الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج30

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
351 /
5

الجزء الثلاثون‏

تتمه الباب التاسع‏

الفصل الثامن:

جيش الإسلام في تبوك‏

6

-

7

نزول المسلمين في تبوك:

عن حذيفة، و معاذ بن جبل، قال: إنه خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام تبوك.

قال: فكان يجمع بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، قال:

فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا، ثم دخل فصلى المغرب و العشاء جميعا، ثم قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء اللّه تعالى عين تبوك، و إنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي» .

و في حديث حذيفة: «بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن في الماء قلة، فأمر مناديا ينادي في الناس: أن لا يسبقني إلى الماء أحد» .

قال: فجئناها و قد سبق إليها رجلان، و العين مثل الشراك تبض بشي‏ء من مائها، فسألهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل مسستما من مائها شيئا» .

قالا: نعم.

فسبهما، و قال لهما ما شاء اللّه أن يقول.

ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول‏

8

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه وجهه و يديه، و مضمض، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير.

و لفظ ابن إسحاق: فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حسا كحس الصواعق، و ذلك الماء فوارة تبوك. انتهى.

فاستسقى الناس، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا ملي‏ء جنانا» (1) .

و عن عروة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين نزل تبوك و كان في زمان قلّ ماؤها فيه، فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت. فهي كذلك حتى الساعة (2) .

و عن جابر قال: انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، و عينها تبض بماء يسير مثل الشراك، فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 450 و 451 عن مالك، و ابن إسحاق، و مسلم، و أحمد. و البداية و النهاية ج 5 ص 17 و ج 6 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 23 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و 120. و راجع: البحار ج 21 ص 250 و عمدة القاري ج 18 ص 45 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 546 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 82 و ج 4 ص 469 و ج 14 ص 475 و المعجم الكبير ج 20 ص 57 و كنز العمال ج 12 ص 378 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 636 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 58.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 451 و 452 و 453 عن أبي نعيم، و عن البيهقي في الدلائل، و عن ابن عائذ. و عيون الأثر ج 2 ص 258 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 113.

9

ما دفعها إليهم، فجاشت بالماء، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمعاذ:

«يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا» (1) .

و نقول:

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يسب أحدا:

قد تقدم بعض هذا الحديث فيما سبق حين الكلام عن سبب تسمية عين تبوك، و ذلك أول هذا الجزء من الكتاب، و قد قلنا: إنه لا يصح قولهم:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سب أحدا من الناس، و هو الذي نهى الناس عن السباب...

الجمع بين الصلاتين و تأخير الصلاة:

و قد تضمن النص المتقدم: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد جمع بين صلاتي الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، و هذا لا إشكال فيه، إذ

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 451 عن مالك و عن الخطيب في كتاب الرواة، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 4 ص 1784-1785 حديث (10/706) و أحمد ج 5 ص 238 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (549) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 236 و ابن خزيمة (968) و مالك في الموطأ 144 و انظر كنز العمال (35398) . و راجع: صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 82 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 470 و المعجم الأوسط ج 7 ص 76 و المعجم الكبير ج 20 ص 57 و و التمهيد ج 12 ص 194 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 38 و ج 61 ص 275 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 637 و مصادر كثيرة أخرى.

10

الجمع بين الصلاتين جائز في فقه أهل البيت «عليهم السلام» مطلقا، أي سواء أكان ذلك في السفر أو في الحضر، مع عذر من مطر أو غيره و بدونه..

و لكن غير الشيعة يلزمون أنفسهم بالتفريق في الحضر، و يجيزون الجمع في السفر، و في حال وجود عذر من مطر أو غيره..

و قد بدأ الشيعة بالتفريق و بالجمع بين صلاتي الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، من عهد الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» ، و ذلك اقتداء منهم بهذا النبي الكريم و العظيم صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين، حيث صرحت الروايات الكثيرة المروية عند السنة و الشيعة، بأسانيد صحيحة: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد جمع بين الصلوات من دون عذر من سفر، و لا مطر، و لا غير ذلك‏ (1) .

علما بأن الشيعة لا يرون الجمع واجبا، كما لا يرون التفريق حتما لازما..

يضاف إلى ذلك: أن القرآن نفسه لم يحدد سوى ثلاثة أوقات للصلاة اليومية، حيث قال: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً (2) .

و قد دلت روايات أهل البيت «عليهم السلام» أيضا: على صحة الجمع

____________

(1) سنن الترمذي ج 5 ص 392 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 223 و 354، و صحيح مسلم ج 2 ص 152 و سنن أبي داود ج 1 ص 272 و سنن النسائي ج 1 ص 290 و السنن الكبرى ج 3 ص 167 و ج 1 ص 491 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 478 و الموطأ (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 144.

(2) الآية 78 من سورة الإسراء.

11

و التفريق، فقد روي: أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه‏ (1) .

و هذا معناه: أن وقت فضيلة الظهرين يكون قد بدأ بمجرد الزوال، مع حتمية تقديم صلاة الظهر، ثم يستمر وقت فضيلتهما معا إلى حين صيرورة ظل كل شي‏ء مثله كما دلت عليه روايات أخرى، فينتهي حينئذ وقت فضيلة الظهر، و يستمر وقت فضيلة العصر إلى أن يصير ظل كل شي‏ء مثليه..

فينتهي هذا الفضل.

فمن صلّى الظهر بعد صيرورة ظل الشي‏ء مثله، إلى آخر الوقت، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.

و من يصلي العصر بعد صيرورة ظل كل شي‏ء مثليه إلى الغروب، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.

ثم إن علينا أن لا ننسى أن الجمع بين الصلاتين حتى في السفر، أو المطر، أو غير ذلك دليل على أن أوقات الصلاة اليومية ثلاثة، لأنها لو كانت خمسة لكان الجمع بين الصلاتين يقتضي أن تكون إحدى الصلاتين قد وقعت في خارج وقتها، أو الإلتزام بسقوط شرطية الوقت في الصلوات الأربع من الأساس، لأن الجمع بين الصلاتين قد يكون بتقديم العصر إلى

____________

(1) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 95 و الكافي ج 3 ص 276 و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 215 و الإستبصار للطوسي ج 1 ص 246 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 2 ص 26 و فقه الرضا لابن بابويه ص 74 و الهداية للصدوق ص 127 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) للحلي ج 2 ص 308 و منتهى المطلب (ط. ج) للحلي ج 4 ص 94 و جواهر الكلام ج 7 ص 78 و البحار ج 80 ص 32 و 46.

12

وقت الظهر، و قد يكون بتأخير الظهر إلى وقت العصر، كما أنه قد يكون بتقديم العشاء إلى وقت المغرب، و قد يكون بتأخير المغرب إلى وقت العشاء..

و أما ما ذكرته الرواية المتقدمة عن تأخير النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لصلاته، فلا بد أن يكون المقصود به هو التأخير مع البقاء في داخل وقت الفضيلة، و بدون ذلك، فإن الحديث يكون مكذوبا لأن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لا يختار من الأعمال إلا ما هو أفضل و أتم..

خطبة النبي صلّى اللّه عليه و آله في تبوك:

و قالوا: خطب رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» عام تبوك و هو مسند ظهره إلى نخلة فقال: «ألا أخبركم بخير الناس و شر الناس إن من خير الناس رجلا يحمل في سبيل اللّه على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت. و إن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا، يقرأ كتاب اللّه، لا يرعوي إلى شي‏ء منه‏ (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 273 و ج 5 ص 452 عن أحمد و قال في هامشه:

أخرجه أحمد في المسند ج 3 ص 37 و 58 و 414 و الحاكم ج 2 ص 67 و سنن النسائي ج 6 ص 12، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 160 و الجهاد لابن المبارك ص 158 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 592 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 305 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 9 و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 439 و كنز العمال ج 15 ص 771 و البداية و النهاية ج 5 ص 17 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 23 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 437.

13

و عن عقبة بن عامر: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» لما أصبح بتبوك حمد اللّه تعالى و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

«أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب اللّه، و أوثق العرى كلمة التقوى، و خير الملل ملة إبراهيم، و خير السنن سنة محمد، و أشرف الحديث ذكر اللّه، و أحسن القصص القرآن.

هذا و خير الأمور عوازمها، و شر الأمور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الأنبياء، و أشرف الموت قتل الشهداء، و أعمى العمى الضلالة بعد الهدى، و خير الأعمال ما نفع و شر العمى عمى القلب، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى، و شر المعذرة حين يحضر الموت، و شر الندامة يوم القيامة.

