أعيان الشيعة - ج12

- السيد محسن الأمين المزيد...
321 /
5

-

6

الملاحق‏

{- 15734 -}

السيد محسن الأمين

في سيرة حياته‏

على اثر صدور (أعيان الشيعة) ، في حلته الجديدة التي ضمت اجزاءه كلها في عشرة مجلدات اختتمت بسيرة المؤلف، نشر الدكتور وضاح شرارة المقال التالي:

في ختام عشرات المجلدات التي كتبها في مئات من الشيعة و صرف عليها عشرات السنوات من حياة مديدة و خصبة، اضطر السيد محسن الأمين إلى كتابة سيرته أو ترجمته، هو المؤلف. فقدم للأمر، بالاعتذار الحيي، و عزاه إلى الاتباع: وضعناه (الجزء الخاص بترجمة المؤلف) اتباعا لما صنعه المؤلفون في الرجال‏، كالعلامة في الخلاصة و غيره من ترجمة أنفسهم... . فلم يبد له ذلك علة وافية، فامل منه تذكرة و عبرة . فتهيب ان يحمل نفسه، و حوادث سيرته، على التذكرة و العبرة، فخلص إلى ان أكثر ما سيروي ليس بذي بال . ثم أخذ في الرواية و الخبر.

و إذ يروي مؤلف أعيان الشيعة و يخبر فقلما يدير الخبر على نفسه. فما نفسه، موضوع الترجمة، الا ما ينظم اخبار الآخرين و أفعالهم و كلماتهم و أسماءهم و منازلهم، و يسلكها كلها في سلك و خيط متصلين. و إذا سيرة المؤلف ، التي تذيل المجلد العاشر من طبعة الأعيان الجديدة، وثيقة تاريخية و اجتماعية و ثقافية لا اعلم هل لها نظيرا في أدب اللبنانيين ، من عامليين و غير عامليين . و هي ليست وثيقة تاريخية و اجتماعية و ثقافية لأنها تجمع وقائع و شخصيات كثيرة، و حسب، بل لان كاتبها طبعها بالطابع الذي تنم به مقدمة السيرة. فهو يتناول ما يتناوله بالرواية مترجحا بين الاعتبار، و ما يفترضه من الرسو على معنى جلي و تام، و بين متعة القص و التذكر و لو كان الباعث عليها غير ذي بال. فإذا غلبت المتعة، و انزوى الاعتبار، لم يجد حيفا في غلبة تلك و انزواء هذا. فمضى يروي شعائر تعلم القرآن في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر فيقول: إذا وصل الطفل إلى سورة الضحى‏ (مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ) فعليه ان ياتي إلى الشيخ بشي‏ء من بيض الدجاج ليقلى، و إذا وصل إلى عم ، عليه ان ياتي بغمة ان كان موسرا لقرب لفظة عم من غمة، و كل ذلك كقرب زياد من آل حرب .

كذلك روى وقائع مدرسة السيد جواد مرتضى في عيتا الزط : احاطة الطلاب بالسراج في الليل كلا في فراشه، يطالعون، و تحطيب الشجرة القديمة و القريبة من القرية و كان أهل القرية يحترمونها و يتحرجون من قطع غصن منها، و سرقة الدراهم من واحد من الطلبة فكتب احمد بري من تبنين على قطع من الخبز حروفا و قال: هذه لقمة الزقوم فمن كان سارقا و بلعها اختنق. فلما وصلت إلى السارق اصفر لونه و خاف من بلعها و أقر. و ترسم الوجوه و الطبائع عالما كثير الوجوه قلما اكترث التاريخ السياسي و الاجتماعي لمسالمته و الفحص عنه. فثمة أكبر الطلبة سنا يتعاطى كتابة الحجب و الهياكل و عنده كتاب شمس المعارف الكبرى ، و كان بري نفسه يقتني كتابا يصف عمل المندل. و غذى هذه المخرقات رجل فارسي جاء إلى عيتا ، و كان تعاطى العلم و لم يتقنه. و إذا سافر محمد دبوق ، الشيخ لاحقا و أحد زملاء الأمين ، إلى العراق مع رفيق له، سافرا راحلين بزي الدراويش . و حين عاد دبوق أخذ إلى الخدمة العسكرية في الرديف العثماني و ذهب إلى سالونيك ، بينما سكن الأمين في دار تسمى بيت إبليس ، غربي الجامع الكبير في بنت جبيل ، و كان للطلبة النازلين هناك جيران لصيقون ليس بينهم الا الكواير التي لا تصل إلى السقف و لا تمنع سماع الصوت: فاتفق ليلة من الليالي ان 6 أرادوا جرش البرغل، فجمعوا لذلك البنات الشابات بحسب العادة و شرعن في الجرش و في الاغاني المعروفة عندهن. فمنعننا بذلك عن المطالعة فنهيناهن فلم ينتهين لأنهن إنما ينشطن للعمل بسبب تلك الاغاني، فإذا تركنها فترن عن العمل و لم يزل الجدل بيننا و بينهن قائما مدة طويلة بدون جدوى. فأشار جارنا الآخر، و هو إسكاف و عنده حمار قد خزن له تبنا، ان نشعل النار في التبن ليصل الدخان إليهن فيضطرهن إلى السكوت فتصاعد الدخان و أصابنا منه أضعاف ما أصابهن و مع ذلك تغلبن علينا و لم يتركن ما كن فيه... .

يروي العالم الكبير ما لا عبرة به و لا تذكرة، و هو وارث علماء و مشيخة قال أحد اعلامهم انه لو كان للخالق ان يبعث نبيا بعد محمد بن عبد الله لايده بالعقل معجزة و دليلا و حجة. ربما كان ذلك شان من يحسب انه ليس واسعا الحق كله من غير ان يشك في الحق و في وجوب العلم به و إقامته. فكتب سيرته و ترجمته من غير ان يتصدر ما كتب. و لم يضم ما رأى و سمع و اختبر إلى نفسه. فلم ينصب نفسه، و اعماله و حياته، علما بالفتح فالفتح على مشاهداته و خبراته. فكان نقيض عالم آخر، كتب سيرته أيضا، فملأها باخباره و بنفسه، و فرض على الأحداث التي رواها معانيه و تأويله.

فإذا ذكر اساتذته و مدرسيه بالغ في مديحهم، و أورد إجازاتهم له بحرفها، و فيها من الاطناب ما فيها. اما الأمين فيسكت عن مثيل هذا و يغضي، و هو القادر على نشر ألويته. و إذا عاد العالم الآخر إلى الوطن روى محطاته كلها الواحدة تلو الاخرى، و عرض الثلة من أهل عاملة و دمشق ، و زرافات المستقبلين الذين رجعوا به، و اعلام البلاد و وجوه العشائر. أعيان البلاد و الجماهير و الناس أفواجا أفواجا... .

و مدح السيد محسن الأمين شيخه لعودته بدون ابهة و لا فخفخة و لا دعاية إلى الاستقبال و تهيئة الأسباب لإظهار الجلالة و النبالة كما يجري في هذا الزمن المنحوس إذ تحدد المنازل و الساعات و الدقائق للحل و الترحال كما تحدد اسفار الملوك . جاء شيخ الأمين ، الذي حفظ له مودة و إعجابا لم يفترا حين كتابته ترجمته و كان الأمين اوفى على سن هي سن جد الشيخ الذي توفي شابا، جاء من العراق إلى دمشق راكبا على بغل مكاري حتى نزل بباب الشيخ محمد حسين مروة بدمشق و لم يحضر لاستقباله أحد من أهل البلاد الا ان يكون بعض ذوي رحمه الأقربين .

الملك و الشيخ... لم يشك الأمين في ان الاثنين ينبغي الا يصيرا إلى واحد، و في ان صيرورتهما واحدا تفسرهما جميعا. فعاب على العلماء الشيوخ التشبه بالملوك و التنطح إلى سلطانهم، و أخذ أنفسهم و الناس بما يأخذ به الملوك أنفسهم و يأخذون الناس. و لم يحسب ان العلم يرفع إلى سدة السلطان و إلى سريره و تخته. فوصف بالإصلاح من أنشأ مدرسة تدرس فيها علوم العربيةو علماالأصول‏والفقه‏، و من أحيا اقامة العزاء لسيد الشهداء و رتب لذلك مجالس نفى منها الاخبار الموضوعة و الأكاذيب، و من سن عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام، و علم الأدباء طريقة النقد في الشعر، و حض الناس على حمل الهريسة إلى المساجد فيأكل منها الفقراء.

المسافة

و ينقل السيد أبو محمد الباقر (كنية السيد محسن ) عن السيد مهدي الحكيم ، الذي استقدمه وجوه البلاد من العراق ، في منتصف العقد التاسع‏

7

من القرن الماضي ، من أجل خلافة عالم توفي، ينقل عنه طلبه إلى وجوه البلاد شراء مزرعة له، كما ينقل عنه تعليل الطلب: اني حضرت إلى هذه البلاد لآمر بالمعروف و انهى عن المنكر، و هذا لا يتم الا بان أكون مستغنيا عن الناس... . و يمدح الأمين ما عرف عن علماء جبل عامل من قناعة و يذكر ان الشهيد الثاني كان يحرس كرمه ليلا بنفسه، و انه بنى داره بيده.

و الجمع بين نقل ما نقل السيد عن الحكيم و بين مديحه الشهيد الثاني بما مدحه به يبين منه على نحو جلي موضع العالم رجل الدين من البلاد ، مجتمعا و ناسا، في مرآة السيد محسن الأمين . فهو منهم بمنزلة الوازع، و القائم خارج كتلهم و غرضياتهم و أهوائهم. و ينبغي له ان يحصن موضعه هذا، و ان يحملهم على القبول بمثل هذا الدور. فإذا صار إلى موضعه حفظ بينه و بين الناس مسافة يقوى بها عليهم، و يتوسل بها كسر شوكة أهوائهم.

و لا بأس هنا، كذلك، في المقارنة بين الأمين و بين عالمنا الآخر. فقد شارك الاثنان في ما يعرف باحداث 1920 التي سبقت تنصيب فيصل ملكا على سوريا و تلت هذا التنصيب. فإذا بالحوادث كلها تدور، في رواية العالم الآخر، على اجتماع الأمة العاملية اليه، و على احتشادات الجماهير الهابطة داره، و الرايات تخفق فوق الآلاف الكثيرة من وفود الساحل و الجبل ، و إشرافه على الجموع في وادي الحجير إذ جلجل الوادي و جرجر صداه، و انطلقت الحناجر و الأكف و البنادق تمد الصدى بموجات اثر موجات تتجلجل في عنق الجبل‏ثم تنطلق في الفضاء .

يصف العالم الآخر تنصيبه، و هو الشيخ، ملكا على الجماعة، و سيدا، فترفعه اهواؤها و غرائزها و عجزها عن الفعل الواضح، و يروي السيد محسن الأمين كيف عاد من ملاقاة فيصل إلى جبل عامل فعرج هو و صحبه على قرية الذنيبة للمبيت فأبى أهلها ان يضيفوهم مع اننا لم نستطعمهم لان طعامنا كان معنا . فقصدوا إلى دار شيخ البلدة فقالوا: عندنا مرضى. فخرجوا إلى ساحة البلدة فاخذ أهلها يتفرقون. و يكتب السيد : فاغلظنا لهم في القول، و قلنا لهم: تذهبون إلى بلادنا بمواشيكم فنضيفكم و نحمل أثقالكم، و أنتم الآن تأبون ان تعطونا مكانا نبيت فيه ، فلم يؤثر فيهم ذلك. و مثل هذا السرد للوقائع، على نقيض العالم الآخر، وحده قدير على تعليل ما حصل من ركوب بعض العصابات نزواتها، و تسلطها على الناس، و اضطرار رجال الدين و الرؤساء إلى قراءة مزاميرهم على من أصابهم الصمم.

الصوت الخافت‏

و إذ يلخص السيد ما حمله وفد العامليين إلى فيصل ينزع عنه كل هالة كاذبة أو بطولة مدعاة: فأهل المنطقة الشرقية، اي عرب الجولان و عرب الحولة ، يقولون للعامليين اما ان تكونوا معنا و اما علينا. فيجيبه فيصل : ان أهل جبل عامل يعزون علي و لا أريد ان يصيبهم بسببي سوء فليلزموا السكون. و كان السيد محسن الأمين يحدس في الاحتشادات و الرايات و الآلاف الكثيرة و الحناجر و البنادق و الموجات المجلجلة انها وثنية الشعائر ترفعها الجماعات لنفسها، و تقيمها لمجد أربابها الذين ترى فيهم صورا عنها.

فإذا روى فبصوت خافت، و إذا مدح أحدا مدحه بالتواضع و العمل الدائب، و إذا رسم مشهدا غاب عنه و اخرج نفسه منه. اما الناس في لوحاته فهم الناس على حقيقتهم، فهم مختلفون، متشاكون، متقاضون، يقدمون رجلا و يؤخرون رجلا، و لا يعدمون الشهم و الشجاع و الكريم... و هؤلاء 7 هم من على الشيخ ان يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، و ان يحملهم على إصلاح أنفسهم و اجتماعهم، و ان يردع هيئتهم السياسية عن البغي عليهم و ظلمهم، و هو، في سعيه هذا، لا يملك عصا الساحر، و ينبغي ان لا يملكها أو يرضى بها.

لذا صرف العالم الشقرائي العاملي كثيرا من جهده إلى لجم سورة العامة و طلبها الخوارق في السيرة الحسينية. فاخذ على مجالس عاشوراء التي كانت تقرأ قبل ان يكتب هو المجالس السنية ، شبهها بالقصص التي تتلى في المقاهي في هذا العصر . و حملها على الكذب، و إيذاء النفس، و الصياح و الزعيق. و أنكر ما يفعله بعض الناس أيام عاشوراء من لبس الأكفان و كشف الرءوس و جرحها بالمدى و السيوف حتى تسيل منها الدماء و تلطخ بها تلك الأكفان و دق الطبول و ضرب الصنوج و النفخ في البوقات و غير ذلك و السير في الازقة و الأسواق و الشوارع بتلك الحالة . و عجب من ربط بعضهم اخبار (التعزية) التي هي أمور تاريخية ، و ليست احكاما شرعية، بالخبر الضعيف في السنن . و استغرب ان توصف نفس الرواية بالمباح أو المكروه أو المستحب. و دعا إلى قراءة العزاء قراءة خالصة من شوب الكذب الموجب لانقلابها معصية.

رعى A1G السيد حسن محسن الأمين إصدار أعيان الشيعة في عشرة مجلدات، و نيف و خمسة آلاف صفحة من القطع الكبير (نصف صفحة صحيفة يومية) ، في A1G 1986 . فجمع الاجزاء الاثنين و الخمسين، و زاد عليها بعض ما تركه السيد محسن و لم ينجزه. و هو يعد مجلدا يستدرك فيه على من توفي بعد وفاة العالم الجليل في أوائل العقد السادس.

ان الكتاب صدر ابان ما علينا ان نصدق انه يقظة الشيعة و صحوتهم و نهضتهم. فإذا بالصمت يسدل على العمل الكبير، و على الرجل الكبير.

و إذا بأحد الأصول يلقى بالحرج الشديد، و الاصولية أمهر من جعل من الحبة قبة، و يؤمل ان يحيل السكوت القبة حبة. الا ان تناول أصحاب الأصول‏، و غيرهم، للجبل الأميني (و المعذرة من صاحب الجبل ) بالصمت و الحرج قرينة عليهم، و علينا كلنا، دامغة. فما غلبة الصياح و الزعيق على العبادة الخالصة من شوب الكذب الا جزاء الطريق التي شقها من وضع نفسه في آخر أعيان الشيعة ، و شرع في كتابة سيرته حييا معتذرا قبل ان يحمل سيرته على سيرة الناس و رواية الاسفار و الطرقات مستقبلا بصفحاته حقا لا يعلم من اين يأتيه و لا باي وجوه يتصور. أ لم يستفق السيد ، و كان ولدا مراهقا، على العلم إذ ساله شيخ زائر، بعد العشاء، كيف يعرب: (إذا قالت حذام فصدقوها... ) ، فقال الولد: إذا ظرف متضمن معنى الشرط، فقال الضيف: بما ذا يتعلق، قال الولد: بقالت، فأجاب الشيخ و أستاذ الولد لاحقا: إذا مضافة إلى الجملة التي بعدها و المضاف اليه لا يعمل في المضاف يقول كاتب السيرة: لم يكن عندي جواب لكنني نشطت لطلب العلم و رغبت فيه.

لا ريب في ان رد عمل الأمين ، أو فلسفته المضمرة، إلى علاقة المضاف اليه بالمضاف (ما علاقة التشيع باعيانه ؟و ما فعل الأعيان في التشيع ؟من صدر عن الآخر؟و كيف؟) لا ريب في ان مثل هذا الرد غلو و تعسف و تحكم. الا ان رواية الخبر تصدر عن بناء، أو تتوسل ببناء، يمثل على أركان العمل الأميني: الظرف-الشرط، الظاهر-المعنى، المتعلق-المضاف، العجز عن الجواب-النشاط للطلب... فنحدس، بعد ثلث قرن مضى

8

على وفاة الامام العاملي اللبناني، في ان أركان هذا العمل هي ربما أركان مساءلتنا عن اندراجنا في العصر، و شرطه و ظرفه و متعلقه. و قد يكون هذا ما استقوى به معتزل حوزات العلم الكبيرة إلى دارته المتواضعة في حي الخراب في دمشق . فبدا غارقا في ماض سحيق لا تسبر صوره و كلماته فيما هو منكب على تخليص المادة التي منها جبلة الحاضر، يحدوه جواب عصي لم يقل لنا صاحب الأعيان هل مكن أحدا من نفسه.

السيد محسن الأمين في معركة الإصلاح‏

من الدراسات الجامعية التي كتبت عن السيد محسن الأمين بعد وفاته، كان كتاب الشاعر العربي محمد علي شمس الدين الذي تقدم به إلى الجامعة اللبنانية ، و قدم له المفكر الإسلامي الدكتور وجيه كوثراني .

و اننا نأخذ هنا بعض ما جاء في كلمة التقديم و بعض ما جاء في الكتاب:

من تقديم الدكتور كوثراني

يكتسب البحث العلمي في مجال التاريخ لأفكار المصلحين الإسلاميين في مرحلة ما اصطلح المؤرخون على تسميته بعصر النهضة أهمية متعددة الأبعاد و الجوانب. فالتماثل مع واقعات التاريخ الأوروبي من حيث تماهي الوعي التاريخي مع الآخر و من حيث نقل المراحل التاريخية وفق نسق واحد و أنماط واحدة، شكل منذ أواخر القرن التاسع عشر و حتى الآن النموذج السائد لدى المثقب العربي و المرجعية الثابتة لدى الباحث في صياغة المصطلح و استيعاب المفهوم و مقاربة الأفكار و الوقائع. بذلك تشكل الوعي العربي كجزء من واقعات عصر النهضة، أي كجزء من عملية التماهي و التماثل المستمرين.

و على صعيد خيارات البحث برزت نماذج معينة من عصر النهضة و فرضت نفسها كموضوعات للمعالجة و أنماط في منهج النظر للاشكاليات.

فطغت على الأبحاث الآكاديمية و غير الأكاديمية خيارات في انتقاء الأعلام و الأفكار تراوح بين سلفية تراثية ضائعة و مترددة و بين ليبرالية علمانية منغلقة نحو الخارج.

و كان أبو القاسم المشترك لهذه الخيارات هو الانشداد إلى الخطاب السياسي المباشر و تحليله من موقع الباحث المتعاطف أو من موقع الباحث الناقد.

فكانت السياسة هي القطب الجاذب لنماذج الدراسة، و كان الأعلام، موضوع الدراسة، هم الذين تعاطوا العمل السياسي المباشر و كتبوا في مسألة السلطة و الدولة و مشاريع البدائل إبان انهيار الدولة العثمانية و مرحلة البحث عن البديل، أمثال جمال الدين الأفغاني ، و عبد الرحمن الكواكبي و رشيد رضا و شبلي الشميل و آخرين..

هذا في حين أن نماذج أخرى من الأعلام اختطت لنفسها طريقا آخر في مسألة الإصلاح هو طريق الممارسة على مستوى البحث و التعليم و التثقيف.. و لا زالت هذه النماذج مغمورة في خضم الدراسات العلمية أو مبعدة من ميدان البحث الأكاديمي في الجامعة الحديثة و ذلك بالرغم من كثافة إنتاج بعضها و ضخامة إنجازها الثقافي.

و لعل السيد محسن الأمين الذي بدأ اسمه يحتل عناوين رسائل جامعية 8 منذ سنوات قليلة هو من الأعلام الكبار الذين اختطوا هذا الطريق في الإصلاح الأصعب، الإصلاح الذي يتوخى إحداث الثورة الثقافية لا الانقلاب السياسي السريع، الإصلاح الذي يتوخى تغيير العلاقات الاجتماعية بين الناس باتجاه الدفع نحو تمثل الحرية و العدل لا الاندراج في مشروع سلطة لا ينتج إلا إيصال نخب طموحة إلى الحكم.

و لعل غياب اسم السيد محسن الأمين مرحلة من الزمن عن ميدان الاهتمام به كموضوع للدراسة الأكاديمية يفسره إلى حد كبير انتماء فكري و ثقافي و اجتماعي لدى السيد حال بينه و بين قرار السلطة الأكاديمية في مرحلة ذاك الزمن.

ذلك أن هذا الانتماء الفكري كان انتماء عقائديا توحيديا. كان السيد يحرص على وحدة الجماعة الإسلامية في مواجهة التقسيم و التشرذم و يحرص بالتالي على ألا تتحول المذاهب الإسلامية التي هي في الأساس و الضرورة اجتهادات فكرية وفقهيةإلى صراعات سياسية. أ ليس هو القائل: لا زلنا نختلف على من هو خليفتنا حتى أضحى المندوب السامي الفرنسي خليفتنا ؟ و هذا الانتماء الاجتماعي كان انتماء لصف المستضعفين و التزاما بقضيتهم. أ و لم يحول السيد حي الخراب في دمشق إلى حي للبناء و العمران و التثقيف و التعليم فحمل هذا الحي اسمه؟.

و هذا الانتماء الثقافي كان انتماء للأصالة. فالسيد مصلح مجتهد يؤمن أن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للانبعاث و التجدد و الاستمرارية بدءا من الكلمة حتى الشهادة. أ و ليس هو الرافض للوظيفة الكبرى التي قدمها له المندوب السامي عند ما عرض عليه هذا الأخير أن يتولي منصب (رئاسة العلماء) التي أحدثها الفرنسيون ، فرأى السيد أن من يكون موظفا عند الله يأبى أن ينزل إلى رتبة موظف عند المفوض الفرنسي ؟..

أ و ليس هذا الانتماء الثقافي الأصيل هو ما دفعه أن يفضل النواصة على كهرباء الشركة الفرنسية في دمشق ، عند ما كان الأمر يحتم خيارا بين نور الحرية الذي تؤديه النواصة، على مستوى الموقف السياسي، و بين ظلم شركة النور الفرنسية التي حاولت أن تبتز موقف الوطنيين الدمشقيين آنذاك؟ كل هذا الانتماء المتنوع في أبعاده و العميق في جذوره جعل من السيد علما مبعدا عن مجال الدراسة الأكاديمية التي عينت مداها خيارات سياسية مرحلية في لبنان و مواقع في السلطة لا تتيح لغير امتداداتها الأيديولوجية و الفكرية أن تنتج معرفة ما.

و لعل الانتماء العاملي الذي يلخص حضاريا كل تلك الانتماءات التوحيدية على مستوى الإسلام و العروبة و تداخل قضاياهما هو الذي جعل من السيد علما نافيا لا للكيانية السياسية المستكبرة في لبنان فحسب، بل للسياسة السلطوية في كل مكان من العالم العربي و الإسلامي. أ و ليس هو القائل للشاه رضا الكبير في إيران عند ما انتقده هذا الأخير على مظهر ثوبه غير الأنيق: نحن ننظف قلوبنا و أنتم تنظفون أثوابكم .

إن العاملية -هذه الصفة التي يحملها كل عالم كبير في جبل عامل - تعني امتدادا ثقافيا يتواصل مع المحيطين المتداخلين، العربي و الإسلامي، تواصلا حميما و عضويا. من هنا كانت محاولة طمس هذه العاملية في تاريخ تشكل علاقات المركز الكياني اللبناني بأطرافه و ملحقاته. و من هنا

9

كانت أهمية إقامة السيد في دمشق . كانت هذه الإقامة رمزا لموقف توحيدي، و لكنها أيضا و في نظر الآخرين القابضين على سدة المعرفة و المتحكمين في توزيعها درجات درجات من موقع ادعاء التفوق و التعدد كانت تعني و تستتبع نفيا له من دائرة الاعتراف الرسمي .

لكن الانبعاث الذي كان السيد رمزا كبيرا من رموزه لم يلبث أن أيقظ النفوس و العقول، و إذ بدأت شرارة الوعي تنطلق من أتون الحرمان كانت الشعلة التي حملها السيد خلال نصف قرن تتواصل مع إرهاصات الإنتاج العلمي في الجامعات الحديثة المحلية. و ليس في الأمر صدفة أن يلتقي هذا التواصل مع شاعر عاملي شق طريقه في التعبير الشعري و تواصل مع الناس و الأهل و الأصدقاء و الأطفال عن طريق الكلمة الصادرة من القلب إلى القلب و المنبعثة من الذاكرة التاريخية المشتركة برموزها و صورها و تعابيرها، لا عجب أن يحمل هذا الشاعر الذي هو محمد علي شمس الدين هم البحث العلمي في معالجة مسألة الإصلاح في نصوص السيد و مواقفه.

فالعلاقة بين شاعرية محمد علي شمس الدين و موضوعية الباحث هي علاقة الصدق و هي الصفة الجامعة بين الشاعر و الباحث.

و العلاقة بين عاملية محمد علي شمس الدين من حيث امتدادها في الثقافة العربية و اختزانها للذاكرة التاريخية للجماعة التي ينتمي إليها الشاعر و الباحث، و بين عاملية السيد الأمين الذي هو كتاب كبير من هذه الذاكرة التاريخية المشتركة و جزء مهم من خطط جبل عامل و أعيانه و سيره هي علاقة الاستمرارية الثقافية في الفقيه و الشاعر و الباحث.

من هنا كان جميلا و مفيدا أن يتولى محمد علي شمس الدين الشاعر مهمة البحث و التوثيق و المعالجة لعلم من أعلام النهضة العربية و الإسلامية، و بمنهج يصدر عن وعي معرفي لاشكالية المصطلح الإسلامي الذي هو الإصلاح و صيغ تعبيراته لدى فقيه مجتهد-و لدى مؤرخ إخباري-و لدى أديب و مرب هو السيد محسن الأمين .

لن أتولى في هذا التقديم مهمة تلخيص البحث أو عرض أفكاره فمثل هذا التقديم من شانه أن يختزل العمل و ينقص من تكامليته. لذلك أكتفي بالقول إن جدارة البحث العلمي لدى محمد علي شمس الدين توازي جدارة شاعريته، و إن البدء بمعالجة الأعلام المصلحين ممن أناطوا بأنفسهم مهمة الإصلاح على طريق التطهر و الولادة الجديدة -على حد تعبير الباحث- و بعيدا عن جاذبيات السلطة و إغراءاتها هو بدء بسلوك طريق مهم في مجال البحث العلمي و مجال إغناء الثقافة العربية الإسلامية.

من كتاب شمس الدين

تجد نظرية الإصلاح، التي هي نظرية إسلامية أصولية، مرجعها الأساسي في النص القرآني، كما تجده في السنة الشريفة.

و لعله بالإمكان اعتبارها فريضة من الفرائض الإسلامية الأولى، التي ارتبطت بمبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

فالاصلاح إذن، على صعيد إسلامي، إنما هو مصطلح عقيدي ديني، يغرز جذوره في المنابع الأولى للإسلام ، فالقرآن كتاب إصلاح كما هو كتاب صلاح (إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.. ) . 9 و هو يعتبر عن الأنبياء و الأولياء بالمصلحين الذين يقومون بعمل الخير، و لديهم روح الطهر، يبشرون بالسلم و الوفاق، و يكون لديهم هاجس التقويم الأخلاقي: في القول و السلوك.

لذلك، كان لا بد للاصلاحيين المسلمين ، على امتداد التاريخ الإسلامي، و على تنوع مذاهبهم و أساليبهم في العمل الاصلاحي، من العودة إلى الينابيع الأولى للإسلام (أي إلى القرآن و السنة و السلف الصالح) ، متخذين من حياة النبي محمد (ص) و من حياة الصحابة و الأئمة الأطهار ، القدوة و المثل، معتبرين أن الرسول هو المصلح الأمثل أو المصلح الأعظم و أن القرآن هو الكتاب الأساسي في الإصلاح.

إن هذا المعنى الأصولي في الإصلاح، هو الذي يوجب على كل باحث أو دارس لأي مصلح إسلامي، الالتفات فيه إلى معنيين معا:

المعنى الأول: هو المعنى الجامع للاصلاحيين المسلمين كافة، في ضرورة عودتهم إلى المنطلقات الأولى للإصلاح، في القرآن و السنة و السلف الصالح، لدى تصديهم لهذا الشكل من أشكال الجهاد..

المعنى الثاني: يكون للتمايزات و الفروق في النسق الفكري و المنهج العملي لكل إصلاحي على حدة، في ما يمكن أن نسميه مبدأ الفروق في النسق الاصلاحي العام.

ذلك ما أسسنا عليه الفصلين الأساسيين في أطروحتنا الراهنة عن الاتجاه الإسلامي الاصلاحي في فكر السيد محسن الأمين و سلوكه. فقد عقدنا الفصل الأول، تحت عنوان: (البحث عن مصطلح إسلامي إصلاحي) .

معتبرين أن الإصلاح، إسلاميا، إنما هو أصل عقيدي، و ضرورة تاريخية في آن..

فهو أصل عقيدي، من حيث هو مصطلح إسلامي أساسي مرتبط بالولادة الأولى للإسلام ... و هو ضرورة تاريخية من حيث أنه شكل أداة أساسية للتطوير و التطهير (في معاني الاجتهاد و الاستشهاد و النظريات الاصلاحية المختلفة) و ذلك في حقل تاريخي شاسع للتحدي، امتد من حدود الرسول الأعظم و من بعده استشهاد الحسين بن علي ع في ما هو عمل إصلاحي.. حتى آخر أشكال التحدي المعاصر، في ما سميناه إشكالية الغرب و الإسلام .

و قد حرصنا على تبيان الخصوصية الشيعية في هذا النسق الاصلاحي الإسلامي العام، و ما امتازت به عن الاصلاحية السنية، متخذين من ذلك، مدخلا للكلام على السمات المميزة لفكر و سلوك السيد محسن الأمين .. في ما شكل فقرأت الفصل الثاني من دراستنا الراهنة.

فقد تناولنا في هذا الفصل، أبرز ما امتاز به هذا الاصلاحي الإسلامي الشيعي الكبير، في الفكر و السلوك، على امتداد حياته الخصبة المديدة، و من خلال مؤلفاته المتنوعة الغزيرة.

و بدأنا ذلك، بنظرة أولى محيطة بالرجل و نصه، ثم تطرقنا، في أبواب لاحقة تفصيلية، إلى جهده في إصلاح الطقس الكربلائي، و دوره في الإصلاح التعليمي و إصلاح المدارس الدينية، و آرائه في تنقية العقيدة الإسلامية من الشوائب و الخرافات الشعبية اللاحقة بها.. و ختمنا هذا الفصل بالكلام على دور الرجل في العمل السياسي و الوطني كما عرف في‏

10

وقته، و ذلك عبر عرض موقفه من الوهابية كحركة إسلامية فكرية و سياسية معا، و دوره في العمل الوطني كما نظر إليه و مارسه عمليا، من خلال مواقفه من الانتداب الفرنسي ، و نظرته إلى العالم العربي و الإسلامي، و علاقته المميزة بالملك فيصل عند ما كان يقارع الفرنسيين في سوريا ، فضلا عن علاقته كمرشد روحي و فكري بالكتلة الوطنية التي نشات في سوريا بعد تسلط الفرنسيين عليها و كانت كبرى الحركات الوطنية الكثيرة التي نشات آنذاك لمناهضة الاحتلال الأجنبي، و التصدي لأساليبه المستعملة في التنكيل بالوطنيين، و سوقهم إلى المنافي و السجون...

الخصوصية الشيعية في الإصلاح الإسلامي‏

يلاحظ الباحث أنه تم التركيز، في الدراسات التي تناولت المصلحين المسلمين حتى الآن، على الحركات الاصلاحية السنية و على المصلحين السنة أمثال محمد عبده و خير الدين التونسي و سواهما. (1)

و إهمال الوجه الشيعي في هذه الدراسات يعود في تصورنا إلى سببين:

الأول: إن معظم واضعي هذه الدراسات هم من السنة ، و قد اتصف بعضهم بالتحامل الشديد على الشيعة ، و دخلوا معهم في الكثير من السجالات المذهبية العنيفة. نذكر على سبيل المثال سلسلة الردود و النقود التي جرت بين السيد محسن الأمين و كل من الكاتب المصري المعروف أحمد أمين صاحب فجر الإسلام و ضحى الإسلام و ظهر الإسلام ... و الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار .

الثاني: إن المفهوم الاصلاحي عند الشيعة ، كان على امتداد التاريخ الإسلامي، مفهوما عمليا تطبيقيا، و تجلى في حركات تغييرية مباشرة على أرض المجتمع، أكثر مما تجلى في أبحاث نظرية وفقهيةمجردة، كما هو الحال عند معظم الاصلاحيين السنة .

و قد أشار إلى ذلك، الشهيد المطهري بقوله: تختلف الحركات الاصلاحية الشيعية عن الحركات الاصلاحية السنية بان لها خصائص و وضعية أخرى. ففي المحيط الشيعي قل ما يقتصر الكلام عن الإصلاح أو النظريات الاصلاحية و قل ما بحثت مواضيع حول ما العمل.. و لكن مع كل ذلك ظهرت لدى الشيعة حركات إصلاحية خصوصا حركات مضادة للدكتاتورية و الاستعمار و بصورة أكثر و أعمق جذرية . (2)

و قد يكون السبب في ذلك عائدا إلى أن جهاز رجال الدين، لدى السنة ، كان تاريخيا، جهازا يمسك بقدر كثير أو قليل من السلطة. و قد أمسك بهذه السلطة من خلال منصب رسمي أعطي للافتاء أو مشيخة الإسلام . في حين تلاحظ استقلالية رجال الدين الشيعة عن الجهاز الحكومي (3)

و تشكيلهم قاعدة مستقلة عن السلطة و الحكم (4) كانت في الكثر من الأحيان عينا مراقبة و محاسبة للحاكم، و في عامة الأحوال في موقع معارض للسلطة السائدة. 10 إن الخصوصية السنية في إنتاج فكر إصلاحي يتعاطى السياسة، و يهتم بالتنظير لمسائل مثل مسألة الخلافة و السلطان، و الشورى، و أهل الحل و الربط.. إلى آخره.. قابلتها خصوصية شيعية لاصلاح عملي لم يعر كثير اهتمام للنظرية في الإصلاح، بمقدار ما التحم عمليا و ميدانيا في حركات إصلاحية تغييرية مهمة، على أرضية المجتمع.

نذكر منها: في ايران ، التي قامت ضد الاستعمار البريطاني بقيادة السيد الشيرازي و انتهت إلى إلغاء امتياز التنباك في إيران ، و أنهت الديكتاتورية الداخلية و الاستعمار الخارجي فيها. كذلك‏في العراق ضد الوصاية البريطانية و انتهت إلى استقلال العراق . و ضد ديكتاتورية الحكام الايرانيين ، و انتهت إلى نظام ملكي دستوري أو نهضةالأخيرة في إيران بقيادة علماء الدين . (5)

و الواقع أن دور علماء الدين في الحركات الاصلاحية الشيعية، يختلف عن دور علماء الدين في الحركات الاصلاحية السنية، فعلماء الدين الشيعة هم الذين يقودون الثورة و ينخرطون فيها أكثر مما ينظرون لها النظريات. و ربما يعود ذلك إلى سبب عقيدي و هو إيمانهم بان النظرية موجودة أصلا في مفهوم الامامة، و أن العلماء بالتالي هم ورثة الأنبياء ، أو وكلاء الامام في الإصلاح و تطبيق الشريعة.. لذلك فقد ارتبطت جميع الحركات الثورية الشيعية، بأسماء علماء دين قياديين بارزين.

المشار إليها آنفا في إيران ، كان على رأسها السيد حسن الشيرازي ، وفي العراق ، كان على رأسها السيد محمد تقي الشيرازي ، وفي إيران عام 1905 كانت بقيادة الآخوند محمد كاظم الخراساني و الشيخ عبد الله المازندراني من مراجع الدين في النجف ... كذلك وحيث قام السيد حسين القمي بدور كبير في قيادة الانتفاضة . (6)

و هكذا فان العلماء الشيعة عموما، و الايرانيين خصوصا احتفظوا بمستوى مرتفع من التأثير و التوجيه (7) و شكلوا جبهة معارضة لعلمانية الحكام، تفجر في وجههم ثورات متوالية.. كما أنهم ألفوا جهاز مستقلا بحد ذاته، من الناحية المعنوية، يتكئ على قدرة الله، و من الناحية الاجتماعية يعتمد على قوة الناس . (8) لكن، بالرغم من هذه الفروقات في منهج الإصلاح الإسلامي و شكل تحققه في الواقع التاريخي، بين السنة و الشيعة ، فقد قامت بينهما قواسم مشتركة نبعت من طبيعة التحدي الاستعماري الواحدة للإسلام ، بكافة مذاهبه. فقد خضع الشيعة في إيران و العراق ، لمثل ما خضع له السنة في الشام و الجزيرة العربية ، من تحديات الغرب الاستعماري و دونما تمييز في المعاملة بين سني و شيعي. كما أن الردود على هذه التحديات الواحدة، و بالرغم من مجيئها مختلفة أحيانا على الصعيد السياسي النظري، إلا أنها تقاطعت على الصعيد الاجتماعي و العلمي و التربوي لا سيما عند بعض

____________

(1) يقول المطهري في كتابه الحركات الإسلامية أن A2G جمال الدين الأفغاني الأسدآبادي بالرغم من انه كان A2G شيعيا . فإنه يصنف في سلسلة الحركات الاصلاحية الإسلامية في المحيط الجغرافي لأهل السنة لأن معظم نشطاته كانت هناك، ص 62.

