه أولا و بالذات إلى أولئك الذين طهرهم اللّه سبحانه و تعالى في محكم كتابه، و أخرجهم نبيه الأكرم محمد «صلى اللّه عليه و آله» ليباهل بهم أهل الكفر، و اللجاج و العناد.. حيث إن تصفية هؤلاء على النحو الذي قدمناه هي الأصعب، و الأهم، و ذلك بسبب ما سمعته الأمة من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و بسبب ما عرفته من آيات قرآنية نزلت في حقهم و بيان فضلهم.. فضلا عن كثير من المواقف التي لا يمكن تجاهلها أو على الأقل لا يمكن تشويهها، أو التعتيم عليها بيسر و سهولة..

نعم.. لقد كان الأمويون يحاولون إظهار أنفسهم على أنهم هم دون غيرهم أهل بيت النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذوو قرباه.. و قد أثرت

____________

(1) راجع: نهاية الإرب ج 8 ص 168 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 و العقد الفريد ج 4 ص 258 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 220 و الإمامة و السياسة (ط الحلبي بمصر) ج 1 ص 14 و 15 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 7 و 8 و 9 و 11 و الأدب في ظل التشيع ص 24 نقلا عن البيان و التبيين للجاحظ، و الإمام الحسين للعلايلي ص 186 و 190 و البحار ج 28 ص 335 و تاريخ الطبري ج 2 ص 457 و الإمامة و السياسة لابن قتيبة (تحقيق الشيري) ج 1 ص 24 و الشافي للشريف المرتضى ج 3 ص 187 و غيرهم.

غ

38

جهودهم في تضليل كثير من الناس حتى ليحلف للسفاح عشرة من قواد أهل الشام، و أصحاب الرياسة فيها: أنهم ما كانوا يعرفون إلى أن قتل مروان أقرباء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أهل بيت يرثونه غير بني أمية (1) .

كما أن أروى بنت عبد المطلب تذكّر معاوية بهذا الأمر، و تقول له:

«و نبينا (صلى اللّه عليه و آله) هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول اللّه الخ.. » (2) .

و يقول الكميت:

و قالوا: ورثناها، أبانا و أمنا # و لا ورثتهم ذاك أم و لا أب‏

و قال إبراهيم بن المهاجر، الذي كان يسير في الإتجاه العباسي:

أيها الناس اسمعوا أخبركم # عجبا زاد على كل عجب

عجبا من عبد شمس إنهم # فتحوا للناس أبواب الكذب

ورثوا أحمد فيما زعموا # دون عباس بن عبد المطلب

كذبوا و اللّه ما نعلمه # يحرز الميراث إلا من قرب‏ (3)

____________

(1) النزاع و التخاصم للمقريزي ص 28 و مروج الذهب ج 3 ص 33 و الفتوح لابن أعثم ج 8 ص 195 و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 159 و أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 159.

(2) العقد الفريد ج 2 ص 120 و راجع: الغدير ج 10 ص 167 و الطرائف لابن طاووس ص 28 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 249.

(3) مروج الذهب ج 3 ص 33 و النزاع و التخاصم ص 28.

39

هذا كله.. رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج بني عبد شمس من قرباه، حينما قسّم خمس بني النضير، أو خيبر، فاعترض عليه عثمان، و جبير بن مطعم، بأن: قرابة بني أمية و بني هاشم واحدة، فلم يقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منه. و القصة معروفة و متواترة (1) .