و من الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، و منهم من لا يذكر اللّه إلا هجرا.

و من أعظم الخطايا اللسان الكذاب، و خير الغنى غنى النفس، و خير الزاد التقوى، و رأس الحكمة مخافة اللّه عز و جل، و خير ما وقر في القلوب اليقين، و الإرتياب من الكفر، و النياحة من أعمال الجاهلية، و الغلول من جثى جهنم، و السكركة (1) من النار، و الشعر من إبليس، و الخمر جماع الإثم، و النساء حبالة الشيطان، و الشباب شعبة من الجنون، و شر المكاسب كسب الربا، و شر المأكل مال اليتيم، و السعيد من وعظ بغيره، و الشقي من شقي في بطن أمه، و إنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، و الأمر إلى الآخرة،

____________

(1) السكركة: خمر الحبشة، و هو من الذرة، و تسمى الغبيراء أيضا.

14

و ملاك العمل خواتمه، و شر الرؤيا رؤيا الكذب، و كل ما هو آت قريب، و سباب المؤمن فسوق، و قتال المؤمن كفر، و أكل لحمه من معصية اللّه عز و جل، و حرمة ماله كحرمة دمه، و من يتألّ على اللّه يكذبه، و من يغفر يغفر له، و من يعف يعف اللّه عنه، و من يكظم الغيظ يأجره اللّه، و من يصبر على الرزية يعوضه اللّه، و من يبتغ السمعة يسمع اللّه به، و من يصبر يضعف اللّه له، و من يعص اللّه يعذبه اللّه.

اللهم اغفر لي و لأمتي-قالها ثلاثا-استغفر اللّه لي و لكم‏ (1) .

الإرتياب من الكفر:

و من الواضح: أن الإرتياب الذي هو من الكفر هو ذلك الذي يكون في اللّه عز و جل.. أو في نبوة نبيه «صلّى اللّه عليه و آله» ، أو في البعث، أو في القرآن، و غير ذلك، و كذلك الحال إذا كان الريب في صفات اللّه، كأن يرتاب في علمه تعالى، أو في عدله.. أو في قدرته و ما إلى ذلك..

النياحة من أعمال الجاهلية:

و النياحة التي هي من أعمال الجاهلية هي النّياحة بالباطل، أو تلك التي تصاحبها بعض الأمور المحرمة..

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 452 عن البيهقي، و قال في هامشه البيهقي ج 5 ص 241 قال الحافظ ابن كثير في البداية ج 5 ص 13 و 14 هذا حديث غريب، و فيه نكارة، و في إسناده ضعيف. و راجع: كنز العمال ج 15 ص 930.

15

الشعر من إبليس:

و الشعر الذي هو من إبليس هو الذي تحدث اللّه تعالى عنه بقوله:

وَ اَلشُّعَرََاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغََاوُونَ `أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وََادٍ يَهِيمُونَ `وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مََا لاََ يَفْعَلُونَ `إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ ذَكَرُوا اَللََّهَ كَثِيراً وَ اِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مََا ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (1) .

و هو الشعر الذي يراد به إشاعة الباطل، أو العدوان على الناس، أو ما إلى ذلك.

الشقي من شقي في بطن أمه:

و عن قوله: «الشقي من شقي في بطن أمه» نقول:

قد يتخيل البعض أن هذه الفقرة تؤيد مقولة الجبر الإلهي للعباد على أفعالهم..

و هو تخيل باطل، فإن الآيات الكثيرة و كذلك الروايات المتوافرة قد دلت على أن الإنسان هو الذي يختار طريق السعادة، أو طريق الشقاء..

و علم اللّه تعالى بما يختاره لا يؤثر في ذلك الإختيار شيئا، و لا يجعله مقهورا أو مجبورا على فعله، بل يكون مثل علمنا بأن فلانا سوف يأكل أو سوف يشرب، و أن الشمس ستطلع في صباح اليوم التالي، و أن الأرض سوف تنبت نباتها و زرعها.. و ما إلى ذلك..

كما أن وجود الدوافع القوية نحو الشر في داخل الإنسان لا تجعله مجبرا

____________

(1) الآيات 224-227 من سورة الشعراء.

16

على اختيار طريق الشر، مهما كانت تلك الدوافع و النوازع قوية، و عاصفة، و حتى لو كانت قد ولدت معه..

فقد ورد أن محمد بن أبي عمير، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر «عليهما السلام» عن معنى قول رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» :

«الشقي من شقي في بطن أمه و السعيد من سعد في بطن أمه» .

فقال: الشقي من علم اللّه و هو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الأشقياء، و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء.

قلت له: فما معنى قوله «صلّى اللّه عليه و آله» : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ؟

فقال: إن اللّه عز و جل خلق الجن و الإنس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه، و ذلك قوله عز و جل: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ (1) . فيسر كلا لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى‏ (2) .

و لهذا البحث محل آخر، و قد تقدم بعض منه أكثر من مرة في هذا الكتاب فراجع..

عباد بن بشر على الحرس في تبوك:

و قد استعمل رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» على حرسه بتبوك من

____________

(1) الآية 56 من سورة الذاريات.

(2) التوحيد للصدوق ص 356 و البحار ج 5 ص 157 و نور البراهين للجزائري ج 2 ص 285 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 590 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1479 و راجع: نور الثقلين ج 2 ص 396.

17

يوم قدم إليها، إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان عباد يطوف في أصحابه على العسكر، فغدا على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يوما، فقال: يا رسول اللّه، ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، فولّيت أحدنا يطوف على الحرس؟!

قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «ما فعلت، و لكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب» .

فقال سلكان بن سلامة: يا رسول اللّه، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا، فكنا نحرس الحرس.

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «رحم اللّه حرس الحرس في سبيل اللّه، و لكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة» (1) .

و نقول:

إن هذا النص ملتبس بدرجة كبيرة، و ذلك من عدة جهات.

الأولى: في أن سلكان بن سلامة و تسعة معه كانوا يحرسون الحرس، و هذه سابقة غير معهودة، فإن الناس إنما ينتدبون لحراسة الجيش الذي يخلد إلى الراحة، خوفا من أن يفاجئه عدو متربص، و يوقع به.. أما حراسة الحرس، فلم نسمع بها في التدابير المألوفة في مسير الجيوش، و في حلها و ارتحالها..

الثانية: ما معنى أن يسمع الحرس ذلك التكبير بالقرب منهم، و لا

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 453 عن الواقدي، و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 68.

غ

18

يتحرون مصدره، و لا يسعون لكشف حقيقته، فلعلها مكيدة لهم و لعله عدو متربص بهم، و لعل.. و لعل..

الثالثة: هل الذي يتصدى للحرس يعلن بالتكبير حتى يسمعه الآخرون؟!. فلو فرض أن جماعة تفكر في الإيقاع أو الإغارة على بعض أطراف الجيش، ألا يكون صوت الحرس في جوف الليل، من موجبات تحديد موقعهم، و ذلك بالتالي يعطي القدرة للعدو على تجنب المرور على مواضع تمركز ذلك الحرس، و يبحث عن ثغرات أخرى يستطيع التسلل و النفوذ منها؟!.

الرابعة: هل كان الحرس متمركزين في موقع بعينه، حتى استطاع عشرة أشخاص فقط أن يقوموا بمهة حفظهم و حراستهم في ذلك الموقع علما بأن ذلك الجيش الذي يتولون حراسته كان يعد بثلاثين، أو أربعين أو سبعين ألفا، و تحتاج حراسة موقع نزول هذا العدد، بما معه من دواب و مراكب إلى أعداد كبيرة، قد تصل إلى المئات، لأن المساحة التي يحتاجونها ستكون كبيرة..

الخامسة: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا لهم لأنهم قد حرسوا الحرس، فما معنى أن يتحدث عن الأجر على حراسة الدواب أيضا.. فإن المفروض: أنهم لم يحرسوها.

و ما معنى قوله: «جميعا أو دابة» .

السادسة: لماذا انتظر عباد بن بشر إلى الصباح ليعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمر ذلك التكبير الذي سمعه؟!. ألم يكن الأحرى به، و الأصوب له أن يخبره «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر فور سماعه لذلك التكبير؟!