(2) : المرجع نفسه ص ص 62.

(3) : المرجع نفسه ص ص 64.

(4) : المرجع نفسه ص ص 65.

(5) مطهري . الحركات الإسلامية. ص 62-63 (ذكر سابقا) .

(6) مطهري . الحركات الإسلامية. ص ص 63-64 (ذكر سابقا) .

(7) . 170. PtiC. Po4T12. E. narI. haLsItra. rAglA. H

(8) مطهري . الحركات الإسلامية ص ص 64-65 .

11

الاصلاحيين الشيعة ، الذين اهتموا، إلى جانب مواقفهم العملية، بالجانب النظري من الإصلاح كما نرى لدى السيد محسن الأمين .

و لا يخفى ما كان يبديه جميع الاصلاحيين السنة أمثال محمد عبده من الاعجاب باصلاحي عظيم كان A2G شيعيا هو جمال الدين الأفغاني . كما لا يخفى ما كان يبديه السيد محسن الأمين ، و هو مصلح شيعي ، بمعاصره الشيخ محمد عبده ، من الاعجاب.

لذلك، فاننا نرجو أن ياتي كلامنا على النواحي الاصلاحية في فكر و سلوك إصلاحي إسلامي شيعي هو السيد محسن الأمين ، مساهمة منا في الكشف عن مناحي هذا الفكر و اتجاهاته، و فعله في المحيط الذي احتضنه.. في وقت يجب أن يولى فيه هذا المصلح حقه الطبيعي من البحث و الاهتمام.

أولا: الرجل و النص‏

أ-الرجل:

مما يؤثر عن السيد محسن الأمين ، أنه أوصى أن تدفن معه، في مثواه الأخير، دواته و مجموعة أقلامه.

إن هذه الرغبة المؤثرة لدى الرجل، تصلح أن تكون المفتاح الأساسي لشخصيته المؤسسة على العلم ، (1) كما نظر إليه في تصانيفه، و كما طبقه في حياته العملية، فهو يعقد، في مطلع كتابه معادن الجواهر و نزهة الخواطر فصلا طويلا (يقع في 65 صفحة) تحت عنوان: المقدمة.. و فيها أمور الأول في فضل التأليف و العلم ... معتبرا أن طلب العلم ضرورة و فضيلة ، يدل عليها العقل و النقل عند جميع العقلاء و النقل من الكتاب و السنة . و هو يورد، في جملة الأحاديث التي تحض على العلم و توصي به، هذا

الحديث المعبر المعتبر للإمام الصادق ع : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد، و وضعت الموازين، فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء

.

إن السيد محسن الأمين ، ينحدر إلى هذا الموقع العلمي من أصول تاريخية و معرفية و عائلية ساهمت في بلورة مزاجه الشخصي في الالتصاق بالمحبرة و الأقلام و منحته هذا الموقع المتقدم كمؤلف موسوعي، فهو، على حد قول الشيخ أحمد رضا عنه: وريث الجبل العاملي .. الذي ما زال منذ القرون الخالية يطلع على العالم الإسلامي بنوابغ العلماء و مجتهدي الفقهاء الذين أشرقت في أفق الكيان الإسلامي آثارهم الساطعة بنور العلم .

إنه، و منذ A0G القرن الثامن و حتى القرن الرابع عشر للهجرة ، وريث عدد من 11 العلماء العامليين ، بينهم الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني ، و الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي الجبعي ، و الشيخ الحر العاملي .. الذين كانت مؤلفاتهم مصابيح يشع سناها بمختلف العلوم في أقطار الإسلام و المسلمين .

و هو، إلى جانب هذا الإرث العام العاملي في العلم، ينحدر من عائلة علمية، أفرد لها هو بالذات، في ذكره لنسبه العائلي، 32 صفحة من كتاب خطط جبل عامل .. فعمه السيد محمد الأمين بن السيد علي الأمين كان له منصب مفتي بلاد بشارة ، كما كان لأبيه من قبله . و تراه حين يتكلم عن جده لأبيه السيد علي بن السيد محمد الأمين ، يورد فيه صفات تكاد تنطبق عليه هو بالذات من حيث الرئاستان الدينية و الدنيوية و الزهد و الورع و التقى و التواضع و علو النفس و رفعة الهمة و الشعر و الأدب و الهيبة عند الحكام و الجرأة عليهم.. على حد تعبيره. كما أنه أخذ العلم عن كوكبة من العلماء و المشايخ الأفاضل، متنقلا بين قرى جبل عامل ، و منتقلا بعد ذلك إلى الحوزة الدينية في العراق ، قاضيا أوقاته في التدريس و المطالعة و العزلة عن الناس .

فالرجل، في وجهه العام، شيعي ، عاملي، يحمل فقه المذهب الشيعي ، و عراقة الجبل العاملي.

و الواقع أن لرجل الدين الشيعي عموما كما يتمثل في سيماء و زي السيد محسن الأمين ، شيئا من سيماء النبوة، أو الأئمة ، كما تصورهم لنا مخيلتنا المدموغة بالدين. فهو، كما تظهره لنا صورته (المطبوعة في الصفحات الأولى من معظم كتبه) : عينان واضحتان يقدح منهما نور غامض، أو شرر، تعلوهما عمامة سوداء، مكورة كنصف هلال، ثم لحية كثة بيضاء تكمل دورة الهلال.. و يدان تمسكان بمقبض العصا، كموقع ارتكاز، وسط جبة واسعة و قفطان.. حتى كان التوازن الهندسي في الصورة، يرشح من توازن آخر (إيماني) خلفها.. أو كان الصورة هنا هي صورة الروح الشيعية في رجل الدين.. فالزي مفصل على الروح لا على الجسد.

و إن جاذبية المظهر لدى السيد الأمين ، كانت مقترنة بهيبة خبره، أيضا، مما كان يولد في النفوس، إجلالا خاصا له : يقول الأستاذ جعفر الخليلي صاحب جريدة الهاتف العراقية في مقالة له بعنوان: السيد محسن الأمين يقود معركة الإصلاح .. : .. و جاءت الأخبار تنبئ أن السيد محسن قادم إلى العراق ، فاختلف أنصاره في أمره.. (و في استقباله) .. و إذا به استقبال لم تشهد النجف نظيرا له، اشترك فيه العلماء و الفضلاء و التجار و مختلف الأصناف. و دنا منه الشيخ (كلو الحبيب) و هو من وجوه الطبقات المسماة (بالمشاهدة) و هي الطبقات التي تمثل النجف بقوة السلاح... دنا منه الشيخ كلو الحبيب و ترامى على قدميه ثم أخذ يقبل يديه و يقول: لعن الله من غشني ها هو ذا وجهك النوراني يشع بالايمان فاغفر لي سوء ظني فإنما الذنب ذنب أولئك المارقين المغرضين الذين قالوا عنك ما قالوا . (2)

إن هيبة الخبر، لدى السيد الأمين ، كانت محصلة خليقته العالية من جهة، و وقوفه مع الناس في أرضية واقعهم المرير من جهة ثانية. فمن شواهد أخلاقيته أن الآلاف ذهبا كانت ترد عليه فما يمسها، و يحولها للحال إلى

____________

(1) نعني بالعلم هنا، مجمل المعارف التي قصد إليها المؤلف بهذا التعبير، و التي قسمها كما سنرى فيما بعد إلى مراتب بحسب شرف المعلوم . فأشرف العلوم و أعلاها علم معرفة الله تعالى أي علم التوحيد.. ثم علم‏الفقه‏و معرفة الأحاديث.. ثم علم‏الأصول‏.. والدراية والرجال‏والتفسيروالنحووالصرف‏واللغة.. ثم باقي العلوم‏كالحساب‏والطب‏والهندسةو علم الهيئةوالجغرافيةوالتاريخ‏و فن الشعر و العروض.. و غير ذلك.. ثم العلوم الراجعة إلى الصناعات و تعلمها فرض كفاية انظر الأمين، محسن ، في كتابه معادن الجواهر و نزهة الخواطر ط/1- دار الزهراء للطباعة و النشر و التوزيع - بيروت ، لبنان ، A0G 1401 هـ - A0G 1981 م الجزء ص ص 40، 47، 48، 49.

(2) انظر، الأمين، محسن . سيرته بقلمه و أقلام آخرين ص 118 .

12

وجوه الخير (1) و أنه كان يباشر بيده تهيئة طعامه، غير حافل برفاهية ماكل أو مشرب، و لا ملتفت إلى زينة في شارة أو كسوة.. و كذلك شان العظماء ينكرون ما أسماه نيتشة فلسفة الخياطين فلا يؤمنون أن الثوب يخلق الراهب . (2)

و قد كان بسيطا و عميقا، في مظهره، و جوهره، يكاد، في هاتين الصفتين، يستحضر صورة السيد جمال الدين الأفغاني في بعض مواقفه المأثورة مع الملوك و السلاطين. فقد عاتبه مرة شاه إيران السابق رضا بهلوي عند ما التقى به في إيران ، على قلة عنايته بمظهر ثوبه، فقال له: نحن ننظف قلوبنا، و أنتم تنظفون أثوابكم . (3)

و كان جلودا على البحث و التنقيب، جلد العلماء التاريخيين الأفذاذ الذين بذلوا أنفسهم لطلب العلم. فقد طاف زوايا خزائن الكتب الخاصة و العامة في الشام و العراق و فارس و خراسان يجمع مادة التاريخ الأصلية، في نقل تراجم كتابه (أعيان الشيعة) (4) هذا الكتاب الذي وضعه في مصاف أكابر الرجاليين كابن عبد البر و ابن حجر العسقلاني و ابن سعد و الخطيب البغدادي و ابن عساكر و ياقوت الحموي و ابن خلكان و الصفدي . و قد سلخ في سبيل هذا العمل وحده، فوق الثلاثين عاما في التعقب و المراجعة . (5)

كانت هذه الخلقية العالية للسيد محسن الأمين ، دليله العملي في تعامله مع الناس. لقد وقف معهم، بكل مهابته، على أرض واقعهم المرير، كما قلنا. و ليس أشد مرارة من واقع العامليين كما شربوه قطرة قطرة، سوى طمس هذا الواقع، أو تكريسه و تثبيته. يروي السيد الأمين في كتاب..

سيرته بقلمه و أقلام آخرين (6) وصفا دقيقا للشقاء الشامل الذي كان يعاني منه العامليون في، حيث يقول: وقع الوباء في جبل عامل المسمى بالهواء الأصفر (الكوليرا) حتى أنه مات في يوم واحد في قريتنا شقرا ، و هي قرية صغيرة، اثنا عشر نفسا. و كان الوقت صيفا، و دخل في أثناء ذلك شهر رمضان و امتنع الناس من تغسيل أمواتهم و دفنهم حتى الأخ من تغسيل أخيه و حمله إلى قبره و دفنه خوفا من العدوي و زاد في الطين بلة أن (الجندرمة) كانت تجول في القرى تطلب الفارين من الخدمة العسكرية، فأغلق الناس بيوتهم و أقفلوها و اختبئوا فيها فوظفت لتغسيل الرجال رجلا فقيرا يسمى علي زين و لتغسيل النساء امرأة تسمى عمشا بنت الديب . فكان كلما توفي واحد يغسله علي الزين أو عمشا ، و نذهب إلى البيوت ندق عليهم الأبواب و نقول لهم اخرجوا و لا تخافوا من الجندرمة فانا معكم، فيخرجون و يحملون الجنازة و أنا خلفهم و مع ذلك إذا وصلوا إلى منعطف يتسلل بعضهم فلا أزال معهم حتى نصلي على الجنازة و ندفنها، و نعود إلى البيت. فما نكاد نصل حتى يأتينا خبر جنازة أخرى، فنذهب إلى أن ندفنها و هكذا طول النهار.

أما أنا فخرجت من البيت، و بنيت خيمة بالقرب منه، تحت شجرة 12 زيتون، فكان أهل القرية ياتي أحدهم فيقف وراء الحائط و يخبرني أن عنده مريضا بهذا المرض، فأقول له اسقه الشاي. لو لا قيامي بدفن الأموات لدفنوا بغير غسل و لا كفن، و أهيل عليهم التراب أو أكلتهم الجرذان و الكلاب .

لقد لعب الرجل، في تلك القرى العاملية، دور الطبيب و الكاتب و المعلم و المرشد، و القاضي و فاتح السماء للمستجيرين بها كذلك (انظر خبر صلاة الاستسقاء التي استمطر بها السيد المطر في سهل الخان قرب تبنين ، بعد انقطاعه عن الناس و قحطهم.. و قد نزل المطر، بعد الصلاة، بفضل من العناية الربانية و الألطاف الالهية . (7)

إن هذه السيرة، جعلت من السيد الأمين ضميرا شعبيا حقيقيا، كما خولته الإمساك بما نستطيع أن نسميه سلطة الايمان الديني و قد تكرس موقعه المميز في الضمير الشعبي، في ظاهرة تشييعه. هذه الظاهرة التي ينبغي التوقف عند دلالتها. فقد مشى وراء نعشه سيل بشري دافق (8)

في حداء حزين (9) على حد تعبير الصحف التي وصفت مشاهد التشييع آنذاك. كما بقي صدى وفاته يدوي في أنحاء العالم الإسلامي من أندونيسيا إلى الهند و الباكستان و أفغانستان و إيران إلى أقصى البلاد العربية و المهاجر الأمريكية و الافريقية . (10)

و بالإمكان اختصار دلالة هذا التشييع الشعبي الكبير له، بهذه الجملة:

لقد تجلى في موت الأمين معنى حياته .

أما سلطة الايمان به، فقد تجلت بتقليده كمجتهد أكبر من قبل عدد كبير من المسلمين الشيعة الذين اتخذوا رسالته المعروفة الدر الثمين دليل عمل و عبادة، و معرفة بأصول الدين الإسلامي.

ب-النص:

تصعب الاحاطة بنص السيد محسن الأمين ، دون الإشارة إلى بعض مفارقات هذا النص، الذي يتسم، في عموميته، بالتنوع و الإفاضة و التداخل.

فقد كتب الرجل في شتى المواضيع، بغزارة يندر أن يتسنى مثلها لمؤلف آخر، و إن مسرد مؤلفاته و مصنفاته التي أوردها هو بذاته، من خلال كتابته لسيرته الشخصية يشمل ما يقارب خمسة و سبعين مؤلفا و مصنفا، تبلغ أجزاء بعضها مائة مجلد كبير أحيانا، ككتاب أعيان الشيعة ، فضلا عن الردود

____________

(1) المصدر نفسه ص 196 و ما بعدها. مقال حكمت هاشم .

(2) ينظر المقال المذكور آنفا في المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه ص 241.

(4) انظر الأمين، محسن . في كتاب سيرته بقلمه .. ص 235 .

(5) المصدر نفسه ص 240.

(6) المصدر نفسه ص 85.

(7) انظر الأمين، محسن في كتاب سيرته بقلمه .. ص ص 96، 97 ... و صلاة الاستسقاء التي قام بها السيد الأمين مشهورة لدى العامليين . صورها الشاعر إبراهيم بري تصويرا جميلا بقوله، من قصيدة له في رثاء السيد :

أين انتهيت و أين سرت و كيف غبت عن العيون # إنى أجن إليك و الأرواح تهدأ بالحنين

و ذكرت عاما فيه ضج الناس للماء الحرون # و وصلت مهجتك الحنون بمهجة الله المعين

و دعوت يا كبد السما.. حنى على العبد الرهين # و على اختلاجات الدعاء هوى الغمام على الحزون

و تتم معجزة السماء بفضل محسنها الأمين

(8) : انظر صورة التشييع المعبرة في الصفحات الأولى من المصدر المذكور آنفا. كما نراجع أقوال و كتابات الصحف حول ماتمه و جنازته في الصفحات: 150، 151، 152، 153، 154، .. لغاية 189 من المصدر نفسه.

(9) : انظر صورة التشييع المعبرة في الصفحات الأولى من المصدر المذكور آنفا. كما نراجع أقوال و كتابات الصحف حول ماتمه و جنازته في الصفحات: 150، 151، 152، 153، 154، .. لغاية 189 من المصدر نفسه.

(10) : انظر صورة التشييع المعبرة في الصفحات الأولى من المصدر المذكور آنفا. كما نراجع أقوال و كتابات الصحف حول ماتمه و جنازته في الصفحات: 150، 151، 152، 153، 154، .. لغاية 189 من المصدر نفسه.

13

و النقود التي تبلغ ثلاثة و عشرين ردا و نقدا، أفرد بعضها بالطباعة على حدة، و أدخل بعضها الآخر في كتب شتى للمؤلف، و بقي بعضها منشورا في عدد من المجلات دون أن يجمع في كتب على حدة، كذلك المفاخرات و القصص، و هي عبارة عن روايات تمثيلية كتبها المؤلف لطلاب المدرسة العلوية في دمشق ، و مثلت على مسرح المدرسة.

إن هذا التنوع و التداخل في مؤلفاته، يجعل من رصدها الدقيق، عملا حذرا و شاقا. فبعض هذه الكتابات ورد في أكثر من مؤلف أو طبع فيما بعد على حدة بعد أن كان قد ورد في ثنايا مؤلف آخر، لا سيما بعض فصول أعيان الشيعة . و بعضها بقي منشورا في الصحف دون أن يضمه كتاب، و البعض الآخر بقي مخطوطا كما أن بعض كتب السيد قد طبع بعد وفاته و قام بطبعها ولده و حافظ كتبه السيد حسن الأمين . كما أن هناك حلقات مفقودة من هذه المؤلفات‏ (1) و مؤلفات أخرى أوقعت بعض الدارسين في الالتباس، بسبب تداخلها.

إن هذه المؤلفات الغزيرة، قد طبعت، أثناء حياته، و بعد وفاته، مرتين و ثلاثا، كما طبع بعضها أكثر من ثلاث طبعات. و يبدو لنا أن أثرا ضخما و مهما كاعيان الشيعة مثلا، قد أصبح ضرورة لمكتبة كل عالم ديني أو تاريخي. و قد قال السيد الأمين عن نفسه، في مجال غزارة التأليف: لو قسم ما كتبناه، تسويدا و تبييضا و نسخا و غيرها على عمرنا لما نقص كل يوم عن كراس مع عدم المساعد و المعين غير الله تعالى . (2) و لا غرابة في ذلك، فالرجل قد نذر حياته المديدة- (3) للتاليف و التصنيف، فهو في هذا المجال، صنو للعلامة المجلسي الذي قيل فيه: لو قسمت مؤلفاته على عمره لكان نصيب كل يوم كراس. و عد ذلك مبالغة، مع أنه كان له من المساعدين و الثروة، ما ليس لنا منه شي‏ء . (4)

إن هذا النص الأميني الشاسع و المتداخل، هو في الوقت ذاته، شديد التنوع، إلى درجة تثير العجب و الاعجاب. فقد تناول الأمين بالكتابة، بين عرض و نقد و تحليل، حقلا متشعبا من المواضيع، يمتد من السيرة إلى الأزجال. ألف في‏الرجال‏والتاريخ‏والحديث‏والمنطق‏وأصول الدين‏وأصول الفقه‏والفقه‏والنحووالصرف‏والبيان‏والأدب‏و الرحلات. كما كتب الشعر و المفاخرات و القصص و الأراجيز و المسرحيات و الكتب المدرسية، فضلا عن خوضه في مجادلات طويلة كانت حصيلتها سلسلة من الردود و النقود في الدين و التاريخ و الشعر و الاجتماع.. إلى آخره.

إن هذا الجهد التأليفي الضخم يجعل من السيد محسن الأمين ، جديرا بلقب الكاتب أو الأديب بالمعنى الذي أورده الجاحظ عن‏الأدب‏أي الأخذ من كل علم بطرف . و هو في هذا المجال، كاتب موسوعي و غزير الاطلاع، غزير التأليف.. و السبب في ذلك هو أنه قضى عمره متعلما 13 و معلما. و لعل في هذا الجهد التأليفي الضخم، ما يناقض الرأي القائل بان السيد الأمين كان أخلاقيا يميل إلى العمل أكثر من ميله إلى النظر (5) أو أنه كان إصلاحيا عمليا لم تستهوه الأبحاث النظرية . (6) إلا إذا كان المقصود بذلك أن السيد لم يهتم بوضع نظرية تنظم أفكاره و مواقفه و آرائه.. و ذلك صحيح.

إن السيد محسن الأمين محقق جلود، تغلب على آثاره، صفة الاستقصاء و التحقيق فهو رحالة في سبيل العلم يتجشم أصعب المشاق في سبيل جمع المادة اللازمة لتأليفه، و هو يذكرنا في هذا الباب، باكابر الرحالة الإسلاميين، الذين قطعوا المسافات الطويلة، سعيا وراء حديث أو خبر أو كتاب، فقد قام برحلات عديدة إلى العراق و إيران ، بقصد البحث و التنقيب و التقميش، لجمع مادة مؤلفه الموسوعي الضخم أعيان الشيعة و هو يذكر أنه كان يحمل معه في رحلته العراقية-الإيرانية ما كان قد جمعه من كتابه أعيان الشيعة التي تبلغ نحو تسعة مجلدات كبار و تملأ جعبة كبيرة. و قد استمرت هذه الرحلة الميمونة المباركة على حد تعبيره نحوا من أحد عشر شهرا نصفها في العراق و نصفها في إيران .

كذلك، لم يفته أثناء زيارته للحجاز و مصر ، أن يقصد المكتبات العامة و الخاصة و يستفيد فيها، من أية سانحة أو شاردة تساهم في جمع مادته أو تقميشها.

و كان أبرز مكان يزوره في رحلاته العلمية، المكتبات. فهو مثلا، يذهب إلى مدينة قم في إيران ، حيث ينسخ منها (و لنقل يغرف) ما يسعه جلده الطويل و هدفه النبيل، للتحقيق و المقابلة في كتاب منسوخ. و حين يزوره بعض من يريد السلام عليه، يعتذر و يقول: إنني رجل مسافر، و أوقاتي ثمينة، و ما جئت هذا البلد إلا لمقابلة هذا الكتاب و أمثال هذا لا شغل لي سوى ذلك .

و قد قاسى المشاق الصعبة في طلب العلم معتبرا هذا العمل جزءا من الجهاد، حسب المفهوم الإسلامي لذلك.

يبقى أن السيد الأمين المحقق، يتسم بصفتين أساسيتين: الأمانة العلمية في النقل، و الرصد الدقيق و المثير للظواهر و المواضيع التي يتناولها بقلمه.

و هو، في كل ذلك، يبغي تحري الحقيقة ما أمكن، على حدة تعبيره.

إنه، في باب الأمانة العلمية في النقل، يورد الروايات المتعددة بأسانيدها المختلفة، و يكتب انتهى عند نهاية كل إسناد، (7) و لا يخلط بين كلامه أو نقاشه أو تعليقه على هذه الأسانيد، و الأسانيد بالذات، بحيث يمكن اعتباره في هذا المجال، منسجما مع التقليد الأكاديمي المنهجي المكرس في التحقيق أو التاريخ و هو راصد مثير و دقيق في استقصاءاته الموسوعية التي يوردها حين يتكلم على رجل يؤرخ له، أو على عادة يرصدها، أو قرية

____________

(1) بعض المؤلفات يذكره السيد الأمين في الصفحة 99 من سيرته بقلمه و أقلام آخرين .. و لم يعثر لهذه المؤلفات على أثر و لا يعرف ابنه حسن الأمين عنها شيئا مثل: شرح إيساغوجي في المنطق‏، و التقليد آفة العقول ، و حاشية القوانين في‏أصول الفقه‏ .

(2) الأمين، محسن. سيرته بقلمه.. ص 98، 99، 100، 101، 102. باب مؤلفاته .

(3) يذكر انه، و قد بلغ السادسة و الثمانين من عمره و دق العظم و خارت القوى و توالت الهموم و الأمراض بقي مواظبا على التأليف و التصنيف ليلا و نهارا و عشية و أبكارا سفرا و حضرا ..

تنظر الصفحات ذاتها من المؤلف السابق.

(4) المؤلف السابق: الصفحات نفسها.

(5) حسب تعبير هادي فضل الله في أطروحته محسن الأمين . مناحيه الفكرية و مواقفه الاصلاحية ، أطروحة دكتوراه حلقة ثالثة في‏الفلسفةأشرف عليها الدكتور جيرار جهامي .

جامعة القديس يوسف - بيروت A0G 1981 -ص 150.

(6) الأطروحة نفسها ص 38 .

(7) انظر مثالا على ذلك كلامه على الروايات المتعددة في تسمية (آبل الزيت) في باب أسماء قرى جبل عامل و بلدانه مرتبة على حروف المعجم. حرف الألف. الأمين محسن . خطط جبل عامل ص 191-192 .

14

يتتبع مصدر تسميتها مثلا. و يبلغ ألذ ظروة في ذلك، في كتابيه الموسوعيين المهمين: أعيان الشيعة و خطط جبل عامل فهو، في الخطط ، على سبيل المثال، راصد دقيق و شامل لأدق التفاصيل في عناوين كتابه. فهو يورد، تحت عنوان: الحيوانات في جبل عامل (1) و تحت باب الطيور البرية سبعة و ثلاثين نوعا من هذه الطيور، مع أدق الفروق بينها. (2)

كما يورد تحت عنوان: بعض العوائد الطبية في جبل عامل (3) عادات شعبية متنوعة و دقيقة تنم عن استقصاء و تحقيق نادرين. و إن دقته كمحقق، ليست دقة موسوعية، فحسب، بل هي دقة علمية كذلك. إنه، على سبيل المثال، ينم عن عمق معرفته‏بالنحو، حين يورد هذا التحليل لوجوه إعراب وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ.. في الآية: (اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ) : أقول: يريد أن‏ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ مبتدأ و خبر فيفيد الاختصاص لتعريف الخبر باللام نحو هو البطل الشجاع و اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ صفة الإكرام و هو بمنزلة التعليل له و عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ بدل من‏ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ صفة بعد صفة و عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ خبره . (4)

يبدو أن السيد محسن الأمين يقف في بعض كتبه ( خطط جبل عامل على وجه الخصوص) في موقع يتوسط المؤرخ و المفكر التاريخي و الاجتماعي. فهو كاتب خطط على حد تعبير السيد حسن الأمين في تقديمه لكتاب خطط جبل عامل (5) الذي اختار له اسمه.

إن ما أعوز السيد الأمين ، ليصبح مفكرا في التاريخ و الاجتماع، هو وضع مقدمات أو نظريات تمهيدية أو استنتاجية، لكتابه، كما فعل ابن خلدون مثلا، في مقدمته الشهيرة لتاريخه. (6) فان ما شغل الأمين في كتابه. هو سرد التواريخ و الأحداث و الأسماء و العادات و الأمثال.. إلى آخره. أكثر من تحليلها و قطف الفكرة و القاعدة منها. لذلك، فهو أميل، في مجمل كتبه إلى الجهد التجميعي ، منه إلى الجهد التحليلي و الاستنباطي و تلك سمة غالبة عليه. إن هذا الجهد التجميعي للسيد محسن الأمين ، يظهر بوضوح نموذجي في كتاب معادن الجواهر و نزهة الخواطر المطبوع في ثلاثة أجزاء كبيرة. فهو، في هذا الكتاب، محقق كتب، (7) و مؤرخ‏ (8) و رحالة (9)

و كاتب مقامات‏ (10) و مؤرخ أدب، و باحث في الشعر و أنواعه، و شاعر..

كل ذلك في كتاب واحد، و لعله بذلك، يريد أن يكرس عمليا، فكرته في 14 فضل التأليف و العلم ، حسب مقدمة كتابه المذكور. فنحن، إذن، أمام كتاب، هو مجموعات شتى لا يجمعه وحدة الموضوع، بل وحدة الهدف و هو المنفعة العامة و التثقيف الجماهيري الشامل (11) على حد تعبير السيد حسن الأمين في تقديم الكتاب.

يظهر تعليم السيد الأمين ، هنا في كتاب (معادن الجواهر) و كأنه كاتب (كشكول) ، بالمعنى المتنوع و المتداخل للكتابة. و لعله تاثر بأسلوب بهاء الدين العاملي في هذا النمط من الكتابة، في كتابه المعروف بالكشكول ، حيث الاستطراد و التفريع، و تقليب القول و تنويعه، هي السمات الغالبة على هذا الأسلوب من التأليف. و إن من يقرأ مجمل كتابات السيد الأمين ، يلاحظ سهولة استدراجه في الكثير من المواضع إلى هذا النوع من التوارد و التداعي و التوليف التواليف . حتى كأنه محدث اجتماعي في ديوان تخاض فيه شتى الأحاديث و الفوائد و الطرائف و الأشعار دون رابط بينها أو مركز يجمعها سوى المتعة.. و مع ما يجر هذا التداعي من سهولة القول و مرحه في بعض الأحيان. (12)

إنه في كتاب معادن الجواهر بوجه الخصوص، ليس كاتبا متنوعا في الموضوع فحسب، بل هو متنوع في الأسلوب كذلك، حتى يبدو أحيانا كان الأسلوب الذي يستعمله السيد الأمين ، في موضوع من المواضيع، يصدر آنيا، أو بالضرورة، عن طبيعة هذا الموضوع بالذات، ثم يختلف باختلافه.

فهو، تارة، يستعمل أسلوب ابن المقفع في كتابته (للتاريخ-المثل) (13) ، و هو تارة يستعمل أسلوب الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر ، و ذلك حين يكتب في أشعار العرب و نوادر الشعراء و الكتاب. (14) و هو تارة يذكرنا بالجاحظ و ما تميز به من رصد ساخر و انتقادي، لعادات المجتمع و أقوال مختلف فئاته من معلمين و قضاة و طفيليين و بخلاء و مغفلين.. حتى أن السيد الأمين يستعمل العناوين ذاتها التي سبق للجاحظ استعمالها في هذا الباب. فهو يذكر، على سبيل المثال: نوادر المعلمين و أخبارهم و ما قيل فيهم من الشعر و نوادر القضاة و أخبارهم المستطرفة و نوادر المتنبئين و أخبارهم المستطرفة و نوادر الطفيليين و أخبارهم المستطرفة و نوادر البخلاء و أخبارهم المستطرفة و نوادر الحمقى و المغفلين و نوادر أهل حمص و نوادر جحا ... إلى آخره.

كما يذكرنا أحيانا بأسلوب الحريري في المقامة و السجع و ما يجره ذلك من التكلف و الصنعة (انظر مثلا المفاخرة بين الغنى و الفقر حيث يقول: حدثنا هيان بن بيان عن بعض بني الإنسان عن خبير بما كان في سالف الأزمان.. ) (أو ما جاء في المفاخرة بين السيف و القلم: حدثنا أبو الطماح عن المسافر السياح قال جمعتني الأقدار و أنا أجول في الأمصار و أعاني مشقة الأسفار.. ) .

و يتنقل في الرحلات، بين أسلوب ابن بطوطة و ابن جبير و رصدهما الوصفي و النقدي لعادات و خرافات الشعوب التي احتكا بها أثناء رحلتيهما،

____________

(1) الأمين، محسن . في كتاب خطط جبل عامل ص 125، 126، 127 .

(2) المصدر السابق ص 127.

(3) الأمين، محسن كتاب خطط جبل عامل ص 143 . (ذكر سابقا) .

(4) الأمين، محسن . معادن الجواهر جـ 1 ص 13 . (ذكر سابقا) .

(5) الأمين، محسن . خطط جبل عامل -تنظر المقدمة.. كذلك ص 3 من الكتاب حيث ذكر المؤلف موضوع كتابه و أهدافه.

(6) مع الفارق الموضوعي و الفكري و المذهبي بين الرجلين.

(7) الأمين، محسن . كتاب معادن الجواهر جـ 2 ص 221 .. حيث قام بتحقيق كتاب عنوان المعارف و ذكر الخلائف .

(8) أرخ للخلفاء العباسيين و الدولة الفاطمية و الدولة العثمانية و ملوك إيران و الدولة الصفوية .

ينظر المصدر السابق ص 263، 265، 279، 325.

(9) الأمين، محسن . كتاب معادن الجواهر جـ 2، ص 344، 386 ، حيث يرد ذكر الرحلة الحجازية الأولى و الرحلة الحجازية الثانية.

(10) الأمين، محسن . كتاب معادن الجواهر.. جـ 2. ص 405، 423، 436، 453 ، و ذلك على شكل حواري مسرحي.

(11) الأمين، محسن . معادن الجواهر جـ 1 ص 5 من التقديم.

(12) الأمين، محسن . في كتاب سيرته.. ص 53 .. حيث يذكر جملة ما اتفق له في النجف من النوادر و الحوادث.

(13) الأمين، محسن . معادن الجواهر جـ 2. ص 463 (قصة كسرى و وزيره بهرام ) و ص 490 (قصة بلوهر الحكيم و يوذاسف) .

(14) الأمين، محسن . معادن الجواهر جـ 3 ص 5 .

15

و أسلوب أمين الريحاني الانتقادي التعليمي في رحلاته الحديثة.

لكن السيد الأمين ، حين يكتب في‏الفقه‏أو في‏الأصول‏، فإنه يتبع أسلوبا تعليميا استدلاليا دقيقا هو من صلب التقليد الفقهي في الصياغة.

و ذلك لأنه، في هذا الموضوع، مجتهد و مرجع مقلد. إنه يورد التعريف الدقيق للمسألة، بالكلمات المقتضية، و الدلالة القصيرة المباشرة. فيقدم تحديدا للقضايا.. و يظهر ذلك جليا في رسالته الدر الثمين في أهم ما يجب معرفته على المسلمين التي وضعها لتكون مرجعه الاجتهادي لمقلديه من الشيعة .

و قد وضعها بصيغة السؤال و الجواب. فهو، مثلا، في الكلام على‏أصول الدين‏، يورد السؤال و الجواب التاليين:

س 3: ما هو الدين الذي يجب على الناس أن يدينوا به.

ج: هو الإسلام .

س 4: ما هو الإسلام .

ج: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ص و الالتزام باحكام الشرع .

.. كما يورد في باب الكلام على التوحيد هذا السؤال، و الجواب عليه س 1: ما معنى التوحيد.

ج: هو الاعتراف بوجود الخالق تعالى و أنه واحد ليس له شريك .

نلاحظ إذن، في هذه الأمثلة، الدقة في التعريف، و الاقتصاد في التعبير و هما صفتان أساسيتان في الأسلوب العلمي التعليمي. أسلوب المجتهد المقلد في رسالته.

لكنه في مواقع أخرى من مؤلفاته، لا سيما تلك التي يغلب عليها طابع الجدل و الردود و النقود على حد تعبيره، فإنه يفيض و يستطرد و يدخل في مناقشات طويلة كما نلاحظ في ردوده على الوهابية أو في نقاشه الطويل لآراء موسى جار الله التركستاني في كتابه (نقض الوشيعة) أو في رده على الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار و ما ورد في مجلته بحق الشيعة ، و ذلك في رسالته المسماة الحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة .

قد يكون سبب هذه المجادلات الطويلة ( سنة - شيعة ) التي أوردها السيد الأمين في أكثر من موضع، و موقفه الصلب العنيف في النقاش، عائدا أصلا إلى أسلوب التجني الاستفزازي الذي سبق و استعمله من حاورهم السيد الأمين في الرأي، حين أوردوا أفكارهم حول بعض معتقدات الشيعة ، لا سيما حين صدر هذه الأفكار، لا عن جهل بالمذهب الشيعي ، بل عن تجاهل له و غرض فيه، مصدره العصبية العمياء و غرضه طمس الحقيقة.

و قد ذكر السيد الأمين جزءا كبيرا من ذلك، في أسباب تأليف أعيان الشيعة و ذلك ليعرف الناظر في كتابنا هذا حقيقة ما هم عليه (أي الشيعة ) فان التحامل كاد أن يطمس كثيرا من حقائق أحوالهم .. ثم يفند آراء كثير من الكتاب، قدماء و محدثين، لم ينصفوا الشيعة في كتابتهم. فابن حزم ، مثلا، في كتابه الفصل مع ما أظهره من بذاءة اللسان و سوء القول و التحامل العظيم على أهل البيت و شيعتهم.. خلط مقالة الإمامية بمقالة الغالية و المجسمة و تبعه على ذلك الشهرستاني في الملل و النحل . كما فند آراء صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي الأمريكي لوثروب تودارد 15 الذي علق عليه شكيب أرسلان . و فند كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام و افتراءاته بحق الشيعة ، و ذلك بعد أن كثرت الافتراءات على الشيعة ، و رميهم بسوء القول، و نسبتهم إلى الكذب و الابتداع، بل أعظم من ذلك.

و إذا ذكرهم مؤلف من غيرهم، فقلما يذكرهم إلا بأوصاف الذم و الألقاب المستكرهة مع الإطلاق و التعميم .

ياتي دفاع السيد الأمين عن الشيعة ، و كأنه محاولة منه لادخال التشيع في الإسلام ، بعد أن حاول غيره إخراجه منه، بسبب التعصب و التقليد أو ما يسميه هو بالسياسة ، فالتشيع ، حسب رأيه، فرع على الإسلام . و الفرع لا يزيد عن أصله، و لا يتقدم عليه . و ما كان السيد الأمين ، بحاجة إلى ذكر هذا الكلام، لو لم يكن هناك من يحاول إخراج التشيع من الإسلام أصلا إلا أنه، في سبيل ذلك، يستعمل أحيانا ألفاظ من يناقشهم الرأي، و تستدرجه حماسته إلى نعتهم بالجهل و التمويه لكن القسوة في نعت من اتهمهم السيد الأمين بالافتراء على الشيعة ، لا تستدرجه في الواقع، إلى افتراء أو اختلاق مماثل لاختلافهم، فهو موضوعي في تعامله النقدي مع كافة الآراء التي يناقشها.

ثانيا: إصلاح الطقس الكربلائي‏

إن، هي من الوقائع النادرة، في التاريخ الإسلامي، التي تسللت إلى الوجدان الشعبي، تسللا دؤوبا و مؤثرا، و حفرت مجراها الدموي العميق، في هذا الوجدان، إلى الدرجة التي يمكن فيها اعتبار هذه المواقعة المأساوية، من أهم مكونات الضمير الجمعي الشيعي في‏التاريخ‏.