____________

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 209 و (ط دار المعرفة) 476 و 477 و مجمع الزوائد ج 5 ص 341 عن أحمد، و نيل الأوطار ج 8 ص 228 عن أحمد، و البخاري، و النسائي، و ابن ماجة، و أبي داود، و البرقاني. و سنن أبي داود ج 3 ص 146 و 145 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 961 و المغازي للواقدي ج 2 ص 696 و الإصابة ج 1 ص 226 و بداية المجتهد ج 1 ص 402 و الخراج لأبي يوسف ص 21 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 عن البخاري، و مسند أحمد ج 4 ص 85 و 83 و 81 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 284 و تشييد المطاعن ج 2 ص 818 و 819 عن زاد المعاد، و سنن البيهقي -بأسانيد-ج 6 ص 340 و 341 و 342 و الدر المنثور ج 3 ص 186 عن ابن أبي شيبة، و البحر الرائق ج 5 ص 98 و تبيين الحقائق ج 3 ص 257 و نصب الراية ج 3 ص 425 و 426 عن كثيرين جدا، فليراجع. و مصابيح السنة ج 2 ص 70 و البخاري (ط سنة 1311 هـ) ج 4 ص 111 و ج 6 ص 174 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 312 و فتح القدير ج 2 ص 310 و تفسير الخازن ج 2 ص 185 و النسفي (بهامشه) ج 2 ص 186 و تفسير جامع البيان للطبري ج 10 ص 5 و الكشاف ج 2 ص 221 و سنن النسائي ج 7 ص 130 و 131 و مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 118 و نقل ذلك بعض المحققين عن المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 461 و 462 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 7 ص 12 و فتح الباري ج 7 ص 174 و ج 6 ص 150 و تفسير المنار ج 10 ص 7 و ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 125 و 126 و إرشاد الساري ج 5 ص 202 و المحلى ج 7 ص 328.

40

و بعد هذا.. فإن العباسيين قد اتّبعوا نفس هذا الأسلوب أيضا، فأظهروا أنفسهم على أنهم هم ذوو قربى النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، بهدف إضفاء صفة الشرعية على حكمهم و سلطانهم، حتى لنجد الرشيد يأتي إلى قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا ابن عم، فيتقدم الإمام الكاظم «عليه السلام» إلى القبر الشريف و يقول: السلام عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد، و تبين الغيظ فيه‏ (1) .

هذا.. و قد ربط العباسيون دعوتهم و حبل وصايتهم في البداية بأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و نجحوا في الإستفادة من عواطف الناس تجاه ما تعرض له العلويون و أهل البيت «عليهم السلام» من ظلم، و اضطهاد، و آلام، على يد أسلافهم الأمويين..

و لكنهم بعد ذلك رأوا: أنهم في مجال التمكين لأنفسهم لا يسعهم الإستمرار بربط دعوتهم بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة و السلام، لوجود من هم أمسّ بعلي «عليه السلام» رحما منهم، فاتجهوا نحو التلاعب ببعض

____________

(1) كشف الغمة ج 3 ص 20 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 234 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 36 و كنز الفوائد للكراجكي ص 166 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 167 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 434 و البحار ج 25 ص 243 و ج 48 ص 136 و ج 93 ص 239 و تاريخ بغداد ج 13 ص 32 و تهذيب الكمال ج 29 ص 50 و سير أعلام النبلاء ج 6 ص 273 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 12 ص 418 و إعلام الورى للطبرسي ج 2 ص 28 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 654 و كشف الغمة للإربلي ج 3 ص 22.

41

الركائز و المنطلقات الفكرية و العقائدية للناس، فأسس المهدي-و الظاهر أن هذه هي فكرة أبيه المنصور من قبل-فرقة تدّعي: أن الإمام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو العباس بن عبد المطلب، ثم ولده عبد اللّه، ثم ولده.. و هكذا.. إلى أن ينتهي الأمر إلى العباسيين.

و لكنهم أجازوا بيعة علي «عليه السلام» ، لأن العباس نفسه كان قد أجازها.. و ادّعوا: أن الإرث للعم دون البنت، و لذلك فإن حق الخلافة لا يصل إلى الحسن و الحسين «عليهما السلام» ، عن طريق فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها.

و اهتموا في إظهار هذا الأمر و تثبيته كثيرا، حتى قال شاعرهم:

أنى يكون و ليس ذاك بكائن # لبني البنات وراثة الأعمام‏

فنال على هذا البيت مالا عظيما.

و هذا موضوع واسع و متشعب، و قد تحدثنا عنه و أوردنا له بعض الشواهد في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام» ص 78- 81 فليراجعه من أراد.