19

السابعة: ما معنى أن تقتصر حراسة عباد على الطواف بأصحابه على العسكر؟!ألم يكن ذلك من شأنه أن يهيي‏ء الفرصة للعدو ليورد ضربته حين يصبح الحرس المتجولون بعيدين عن النقطة التي يريد الهجوم منها..

مسجد تبوك:

قالوا: لما انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك وضع حجرا قبلة مسجد تبوك، و أومأ بيده إلى الحجر و ما يليه، ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: «ما هاهنا شام، و ما هاهنا يمن» (1) .

و نلاحظ هنا ما يلي:

1-تحديد الجهات:
إن تحديد الجهات للناس الذين يدخلون بلادا لم يعرفوها ضروري جدا، ليعرفوا قبل كل شي‏ء موقعهم، و الجهة التي يتربص بهم عدوهم فيها، أو يأتيهم الخطر من جهتها، كما أنه يحدد لهم الجهة التي يشعرون بالأمن و السكينة فيها، و تحن قلوبهم إليها أو يرجون الخير فيها..

2-مسجد تبوك و قبلته:
ثم إن أول شي‏ء صنعه «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك هو تحديد المسجد و الصلاة فيه، و تعيين قبلته بواسطة وضع حجر فيها، ليعرف الناس موضع صلاتهم، و يكون المسجد هو نقطة الإرتكاز في تحركهم في تلك المنطقة ثم

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج ص 451 عن الواقدي.

20

أشار إلى الحجر، و إلى الجهة كلها لتصبح جهة القبلة معلومة للجميع.

و إنما أشار إلى ما يلي الحجر، حتى لا يدخل في وهم أحد أن للحجر نفسه خصوصية كما هو الحال بالنسبة لعبادة الأصنام.. بل الخصوصية للجهة، من حيث إنها جهة القبلة، فيتوجه الناس إليها، لا إلى الحجر بما هو حجر..

3-ما هاهنا يمن:
و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «ما هاهنا شام، و ما هاهنا يمن» . يؤيد ما ذكرناه في موضع سابق من هذا الكتاب، من أن اليمن يطلق حتى على أهل مكة، بل و على أهل المدينة أيضا.

بل إن هذه العبارة المذكورة هنا تفيد أن كل ما بعد تبوك إلى جهة اليمن، هو يمن.. و أن كل ما قبل تبوك إلى جهة الشام فهو شام.. فتبوك هي الحد الفاصل بين هاتين المنطقتين..

و اللافت هنا: أنه قد عبر عن ذلك بالاسم الموصول، و هو كلمة «ما» بالنسبة لليمن و الشام على حد سواء، فدل ذلك على أنه يريد إطلاق كلمة يمن و شام على كل أرض بعد تبوك لتكون يمنا، و كل أرض قبلها، فهي شام..

النبي صلّى اللّه عليه و آله في تبوك يصلي على ميت في المدينة:

عن معاوية بن أبي سفيان، و عن أنس قالوا: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، قال أنس: فطلعت الشمس بضياء و شعاع و نور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى، فأتى جبريل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء و شعاع و نور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى» ؟!

21

قال: «ذلك معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة اليوم، فبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك يصلون عليه، فهل لك في الصلاة عليه؟

قال: «نعم» .

فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمشي، فقال جبريل بيده هكذا يفرج له عن الجبال و الآكام، و مع جبريل سبعون ألف ملك، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وصف الملائكة خلفه صفين، فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لجبريل: «بم بلغ هذه المنزلة» .

قال: «بحبه‏ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ (1) يقرؤها قائما أو قاعدا، أو راكبا أو ماشيا و على كل حال‏ (2) .

«قال الحافظ في لسان الميزان في ترجمة محبوب بن هلال: هذا الحديث علم من أعلام النبوة، و له طرق يقوى بعضها ببعض.

و قال في فتح الباري، في باب الصفوف على الجنازة: إنه خبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه.

و قال في اللسان في ترجمة نوح بن عمر: طريقه أقوى طرق الحديث.

انتهى.

____________

(1) الآية 1 من سورة الإخلاص.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 456 و 457 عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و ابن سعد، و البيهقي، و أبي يعلى، و عن البداية و النهاية ج 4 ص 14 و راجع:

السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 51 و مجمع الزوائد ج 3 ص 37 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 258 و المعجم الكبير ج 19 ص 429 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1423 و أسد الغابة ج 4 ص 389 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 640.

22

و أورد الحديث النووي في الأذكار في باب: «الذكر في الطريق» .

فعلم من ذلك رد قول من يقول: إن الحديث موضوع لا أصل له» (1) .

و نقول:

1-لقد مات سلمان الفارسي، و أبو ذر، و عمار بن ياسر، بل لقد استشهد أو مات الكثيرون من الأنبياء، و الأوصياء، و الأولياء، و لم نر الشمس قد طلعت بضياء و شعاع و نور فريد، لم تطلع بمثله. باستثناء حالات خاصة أريد بها إفهام الأمة معنى، و إيقافها على حقيقة تحتاج إلى معرفتها في دينها و يقينها. كما هو الحال بالنسبة لاستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء.

2-لم توضح الرواية تلك الخصوصية التي ظهرت في نور الشمس و شعاعها، و نورها، هل هي الحمرة؟أم الحدة؟أم تمازج الألوان؟أم ما ذا؟

3-ما الفرق بين ضياء الشمس و نورها، و كيف اختلف حالهما فيما بينهما، ثم اختلف الحال بينهما و بين الشعاع.

4-حين خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمشي، و كان جبريل يزيح الجبال و الآكام من أمامه.. إلى أين كان يقصد؟!و إلى أين بلغ؟!و لماذا احتاج إلى قطع هذه المسافات؟!ألم يكن يمكنه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصفّ الناس، و يصلي على ذلك الميت، و هو في موضعه؟!

5-لم يذكر النص الآنف الذكر ما يدل على خروج أحد من المسلمين مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تلك الصلاة، بل يذكر-فقط-أن سبعين

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457.

23

ألف ملك اصطفوا خلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صلوا بصلاته.

6-هل يمكن القبول بافتراض أن لا يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بأثر قراءة قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ في هذه الأحوال، أو أنه قد عرف ذلك لكنه لم يعلم حتى الخلّص من أصحابه به، حتى فاتتهم هذه المنزلة و الكرامة؟

قد يدّعى: أن سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبرئيل عن سبب بلوغ هذه المنزلة يدل على صحة الإحتمال الأول، و هو أن هذه الرواية المزعومة تريد أن تدّعي: أنه لم يكن عالما بذلك. نعوذ باللّه من الزلل و الخطل في الإعتقاد و في القول و في العمل..

7-و أخيرا لو صح هذا الحديث-و دون إثبات صحته خرط القتاد- فهو لا يدل على مشروعية صلاة الغائب، لاحتمال أن يكون ما صنعه جبرئيل قد جاء لإكرام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخفض كل رفع، و رفع كل خفض له، حتى أصبحت جنازة ذلك الرجل أمامه، فصلى عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الحاضر لا الغائب، تماما كما كان الحال بالنسبة للنجاشي ملك الحبشة حسبما تقدم في بعض فصول هذا الكتاب..

المرور بين يدي المصلي:

عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا، فقال: مررت بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا على حمار، و هو يصلي، فقال:

«اللهم اقطع أثره» ، فما مشيت عليها بعدها.

و عن سعيد بن غزوان عن أبيه: أنه نزل بتبوك و هو حاج، فإذا رجل‏

24

مقعد فسأله عن أمره، فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنّي حي، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل بتبوك إلى نخلة فقال: «هذه قبلتنا» ، ثم صلى إليها.

فأقبلت و أنا غلام أسعى حتى مررت بينه و بينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع اللّه أثره» . فما قمت عليها إلى يومي هذا (1) .

و نقول:

إننا لا نشك في كذب هذه الرواية.

فأولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يدعو بقطع الأثر على غلام لا يحسن تقدير الأمور، و لم يبلغ سن التكليف، كما أن اللّه تعالى لا يستجيب دعاء على بري‏ء، و لا يشارك في ظلم أحد..

ثانيا: حتى لو كان هذا الغلام قد بلغ سن التكليف، ثم مر في حال الغفلة أمام المصلي، فإنه معذور، و لا يستحق أن يدعو عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل لا يجوز له ذلك..

ثالثا: من الذي قال: إن ذلك الغلام كان يعرف أن المرور بين يدي المصلي حرام؟!