إن بامكاننا أن نلمح روح كربلاء كامنة في الجانب المخفي من أية حركة شيعية شعبية. كما أنها تكمن في الجانب المخفي من مزاج الكثيرين من مؤرخي الشيعة و كتابهم و شعرائهم و ثوارهم و عامة الناس منهم.. و يبدو هذا المزاج و كأنه حصيلة أمرين معا: حزن عميق و قهر عميق. فالحزن غائر إلى أعماق كربلاء ، و القهر مركز و مستمر و موصول بالحسين ، مما يمكن أن يؤدي إلى أشكال من الرفض الدموي أو إلى التفجع العنيف الدمو، أو إلى أشكال أخرى من الانسحاب و الكمون و التقية.. مما نلاحظه في السلوك التاريخي للشيعة حسب العصور المختلفة.

نحن إذن أمام عقيدة مضطهدة تكون جنينها الأول بمذبحة، و شكلت على امتداد التاريخ الإسلامي العام، خطا متعرجا للرفض أو الثورة أو العصيان أو الاحتجاج أو التفجع أو التستر.. إلى آخره. فقد أجمع المؤرخون على أن مصيبة الحسين و كيفية شهادته من أعظم ما صدر في الكون (1) في ثلاثة أجزاء جـ 1. ص 6. لذلك فان جاذبية المأساة الجارفة، اكتسحت الطبقات العميقة لمخيلة الشعبية الشيعية عبر التاريخ، و ساهمت في تحويل وقائع‏التاريخية، التي حدثت في الأيام العشرة الأولى من A0G محرم عام 60 للهجرة .. من حدث تاريخي معين، إلى فولكلور دموي أسطوري للفجيعة، يتنامى يوما عن يوم، و يرسخ حضوره الدموي في المخيلة الشعبية.

____________

(1) الأمين، محسن . المجالس السنية في مناقب و مصائب العترة النبوية . دار التعارف للمطبوعات - بيروت A0G 1398 هـ - A0G 1978 م .

16

و الواقع أن للظاهرة الكربلائية، كظاهرة دينية تاريخية، صيرورة و أدوارا مرت فيها كما كان لها مسارب للدخول إلى الوجدان الشعبي . (1)

و قد ذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، في كتابه القيم ثورة الحسين ع في الواقع التاريخي و الوجدان الشعبي ثلاثة مسارب دخلت منها الثورة إلى هذا الوجدان: الأول مسرب عقيدي، معتبرا بذلك أن:

جوهر الصراع يرجع إلى العقيدة ذاتها و إلى الأمانة في تطبيق الشريعة الإسلامية بإخلاص في الحياة اليومية . (2)

-أما الجانب الثاني فدعوة أهل البيت و تشجيعهم على ذلك.

-و الجانب الثالث نابع من الولاء و طبيعة المأساة.

كما لاحظ الأدوار التاريخية و الأدوار التعبيرية للمأتم الحسيني، معتبرا أن أدواره التاريخية ثلاثة:

الدور الأول: من مرحلة ما بعد الثورة إلى سقوط بغداد أو قبله بقليل.

الدور الثاني: من سقوط بغداد و طيلة العصور المظلمة إلى العصر الحديث.

الدور الثالث: من بدايات العصر الحديث إلى الآن...

و أن أدواره التعبيرية (من خلال الشعر الكربلائي) بدأت بعرض المأساة و استذكارها ثم بنقد السلطة و التحريض عليها، ثم بالوعظ و الانسحاب (في عصور الانحطاط و A0G العصر العثماني ) .. و ينهي هذه الأدوار التعبيرية بالدور الحضاري-الثوري في العصر الحديث. و يأخذ بيت الشعر المأثور التالي:

أ ترجوا الخير من دنيا أهانت # حسين السبط و استبقت يزيدا

كشاهد على الوعظ السلبي الخاطئ الذي يدعو إلى الانصراف عن العمل الحياتي و يرفض العالم .

لكن ما لا يتطرق إليه الشيخ شمس الدين ، في كتابه، هو رصد المأتم الحسيني في تحوله إلى ظاهرة مشهدية تمثيلية شعبية، مع ما يرافقها من طقوس تنكيلية، على الصعيد النفسي و على الصعيد الجسدي، في عمليات ضرب الرءوس و الجباه بالسيوف و ضرب الأجساد بالسلاسل حتى تدمى.. هذه المظاهر التي تصدى لها السيد محسن الأمين في رسالته التنزيه و تناولها بالبحث و التفنيد.

بالإمكان تسمية هذا الشكل من تحول المأتم الحسيني، بالفلكلور العاشورائي ، و نعني بذلك، تحول الذكرى الحسينية أو المأتم الحسيني في جانب من جوانبه، إلى مجموعة طقوس و حركات و أناشيد و تمثيليات و مسيرات شعبية تتسم بطابعين: طابع احتفالي شعبي واسع، و طابع تنكيلي دموي عنيف.

فمن طرافته، على سبيل المثال، أن من يمثل دور الحسين ع مثلا، في التمثيلية التي تقام في النبطية -و هي المركز الرئيسي لمشهدية كربلاء -في العشر المحرم من كل عام.. يشاع عنه، شعبيا، أنه سكير 16 مزمن. و إن ذلك يذكرنا بما رواه السيد محسن الأمين ، في رسالة التنزيه في معرض رده على مؤلف رسالة سيماء الصلحاء أنه سنة 1340 هـ ، جرى تمثيل الواقعة في البصرة ، فجي‏ء بامرأة من مومسات البصرة ، و وضعت في الهودج حاسرة، و شبهت بزينب بنت أمير المؤمنين ع على مرأى من ألوف المتفرجين كما تبدو الاثارة في تلك الإضافات التي ابتكرتها المخيلة الشعبية، و أضافتها على العناصر الاحتفالية بالماتم الكربلائي، حتى غدا كرنفالا للحزن، إذا صح التعبير.

و بإمكان كل مشاهد عيان، أن يلاحظ ذلك في أيام عاشوراء المقامة في النبطية ، من كل عام. و نقتطف هنا، على سبيل المثال، هذا المقطع الوصفي المعبر، من وصف شاهد عيان لاحتفالات A0G عام 1980 م - A0G 1400 هـ ، كتبه تحت عنوان: مشاهداتي خلال السنة المنصرمة A0G 1980 م - A0G 1400 هـ (3) حيث يقول:

... انطلاقا من عصر اليوم الخامس، أخذت احتفالات اللطم شكلا جديدا. مجموعة من المشاركين في الموكب حملت شكل جنازة، يتقدمها، عدا اللافتات السوداء حصان أبيض مغطى بقماش مصبوغ بالدم تعلوه عمامة خضراء. و في اليومين السادس و السابع شاهدنا مظهرا واحدا. موكب جنائزي يتقدمه حصانان مجللان بثياب حمراء يسبقه جمهور واسع من المشاركين. بعضهم يلطم، و البعض الآخر يكتفي بمواكبة المسيرة. أما عصر اليوم الثامن فبدا لنا الحشد كبيرا. و اشتمل على موكب جنائزي يتقدمه حصانان و تابوت خشبي مغطى بقماش أسود، و تحمله مجموعة من الأفراد... إنه يمثل جنازة القاسم بن الحسي الحسن بن علي . في اليوم التاسع، و منذ منتصف النهار، خرجت النبطية عن بكرة أبيها للمشاركة و المشاهدة، موكبا من ألوف الرجال و النساء و الأطفال، عشرات الفتيات عصبن رؤوسهن، بالقماش الأسود، و لبسن أثواب الحداد، و حملن في أيديهن المناديل. خمسة أحصنة تعلوها العمائم الخضراء، مجموعة من المشاركين يحملون السيوف و يلوحون بها، على رؤوسهم استعدادا لاحتفالات اليوم العاشر. هذا الموكب الضخم تجمع و انطلق من ساحة البيدر قاصدا النبطية الفوقا و هي قرية لا تبعد أكثر من ميلين من نقطة الانطلاق. و هناك، على مشارفها، التقى الموكب بعدد كبير من المستقبلين، ثم ساروا جميعهم حتى داخل حسينية البلدة، و في قلبها غرقوا في لطم و ندب عنيفين، ثم عاد الوافدون بعد مضي ساعتين من حيث أتوا. في المساء، عاد موكب الأيام السابقة من جديد. الحشد البشري و الحصانان و حاملو الرايات و فرق اللطم و الندب...

و في اليوم العاشر، آخر أيام عاشوراء، و منذ السادسة صباحا، غصت حسينية النبطية بالوافدين.. شرفات المنازل و سطوحها، أعمدة الكهرباء و الهاتف و التلغراف، كلها تغرق في خضم بشري هائل.. و مع الإعلان عن استشهاد شبيه الحسين ، كان عدد هائل من الرجال و الأطفال قد شقوا رؤوسهم بالموسى و السيوف و انطلقوا من باحة النادي الحسيني، في مواكب منتظمة، و هم يلطمون رؤوسهم و الدم يجري بغزارة، و سيارات الاسعاف المرافقة تنقل من يغشى عليه إلى الحسينية فيعالج على الفور ..

____________

(1) شمس الدين، محمد مهدي .. ثورة الحسين .. ص 29 و ما يليها (ذكر سابقا) .

(2) المصدر نفسه ص 36، 37.

(3) نور الدين، حسن . في أطروحة عاشوراء في الشعر العاملي المعاصر .

17

إن هذه المظاهر الاحتفالية التي تقام في النبطية ، لها ما يشبهها، في احتفالات إيران و العراق ، حيث تقام، إلى جانب المجالس العامة و الحفلات التابينية، مسيرات الحداد، و مواكب اللطم على الصدور، و هي عبارة عن:

مجموعات شعبية يخرجون إلى الشوارع و الأسواق، مكشوفي الصدور، أمامهم الأعلام، يرددون أبياتا من الشعر العامي و يلطمون صدورهم لطما شديدا على نسق الوزن و الروي الخاص بذلك الشعر، و حسب نغمات الطبل و الصنج و المزمار المنبعثة من الفرقة الخاصة السائرة في طليعة الموكب .. (1)

كذلك تظهر مواكب السلاسل أو الزنجيل و هم يرتدون ثيابا سوداء منحسرة عن الظهر حتى الكتفين، يحملون بأيديهم مجموعات السلاسل الحديدية يتراوح طول السلسلة بين السبعة و العشرة (أنجات) و جميعها تتصل بحلقة حديد مثبتة في مقبض خشبي يرفعونها بكلتا اليدين، و يهوون بها على ظهورهم أو أكتافهم، و ذلك على وقع نغمات خاصة تصدر عن ضرب الطبول و الصنج أمام الموكب و يرددون أبياتا من الشعر في رثاء الحسين ع على إيقاع تلك النغمات . (2)

كما تظهر مواكب السيوف‏ (3) و مسيرات الشموع‏ (4) و مواكب التنبيه‏ (5)

أثناء القيام بتلك الاحتفالات.

أمام هذا الكرنفال الدموي الشعبي، المتشابة في كثير من الأقطار الشيعية يبدو كل تفسير محدود يستند على الدافع الاقتصادي مثلا أو التحريك السياسي المحلي أو الدافع الترفي.. تفسيرا مجتزءا و هزيلا. إن جميع هذه الاجتهادات، تدور حول هذه الظاهرة، أو تتم بمناسبتها، و لا تفسرها.

إن الدافع الحقيقي هو في الواقع دافع عقيدي، حرضته مذبحة تاريخية، و أججه اضطهاد مركز و مستمر، مما خلف في طبقات الوعي المطمورة للوجدان الجمعي الشيعي، رغبات غامضة و دفينة و متناقضة في استحضار الماضي، و التكفير عن التقصير (تقصير الأجداد) بتعذيب الذات (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.. ) -و الاحتجاج بالتظاهر و الحشد.. كما بالإمكان ملاحظة إحباطات مزمنة و متمادية، تنفجر في هذا الشكل من السلوك الجمعي.

رسالة التنزيه في أعمال الشبيه

نتساءل: كيف تعامل السيد محسن الأمين مع هذه الظاهرة، كيف نظر إليها، و ما هو التفسير الذي قدمه لفصولها، و هل كان فقيها اعتياديا في حكمه عليها أم كان عالما اجتماعيا و محللا نفسيا سبر أغوار الجماعة البشرية، و أدرك خفايا سلوكها في التعبير عن صبواتها المكبوتة، و رغباتها في التبرير أو الانتقام في هذا العمل من إسقاط الماضي على الحاضر؟ ثم نسأل: كيف واجه الرجل هذا التيار الجارف من السلوك الجمعي للعامة و هل كان يكفي اعتبارهم من العوام أو القشريين أو الطغام على حد تعبيره، لتفسير الظاهرة، و التصدي للنواحي المرضية فيها؟ لقد فعل السيد الأمين ذلك، من خلال عمل إصلاحي كبير، أخذ منه الجهد و جشمه المشقة في التأليف و الجدال و الرد و المواجهة.. من خلال رسالته المعروفة بـ رسالة التنزيه في أعمال الشبيه . 17 و الواقع أن الرجوع إلى التسلسل الزمني لكيفية تعامل السيد الأمين مع الذكرى الحسينية أو المأتم الحسيني ، يظهر لنا أن الرجل قد وقف موقفا نقديا مبكرا من النصوص التي تلقى في المجالس الحسينية، و من خطباء هذه المجالس و من أعمال اللطم و التفجع و التطبير و شق الرءوس التي كانت تصاحب هذا المأتم.

فهو، منذ صغره، و قد تحدر من عائلة دينية حسينية عاملية تقيم المأتم و تحافظ على شعائره، لاحظ شيئا من الخرافة تشوب تلاوة النص الحسيني، و يذكر أنه: كان يقرأ في جبل عامل ، في عشر المحرم، ليلا، فقط في كتاب يسمى المجالس ، مخطوط من تأليف بعض أهل البحرين ، فيه عشرة مجالس مطولة جدا، يجتمع منها كتاب ضخم، و السعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب، و يملكه و في أوله هكذا. ثم يبتدئ في ذكر حديث مكذوب أشبه بالقصص المخترعة في هذا الزمان، أو صحيح، لكن زيد عليه أضعافه من الأكاذيب، في أثنائه و في آخره. و هذا الكتاب قد رأيته و أنا صغير السن، و علق بذهني منه حديث عن فاطمة بنت الحسين ع أنها رأت طيورا بيضاء تمرغت بدم الحسين ع و جاءت حتى لوقفت على حائط دارها في المدينة (6) ثم يردف، عن هذه القصص، أنها أشبه بالقصص التي تتلى في المقاهي في هذا العصر . (7)

إن مثل هذه القصص، ينكره السيد ، كما ينكر خرافات أخرى تماثلها، في التلاوة، يلحقها بـ الأخبار المكذوبة و الأغلاط الشائنة (8) على حد تعبيره، فقد: ذكر مرة رجل‏فقال كان اسم الجمل عسكر بن مرديه . فقلت في نفسي الجمل كثيرا ما يعرف باسم، أما أن يقال ابن فلان أو ابن فلانة، فلم يسمع به... فسألته. قال هذا موجود في البحار . فإذا فيه: و كان اسم الجمل عسكرا . ثم ابتدأ بكلام جديد فقال: ابن مردويه .. . (9)

و يبدو السيد الأمين ، إلى جانب ملاحظته، متأثرا باستاذ يكن له الكثير من الاحترام، تلقى عليه الدراسة في مدرسة بنت جبيل ، هو الشيخ موسى شرارة . (10) لذلك، فقد وضع نصب عينه، تأليف مجالس حسينية خالية من الأخبار المكذوبة، فألف لواعج الأشجان و المجالس السنية لهذه الغاية (11)

دليلا للخطباء و مستندا للذاكرين يعتمدون عليه في تنقية ما يلقون و يذكرون من سيرة الحسين ع . (12)

كما وضع هذا الأمر بالذات، في جملة منهجه للإصلاح، حين ورد دمشق في أواخر شعبان 1319 هـ ، حسب قوله في كتابة سيرته. (13)

____________

(1) الكاشي-عبد الوهاب . حلقة دراسية حول عاشوراء ص 15 (مذكور سابقا) .

(2) الكاشي-عبد الوهاب . حلقة دراسية حول عاشوراء ص 15 (مذكور سابقا) .

(3) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها.

(4) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها.

(5) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها.

(6) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 26 . (ذكر سابقا) .

(7) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 26 . (ذكر سابقا) .

(8) المصدر نفسه ص 75.

(9) المصدر نفسه ص 75.

(10) المصدر نفسه ص 23.

(11) الأمين، محسن في كتاب .. سيرته بقلمه.. ص 27 .

(12) الأمين، محسن .. المجالس السنية جـ 1 ص 3 من المقدمة بقلم حسن الأمين . (ذكر سابقا) .

(13) إنه يقول: ... وردنا دمشق .. فوجدنا أمامنا أمورا هي علة العلل، و لا بد في إصلاح المجتمع من انظر في إصلاحها.. أما الأمر الثالث، و هو إصلاح إقامة العزاء لسيد الشهداء ع ، انظر الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 72، 73، 74، 75 ..

18

و قد كانت تقام مظاهر عاشوراء، في دمشق ، في السيدة زينب ، حين ورد السيد الأمين إليها، بكثير من الاحتفالية التي تقام بها في النبطية من جبل عامل و في إيران و العراق ، فقرر منع إقامتها بهذا الشكل، مبتدئا بمقاطعتها و قاطعها معه وجهاء الطائفة و نخبتها في الشام ثم انتهى الأمر بمنعها في السيدة زينب بتاتا.

و قد توج الرجل عمله الاصلاحي ذاك، بتأليفه لـ رسالة التنزيه في أعمال الشبيه .

إن السيد الأمين يكشف بنفسه، السبب الاجتماعي-الاصلاحي لتاليف هذه الرسالة، في كتابه خطط جبل عامل ، حيث يذكر تحت باب عادات عاملية ما يقوم به العامليون من قراءات و أعمال لاقامة عزاء الحسين ع في الليالي العشر الحرم. و إن الأساس التمثيلي‏قد جاء على يد بعض الايرانيين المقيمين في النبطية ، حيث أرادوا عمل ما يسمونه الشبيه المشتمل على بعض الأعمال التي لا توافق الشرع مما اعتاده بعض عوامهم . (1)

و قد اتسع هذا العمل بعد ذلك، و ساعد له عليه بعض من ينالهم منه نفع دنيوي.. و جعل بعض الناس يسميه المواكب الحسينية كما تسمى بعض الأعمال المعروفة بحلقات الذكر، و لأجله ألفنا رسالة التنزيه لأعمال الشبيه . (2)

كما يذكر في مكان آخر أيضا أن بعض قناصلة إيران أحدث هذه الشعائر و المواكب الحسينية في المشهد المنسوب إلى السيدة زينب بقرب دمشق . (3)

مما لا شك فيه، أن الدافع الذي دفع السيد الأمين إلى تأليف رسالة التنزيه هو دافع (فقهي-عقيدي) سعى من خلاله إلى إصلاح ديني اجتماعي.

فقد تعامل الرجل مع، على أنها عمل ديني لذلك عالجها باجتهاد الحلال و الحرام، أو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فهو يعتبر أن عمله هو من أبواب النهي عن المنكر، على حد تعبيره في بداية الرسالة، حيث يقول: .. و بعد فان الله سبحانه و تعالى أوجب إنكار المنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان و من أعظم المنكرات اتخاذ البدعة سنة و السنة بدعة . (4)

و قد كان خصومه قد انطلقوا في حوارهم معه من هذا المنطلق الفقهي ذاته، باعتبار هذا العمل يدخل في دائرة الحلال و الحرام. فقد جاء في الرسالة ذاتها، على لسان الذي يناقشه السيد آراءه‏ (5) عن ضرب الرءوس و بضعها بآلة جارحة:

و هذا أيضا مسنون شرعا إذ هو ضرب من الحجامة و الحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية مباحة بالأصل و الراجح منها مستحب و الرجوع المرجوح 18 مكروه و المضر محرم و الحافظ للصحة واجب.. . (6)

كما أن عنوان الرسالة بحد ذاته، يدل على الدائرةالفقهيةللموضوع، إذ، ورد في العنوان: التنزيه .. تتضمن الكلام على ما يدخل في إقامة العزاء للإمام الحسين الشهيد ع من المحرمات و التحذير منها لذلك فهو يعتبر معركته معركة دينية ، و يسميها بعض أنصاره ثورة (7) و يعتبر أن هذه المعركة موجهة ضد البدع و المنكرات التي رأى إبليس و أعوانه إدخالها على شعائر الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي ع . (8)

فما هي هذه المنكرات، أو المحرمات التي يرتكبها العوام في عاشوراء- بتسويلات من إبليس أو الشيطان ، على حد تعبيره، و قام هو بعمله الاصلاحي للتصدي لها..

منها، حسب رأيه:

1-الكذب.

2-و منها إيذاء النفس و إدخال الضرر عليها بضرب الرءوس و جرحها بالمدى و السيوف حتى يسيل دمها كثيرا.. و ضرب الظهور بسلاسل الحديد و غير ذلك.

3-و منها استعمال آلات اللهو كالطبل و الزمر الدمام و الصنج النحاسية و غير ذلك.

4-و منها تشبه الرجال بالنساء في وقت التمثيل.

5-و منها اركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه.

6-و منها صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب.

7-و منها الصياح و الزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة.

8-و منها كل ما يوجب الهتك و الشنعة . (9)

إن سبب حرمة هذه الأمور، برأيه، هو نص الشرع و حكم العقل . (10)

أما الأمر الأول، و هو تنقية المجالس الحسينية من الكذب، فقد تصدى له بمجهود تاليفي تعليمي في كتابيه المعروفين: المجالس السنية في مناقب و مصائب العترة النبوية -باجزائه الثلاثة، و لواعج الأشجان في مقتل الامام أبي عبد الله الحسين .. و يليه كتاب أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار ..

و قد تعهد السيد الأمين ، في هذا المجال النص الحسيني و الخطيب الحسيني في مجالس التعزية، فاما من جهة النص، فقد اختار للمجالس السنية، الأخبار الصحيحة الموثوقة، و أسقط منها ما كان قد شاب هذه المجالس من أخبار المجالس مدسوسة مكذوبة، و تهاويل و مبالغات ينفر منها الذوق و ينكرها الدين، و تدخل في باب الاختلاق. أما من جهة الخطباء فقد اختط للإصلاح خطة عملية صحيحة، ففرض على الخطباء

____________

(1) الأمين، محسن . كتاب خطط جبل عامل -ذكر آنفا-ص 119.

(2) الأمين، محسن . كتاب خطط جبل عامل -ذكر آنفا-ص 119.

(3) الأمين، محسن : سيرته بقلمه.. ص 76-77 ..

(4) الأمين، محسن . رسالة التنزيه ص 7 . (ذكر سابقا) .

(5) صاحب رسالة (سيماء الصلحاء ) .

(6) الأمين، محسن . رسالة التنزيه. ص 20 .

(7) الأمين، محسن سيرته بقلمه و أقلام آخرين ص 119، 120، 121، 122، 123 .

(8) الأمين، محسن ، رسالة التنزيه ص 7 و يسميها تارة أخرى تسويلات الشيطان .

(9) المصدر نفسه ص 8.

(10) الأمين، محسن. سيرته بقلمه... ص 76-77 .

19

رقابة عسيرة تولاها بنفسه منعتهم من أن يسترسلوا في التهويل و التهويش.

و كان إذا سمع من أحدهم و هو على المنبر كلمة لا ترضيه لا يتوانى عن أن ينبهه في الحال، و أن يقطع عليه خطابه ليصححها في أذهان الجمهور المستمع ثم يأمر الخطيب بمعاودة الكلام... و حسبك أنه اختار فيهم من يحسن لغة أجنبية ليكون أكثر وعيا و أبعد إدراكا... (1)

إنه، بهذا العمل المزدوج، في إصلاح النص و الخطيب معا، قد قام بعمل تعليمي متكامل كان من نتيجته تهيئة جيل من القارئين الجدد، لمجالس التعزية الحسينية، أما سائر أمور الإصلاح العاشورائي، التي ذكرها في رسالة التنزيه فقد خاض في سبيلها معارك حقيقية، مع قطاع واسع من رجال الدين و السياسة و مع العامة من الشعب. و إننا نجد في رسالة التنزيه ، نقاشا فقهيالخصومه من رجال الدين، كما نجد عرضا وافيا لتفاصيل معركته في كتاب السيد محسن الأمين . سيرته بقلمه و أقلام آخرين و في مقال الأستاذ إبراهيم فران الذي كتبه بعنوان رأيان مختلفان في كيفية إقامة عاشوراء و نشر مع سلسلة أحاديث أخرى في كتاب حلقة دراسية حول عاشوراء . (2)

جاءت رسالة التنزيه في أعمال الشبيه بمثابة رد على مجهول و التسمية في الأصل، تشير إلى المعنى التمثيلي‏الذي ينكره السيد الأمين .

فكلمة الشبيه تعني شبيه الحسين الذي تنتهي التمثيلية بمقتله. أما المجهول ، حسب ما ورد في الرسالة، فهو في واقع الحال و الأمر، معلوم و معروف. إنه صاحب رسالة (سيماء الصلحاء) الذي يبدو أن السيد الأمين عامله بالمثل في مجال إنكار الاسم، و الرمز إلى هويته، بالتكنية. و هذا التجاهل المتبادل بين الرجلين، يمكن أن يعود، إلى رغبة نفسية لدى كل منهما في إلغاء خصمه.. فيلجأ إلى طمس اسمه و شخصيته.

و لا يكتفي السيد الأمين بطمس اسم خصمه، و هويته، بل إنه يطمس كذلك الأثر الذي يرد عليه، و ذلك بتسميته أوراقا مطبوعة . (3) ثم يهزأ من تسمية صاحبها بالمصلح الكبير، قائلا: أ فهذا هو الإصلاح . (4)

أما فذلكة الأحداث السابقة لكتابة هذه الرسالة، فقد أوردها بالتفصيل، إبراهيم فران في مقاله المشار إليه آنفا (5) و فحواها أنه قبل صدور رسالة التنزيه بسنة، أي سنة 1246 هـ 1928 م ، زار السيد محسن الأمين مراسل جريدة بيروتية تدعى العهد الجديد فسأله رأيه في اللطم على الصدور و الضرب على الرءوس، فأجابه بالتحريم، مما اثار شيخا، فاصدر، ردا على هذا التصريح، رسالة دعاها سيماء الصلحاء طبعت في مطبعة العرفان صيدا سنة 1345 هجرية 1927 م تقع في 82 صفحة من القطع الوسط. و هي حسب ما يقوله الشيخ في مطلعها الفائدة الثانية و السبعون من كتابنا جامع الفوائد المندرجة منه تحت عنوان سيماء الصلحاء إقامة عزاء سيد الشهداء ع . مست الحاجة إلى فصلها و طبعت على حدة 19 (و هي) أن ناشئة عصرية ولدها الدهر بعد حبال أو قاءها بعد جشا، تنتحل دين الإسلام ، و ما هي منه بفتيل أو نقير، و لا بعير أو نفير و إن تقشفت بلبسته و أدهنت بصفته.. .

ثم يستطرد الشيخ و يسترسل في كلام قاس يلمح به إلى السيد الأمين دون أن يسميه، و يهاجم الوهابية دون أن يسميها كذلك، مشيرا إلى أنها هددت المشاهد المقدسة بالبقيع في المدينة ، على غرار الذين تالبوا اليوم لابطال إقامة العزاء للنبي و آله و عترته، قارنا هؤلاء بأولئك، بقوله: و لا ريب أن هذه العصا من تلك العصية .

تبرز، في رد السيد الأمين سمات مهمة تشكل بعض ملامح أسلوبه الجدلي. فهو يسوق كلام صاحب الأوراق المطبوعة -بحرفيتها و ذكر رقم صفحاتها، ثم يرد عليها، محللا و مفندا و معلقا.

و لا يخرج الرجلان، في نقاشهما الحاد، عن محور فقهي أساسي، يعتبر المسألة الكربلائية المختلف عليها مسألة دينية لا تخرج عن أحكام الحلال-و الحرام.

لذلك فان كلا الرجلين يدعم رأيه بحجة النص و العقل أو النقل و العقل معا. و إن الأنموذج التالي‏ (6) يبرز أسلوب كل من الرجلين في إدارة الجدل و استعمال الحجة. ففي باب الدفاع عن البكاء على الحسين ، يورد صاحب (سيماء الصلحاء) ، النص التالي: أ يقرح الرضا جفون عينيه من البكاء، و العين أعظم جارحة نفيسة، و لا نتاسى به فنقرح على الأقل صدورنا و نجرح بعض رؤوسنا. أ تبكي السماء و الأرض تلك بالحمرة و اتي بالدم العبيط و لا يبكي الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضائه و جوارحه.. .

و يرد السيد الأمين على الحجج السابقة بقوله: و أما استشهاده بتقريح الرضا ع جفون عينيه من البكاء، فان صح فلا بد أن يكون حصل ذلك قهرا و اضطرارا لا قصدا و اختيارا.. و إلا لحرم. و من يعلم أو يظن أن البكاء يقرح عينيه فلا يجوز له البكاء إن قدر على تركه لوجوب دفع الضرر بالإجماع و حكم العقل . (7)

لذلك، يكثر في كلام الرجلين، استعمال المصطلحات‏الفقهيةكـ:

مندوب و محرم و واجب و مضر و رفع الضرر و الواجب عقلا.. و نقلا..

و فريضة و نافلة و مستحب، و مكروه و ما أشبه ذلك.

و لا يفوت السيد الأمين أن يورد، في معرض نقاشه‏الفقهي‏، جملا مختصرة تنم عن رأيه بمصداقية خصمه الأدبية و العلمية في آن. لا سيما في رده على مبالغات الشيخ صاحب (سيماء الصلحاء) في استعمال الأسجاع، و تقليب المعنى الواحد بادوار منوعة في القول، فياتي تعليق السيد بمثابة الضرب على الوتر الحساس.

من باب التهويل بالأسجاع قول الشيخ مثلا.. : (8) من فجائع الدهور و فظائع الأمور و قاصمات الظهور و موغرات الصدور ما نقلته بعض

____________

(1) الأمين، محسن. سيرته بقلمه... ص 76 .

(2) المصدر نفسه ص 20.

(3) الأمين، محسن رسالة التنزيه ص 9 . (ذكر سابقا) .

(4) المصدر نفسه ص 10.

(5) .. و ذلك ما ذكره لي السيد حسن الأمين شخصيا في مقابلتي له بتاريخ A0G 30-11 1981 .

(6) الأمين، محسن التنزيه ص 26-27 .

(7) المصدر نفسه ص 28.

(8) المصدر نفسه ص 13.

20

جرائد بيروت في هذا العام.. و يعلق السيد الأمين على هذا الكلام بقوله:

هذا التهويل و تكثير الأسجاع لا يفيد شيئا كما يكتب بعد إيراد جمل طويلة و حجج مسجوعة و مردودة: كلام شعري.. (1) للدلالة على افتقارها للمنطق الجدلي و اعتمادها على البلاغة اللفظية.

كان لرسالة التنزيه صدى واسع على أكثر من صعيد، و يذكر السيد الأمين في كتابته لسيرته‏ (2) طرفا من أثر هذه الرسالة في نفوس بعض الناس، حيث يقول: قام لها (أي الرسالة) بعض الناس و قعدوا، و أبرقوا و أرعدوا و جاشوا و أزبدوا و هيجوا طغام العوام و القشريين ممن ينسب للدين فذهب زبدهم جفاء و مكث ما ينفع الناس في الأرض و الواقع أن الرسالة حركت في المجتمع الذي قذفت فيه، دوائر عديدة، و انقسامات في المستوي الشعبي و الديني و السياسي، كما تركت بصمات في التعبير الأدبي و الشعري.

إن أبرز ما في محاولة السيد الأمين الاصلاحية، هو مجابهته للعامة في نقطة أساسية من معتقدها الديني المتحول إلى سلوك طقسي عاطفي، يحل محل العقل و التاريخ، معا، مجموعة من السير و العادات، يختلط فيها، كما سبق و ذكرنا، إسقاط الماضي على الحاضر برغبات دفينة و غامضة في التكفير و الاحتجاج.. و ذلك بواسطة الحشد و تعذيب الذات.

لذلك فان التصدي لمثل هذه الظاهرة، لم يكن يعوزه عنصر المغامرة (3)

على حد قول حسين مروة .

إن أول ردة فعل شعبية على دعوة التنزيه كانت مزيدا من التمسك بالشعائر الحسينية، في وجهها التمثيلي و التنكيلي على وجه الخصوص. فقد قابلت النجف و سائر المدن الأخرى.. دعوة السيد محسن برد فعل قوي شديد ظهر أثره في أول شهر محرم، جاء بعد الفتوى. فقد ازداد عدد الضاربين بالسيوف و السلاسل و ازداد استعمال الطبول و الصنوج و الأبواق و كثرت الأهازيج و الأناشيد التي تتضمن النقمة و التحدي لتلك الحركة الاصلاحية . (4)

و إذا كان الجمهور العام قد وقف هذا الموقف الرافض من فتوى اجتهادية لا تملك من وسائل فرضها عليه سوى قوة منطقها الداخلي.. فان هذا الجمهور قد تصدى لمن يملك أكثر من المنطق الداخلي في إيقاف المراسم الحسينية.. تصدى لبعض الحكومات في إيران و العراق ، حين حاولت منع قيام تلك المراسم أو قمعها على الأقل (5) و وصلت المعارضة الشديدة من جانب الجمهور في بعض الأحيان إلى حد الاصطدام المسلح مع قوى الأمن و سقوط الجرحى . (6)

و الواقع أن المعارضة الشعبية لدعوة السيد محسن الأمين ، قد بلغت حدا من الهياج دفع بعض مناصريه إلى الكتابة إليه يرجونه لسحب الرسالة من المكتبات و إخفائها عن العيون (7) خوفا على شخصه من التعرض للأذى. 20 كما شاع على ألسنة الناس بيت من الشعر. و قد حفظناه و نحن صغار السن، من ألسنة العامة، و ما زال بذاكرتنا حتى اليوم دون أن نعرف قائله أو كلماته بالضبط.

فالتطرف الشعبي وصل إلى حد إخراج السيد الأمين من الدين‏ (8) و إلى التعرض لمؤازريه بالضرب و التهديد فكثر الاعتداء على الأشخاص، و أهين عدد كبير من الناس و ضرب البعض منهم ضربا مبرحا .. (9) كما يروي السيد جعفر الخليلي ، و هو من مؤازري السيد الأمين في النجف الأشرف ، أنه كان يجد في كثير من الأحيان رسالتين أو أكثر قد ألقي بها تحت الباب و تتضمن إلى جانب التهديد بالقتل شتائم عجيبة غريبة (10) فكان يسرع إلى التقاطها و إخفائها عن والدة ملتهبة العاطفة تخشى عليه الأذى إذا عرفت بالرسائل على حد قوله.

و الواقع أن التصدي لمثل هذا الحشد الشعبي الهائل‏ (11) كان لا بد أن يلاقي هذا النوع من ردود الفعل لا سيما أن التعامل مع هذه الكتلة (البشرية الدينية) لم يكن تعاملافقهيافحسب، بل كان تعاملا سياسيا و اجتماعيا كذلك. (12)

و قد وقف إلى جانب الشيخ صاحب (سيماء الصلحاء) عدد من رجال الدين، منهم السيد عبد الحسين شرف الدين ، و السيد نور الدين شرف الدين -و الشيخ عبد الله سبيتي ، و الشيخ مرتضى آل ياسين .

أما الصف الآخر المؤيد للسيد الأمين ، فقد ضم عددا من رجال الدين في جبل عامل ، كان أبرزهم الشيخ أحمد رضا (رجل الدين و اللغوي و المؤرخ المعروف) و الشيخ سليمان ظاهر (رجل الدين و الشاعر المعروف) و كلاهما من النبطية .. و لكن هذه العاصفة التي انطلقت من دمشق ، ثم من جبل عامل .. تعدت بآثارها حدود هذين القطرين، وصولا إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي الشيعي المعروف آنذاك. فقد ظهر لها مؤيدون في العراق أمثال السيد أبو الحسن الأصفهاني ، و الشيخ عبد الكريم الجزائري و الشيخ علي القمي ، و الشيخ جعفر البديري ، و السيد مهدي القزويني و السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني . كما ظهر لها مؤيدون في الهند ، فكان ممن أيد الدعوة بحماسة، الكاتب الهندي (محمد علي سالمين) صاحب جريدة (ديوائن ميسج) التي تصدر في بومباي باللغة الإنكليزية، فكتب مقالا نشر باللغة العربية، و كان للصحافة كذلك دور واسع في تحريك هذه الظاهرة، فكتبت مقالات عديدة، بعضها باسم مستعار، مع السيد الأمين ، و بعضها ضده.

فكتب اثنان من أنصاره، وقع أحدهما مقاله بتوقيع (حبيب بن مظاهر)

____________

(1) المصدر نفسه ص 22.

(2) الأمين، محسن. سيرته بقلمه .. ص ص 76-77 .

(3) الأمين، محسن . سيرته بقلمه .. ص 207 .

(4) المصدر نفسه ص 117.. كذلك فقد ازداد الهياج عند الجماهير و ازداد تمسكها بالتظاهر و الضرب بالسيوف في النبطية و القرى لها (حلقة دراسية حول عاشوراء.. ص 42) .

(5) المصدر نفسه (حلقة دراسية.. ) ص 19 و ما بعدها.

(6) المصدر نفسه (حلقة دراسية.. ) ص 19 و ما بعدها.

(7) الأمين، محسن . سيرته بقلمه... ص 119 و ما بعدها.

(8) انظر ما يقوله السيد في سيرته عن بعض معارضيه: .. لقد أشاعوا في العوام أن فلانا حرم إقامة العزاء بل زادوا على ذلك أن نسبونا إلى الخروج عن الدين ص ص 76-77 من سيرته.. .

(9) المصدر نفسه ص 116.

(10) المصدر نفسه ص 116 أيضا.

(11) يذكر فريدريك معتوق في حلقة دراسية حول عاشوراء ص 84 أن عدد المشاهدين A0G عام 1973 بلغ ستين ألفا و أنه A0G عام 1974 قارب الثمانين ألفا و لا شك أنه في الثمانين فاق المائة ألف مشاهد..

(12) مما يذكر أنه ألفت رسائل‏فقهيةمع التنزيه و أخرى ضدها. فقد ألف الشيخ عبد المهدي المظفر في البصرة رسالة ضد التنزيه سماها إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة كما ألف الشيخ محمد الكنجي رسالة معها هي رسالة كشف التمويه عن رسالة التنزيه .. انظر الأمين، محسن . سيرته بقلمه و أقلام آخرين. ص 122 و حاشيتها.