الخطة.. و مواجهتها:
و لكن هذا الخط السياسي، و إن حظي بكثير من الدعم و الإصرار من قبل الحكام، و كل أعوانهم.. و قد جندوا كل طاقاتهم المعنوية و المادية من أجل تأكيده و تثبيته.. إلا أنه قد كان ثمة عقبة كؤود تواجههم، و تعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة، و تزوير التاريخ، و هي وجود أهل البيت صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، الذين يملكون أقوى الحجج، و أعظم‏

42

الدلائل و الشواهد من القرآن، و من الحديث المتواتر، و من المواقف النبوية المتضافرة، التي يعرفها و رآها و سمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و سمعها منهم التابعون، ثم من بعدهم..

و كان من جملة تلك الحجج الدامغة «آية المباهلة» بالذات.. و كم رأينا من مواقف للأمويين و للعباسيين على حد سواء يصرون فيها على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى اللّه عليه و آله» .. فكانت تواجه من قبل أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، و المنصفين من غيرهم بالإحتجاجات القوية و الفاصلة.. الأمر الذي جعل «السحر ينقلب على الساحر» ..

و سرعان ما أدركوا: أن أسلوب الحجاج و المنطق، من شأنه أن يظهر الحق الذي يجهدون في إخفائه، و تشويهه.. فكانوا يعملون على عزل الأئمة و شيعتهم عن الساحة، و إبعادهم عن الأنظار، عن طريق الإرهاب و الإضطهاد و التنكيل، حتى إذا وجدوا أن ذلك لا يجدي، تصدوا لتصفيتهم جسديا.. بالسم تارة، و بالسيف أخرى..

أمثلة تاريخية هامة:
و نستطيع أن نذكر هنا بعض ما يتضمن محاولتهم نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى اللّه عليه و آله» ، و احتجاجات الأئمة و غيرهم عليهم في ذلك.. و بعضه يتضمن الإستدلال بآية المباهلة.. و ذلك في ضمن النقاط التالية:

1-عن ذكوان، مولى معاوية، قال: «قال معاوية: لا أعلمنّ أحدا

43

سمى هذين الغلامين‏ (1) ابني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن قولوا:

ابني علي «عليه السلام» .

قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك، أمرني أن أكتب بنيه في الشرف.

قال: فكتبت بنيه و بني بنيه، و تركت بني بناته.. ثم أتيته بالكتاب، فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كبر بنيّ!

فقلت: من؟

فقال: أما بنو فلانة-لابنته-بنيّ؟. أما بنو فلانة-لابنته-بنيّ؟.

قال: قلت: اللّه!!أيكون بنو بناتك بنيك، و لا يكون بنو فاطمة بني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟!

قال: ما لك؟قاتلك اللّه!لا يسمعنّ هذا أحد منك؟!.. » (2) .

2-جاء عن الإمام الحسن «عليهما السلام» محتجا على معاوية قوله:

«فأخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأنفس معه أبي، و من البنين أنا و أخي، و من النساء فاطمة أمي، من الناس جميعا، فنحن أهله، و لحمه و دمه، و نفسه، و نحن منه و هو منا» (3) .

3-قال الرازي في تفسير قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ

____________

(1) الغلام: الكهل. و الطار الشارب، فهو من الأضداد، راجع: أقرب الموارد ج 2 ص 484، و البحار ج 33 ص 258 و كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 172.

(2) كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 176 و البحار ج 33 ص 258.

(3) ينابيع المودة ص 479 عن الزرندي المدني، و ص 482 و 52 و تفسير البرهان ج 2 ص 286 و أمالي الطوسي ج 2 ص 172 و في (ط دار الثقافة قم) ص 564 و البحار ج 10 ص 141 و ج 69 ص 154 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 186.

44

وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ.. إلى قوله: وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ (1) -بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوة الحسنين «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» - قال-: «و يقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف» (2) .

4-إحتج أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يوم الشورى على المجتمعين، بأن اللّه، تعالى جعله نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعل ابنيه ابنيه، و نساءه نساءه‏ (3) .

5-عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج، فأتي بيحيى بن يعمر، فقيه خراسان، من بلخ، مكبلا بالحديد فقال له الحجاج: أنت زعمت: أن الحسن و الحسين من ذرية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب اللّه (!!) ، أو لأقطعنّك عضوا عضوا.

فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه يا حجاج.

قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج.

____________

(1) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.

(2) تفسير الرازي ج 13 ص 66 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 241 عنه.