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 453 عن أحمد و أبي داود، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (701) و (705) ، و أحمد ج 4 ص 64، و البيهقي في السنن ج 2 ص 234 و البداية و النهاية ج 5 ص 14 و البخاري في التاريخ ج 8 ص 366، و راجع: عمدة القاري ج 4 ص 279 و المغني لابن قدامه ج 2 ص 75 و مسند الشاميين ج 3 ص 195 و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 366 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 336.

25

رابعا: إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دعائه على ذلك الشخص:

«قطع اللّه أثره» ليس معناه أن لا يقف على رجليه.. بل هو شي‏ء آخر يختلف عن مضمون تلك الدعوة تماما..

فما معنى جعل عدم قدرته على الوقوف على رجليه استجابة لتلك الدعوى؟!..

خامسا: روي عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي، و أنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة.

و قد روي هذا بوجوه مختلفة.

و قالت في بعضها: و أنا حائض.

و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يغمز رجليها فتقبضهما، فإذا رفع رأسه بسطتهما (1) .

____________

(1) عمدة القاري ج 4 ص 272 عن البخاري، و مسلم و ص 297 و راجع: صحيح البخاري باب التطوع خلف المرأة، و باب من قال: لا يقطع الصلاة شي‏ء، و باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود؟و صحيح (ط دار الفكر) ج 1 ص 101 و 130 و صحيح مسلم ج 2 ص 61 و راجع: وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 426 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 128 و ج 2 ص 264 و 276 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 98 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 110 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 121 و الإستذكار ج 2 ص 85 و التمهيد لابن عبد البر ج 21 ص 166 و 170 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 127 و عمدة القاري ج 4 ص 297 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 32 و سنن النسائي ج 1 ص 102 و الموطأ (صلاة الليل) و مسند أحمد ج 6 ص 44 و 55 و 142 و 225 و 255 و 182-

26

فإذا كان اعتراض المرأة خصوصا الحائض بين المصلي، و بين القبلة لا يقطع الصلاة، فالمرور من بين يدي المصلي بطريق أولى‏ (1) .

و عن عائشة و هي ترد على قولهم: لا يقطع الصلاة إلا الكلب و الحمار و المرأة قالت: أعدلتمونا بالكلب و الحمار؟!لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجي‏ء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أسنّحه (أي أن تستقبله ببدنها في صلاته) ، فأنسل من قبل السرير، حتى انسل من لحافي‏ (2) .

قال العيني: «و فيه دلالة على أن مرور المرأة بين يد المصلي لا يقطع صلاته، لأن انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي» (3) .

و قال الطحاوي: «دل حديث عائشة على أن مرور بني آدم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة» (4) .

____________

ق-و في (ط دار الحديث) ما ورد برقم: 24510 و 25308 و 24021 و 24443 و 25513 و 25523 و 25818 و 24118 و 25572 و 25475 و 26059 و (ط دار صادر) ج 6 ص 148 و 225.

(1) عمدة القاري ج 4 ص 279.

(2) صحيح البخاري (كتاب الصلاة) باب الصلاة إلى السرير، و باب استقبال الرجل و هو يصلي، و باب من قال: لا يقطع الصلاة شي‏ء و (ط دار الفكر) ج 1 ص 128 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 276 و صحيح مسلم ج 2 ص 60 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 276 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 835.

(3) عمدة القاري ج 4 ص 288.

(4) عمدة القاري ج 4 ص 299.

27

و نضيف هنا: أن نفس أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للصلاة في موضع يكون هناك إنسان معترض في قبلته فيدفعه ذلك إلى الإنسلال من أمامه يدل على عدم قادحية وجود أو مرور إنسان أمام المصلي..

سادسا: إن الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» و هم أعرف بما فيه تدل عدم حرمة المرور بين يدي المصلي‏ (1) .

سابعا: إن ظاهر رواية غزوان عن المقعد الذي رآه في تبوك: أنه لم تكن لغزوان معرفة بذلك الرجل المقعد، فلما ذا و كيف وثق ذلك المقعد به، حتى باح له بسره، و أوصاه ألا يحدّث به ما سمع أنه حي؟!مع العلم: بان غزوان إنما نزل بتبوك، و هو حاج، فكيف يسمع بحياة ذلك المقعد و هو في بلده البعيد عن تبوك مئات الأميال.. فهل كان ذكر ذلك الرجل المقعد و اسمه يطبق الآفاق؟!لكي يسمع به غزوان..

كرامات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في تبوك:

قال رجل من بني سعد هذيم: جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو جالس بتبوك في نفر، فقال: «يا بلال أطعمنا» .

فبسط بلال نطعا ثم جعل يخرج من حميت له، فأخرج خرجات بيده من تمر معجون بسمن و أقط، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كلوا» .

____________

(1) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 434-436 و 426 عن كتاب التوحيد للصدوق ص 171 و 177 و عن تهذيب الحكام ج 1 ص 228 و عن الإستبصار ج 1 ص 204 و عن الكافي ج 3 ص 82 و قرب الإسناد ص 54 و عن من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 80.

28

فأكلنا حتى شبعنا، فقلت: يا رسول اللّه، إن كنت لآكل هذا وحدي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الكافر يأكل في سبعة أمعاء، و المؤمن يأكل في معاء واحد» .

ثم جئت في الغد متحينا لغدائه لأزداد في الإسلام يقينا، فإذا عشرة نفر حوله، فقال: «هات أطعمنا يا بلال» .

فجعل يخرج من جراب تمرا بكفه قبضة قبضة، فقال: «أخرج، و لا تخش من ذي العرش إقلالا» .

فجاء بالجراب و نشره، فقال: فحزرته مدّين، فوضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده على التمر و قال: «كلوا باسم اللّه» .

فأكل القوم و أكلت معهم، و أكلت حتى ما أجد له مسلكا.

قال: و بقي على النطع مثل الذي جاء به بلال، كأنا لم نأكل منه تمرة واحدة.

قال: ثم غدوت من الغد، و عاد نفر فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو رجلين، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا بلال أطعمنا» .

فجاء بلال بذلك الجراب بعينه، أعرفه، فنثره، و وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده عليه و قال: «كلوا باسم اللّه» .

فأكلنا حتى نهلنا، ثم رجع مثل الذي صب، ففعل ذلك ثلاثة أيام‏ (1) .

عن عرباض بن سارية قال: كنت ألزم باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 454 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1017 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 61.

غ

29

و آله» في الحضر و السفر، فرأيتنا ليلة و نحن بتبوك، و ذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد تعشى و من معه من أضيافه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يدخل قبته-و معه زوجته أم سلمة-فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟

فأخبرته، فطلع جعال بن سراقة و عبد اللّه بن مغفل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جائع، إنما نغشى باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البيت، فطلب شيئا نأكله، فلم يجده، فخرج إلينا فنادى: «يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النفر» .

فقال: و الذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا و حمتنا.

قال: «انظر عسى أن تجد شيئا» .

فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة و التمرتان، حتى رأيت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها، ثم وضع يده على التمرات، و سمى اللّه تعالى، فقال: «كلوا باسم اللّه» .

فأكلنا، فحصيت أربعا و خمسين تمرة، أعدها عدا، و نواها في يدي الأخرى، و صاحباي يصنعان مثل ما أصنع، و شبعنا، فأكل كل واحد منا خمسين تمرة، و رفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي. فقال: «يا بلال ارفعها، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا» .

فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى صلاة الصبح ثم انصرف إلى فناء قبته، فجلس و جلسنا حوله، فقرأ من «المؤمنون» عشرا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل لكم في الغداء» ؟

قال عرباض: فجعلت أقول في نفسي أي غداء، فدعا بلالا بالتمرات،

30

فوضع يده عليهن في الصحفة، ثم قال: «كلوا بسم اللّه» .

فأكلنا، فو الذي بعثه بالحق، حتى شبعنا و إنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعا، و إذا التمرات كما هي، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«لو لا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا» .

و طلع عليهم غلام من أهل البدو، فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التمرات فدفعها إليه، فولى الغلام يلوكهن‏ (1) .