21

و وقعه الثاني بتوقيع (أبو فراس) .. كما كتب بعض الشعر فيها، و من ذلك قصيدة للشيخ مهدي الحجار يقول فيها:

يا حر رأيك لا تحفل بمنتقد # إن الحقيقة لا تخفى على أحد

و تراكم حولها النسيج الاعلامي و الشعبي حتى أخذت دورا عظيما. و من الطريف حقا إيراد التسمية الشعبية التي أطلقت على أنصار السيد محسن الأمين في هذه المعركة، و هي تسمية الأمويين (1) كما أطلق على خصومه تسمية العلويين و التسمية الأولى من هاتين التسميتين (الأمويون) تنم عن رغبة إغراق الخصم و وصمه بلقب ينفر منه الشيعة و يستحضرون من خلاله وجها مظلما من وجوه الاضطهاد، على يد بني أمية .

كيف واجه السيد محسن الأمين هذه الموجة العارمة من الرفض و الخصومة لرسالته؟.

إن أول ما يسجل للرجل، في هذا المجال، هو جرأته و صلابته في التصدي و المواجهة. فمن مظاهر هذه الجرأة، مثلا، اختراقه لسد الكراهية المشاعة ضده في النجف ، و قيامه بزيارة إلى هناك، يورد تفاصيلها صاحب جريدة الهاتف حيث يقول: بولغ في إكرامه و الحفاوة به، و كثرت الولائم و الدعوات التي أقيمت له.. و لم يخرج من النجف حتى سقط اسم العلويين و الأمويين من الأفواه، فلم يعد أحد يقسم الناس إلى قسمين و ذلك أنه حسب تعبير (الخليلي) عنه كانت له جاذبيته و سحره . كما أنه.

حين طلب منه بعض محبيه سحب أعداد رسالة التنزيه من الأسواق خوفا عليه من الأذى، أجاب بان زاد أعدادها، و ضاعف الكميات المطروحة.

و الواقع أن السيد الأمين عريق في مجابهة (الجمهور) في ما يعتقده خرافة أو خطا أو انحرافا في الدين أو في الشعائر. فهو لا يدخر وسعا في انتقاد العادات العاشورائية، ليس فقط في دمشق و في جبل عامل ، بل في كل بلد يزوره، أو قطر يمر فيه و إن عرضا.. فهو ينتقد مثلا، في رحلته العراقية الإيرانية، و أثناء مروره بمصر ، إقامة عزاء سيد الشهداء في أيام عاشوراء، تحت باب تكايا الايرانيين في مصر و إقامة عزاء الحسين (ع) (2) و يذكر أن الله وفق.. لوجود شخص من فضلاء سادات آل المرتضى في دمشق قد ألم ببعض طريقتنا التي نتوخاها منذ سنين، فصار يذهب إلى مصر في العاشوراء بطلب من أهلها و يظهر بقراءته محاسن إقامة العزاء على ذلك الطرز . (3)

كما كان في رحلاته، نقادا لعادات العوام، أو العادات الشعبية، كنقده لعادات ضرب الطبول أمام الجنائز في النجف ، و اعتبارها منكرات على حد تعبيره. (4)

و قد سجل عنه معايشوه هذه الظاهرة، فكتب عنه صديقه و تلميذه محمد علي صندوق في مقدمة المجالس السنية أنه كان يصادم الجماهير بغير ما تعتقد و يواجه الجموع بغير ما ترى . (5) و الواقع أن السيد محسن الأمين ، في عمله الصدامي ذاك، كان مزودا بعدةفقهيةقوية، هي حجته في الرأي 21 و العمل. هذه الحجة، قرع بها الجمهور قرعا عنيفا، و أطلق عليه ألقابا و تسميات تنم عن استهانته به، فتارة يسميه العوام و تارة يسميه الطغام (6)

أو السواد (7) . و إن أبلغ جملة تختصر موقفه (الفقهي-الاجتماعي) في هذا الموضوع، هو قوله: الأسماء لا تغير حقائق الأشياء، و عادات الطغام من العوام لا تكون دليلا للأحكام . (8)

ثالثا-إصلاح المدارس الدينية:

لقد اعتبر السيد محسن الأمين ، ترك العمل، من الآفات المهلكة للعلم فان تطبيقه العملي لنظريته في العلم ، جاء في جهده التعليمي المتنوع.

الذي مارسه طيلة حياته.

فقد قضى الرجل حياته (متعلما-معلما) -و هذه السمة، هي واحدة من أهم سماته التي قربت بينه و بين إصلاحي آخر، هو الشيخ محمد عبده ، الذي كان يبدي إعجابه به في مجالسه العامة، (9) و يتشابه معه في بعض مناحي إصلاح التعليم الديني في المدارس المكرسة له: خصوصا في الأزهر و النجف . و قد وصف أحمد أمين الشيخ محمد عبده ، بدوره، بأنه كان عالما و معلما . (10)

ففضلا عن أن الرجل، كان لديه، في منزله في دمشق ، شكل من المدرسة (تختلف عن المدرسة النظامية التي أنشاها) -و قد اتسمت هذه المدرسة، أو الحلقة بشي‏ء من الانضباط، و انعقدت بشكل حلقة يومية يحضرها التاجر و السياسي و المثقف و الطبيب و عامة الناس.. و يلقي فيها السيد دروسا في الثقافة الدينية واللغة العربيةبفروعها، والصرف‏والنحو و النقد الأدبي والأصول‏والفقه‏.. إلى آخره‏ (11) و فضلا عن أنه كان يعقد في منزله كذلك، حلقة أسبوعية، كانت تسمى حلقة الأربعاء (12) على شكل صالون أدبي تقرأ فيه الأشعار، و تدار شتى الأحاديث الأدبية و الاجتماعية على اختلاف نواحيها.. و فضلا عن إنشائه للجمعيات كجمعية الاهتمام بتعليم الفقراء و الأيتام.. و جمعية الإحسان، و جمعية المواساة.. (13) نقول، بالرغم من كل ذلك، فقد اهتم السيد الأمين بإصلاح المدارس الدينية، اهتماما أساسيا، كما اهتم بإصلاح النجف الأشرف ، و أنشا المدرسة العلوية في دمشق (التي سميت فيما بعد المدرسة المحسنية ) ، كما أنشا مدرسة للبنات، في‏T دمشق أيضا، سميت المدرسة اليوسفية . (14)

____________

(1) المصدر نفسه ص 116.

(2) الأمين، محسن . رحلات السيد محسن الأمين ص ص 61-62 (ذكر سابقا) .

(3) المصدر السابق نفسه ص 61-62.

(4) المصدر السابق نفسه ص 115-116.

(5) المصدر السابق نفسه ص 4.

(6) الأمين، محسن . سيرته.. ص ص 76-77 .

(7) المصدر السابق نفسه ص 114.

(8) المصدر السابق نفسه ص ص 76-77.

(9) من مقابلة شخصية مع ابنه السيد حسن الأمين بتاريخ A0G 30/11/1981 .

(10) أمين، أحمد . زعماء الإصلاح في العصر الحديث. مكتبة النهضة المصرية-القاهرة. سنة 1965. ص 308 .

(11) من المقابلة الشخصية المذكورة آنفا مع السيد حسن الأمين .. و قد تثقف في هذه الحلقة اليومية في بيته، جمهور كبير من المسلمين في‏اللغةوالآداب‏والفقه‏منهم الدكتور مصطفى الروماني و أديب التقي و الدكتور أسعد حكيم .. و سواهم. هؤلاء من الشيعة . و من غير الشيعة من كبار شخصيات دمشق يمكن اعتبار الدكتور محسن البرازي ممن نهلوا من مجالسه العلمية بكثرة تردده عليه مستعلما مستفهما في القضايا الإسلامية من‏فقه‏وتاريخ‏وأدب‏. و قد تولى رئاسة الوزارة، و كذلك فريق من كبار محامي دمشق و قضاتها المدنيين، و بعض الصحفيين و ابرزهم نجيب الريس صاحب جريدة القبس و وجيه الحفار صاحب جريدة الإنشاء .

(12) الأمين، محسن ، سيرته بقلمه.. ص 29 حيث ورد في الحاشية بعض أخبار هذا الصالون الأدبي.

(13) المصدر نفسه ص 158.

(14) المصدر نفسه ص 75.

22

و الواقع أن النقطة الأول من مختصر منهجه الاصلاحي الذي وضعه في دمشق ، هي نقطة تعليمية. فقد ذكر أنه، حين ورد دمشق في أواخر سنة 1319 هـ 1901 م وجد أمورا ثلاثة هي علة العلل، و لا بد في إصلاح المجتمع، من النظر في إصلاحها. و أول هذه الأمور الأمية و الجهل المطبق، فقد وجدنا معظم الأطفال يبقون أميين بدون تعليم. و بعضهم يتعلمون القراءة و الكتابة في بعض الكتاتيب على الطراز القديم.. . (1)

نعتقد أن الفكرة الاصلاحية التعليمية للسيد الأمين ، هي دينية في الأساس. فهو، بالاضافة إلى ملاحظته حول تردي الواقع التعليمي و التربوي لمعظم الأطفال في دمشق ، كانت قد لفتته مسألة إصلاح أساليب و مناهج و كتب التعليم في النجف الأشرف ، (المركز التعليمي الديني الأساسي للشيعة في العالم) . كما سبق و شغلت قضية إصلاح الأزهر سلفه الشيخ محمد عبده في مصر .

و قد حاول السيد الأمين أن يطبق أفكاره الاصلاحية في التعليم الديني، و إصلاح النجف الأشرف ، في المدرسة التي أنشاها في دمشق ، و التي سميت المدرسة العلوية ، و في مدرسة البنات (اليوسفية) كما سبق ذكره . (2) حيث ذكر ظروف إنشاء هاتين المدرستين.

فقد كانت المدرسة العلوية ، في أول أمرها، دارا عارية في دمشق ، نقل إليها كتاب المحلة -على حد تعبيره-، (3) ثم تطورت إلى أن أصبحت على أتم نظام و أحسن انتظام ذات صفوف ثانوية و قسم داخلي، تفوق جميع مدارس دمشق التي من نوعها، بحسن تنظيمها و المحافظة فيها على التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة و نجاح طلابها في الامتحانات مائة بالمائة و أصبحت الطلاب تتهافت عليها من جميع الأحياء لما يرى أولياؤهم من تهذيب أخلاق أولادهم و نجاحهم حتى صار يضطرنا الحال أحيانا إلى رد طلبهم لضيق المكان فيلحون علينا و يصرون. و وضعنا لكل صف فيها كتابا للمحفوظات، و كتبا تسعة للعقائد، و الأحكام الشرعية من العبادات و المعاملات و المواريث و الحدود و الديات و تفسير عدة من الآيات القرآنية و قسم من الأخلاقيات. و طبعت هذه الكتب و انتشرت في باقي المدارس و عم نفعها و ترجمت إلى الفارسية . (4)

و الواقع أن منهجه النظري في إصلاح النجف الأشرف ، قد حاول تطبيقه على الذكور و الإناث في المدرسة العلوية و المدرسة اليوسفية على حد سواء. فتخرج من المدرسة العلوية عدد غير قليل من رجال سوريا و لبنان و شبابه المثقف (5) فقد لاحظ ما يكابد شداة العلم من الغموض و التعقيد الملحوظ في كتب الدراسة القديمة في‏الفقه‏والأصول‏و في غير ذلك من العلوم فتركها و شأنها. و وضع بنفسه و بمفرده كتبا حديثة سهلة التناول يعول عليها طلاب مدارسه في دمشق و غيرها إلى اليوم.. . (6)

و يروي الشيخ محمد رضا الشبيبي في مقال له عن السيد الأمين أنه ثار أمامه مرة على أحد الأساتذة الجامدين الذين يقدسون طريقة القدامى 22 و يحرصون على أن لا تمس، و أن تبقى كتبهم على ما هي عليه. قائلا: لما ذا نحذو حذو الأقدمين، هم رجال و نحن رجال. و كان ذلك سنة 1920 في مجلسنا بدمشق الشام . (7)

و قد لاحظ السيد محسن الأمين ما يشوب كتب التدريس في النجف الأشرف ، و في سواها من مدارس دمشق و جبل عامل ، من أمور مضرة، من عدم تهذيبها و تنقيحها، و تحسين عباراتها، و حذف الفضول منها، و حذف ما هو من علوم أخرى لم يتعلمها الطالب بعد أو لا يتعلمها أصلا.. (8)

.. و هذه كتب‏الأصول‏المتداول قراءتها كالمعالم و القوانين و الرسائل و الكفاية ، محتاجة إلى التهذيب.. و القوانين من عجمة عباراتها و استغلاق كثير منها لا تصلح للتدريس و تحتاج إلى التهذيب.. و الرسائل .. محتاجة إلى التهذيب، بحذف بعض الاطالات أو اختصارها.. (9) .. فعزم على استبدالها بسواها، مقترحا إنشاء لجنة للتاليف تتكون من أفاضل العلماء بينهم العريقون في علم‏العربية، فتضع في كل علم ثلاثة كتب مختصر و متوسط و مطول.... تنتقى من هذه المؤلفات الشهيرة و يكون عليها مدار التدريس في مدرسة النجف الأشرف الكبرى، و تتبعها سائر المدارس في أقطار البلاد.. بعد أن تعرض هذه الكتب على أنظار كبار العلماء و يرضوا بها، و يقرروا تدريسها . (10)

ذلك أن طريقة التدريس المتبعة في النجف الأشرف كانت دون ضوابط، سواء من حيث حلقات التدريس أو الكتب المدرسية، أو الأساتذة الذين يتلقى عليهم الطلاب الدروس، فالطالب فيها يقرأ أنى شاء و في أي كتاب شاء و عند من شاء (11) على حد تعبيره. لذلك، فإنه، بالاضافة إلى اقتراحه تنقيح و توحيد كتب الدراسة، اقترح تقسيم الطلاب على صفوف، و تدريسهم مناهج و كتبا محددة، و قبولهم في صفوفهم بناء على امتحانات قبول، و إجراء امتحانات فصلية لهم، مرة كل ثلاثة أشهر، على أن يجري امتحان نهائي لهم في نهاية كل عام، يتم بموجبة نقلهم من كتاب إلى كتاب، و من علم إلى علم.

و قد ركز السيد الأمين ، في مناهجه التعليمية، على وجوب تدريس علم الأخلاق‏، و آداب التعليم و التعلم، و اقترح إجبار كل مدرس بتعليم كتاب مثل منية المريد في آداب المفيد و المستفيد للشهيد الثاني . (12)

كما أنه أدخل العلوم الحديثة على مناهج التدريس في المدرسة العلوية ، و تعليم اللغات الأجنبية، و كان أساتذة المدرسة من جميع رجال الطوائف... و المثال أن معلمي الدروس‏الصرفيةوالنحويةكانوا من السنة و الشيعة و كان المدرس للغة الافرنسية A3G مسيحيا يسمى A3G الأستاذ شاكر و كان مدرس اللغة التركية A4G سنيا اسمه A4G علي أفندي و مدرس تحسين الخط الأستاذ ممدوح الخطاط المعروف . (13)

____________

(1) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 75 .

(2) المصدر نفسه ص ص 72، 73، 74، 75.

(3) المصدر نفسه ص 72.

(4) المصدر نفسه ص 74-75.

(5) المصدر نفسه ص 191-192.

(6) المصدر نفسه ص 192.

(7) المصدر نفسه ص 192.

(8) الأمين، محسن . معادن الجواهر. ج 1 ص 43 .

(9) المصدر نفسه ص 44.

(10) المصدر نفسه ص 45-46.

(11) المصدر نفسه ص 46.

(12) المصدر نفسه ص 46.

(13) الأمين، محسن . سيرته بقلمه و أقلام آخرين (مقال عبد اللطيف الخشن) .. ص 27 .

23

كما وضع بنفسه بعضا من الكتب المدرسية كالدرر المنتقاة لأجل المحفوظات في ستة أجزاء مطبوعة... و وضع روايات تمثيلية مثلها طلاب المدرسة العلوية على مسرح المدرسة.

أما إنشاؤه لمدرسة البنات (اليوسفية) في دمشق ، فكان مبادرة منه تكتسب أهمية خاصة في ذلك الوقت، بسبب صدورها عن رجل دين من جهة، و دعوته فيها لتدريس العلوم الحديثة و اللغات الأجنبية، من جهة ثانية، فضلا عن التدبير المنزلي و الخياطة و التطريز.

إن هذا الجهد الاصلاحي المهم، في ميدان التعليم عامة، و التعليم الديني بخاصة، فضلا عن أفكاره في إصلاح المدارس الدينية (سيما في النجف الأشرف ) يتيح لنا مجالا في مقارنة السيد محسن الأمين بمصلح آخر، هو الشيخ محمد عبده ، اتخذ مجال نشاطه في مصر ، و قام بجهد مشابه لجهد السيد الأمين في دمشق و النجف .

فكما أن السيد الأمين ، انطلق في إصلاحه التعليمي، من واقعة تردي كتب التدريس و مناهجه، التي تلقى عليها دروسه الأولى في مدارس جبل عامل ، و من ثم في النجف الأشرف ، فان الشيخ محمد عبده ، يذكر على سبيل المثال، أنه أثناء تلقيه الدروس في الأزهر ، كان غضب على كتاب فطبخ به عدسا . (1) و يذكر عنه أحمد أمين ، أنه كان عنده عقدة نفسية، ولدها شرح الكفراوي على الأجرومية ، (2) و إن الدرس الأول في الكفراوي ، على الأجرومية ، يبدأ بداية معقدة، علق عليها محمد عبده ، بعد ذلك، بقوله: باسم الله ما شاء الله، هذا أول درس لمن لا يعرف في‏النحوشيئا، فلو أن متكلما تكلم بالسريانية لكان أهون . (3)

و قد حاول الشيخ محمد عبده ، بعد تولية منصب التعليم في الأزهر ، بطريقة عملية، تطبيق ما كان يؤمن به نظريا، من إصلاح للتعليم عامة في مصر ، و للتعليم الديني خاصة في الأزهر ، فنشر العديد من المقالات في هذا الموضوع و رفع بعض اللوائح إلى السلطات الرسمية آنذاك. (4)

لقد حاول الشيخ محمد عبده إصلاح الأزهر كما رأينا، إلا أنه، على حد قول أحمد أمين : يا لله و إصلاح الأزهر ، ما حاوله أحد من قبل و نجح، و لا الشيخ محمد عبده . (5)

رابعا: تنقية العقيدة و محاربة الخرافات و الأوهام:

من الأمور التي يلتقي عليها عدد من المصلحين المسلمين ، على اختلاف نزعاتهم و مذاهبهم، حرصهم على تنقية الدين الإسلامي مما علق به من البدع و الأوهام و الخرافات، و العودة به إلى أصوله النقية الأولى، التي سبق و عرفها في مكة و المدينة على عهد الرسول الأعظم (ص) .. ذلك أن أحكام الإسلام الأول، أو أحكام الشريعة، كادت تضيع تحت مجموعة من العادات 23 و التأثرات و المعتقدات الدخيلة عليها، و المتاتية من جراء تحول الإسلام من شريعة إلى تاريخ ، بسبب احتكاكه بعادات و معتقدات و أساطير الشعوب التي اعتنقته، و أعطته مثلما أخذت منه، فطعمته بإرثها الحضاري و الفكري كما طعمته بانماط سلوكها و معتقداتها و عادتها الشعبية.

يقول السيد محسن الأمين ، في كتابه المجالس السنية : (6) لم يكن تأخر أتباع هذا الدين و ضعفهم ناشئا إلا عن عدم تمسكهم بتعاليم دينهم .

كما يعتقد أن من محاسن الدين الإسلامي الأمر بالنظر و إعمال العقل و الأخذ بالدليل و البرهان و ذم التقليد ، (7) و يرى أن نجاح الأوروبيين يعود إلى أنهم أخذوا عن الإسلام فضائله . (8)

و هو بذلك يلتقي مع تيار إصلاحي كبير من الاصلاحيين المسلمين ، في نزعتهم للعودة إلى الأصول الإسلامية.

و قد أشار إلى ذلك، جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ، في العبارة التالية التي وردت في مجلة العروة الوثقى التي أشرفا معا على تحريرها و إصدارها في باريس ، معتبرين أن فساد المسلمين دخل على توالي الزمن من عقيدة الجبر و الخطا في فهم القضاء و القدر.. و مما أدخل على الإسلام من زندقة و تشيعات و حزبيات (9) و أن الحل هو الحل الذي يقدمه الفقيه المسلم التقليدي: تنقية الإسلام و توحيد اتجاهاته . (10)

يطلق عبد الله العروي ، على هذا النمط من الوعي الاصلاحي، تعبير الوعي الديني ، و يرمز إلى داعيته بالشيخ ، (11) معتبرا أن الشيخ يفضل عقيدة الايمان الجوهرية على الحياة، فتخرج الأولى نقية لا تشوبها شائبة. في حين لا يعود التاريخ الفعلي يشكل سوى تشويهات لرسالة سماوية أصابتها الخيانة . (12)

أما النوعان الآخران من الوعي الاصلاحي، حسب رأيه، فهما: الوعي السياسي و الوعي التقنوي، حيث يعتقد رجال السياسة أن انحطاطنا كان سببه الأساسي عبودية قديمة (13) و يعتقد داعية التقنية أن الحضارة هي الصناعة، و ثقافة هذه الحضارة هي العلم. بينما ثقافة الزراعة هي‏الأدب‏ و الدين والفلسفة على حد تعبير سلامة موسى ، (14) و يأخذ أمثلة على هذه الأنماط المتعاقبة من الوعي: محمد عبده و لطفي السيد و سلامة موسى . (15)

إن افتراض هذا التعارض النوعي بين هذه الأنماط الثلاثة من الوعي، و اعتبار الدين والأدب‏والفلسفةهي نتاج ثقافة زراعية، في حين أن العلم و التقنية هما نتاج حضارة صناعية.. يترك منفذا لأفكار و تساؤلات شبيهة بتساؤلات المستشرقين حول أهلية الدين الإسلامي لحمل حضارة علمية

____________

(1) أمين، أحمد .. زعماء الإصلاح .. ص 286 (ذكر سابقا) .

(2) المرجع نفسه ص 284.

(3) المرجع نفسه ص ص 281-282 و هذا يشبه ما قاله السيد محسن عن أول درس تلقاه في النحو. فقد ذكر أولا تعابير استاذه و تعريفاته‏للنحو، ثم قال: فلما سمعت هذا الكلام أظلمت الدنيا في وجهي و قلت في نفسي: هذا علم لا يمكن ان أتعلم منه شيئا.. .

(4) المرجع نفسه ص ص 309-313.

(5) المرجع نفسه ص 317.

(6) الأمين، محسن . المجالس السنية.. ج 3. ص 197 . (ذكر سابقا) .

(7) الأمين، محسن . المجالس السنية.. ج 1. ص 191 ، و ذلك تحت عنوان محاسن الدين الإسلامي.

(8) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص ص 215-216 .

(9) كوثراني، وجيه .. مختارات سياسية من مجلة المنار .. ص 9 (ذكر سابقا) .

(10) المرجع نفسه ص 10/على حد تعبير الدكتور كوثراني .

(11) العروي، عبد الله ، كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة ص 31 (ذكر سابقا) .

(12) المرجع نفسه ص 33.

(13) المرجع نفسه ص 35.

(14) المرجع نفسه ص 38.

(15) المرجع نفسه ص 40.

24

تقنية، و أن الإسلام على حد تعبير أرنست رينان حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء (1) لأنه لا يشجع على العلم والفلسفةو البحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد بالغيبيات و خوارق العادات و الايمان التام بالقضاء و القدر . (2)

إن الرد على مثل هذه الافتراضات، تولاه، في جزء منه، جمال الدين الأفغاني في مناقشته المعروفة لإرنست رينان (3) معتبرا أن العلوم النظرية و التطبيقية قد ازدهرت بالفعل في حقبة من حقب التاريخ الإسلامي، تحت رعاية الإسلام و تشجيعه، مما يدحض التعميم القاطع في رأي أرنست رينان ، و يسقط حجته المبنية أصلا على نظرية التفوق العرقي الآري، و تميزه.. و هي النظرية التي استند إليها معظم المستشرقين الأوروبيين في تناولهم للإسلام و الحديث عنه.

فالأفغاني يعتقد أن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فان كان ظاهره المخالفة وجب تأويله (4) و هو بذلك يقف موقفا متوسطا بين الرأي الذي يعتبر الدين عاجزا عجزا مطلقا عن استيعاب الحقائق العلمية (كما يرى فزح أنطون و شبلي الشميل ، على سبيل المثال) و الرأي الذي يعتبر الحقيقة الدينية هي ذاتها الحقيقة العلمية، و أنه لا تناقض بين الحقيقتين.

و الواقع أنه، بقوله: .. فان كان ظاهره المخالفة، وجب تأويله قد ترك مجالا لامكانية اختراق الظن أو الخرافة أو الوهم، لسياج الدين . و لكنه استدراك فأوجب التأويل، ليحافظ على جوهر الدين من إمكانية انحداره إلى أن يصبح ملجا للخرافة .. أو حارسا للأوهام ..

إننا نعتقد، في هذا المجال، أن المخيلة الشعبية مهما كانت محصنة بفكر علمي أو يقيني، تبقى قابلة للاختراق بالوهم أو الأسطورة أو الخرافة.. فلو أخذنا مثلا مجتمعا معاصرا كالمجتمع الأمريكي أو الأوروبي ، و هو مجتمع بلغت فيه التقنية العلمية أقصى درجاتها، كما ازدهر فيه التفكير العلمي التجريبي، ازدهارا فائقا، و انحسر الدين انحسارا ملموسا.. إلا أنه ما زالت تعشش فيه جملة من الأوهام و الأساطير و الخرافات الشعبية، لم يمنعها الازدهار العلمي من أن تزدهر هي أيضا بدورها. لذلك، فان للخرافة الشعبية تاريخها، و صيرورتها، كما للفكر العلمي تاريخه و صيرورته.

و إن خطرها يكمن في إمكانية تحولها إلى سلطة سياسية تمسك بأدوات فرض سلطوية، كما حدث مثلا في ما اصطلح المؤرخون الأوروبيون على تسميته A0G القرون الوسطى في أوروبا ، حين أرغم غاليله على التراجع عن مكتشفاته العلمية في كروية الأرض و دورانها حول الشمس، باسم الدين....

ذلك أن الدين، في تحوله إلى سلطة يصبح قادرا على أن يلعب أحد دورين: إما أن يحمي الفكر العلمي فيصبح جزء منه، أو يحمي الخرافة، فيصبح جزء منها. و سواء كان الدين منفذا من منافذ الخرافة إلى الوجدان الشعبي، أو حصنا لها ضد هذه الخرافة، فان جملة من البدع و الأوهام و الانحرافات، تسربت إلى هذا الوجدان، في العالم الإسلامي على امتداد أقطاره و مذاهبه و اختلافها، و وجدت سبيلا إلى أن تتراكم، و يتفاقم 24 خطرها، مما دفع عددا من المصلحين المسلمين ، إلى كشفها و محاربتها، بغية تنقية الضمير الإسلامي الشعبي مما علق به من أوهام.

يروي أحمد أمين ، في كتابه زعماء الإصلاح .. ص ص 6-7 عن سائح فرنسي زار مصر في آخر A0G القرن الثامن عشر ، هو مسيو فولني ynlov و أقام بها و بالشام نحو أربع سنوات، قوله: إن الجهل في هذه البلاد، عام و شامل، مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التركية ، يشمل الجهل كل طبقاتها، و يتجلى في كل جوانبها الثقافية، من أدب و علم و فن..

و الصناعات فيها في أبسط حالاتها. حتى إذا فسدت ساعتك، لم تجد من يصلحها إلا أن يكون أجنبيا.. .

و يضيف: .. و هذه الحكومة المصرية ، نراها-إذ ذاك-تخشى تعليم الرياضةوالطبيعة، فتستفتي شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد الأنبابي ، هل يجوز تعليم المسلمين العلوم‏الرياضيةكالهندسةوالهيئةوالطبيعيات‏و تركيب الأجزاء المعبر عنهابالكيمياء. و غيرها من سائر المعارف.. فيجيب الشيخ في حذر: إن ذلك يجوز مع بيان النفع من تعلمها كان هذه العلوم لم يكن للمسلمين عهد بها، و لم يكونوا من مخترعيها و ذوي التفوق فيها . (5) ..

لقد تفاقمت الأوهام الشعبية حول العقيدة، حتى تحولت إلى قوة شرك إلى جانب وحدانية الله، حيث أشرك المسلمون مع الله حتى النبات و الجماد. فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة ، يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العوانس تزوجت لعامها. و هذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك. و في كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا. ففي مصر شجرة الحنفي و نعل الكلشني، و بوابة المتولي، .. و في كل قطر حجر و شجر، فكيف يخلص التوحيد مع كل هذه العقائد.. (شجرة الحنفي: شجرة كانت في الحنفي يتبرك بها. و نعل الكلشني نعل قديمة في تكية الكلشني ، يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق.

و بوابة المتولي مملوءة بالمسامير تعلق بها الشعور و الخيوط ليذكر بالخير من علقها. و هكذا) .. . (6)

إن هذه المعتقدات و الخرافات الشعبية المنتشرة في مصر أو السعودية أو ليبيا .. كان يسود مثلها كذلك في جبل عامل ، و العراق ، و إيران ، و أقطار أخرى إسلامية، و قد تعامل معها السيد محسن الأمين ، تعاملا نقديا إصلاحيا. سواء كان ذلك في البلاد التي طالت فيها إقامته ( كجبل عامل و دمشق ) أو في البلاد التي مر بها زائرا في رحلاته إلى إيران و العراق و مصر و الحجاز .

بالإمكان اعتبار تصدي السيد محسن الأمين للطقس العاشورائي، و إصلاح الشعائر الحسينية، أهم موقف إصلاحي له، في محاربته للبدع و الأوهام و الخرافات الشعبية. و هو في هذا العمل، لا تعوزه روح المواجهة، و المغامرة، كما سبق القول. و يتجلى معنى جرأته، حين نضع دعوته الاصلاحية تلك، في ظروفها التاريخية و الاجتماعية، و ندرك إلى أي مدى كان كل جهد إصلاحي ، مهما ضؤل، مرفوضا و موسوما بالزندقة، أو بالخروج عن الدين، في مجتمع كانت السلطات الدينية و الزمنية (فيه) تعتبر كل

____________

(1) أمين، أحمد . في زعماء الإصلاح .. ص ص 86-87 .

(2) المرجع نفسه ص ص 86-87 كذلك.

(3) المرجع نفسه.. تنظر ترجمة حياة جمال الدين الأفغاني و مناقشاته مع رينان .

(4) المرجع نفسه ص 114.

(5) الأمين، أحمد .. زعماء الإصلاح.. ص 7 (ذكر سابقا) .

(6) المرجع نفسه ص ص 11-12.

25

محاولة للإصلاح، خروجا على الدين، و جريمة لا تغتفر بل كفرا . (1)

و قد وصف الشيخ موسى سبيتي العقلية السائدة الجامدة آنذاك، بقوله:

كانت عند رجال الدين و الأدب عقلية صلبة قاسية تحيا في دائرة ضيقة لا تحاول الخروج منها. بل يعدون الخروج من تلك الدائرة شذوذا و تمردا و كفرا (2)

كما أدرك السيد الأمين ، بذاته، صعوبة استئصال العادة الشعبية، سيما إذا كانت ملبسة بلباس الدين على حد قوله. (3)

و لكنه اعتبر أن الخرافة لا تبررها شعبيتها، و لا يسوغها في الشرع، انتشارها الواسع بين العوام لأنه، حسب تعبيره عادات الطغام من العوام لا تكون دليلا للأحكام . (4)

ينسب السيد الأمين الخرافة و البدعة إلى إبليس و أعوانه كما يظهر في بعض كلامه. (انظر مثلا البدع و المنكرات التي رأى إبليس و أعوانه إدخالها على شعائر الحزن على سيد الشهداء ) (5) و هو يسميها منكرات .. (6)

لذلك فان محاربتها تندرج، في جهده الاصلاحي، تحت عنوان النهي عن المنكر .

و لا يفوته، في تاليفه الكثيرة، أن يذكرها، تارة بالعرض و الإشارة و تارة أخرى بالتعليل و التفسير، دون أن تشكل ملاحظاته المتفرقة، في هذا الموضوع، و الموزعة على أكثر من كتاب، أساسا لنظرية في التعامل مع الخرافة الشعبية ، بل لتبقى على شكل مجموعة من الآراء المتفرقة في هذا الموضوع.

يبدي السيد الأمين ، مبكرا، ملاحظاته حول بعض العادات و الخرافات الشعبية، فهو يذكر، مثلا، أثناء تلقيه العلم في عيتا الزط (من جبل عامل ) هذه الحادثة: وقع في بعض السنين ثلج، و ليس عند الطلاب حطب، و قريب من القرية شجرة قديمة عادية يحترمها أهل القرية، و يتحرجون من قطع غصن منها، خوفا من المجازفة في الدنيا. و أمثال ذلك في جبل عامل و غيرها كثير. فذهب التلاميذ و جعلوا يربطون فروع تلك الشجرة بالحبال، فتنكسر و تسقط فيجرونها إلى أماكنهم للوقود. و أهل القرية يستنكرون ذلك و يخافون على التلاميذ عاقبة ذلك و ينهونهم فلا ينتهون. و في الصباح جاءوا ينظرون إليهم هل ماتوا من عاقبة هذا العمل، فوجدوهم أحياء، و لم يمت منهم أحد، و بطل ما كانوا يظنون . (7)

كما يروي حادثة عن رجل من الطلبة كان معهم في عيتا الزط يتعاطى كتابة الحجب و الهياكل، و عنده كتاب مطبوع في مصر اسمه شمس المعارف الكبرى لرجل مغربي و فيه الأعاجيب‏ (8) و يورد أنه جاء مرة إلى عيتا رجل أعجمي كان قد تعاطى طلب العلم و لم يتقنه.. و قال يوما إن كلمات إذا 25 تليت على الحديد لم يتألم به الجسم و هي (سين أول دان بحرور بسرور بكأس كال كاي) و تلاها على إبرة و أدخلها في داخل شدقه و أبقاها مدة و أخرجها من خارجة و لم يخرج منه دم، و فعل ذلك مرارا و فعل ذلك بعض الطلبة فكان كذلك. و الحقيقة أن ذلك الموضع ليس فيه عروق، فإذا شكت فيه إبرة لم يخرج منه دم لا لخاصية في هذه الكلمات.. و فطن لذلك بعض الطلاب ففعلوا بدون الورد . (9)

و هو، بعد أن يورد جملة من المعتقدات، يضيف معلقا: و أمثال هذه المخرقات كثيرة رائجة بين الناس . (10)

و الواقع أن السيد محسن الأمين ، كان ناقدا و راصدا اجتماعيا للعادات العاملية، في كتابه القيم خطط جبل عامل فقد أفرد، في هذا الكتاب بابا خاصا للعادات العاملية (من ص 118 إلى ص 121) ذكر فيه جملة من معتقداتهم و عاداتهم الاجتماعية و الدينية، حيث تمتزج الخرافة بالايمان الديني، بالخبرة الشعبية.

فهو يذكر، مثلا، أنهم يتشاءمون من آخر أربعاء في صفر، فيخرجون فيها إلى البرية. و يقولون آخر أربعاء في صفر نحس مستمر.. و يكشفون رؤوسهم تحت ماء نيسان و يتلقونه بالأواني و يتبركون به.. و منها أن من تحكه يده يتفاءل بأنه سيقبض دراهم، و من ترف عينه اليمنى يلاقي من يحب، و من ترف عينه اليسرى يحزن.. و منها أن الهرة إذا جعلت تخمش شيئا باظافرها فهي علامة على ورود ضيف و كذلك إذا فركت وجهها بيدها..

و منها أن الهرة إذا عطست تشاءموا بعطستها و زعموا أنها تدعو على أطفالهم.. فيضربونها على وجهها و يقولون نقص في عمرك.. و منها أن الضباب في الشتاء علامة المطر، و يسمونه أبو صوي، فيقولون أبو صوي وراءه موي.. و منها أن من به الثاليل و الحرارة يعمد إلى سلحفات و يلقيها على ظهرها بين حجرين حتى تموت. و هذا من تسويل الشيطان، و هو محرم، لأنه تعذيب للحيوان . (11)

و لكنه لا يكتفي بنقده للعادات العاملية أثناء إقامته في جبل عامل ، بل كان نقادا للعادات الشعبية التي يصادفها أثناء رحلاته الكثيرة.

ها هو، على سبيل المثال، يعلق بقوله: .. و هكذا يكون الجمود ، على بعض المعتقدات في الكوفة ، إثر حادثة جي‏ء فيها بسمن على ورقة مطبوعة باللاتيني فامتنع بعض الرفاق من الأكل مما طبخ بذلك السمن، فقلت له كيف نأكل السكر و لا نأكل هذا، فقال ذلك لم تره عيني، و هذا رأيته. ثم أخرج من القدر شيئا من اللحم و غسله و أكله.. و هكذا يكون الجمود . (12)

-كما يذكر، في رحلته العراقية-الإيرانية، عن مسجد الكوفة أن له ماذنة عالية، و في وسطه عمود من رخام الظاهر أنه كان شاخصا لمعرفة الزوال و أوقات الصلاة و للعوام فيه خرافات كعادتهم في أمثال ذلك، منها أن من لم يقدر أن يحيطه بباعه بحيث تصل إحدى يديه إلى الأخرى، فهو ليس لأبيه،

____________

(1) الأمين، محسن . كتاب سيرته بقلمه و أقلام آخرين (مقال الشيخ موسى سبيتي ) .. ص 210.

(2) المصدر نفسه ص 265.

(3) المصدر نفسه ص 72.

(4) المصدر نفسه ص ص 76-77.

(5) الأمين، محسن . رسالة التنزيه ص ص 8-9 .

(6) الأمين، محسن . رحلات.. ص 116. كما يسميها في مكان آخر مخرقات -ص 17 من سيرته بقلمه .

(7) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 16-17 .

(8) المصدر نفسه ص 17.

(9) المصدر نفسه ص 18.

(10) المصدر نفسه ص 18 كذلك.

(11) الأمين، محسن . خطط جبل عامل من ص 118 إلى ص 121 . (ذكر سابقا) .

(12) الأمين، محسن . سيرته بقلمه. ص 65 .