(3) ينابيع المودة ص 266 عن الدارقطني، و الصواعق المحرقة ص 154 و فضائل الخمسة ج 1 ص 250 و حياة أمير المؤمنين «عليه السلام» للسيد محمد صادق الصدر ص 205 عن الصواعق، و البحار ج 35 ص 267 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 432 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 385 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 177.

45

فقال له: و لا تأتني بهذه الآية: نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ .

فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه، و هو قوله: وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ.. إلى قوله: وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ (1) . فمن كان أبو عيسى، و قد ألحق بذرية نوح؟!.

قال: فأطرق الحجاج مليا، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه حلّوا وثاقه الخ.. » (2) .

و في نور القبس: أنّ الحجاج طلب منه أن لا يعود لذكر ذلك، و نشره.

6-لسعيد بن جبير قصة مع الحجاج شبيهة بقصة يحيى بن يعمر، فلا نطيل بذكرها (3) .

7-سأل هارون الرشيد الإمام الكاظم «عليه السلام» ، فقال له: كيف قلتم: إنّا ذرية النبي، و النبي لم يعقب، و إنما العقب للذكر لا للأنثى، و أنتم ولد البنت، و لا يكون له عقب؟

فسأله «عليه السلام» أن يعفيه، فلم يقبل، فاحتج «عليه السلام» بأن

____________

(1) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.

(2) تفسير الرازي ج 2 ص 194 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 164 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 247 و 248 و الدر المنثور ج 3 ص 28 عن ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و الحاكم، و البيهقي، و الغدير ج 7 ص 123 عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 155 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89، و راجع: العقد الفريد ج 5 ص 20 و نور القبس ص 21 و 22 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 12.

(3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89 و 90 و البحار الأنوار ج 43 ص 229 و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 558.

46

القرآن قد اعتبر عيسى من ذرية إبراهيم في آية سورة الأنعام، مع أنه ينتسب إليه عن طريق الأم. ثم احتج عليه بآية المباهلة، حيث قال اللّه تعالى فيها:

أَبْنََاءَنََا (1) .

8-إن عمرو بن العاص أرسل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» يعيبه بأشياء، منها: أنه يسمي حسنا و حسينا ولدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال لرسوله: «قل للشاني‏ء ابن الشاني‏ء: لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك» (2) .

9-قال الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه في كربلاء: «اللهم إنّا أهل بيت نبيك، و ذريته و قرابته، فاقصم من ظلمنا، و غصبنا حقنا، إنك سميع قريب» .

فقال محمد بن الأشعث: أي قرابة بينك و بين محمد؟!.

فقال الحسين «عليه السلام» : «اللهم إن محمد بن الأشعث يقول: ليس بيني و بين محمد قرابة، اللهم أرني فيه في هذا اليوم ذلا عاجلا، فاستجاب اللّه دعاءه الخ.. » (3) .

____________

(1) نور الأبصار ص 148 و 149 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 84 و 85 تفسير نور الثقلين ج 1 ص 289 و 290 و تفسير الميزان ج 3 ص 230 و تفسير البرهان ج 1 ص 289 و ذخيرة المعاد (ط. ق) للسبزواري ج 1 ق 3 ص 487 و جواهر الكلام ج 16 ص 95 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 80 و الإحتجاج ج 2 ص 164 و البحار ج 48 ص 128 و ج 93 ص 240.

(2) شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 334.

(3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 249 و مقتل الحسين للمقرم ص 278 عنه، و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 215 و البحار ج 45 ص 302.

47

10-و قد أوضح الباقر «عليه السلام» لنا: أنه قد كانت سياسات الآخرين تقضي بنفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع ما قاله «عليه السلام» في ذلك‏ (1) .

هذا و لهم «عليهم السلام» احتجاجات أخرى بآية المباهلة على خلافة أمير المؤمنين، و على أفضليته «عليه السلام» ، و غير ذلك، لا مجال لذكرها هنا (2) .