الكافر يأكل في سبعة أمعاء:

و نقول بالنسبة لما تقدم، من أن الكافر يأكل بسبعة أمعاء، و المؤمن يأكل في معاء واحد (2) نقول:

قد ذكرنا أن هذا الحديث إن ثبت، فلا بد أن يكون المراد منه المعنى المجازي، و هو:

أولا: أن المؤمن لا يأكل رزقه إلا من باب واحد و هو باب الحلال، أما الكافر فلا يبالي من أي باب أكل، و من أين أكل، فأي باب فتح له أكل منه.. فمآكل الكافر كثيرة، و ذكر السبعة إنما هو لإفادة الكثرة، كقوله تعالى:

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 454 و 455 عن الواقدي، و أبي نعيم، و ابن عساكر، و المغازي للواقدي ج 3 ص 1017 و راجع: كنز العمال ج 12 ص 432 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 189 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 70 و ج 14 ص 52.

(2) راجع: البحار ج 63 ص 325 و 337 و الخصال ص 351 و المحاسن ص 447 و مصباح الشريعة ص 27 و 28.

31

وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ (1) .

ثانيا: أو يقال: إن المؤمن يأكل ليعيش، أي أنه لا يهتم إلا بما يمسك به الرمق، و يقيم الأود، و لا يعيش ليأكل، فيكون كالدابة المربوطة همها علفها، و شغلها تقممها. فكأن المؤمن لشدة قناعته يأكل بمعاء واحد، و كأن الكافر لشدة شرهه، و استقصائه في البحث عن اللذة له سبعة أمعاء..

ثالثا: أو يقال: إن هذا كناية عن طمع الكافر و جشعه، و حبه للدنيا، و استغراقه في طلبها، و اتساع رغبته بها، فهو يأكل كل ما يحصل عليه، يأكل الدينار، و يأكل القنطار، و يأكل البلاد و العباد..

و أما أن يكون المراد: أن الكافر يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن، فلا مجال لقبوله، لأن المشاهد خلاف ذلك، و أنه لا فرق بين المؤمن و الكافر في مقدار الطعام الذي يتناوله كل واحد منهما.

رابعا: يفهم من بعض النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال:

ستكون من بعدي سنة، يأكل المؤمن في معاء واحد، و يأكل الكافر في سبعة أمعاء (2) ..

فإن كان المراد هو الإخبار عن سنة من الزمان يكون فيها ذلك، فالأمر واضح، و إن كان المراد بها-كما احتمله العلامة المجلسي-السّنّة (3) -بالضم و التشديد-فالحديث يشير إلى أمر سيحصل، و لا نعرف متى سيكون ذلك.

____________

(1) الآية 77 من سورة لقمان.

(2) المحاسن ص 447 و البحار ج 63 ص 337 و الكافي ج 6 ص 268 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 24 ص 240 و (ط دار الإسلامية) ج 16 ص 406.

(3) البحار ج 63 ص 337.

32

حديث الجراب في ميزان الإعتبار:

و نحن نعتقد: أن حديث الجراب الذي يرويه ذلك الرجل، الذي لم نعرف اسمه، و إن كان ممكنا في حد نفسه، و أن له نظائر كثيرة جدا في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن صدور أمثال هذه المعجزات و الكرامات منه «صلى اللّه عليه و آله» و عنه يعد بالعشرات، إن لم يكن بأكثر من ذلك..

إلا أن اللافت هنا: أن نقل هذه الحادثة قد اقتصر على رجل مجهول من بني سعد هذيم..

مع أن هذا الحدث قد تكرر أمام جماعة من الناس.. و تكرر مع بلال حامل الجراب ثلاث مرات، فهل زهد المسلمون بنقل هذه الحوادث لكثرتها؟!

على أن لنا أن نسأل: لماذا لم يأت هذا الرجل نفسه في اليوم الرابع أيضا؟!لكي يأكل من جراب رابع و خامس.

و يلاحظ هنا: أن رقم عشرة تكرر في اليومين الأخيرين، مع الإشارة إلى أن العشرة الأخيرة كانت هي نفس العشرة التي جاءت في اليوم السابق.

عرباض ملازم لباب الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و عن رواية عرباض بن سارية نقول:

إن دعواه أنه كان ملازما لباب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السفر و الحضر.. لا نجد ما يؤيدها، بل المعروف خلافه، إلا إن كان يقصد أنه كان ملازما للمسجد مع أهل الصفة، الذين كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

33

يهتم بأمرهم، و يقوم بإعالتهم، لكونهم من الفقراء، و كان عرباض منهم‏ (1) ..

لماذا المعجزة و الكرامة هنا؟!:

على أننا لا ندري سبب إظهار هذه الكرامة لعرباض، و جعال، و ابن مغفل، فإن كان السبب هو جوع هؤلاء، فإن غيرهم أيضا كان يعاني من نفس المشكلة، فلما ذا آثر هؤلاء و حرم أولئك؟!. فليظهر هذه الكرامة لكل جائع.

و إن كان السبب هو أن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى إظهار المعجزة، لترسيخ يقينهم، و إزالة الريب من نفوسهم، فذلك يعني أن شائبة النفاق كانت ماثلة فيهم، أو في بعضهم.

و تستمر هذه الشبهة حولهم إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لعل مما يؤكد هذا الأمر بالنسبة لبعضهم: أنهم يقولون: إن إبليس تصور بصورة مغفل بن سراقة يوم أحد (2) ..

لو لا أني أستحي من ربي!!:

و حين نقرأ قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا أني أستحي من ربي، لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا» .. قد يراودنا خاطر يزعج

____________

(1) الإصابة ج 2 ص 473 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 398 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 176 و 177 و ج 40 ص 187 و تهذيب الكمال ج 19 ص 549 و تقريب التهذيب ج 1 ص 669 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 157.

(2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 260 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 274.

34

اليقين لدينا بصحة هذا القول، من حيث تضمنه جرأة على مقام العزة الإلهية، لأنه يعطي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أكرم من اللّه على عباد اللّه، و أرفق بهم منه.. و هذا المنطق مرفوض و مدان جملة و تفصيلا..

لأنه يؤدي إلى الخروج من الدين.

فلا بد أن يكون المقصود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يستحي من اللّه لأن هذا الطلب يؤدي إلى نقض الغرض من المعجزة أو الكرامة.. لأن أولئك الناس قد ينتزعون منه فكرة خاطئة، أو يزينها الشيطان لهم، و هو أن هذا العطاء، و هذه الكرامة.. قد منحهم اللّه إياها عن استحقاق منهم لها.

أو لربما يدخل في وهمهم: أن هذا العطاء هو السنة الإلهية التي لو لم يجرها اللّه تعالى فيهم لكان ظالما لهم، و لكان لهم الحق في أن يطالبوه بها..

أو غير ذلك من الأوهام الشيطانية التي تؤدي إلى أن يصبح حالهم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» حال بني إسرائيل مع موسى «على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام» ..

أو لأن المقصود هو-كما ذكره بعض الإخوة-: أنه لا ينبغي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعتمد، و لا يغري المؤمنين بالإعتماد على المنح الإلهية التي حباه اللّه تعالى بها في تحصيل الأرزاق، فإن ذلك يؤدي إلى قعود الناس عن طلب الرزق، و إلى غير ذلك من أمور..

نفضنا جربنا:

إن ثمة سؤالا يحتاج إلى إجابة، و هو أنه إذا كان الطعام قد فقد، و كانوا قد نفضوا جربهم و.. و.. حتى احتاجوا إلى التصرف النبوي، و الإستجابة

35

الإلهية.. فماذا كانوا سيأكلون، و ينفقون في الأيام التالية، و إلى حين رجوعهم إلى المدينة؟!و الحال أن البلاد ليست بلادهم، و ليس لهم فيها زراعة و لا تجارة، و لا غير ذلك!!.

إلا أن يكون المقصود: أن الطعام الذي كان عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفد، أما الآخرون فكان لديهم طعام، و لعلهم لا يتركون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الأيام التالية..

أو يقال: إن نفاد الطعام لا يعني نفاد المال الذي يشتري به في اليوم التالي حيث يبيعه المسلمون أو غيرهم من سكان تلك المنطقة.

يطلع قرن الشيطان من المشرق:

و قالوا: كان رجل من بني عذرة يقال له: عدي يقول: جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس، يقول:

«يا أيها الناس، يد اللّه فوق يد المعطي، و يد المعطي الوسطى، و يد المعطى السفلى، أيها الناس، فتغنوا و لو بحزم الحطب، اللهم هل بلغت» ثلاثا.

فقلت: يا رسول اللّه، إن امرأتيّ اقتتلتا، فرميت إحداهما، فرمي في رميتي-يريد أنها ماتت-فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تعقلها و لا ترثها» .

فجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين، و رفع يده يشير إلى أهل اليمن، فقال: «الإيمان يمان» .

و نظر نحو الشرق، فأشار بيده فقال: إن الجفاء و غلظ القلوب في‏

36

الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق، حيث يطلع الشيطان قرنيه‏ (1) .

و نقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات، نقتصر منها على ما يلي:

تعقلها، و لا ترثها:

هناك حكم شرعي يقول: لا يرث القاتل من المقتول إذا قتله عمدا، و إذا كان القتل شبيها بالعمد، كأن يكون قاصدا لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل، و كان الفعل مما لا يترتب عليه القتل في العادة، فقد اختلفت كلمات الفقهاء فيه، تبعا لاختلاف ما استفادوه من النصوص..

أما قتل الخطأ فلا يمنع من التوارث..

فقد يقال: إن قتل هذا الرجل لزوجته لم يكن متعمدا، بل هو شبيه بالعمد.. و قد حكم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدم إرثه منها.. فهذا يؤيد قول من قال: بعدم الإرث في شبه العمد.

و نجيب: بأن هذا المورد ليس من موارد شبه العمد، لأن الآلة التي استعملت، و الفعل الذي حصل هو بحسب الظاهر مما يترتب عليه القتل

____________

(1) المغازي للواقدي ج 3 ص 1017 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 455 عنه، و تاريخ مدينة دمشق ج 37 ص 213 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 60 و مسند الحميدي ج 2 ص 452 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 552 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 118 و ج 5 ص 273 و صحيح البخاري ج 4 ص 97 و 154 و ج 5 ص 122 و ج 6 ص 178 و صحيح مسلم ج 1 ص 51 و فتح الباري ج 6 ص 250 و عمدة القاري ج 15 ص 191 و ج 18 ص 31 و ج 20 ص 293 و المعجم الكبير ج 17 ص 209.

37

عادة، لأن الظاهر من كلامه أنه رماها بسهم، و السهم يقتل عادة، أو هو من آلات القتل و القتال.

إن قلت: لكن رواية الضحاك تقول: «فرميت إحداهما بحجر» (1) .

قلنا: إن الحجر يمكن أن يكون كبيرا بحيث يقتل عادة، أو يكون رماه بحيث يصيب منها مقتلا في العادة بحسب جلستها أو نومتها أو حالها، و على كل حال، فمع مثل هذه الإحتمالات لا يثبت أنه شبه العمد، لأنه على بعض الوجوه عمد كرميها بسهم أو نحوه.

هاهنا يطلع قرن الشيطان:

و قد ادعت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أشار إلى الشرق، و قال: إن الجفاء، و غلظة القلوب في الفدادين أهل الوبر، من نحو الشرق، حيث يطلع قرن الشيطان..

و نقول:

إن الحديث المعروف و الثابت و المتداول هو ذلك الذي رواه البخاري عن نافع، عن ابن عمر قال: قام النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا، فأشار إلى مسكن عائشة، و قال: ها هنا الفتنة-ثلاثا-من حيث يطلع قرن الشيطان‏ (2) .

____________

(1) الآحاد و المثاني ج 5 ص 302 و (ط دار الدراية للطباعة) ج 5 ص 308.

(2) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 46. و العمدة لابن البطريق ص 456 و الطرائف لابن طاووس ص 297 و الصراط المستقيم ج 3 ص 237 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 83 و الجمل لابن شدقم ص 47 و البحار ج 31 ص 639 و ج 32 ص 287 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 471 و مسند أحمد ج 2 ص 1.

38

و في البخاري أيضا قال: خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان‏ (1) .

و حين صدمتهم دلالة هذا الحديث حاولوا إيجاد مخارج له.. فتمخض الجبل فولد فأرة حين زعموا: أن حجرة عائشة كانت إلى جهة الشرق.

و باقي الأحاديث تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشار إلى الشرق، و قد فسره «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «حيث يطلع قرن الشيطان» ، أي من جانب الشرق..

قالوا: و لو كان المراد حجرة عائشة، فكيف يصح أن يقول: إن الشيطان يطلع من حجرته المقدسة؟!.

و الحال أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطلع من الحجرة؟! (2) .

و نقول:

أولا: إن ظاهر الكلام يمنع من إرادة جهة الشرق، بل المقصود هو مسكن عائشة، الذي يزعمون أنه يقع في جهة الشرق، و لذلك صرح البخاري: بأنه أشار إلى مسكن عائشة، و أورده في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن كان قد ذكر جهة الشرق حقا، فلأن

____________

(1) مسند أحمد ج 2 ص 23 و 26 و صحيح مسلم ج 8 ص 181 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 552 و كنز العمال ج 11 ص 119.

(2) دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 157 عن فضل بن روزبهان، و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 1 ص 504 و البحار ج 2 ص 87 ح 241 و إحقاق الحق (الأصل) ص 308 و كشف الغطاء (ط. ق) ج 1 ص 19 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 83 عن صحيح البخاري عن ابن عمر.

39

مسكن عائشة كان يقع في تلك الجهة حسب زعمهم.. أي أن المطلق، و هو جهة الشرق يحمل على القيد، و هذا هو طبع الكلام في الموارد المختلفة..

ثانيا: إن مسكن عائشة كان إلى جانبه بيوت كثيرة، و لم يكن وحده في تلك الجهة، فلما ذا خص الراوي مسكنها بالذكر؟!.

ثالثا: لماذا قال «صلى اللّه عليه و آله» : «من ها هنا» (الذي هو للإشارة للقريب) ، و لم يقل: من هناك الذي يشار به للبعيد؟!.

في حين أنه قد استعمل لفظ: «هناك» في الحديث الذي أشار به إلى نجد فقال: هناك الزلازل و الفتن‏ (1) .

رابعا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن كل من يطلع من تلك الحجرة فهو قرن شيطان، لكي يشمل نفسه بهذا الكلام-كما زعموا-بل أراد التكنية عن شخص بعينه، يكون منه ما لا يرضاه اللّه تعالى. كما أظهرته الوقائع بعد استشهاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ..

خامسا: إننا نقول: إن الروايات التي تتحدث عن الشرق ربما تكون مجعولة، من أجل تخفيف وطأة حديث البخاري، و يكون ذلك مخرجا له..

____________

(1) الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 221 و صحيح البخاري ج 2 ص 23 و ج 8 ص 95 و فتح الباري ج 2 ص 433 و ج 13 ص 39 و عمدة القاري ج 7 ص 58 و ج 24 ص 200 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 12 ص 524 و ج 15 ص 356 و عوالي اللآلي ج 1 ص 154 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 277 و التمهيد لابن عبد البر ج 1 ص 279 و ج 21 ص 267 و العهود المحمدية للشعراني ص 513 و كنز العمال ج 12 ص 300 و الدر المنثور ج 3 ص 113 و تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 133 و 134 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 836.

غ

40

إذ إن بيت عائشة لم يكن إلى جهة الشرق، بل كان في جهة القبلة في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلاحظ ما يلي:

1-قالوا: «و المعروف عند الناس أن البيت الذي على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة» (1) ..

و خوخة آل عمر كانت قبلي المسجد الشريف، و هي اليوم، «يتوصل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة. و هو الرواق الذي يقف الناس فيه للزيارة أمام الوجه الشريف، بالقرب من الطابق المذكور» (2) ..

و كان دار حفصة قبلي المسجد (3) ، ملاصقا لبيت عائشة من جهة القبلة (4) .

2-و قال محمد بن هلال عن بيت عائشة: كان بابه من جهة الشام‏ (5) .

و قال ابن عساكر: «و باب البيت شامي» (6) ..

و من المعلوم: أن الجهة الشامية التي للمسجد هي الجهة الشمالية، فإذا كان باب بيت عائشة يقابل الجهة الشمالية، فإنه لا يكون لجهة الشرق..

سادسا: و أخيرا نقول:

إنه لا مانع من أن يطلع قرن الشيطان من موضعين أحدهما: جهة المشرق..

____________

(1) وفاء الوفاء ج 2 ص 719.

(2) وفاء الوفاء ج 2 ص 706.

(3) رحلة ابن بطوطة ص 72.

(4) وفاء الوفاء ج 2 ص 543.

(5) وفاء الوفاء ج 2 ص 542 و 459 و 460.

(6) وفاء الوفاء ج 2 ص 542 و 459 و 460.