26

فالويل لمن كان باعه قصيرا. و هذا كما كان في بيت المقدس عمودان يزعم العوام أن من لم يستطع أن يخرج من بينهما فهو ليس لأبيه، فالويل لمن كانت جثته كبيرة، و بطنه عظيما.. و فيه مكان يقال إن منه فار التنور و إن منزل نوح ع كان هناك . (1)

و لا يفوته، في النجب النجف الأشرف ، أن ينتقد عادة ضرب الطبول أمام الجنائز و هو يعتبرها منكرات . (2)

أما في إيران ، فإنه يورد بعض العادات و الخرافات الشائعة، ثم يعللها و يردها إلى سبب ارتزاقي، بقوله: قصد أن لا يفوتهم شي‏ء من النذور ، (3) و ذلك في معرض ما اتفق له في كرمنشاه حين جاء صاحب مجلة و ذكر أن امرأة كانت مصابة بمرض السرطان، و عجزت عنها الأطباء، فاستجارت بمرقد الرضا ع في طوس فبرئت و إن طبيبا إفرنجيا اسمه الدكتور أرثور أعطى تقريرا بأنها لا تبرأ. و قد طبع ذلك هذا السيد في ورقة و قرأها علينا. و في اليوم الثاني جاء و أعاد قراءتها و جعل يكرر قراءتها لكل قادم. فقلت إن فضائل أئمة أهل البيت ع و كراماتهم لا يشك فيها أحد. و لكن كثيرا من الكرامات التي تنقل على ألسنة الناس هي مكذوبة. لأن الكرامة لا تأتي عفوا و متى شاءها الإنسان و على يد كل أحد و مع كل مناسبة، و إنما تكون عند موجب قوي يقتضيها. فأهل النجف يقولون إن المعدان جاءوا لزيارة أمير المؤمنين ع ، و باب البلد مغلق، ففتح لهم الأمير الباب، و هل كان الأمير بوابا لهؤلاء الأعراب البوالين على أعقابهم التاركين للصلاة المستحلين المحرمات حتى يخرج و يفتح لهم.

و خدام العباس ع يقولون إن رجلا جاء و معه نذر للعباس لم يدفعه فأصيب بكذا قصدا أن لا يفوتهم شي‏ء من النذور . (4)

من مجمل النصوص التي أوردناها آنفا، نسأل: كيف تعامل السيد محسن الأمين مع الخرافة الشعبية؟.

إنه يسوق الخرافة، أو العادة الشعبية، كما رآها أو عاينها، و في أي مكان صادفها فيه، و يعلق في نهاية كلامه، بتعليق مقتضب، يدل على رأيه في هذه الخرافة. فتارة يرد المعتقد الشعبي إلى سبب ارتزاقي، بقوله: .. قصدا أن لا يفوتهم شي‏ء من النذور . و تارة يظهر التفسير العلمي لظاهرة من الظواهر، خفي على العامة سببها الحقيقي، فالحقوها بالخوارق (كادراكه لخلو موضع معين من الخد، من العروق و الأعصاب، بحيث إذا شك بابرة، لا يظهر دم و لا وجع) و تارة يكشف سقوط الوهم الشعبي، في حادثة من الحوادث، بالاقدام عليها، و مجابهتها، فيسقط الوهم الشعبي تلقائيا..

و هو، في كل ذلك، لا تفوته روح مرحة، في عرض المعتقدات الشعبية و نقدها، مذكرا بأسلوب الجاحظ ، في بعض كتابته الاجتماعية الساخرة (سيما في كتاب الحيوان ) . 26

خامسا: السيد محسن الأمين و العمل السياسي‏

موقفه من:

- الوهابية .

-العمل الوطني.

-الانتداب.

- فيصل ..

إذا كان لدينا هذا الموقف النقدي من تعامل السيد محسن الأمين مع بعض المعتقدات الدينية الشعبية، و إقامة بعض الشعائر، فليس معنى ذلك تاييدنا للموقف الوهابي منها، نظرة و تطبيقا..

فمن المعروف أن الموقف الوهابي قد تطرف في هذا الموضوع، و خطا خطوة دموية عنيفة، نقلته من موقع نقد بعض الشعائر و العادات الدينية الشعبية، إلى موقع إبادة معتنقيها، و تدمير مدنهم و دساكرهم..

و قد تجلى ذلك، في تعامل الوهابية مع الشيعة على وجه الخصوص، حيث أخرجتهم من حيز الإسلام ، و هددت الكثير من قبائلهم في العراق ، بالتدمير و التشريد..

لذلك، ليس بالإمكان فهم موقف السيد محسن الأمين من الوهابية ، في عنفه و صلابته، دون الرجوع إلى موقف الوهابية بالذات، من الشيعة ، على الصعيدين الفقهي النظري و السياسي العملي.

فان هذا الموقف اتسم بالعنف، و التطرف، في وجهيه النظري و العملي معا.

فقد انطلقت الوهابية من موقف‏فقهي‏خاطئ هو تكفير الشيعة و شكلت بالفعل خطرا حقيقيا على قبائلهم في العراق في مطلع القرن التاسع عشر لا سيما في A0G عهد عبد العزيز آل سعود .

لذلك مال الشيعة ، في ولائهم السياسي، إلى التحالف مع الشريف حسين في صراعه مع العائلة المالكة السعودية التي كانت تدين بالوهابية ، و ذلك لاعتقادهم أن تحالفهم مع الشريف حسين ، الهاشمي، السني، سوف يساعدهم على دفع خطر الوهابية من جهة، و يحقق لهم من جهة ثانية، ما كانوا يدعون إليه، من ضرورة دفع إمارة غير المسلمين (و هم الإنكليز ) عن بلاد إسلامية و هي العراق . (5)

لقد أوضح عبد الله الفياض هذه النقطة، في كتابه الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 المذكور آنفا، مشيرا إلى أن مجتهدي الشيعة أعلنوا الجهاد المقدس في العراق عام 1920 ضد الإنكليز ، مؤازرة للحركة الوطنية، و ذلك بدافع إسلامي أصولي عام، لا مذهبي شيعي ضيق.. : لأن دفع غير المسلمين عن الثغور الإسلامية، واجب إسلامي مقدس، يستوي فيه الشيعة و السنة على السواء. و الدليل على ذلك، أن-مجتهدي الشيعة ، أفتوا بالجهاد لدفع غير المسلم عن أرض المسلمين ، في ظل دولة سنية و هي الدولة العثمانية في بداية .. كما أن مجتهدي الشيعة ، كانوا في

____________

(1) الأمين، محسن . كتاب رحلات.. ص ص 116-117-118 .

(2) المصدر نفسه ص ص 115-116.

(3) المصدر نفسه ص 150.

(4) المصدر نفسه ص ص 149-150.

(5) انظر: الفياض، عبد الله .. الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 ط 1 مطبعة الإرشاد .

بغداد A0G 1963 . ص 246.

27

طليعة المنادين بتأمير أمير مسلم مهما كان مذهبه. و قد أيدوا ترشيح الأمير عبد الله لملوكية العراق ، و قد ظهر هذا الترشيح في المضابط التي أرسلت للشريف حسين و للأمير عبد الله بعد أن نودي به ملكا على العراق في المؤتمر العراقي في الشام في 8 آذار 1920 .. كما أن فتوى الامام الشيرازي التي صدرت على أثر إجراء الاستفتاء في العراق سنة 1918 كانت تنص على أن ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب و يختار غير المسلم للامارة و السلطنة على المسلمين .. و لم نعثر على أية فتوى أو رأي شخصي ذي أهمية من الشيعة يخصص أو يشير إلى ضرورة تأمير رجل شيعي على الدولة العراقية المنتظرة . (1)

على ضوء هذه الملاحظات، بامكاننا فهم الموقف‏الفقهي‏، و بالتالي السياسي الذي وقفه السيد محسن الأمين ، من الوهابية من جهة، و من العمل السياسي الوطني الذي كان مطروحا في أيامه، من جهة ثانية.

و بالإمكان اختصار موقف السيد الأمين ، في هذا المجال، بالنقاط التالية:

أولا: إن مواقف السيد محسن الأمين ، كانت في مجملها عملية، أكثر مما كانت نظرية.. شأنها في ذلك، شان التقليد الشيعي المعروف، في التركيز على عملية الإصلاح، أكثر من الاجتهاد في ابتكار نظرية للإصلاح.. كما سبق و أشرنا في الفصل الأول من هذا البحث.

ثانيا: لقد وقف السيد الأمين من الانتداب الفرنسي على سوريا و لبنان ، موقفا معاديا و رافضا و تحريضيا. فقد تصدى بقوة للمحاولات الفرنسية الدائبة في تفريق المسلمين و إثارة التمييز المذهبي بينهم، بغية إضعافهم و إحكام القبضة الاستعمارية عليهم.

فهو يذكر، على سبيل المثال، تحت عنوان: بعض ما جرى لنا مع الفرنسيين (2) أنه أصدر الفرنسيون قانون الطوائف بما لا يوافق مصلحة المسلمين و يخالف نص الشرع الإسلامي، فعارض في ذلك جملة من علماء دمشق ، و بالغوا في المعارضة، فأوقف القانون، و أصدر الفرنسيون بلاغا بان وقفه يشمل السنيين من المسلمين فقط فقدمت بذلك احتجاجا للمفوضية الفرنسية ، باللغتين العربية و الفرنسية، قام الفرنسيون له و قعدوا و نشرته الصحف .

و كان من نتيجة ذلك إلغاء هذا القانون.

و قد حاولت سلطات الانتداب الفرنسية استمالته باغرائه بمنصب رئيس العلماء الشيعة في لبنان ، الذي استحدثته آنذاك.. و عرضوا عليه هذا المنصب، فرفضه قائلا: إن هذا الأمر لا أسير إليه بقدم، و لا أخط فيه بقلم، و لا أنطق فيه بفم . (3)

كما لا نزال نذكر من ماثوراته، تلك الكلمة المعبرة التي رد بها على مندوب المفوض السامي الفرنسي حين جاءه في دمشق زائرا، يعرض عليه تولي هذا المنصب، فرفضه قائلا: إني موظف عند الله، فلا يمكن أن أكون موظفا 27 عند المفوض السامي . (4)

و قد ساهم في التحريض العملي على الانتداب، و رموزه و مؤسساته، حتى لو كانت هذه المؤسسات تقدم خدمات عامة للجمهور، كما حدث حين اختلفت شركة الجر و التنوير الأجنبية مع الأهالي في دمشق .

فقد دعا إلى مقاطعة هذه الشركة، بسبب تحكمها بالناس لقاء تقديمها لهذه الخدمة ذات الصفة العامة، و هي الكهرباء.. و حرض الناس على مقاطعتها قائلا: لو كان فيهم شمم و إباء لآثروا النواصة على ضياء الكهرباء، و لم يرضوا بان تتحكم بهم هذه الشركة الأجنبية . (5)

و كان من نتيجة هذا الموقف، أن قاطع الناس في اليوم التالي الشركة مقاطعة تامة، و أحرقوا بعض عرباتها و لم يعد يركب فيها أحد . (6)

و قد أنتجت هذه المقاطعة الاضراب الخمسيني المشهور في سورية الذي اضطر معه الكونت دي مارتل ، المفوض السامي الفرنسي ، إلى النزول على رأي الوطنيين، مما هو معروف في تاريخ سورية و لبنان . (7)

إن بالإمكان استنتاج موقف عملي إسلامي للسيد الأمين من هذه الحادثة، و هو أن التعامل مع الغرب الاستعماري و منجزاته، لا تحدده المنفعة العملية من هذه الإنجازات فحسب، بمقدار ما تحدده الروح الكامنة وراءها، و الغاية المتوخاة منها، حتى ليمكن الاستغناء عنها، و محاربتها، إذا تبين أنها تشكل عامل ضغط و تهديد على الروح المعنوية للمسلمين .

ثالثا: لقد ساهم السيد الأمين مساهمة عملية في العمل السياسي الوطني ضد الانتداب الفرنسي ، و ذلك بدعمه المستمر للكتلة الوطنية التي نشات في سوريا .

و كانت كبرى الحركات الوطنية الكثيرة التي نشات آنذاك لمناهضة الاحتلال الأجنبي، و التصدي لأساليبه المستعملة في التنكيل بالوطنيين و سوقهم إلى المنافي و السجون.

فقد كان السيد محسن الأمين ، يقوم بدور المستشار الفكري، و المرشد الروحي لأعضاء الكتلة الوطنية، الذين كانوا يعقدون بعض اجتماعاتهم في منزله بدمشق ، كما كانوا يطلبون منه الرأي و المشورة في الكثير من خطواتهم و تحركاتهم ضد سلطات الانتداب.

يقول لطفي الحفار ، رئيس الوزارة السورية الأسبق، و أحد مؤسسي الكتلة الوطنية، في كلمة له عن السيد الأمين بعنوان إمام في الوطنية ما نصه: .. في هذه الحقبة من أيام النضال و النزال على اختلاف ظروفه و أحواله، كنا نستمد قوة روحية و دعاية واسعة و دعوة صالحة من الامام المجتهد السيد محسن الأمين . (8)

رابعا: لقد أيد السيد الأمين ، الأمير فيصل في صراعه مع الفرنسيين ، و آزره قلبا و لسانا، و استمر في مؤازرته، بعد أن توج ملكا على سورية . لان هذا التتويج كان إعلانا لاستقلال سوريا التام و تحديا للفرنسيين .

____________

(1) المرجع نفسه ص 246-247.

(2) الأمين، محسن . سيرته بقلمه.. ص 94 . (ذكر سابقا) .

(3) المصدر نفسه ص 95.

(4) المصدر نفسه ص 213. (مقال وجيه بيضون ) .

(5) المصدر نفسه ص 95-96.

(6) المصدر نفسه ص 96.

(7) المصدر نفسه ص 96. (مقال أديب الصفدي ) .

(8) المصدر نفسه ص نفسها. (مقال علي بزي ) .

28

و هو يذكر أنه حضر لتهنئته بالملك، إذ صادف وجوده في دمشق أثناء تتويجه، كما لا يخفي دفاعه الحماسي عنه، و مجاهرته بذلك، حيث تصدى لأحد القادة الفرنسيين حين زاره في منزله بدمشق ، و تعرض للملك فيصل ، فقال له السيد الأمين : إنك ضيف في منزلي، و حرمة الضيافة وحدها تمسكني عن إهانتك و لكن تاكدوا أن التاريخ لم يسجل أن القوة استطاعت الانتصار على الحق انتصارا أبديا، و لا بد للعرب في سوريا أن ينتصروا في النهاية بحقهم على قوتكم . (1)

و لعله بذلك كان مؤمنا بضرورة توحيد العرب و اتحاد المسلمين ، على اختلاف مذاهبهم، ضد المستعمر الأجنبي... لذلك جاءت مناصرته للملك فيصل ضد الفرنسيين و الإنكليز على السواء، بالرغم من أن فيصل لم يكن شيعيا .

و ذلك عائد، كما سبق و أشرنا، إلى المواقف العام الذي وقفه العلماء الشيعة من ضرورة أن يحكم البلاد الإسلامية مسلم بعمومية الإسلام ، لا بخصوصية المذهب، يتصدى للأجنبي المستعمر... شرط أن لا يضطهد هذا الحاكم المسلم المذاهب الإسلامية الأخرى المغايرة لمذهبه، أو يكفر أهلها.. كما فعلت سلطة آل سعود الوهابية في الحجاز .

خاتمة

إن من جملة الدوافع التي دفعتنا للبحث في الأفكار و المواقف العملية الاصلاحية التي طرحها السيد محسن الأمين العاملي في حياته المديدة و الخصبة، (ولد عام 1279 هـ 1862 م .. و توفي عام 1372 هـ - 1952 م ) .. هو أن هذا المفكر و المصلح الإسلامي الكبير، واحد من المصلحين الشيعة ، الذين لم يحظوا بالاهتمام المناسب بهم، لدى البحث في حركات الإصلاح و أصحابها في العالم الإسلامي، في العصر الحديث.

و الواقع أن هذا التاريخ السائد للإصلاح، جاء متناسبا مع طبيعته النظرية و موقعه من الحكم، في كثير من الأحيان.

ففي الوقت الذي كانت فيه الاصلاحية الشيعية، إصلاحية عملية في طابعها العام و لم تهتم بما فيه الكفاية، بالطابع النظري، اهتم الفقهاء السنة بتأسيس و تطوير نظرية للدولة، و السلطة، فظهرت لديهم كتب الأحكام السلطانية في عهد مبكر، يرقى إلى أواسط القرن الخامس للهجرة ، الحادي عشر للميلاد ، (2) و وضعت الفتاوى و الاجتهادات و القواعد و الأسس، التي يستلزمها قيام دولة إسلامية في عهد مبكر جدا كذلك.

و لعل السبب في ذلك عائد إلى كون‏الفقه السني‏، في اتجاهه التاريخي العام، نشا و تطور ممسكا بزمام جزء من السلطة السياسية الفعلية، على امتداد العهود الإسلامية المختلفة... في حين بقي رجال الدين الشيعة خارج هذه السلطة الرسمية السائدة، و بالتالي، خضعوا في سلوكهم، و أفكارهم، إلى هذا الموقع الخارج... . 28 و حيث أنه، ليس في الأصول الإسلامية الأساسية، من تعارض بين الفقيه و السياسي، (3) و أن التعارض الذي حاول البعض أن يراه بين الإسلام الثقافي و الإسلام السياسي إنما هو تعارض مفتعل شبيه بالتعارض الذي افترضه آخرون بين الغرب السياسي و الغرب الثقافي ..

(4) لذلك وجدنا من الأهمية بمكان أن نبحث في الأسس الفكرية الاصلاحية، و كيفية تحققها في مواقف عملية محددة، لدى إصلاحي إسلامي شيعي ظهر في النصف الأول من القرن الحالي، هو السيد محسن الأمين .

إن هذه المواقف الاصلاحية العملية لدى السيد الأمين ، كانت مرتبطة باساس عقيدي، ما في ذلك ريب، و قد تجلت في الأمور التالية التي أفضنا في بحثها على قدر الوسع، و هي:

-إصلاح الطقس الكربلائي.

-الجهد التعليمي و التربوي.

-تنقية العقيدة و محاربة الخرافات و الأوهام.

-العمل السياسي و الوطني.

و بالرغم من كل شي‏ء، يبدو جوهر الإصلاح لدى السيد محسن الأمين ، في مجمله، جوهرا هادئا في النظرية و السلوك معا. نعني بذلك أن السيد الأمين ابتعد في منهجه الاصلاحي عن العنف النظري و السلوكي الذي اتسمت به دعوات إصلاحية إسلامية أخرى كالوهابية مثلا، حيث كان محمد بن عبد الوهاب يمثل فيها الإسلام المسلح ، مقتربا أكثر فأكثر من نهج آخر هادئ في الإصلاح يركز على العامل التعليمي و التربوي في إعادة صياغة الإنسان المسلم، متقاطعا في ذلك مع مصلحين إسلاميين آخرين، ياتي في مقدمتهم الشيخ محمد عبده الذي كان يبدي إعجابه به.

و قد بذلنا، في بحثنا هذا، و في سبيل الوصول إلى النتائج و الفرضيات التي وصلنا إليها، ما وسعنا من جهد، راجين أن يعتبر هذا العمل الضئيل المتواضع، جزء من محاولة كشف النقاب، عن أفكار و مواقف مصلح إسلامي كبير، لم ينل ما يستحقه من البحث و الاهتمام.

____________

(1) المصدر نفسه ص 221.

(2) من أوائل هذه الكتب، كتاب الأحكام السلطانية للفقيه A5G الشافعي A5G الماوردي المتوفى A5G سنة 450 للهجرة A5G 1058 م . كذلك كتاب الأحكام السلطانية للفقيه A6G الحنبلي A6G أبي يعلى المتوفى A6G سنة 458 للهجرة - A6G 1065 م .

(3) شمس الدين، محمد مهدي العلمانية ط 1- دار التوجيه الإسلامي - بيروت - الكويت - A0G 1400 هـ - A0G 1980 م ص 164.

(4) كان لدى محمد عبده و رشيد رضا انفصام في النظرة إلى الغرب.. حيث كانا يميزان بين الغرب الثقافي و الفكري و يدعوان اليه، و الغرب السياسي الإمبريالي الذي بالإمكان..

تلافيه..

انظر: كوثراني، وجيه مختارات سياسية من مجلة المنار -مر سابقا. ص 18، 19، 21، 22، 25، 26.

29

كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله و صلى الله على سيدنا محمد و آله و خيار أصحابه و سلم (و بعد) فلما ضعفت شوكة ملوك الإسلام و كان من نتائج ذلك استيلاء الوهابيين من اعراب نجد على الحجاز و الحرمين الشريفين و هدم مزارات المسلمين و منها قبة أئمة أهل البيت ع و ضريحهم بالبقيع و قباب أبوي النبي (ص) عبد الله و آمنة و أجداده و أعمامه و أصحابه و أمهات المؤمنين و حواء أم البشر و العلماء و الصالحين و قباب مواليد النبي (ص) و جملة من آله و أصحابه و كل مكان يزار و يتبرك به في الحجاز و تشويه محاسن تلك المشاهد و المشاعر التي يحن إليها قلب كل مسلم في جميع أنحاء المعمورة بما لأهلها من المكانة العظيمة عند الله تعالى و عند عامة المسلمين من كل نحلة و مذهب و الخدمة الجليلة لإحياء الدين و تشييد الإسلام و جعل قبور عظماء المسلمين و أئمة الدين بعد تسويتها بالأرض معرضا لدوس الأقدام و وقوع القذرات و روث الدواب و الكلاب و وطئها بأرجلها و ربضها فوقها و غير ذلك من أنواع الاهانات فساءوا بذلك عامة المسلمين و احرقوا قلوب المؤمنين و أساءوا إلى الله تعالى و إلى نبيه (ص) باساءتهم إلى أوليائه و أهل بيت نبيه و أصحابه و لحمته استنادا إلى شبهات واهية و أمور ضعيفة سخيفة. جئت بهذه الرسالة مبينا ضعف شبهاتهم بالأدلة القاطعة من الكتاب و السنة و العقل و إجماع المسلمين و سيرة السلف، فقد عمت البلية منهم على المسلمين في الدنيا و الدين و سميتها: (كشف الارتياب. في أتباع محمد بن عبد الوهاب و بالله التوفيق و عليه نتوكل و به نستعين. و هي مرتبة على ثلاث مقدمات و ثلاثة أبواب و خاتمة.

في تاريخ الوهابية و فيها فصول‏

الفصل الأول إلى من ينسب مذهب الوهابية و متى ظهر و كيف ظهر و من اتبعه بعد ظهوره و من هو أول من بذر بذور هذا المذهب؟

ينسب مذهب الوهابية إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد ابن احمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن بعضاد بن ريس ابن زاخر بن محمد بن علي بن وهيب التميمي (و في خلاصة الكلام) في أمراء البلد الحرام للشيخ احمد بن زيني دحلان : ولد A1G محمد بن عبد الوهاب A1G سنة 1111 و توفي A1G سنة 1207 (1) . فيكون عمره A1G ستا و تسعين سنة (2) و أخذ في أول امره عن كثير من علماء مكة و المدينة و كانوا يتفرسون فيه الضلال و الإضلال و كان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين و كان يتفرس فيه ذلك و يذمه كثيرا و يحذر الناس منه و كذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه و ألف كتابا في الرد عليه. و كان في أول امره مولعا بمطالعة اخبار مدعي النبوة كمسيلمة و سجاح و الأسود العنسي و طليحة الأسدي و أمثالهم. و خلف محمد بن عبد الوهاب بعده اربعة أولاد و هم عبد الله و حسن و حسين و علي فقام بالدعوة عبد الله أكبرهم و لما مات خلف سليمان و عبد الرحمن و كان A2G سليمان متعصبا تعصبا شديدا في أمرهم فقتله إبراهيم باشا A2G سنة 1233 و قبض على عبد الرحمن و أرسله إلى مصر فمات بها و خلف حسن عبد الرحمن و ولي قضاء مكة أيام استيلاء الوهابيين عليها و عمر A3G عبد الرحمن حتى قارب A3G المائة و خلف عبد اللطيف و خلف كل من 29 حسين و علي أولادا كثيرة و لم يزل نسلهم باقيا بالدرعية إلى الآن يسمونهم أولاد الشيخ . و كان القائم بنصرة محمد بن عبد الوهاب و نشر عقيدته محمد بن سعود ثم ولده عبد العزيز ثم ولده سعود انتهى ملخصا . و سعود بن عبد العزيز هو الذي غزا العراق و الحجاز و منع المسلمين من الحج فانقطع الحج في زمانه عدة سنين كما سياتي.

و قال ملطبرون في جغرافيته المترجمة من رفاعة بك ناظر مدرسة الألسن و قلم الترجمة بمصر المطبوعة بمصر : أصل المذهب الوهابي ان العرب سيما أهل اليمن تحدثوا بان راعيا فقيرا اسمه سليمان رأى في منامه كان شعلة نار خرجت منه و انتشرت في الأرض و صارت تحرق من قابلها فقصها على معبر فعبرها بان ولدا له يحدث دولة قوية فتحققت الرؤيا في حفيده محمد بن عبد الوهاب فلما كبر محمد صار محترما عند أهل بلده بسبب هذه الرؤيا التي لا يعلم انها كانت أم لا فأول امره بين مذهبه سرا فاتبعه جماعة ثم سافر إلى الشام فلم يتبعه أحد فرجع إلى بلاد العرب بعد ان غاب عنها ثلاث سنين و جاء إلى بلاد نجد و أظهر هذا المذهب فتبعه عليه سعود (3) و كان شهما حازما و تقوى كل منهما بالآخر فقوى سعود امارته من طريق الدين باتباعه محمد بن عبد الوهاب على مذهبه و قوى ابن عبد الوهاب دعوته من طريق السيف باتباع سعود له و انتصاره به فكان سعود الأمير الحاكم و ابن عبد الوهاب الرئيس الديني و صارت ذرية كل منهما تتولى مرتبة سلفها و بعد ان صار سعود حاكما على قبيلته تغلب على قبيلتين من اليمن و دان بهذا المذهب قبائل كثيرة من العرب و جميع اعراب نجد و اختاروا مدينة الدرعية قاعدة بلادهم و هي في الجنوب الشرقي من البصرة و بعد خمس عشرة سنة اتسعت ولاية سعود و هو يطمع في الزيادة و كان يأخذ ممن يطيعه عشر المواشي و النقود و العروض بل و الأنفس فيأخذ عشر الناس بالقرعة فجمع أموالا عظيمة و صار جيشه يربو على مائة و عشرين ألف مقاتل انتهى. و في خلاصة الكلام كان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة 1143 و اشتهر امره بعد A1G الخمسين فأظهر العقيدة الزائفة بنجد و قرأها فقام بنصره محمد بن سعود أمير الدرعية فحمل أهلها على متابعته فتابعوه و ما زال يطيعه كثير من احياء العرب حتى قوي امره فخافته البادية و كان يقول لهم انما أدعوكم إلى التوحيد و ترك الشرك بالله. و عن كتاب تاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي أن ابن عبد الوهاب نشا في بلد العيينة من بلاد نجد فقرأ على أبيه‏الفقه‏على مذهب احمد بن حنبل و كان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون و ينكر عليهم أكثر الذي اتفقوا على فعله لكنه لم يساعده على ذلك أحد فسافر من العيينة إلى مكة المشرفة ثم إلى المدينة فاخذ عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف و شدد النكير على الاستغاثة بالنبي (ص) عند قبره ثم رحل إلى نجد ثم إلى البصرة يريد الشام فلما ورد البصرة اقام فيها مدة و أخذ فيها عن الشيخ محمد المجموعي و أنكر على أهلها أشياء كثيرة فأخرجوه منها فخرج هاربا ثم جاء بعد عدة تحولات إلى بلد حريملة من نجد و كان أبوه بها فلازمه و قرأ عليه و أظهر الإنكار على مسلمي نجد في عقائدهم فنهاه أبوه فلم ينته حتى وقع بينهما نزاع و وقع بينه و بين المسلمين في حريملة جدال كثير فأقام على ذلك سنتين حتى توفي أبوه سنة 1153 فاجترأ على إظهار عقائده و الإنكار على المسلمين فيما اطبقوا عليه و تبعه حثالة من الناس إلى ان غص أهل البلد من مقالاته و هموا بقتله فانتقل من حريملة إلى العيينة و رئيسها يومئذ عثمان بن احمد بن معمر فاطمعه ابن عبد الوهاب في ملك نجد فساعده عثمان و أعلن

____________

(1) ياتي في كلام الآلوسي A1G 1206

(2) الذي في النسخة A1G اثنتين و تسعين سنة لكنه لا يوافق تاريخ الولادة و الوفاة.

(3) الصواب ان أول من تبعه محمد بن سعود كما مر عن خلاصة الكلام .

30

النكير على المسلمين فتبعه، بعض أهل العيينة و هدم قبة زيد بن الخطاب التي عند الجبيلة فعظم امره و بلغ خبره سليمان بن محمد بن عزيز الحميدي صاحب الأحساء و القطيف و توابعها فأرسل سليمان كتابا إلى عثمان يأمره فيه بقتله و يهدده على المخالفة فلم تسعه مخالفته فأرسل اليه و امره بالخروج عن مملكته فقال له ان نصرتني ملكت نجدا فلم يسمع منه و خرج إلى الدرعية سنة 1160 (و هي بلاد مسيلمة الكذاب ) و صاحبها يومئذ محمد ابن سعود من قبيلة عنيزة فتوسل بامرأة الحاكم اليه و أطعمه أطمعه في ملك بلاد نجد فتبعه و بايعه على قتال المسلمين فكتب إلى أهل نجد و رؤسائهم و قضاتهم يطلب الطاعة فاطاعه بعضهم و بعضهم لم يحفل به فأمر أهل الدرعية بالقتال فأجابوه و قاتلوا معه أهل نجد و الأحساء مرارا كثيرة حتى دخل بعضهم في طاعته طوعا أو كرها و صارت امارة نجد جميعها لآل سعود بالقهر و الغلبة و مات ابن عبد الوهاب A1G سنة 1206 ثم مات محمد بن سعود فخلفه ولده عبد العزيز و قام بنصرة هذا المذهب و قاتل عليه و بلغت سراياه و عماله أقصى بلاد نجد ثم مات عبد العزيز فخلفه ولده سعود و كان أشد من أبيه في التوهب منع المسلمين عن الحج و خرج على السلطان و غالى في تكفير من خالفهم ثم مات سعود و خلفه ابنه عبد الله انتهى. و في خلاصة الكلام ان الوهابيين أرسلوا في دولة A4G الشريف مسعود بن سعيد بن زيد المتوفى A4G سنة 1165 ثلاثين من علمائهم فأمر الشريف ان يناظرهم علماء الحرمين فناظروهم فوجدوا عقائدهم فاسدة و كتب قاضي الشرع حجة بكفرهم و سجنهم فسجن بعضهم و فر الباقون. ثم في دولة A5G الشريف احمد المتوفى A5G سنة 1195 أرسل أمير الدرعية بعض علمائه فناظرهم علماء مكة و اثبتوا كفرهم فلم يأذن لهم في الحج انتهى ملخصا. و هذا المذهب و ان كان ظهوره و انتشاره في زمن محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الا ان بذره قد بذر قبل ذلك من زمن احمد بن تيمية في القرن السابع و تلميذه ابن القيم الجوزية و ابن عبد الهادي و من نسج على منوالهم. و قد عثرنا فيه على رسالة A6G لمحمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المولود A6G سنة 1059 و المتوفى A6G سنة 1182 كما عن كتاب البدر الطالع للشوكاني سماها تطهير الاعتقاد عن ادران الإلحاد و سياتي النقل عنها في محاله و هذا الرجل كان معاصرا لابن عبد الوهاب . و عن كتاب ابجد العلوم للصديق حسن خان القنوجي كان المولى العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير بلغه من أحوال النجدي ما سره فقال قصيدته المشهورة:

سلام على نجد و من حل في نجد # و ان كان تسليمي على البعد لا يجدي‏

(1)

ثم لما تحقق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن وجد الأمر غير خال من الإدغال و قال:

رجعت عن القول الذي قلت في نجد # فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي‏

30 (انتهى) و عن محمد بن إسماعيل المذكور انه قال في شرح القصيدة المذكورة المسمى بمحو الحوبة في شرح أبيات التوبة لما بلغت هذه الأبيات نجدا يعني الأبيات الأولى وصل إلينا بعد أعوام رجل عالم يسمى الشيخ مربد بن احمد التميمي و ذلك في صفر سنة 1170 و حصل بعض كتب ابن تيمية و ابن القيم بخطه ثم عاد إلى وطنه في شوال من تلك السنة و كان من تلاميذ ابن عبد الوهاب الذي وجهنا اليه الأبيات و كان تقدمه في الوصول إلينا الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي و وصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء انكرناها عليه من سفك الدماء و نهب الأموال و تجاريه على قتل النفوس و لو بالاغتيال و تكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ عبد الرحمن حتى وصل الشيخ مربد و له نباهة و معه بعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الايمان و قتلهم و نهبهم و حقق لنا أحواله و أفعاله فعرفنا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا و لم يمعن النظر و لا قرأ على من يهديه نهج الهداية و يدله على العلوم النافعة و يفقهه بل طالع بعض مؤلفات ابن تيمية و تلميذه ابن القيم و قلدهما من غير إتقان مع انهما يحرمان التقليد انتهى و هذا يدل على ان محمد بن إسماعيل المذكور رجع عن مغالاته في التوهب و لعل رجوعه كان بعد تاليفه رسالة تطهير الاعتقاد لان تلك الرسالة لا تقصر عن كتب ابن عبد الوهاب في المغالاة كما ستعرف.

و قد تبع هذا المذهب من بعد ظهوره إلى اليوم بعض من ينسب إلى العلم من أهل السنة من غير النجديين حسنه في نظرهم ظهوره بمظهر ترك البدع مع ما يرونه من كثرة البدع لكن الإفراط آفة تفسد أكثر مما تصلح (و كل يدعي وصلا بليلى ) و البعض منهم لم يصل في تضليل المسلمين إلى حد التكفير و استحلال الدم و المال كالآلوسي صاحب تاريخ نجد فيما حكي عنه حيث قال بعد ذكر سعود بن عبد العزيز : انه قاد الجيوش و أذعنت له صناديد العرب و رؤسائهم بيد انه منع الناس عن الحج و خرج على السلطان و غالى في تكفير من خالفهم و شدد في بعض الأحكام و حملوا أكثر الأمور على ظواهرها كما غالى الناس في قدحهم و الإنصاف الطريقة الوسطى لا التشديد الذي ذهب اليه علماء نجد و عامتهم من تسمية غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل الله و منعهم الحج و لا التساهل الذي عليه عامة أهل العراق و الشامات و غيرهما من الحلف بغير الله و بناء الابنية المزخرفة على قبور الصالحين و النذر لهم و غير ذلك مما نهى عنه الشارع و الحاصل ان الإفراط و التفريط في الدين ليس مما يليق بشأن المسلمين بل الأحرى بهم اتباع ما عليه السلف الصالح و تكفير بعضهم لبعض مستوجب للمقت و الغضب (انتهى) فتراه قد أنصف بعض الإنصاف في لوم الوهابيين على تكفير من خالفهم و منع الناس عن الحج و الخروج على السلطان و تسمية الغارة على المسلمين جهادا في سبيل الله و لكنه حاد عن الإنصاف في جعله الحلف بغير الله و البناء على قبور الصالحين مما نهى عنه الشارع لما ستعرف من ان النهي منه غير واقع و جعله النذر للصالحين لما ستعرف أيضا من انه لا ينذر أحد لهم بل لله و يهدي الثواب إليهم و ربما يكون كثير من غير النجديين ممن ينسب إلى العلم و يميل إلى الوهابيين لا يصل في المغالاة إلى حد التكفير و استحلال المال و الدم و الله العالم باسرار عباده.