مفارقة:
و بعد أن اتضح: أن السياسة الأموية كانت تقضي بأن يستبعد اسم علي «عليه السلام» من جملة من باهل بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم الإصرار على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فإننا نجدهم يصرون على خؤولة معاوية للمؤمنين، و يجعلون ذلك ذريعة للإنكار على من ذكر معاوية بسوء، و لكنهم إذا ذكر محمد بن أبي بكر

____________

(1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 209 و الحدائق الناضرة للبحراني ج 12 ص 398 و ج 22 ص 244 و جواهر الكلام ج 16 ص 93 و الكافي ج 8 ص 317 و البحار ج 43 ص 232 و ج 93 ص 239 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 348 و تفسير الميزان ج 7 ص 263 و العدد القوية للحلي ص 40.

(2) لا بأس بمراجعة البحار ج 35 ص 257 و ج 49 ص 188 و تفسير الميزان ج 2 ص 230 و 329 و تفسير البرهان ج 1 ص 286 و 287 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 38 و غير ذلك.

غ

48

بسوء رضوا أو أمسكوا، و مالوا مع ذاكره، و خؤولته-حسب منطقهم- ظاهرة بائنة.

و قد نفرت قلوبهم من علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، لأنه حارب معاوية و قاتله، و سكنت قلوبهم عند قتل عمار و محمد بن أبي بكر، و له حرمة الخؤولة، و هو أفضل من معاوية، و أبوه خير من أبي معاوية، و ما ذلك إلا خديعة أو جهالة، و إلا فلماذا لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر و لا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟! (1) .

من مواقف الإمام الحسن عليه السّلام:
نعم.. و لم يقتصر الأئمة في تصديهم للمغرضين و الحاقدين، و الوقوف في وجه سياساتهم تلك بحزم و صلابة-على مواقف الحجاج هذه، بل تعدّوا ذلك إلى المناسبات الأخرى، و استمروا يعلنون بهذا الأمر على الملأ، و يؤكدون عليه في كثير من المناسبات و المواقف الحساسة، و كشفوا زيف تلك الدعاوى بشكل لا يدع مجالا لأي شك أو ريب..

و قد صدع الإمام الحسن «عليه السلام» بهذا الأمر أيضا في أكثر من مناسبة، و أكثر من موقف..

و لم يكن يكتفي بإظهار و إثبات بنوّته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حسب.. و إنما كان يهتم بالتأكيد على أن حق الإمامة و الخلافة له وحده، و لا تصل النوبة إلى معاوية و أضرابه، لأن معاوية ليس فقط يفقد

____________

(1) مقتبس من كتاب: المعيار و الموازنة ص 21.

49

المواصفات الضرورية لهذا الأمر، و إنما هو يتصف بالصفات التي تنافيها و تنقضها بصورة أساسية.. و كمثال على كل ذلك نذكر:

1-أنه «عليه السلام» يخطب فور وفاة أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فيقول: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني، فأنا الحسن بن علي، و أنا ابن النبي، و أنا ابن الوصي» (1) .

لاحظ كلمة: «الوصي» في هذه العبارة الأخيرة.

و في نص آخر أنه قال: «فأنا الحسن بن محمد (صلى اللّه عليه و آله) » (2) .

____________

(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 172 و ذخائر العقبى ص 138 عن الدولابي، و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 173 عن الجنابذي على ما يظهر، و مسائل علي بن جعفر ص 329 و أمالي الصدوق ص 244 و تحف العقول ص 232 و مقاتل الطالبيين ص 33 و أمالي الطوسي ص 270 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 178 و ذخائر العقبى للطبري ص 138 و 140 و البحار ج 25 ص 214 و ج 43 ص 331 و 355 و ج 44 ص 41.

(2) راجع: الفصول المهمة للمالكي ص 146 و تفسير فرات ص 70 و 72 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 159 و ينابيع المودة ص 225 و 302 و 270 و 479 و 482 عن أبي سعد في شرف النبوة، و الطبراني في الكبير، و البزار، و الزرندي المدني، و غيرهم، و إرشاد المفيد ص 207 و فرائد السمطين ج 2 ص 120 و مستدرك الحكام ج 3 ص 172 و مجمع الزوائد ج 9 ص 46 و حياة الصحابة ج 3 ص 526 و ذخائر العقبى ص 138 و 140 و عن الدولابي في الذرية الطاهرة، و نزهة المجالس ج 2 ص 186 و المحاسن و المساوي ج 1 ص 132 و 133 و المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 11 و 12 و الإحتجاج ج 1 ص 419 و البحار ج 44 و أمالي الشيخ الطوسي ج 1 ص 12 و إعلام الورى ص 208 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 30.