41

و ثانيهما: مسكن عائشة، الذي لم يكن في تلك الجهة، و ليس ثمة ما يحتم أن تكون الروايات مسوقة لبيان أمر واحد، إذ لعل هناك حالتين لا بد من أن يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنهما جميعا..

الإيمان يمان:

و عن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «الإيمان يمان» ، نقول:

قد تحدثنا عن هذا الموضوع قبل بضعة صفحات تحت عنوان: «3-ما هاهنا يمن» . و في فصل: «خمسة وفود بلا تاريخ» . تحت عنوان: «وفد الأشعريين» . فراجع..

غير أننا نحب أن نشير إلى أنه إذا كان المقصود باليمن و اليمان هو ما يشمل الحجاز كله، و اليمن أيضا، فلا ضير في ذلك ما دام أصل الإيمان المتمثل بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» ، قد ظهر في هذه المنطقة، و تبعهم أولئك الذين تربوا على أيديهم، و نهلوا من معين علمهم..

فإن أريد معارضة هذا الحديث بحديث: لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من فارس‏ (1) . فيجاب عن ذلك: بأننا لا نمنع من أن ينال رجال من

____________

(1) المعجم الكبير ج 18 ص 353 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 636 و كنز العمال ج 12 ص 91 و تفسير السمعاني ج 5 ص 187 و التفسير الكبير للرازي ج 28 ص 76 و تفسير أبي السعود ج 1 ص 56 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 5 و 8 و 9 و فضل آل البيت للمقريزي ص 92 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 116 و البحار ج 22 ص 52 و ج 64 ص 61 و مجمع البيان 9 ص 108 و الإختصاص-

42

فارس الدين و العلم، و لكن أصله الأصيل، و حقيقته الظاهرة المتمثلة بصفوة الخلق كله، إنما كان في منطقة الحجاز اليمانية..

ما ذنب الفدادين؟!:

قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن الجفاء، و غلظ القلوب، في الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق الخ..

و الفداد: هو الشديد الصوت.

و الفدادون: هم الرعيان، و البقارون، و الجمالون، و الفلاحون و سواهم.

و هم أهل الوبر، لغلظ أصواتهم، و جفائهم. و لعله لأجل رفع أصواتهم في حروثهم و مواشيهم، و هم أصحاب الإبل الكثير الذين يملك أحدهم المائتين من الإبل إلى الألف، و هم مع ذلك جفاة و أهل خيلاء (1) .

و نقول:

1-إنه لا دليل على أن رفع الصوت للراعي، و البقار، و الجمال، و الفلاح، يوجب الجفاء و غلظ القلب، إلا إذا كان الدليل هو هذه الرواية و أمثالها، ثم أخذ المصنفون في اللغة تفاسيرهم من هذه الأحاديث.

و مجتمع أهل الإيمان لا يشير إلى وجود أي فرق في أخلاق الناس الذين يشتغلون بهذه الأمور مع غيرهم من سائر الناس..

2-لو كان الرعي أو الفلاحة، أو اقتناء الإبل، من موجبات الجفاء

____________

ق-ص 143 و التاج الجامع للأصول 3 ص 423 و ج 4 ص 235 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 371.

(1) لسان العرب (ط سنة 1416 هـ) ج 10 ص 201.

43

و الخيلاء، فإن ذلك يفرض انحسار الإهتمام بهذه الأمور في مجتمع أهل الإيمان، و لكن هذه الأمور قد بقيت كما كانت عليه قبل الإسلام، و استمرت على نفس الوتيرة عبر العصور و الدهور..

3-إننا لم نجد فرقا بين الفدادين من أهل المشرق و الفدادين في المناطق الأخرى، و لم نجد الشيطان يطلع قرنيه في مشرق جزيرة العرب، أكثر مما كان و لا يزال يطلعه في سائر المناطق، مثل بلاد الشام و نجد، فضلا عن سائر البلاد التي لا تدين بالإسلام، فإن الشيطان يطلع قرنيه في كل موقع لا يهيمن فيه دين اللّه تبارك و تعالى..

فلما ذا اختص الفدادون المشرقيون بهذا التوصيف الحاد؟!.

4-إن من الأنبياء من كان يرعى الأغنام، و بعضهم كان يحرث الأرض و يزرعها، فهل هذا الوصف يشملهم؟!

هبوب ريح لموت عظيم النفاق:

قالوا: و هاجت ريح شديدة بتبوك، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هذا لموت منافق عظيم النفاق.

فقدموا المدينة، فوجدوا منافقا عظيم النفاق قد مات‏ (1) ..

و نقول:

قد تقدم حين الحديث عما جرى في الحجر، و منع النبي «صلى اللّه عليه

____________

(1) مسند أحمد ج 3 ص 341 و 347 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 455 عن الواقدي، و راجع: البحار ج 18 ص 131 و ج 21 ص 251.

44

و آله» الناس من الإستفادة من مائها، و إكفائه القدور الخ.. : أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبر الناس هناك بأنه ستهب في تلك الليلة ريح شديدة، و أن سبب ذلك هو موت عظيم من المنافقين.. و قد حصل ذلك فعلا.

و قد تكرر ذكر هذه القضية هنا، غير أن الروايات لم تذكر اسم هذا العظيم النفاق في الموضعين، مع أنهم يهتمون بتسمية من هو أقل شأنا و خطرا بمراتب، و لو من دون مناسبة.

فهل كان هذا الرجل العظيم النفاق من أقارب بعض من يرغبون في تفخيمه و تعظيمه، و لا يريدون التلميح، فكيف بالتصريح بأدنى شي‏ء يشير إليه أو إلى أحد من أقاربه، إذا كان مما يشين؟!.

و هل كانت الريح تهب كلما مات منافق عظيم النفاق؟!و هل هبت الريح عند موت عبد اللّه بن أبي، الذي يحبون أن يصفوه بأنه رئيس المنافقين في المدينة؟!.

و أما الرواية التي تصرح باسم رفاعة بن تابوب، أو رافع بن تابوت فيرد عليها: أن هذا العظيم لم يعرف له ذكر أو دور ذو بال في تاريخ الإسلام، و لا أشار إلى أسباب عظمته في شي‏ء، بخلاف عبد اللّه بن أبي، الذي زعموا أنه كان ينظم له الخرز ليتوج قبيل قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة..

بئر سعد بن هذيم:

قالوا: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من سعد هذيم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنا قدمنا إليك، و تركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، و هذا القيظ، و نحن نخاف إن تفرقنا أن نقتطع، لأن الإسلام لم يفش حولنا

45

بعد، فادع اللّه تعالى لنا في مائها، فإنا إن روينا به فلا قوم أعز منا، لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ابغوا لي حصيات» .

فتناول بعضهم ثلاث حصيات، فدفعهن إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ففركهن بيده، ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم، فاطرحوها واحدة واحدة، و سمّوا اللّه تعالى» .

فانصرف القوم من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ففعلوا ذلك، فجاشت بئرهم بالرواء، و نفوا من قاربهم من أهل الشرك و وطئوهم، فما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة حتى أوطئوا من حولهم غلبة، و دانوا عليه بالإسلام.

و نحن لا نريد أن نرهق القارئ بالأسئلة عن مدى صحة أن يكون هؤلاء قد وطأوا جميعا من حولهم غلبة، و دانوا عليه بالإسلام في غضون أيام يسيرة-فإن ذلك مما لا يغفل عنه القارئ الكريم إن شاء اللّه تعالى.

أعطيت خمسا:

عن عبد اللّه بن عمر قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، فقام من الليل يصلي، و هو كثير التهجد بالليل، و لا يقوم إلا استاك، فقام ليلة فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: «أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، و كان النبي يبعث إلى قومه.

و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، أينما أدركتني الصلاة تيممت و صليت، و كان من قبلي لم يعطوا ذلك، و كانوا لا يصلون إلا في الكنائس‏

46

و البيع، و أحلت لي الغنائم آكلها، و كان من قبلي يحرمونها، و الخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي» ثلاثا.

قالوا: يا رسول اللّه، و ما هي؟

قال: «قيل لي سل، فكل نبي قد سأل، فهي لكم، و لمن شهد أن لا إله إلا اللّه» .

و نقول:

إن لنا مع هذه الرواية عدة وقفات نذكر منها:

متى بعث النبي للعالمين صلّى اللّه عليه و آله:

جاء في الرواية المتقدمة: أن اللّه تعالى بعث محمدا «صلى اللّه عليه و آله» إلى الناس كافة في غزوة تبوك.