____________

(1) و هي التي يقول فيها كما أورده في تطهير الاعتقاد :

أعادوا بها معنى سواع و مثله # يغوث و ودا ليس ذلك من ودي

و قد هتفوا عند الشدائد باسمها # كما يهتف المضطر بالصمد الفرد

و كم نحروا في سوحها من نحيرة # أهلت لغير الله جهلا على عمد

و كم طائف حول القبور مقبلا # و يلتمس الأركان منهن بالأيدي‏

31

الفصل الثاني‏

(في حروب الشريف غالب أمير مكة المكرمة مع الوهابيين ) (و استيلائهم على الحجاز في زمانه و ما فعلوه في الحجاز ) (و العراق و انقطاع الحج و الزيارة في ايامهم)

في خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام لأحمد بن زيني دحلان مفتي الشافعية ان الشريف غالبا غزا الوهابية ما ينوف عن خمسين غزوة من سنة 1205 إلى سنة 1220 فأرسل عليهم في سنة 1205 ستمائة مقاتل مع أخيه عبد العزيز مع قبائل كثيرة حتى وصل إلى عريق الدسم و ملك عدة من قرى نجد و حاصر عنيزة قرية بسام ثم رجع (و في سنة 1206 ) جهز جيشا بامرة المذكور لقتال القبائل التي دخلت في دين عبد العزيز بن محمد بن سعود (1)

فوصل به إلى تربة ثم إلى رينة ثم إلى بيشة فاطاعته كلها ثم عاد إلى مكة (و في سنة 1208 ) غزا الوهابيين بجيش من العربان بامرة عثمان المضايفي فصبح ابن قيحان بموضع يقال له عقيلان و حصلت ملحمة عظيمة انتصر فيها عثمان و أخذ جميع إبل ابن قيحان ثم هزمه ابن قيحان و لم ينتزع منه الإبل (و في سنة 1209 ) جهز جيشا بامرة أخيه عبد المعين لغزو هادي بن قرملة و كان ممن توهب فنذر به و هرب فقصد ابن قطنان من اتباع ابن سعود فحصره في قصره و قبض عليه و أرسله إلى الشريف غالب فسأله العفو فعفا عنه و أطلقه فلما وصل إلى بلده غدر و أظهر العصيان فدس اليه من قتله و قصد مواضع فيها من اتباع ابن سعود فقتل منهم ثم رجع إلى مكة (و في سنة 1210 ) جهز جيشا بامرة السيد ناصر فغزا جماعة من الوهابية فقتل و نهب و عاد سالما (ثم) جهز جيشا بامرة السيد فهيد بن عبد الله و غزا جماعة من الوهابية و قبض على ثلاثة جواسيس أرسلهم هادي بن قرملة فقتل اثنين و أخبره الثالث بموضع القوم مخافة القتل فعفا عنه و جد في السير و في اليوم الثاني وصل إلى محل هادي بن قرملة فقتل من أصحابه نحو المائة و انهزم الباقون ثم توجه على طريق الفرشة فصادف جماعة من قحطان بامرة ابن قيحان و هو ممن توهب فقتل منهم و نهب و صادف ابن شذير من شيوخ قحطان غازيا فقتل من أصحابه خمسة و أربعين و أخذ ابن شذير و ابله و خمسة من الخيل و عشرين من جياد الركاب (ثم) جهز جيشا بامرة أخيه عبد المعين فأرسل الجواسيس فوجد من يريده من العربان قد ترفع و أبعد لما سمعوا به فأبقى جماعة في تربة و رجع ثم جهز جيشا كثيفا بامرة السيد ناصر حتى أتى الشماس فدهمهم جيش الوهابيين فجرت ملحمة عظيمة و قتل من الفريقين خلق كثير و رجع السيد ناصر إلى مكة (و في سنة 1211 ) (2) جهز جيشا بامرة السيد فهيد فأرسل سرية إلى الخرمة فقتلت منهم ثم أغار على قوم من حرب توهبوا ثم ارتحل إلى روغ النعام فدهمهم الحجيلاني أمير الخرج بجند كثير فوقعت ملحمة عظيمة قتل فيها كثير من الطرفين ثم غزا هادي بن قرملة بموضع يقال له البقرة فقتل 31 منهم و أخذ فرس ابن قرملة و ابله ثم رجع إلى مكة (فجهز) له الشريف غالب جيشا و امره بالرجوع فملك رينة و نهبها و أحرق دورها ثم اتى الجنينة و أرسل الجواسيس إلى قوم سماهم فأخبر بارتحالهم فعاد إلى مكة (و في سنة 1212 ) جهز جيشا بامرة السيد فهيد على قوم من حرب في عريق الدسم توهبوا فغنم و عاد سالما (ثم) جهز جيشا بامرة السيد مبارك فأغار على قوم من حرب توهبوا بموضع يقال له العلم فغنم مواشيهم و صادف في طريقه خمسة و أربعين من الوهابية فقتلهم و أراد الرجوع فمنعه الشريف غالب و امده بجيش بامرة السيد سعد فاجتمعا على صلبة و ارتحلوا و أقاموا على مران و بثوا الجواسيس فبلغهم ان الوهابي جمع لهم ما لا طاقة لهم به فأرادوا الرجوع فمنعهم الشريف غالب و خرج بنفسه في جيش عظيم حتى وصل مران و اجتمع بهما ثم أغار على قوم من قحطان و أخذ مواشيهم ثم أغار على ابن قرملة في القنصلية و قتل منهم مقتلة عظيمة و فر ابن قرملة منهزما ثم عاد إلى رينة و حاربها و قطع نخلها فطلب أهلها الصلح فعفا عنهم و ارتحل إلى بيشة فأقر بها جماعة أطاعوه و قر فر آخرون فأحرق دورهم و ارتحل إلى الخرمة فابادها و جاءه خبر بقدوم الوهابيين في جمع عظيم فاتهم المخبر و بعد يومين أقبلوا في جموعهم و التحم القتال فقتل من الفريقين ما ينوف عن ألفين و من الاشراف نيف و أربعون و كانت الغلبة للوهابية ثم رجع إلى مكة .

صلح الشريف غالب مع الوهابية

(و في سنة 1213 في جمادى الأولى ) انعقد الصلح بين الشريف غالب و عبد العزيز بن محمد بن سعود بعد مكاتبات و جعلوا حدودا للاراضي و القبائل التي تحت طاعة الشريف و طاعة ابن سعود و أخذت العهود و المواثيق بينهم على ترك الحرب و ان يحج الوهابيون و نودي بالأمان و حج من علمائهم حمد بن ناصر و معه شرذمة منهم و لم يحج أميرهم لأن سليمان باشا والي بغداد جهز عليه جيشا بامارة علي بك كتخدا فحاصرهم لكنهم دسوا دسائس أفسدوا بها أهل العسكر و فر أميره هاربا (و في سنة 1214 ) حج سعود بن عبد العزيز و معه أناس كثير و اجتمع بالشريف غالب في خيمة ضربت لهما بالأبطح (و في سنة 1215 ) حج سعود أيضا و معه جند يزيد على عشرين ألفا و أرسل قبل قدومه هدية للشريف غالب مع حمد بن ناصر و هي خمسة و ثلاثون من الخيل و عشر من النوق العمانيات فقبلها الشريف و كافاهم عليها و كان قد احترس قبل قدومهم خوفا من غدرهم فبنى سور الطائف و الابراج التي في أطراف مكة و مداخلها و طلب كثيرا من القبائل و ترس جميع المداخل و الابراج فلم يدخل سعود مكة بجيشه قبل الوقوف بل نزل بعرفة (و في الثاني عشر من ذي الحجة ) وقع خصام بين عرب الشريف و قوم سعود أدى إلى القتال بالرصاص فمنع الشريف عربه و كف القتال و نزل الناس من منى قبل الزوال ثم رحل سعود إلى بلاده.

غزو الوهابية العراق سنة 1216 - 1225 و اعادتهم‏

يقول المؤلف (و في سنة 1216 ) جهز سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الوهابي جيشا عظيما من اعراب نجد و غزا به العراق و حاصر كربلاء ثم دخلها عنوة و أعمل في أهلها السيف و لم ينج منهم الا من فر هاربا أو اختفى في مخبا أو تحت حطب و نحوه و لم يعثروا عليه و هم جيران قبر ابن بنت رسول

____________

(1) و هو الذي تامر بعد موت أبيه محمد بن سعود الذي هو أول من اتبع محمد بن عبد الوهاب .

(2) في رسالة الفواكه العذاب لأحمد بن ناصر النجدي احدى رسائل الهدية السنية الخمس المطبوعة بمطبعة المنار بمصر ان الشريف غالبا في سنة 1211 طلب من عبد العزيز بن سعود إرسال عالم لمناظرة علماء الحرم فأرسل صاحب الرسالة و ذكر صورة المناظرة و انه أذعن له علماء الحرم و لم يشر إليها في خلاصة الكلام بل أشار إلى وقوع مناظرة قبل ذلك في دولتي الشريفين مسعود و مساعد كما مر و انى لنا بتصديق إقرار علماء الحرم له بصحة معتقده و أنه غلبهم بشبهاته التي بان ضعفها و فسادها مما أوردناه في هذا الكتاب نعم يجوز ان تكون وقعت هذه المناظرة فلم يقنع ذلك النجدي بل بقي على إصراره و عناده.

32

الله (ص) السبط الشهيد و نهبها و هدم قبر الحسين (ع) و اقتلع الشباك الموضوع على القبر الشريف و نهب جميع ما في المشهد من الذخائر و لم يرع لرسول الله (ص) و لا لذريته حرمة و أعاد بأعماله ذكرى‏وو اعمال بني امية و المتوكل العباسي و يقول أهل العراق -و هم اعلم بما جرى في بلادهم: انه ربط خيله في الصحن الشريف و طبخ القهوة و دقها في الحضرة الشريفة. و قال العلامة السيد جواد العاملي -صاحب مفتاح الكرامة و في عصره كان غزوهم للعراق : ان سعودا الوهابي الخارج في ارض نجد اخترع ما اخترع في الدين و أباح دماء المسلمين و تخريب قبور الأئمة المعصومين فأغار في السنة المذكورة على مشهد الحسين (ع) و قتل الرجال و الأطفال و أخذ الأموال و عاث في الحضرة المقدسة فأفسد بنيانها و هدم أركانها.

(قال) و في الليلة التاسعة من شهر صفر سنة 1221 قبل الصبح هجم علينا سعود الوهابي في النجف و نحن في غفلة حتى ان بعض أصحابه صعد السور و كادوا يأخذون البلد فظهرت لأمير المؤمنين ع المعجزات الظاهرة و الكرامات الباهرة فقتل من جيشه كثير و رجع خائبا.

(قال) و في جمادى الاخرة سنة 1222 جاء الخارجي الذي اسمه سعود إلى العراق بنحو من عشرين ألف مقاتل أو أزيد فجاءت النذر بأنه يريد ان يدهمنا في النجف الأشرف غيلة فتحذرنا منه و خرجنا جميعا إلى سور البلد فأتانا ليلا فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور بالبنادق و الأطواب فمضى إلى الحلة فرآهم كذلك ثم مضى إلى مشهد الحسين (ع) على حين غفلة نهارا فحاصرهم حصارا شديدا فثبتوا له خلف السور و قتل منهم و قتلوا منه و رجع خائبا و عاث في العراق و قتل من قتل و قد استولى على مكة المشرفة و المدينة المنورة و تعطل الحج ثلاث سنين.

(قال) و في سنة 1225 أحاطت الأعراب من عنزة القائلين بمقالة الوهابي بالنجف الأشرف و مشهد الحسين (ع) و قد قطعوا الطريق و نهبوا زوار الحسين (ع) بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان و قتلوا منهم جما غفيرا و أكثر القتلى من العجم و ربما قيل انهم مائة و خمسون و بقي جملة من الزوار في الحلة ما قدروا ان يأتوا إلى النجف فبعضهم صام في الحلة و بعضهم ذهب إلى الحسكة و النجف كأنها في حصار و الأعراب ممتدة من الكوفة إلى فوق مشهد الحسين (ع) بفرسخين أو أكثر انتهى.

انتقاض الصلح بين الوهابية و الشريف غالب

في خلاصة الكلام ان سعودا ما زال يدس الدسائس بعد الصلح و يكاتب مشائخ الاعراب سرا كشيخ محايل و شيخ بارق فصارا يفسدان القبائل حتى انتقض الصلح و توهب جميع قبائل الحجاز فأرسل الشريف إلى وزيره بالقنفذة ان يذهب لقتال شيخ محايل ففعل و حصل بينهما قتال شديد فهزمهم الوزير و ملك ما في واديهم و أحرق ديارهم و عاد إلى القنفذة ثم بلغه انهم رجعوا و تجمعوا و صاروا يراسلون أهل تلك الأطراف و يتهددون من لم يطعهم فأخبر بذلك الشريف فجهز جيشا عظيما بامرة السيد منديل فغزا بني كنانة و قتل منهم مقتلة و جاء الخبر ان أهل حلى توهبوا فجهز الشريف غالب عليهم جيشا بامرة السيد ناصر بن سليمان فقتل منهم كثيرا و غنم ثم رجعوا إلى مكة و معهم بعض أهل حلى تائبين و طلبوا من الشريف ان يرسل معهم 32 جيشا ففعل و أمر عليهم السيد منديل فبنى على حلى سورا و جعل فيها كثيرا من الذخائر خوف هجوم العدو و بعد ثمانية أشهر بلغه إقبال الوهابيين بامرة رجل اسمه حشر و كان فاجرا ختالا و أرسلوا إلى شيخ حلى فاستمالوه على أنهم متى خرجوا لقتالنا تمنعهم من الدخول فاخرج السيد منديل بعض رجاله لقتالهم و بقي هو في البلد في خمسين مقاتلا فنشب القتال و قتل من الفريقين جماعة و انهزم الوهابيون خديعة و جعلوا لهم كمينا فخرج على جماعة الشريف و حجز بين الفريقين حر النهار و أظهر أهل حلى الخيانة فاضطر الشريف منديل إلى الخروج و الرجوع إلى مكة (و بلغ) الشريف غالبا ان عربانا بساحل اليمن توهبوا فأرسل عليهم غزيه بامرة السيد سعد القتادي فأغار على دمينة و غامد الفرعاء و قتل فيهم و نهب و أسر تسعة عشر رجلا (و كان) وزير القنفذة أبو بكر بن عثمان أذاقهم الويل في قتاله لهم فاحتالوا على قتله بان أظهرت له الطاعة ثلاث قبائل و كاتبوه ان يأتيهم ليحاربوا معه الوهابيين و أضمروا القبض عليه إذا أتاهم فاقبل إليهم بمن معه من الجند فبادروه بالقتال فأظهره الله عليهم و قتل كثيرا منهم و نهب ثم اجتمع بعسكر السيد سعد و بلغه ان الوهابيين أقبلوا بجنود كثيرة و افترقوا فرقتين فتوجه في أثرهم فأقبلت فرقة تقاتل السيد سعدا فلما أشرفوا عليه عرفوا عجزهم فتركوه و أقبلت فرقة على القنفذة فأدركهم الوزير بموضع يقال له دكان فاثخن فيهم القتل و النهب و لم يسلم منهم الا القليل.

(و في أوائل سنة 1217 ) جمع معدى بن شار شيخ محائل اثني عشر ألفا و قصدوا القنفذة على حين غفلة فخرج إليهم الوزير في سبعمائة رام و ثلاثة عشر من الخيل فقتل منهم نحو الأربعمائة و جرح مائتين و أسر مائتين و هرب الباقون و أخذ سلاحهم و مواشيهم و هذه الوقائع كانت في مدة الصلح لما وقع منهم من الغدر بافسادهم القبائل حتى أفسدوا جميع إقليم اليمن و غيرهم (و لما) علم سعود ان إقليم اليمن سيصير تحت يده سلط سالم بن شكبان على قبائل زهران فشرع في إفسادهم و سلط عربانه عليهم فلما علم بذلك الشريف أرسل كتابا لعبد العزيز و سعود يطالبهما بالوفاء بالعهد فأرسل كل منهما كتابا يعتذر باعذار واهية و ان هذه الشوائع أكاذيب من العربان لأجل نقض الصلح فأرسل الشريف رسولا إلى زهران ليعرف الحقيقة فأخبره ان ما بلغه حق فأرسل إلى الدرعية زوج أخته عثمان بن عبد الرحمن المضايفي و الشريف عبد المحسن و ابن حميد شيخ المقطة و غيرهم لتجديد الصلح فوصلوا الدرعية و أعطوا الكتب لعبد العزيز فرحب بهم و غدر المضايفي فطلب من عبد العزيز ان يخلي له المجلس ففعل و طلب منه الامارة ليملكه مكة و ذكر له أسماء شيوخ القبائل التي يريد التامر عليها فكتب لهم كتبا انه قد اقامه أميرا عليهم و امره على الطائف و ما حولها و كتب مع الوفد جوابا للشريف بمداهنة ظاهرية و هم لا علم لهم بما جرى بينه و بين المضايفي الا انهم لما خرجوا من الدرعية أنكروا على المضايفي مدحه لمذهب الوهابية فلما وصلوا العبيلاء و بينه و بين الطائف يوم و للمضايفي فيه حصن على جبل فبقي فيه و قال لهم اجي‏ء في اثركم و دخل الحصن و نصب بيرقا و دق الزير و أرسل الكتب لشيوخ القبائل القريبة منه فأطاعوه و كان في الطائف الشريف عبد المعين وكيلا عن أخيه الشريف غالب فأرسل اليه المضايفي كتابا يدعوه فيه إلى التوهب و أول من أطاعه من القبائل الطفحة ثم النفعة و العصمة فغزا بهم على الزوران فأطاعوه بعد قتال ثم غزا عوفا فكسروه ثم خرج على العرج فهزمهم و أحرق دورهم و نهب مواشيهم فجمع الشريف غالب ما ينوف عن ثلاثة آلاف و أرسلهم إلى الطائف .

33
هجوم الوهابيين على الطائف سنة 1217

و خرج المضايفي من حصنه قاصدا الطائف فخرج اليه الشريف عبد المعين فاقتتلوا بوادي العرج تمام النهار فكان النصر للشريف عبد المعين و قتل من أصحاب المضايفي نحو الستين و لو لا تحصنهم بالجبل ما سلم منهم أحد و أخذ ما معهم من إبل و ذخائر و عاد إلى الطائف و استشهد من جماعة الشريف ثلاث عشر ثم خرج إليهم الشريف غالب بنفسه قاصدا العبيلاء و التقى بأخيه عبد المعين و أحاطوا بالحصن و رموا عليه بالقنابر و المدافع فلم يقدروا عليه فرجعوا إلى الطائف ثم عادوا ثانيا فامتنع عليهم فعادوا إلى الطائف ثم خرج المضايفي و من معه فأحاطوا بالطائف و جاءه مددا أمير بيشة سالم بن شكبان في عدد كثير و وقع القتال طول النهار و في المساء تباعدوا عن السور و في الصباح عادوا و تقاتلوا طول النهار و في المساء عادوا إلى خيامهم بعد ما قتل كثير منهم و في تلك الليلة تفرق عن الشريف من معه من الاعراب و عالجهم على البقاء فامتنعوا و ظهر خلل في السور و الابراج و ارتحل جماعة من الاشراف إلى مكة و في الغد أخبر الشريف بذلك و قيل له ان المضايفي و ابن شكبان يريدان التوجه بمن معهم إلى مكة فأرسل من يكشف الخبر فأخبره انه رآهم نازلين من ريع التمارة فتحقق عنده الخبر فاعطى العسكر و من بقي معه من البوادي لكل واحد عشرة مشاخصة و حرضهم على القتال و توجه هو إلى مكة عن طريق المثناة فوقع الفشل فيمن بالطائف و خرج رجل يسمى دخيل الله ابن حريب فلحق بالوهابيين و أخبرهم بتوجه الشريف إلى مكة فرجعوا إلى الطائف و تقدمهم رجل من كبارهم يسمى عبد الله البويحيت مع دخيل الله و جاء إلى بيت إبراهيم الزرعة و هو من أعز أهل البلد و أغناهم فاتفق معه على مبلغ من المال يدفعه لسلامة أهل البلد فخرج عبد الله ليأتيهم بالأمان فرماه بعض أهل الطائف برصاصة من منارة فقتله فلما علمت الوهابية بذلك حملوا على السور و لم يوجد من يقدر على منعهم.

دخول الوهابيين الطائف عنوة (1) سنة 1217 و فظائعهم فيها

فدخلوا البلد عنوة في ذي القعدة سنة 1217 و قتلوا الناس قتلا عاما حتى الأطفال و كانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر أمه و كان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين فادركتهم الخيل و قتلت أكثرهم و فتشوا على من توارى في البيوت و قتلوه و قتلوا من في المساجد و هم في الصلاة و دخل نيف و عشرون رجلا إلى بيت الفتنى و مائتا رجل إلى بيت الفعر و امتنعوا عن التسليم و قاتلوا ثلاثة أيام فراسلهم ابن شكبان بالأمان و قال أنتم في وجه ابن شكبان و عثمان و أعطوهم العهود فكفوا عن القتال فأرسلوا جماعة أخذوا منهم السلاح و قالوا لا يجوز للمشركين حمله ثم امروهم بالخروج لمقابلة الأمير فأمر بقتلهم فقتلوا جميعا بقوز يسمى دقاق اللوز و كان في بيوت ذوي عيسى نحو الخمسين متترسين يرمون بالرصاص فاخرجوهم بالأمان على النفس دون المال فسلبوهم و أخرجوهم إلى وادي وج و تركوهم فيه مكشوفي السوأتين و معهم النساء حتى رموا عليهم اطمارا بالية ثم عاهدوهم بعد ثلاثة عشر يوما على التوهب فصاروا يتكففون الناس فيعطى السائل الحفنة من الذرة يقضمها 33 و صارت الاعراب تدخل كل يوم إلى الطائف و تنقل المنهوبات إلى الخارج حتى صارت كأمثال الجبال فأعطوا خمسها للأمير و اقتسموا الباقي و نشروا المصاحف و كتب‏الحديث‏والفقه‏والنحوفي الازقة و أخبروا ان الأموال مدفونة في المخابي فحفروا في موضع فوجدوا فيه مالا فعندها حفروا جميع بيوت البلد حتى بيوت الخلاء و البالوعات ثم ارتحل ابن شكبان و بقي عثمان أميرا على الطائف و كتبوا إلى سعود يخبرونه بذلك فسر به سرورا عظيما و كان مبرزا بالدهناء مسير سبعة أيام عن الدرعية يريد غزو العراق .

قصد الوهابية مكة سنة 1217

فسار مسرعا إلى الحجاز و التقى بابن شكبان و أصحابه فأعادهم معه فلما وصلوا العييناء قرية على ثلاث مراحل من مكة و بلغ خبرهم أهل مكة و الحجاج الذين بها من الآفاق خافوا و اضطربوا سيما لما سمعوا بما جرى على الطائف و كان ممن حج فيها امام مسكت سلطان بن سعيد و نقيب المكلى و جاء أمير الحاج الشامي عبد الله باشا العظم و أمير الحاج المصري عثمان بك قرجي و معهما العساكر الكثيرة و شاع يوم التروية ان سعودا نزل عرفة فخاف الناس ثم ظهر كذب ذلك فلم يأت سعود في وقت الحج لكثرة الحجاج كثرة لم يسبق مثلها و بعد تمام الحج نادى منادي الشريف ان يخرج الناس إلى الجهاد فخرج شريف باشا والي جدة بعساكره فتقهقر سعود يومين و جمع الشريف أمراء الحجوج و طلب منهم محاربة الوهابية فلم يوافقوه معتلين بعدم الذخائر فتعهد لهم بها مجانا فلم يقبلوا و قالوا نكاتبه فان رجع و الا نحاربه فكاتبوه فأجابهم بالتهديد فاضطربت آراؤهم فطلب الشريف ثانيا منهم محاربته و قال في ركوبنا عليه ناموس للدولة و تكفل بكل ما يحتاجونه فلم يقبلوا و أعادوا الرسل ثانيا فأجابهم كالأول و تهدد من اقام منهم بمكة فوق ثلاثة أيام فعزموا على الرحيل و أعاد الشريف عليهم القول فلم يقبلوا فاجتمع أعيان مكة و ذهبوا إلى أمير الحاج الشامي طالبين منه البقاء عشرة أيام فأبى و سافر خامس المحرم سنة 1218 و في اليوم الثاني سافر أمير الحاج المصري ثم توجه شريف باشا إلى جدة و بقي الشريف غالب وحده فتوجه هو أيضا إلى جدة (و قال الجبرتي ) ان الشريف غالبا طلب من والي جدة و أمراء الحاج الشامي و المصري البقاء معه أياما لينقل ماله و متاعه إلى جدة فأجابوه بعد ان بذل لهم مالا فبقوا معه اثني عشر يوما ثم ارتحلوا و ارتحل بعد ان أحرق داره بمكة انتهى.

فأرسل أخوه الشريف عبد المعين كتابا إلى سعود بطلب الأمان لأهل مكة و بذل الطاعة و ان يكون هو عامله فيها و ذهب مع الرسول جماعة من أفاضل أهل مكة فاجتمعوا بسعود بوادي السيل على مرحلتين من مكة فقال لهم انما جئتكم لتعبدوا الله وحده و تهدموا الأصنام و لا تشركوا فقال بعض علمائهم و الله ما عبدنا غير الله فمد يده و قال عاهدتكم على دين الله و رسوله توالون من والاه و تعادون من عاداه و السمع و الطاعة فعاهدوه فسر بذلك و امر كاتبه فكتب لهم كتاب الامان في كاغد لا يزيد عن خمس أصابع فيه بعد البسملة.

من سعود بن عبد العزيز إلى كافة أهل مكة و العلماء و الاغوات و قاضي السلطان السلام على من اتبع الهدى‏ (2) أما بعد فأنتم جيران الله و سكان حرمه آمنون بامنه انما ندعوكم لدين الله و رسوله: (قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا

____________

(1) اما الجبرتي فإنه قال: في أواخر سنة 1217 أغار الوهابيون على الحجاز فلما قاربوا الطائف خرج إليهم الشريف غالب فهزموه فرجع إلى الطائف و أحرق داره و هرب إلى مكة فحاربوا الطائف ثلاثة أيام حتى دخلوها عنوة و قتلوا الرجال و أسروا النساء و الأطفال و هذا دأبهم مع من يحاربهم و هدم المضايفي قبة ابن عباس بالطائف الغريبة الشكل و الوصف .

(2) لم يكتب إليهم السلام عليكم لانه لا يراهم مسلمين .

34

إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ لاََ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاََ يَتَّخِذَ بَعْضُنََا بَعْضاً أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنََّا مُسْلِمُونَ) فأنتم في وجه الله و وجه أمير المسلمين سعود بن عبد العزيز و أميركم عبد المعين بن مساعد فاسمعوا له و أطيعوا ما أطاع الله و السلام فقرأه مفتي المالكية على الناس بعد صلاة الجمعة.

استيلاء الوهابية على مكة بدون حرب سنة 1218

و في ثامن المحرم وصل سعود (1) محرما فطاف و سعى و نحر من الإبل نحو المائة و نزل في بستان الشريف الذي في المحصب و في اليوم الثاني لوصوله نادى مناديه باجتماع الناس غدا ضحوة النهار فاجتمعوا و صعد على أعلى درج الصفا و المفتي عن يمينه و القاضي عن شماله فحمد الله و اثنى عليه و قال الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله وحده صدق وعده و نصر عبده و أنجز وعده و أعز جنده لا اله الا الله و لا نعبد الا إياه مخلصين له الدين و لو كره الكافرون الحمد لله الذي صدقنا وعده و سكت (ثم قال) يا أهل مكة أنتم جيران بيته آمنون بامنه و سكنى حرمه و أنتم في خير بقعة اعلموا ان مكة حرام ما فيها لا يحتلى خلاها و لا ينفر صيدها و لا يعضد شجرها و انما أحلت ساعة من نهار و انا كنا من أضعف العرب و لما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا اليه و كل يهزأ بنا و يقاتلنا عليه و ينهب مواشينا و نشتريها منهم و لم نزل ندعو الناس للإسلام و جميع من تراه عيونكم و من تسمعون به من القبائل انما أسلموا بهذا السيف و رفع سيفه تجاه الكعبة . و قد كنت في هذا العام غازيا نحو العراق فلما سمعت ما وقع من المسلمين و أقبلوا عليكم يغزونكم خفت عليكم من العربان و البادية فاحمدوا الله الذي هداكم للإسلام و أنقذكم من الشرك و انا أدعوكم ان تعبدوا الله وحده و تقلعوا عن الشرك الذي كنتم عليه و اطلب منكم ان تبايعوني على دين الله و رسوله و توالون من والاه و تعادون من عاداه في السراء و الضراء و السمع و الطاعة ثم جلس فبايعه الشريف عبد المعين ثم المفتي ثم القاضي ثم بقية الناس على طبقاتهم (ثم قال) انتظروني بعد صلاة العصر بين الركن و المقام لأبين لكم الدين و شرائط الإسلام ثم انصرف (فلما) كان العصر اجتمعوا فصعد على ظهر زمزم و معه المفتي فجعل يعلمه و هو يعلم الناس و يقول: اعلموا أيها الناس ان الأمير سعودا يقول لكم ان الخمر و الزنا حرام (إلى آخر ما قال) مما لا يجهله أحد (ثم قال) لهم في غد اهدموا القبب و الأصنام حتى لا يكون لكم معبود غير الله.

هدم الوهابية القبور و القبب بمكة و حملهم الناس على معتقداتهم سنة 1218

(و في الصباح) بادر الوهابيون و معهم كثير من الناس بالمساحي فهدموا أولا ما في المعلى من القبب و هي كثيرة ثم هدموا قبة مولد النبي (ص) و مولد أبي بكر و علي و قبة السيدة خديجة (و في تاريخ الجبرتي ) انهم هدموا أيضا قبة زمزم و القباب التي حول الكعبة و الأبنية التي هي أعلى من الكعبة انتهى 34 و تتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها و هم عند الهدم يرتجزون و يضربون الطبل و يغنون و يبالغون في شتم القبور و يقولون‏ إِنْ هِيَ إِلاََّ أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا حتى قيل ان بعضهم بال على قبر السيد المحجوب (و اما) أهل مكة فمشوا معهم خوفا فما مضى ثلاثة أيام الا و محوا تلك الآثار (ثم) نادوا بابطال تكرار صلاة الجماعة في المسجد و ان يصلي الصبح الشافعي و الظهر المالكي و العصر الحنبلي و المغرب الحنفي و العشاء من شاء و ان يصلي الجمعة المفتي (ثم) امر بإحراق النارجيلات و آلات اللهو بعد كتابة أسماء أصحابها عليها ليعرف من أطاعه و وكل بذلك جماعة من قومه و منع شرب التتن و التنباك و حمل الناس على ترك الاستغاثة بالمخلوقين و بناء القباب على القبور و تقبيل الأعتاب و غير ذلك مما يرونه بدعة أو شركا (و كان) ينزل من المحصب قبل الفجر ليحضر صلاة الصبح فسمع المؤذنين يؤذنون الأذان الأول و يصلون على النبي (ص) و يقولون يا ارحم الراحمين و يترضون عن الصحابة فقال هذا شرك أكبر و منعهم منه (ثم) امر علماء مكة ان يدرسوا عقيدة محمد بن عبد الوهاب المسماة كشف الشبهات فلم تسعهم المخالفة ثم طلب قبائل العرب الذين حول مكة فبايعوه و أخذ منهم أموالا كثيرة زعم انها نكال و وضع في القلعة مائتين من بيشة و امر عليهم فهيدا أخا سالم بن شكبان .

محاصرة الوهابية جدة و رجوعهم عنها

(و أرسل) كتابا لأهل جدة يطلب دخولهم في طاعته فأجابوه بانا رعية الشريف فطاعتنا من طاعته و ان أطعناك هل تطلب منا شيئا من المال فأرسل يطلب منهم مائتي ألف ريال و ستين ألف مشخص و من القماش ما قيمته ستة آلاف ريال و وجه من يقبض ذلك ثم توجه بجيوشه إلى جدة فاستعد له الشريف غالب بالمدافع و القلل فجعلوا يحملون على السور و تشتتهم المدافع فينهزمون حتى قتل منهم خلق كثير فبقوا ثمانية أيام و جعل سعود يشتم عثمان المضايفي لأنه هو الذي أشار بمنازلة جدة ثم ارتحلوا إلى بلادهم و لم يدخلوا مكة (و قال) الجبرتي في سنة 1218 جاءت كتب إلى مصر من الشريف غالب و شريف باشا ان الوهابيين جلوا عن جدة و مكة لأنه بلغهم ان العجم زحفوا على بلادهم الدرعية و ملكوا بعضها (انتهى) فغزا الشريف غالب أهل الوادي فقتل و أسر و فر أميرها ثم عاد إلى جدة . و في أيام امارة الشريف عبد المعين على مكة صارت العرب تقطع الطرق و تنهب في كل ناحية و ليس عنده من الجند ما يدفعهم به.

دخول الشريف غالب مكة و خروج الوهابيين منها (سنة 1218)

(ثم) ان الشريف غالبا عزم على دخول مكة و إخراج من فيها من الوهابيين فتوجه من جدة و معه شريف باشا والي جدة و كثير من العسكر و ثلاثة مدافع منها مدفع كبير أهداه له امام مسكت فنزل بالزاهر و أرسل العسكر و العبيد فأحاطوا بقلعة جياد و فيها الجند الذي خلفه سعود و دخل الشريف مكة و معه شريف باشا و لم ينازعه الشريف عبد المعين و بقي الذين في القلعة محصورين ثم هربوا ليلا (و أقبلت) هذيل لمبايعة الشريف و طلبوا الأمان لثقيف فلم يعطهم الأمان حتى يفارقوا المضايفي فأظهرت ثقيف ذلك ثم نكثت. و جهز الشريف عسكرا لمحافظة الزيماء و جهز جماعة لمحاصرة

____________

(1) الذي في تاريخ الجبرتي ان الواصل مع عسكر الوهابيين إلى مكة هو عبد العزيز بن سعود و ان دخولهم إليها كان يوم عاشوراء سنة 1218 بعد ارتحال الحاج و الشريف غالب بيومين قال فولى الشريف عبد المعين أميرا على مكة و الشيخ عقيلا قاضيا (انتهى) و في رسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ان دخولهم مكة كان يوم السبت نصف النهار ثامن المحرم سنة 1318 و هو الصواب لأنه كان معهم.

35

الطائف فأحاطوا بها مع ثقيف و حاصروا عثمان أكثر من شهر و ضيقوا عليه فامده سعود بالجنود فارتحل المحاصرون إلى قرن ثم عادوا إلى مكة ثم أرسل الشريف جندا إلى قرن فجاءهم جند كثير من قبل عثمان فعادوا إلى مكة و دخلت ثقيف في طاعة عثمان فجهز الشريف عليهم عسكرا فقتل منهم و أخذ حلتهم و مواشيهم ثم توجه المضايفي و ابن شكبان لقتال هذيل الشام فقتلوا من هذيل و سلبوا النساء ثم أرسلوا إلى بني مسعود و هم في جبلهم ليتوهبوا فلم يقبلوا و وقع القتال فقتل بنو مسعود من الوهابية نحو السبعمائة ثم صعد الوهابية الجبل و قتلوا من أدركوه ثم نزلوا و نادوا بالأمان فعاد إليهم من بقي من بني مسعود فاخذ منهم ابن شكبان غرامة شيئا كثيرا. ثم غزا المضايفي الاشراف بني عمر و أهل اللفاع و قامت الحرب بينهم حتى قتل من الاشراف ستة و عشرون و نهبوهم و سلبوا نساءهم حتى جردوها من الثياب فطلبوا الامان و توهبوا ثم اقبل المضايفي و ابن شكبان لحصار مكة فلما وصلوا السيل نهبوا كل ما في طريقهم من المواشي و اقتسموه و كان أمير الحاج الشامي سليمان باشا مملوك احمد باشا الجزار فطلب منه الشريف غالب إبقاء طائفة من العسكر لحماية البلد الحرام و يقوم الشريف بلوازمهم فأبى ثم قبل بواسطة أمين الصرة ان يبقي مائة و خمسين مع مائة و خمسين جملا بما عليها من لوازم القتال.

محاصرة الوهابية جدة ثانيا و رجوعهم عنها

ثم دخلت سنة 1219 و فيها في المحرم اقبل ابن شكبان و المضايفي باثني عشر ألف مقاتل لحصار جدة فأراد الشريف غالب تحصين مكة لعلمه بعدم قدرتهم على جدة فنادى بالنفير العام فخرج الناس على طبقاتهم إلى الزاهر حاملين السلاح و بقوا هناك سبع ليال اما الذين حاصروا جدة فبقوا ثلاثة أيام يحملون عليها حملة واحدة فيفرقهم المدفع و يقتل منهم فينهزمون إلى خيامهم حتى قتل الكثير منهم و امتلأت الحفر و القنوات من جيفهم و كانوا يدفنون العشرة و العشرين في محل واحد فلما رأوا ذلك ارتحلوا و قتل عثمان في طريقه حيا من الاعراب و أخذوا إبلا للشريف غالب فجهز الشريف جيشا إلى الليث من طريق البر بقيادة بعض الاشراف مع مائة من خيل الأتراك بقيادة حسين آغا و جيشا من طريق البحر معه عشرة من الداوات الكبار مشحونة بالذخائر و المدافع الكبار بقيادة مفرح آغا عتيق الوزير ريحان فوصل جيش البحر إلى الليث و أطاعه اهله بغير قتال و تلاه جيش البر و بعد ثلاثة أيام هجم عليهم اربعة آلاف من الوهابية فكانت ملحمة عظيمة انجلت عن انهزام الوهابية و قتل كثير منهم و استشهد الشريف حسن أمير الجيش البري و جمع بعض الأتراك رؤوس الوهابيين و أرسلها إلى الشريف فعلقت خارج مكة و هرع الناس للنظر إليها ثم جهز الشريف جيشا إلى الليث فلم يجدوا فيها أحدا ثم جهز جيشا آخر فيه من الأتراك نحو مائتين و خمسين فارسا و أمرهم ان يقيموا بالمدرة مرابطين فبقوا فيها ثلاثة أشهر و تغير الهواء على الأتراك فمرضوا و رجع الكثير إلى مكة و لم يبق الا أربعون فهجم عليهم المضايفي بغتة باربعة آلاف مقاتل و نصر الله الأربعين على الأربعة آلاف فهزموهم و قتلوا فيهم قتلا ذريعا حتى وصلوا إلى الزيماء هاربين و أرسل الشريف خلفهم مائتين من الخيل فلم تلحقهم و أنعم الشريف على أولئك الأربعين (و جاءت الاخبار) ان عشرين من خيل الوهابية تصل إلى المغمس فتنهب إذا سنحت لها الفرصة من بادية الحرم فأرسل الشريف سرية فيها 35 اربعة عشر فارسا و عشرون راميا فوصلوا إلى المغمس فلم يجدوا أحدا فلما أقبلوا على سولة رأوا ما ينوف عن خمسمائة فوقع الحرب بينهم و انتصر ذلك العدد القليل على الوهابية فافنوا الكثير منهم و هزموهم هزيمة قبيحة و غنموا منهم و عادوا إلى مكة و معهم الرءوس على الرماح.

استيلاء الوهابية على ينبع سنة 1219 و إخراجهم منها

ثم أن بداي شيخ حرب و قومه توهبوا و حاصر هو و ابن جبارة شيخ جهينة ينبع و أرسلا إبراهيم الرويتي إلى وزيرها محمد الحجري فخدعه و خوفه و صعب عليه الأمور و لم يكن عنده دراية بالحرب فطلب الامان و لو لا ذلك لم يقدروا عليه فدخلوا ينبع و قتلوا أهلها و توجه وزيرها إلى جدة في البحر ثم اتى مكة و رمي عند الشريف بالخيانة فصلبه و توجه الشريف إلى جدة و جهز عشر داوات كبارا بالذخائر و العساكر نصفها من عسكره و نصفها من الترك و في أيام إقامته بجدة وصلها إبراهيم الرويتي فوجد معه اوراقا من بداي يفسد بها الرعية فأمر بصلبه فصلب ثلاثة أيام و استولى الجند المرسل إلى ينبع عليها بعد قتال ثلاثة أيام و قتلوا أصحاب ابن بداي قتلا ذريعا.