50

و قال حينئذ أيضا: «أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض اللّه طاعتهم في كتابه الخ.. » .

ثم قام ابن عباس، فقال: «هذا ابن بنت نبيكم، و وصي إمامكم فبايعوه» (1) .

و في نص آخر: أنه «عليه السلام» قال حينئذ أيضا: «و عنده نحتسب عزاءنا في خير الآباء رسول اللّه الخ.. » (2) .

2-و في مناسبة أخرى في الشام، طلب منه معاوية-بمشورة عمرو بن العاص-أن يصعد المنبر، و يخطب-رجاء أن يحصر-فصعد المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم أورد خطبة هامة، تضمنت ما تقدم، و سواه الشي‏ء الكثير، قال الراوي: «و لم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية، و عرف الحسن من لم يكن عرفه من أهل الشام و غيرهم، ثم نزل.

فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة، و لست هناك!

فقال الحسن «عليه السلام» : أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمل بطاعة اللّه عز و جل. و ليس الخليفة من سار بالجور، و عطل السنن، و اتخذ الدنيا أما و أبا، و عباد اللّه خولا، و ماله دولا، و لكن ذلك أمر ملك أصاب ملكا، فتمتع منه قليلا، كأن قد انقطع عنه.. »

____________

(1) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 717 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 8 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) للحلي ص 145 و البحار ج 43 ص 362 و إعلام الورى ج 1 ص 407 و كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 156 و 161.

(2) البحار ج 43 ص 363 و كفاية الأثر للقمي ص 161.

51

إلى آخر كلامه عليه السلام‏ (1) .

و نفس هذه القضية تذكر له مع معاوية، حينما جرى الصلح بينهما في الكوفة (2) .

و هذا يؤيد ما ذكره البعض: من أن معاوية قد دس السم الى الإمام الحسن «عليه السلام» ، لأنه كان يقدم عليه إلى الشام‏ (3) .

3-و في نص آخر: أن معاوية طلب من الإمام الحسن «عليه السلام» :

أن يصعد على المنبر، و يخطب.. فصعد المنبر و خطب، و صار يقول: أنا ابن، أنا ابن.. إلى أن قال: «لو طلبتم ابنا لنبيكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري و غير أخي» (4) . و من أراد الرواية بطولها فليراجع المصادر.

4-و في نص آخر: أن معاوية طلب منه: أن يصعد المنبر و ينتسب،

____________

(1) الإحتجاج ج 1 ص 419 و الخرائج و الجرائح ص 218 و مقاتل الطالبيين ص 47 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 49 و الكلام الأخير موجود أيضا في مصادر أخرى فراجع الهامش التالي.

(2) ذخائر العقبى ص 140 عن أبي سعد، و راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 126 لكن فيه: أن ذلك كان بالمدينة، و البحار ج 44 ص 122 و المحاسن و المساوي ج 1 ص 133 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 49 و مقاتل الطالبيين ص 73 و الإمام الحسن لآل يس ص 110-114 و تحف العقول ص 164.

(3) الغدير ج 11 ص 8 عن طبقات ابن سعد.

(4) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 12 عن العقد الفريد و المدائني و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 178 و ليراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 126 و البحار ج 10 ص 143 و ج 43 ص 355 و 356 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 172 و الإحتجاج ج 1 ص 420 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 188.

52

فصعد، و صار يقول: بلدتي مكة و منى، و أنا ابن المروة و الصفا، و انا ابن النبي المصطفى..

إلى أن قال: فأذن المؤذن، فقال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فالتفت إلى معاوية، فقال: أ محمد أبي؟أم أبوك؟!فإن قلت: ليس بأبي، كفرت، و إن قلت: نعم، فقد أقررت..

ثم قال: أصبحت العجم تعرف حق العرب بأنّ محمدا منها، يطلبون حقنا، و لا يردون إلينا حقنا» (1) .