و نقول:

أولا: إن اللّه تعالى يقول في سورة التكوير: إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ (1) .

و سورة التكوير نزلت في مكة قبل الهجرة.. و قال تعالى في سورة الفرقان: تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيراً (2) .

و الجمهور على أن سورة الفرقان مكية. و قال الضحاك: مدنية (3) .

____________

(1) الآية 27 من سورة التكوير.

(2) الآية 1 من سورة الفرقان.

(3) الإتقان في علوم القرآن (ط سنة 1422 هـ) 26 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 43 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 4 ص 199 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 1 و تفسير السمعاني ج 4 ص 5 و تفسير الآلوسي ج 18 ص 230.

47

ثانيا: قال تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ (1) . و هي مكية أيضا.

رابعا: إن رسائله إلى ملوك الأرض في سنة ست دليل على أنه مبعوث إلى الناس جميعا.

آية التيمم متى نزلت؟:

و قد صرحوا: بأن آية التيمم قد نزلت في غزوة المريسيع، و غزوة المريسيع قد سبقت غزوة تبوك بعدة سنوات، و قد قدمنا طائفة من المصادر الدالة على ذلك في فصل: «ما عشت أراك الدهر عجبا» ، في فقرة: «ضياع العقد مرة أخرى» .

فكيف تقول الرواية الآنفة الذكر: إن اللّه تعالى أعطاه التيمم في غزوة تبوك؟!

الصلاة في الكنائس و البيع، و حرمة الغنائم:

و لا ندري مدى صحة ما أطلقته الرواية: من أن الأنبياء قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانوا لا يصلون إلا في الكنائس و البيع.. فإن ذلك لم نجده إلا في هذه الرواية التي تعاورت عليها العلل و الأسقام، و هل كان الانبياء، و غيرهم من المؤمنين لا يصلون في أسفارهم و في حضرهم إذا لم يكن ثمة بيعة أو كنيسة قريبة منهم؟!و كذلك الحال بالنسبة لتحريم الغنائم من قبل من سبقه من الأنبياء..

أو أنهم كانوا كلما أرادوا الصلاة في أسفارهم بنوا بيعة أو كنيسة لأجل ذلك.

____________

(1) الآية 107 من سورة الأنبياء.

48

هي!ما هي؟!:

إننا لم نفهم ما ذا عناه بقوله ثلاثا: هي!ما هي؟!..

هل القصد أن يطرحها عليهم كأحجية، يطلب منهم حلها؟!.. أم أنه هو نفسه قد نسي الخامسة، ثم هو يحاول أن يتذكرها؟!.

نقض أول الكلام بآخره:

و اللافت هنا: أن الرواية تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نقض أول كلامه بآخره، فإنه قد قرر أولا: أن اللّه تعالى قد أعطاه أولا خمسا لم يعطها أحدا قبله.. ثم عاد أخيرا فنقض ذلك و قال: إن كل نبي قد سأل، و أنه هو أيضا له الحق في أن يسأل كما سأل من سبقه، فلم تكن الخامسة مما اختصه اللّه تعالى به.. و بذلك تكون الخمسة قد نقصت واحدة، لم تكن مختصة به «صلى اللّه عليه و آله» ، دون من سبقه..

لو تركته لسال الوادي سمنا:

عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غزوة تبوك، و كنت على خدمته، فنظرت إلى نحي السمن قد قل ما فيه، و هيأت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» طعاما فوضعت النحي في الشمس، و نمت فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت رأسه بيدي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رآني: «لو تركته لسال الوادي سمنا» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 460 عن أبي نعيم، و الطبراني، و دلائل النبوة لأبي نعيم (1550) و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 117.

49

الفصل التاسع:

رسائل.. و أجوبتها

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

رسائل بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و قيصر:

قالوا: لما وصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبوك كان هرقل بحمص-و قيل: بدمشق-و لم يكن يهمّ بالذي بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنه من جمعه، و لا حدثته نفسه بذلك..

و عن أبي بكر بن عبد اللّه المزني قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر و له الجنة» ؟

فقال رجل: و إن لم يقبل؟.

قال: و إن لم يقبل.

فانطلق الرجل فأتاه بالكتاب‏ (1) .

و نص كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقيصر هو التالي:

من محمد رسول اللّه إلى صاحب الروم: إني أدعوك إلى الإسلام، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، و عليك ما عليهم، فإن لم تدخل في الإسلام

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 عن الحارث بن أسامة، و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 442 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 202 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 357 و موارد الظمآن ج 5 ص 218.

52

فأعط الجزية، فإن اللّه تبارك و تعالى يقول: قََاتِلُوا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاََ يُحَرِّمُونَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ (1) .

و إلا فلا تحل بين الفلاحين و بين الإسلام أن يدخلوا فيه، و أن يعطوا الجزية (2) .

فقرأه فقال: اذهب إلى نبيكم، فأخبره أني متّبعه، و لكن لا أريد أن أدع ملكي.

و بعث معه بدنانير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فرجع، فأخبره،

____________

(1) الآية 29 من سورة التوبة.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 عن الحارث بن أبي أسامة و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 442 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 411 و أشار إلى المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 22 و في (ط أخرى) ص 32 رواه بإسناده عن عبد اللّه بن شداد، و رسالات نبوية ص 313/117 و مدينة البلاغة ج 2 ص 247 عن جمهرة رسائل العرب، و مجموعة الوثائق السياسية ص 110/27 عن الأموال، و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 187 و صبح الأعشى ج 6 ص 363 و 377 و المطالب العالية ج 4 ص 2231/2479 عن الحارث بن أبي أسامة، و قال: انظر مجلة المعارف شهر يونيو 1935 م ص 416-430) و راجع نشأة الدولة الإسلامية ص 299 و 300 (عن أبي عبيد و القلقشندي و محمد حميد اللّه) و راجع أيضا: ص 713.

و أوعز إليه الحلبي في السيرة ج 2 ص 377 و البداية و النهاية ج 5 ص 15 و ابن عساكر ج 1 ص 113 و 114 و دحلان (هامش الحلبية) ج 2 ص 374. و مجمع الزوائد ج 5 ص 307 و قال: «رواه الطبراني و رجاله صحيح» .

غ

53

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذب» ، و قسم الدنانير (1) .

و عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحمص، و كان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ المائة أو قرب، فقلت: ألا تحدثني عن رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هرقل؟

فقال: بلى، قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا قسيسي الروم و بطارقتها، ثم أغلق عليه و عليهم الدار.

فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، و قد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال: أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه مالنا على أرضنا، و الأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب. و اللّه لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن

____________

(1) صحيح ابن حبان ج 10 ص 358 و موارد الظمآن ج 5 ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 و بغية الباحث عن مسند الحارث ص 202 و راجع:

مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 411 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية:

تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و في (ط أخرى) ص 67 و أشار إليه الحلبي ج 3 ص 277 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 67 و الدلائل للأصبهاني ص 292 و البحار ج 20 ص 379 و 395 و مجموعة الوثائق السياسية ص 111/28 عن اليعقوبي، و عن منشآت السلاطين لفريدون بك ج 1 ص 30 و قال: قابل السهيلي ج 2 ص 320 و مسند أحمد ج 3 ص 442 و ج 4 ص 74 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 166. و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 16 و في فتح الباري ج 1 ص 42 «ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له و أنهم لم يزالوا يتوارثونه.. » و راجع الأموال ص 362.

54

أرضنا، فهلم فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا.

فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم و قالوا: تدعونا أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز؟

فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقاهم و لم يكد، و قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم‏ (1) .

ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب، قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث، عربي اللسان، أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه.

فجاءني، فدفع إلي هرقل كتابا، فقال: اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه، فاحفظ لي منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشي‏ء؟

و انظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل؟

و انظر في ظهره هل فيه شي‏ء يريبك؟

قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟

____________

(1) حياة الصحابة ج 1 ص 106 و 107 عن عبد اللّه بن أحمد، و أبي يعلى، و راجع:

تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 651 و البداية و النهاية ج 4 ص 267 و 268 و ج 5 ص 15 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 20 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 114 و فتح الباري ج 1 ص 41 و مجموعة الوثائق السياسية ص 112/28-ألف ب. و موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص 392 و مجمع الزوائد ج 8 ص 235. و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 442 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 27 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 458.