محاصرة الشريف غالب الطائف و حروبه مع الوهابية

ثم توجه الشريف غالب بعسكر عظيم و حاصر المضايفي في الطائف عشرة أيام ثم عاد إلى مكة و جاء عبد الوهاب أبو نقطة من قواد الوهابية إلى ارض اليمن حتى وصل الليث بجند كثير فخرج الشريف بجنوده إلى قتاله حتى اتى السعدية فوجد فيها جنود الوهابية و التحم القتال فكان النصر أولا للشريف ثم انتصر الوهابية و قتل من الفريقين نحو الألفين لكن القتلى من الوهابية أكثر ثم انهزموا و لحقتهم خيل الشريف ثم عادوا إلى مكة و وصل المضايفي و ابن شكبان إلى الزيما بجنود كثيرة ثم أتوا عرفة و دخل في دينهم بعض قريش و هذيل و قتلوا من لم يطعهم أو أسروه و هدموا عين زبيدة فقل الماء بمكة ثم انتقل كثير منهم إلى وادي مر و جعلوا ينهبون و يقتلون الوافدين إلى مكة .

و جاء الحاج الشامي و المصري من طريق جدة و حج الناس و لم يحج أحد من الحجاز بسبب هذه الفتنة.

محاصرة الوهابية مكة سنة 1219

و قام الاعراب بمحاصرة مكة من جميع الجهات و كلم الشريف أمير الحاج الشامي إبراهيم باشا والي الشام ان يخرج لقتال الوهابية فأبى فطلب منه جمالا و عسكرا لاحضار القوت و الذخيرة من جدة فوعد ثم اخلف (و جاء) ليلة خمسة فوارس و هو مقيم بالزاهر فصاحوا في أطراف العسكر و كبروا فخاف خوفا شديدا و كاتب المضايفي و صار يأتيه بعض الوهابية فيكرمهم ثم سافر فجر العشرين من ذي الحجة و أخذ معه العسكر الذي كان أبقاه أمير الحاج الشامي في السنة الماضية و لم يأذن له المضايفي في الرحيل حتى دفع له مائتي كيس فسكن الشريف روع أهل البلد و قام بحفظه بمن معه من الأعوان و ترسه من الجوانب الأربعة.

36
اشتداد الغلاء بمكة عام 1219

و اشتد الغلاء و الجوع لانقطاع الطرق و ابتدأ من أواخر ذي الحجة سنة 19 1219 و استمر إلى ذي القعدة سنة 20 1220 فبلغت كيلة القمح و الرز مشخصين و الزبيب ثلاث ريالات و رطل السكر و الشحم و الزيت ريالين و البن و اللحم و التمر ريالا و السمن ريالا و نصفا و باع أهل مكة جميع ما يملكونه بابخس الأثمان ثم عدمت الأقوات بالكلية و أكل الناس الأدوية كبزر الخشخاش و زبيب الهوى و الصمغ و النوى و بزر الحمر و شربوا الدم و أكلوا الجلود و السنانير و الكلاب و كل حيوان (و كاتب) جملة من الناس المضايفي و انسل بعضهم اليه ليلا و كاتبه بعض شيوخ العبيد الذين بيدهم القلعة فبلغ ذلك الشريف فسجن جماعة و قتل بعض شيوخ العبيد و دخل كثير من الأشراف في طاعة الوهابي .

تشديد الوهابية الحصار على مكة

و في المحرم سنة 1220 ارتحل الوهابيون الذين بالوادي إلى أطراف مكة فقاتلهم العبيد الذين في الأبراج حول مكة من الظهر إلى الغروب و قتل من الوهابيين سبعة فتوجه الوهابيون إلى الحسينية و أخذوا مواشيها و قتلوا من أهلها أحد عشر رجلا و توجهوا إلى العابدية لأنه بلغهم ان العبيد تركوا الأبراج و جاءوا إلى مكة لطلب الزاد فبلغ ذلك الشريف فأعادهم في الحال و أمدهم بمثلهم فسبقوا الوهابيين إليها ثم ارتحل المضايفي و ابن شكبان بعد ما بنوا حصنا بالمدرة و تركوا فيه حامية و كان قد بايعهم أكثر العربان الذين بأطراف مكة فامروهم بقطع الجلب عن مكة فاجتهد الشريف في جمع الجمال و أرسلها إلى جدة لتاتي بالأقوات و معها مائة فارس و عدد غيرهم و خرج معهم كثير من أهل مكة فرارا من الجوع حتى بلغ كراء الجمل سبعين قرشا إلى ثمانين و بلغ الشريف خروج بعض الوهابية عليهم فأمدهم بمائة فارس و جاء الخبر أن الذاهبين أولا خرج عليهم ثلاثة فرسان و كانوا جواسيس ثم ظهر نحو عشرين فقتلوا بعضهم و فر الباقون و لما بلغوا المنتجى و هو جبل وجدوا في حصنه سبعة من الوهابيين فقتلوهم و جاءوا برءوسهم إلى جدة و وردت أغنام إلى جدة فنهبها الوهابيون ثم رجعت القافلة إلى مكة و بلغ كراء البعير ثلاثين ريالا ثم أعاد الشريف القافلة إلى جدة مخفورة فذهبت و عادت سالمة ثم أعادها ثالثا و رابعا و خرج معها في المرة الرابعة من أهل مكة نحو ثلاثة آلاف ثم انقطع الطريق بالكلية و أحاطت الوهابية بمكة من جميع جوانبها فبقوا على ذلك شعبان و رمضان ثم أرسل الشريف جيشا على قوم من لحيان توهبوا فقتل منهم ثلاثة و أخذ خمسين بعيرا و فر الباقون (ثم) جهز جيشا على المناعمة و المطارفة فولوا هاربين و غنموا منهم ثم جهز جيشا مكمل العدة و معهم مدفع كبير على حصن المدرة و فيه جماعة من الوهابية فأحاطوا به و رموه بالقنابل و جاء مدد لمن فيه فطردهم عسكر الشريف و أرسل لهم الشريف مدفعا آخر و جاء قوم يريدون دخول الحصن فقاتلهم العسكر فانهزموا ثم هجموا على الحصن و وصل الترك إلى بابه فوجدوا عليه عشرة فقتلوا ستة و فر اربعة و أمدهم الشريف بمائتين مع مدفع ثم بلغهم ان المضايفي أمد أهل الحصن بثلاثة آلاف فعملوا متاريس فلما أقبلوا رموهم بالمدفع و قاتلوهم إلى آخر النهار فقتل من جيش المضايفي نحو الخمسين و لم يقتل أحد من جيش الشريف و في الليل أشار عليهم بعض من خالطه الخوف بالعود إلى مكة فعادوا فادركتهم خيل الوهابية قبل دخول مكة ففر بعضهم و ثبت البعض 36 و وقعت بينهم ملحمة قتل فيها من عسكر الشريف عشرة و من الوهابية جماعة من المشهورين و غنم عسكر الشريف منهم خيلا.

ثم وصل سالم بن شكبان الطائف بخمسمائة و استقبله المضايفي و خيموا قرب جبال بني سفيان و أرسلوا إليهم و تهددوهم فأطاعوهم خوفا و جاءت مشائخهم إلى المضايفي و ابن شكبان فطوقوهم بالحديد و وضعوا على كل سفياني عشرين ريالا و أخذوا سلاحهم فلما سمعت هذيل طلبت الأمان و حملت ما طلبوه من المال فقالوا لهم قد صح إسلامكم فقاتلوا أهل مكة المشركين و انزلوا من جبالكم و اسكنوا تهامة و امنعوا القوت عن مكة فبلغ ذلك الشريف فأمر ببناء أبراج في الحسينية ثم ارتحل ابن شكبان و المضايفي (و بلغ) الشريف ان الوهابية تريد أخذ القافلة الواردة من جدة فجهز جيشا لحمايتها و أصبح الجيش بالركابي فما ملأوا القرب حتى جاءهم الوهابية و وقع القتال على ظهور الخيل و صعد ثلاثون من عبيد الشريف على جبل و جعلوا يرمون بالبنادق فقتلوا عدة و انهزم الوهابيون و قتل أميرهم و قتل منهم جماعة مع ثمان من الخيل و نهبت بعض خيلهم ثم أحاط جماعة منهم بالعبيد الذين في الجبل و وقع بينهم القتال فقتل من الوهابيين سبعون و من العبيد خمسة و عشرون و سلمت القافلة ثم جمع سعود امراءه منهم عبد الوهاب أبو نقطة أمير عسير و سالم ابن شكبان أمير بيشة و عثمان المضايفي أمير الطائف و غيرهم و أمرهم بحصار مكة من جميع الجهات و منع الأقوات عنها.

فجاء المضايفي بخمسة آلاف و خيم في المضيق و أرسل عشرين فارسا يركضون فكبروا و طلبوا البراز فطلبتهم خيل الشريف ففروا.

محاصرة الوهابيين جدة و قطعهم الطرقات عنها و عن مكة (و اشتداد الغلاء سنة 1220 )

ثم قصد جدة و أحاطوا بالسور و معهم السلالم و المعاول فابعدتهم حامية السور بالبندق و المدفع و قتلوا كثيرا منهم فانهزموا ثم ارتحلوا إلى المدرة و طلب المضايفي باقي العربان و رتبهم لقطع الطرقات طريق جدة و اليمن و وادي نعمان و حصن المدرة و انتقل هو و أصحابه إلى طريق جدة يقتلون و يأسرون من يمر بهم من الحجاج و غيرهم و ينادونهم يا مشركون ثم امر أربعين من هذيل ان يكونوا بين مكة و الحسينية يقطعون الطريق فأخذوا اربعة من أصحاب الشريف و منعوا الناس من الاعتمار من التنعيم و قتلوا بعض المعتمرين عند الزاهر ثم ارتحل المضايفي من طريق جدة إلى الحسينية فجهز الشريف جماعة فالتقوا بهم بأسفل مكة و وقع القتال فانهزم الوهابيون و قتل منهم جماعة و قتل من جماعة الشريف السيد فواز الحسيني أمير المدينة و عاد أصحاب المضايفي إلى الحسينية فحاربوا من فيها يومين و ملكوها و أرسل المضايفي يبشر سعودا بذلك و جاء ابن شكبان بزهاء خمسة آلاف و أبو نقطة بنحو عشرة آلاف فتكاملوا في الحسينية ثلاثين ألفا فاشتد الكرب على أهل مكة و زاد الغلاء حتى بلغت الكيلة من القمح و الرز مشخصين و من الزبيب ثلاث ريالات و رطل السكر و الشحم و الزيت ريالين و السمن و العسل ريالين و نصفا و التمر و البن ريالا و اللحم نصف ريال و التنباك ستة ريالات و نصفا و نفدت النقود فاشتروا بالأثاث و الحلي و باعوا ما قيمته مائة بعشرة و اشتروا ما قيمته عشرة بمائة و أكلوا الجلود البالية و المطاط بعد حرقها بالنار و السنانير و الكلاب و كل حيوان و شربوا الدم و أكلوا نباتا يسمى الأخريط فأثر فيهم ورما ثم يموتون‏

37

و فنيت الأقوات فأكل الناس العقاقير و الأدوية كما فعلوا سنة 1219 و مات كثير بالجوع و بعضهم مات و هو يمشي و ترى الأطفال موتى في كل زقاق فهرع الناس إلى الحسينية من الطرق الصعبة خوفا من السطوة بهم فمنهم قتل و منهم مات جوعا و منهم وصل محمولا و لم يبق بمكة الا القليل و لا يتكامل الصف الأول عند الصلاة في المسجد الحرام و أغلقت الحوانيت.

صلح الوهابية مع الشريف غالب سنة 1220

و جاء من الحسينية عبد الرحمن بن نامي أحد علماء الوهابية و تذاكر مع الشريف في الصلح على ان يأذن لهم في الحج ثم يرجعوا لبلادهم و يدخل الناس في الطاعة و يكون حكم مكة للشريف و شرط عليهم اعادة الحسينية و غرامة ما ذهب فيها من نفوس و اموال و غير ذلك مما رأى فيه الصلاح و الرفق بأهل مكة و ان يخبروا سعودا بالصلح و ينتظروا الجواب فدخلوا مكة و عاد إليها أهلها و تنازلت الأسعار و حج الوهابية و جعلوا يركضون في الطواف و يشيرون إلى الحجر الأسود بالمشاعيب و البواكير و وصل الحاج الشامي و أميره عبد الله باشا و معه قوة زائدة عن العادة نحو ألف و خمسمائة خيال و قال سعود (1)

لاميري الحاج الشامي و المصري ما هذه العويدات التي تأتون بها و تعظمونها يعني المحمل فقالوا جرت العادة بذلك علامة لاجتماع الحجاج فتوعدهم بتكسيرها ان جاءوا بها ثانية و شرط ان لا يأتوا بالطبل و الزمر و اقام الوهابيون إلى حادي عشر المحرم سنة 1221 ثم ارتحلوا و أصيبوا مدة مقامهم بمكة بالجدري فمات كثير منهم حتى صاروا يدفنون في الحفرة الواحدة جماعة و كان الكثير منهم مدة إقامتهم بمكة يؤجرون أنفسهم لأهل مكة للاحتطاب و حمل القمائم و نزح المراحيض و غير ذلك (و في افتتاح هذه السنة) وجه الشريف عماله على الأقطار فأرسل وزيرا إلى ينبع و أرسل مائتين من الأتراك إلى سواكن و مثلها إلى مصوع و نزل هو إلى جدة و رتب أمورها و امر بإصلاح السور و عمارة الخندق و بناء برج على باب البوغاز المسمى بالعلم يمنع الداخل إلى المرسى ان قصده عنوة (ثم) وصل من الدرعية عشرون رجلا فيهم حمد بن ناصر أحد علمائهم و كان الشريف بجدة فأعطوه كتبا من سعود فيها إتمام امر الصلح و نزل حمد إلى مسجد عكاش و جمع الناس و قرأ عليهم رسالة محمد بن عبد الوهاب التي يكفر فيها المسلمين و قبل الشريف بمنع جميع الأمور التي يعتقد الوهابية منعها مرغما على ذلك فأمر بهدم القباب و ترك شرب التنباك و عدم بيعه و بدخول الناس المسجد عند سماع الأذان لصلاة الجماعة و بتدريس رسائل ابن عبد الوهاب و ترك تكرير الجماعة في المسجد الحرام و الاقتصار على الأذان في المنائر و ترك التسليم و التذكير و الترحيم و أبطل ضرب نوبته و نوبة والي جدة فتوجه حمد بن ناصر إلى الدرعية يخبرهم بذلك و أرسل الشريف معه رسولا فرجع بالجواب و الشريف باق بجدة فأعاد الجواب لهم و في مدة غيابه في جدة وقعت فتنة بين الأتراك و العبيد فحضر إلى مكة و اطفاها و عاقب من كان سببها فلما بلغ خبرها المضايفي فرح و ذهب من الطائف إلى الدرعية ليخبر سعودا بذلك و يشنع على الشريف فلم يصادف قبولا عند سعود فرجع و امر العربان بقطع الطرق مشاقة للشريف و كان 37 سعود أعطاه امارة العربان فارتفعت الأسعار بمكة لانقطاع الطرق فأخبر الشريف سعودا بذلك فأرسل إلى عثمان و منعه فعاد الأمن و تراخت الأسعار ثم امر الشريف ببناء حصن على رأس جبل الهندي و حصنه بالرجال و الذخائر و كان مدة استيلائهم على مكة يصانعهم و يهدي لهم الأموال الجزيلة و كانت هداياه تصل إلى أكثر امرائهم و علمائهم و أعوانهم محافظة على نفسه و على أهل مكة و كان سعود و كثير من امرائهم يحجون كل سنة بجنود كثيرة فيكرمهم الشريف و يهيأ لهم الضيافات الكثيرة و مع ذلك كان يكاتب الدولة العثمانية سرا و يحثهم على تعجيل تجهيز العساكر لانقاذ الحرمين من الوهابية .

و في خلاصة الكلام في هذه السنة كان أمير الحاج الشامي عبد الله باشا فلما وصل منزل هدية جاءه من الوهابي لا تأت الا على ما شرطنا عليك في العام الماضي فرجع الحاج من هدية و لم يحجوا اما المحمل المصري فأمر سعود باحراقه و نادى مناديه بعد انقضاء الحج ان لا ياتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن و تلا في المناداة: (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا) فانقطع مجي‏ء الحاج الشامي و المصري من هذا العام. (2)

نهب الوهابية ذخائر الحجرة النبوية و هدم القباب بالمدينة المنورة سنة 1221

و فيها أخذ الوهابي كلما في الحجرة النبوية من الأموال و الجواهر و طرد قاضي مكة و المدينة و اقام لقضاء مكة الشيخ عبد الحفيظ و لقضاء المدينة بعض علمائها و منعوا الناس من زيارة النبي (ص) .

و قال الجبرتي لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها و في ينبع و منها قبة أئمة البقيع بالمدينة لكنهم لم يهدموا قبة النبي (ص) و حملوا الناس على ما حملوهم عليه بمكة و أخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية و جواهرها حتى انهم ملأوا اربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس و الياقوت العظيمة القدر و من ذلك اربع شمعدانات من الزمرد و بدل الشمعة قطعة ماس تضي‏ء في الظلام و نحو مائة سيف لا تقوم قراباتها ملبسة بالذهب الخالص و منزل عليها ماس و ياقوت و نصابها من الزمرد و اليشم و نحو ذلك و نصلها من الحديد الموصوف و عليها أسماء الملوك و الخلفاء السالفين و طرد الوهابية أغوات الحرم و القاضي الذي كان قد توجه لقضاء المدينة و اسمه سعد بك و خدام الحرم المكي و قاضي مكة فتوجه مع الشاميين .

و قال الجبرتي في حوادث سنة 1222 في هذه السنة أخبر الحجاج المصريون انهم منعوا من زيارة المدينة المنورة .

انقطاع الحج من مصر و الشام و العراق

قال العلامة السيد جواد العاملي في حوادث سنة 1222 انه تعطل الحج

____________

(1) و قال الجبرتي ان سعودا في سنة 1322 توعد بحرق المحمل ان جي‏ء به ثانيا و صاحب خلاصة الكلام قال ان ذلك كان سنة 20 كما سمعت مع انه لم يظهر من كلامه ان سعودا حج تلك السنة بل ظاهره انه لم يحج .

(2) هذا يدل على انه منع غير الوهابيين من الحج مطلقا و يدل عليه كلام بعض المؤرخين لأنه يرى ان جميع من ليس وهابيا مشركون و ممن صرح بان سعودا منع الناس عن الحج محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد على ما حكي عنه و هو غير متهم في حق الوهابيين .

38

ثلاث سنين كما مر فيكون ابتداء انقطاعه من العراق سنة 1220 و ذكر الجبرتي في حوادث سنة 1223 ان منها انقطاع الحج الشامي و المصري (أقول) و كان ابتداء انقطاع الحج من الشام في سنة 1221 و من مصر في سنة 1222 كما مر فيظهر ان الحج انقطع من العراق اربع سنين و من الشام ثلاث سنين و من مصر سنتين و لا يعلم هل انقطع بعد ذلك أو لا.

هجوم الوهابيين على سورية سنة 1225

عن تاريخ الأمير حيدر الشهابي انه في هذه السنة هجم عبد الله بن سعود الوهابي على بلاد حوران فنهب الأموال و أحرق الغلال و قتل الأنفس البريئة و سبى النساء و قتل الأطفال و هدم المنازل و عاث في الأرض فسادا حتى قيل انه أتلف في تلك البلاد ما قيمته ثلاثة آلاف ألف درهم. و في خلاصة الكلام انه في هذه السنة أرسل الوهابيون جيشا إلى ناحية الشام فتوجه يوسف باشا المعدني إلى جهة المزيريب و حصن قلعتها و استعد لهم بجيش و حاربوهم و طردوهم .

الفصل الثالث‏

في محاربة محمد علي باشا للوهابيين

و ننقل ذلك من تاريخ الجبرتي و خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام لأحمد بن زيني دحلان .

في سنة 1218 أرسلت الدولة العثمانية إلى محمد علي باشا والي مصر ان يرسل اربعة آلاف عسكري إلى الحجاز لمحاربة الوهابية و انهم أرسلوا من جهة بغداد اربع بشوات مع العساكر و أرسلوا إلى احمد باشا الجزار والي عكا بالتوجه لمحاربتهم و في سنتي 1222 و 23 1223 أرسلت تحثه فاعتذر بان هذا الأمر لا يتم بالعجلة و يحتاج إلى الاستعداد و في سنة 1224 أرسلت له بذلك و ان يوسف باشا المعدني تعين للسفر إلى الحرمين عن طريق الشام و سليمان باشا والي بغداد تعين للسفر من ناحيته على الدرعية و في سنة 1225 حضر عيسى آغا من قبل الدولة العثمانية إلى الإسكندرية و معه مهمات و آلات مراكب و لوازم حرب لسفر الحجاز و محاربة الوهابية و في سنة 1226 اهتم محمد علي باشا بامر الحجاز و إرسال العساكر اليه فسافر إلى السويس و حجز المراكب و كان عمل قبل ذلك مراكب بالسويس لهذا الغرض و امر بعمل مراكب كبار لحمل الخيول ثم قلد ابنه طوسون باشا ساري عسكر الحجاز و عسكروا خارج مصر (1) ثم سافر طوسون في شهر رمضان من هذه السنة مع قسم من العسكر عن طريق البحر و معه رئيس التجار السيد محمد المحروقي و أوصاه أبوه بالأخذ برأيه و من العلماء الشيخ المهدي و السيد احمد الطحطاوي و سافر القسم الآخر من العسكر عن طريق البر و كان الشريف غالب يراسل محمد علي باشا و يعده معاونة عساكره و المذكور أيضا يراسله فلما وصلت العساكر 38 البحرية إلى ينبع البحر لم يعطوهم ماء و منعهم المرابطون عند العين و رموا عليهم من القلعة بالمدافع و الرصاص فأحاطوا بها و ضربوا عليها بالقنابل و صعدوا إليها بالسلام غير مبالين بالرصاص النازل عليهم فملكوها و قتلوا من بها سوى سبعة هربوا على خيولهم منهم وزير الشريف و نهبت ينبع و سبيت نساؤها على رواية الجبرتي و أرسل بعض الرءوس إلى مصر و وصلت العساكر البرية إلى المويلح ثم اجتمعت بعساكر البحر و أخذوا ينبع البر بلا قتال و أتتهم العربان أفواجا فخلع عليهم طوسون ثم ملكوا قرية السويق قرية ابن جبارة و فر هاربا (و اجتمع) جماعة من كبار الوهابية فيهم عبد الله ابن سعود و المضايفي في نحو من سبعة آلاف فارس عدى الرجالة و قصدوا تبييت العسكر فنذر بهم و خرج إليهم شديد شيخ الحويطات بفرسانه و طائفة من العسكر فوافاهم قبل شروق الشمس و وقع القتال و الوهابية ينادون هاه يا مشركون فانهزمت الوهابية و غنموا منهم سبعين هجينا و كانت الحرب بقدر ساعتين ثم انتقل العسكر إلى الصفراء و الجديدة و اجتمع مع الوهابية كثير من قبائل العرب فوقع القتال ثالث عشر ذي القعدة و وجد العسكر المصري متاريس فحاربوا عليها حتى أخذوها و صعدوا إلى الجبال فهالهم كثرة جيش الوهابية و سارت الخيل في مضيق الجبال و بقيت الحرب في أعاليها يوما و ليلة فما شعر السفلانيون الا و الذين في الأعالي هابطون منهزمين فانهزموا جميعا و تركوا خيامهم و اثقالهم و ساروا طالبين السفن التي كانوا أعدوها بساحل البريك احتياطا و وقع في قلوبهم الرعب و ظنوا ان الوهابيين في أثرهم و الحال انهم لم يتبعوهم فازدحموا على السفن و ذهب كثير منهم مشاة إلى ينبع البحر و رجع طوسون و خاصته و الخيالة إلى ينبع البحر فبقوا فيها خمسة و عشرين يوما و بعد الإذن من محمد علي باشا حضر طوسون و من معه إلى مصر و معهم العلماء و المحروقي في أوائل سنة 1227 فسخط محمد علي باشا على العسكر و طرد الذين جاءوا بغير إذن و لم يثنه ما وقع عن عزمه و شرع في تجهيز جيش آخر فبعث عسكرا من طريق البحر مع خزنداره الملقب بونابرتة و امره ان يكون هو و طوسون في ينبع لمحافظتها و أرسل عسكرا مع صالح آغا إلى ينبع عن طريق البر و سافر عدة من عسكر المغاربة و العثمانيين إلى ينبع و جاءت عساكر كثيرة من الأتراك و عينت للسفر و قام هو بلوازمهم و صار يوالي إرسال العساكر برا و بحرا و أظهر العزم على السفر بنفسه إلى الحجاز فاجتمعت العساكر في ينبع و معهم صناديق الأموال فأخذوا في تألف العربان و استمالتهم بالمال و استولت عساكر الأتراك على عقبة الصفراء و الجديدة بدون حرب بل بالمخادعة و المصالحة مع العرب و تدبير شريف مكة الذي كان يكاتبهم سرا و يكاتبونه و يعملون بتدبيره و لم يجدوا بها أحدا من الوهابيين ثم وصلت عساكر الأتراك إلى المدينة المنورة و نزلوا بفنائها ثم ان كبراء العرب الذين استمالوهم و منهم شيخ الحويطات أخبروا ان الهزيمة السابقة كانت من مقاتلة عرب حرب و الصفراء المتوهبين و انهم مجهودون و الوهابية لا يعطونهم شيئا و يقولون قاتلوا عن دينكم و بلادكم فإذا بذلت لهم الأموال صاروا معكم و ملكوكم البلاد فأرسل محمد علي بعض أمرائه و معه صناديق الأموال و الكسوة و أشاع الخروج بنفسه و استمر على إرسال النجدات و هو معسكر خارج باب النصر دائب على تعليم العساكر يومي الاثنين و الخميس فوصل الأمير ينبع البر و ذهب شيخ الحويطات و جماعة إلى شيخ حرب و لم يزالوا به حتى وافقهم و جاءوا به اليه فأكرمه و خلع عليه و على شيوخ العربان فالبسهم الفرو و الكسوة و شالات الكشمير و صب عليهم الأموال و أعطى شيخ حرب مائة ألف ريال فرانسة فرقها على عشيرته و خصه بثمانية

____________

(1) و بهذه الواسطة احتال على أمراء المماليك المصرية و قتلهم فإنه عمل موكبا عظيما لتجهيز العساكر و خروجها إلى الحجاز حضره أمراء المماليك و كان قد أسر إلى بعض أمرائه بقتلهم فلما توسطوا الموكب أغلقوا الأبواب امامهم و وراءهم و قتلوهم عن آخرهم و لم يسلم منهم الا من لم يحضر فبقي شريدا و صفت له مملكة مصر بقتلهم لأنهم كانوا أمراءها و ينازعونه الملك.

39

عشر ألف ريال و رتب لهم العلوفات و المؤن و نقودا في كل شهر فادخلوهم المدينة المنورة فاخرجوا من فيها من الوهابية و استولوا على قلعتها و نزل متولي القلعة من قبل الوهابية و اسمه مضيان أو ابن مضيان على حكمهم فأرسلوه إلى مصر فأرسله محمد علي إلى اسلامبول فقتلوه و علقوه على باب السراية و جاء جماعة إلى مصر معهم مفاتيح المدينة فزينت مصر و أرسل محمد علي المفاتيح إلى اسلامبول و أرسل البشائر إلى كافة بلاد الإسلام (و حج) سعود في هذا العام ثم رجع إلى بلاده مسرعا و كاتب الشريف العساكر الذين في ينبع فحضرت منهم طائفة إلى جدة من طريق البحر في المحرم سنة 1228 و ملكوها بدون قتال و كان في قلعة مكة جماعة من الوهابية يسمونهم المهاجرين فلما بلغهم وصول العساكر إلى جدة هربوا ليلا و توجه بعض عسكر جدة إلى مكة فأكرمهم الشريف و لما بلغ ذلك وهابية الطائف استولى عليهم الرعب فهربوا مع أميرهم المضايفي و وصلت البشائر إلى مصر فزينت خمسة أيام و أرسل محمد علي بشيرا إلى اسلامبول اسمه لطيف آغا فتلقاه أعيان الدولة في موكب عظيم و معه مفاتيح زعموا انها مفاتيح مكة و المدينة و جدة و الطائف و قد وضعوها على صفائح الذهب و الفضة امامها البخور في مجامر الذهب و الفضة و خلفها الطبول و الزمور و ضربوا لذلك مدافع و أنعم عليه السلطان و كبراء الدولة و سمي لطيف باشا و أنعمت الدولة على محمد علي و أهدته خنجرين و سيفا مجوهرة و عدة اطواخ بالباشوية لمن يريده و سال الشريف مفتي المالكية الشيخ عبد الملك القلعي هل جعلتم تاريخا لانقضاء مدة الوهابية فقال (قطع دابر الخوارج ) 1227 و أرسل محمد علي باشا ولده إسماعيل باشا إلى اسلامبول بالبشارة فأكرمته الدولة ثم عاد إلى مصر و بعد استقرار العساكر بمكة و الطائف شنوا الغارات على طوائف الوهابية القريبين من الطائف حتى قتلوا كثيرا منهم و فرقوا جموعهم.

القبض على المضايفي

ثم قبضوا على المضايفي بناحية الطائف و كان قد جرد على الطائف فبرز اليه الشريف غالب مع عساكر الأتراك و العربان و وقعت الحرب و أصيب جواده و أصابته جراحة فنزل إلى الأرض و اختلط بالعسكر فلم يعرفوه و ارتفعت الحرب بنزوله ثم خرج عنهم و سار نحو اربع ساعات فصادفه جند الشريف فقبضوا عليه فجعل الشريف في عنقه زنجيرا و كان المضايفي زوج أخت الشريف فاستاء منه و انضم إلى الوهابيين فكان أعظم أعوانهم و هو الذي كان يحارب لهم و يجمع قبائل العرب و يدعوهم عدة سنين و يوجه السرايا و هو الذي فتح الطائف و هو المحارب مع عرب حرب بناحية الصفراء الذي هزم عساكر طوسون و شتتهم كما مر و كان فصيحا متأنيا في الكلام عليه آثار الامارة و معرفة مواقع الكلام ثم أرسلوه إلى جدة و منها إلى مصر و الزنجير في عنقه (و جاءت) البشارة إلى محمد علي بالقبض على المضايفي و قد تهيأ للسفر إلى الحجاز فوصل جدة في أواخر شوال سنة 1228 و كانوا أرسلوا المضايفي فلم يره و بعد وصول المضايفي إلى مصر بثلاثة أيام أرسلوه مع ابن مضيان إلى اسلامبول فطافوا بهما فيها ثم قتلوهما.

و لما وصل محمد علي باشا إلى جدة و اجتمع بولده طوسون حضر الشريف غالب لمقابلته و جاءته رسل سعود الوهابي فقالوا الأمير سعود يطلب الإفراج عن المضايفي و يفتديه بمائة ألف ريال فرانسية و يريد الصلح فقال اما المضايفي فأرسل إلى اسلامبول و اما الصلح فلا ناباه بشرط دفع كل ما صرفناه 39 على العساكر من ابتداء الحرب إلى اليوم و إرجاع كل ما اخذه من ذخائر الحجرة النبوية و دفع ثمن ما استهلك منها و ان ياتي إلي لأتعاهد معه و يتم صلحنا و ان ابى فنحن ذاهبون اليه فقالوا اكتب له كتابا فقال لا اكتب لأنه لم يرسل معكم كتابا فكما جئتم بمجرد الكلام فعودوا به فلما أرادوا الانصراف جمع العساكر و نصبوا ميدان الحرب و الرمي من البنادق و المدافع ليرى الرسل ذلك.

ثم توجه محمد علي إلى مكة فاحتفل به الشريف غاية الاحتفال و بالغ في ضيافته و إكرامه مع شدة التحذر منه و أنزله و ولده طوسون كلا في دار كان الباشا يعظم الشريف غاية التعظيم و يقبل يده و تعاهد معه في جوف الكعبة على الوفاء و عدم الخيانة من الطرفين و من تحذره منه ان حسن له توجه العساكر من جدة إلى الطائف بدون دخول مكة لئلا يحصل ضيق في الماء لكثرة الحاج ففعل و لم يكن مع الباشا في مكة من العساكر الا قليل و كان عند الشريف عساكر موظفون نحو الألفين متفرقين قلقات في أطراف مكة و من العبيد نحو الألف في القلاع و لكن إذا جاء القدر لم ينفع الحذر.

القبض على الشريف غالب

و كان محمد علي باشا مأمورا من السلطنة بالقبض على الشريف غالب فتحير في ذلك لتحذر الشريف منه و لما بينهما من العهود فرأى ان يقبض عليه ابنه طوسون تخلصا من خلف العهد بزعمه فأظهر ان بينه و بين ابنه منافرة و ذهب ابنه لجدة مظهرا انه مغاضب لأبيه و كتب إلى الشريف ان يشفع له عنده ففعل فكتب الشريف اليه بالحضور فحضر و ذهب الشريف للسلام عليه و ليأخذه إلى أبيه فلما وصل إلى بيت طوسون وجد أكثر العساكر مجتمعة فلم ينكر ذلك لظنه انهم جاءوا للسلام فدخل على طوسون و تفرق اتباعه في الدهليز و قبل طوسون يده و عظمه و منع الناس من الدخول على العادة ثم دخل عابدين بك من كبار العسكر فقبل يد الشريف و قبض على الجنبية ليأخذها من وسطه و قال أنت مطلوب للدولة فلم يجد بدا من التسليم فقال سمعا و طاعة اقضي أشغالي في ثلاثة أيام ثم أتوجه فقال لا سبيل إلى ذلك و أدخلوه إلى بيت آخر و لا يعلم أحد بشي‏ء و ذلك في أواخر ذي القعدة من سنة 1228 و مكة مملوءة بالحجاج و أرسل طوسون إلى أبيه يعلمه بذلك فاستشار الشيخ احمد تركي الذي كانت هذه الحيلة بتدبيره و هو مطوف ذو عقل و دهاء و كان من المختصين بالشريف و يعتمد عليه في المهمات و يبعثه إلى دار السلطنة فلما قدم محمد علي الحجاز جعله ملازما له فوجده محمد علي ذا خبرة و دراية فقربه و صار يستشيره و لما رجع إلى مصر امر نائبه بمكة باستشارته فقال ان الشريف له ثلاثة أولاد كبار فيخشى ان يحدثوا فتنة و القلاع بايدي عبيدهم و عندهم عساكر موظفة فلا بد من الاحتيال للقبض عليهم فذهب الشيخ احمد إلى الشريف غالب و قبل يده و قال افندينا يسلم عليكم و يقول لا تهتموا و القصد ان تقابلوا مولانا السلطان و ترجعوا إلى ملككم و يكون مدة غيابكم أحد أولادكم نائبا عنكم فاطلبوهم و اخبروهم بالحقيقة ليطمئنوا فصدقه و امر بكتابة ورقة لهم ليحضروا و ختمها فحضروا و قبض عليهم و قيل بل أرادوا الحرب لما علموا فتهددهم الباشا و أرسل إليهم الشريف فمنعهم عن ذلك و خدعهم الشيخ احمد تركي فقال ليس على أبيكم بأس انما هو مطلوب في مشاورة مع الدولة و يعود بالسلامة و الباشا يريد ان يولي كبيركم نيابة عن أبيه حتى يرجع فانخدعوا و قاموا معه و الله اعلم

40

و أشار الشيخ احمد بتوليه الشريف يحيى ابن أخي A1G الشريف غالب امارة مكة قبل شيوع الخبر فاحضروه و البسه محمد علي فرو سمور و شالا ثمينا و احضر له صندوقا من المال و اركبوه على فرس مرخت و مشت القواسة بين يديه حتى اوصلوه إلى داره و عندها علمت الناس بحقيقة الحال و ارتجت البلد و عزلت الأسواق خوفا من فتنة فلم يحصل شي‏ء و في الليل أرسلوا الشريف غالبا و أولاده مع اربعة عبيد طواشية إلى جدة و معهم عسكر فاخذ العسكر ما في جيوبه ثم أرسلوا إلى مصر فوصولها في المحرم سنة 1229 و ضربوا لوصولهم عدة مدافع و دخل الشريف مصر بالإجلال و الإكرام لكن منعت الناس من السلام عليه الا خواص الباشا ثم أرسلوا حريمه إلى مصر و استولى الباشا على جميع موجودات الشريف فاخذ ما لا يحصيه الا الله و اخرج حرمه و جواريه من داره بما عليهن من الثياب بعد ما فتشوهن تفتيشا فاحشا و في خلاصة الكلام ان العساكر نهبت داره التي بجياد و أخذوا منها أموالا كثيرة و اخرجوا اهله منها بصورة شنيعة و حضر مرسوم من اسلامبول بإرجاع ما أخذ من الشريف فصالحوه عنه بخمسمائة كيس و كان أكثر من ذلك بكثير و في شعبان من هذه السنة أرسلوه مع أولاده و حريمه إلى سالونيك فأقام بها منفيا إلى ان توفي رحمه الله تعالى A1G سنة 1231 و كان من دهاة العالم و كانت امارته نحوا من سبع و عشرين سنة .

مداومة محمد علي باشا على حرب الوهابية

ثم استحضر الباشا من مصر سبعة آلاف عسكري و سبعة آلاف كيس و كان بناحية تربة امرأة مشهورة بالشجاعة تسمى غالية هي الأميرة على العرب و اجتمع عندها كثير من أمراء الوهابية و جنودهم فأرسل إليها الباشا عسكرا سنة 1229 فهزمته شر هزيمة ثم أرسل إليها ابنه طوسون فحاربتهم ثمانية أيام و رجعوا منهزمين و نفرت العرب من الباشا بما صنعه مع الشريف غالب و انضم كثير من الاشراف إلى الخصم و وقع الغلاء بالحرمين .

و فيها في ربيع الثاني مات سعود أمير الوهابية في الدرعية و تولى مكانه ابنه عبد الله (و فيه) أرسل الباشا عساكر كثيرة إلى ناحية القنفذة برا و بحرا فاستولوا عليها و هرب من فيها من الوهابية و لم يجدوا فيها غير أهلها فقتلوهم فتجمعت قبائل عسير مع طامي أبي نقطة و حاصروا القنفذة و منعوا عنها الماء فانهزمت العساكر و قتل كثير منهم فأرسل الباشا إليهم نجدة فهزموها.

و في جمادى الثانية توجه بنفسه إلى الطائف لمحاربة الوهابية و العساكر و الذخائر و الأموال تأتيه من مصر و بلغت العشور بميناء جدة اربعة و عشرين لكا و جعل يستميل الناس بالمال و صالح الاشراف و مشائخ العربان الذين فروا منه ثم توجه من الطائف إلى كلاخ و وجه العساكر إلى جهات متفرقة و وجه ابنه طوسون إلى المدينة ثم عاد هو إلى مكة إلى ان حج.