5-و في مناسبة أخرى، طلب منه معاوية أن يخطب و يعظهم، فخطب و صار يقول: أنا ابن رسول اللّه، أنا ابن صاحب الفضايل، أنا ابن صاحب المعجزات و الدلايل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي.. إلى أن قال: أنا إمام خلق اللّه، و ابن محمد رسول اللّه، فخشي معاوية أن يتكلم بما يفتن به الناس، فقال: إنزل، فقد كفى ما جرى، فنزل» (2) .

6-بل لقد رأينا معاوية يعترف له بهذا الأمر، فيقول له مرة في كلام له:

«و لا سيما أنت يا أبا محمد، فإنك ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سيد شباب أهل الجنة» (3) .

____________

(1) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 12 و في (ط مطبعة الحيدرية النجف) ج 3 ص 178 و البحار ج 43 ص 356 و راجع ج 44 ص 121 و 122 و تحف العقول ص 232 و الخرايج و الجرايح ص 217 و 218.

(2) أمالي الصدوق ص 158 و الخرائج و الجرائح للراوندي ج 1 ص 237 و البحار ج 43 ص 332 و ج 44 ص 89.

(3) المحاسن و المساوي ج 1 ص 122.

53

و يدخل في هذا المجال أيضا: قول الإمام الحسن «عليه السلام» لأبي بكر، و قول الإمام الحسين «عليه السلام» لعمر: انزل عن منبر أبي، حسبما سيأتي، إن كان المقصود بأبي: هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كما يظهر من اعترافهما لهما. و إن كان المقصود به أباهما أمير المؤمنين-كما احتمله بعض المحققين‏ (1) -فيدخل في مجال احتجاجاتهما «عليهما السلام» على أحقيتهم بالأمر، دون كل أحد سواهم.. و يكونان قد انتزعا منهما اعترافا صريحا و هاما في هذا المجال.

و الإمام الحسين عليه السّلام أيضا:
و بعد ذلك، فإنا نجد الإمام الحسين «عليه السلام» يخطب الناس، و يقول: «أقررتم بالطاعة، و آمنتم بالرسول محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته و عترته، تريدون قتلهم..

إلى أن قال: ألست أنا ابن بنت نبيكم، و ابن وصيه، و ابن عمه» (2) .

و يقول في موضع آخر، حينما اشتد به الحال: «و نحن عترة نبيك، و ولد نبيك، محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي اصطفيته بالرسالة الخ.. » (3) .

____________

(1) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» .

(2) مقتل الحسين للمقرم ص 274 عن مقتل محمد بن أبي طالب الحايري و البحار ج 45 ص 6.

(3) المصدر السابق عن الإقبال، و مصباح المتهجد، و عنهما في مزار البحار ص 107 باب زيارته يوم ولادته، و مصباح المتهجد للطوسي ص 827 و المزار للمشهدي ص 399 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 3 ص 304 و البحار ج 98 ص 348.

54

و يقول في وصف جيش يزيد، في يوم عاشوراء: «فإنما أنتم طواغيت الأمة.

إلى أن قال: و قتلة أولاد الأنبياء، و مبيري عترة الأوصياء» (1) .

و قد اعترفوا له بذلك حينما ناشدهم، فقال: أنشدكم اللّه، هل تعرفوني؟

قالوا: نعم، أنت ابن رسول اللّه و سبطه» (2) .

الإمام السجاد ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
و للإمام السجاد «عليه السلام» موقف هام في الشام، حينما ألقى خطبته الرائعة، فقال: «أيها الناس، أنا ابن مكة و منى، أنا ابن زمزم و الصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا..

إلى أن قال: أنا ابن من حمل على البراق، و بلغ به جبرئيل سدرة المنتهى.. » .

إلى آخر الخطبة التي كان من نتيجتها: أن «ضجّ الناس بالبكاء، و خشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة» .. و لكنه «عليه السلام» تابع خطبته، و احتجاجاته الدامغة على يزيد، و تفرق الناس، و لم ينتظم لهم صلاة في ذلك اليوم‏ (3) .

____________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 7 و البحار ج 45 ص 8 و راجع: مقتل الحسين للمقرم ص 282 للإطلاع على مصادر أخرى.

(2) أمالي الصدوق ص 140 و اللهوف لابن طاووس ص 52.

(3) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 69 و 70 و مقتل الحسين للمقرم ص 442 و 443 عنه، و عن نفس المهموم ص 242.