و في افتتاح سنة 1230 عاد إلى الطائف و وقع بينه و بين الوهابية حروب كان النصر له فيها عليهم و استولى على تربة و بيشة و رينة و قتل الكثير من الوهابيين و توجه إلى قنفذة من بلاد عسير فملكها و قبض على طامي أبي نقطة فان الشريف راجحا بذل لابن أخي طامي مالا جزيلا ليقبض على عمه فصنع وليمة و دعاه إليها فقبض عليه فأرسلوه إلى مصر مغلولا ثم إلى اسلامبول فقتل.

و لم يزل محمد علي باشا يجول في بلاد العرب و يقهر الخصوم و يبذل الأموال 40 و يرتب الأمراء في كل موضع يستولي عليه إلى جمادى الأولى ثم عاد إلى مكة و رتب بها الأرزاق للاشراف و غيرهم و جدد دفاتر الجراية لأهل مكة و كانت انقطعت في زمن الوهابية و أبطل ما استولى عليه الأغنياء منها بالفراغات و رتبها ترتيبا جديدا ثم اقام حسن باشا الأرناءوطي نائبا عنه بمكة و توجه إلى مصر فوصلها في رجب .

الصلح بين طوسون باشا و الوهابية سنة 1230 و وفاة طوسون

و في شعبان من هذه السنة تصالح طوسون و عبد الله بن سعود و ترك عبد الله الحرب و أذعن للطاعة و جاء من الوهابية نحو عشرين شخصا إلى طوسون فأرسل اثنين منهم إلى أبيه بمصر فلم يعجبه الصلح ثم حضر A1G طوسون إلى مصر في ذي القعدة و في A1G سنة 1231 توفي بالطاعون و عمره نحو A1G عشرين سنة و ولد له في غيابه مولود اسمه عباس و هو الذي ولي مصر بعد عمه إبراهيم باشا .

و بقي امر محمد علي باشا نافذا بالحجاز و عساكره في كل ناحية و نائبه بمكة حسن باشا و مستشاره بها الشيخ احمد تركي و الشريف شنبر و لم ينقطع إرسال العساكر من مصر إلى الحجاز .

و في أوائل سنة 1232 أرسل ولده إبراهيم باشا إلى الحجاز لإكمال محاربة الوهابيين و الاستيلاء على الدرعية فتوجه بعساكر و اموال و ذخائر كثيرة حتى دخل مكة ثم خرج منها بالعساكر قاصدا الدرعية و جعل يملك كل ارض وصلها بلا معارض حتى وصل إلى موضع يسمى الموتان و وقع بينه و بين الوهابية حرب شديدة و قتل منهم مقتلة عظيمة و أسر منهم و غنم خياما و مدفعين (و في سنة 1233 ) امده أبوه بعساكر أتراك و مغاربة و ملك بلدا من بلاد الوهابية و قبض على أميرها و يسمى عتيبة ثم استولى على الشقراء و كان بها عبد الله بن سعود فخرج هاربا إلى الدرعية ليلا و بينها و بين الشقراء يومان ثم استولى إبراهيم باشا على بلد كبير من بلادهم و لم يبق بينه و بين الدرعية الا ثمان عشرة ساعة ثم زحف على الدرعية فملك جانبا منها و حاصر الوهابيين و أحاط بهم ثم غاب عن معسكره لامر اقتضى ذلك فاغتنموا فرصة غيابه و كبسوا العسكر و قتلوا منه عددا وافرا و احرقوا الجبخانة و لما بلغ الخبر أباه امده بالعساكر برا و بحرا مع قائد اسمه خليل باشا و لم يزل يتابع إرسال الذخائر و الأموال حتى انها بلغت اجرة الذخيرة مرة من ينبع إلى المدينة على جمال العرب خاصة خمسة و أربعين ألف ريال لكل بعير ستة ريالات و من المدينة إلى الدرعية مائة و أربعين ألف ريال هذا في مرة واحدة و مثله مستمر. و لم يزل إبراهيم باشا يغير على أطرافهم و يشدد الحصار عليهم و لما وصله المدد ازدادت قوته و حصل له معهم وقائع إلى ان استولى على الدرعية و كسر الوهابية و قبض على أميرهم عبد الله بن سعود و كثير من أقربائه و عشيرته و أخرب الدرعية فسكن من بقي من أهلها الرياض و لما بلغ ذلك محمد علي باشا بمصر فرح فرحا شديدا و ضرب لذلك نحو ألف مدفع و بلغ عدد المدافع التي ضربت أيام الزينة ثمانين ألف مدفع.

و في أول سنة 1234 أرسل إبراهيم باشا عبد الله بن سعود و كثيرا ممن قبض عليهم إلى مصر فدخلها و هو راكب على هجين و أمامه العسكر و خرج الناس للتفرج و ضربوا عند دخوله المدافع فلما ادخل على محمد علي باشا قابله بالبشاشة و قام له و أجلسه إلى جانبه و قال له ما هذه المطاولة فقال‏

41

الحرب سجال قال كيف رأيت إبراهيم باشا فقال ما قصر و نحن كذلك حتى كان ما كان قدره المولى قال انا (إن شاء الله) أشفع فيك عند السلطان فقال المقدر يكون فخلع عليه و كان معه صندوق صغير مصفح فسأله ما فيه فقال فيه ما اخذه أبي من الحجرة أصحبه معي إلى السلطان فإذا فيه ثلاثة مصاحف متقنة و ثلاثمائة حبة لؤلؤ كبار و حبة زمرد كبيرة و بها شريط ذهب فقال له الذي اخذه أبوك من الحجرة أشياء كثيرة غير هذا فقال هذا الذي وجدته فإنه لم يستأصل كل ما في الحجرة لنفسه بل أخذ منه كبار العرب و أهل المدينة و أغوات الحرم و شريف مكة فقال صحيح وجدنا عند الشريف غالب أشياء من ذلك ثم أرسله في تاسع عشر المحرم مع اتباعه مخفورا إلى اسلامبول فطافوا به البلدة و قتلوه عند باب همايون و قتلوا اتباعه في نواح متفرقة (و فيها) أرسل محمد علي ابن أخته خليل باشا بعساكر إلى الحجاز فتوجه إلى يمن الحجاز و استولى عليه صلحا ثم صار محافظا لمكة و فيها في رجب وصل من اسرى الوهابية نحو اربعمائة إلى مصر أرسلهم إبراهيم باشا بحريمهم و أولادهم و معهم أولاد عبد الله بن سعود و بعد ان حج إبراهيم باشا توجه إلى مصر فوصلها في صفر سنة 1235 و احضر معه من رؤساء الوهابية فشهروهم و قتلوهم و استقر ملك محمد علي باشا على مصر و الحجاز و نجد (1) و كان قد هرب كثير من كبار الوهابية من إبراهيم باشا حين ملك الدرعية فلما ارتحل عنها رجعوا إليها منهم عمر بن عبد العزيز و تركي ابن أخي عبد العزيز و مشاري بن سعود و كان قبض عليه إبراهيم باشا فهرب من الحمراء فعمروا الدرعية و رجع أكثر أهلها و قدموا عليهم مشاريا المذكور فجهز محمد علي عسكرا له بامرة حسين بك فقبضوا على مشاري و أرسلوه إلى مصر فمات في الطريق و تحصن الباقون في قلعة الرياض المعروفة عند المتقدمين بحجر اليمامة و بينها و بين الدرعية اربع ساعات فحاصرهم حسين بك ثلاثا فطلبوا الامان فامنهم و خرجوا الا تركيا فهرب من القلعة ليلا فقيدهم و أرسلهم إلى مصر سنة 1236 ثم ملك تركي الرياض بعد سنين و ثار عليه رجل من آل سعود اسمه مشاري فقتل تركيا و كان لتركي ولد اسمه فيصل كان عند قتل أبيه في الغزو فلما بلغه جاء برجال الغزو و قتل مشاريا و استقل بالملك و استفحل أمره و أشهر الدعوة التي كان عليها اسلافه فجهز محمد علي العساكر لقتاله مع خورشيد باشا فتوجه من المدينة سنة 1253 و معه خالد بك ابن سعود و هو 41 من اسرى سنة 1233 كبر و تربى بمصر فاستحسن محمد علي ان يؤمره في نجد فلما وصل خورشيد إلى نجد حصل بينه و بين فيصل وقائع كثيرة إلى ان قبض على فيصل و أرسله إلى مصر سنة 1254 و اقام خالدا أميرا في الرياض و رجع فاستمر خالد في الامارة سنتين ثم ظهر لأهل نجد عدم سلوكه الطريقة التي يرتضونها فثار عليه عبد الله بن ثنيان مع النجديين و أرادوا الفتك به فهرب إلى مكة ثم مات و صار امر نجد لابن ثنيان فلما بلغ ذلك فيصلا و هو محبوس بمصر قال لعباس باشا ابن طوسون باشا و كان يجتمع به لو وصلت إلى نجد لانتزعتها من ابن ثنيان و صرت خادما لافندينا فاحتال عباس لإخراجه ليلا من القلعة فهرب بمن معه حتى وصلوا جبل شمر مقر امارة بن رشيد فأكرمهم و توجهوا إلى القصيم فانضاف إليهم كثير منهم فقصدوا ابن ثنيان في الرياض فقاتلوه و حصروه إلى ان قبضوا عليه و حبسوه ثم قتل خنقا في الحبس سنة 1258 و استقل فيصل بالملك و في سنة 1262 صدر الأمر من الدولة العثمانية بتجهيز العساكر لمحاربة فيصل بن تركي أمير الرياض لانه استفحل امره و يخشى ان يقع منه ما وقع من اسلافه و ان يكون ذلك برأي الشريف محمد بن عون أمير مكة المكرمة فتوجه الشريف مع العساكر من المدينة حتى وصل جبل شمر فسار معه أميره ابن رشيد بكثير من القبائل و لما وصلوا القصيم أطاعهم اهله فخاف فيصل خوفا شديدا فأرسل لأهل القصيم ان يتوسطوا في الصلح على تادية عشرة آلاف ريال في كل سنة فتم الصلح و رجع الشريف بالعساكر و استمر A4G فيصل يدفع ذلك حتى مات A4G سنة 1282 فقام بعده ابنه عبد الله فنازعه اخوته و انتزعوا الأمر منه و أقاموا أخاه سعودا ثم توفي فعادت الإمرة اليه إلى سنة 1300 و لكن ملكه ضعف لان الدولة العثمانية انتزعت منه الحسا و القطيف و خرج عن طاعته أهل القصيم و أطاعوا الدولة العثمانية و أدوا لها الخراج و أميرهم منهم و خرج عن طاعته ابن رشيد أمير جبل شمر و قوي ملكه و أطاع الدولة العمانية العثمانية و أدى لها الخراج على قول صاحب خلاصة الكلام و الذي نعلمه انه لم يكن يؤدي لها خراجا و انما يهدي لها الخيل الجياد و غيرها و هي دائما في جانبه دون ابن سعود بل كان الشائع في ذلك العصر ان ابن سعود في جانب الإنكليز .

الفصل الرابع‏

فيما آل اليه امر نجد و ما فعله الوهابيون في الحجاز و العراق و الشام في هذا الزمان‏

بعد ما تقلص حكم محمد علي باشا عن بلاد نجد صار فيها امارتان إحداهما لآل سعود مقرها القصيم و عاصمتها الرياض و الاخرى لآل رشيد و عاصمتها حائل في جبل شمر و هو المعروف في القديم بجبل طيئ و قوت الدولة العثمانية جانب امارة آل الرشيد و صارت هي صاحبة الحول و الطول في نجد و بخفارتها يسير الحاج العراقي و النجدي عن طريق حائل بخاوة (خفارة) قدرها ثلاثون ريال فرانسة عن العربي و ضعفها عن العجمي و ليس للدولة العثمانية على نجد حكم سوى انها في جانب آل الرشيد و مع ذلك فرعايا ابن رشيد كلهم أو جلهم على المذهب الوهابي بل لعل آل رشيد كانوا أيضا على هذا المذهب و في عهد السلطان عبد الحميد انشات الدولة العثمانية متصرفية في أطراف نجد غير متصرفية القطيف فكان نصيبها الفشل و حاصر النجديون العساكر المرسلة لحمايتها فعادوا باسوإ حال و ألغيت تلك المتصرفية ثم ان ابن رشيد غلب آل سعود على أمرهم و اخرج الأمير عبد الرحمن الفيصل

____________

(1) و حارب السودان و استولى على كثير من بلادها و حصل اختلاف بينه و بين السلطان محمود سنة 1247 ثم أرسل ولده إبراهيم باشا إلى الشام فحصل قتال تملك بعده الشام و زحف بعساكره على بلاد الدولة العثمانية من ناحية حلب و جهزت اليه العساكر فكسرها فاستغاثت بدول الغرب فتهددوا باشهار الحرب ان لم يرجع فرجع مرغما و توفي A2G السلطان محمود A2G سنة 1255 و تولى ابنه السلطان عبد المجيد و استقرت الحال على خروج محمد علي باشا من الشام و الحجاز و إرجاعهما إلى الدولة العثمانية و ان تكون مصر و توابعها امارة لمحمد علي و ذريته باسم (خديوي) اي نائب الملك و يدفع كل سنة للدولة عشرين ألف ليرة عثمانية و تقيم من قبلها معتمدا في مصر و تعين هي القضاة و ينجدها الخديوي بالعساكر عند اللزوم و لا يزيد عسكره في مصر عن عشرين ألفا و في سنة 1264 تخلى A3G محمد علي عن ملك مصر لولده إبراهيم باشا لمرض أصابه فبقي أحد عشر شهرا ثم توفي عن A3G سبع و تسعين سنة و كان من أهل قولة من بلاد الترك و كان في أول مرة جنديا ثم ترقى به الحال إلى ما سمعت و لم يزل الملك في ذريته باسم خديوي إلى ان احتلت الدولة الإنكليزية مصر سنة 1299 فبقي الحال على ذلك و ليس للخديوي من الحكم الا الاسم فلما كانت‏كان الخديوي في مصر عباس حلمي باشا فصار في جانب الدولة العثمانية فضبطت الإنكليز املاكه و أقامت حسين كامل باشا من العائلة الخديوية سلطانا على مصر و أعلنت انفصالها عن الدولة العثمانية و ضربت الدراهم و الدنانير باسمه بعد ما كانت تضرب باسم السلطان العثماني ثم مات حسين كامل باشا فعرضت سلطنة مصر على عمر طوسون باشا فلم يقبل فأقيم في السلطنة السلطان فؤاد بن إسماعيل باشا ثم لقب بالملك فؤاد و هو ملكها اليوم و جعلت مصر مملكة مع بقاء الاحتلال الانكليزي .

42

آل سعود والد سلطان نجد الحالي و ولده عبد العزيز و أقرباءهم من الرياض عاصمة امارتهم فأقاموا عند ابن صباح صاحب الكويت التي بأطراف العراق على بحر فارس ثم ان عبد العزيز استنفر زهاء ثلاثين رجلا من قومه فركب كل منهم ذلولا و خرجوا من الكويت إلى نجد يستنفرون من مروا به من عشائرها في طريقهم فحارب ابن رشيد و استعاد امارة آبائه منه ثم هجم في أيام على عشائر شمر في جبلهم و أزال أمارتهم و كانت قد ضعفت بعد موت الأمير محمد بن رشيد باختلافهم و قتل بعضهم بعضا و أخذ ابن سعود آخر أمير منهم و هو الأمير محمد بن طلال و ما بقي من آل رشيد أسراء و أبقاهم عنده و في هذه السنة و هي سنة 1346 حاول الأمير محمد بن طلال قتل الأمير سعود بن عبد العزيز على ما يقال فتسلق داره هو و اتباعه و عبيده فأخطأ مكانه فأمر سعود بقتلهم فقتلوا و هم عشرون شخصا و ما زال عبد العزيز سلطان نجد الحالي يتقوى شيئا فشيئا بذكائه و دهائه و عزمه و ثباته و مساعدة التقادير له و في أواخر عهد الاتحاديين استولى على متصرفية القطيف العثمانية على خليج فارس التي كانت لاجداده قبل و قبض على منصور باشا أحد كبراء القطيف لموالاته الدولة العثمانية ثم قتله خفية و سكتت الدولة العثمانية عنه لانشغالها بالفتن و الحروب و صالحته كما صالحت امام اليمن و عقدت معه اتفاقا اعترفت له فيه بامارة و نجد له و لذريته و استقلالها.

و لما نشبت‏و دخلت فيها الدولة العثمانية سنة 1332 ه 1914 م بقي ابن سعود على الحياد و تعاهد مع الإنكليز و استمالت الدولة الإنكليزية إليها الشريف حسين بن علي أمير مكة و وعدته و منته استقلال بلاد العرب و تعاهدت معه على ذلك كما تعاهدت مع الفرنساويين في الوقت نفسه على اقتسام بلاد العرب فساعدها الشريف حسين و رجال العرب مساعدة تذكر و لما وضعت‏أوزارها سنة 1337 هـ 1919 م و دخلت جيوش الحلفاء سورية و بينها الجيوش العربية بقيادة الأمير فيصل أحد أنجال الملك حسين بن علي ثم كان إلى الجيوش البريطانية و العربية احتلال المدن الأربع دمشق و حلب و حمص و حماة و توابعها و منها حوران و التصرف الاداري فيها بيد الحكومة العربية و إلى الجيوش الافرنسية احتلال بيروت و لبنان و طرابلس و جبل عامل و الأردن و توابع ذلك و إلى الجنود البريطانية احتلال فلسطين و شرق الأردن و بعض حوران و أعلن استقلال الحجاز و نودي بالشريف حسين ملكا عليه باسم ملك العرب و وافقت على ذلك الدول الكبرى و خطب باسمه على المنابر حتى في مدن سوريا و فلسطين ثم بويع بالخلافة في الحجاز و أكثر تلك المدن.

و أعلن استقلال نجد تحت سلطنة الأمير عبد العزيز آل سعود باسم سلطان نجد و وافقت على ذلك الدول العظمى و في مقدمتها بريطانيا و منحته راتبا لا يقل عن أربعين ألف ليرة انكليزية و بلغ مجموع ما دفعته له من ابتداء سنة 1917 إلى سنة 1923 ميلادية زهاء خمسمائة ألف و اثنين و أربعين ألف جنيه انكليزي و كان ذلك أولا للمساعدة في الحرب ضد تركيا و بعد الحرب ليمتنع عن القيام ضد الحجاز و الكويت و العراق و ليساعد في صيانة طرق الحجاج في أرضه و ليسترشد برغائب بريطانيا في سياسته الخارجية و يساعدها على ترويج سياستها الخاصة التي ترمي إلى إيجاد أحوال سلمية في بلاد العرب صرح بذلك وزير المستعمرات مستر امري و تناقلته صحف العالم و نقلناه بحروفه و تعاهدت معه على ان امارة نجد و ملحقاتها له و لأولاده بشرط ان يكون الأمير اللاحق مختارا من السابق و لا يكون خصما معاديا للحكومة 42 البريطانية بمخالفته لشروط هذه المعاهدة و ان تساعده و ذريته على اي دولة اجنبية تعتدي على بلادهم إذا كان الاعتداء بدون علمها و لا اعطائها الوقت الكافي لمراجعته في إزالة الخلاف المسبب للاعتداء و ان لا يعقد اتفاقا و لا معاهدة مع اي حكومة أو دولة اجنبية و يعد بعدم مفاوضة أحد في ذلك و يلتزم اعلام الحكومة البريطانية بكل تجاوز أو تعد على بلاده و يلتزم ان لا يبيع و لا يوهن و لا يؤجر و لا يتخلى عن شي‏ء من اراضي بلاده و لا يمنح امتيازا لدولة اجنبية أو أحد رعاياها بدون رضا بريطانيا و بان يتبع في ذلك نصائحها و بابقاء الطرق الموصلة إلى البلاد المقدسة مفتوحة و المحافظة على الحجاج الذين يسلكونها و عدم الاعتداء على حكومات جيرانه في البحرين و الكويت و قطر و عمان و المشايخ الذين تحت الحماية البريطانية و نقلنا ذلك من مجموع مقالات صاحب المنار ( الوهابية و الحجاز ) .

و أقيم الأمير عبد الله نجل الملك حسين أميرا على شرق الأردن و أطلق على امارته امارة الشرق العربي و جعلت تلك الإمارة له و لذريته.

و بقيت الجنود البريطانية في المدن الأربع سنة كاملة ثم خرجت منها و استقلت بها الحكومة العربية تحت امارة الأمير فيصل ثم وقع الاختلاف بينها و بين الافرنسيين بعد ان أقيم الأمير فيصل ملكا على سوريا و كانت‏المشهورة بين العرب من الدمشقيين و غيرهم و بين الافرنسيين التي انتهت بقتل جملة من العرب و الإفرنسيين و قتل يوسف بك العظمة وزير الحربية العربي بعد ما ابدى بسالة تذكر و احتلال الجنود الافرنسية المدن الأربع و خروج الملك فيصل من سوريا سنة 1338 هـ 1920 م ثم أقيم ملكا على العراق برأي الإنكليز و مشورة العراقيين .

هجوم الوهابيين في الحجاز على عرب الفرع من قبيلة حرب

في سنة 1340 غزا الوهابيون عرب الفرع من قبيلة حرب في عقر دارهم في الحجاز و نهبوا المواشي فجاء النذير إلى أهل الفرع فلحقوهم و استخلصوا منهم ما نهبوه و قتلوا فيهم و غنموا جميع ما معهم و ولوا منهزمين و من جملة ما غنموه اعلام و بيارق فدفعوها إلى الملك حسين و انقطع مجي‏ء اعراب نجد إلى الفرع لاكتيال التمر فحصل بذلك ضيق على أهل الفرع بسبب كساد تمورهم التي كان يشتريها النجديون .

قتل الوهابيين الحاج اليماني سنة 1341

في هذه السنة التقى الوهابيون بالحاج اليماني و هو اعزل من السلاح و جميع آلات الدفاع فسايروهم في الطريق و أعطوهم الأمان ثم غدروا بهم فلما وصلوا إلى سفح جبل مشى الوهابيون في سفح الجبل و اليمانيون تحتهم فعطفوا على اليمانيين و أطلقوا عليهم الرصاص حتى قتلوهم عن بكرة أبيهم و كانوا ألف إنسان و لم يسلم منهم غير رجلين هربا و أخبرا بالحال و أراد صاحب المنار على عادته في تلفيق الأعذار عن أفعال الوهابيين الاعتذار عن هذه الفعلة الشنعاء فقال في مجموعة مقالاته ( الوهابيون و الحجاز ) : (1) ان الملك حسينا كان أرسل حملة على منطقة عسير بعد وفاة السيد محمد علي الادريسي الذي

____________

(1) صفحة 33.

43

كان قد تخلى عنها لسلطان نجد و في أثر تنكيل الوهابية بحملته هنالك وقعت‏الذين اعتقد الوهابيون انهم نجدة منه فأطلقوا عليهم الرصاص و بعد ان عرف الأمر اعتذر السلطان عبد العزيز للإمام يحيى عن هذا الخطا و اتفقا على حفظ المودة بينهما بتعويض مقبول معقول انتهى و هذا عذر فاسد بارد يراد به ستر فظائع الوهابيين في استحلالهم دماء المسلمين و توجيه بأسهم و سطوتهم و أفواه بنادقهم كلها إلى قتال المسلمين خاصة و غزوهم كلما سنحت لهم فرصة و قتلهم بأنواع الغدر و البغي تارة في سورية و اخرى في الحجاز و ثالثة في العراق و رابعة في اليمن و هيهات ان تستر هذه الاعذار الفاسدة فظائعهم و قد عرفها العام و الخاص و لم تعد تخفى على أحد من الناس. يقول صاحب المنار انهم اعتقدوهم نجدة و كيف ذلك و هم عزل من السلاح و لا يؤذن لهم بحمله في مملكة اجنبية و لو كانوا مسلحين ما استطاع الوهابية قتلهم و لكانوا اقصر باعا من ذلك و هل تخفى حالة الحجاج من حالة الغزاة المحاربين فكيف يمكن لعاقل ان يعتقد أو يظن أو يحتمل انهم نجدة. و هل اعتقد الوهابيون في اعراب شرق الأردن انهم نجدة حينما غزوهم في عقر دارهم و أعملوا فيهم رصاص البنادق و حدود السيوف و هل اعتقدوا في أهل العراق انهم نجدة فتابعوا عليهم الغزو و القتل و النهب.

و كيف ساغ للوهابيين و هم وحدهم المسلمون الموحدون الأبرار الأتقياء الورعون الذين تورعوا عن الفتيا في التلغراف لعدم النص فيه ان يقتلوهم قبل سؤالهم و تعرف حالهم و لكن حالهم كما قال الحسن البصري في أهل العراق يسألون عن دم البقة و يستحلون دم الحسين و كما اقتضت المصلحة الإنكليزية و الدهاء البريطاني ان يكون الشريف حسين ملك الحجاز و الأمير ابن سعود سلطان نجد اقتضت ثانيا ان يكون السلطان ابن سعود أيضا ملكا على الحجاز مكان الملك حسين و أولاده عقيب امتناعه عن إمضاء .

هجوم الوهابيين على الحجاز و فظائعهم في الطائف سنة 1343 - 1924

ففي أوائل هذه السنة هجم الوهابيون على الحجاز و حاصروا الطائف و معهم الشريف خالد بن لؤي من أشراف مكة المعادين للملك حسين و أحد عمال السلطان ابن سعود ثم دخلوها عنوة و أعملوا في أهلها السيف فقتلوا الرجال و النساء و الأطفال حتى قتلوا منها ما يقرب من ألفين بينهم العلماء و الصلحاء و أعملوا فيها النهب و عملوا فيها من الفظائع ما تقشعر له الأبدان و تتفطر القلوب نظير ما عملوه في المرة الأولى كما سبق و ممن قتلوا من المعروفين الشيخ عبد الله الزواوي مفتي الشافعية بصورة فظيعة و قتلوا جملة من بني شيبة سدنة الكعبة المكرمة كانوا مصطافين في الطائف و جاءت الاخبار بارتكابهم فظائع لا يليق ذكرها و ان السلطان ابن سعود لما سئل عنها لم ينكر وقوعها لكنه اعتذر بما وقع من خالد بن الوليد و

قول النبي (ص) (اللهم اني ابرأ إليك مما صنع خالد )

ثم أخذوا ما وراء الطائف من المعاقل الحصينة و أهمها الهدى و كرى .

مهاجمة الوهابيين شرقي الأردن سنة 1343

و فيها هجم جماعة من الوهابيين فجاة على اعراب شرقي الأردن الآمنين فهجموا على أم العمد و جوارها فقتلوا و نهبوا و ما لبثوا ان ارتدوا مدحورين 43 مأسورين لان الطيارات و الدبابات الإنكليزية اشتركت في قتالهم مع عرب شرقي الأردن و انجلت المعركة عن قتل ثلاثمائة من الوهابيين و أسر جماعة كثيرة منهم و قتل مائتين و خمسين من أهل شرقي الأردن ثم أطلقت اسرى الوهابيين بامر من الإنكليز و أوصلوا إلى مأمنهم و في هذه السنة و هي سنة 1346 جاءت الاخبار بمهاجمة الوهابيين شرقي الأردن و وصولهم إلى معان بنحو من ثلاثين ألفا و انهم أعلنوا الجهاد.

استيلاء الوهابيين على مكة المكرمة سنة 1343

و فيها دخل الوهابيون مكة بغير قتال بعد ما خرج الملك حسين و ولده منها إلى جدة فنهبوا داره و استولوا على جميع ما يؤول اليه ثم اكره على التنازل عن الملك لولده الأمير علي و على الخروج من الحجاز إلى العقبة المصرية و بعد فتح الوهابيين الطائف و مكة حضر السلطان عبد العزيز بن سعود إلى مكة و قامت الحرب بينهم و بين الملك علي المتحصن في جدة و انقطع الحج في تلك السنة فاستحضر الملك علي اليه جماعة من السوريين من الضباط و غيرهم و اشترى الأسلحة و الطيارات و صرف الأموال و لكن على غير جدوى و صادرت له الحكومة المصرية في الظاهر اسلحة واردة في البحر من طريق مصر عملا بقانون الدول المتحايدة و بقيت في يده أيضا المدينة المنورة و باقي سواحل الحجاز و الحرب قائمة في الكل و جدة و المدينة تحت الحصار و أبوه و هو في العقبة يمده بالمال و الرجال ثم نفي أبوه من قبل الإنكليز من العقبة إلى جزيرة قبرص على دارعة بريطانية مع حرمه و خدمه و لم يحضر لوداعه أحد ممن كان يظهر له الصداقة غير ولده الأمير عبد الله و لا يزال في جزيرة قبرص إلى الآن و لما طال الحصار على الملك علي اضطر إلى صلح الوهابية فتم ذلك بتوسط قنصل الإنكليز في جدة فخرج من جدة على دارعة أو باخرة بريطانية و دخلها الوهابية سنة 1344 و استولوا على مراكب أبيه البحرية و ذهب هو إلى العراق فأقام عند أخيه الملك فيصل إلى اليوم و دامت الحرب ما يزيد عن سنة كاملة و أصبح ابن سعود سلطان نجد و ملك الحجاز و استولى الوهابيون على المدينة المنورة و الحجاز كله و دخلت جميع اعراب الحجاز تحت طاعتهم و يقال انهم نزعوا منها السلاح.

و كان السلطان ابن سعود يعلن و هو يحارب الملك عليا انه ما جاء إلى الحجاز الا لينقذه من ظلم الأشراف و لا يريد تملكه و انما يجعل مصيره راجعا إلى رأي عموم المسلمين فكانت هذه الأقوال جارية على عادات المتغلبين في دهائهم و سياساتهم لم يف منها بشي‏ء نعم عقد مؤتمرا بمكة دعا اليه الحكومات و أهل البلاد الإسلامية لارسال مندوبين عنها فحضره طائفة منهم و امتنع آخرون و ارجعت الدولة الإيرانية مندوبها بعد ما عينته لما بلغها ما فعل بأئمة البقيع و اجتمع المؤتمر و لم يسفر عن نتيجة و بث السلطان ابن سعود الأمن في الحجاز و عاد الحج و أرسلت الدولة المصرية عسكرها المعتاد مع أمير الحاج المصري و في منى استاء الوهابيون من فعل العسكر المصري بعض ما يراه الوهابيون محرما فرشقوا العسكر بالحجارة فقابلهم العسكر برمي البنادق و المدفع فقتلوا جماعة من الوهابيين و قابلهم الوهابيون بالمثل فجرح جماعة من العسكر بينهم بعض الضباط و قتل بعضهم فأرسل السلطان ابن سعود ولده لاخماد الفتنة فلم يستطع فحضر هو بنفسه و أخمدها و في سنة 1345 منع الدولة المصرية من إرسال العسكر مع الحاج و من إرسال المحمل المعتاد. كما انه أبطل إرسال المحمل الشامي من بعد اختلال الشام و خروج الأتراك منها

44

و تفنن عماله هذه السنة في الاستفادة من اموال الحجاج فدخل عليه بذلك اموال عظيمة تعد بالملايين من الليرات و مما يذكر في هذه السنة ان الوقوف بعرفات كان واحدا و ذلك بتدبير من السلطان ابن سعود تفاديا من تعدد الوقوف الذي كان يحصل في بعض السنين في عهد الدولة العثمانية و لا يقبله الوهابية و يعدونه بدعة كتعدد أئمة الصلاة من المذاهب الأربعة.

التاريخ يعيد نفسه‏

و قد جرى على الملك حسين من طرده من مقر ملكه إلى جدة ثم إلى العقبة ثم نفي الإنكليز له إلى جزيرة قبرص نظير ما جرى على سلفه الشريف غالب من خروجه من مكة و محاصرته في جدة و نفيه إلى مصر . ثم إلى سلانيك كما مر و جرى على الطائف و اهله في هذا العصر نظير ما جرى عليهم في ذلك العصر و فعل الوهابيون في الحجاز في هذا العصر من هدمهم القباب و الضرائح و محوهم آثار سادات الإسلام و منعهم الحرية المذهبية للمسلمين و إغاراتهم على بلاد المسلمين في العراق و سوريا نظير ما فعلوه في ذلك العصر فان التاريخ كما يقولون يعيد نفسه.

هجوم الوهابيين على العراق

و قد تكرر هجوم الوهابيين على أطراف العراق سنة 1345 - 1346 بقيادة فيصل الدويش يقتلون و ينهبون و كان نتيجة ذلك ان اشتكى العراقيون إلى الحكومة الإنكليزية و قالوا لها إما ان تردعهم أو تترك العراقيين و إياهم ليدفعوا عن أنفسهم فخابرت معتمدها في البحرين ليخابر السلطان ابن سعود فكان جوابه انه لا علم له بما جرى و سيسال فيصل الدويش عن ذلك و ما زال فيصل الدويش يشن الغارات على اعراب العراق المجاورة لنجد فينهب مواشيهم و يقتل فيهم و قد قرأنا اليوم في الجرائد خبر هجومه عليهم و نهبه و قتله لهم و مطاردة الطيارات البريطانية و الجند العراقي لجنوده و ان السلطان ابن سعود أرسل لحكومة العراق يحذرها منه و يقول انه خارج عن طاعته و غير قادر على ردعه‏ (1)

هدم الوهابيين القباب و المزارات بالحجاز عام 1343

لما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوا في المرة الأولى و لما دخلوا مكة المكرمة هدموا قباب عبد المطلب جد النبي (ص) و أبي 44 طالب عمه و خديجة أم المؤمنين و خربوا مولد النبي (ص) و مولد فاطمة الزهراء (ع) و لما دخلوا جدة هدموا قبة حواء و خربوا قبرها كما خربوا قبور من ذكر أيضا و هدموا جميع ما بمكة و نواحيها و الطائف و نواحيها و جدة و نواحيها من القباب و المزارات و الأمكنة التي يتبرك بها و لما حاصروا المدينة المنورة هدموا مسجد حمزة و مزاره لأنهما خارج المدينة و شاع انهم ضربوا بالرصاص على قبة النبي (ص) و لكنهم أنكروا ذلك و لما بلغ ذلك مسامع الدولة الإيرانية اهتمت له غاية الاهتمام و اجتمع العلماء و اكبروا ذلك و جاءتنا إلى دمشق برقية من خراسان من أحد أعاظم علماء المشهد المقدس بالاستعلام عن حقيقة الحال ثم قررت الدولة الإيرانية بموافقة العلماء إرسال وفد رسمي إلى الحجاز لاستطلاع حقيقة الحال فرفع الوفد إلى دولته تقريرا بما شاهده في الحجاز من اعمال الوهابيين و لما استولوا على المدينة المنورة خرج قاضي قضاتهم الشيخ عبد الله بن بليهد من مكة إلى المدينة في شهر رمضان سنة 1344 و وجه إلى أهل المدينة سؤالا يسألهم فيه عن هدم القباب و المزارات فسكت كثير منهم خوفا و اجابه بعضهم بلزوم الهدم و سياتي ذكر السؤال و الجواب إن شاء الله في فصل البناء على القبور.

و انما أراد بهذا السؤال تسكين النفوس لا الاستفتاء الحقيقي فان الوهابيين لا يتوقفون في وجوب هدم جميع القباب و الأضرحة حتى قبة النبي (ص) بل هو قاعدة مذهبهم و أساسه و بعد صدور هذا السؤال و الجواب هدموا جميع ما بالمدينة و نواحيها من القباب و الأضرحة و المزارات فهدموا قبة أئمة أهل البيت بالبقيع و معهم العباس عم النبي (ص) و جدرانها و أزالوا الصندوق و القفص الموضوعين على قبورهم و صرفوا على ذلك ألف ريال مجيدي و لم يتركوا غير أحجار موضوعة على تلك القبور كالعلامة و هدموا قباب عبد الله و آمنة أبوي النبي (ص) و أزواجه و عثمان بن عفان و إسماعيل بن جعفر الصادق و مالك إمام دار الهجرة و غير ذلك مما يطول باستيفائه الكلام و بالجملة هدموا جميع ما بالمدينة و نواحيها و ينبع و غيرها من القباب و المزارات و الأضرحة و كانوا قبل ذلك هدموا قبة حمزة عم النبي (ص) و شهداءكما مر حتى أصبح مشهد حمزة و الشهداء و الجامع الذي بجانبه و تلك الأبنية كلها أثرا بعد عين و لا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم الا قبرا في برية على رأس تل من التراب و تريثوا خوفا من عاقبة الأمر عن هدم قبة النبي (ص) و ضريحه التي حالها عندهم كحال غيرها أو أشد لشدة تعلق المسلمين بذلك و تعظيمهم له و أدلتهم الاتية و فتواهم لا تستثني قبة نبي و لا غيره و ما اعلنه سلطانهم في الجرائد من انه يحترم قبة النبي (ص) و ضريحه يخالف معتقداتهم جزما و لا يراد منه الا تسكين الخواطر و منع قيام العالم الإسلامي ضدهم و لو امنوا ذلك ما توقفوا عن هدمها و إلحاقها بغيرها بل كانوا بدأوا بها قبل غيرها و في بعض اعتذاراتهم أنها قبة المسجد لا قبة النبي (ص) و منعوا الزوار من الدنو إلى قبر النبي (ص) و قبور أهل البيت (ع) و لمسها و تقبيلها و أقاموا حرسا بأيديهم الخيزران يمنعون الناس من ذلك الا إذا قبضوا بعض الدراهم و كان لا يراهم أحد فيشيرون إلى الزائر بالدنو من ضريح النبي (ص) و لمسه و تقبيله و الرجوع بسرعة و لما شاع في الأقطار الإسلامية ما فعلوه في الحجاز بقبور أئمة المسلمين و مشاهدهم أكبر المسلمون ذلك و اعظموه سيما ما فعلوه بقبة أئمة البقيع و جاءت برقيات الاحتجاج على ذلك من العراق و ايران و غيرها و عطلت الدروس و الجامعات و أقيمت شعائر الحزن في هذه البلدان احتجاجا على هذا الأمر الفظيع و كانت الدولة الإيرانية قررت إرسال معتمدها لحضور المؤتمر الإسلامي الذي عقده السلطان ابن سعود في مكة المكرمة و دعا إلى

____________

(1) فاتنا ان نذكر في تاريخ الوهابية بعض أمور فنستدركها هنا نقلا عن خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام (و هي) ان محمد بن سعود أمير الدرعية بعد ما اتبع محمد ابن عبد الوهاب و اتخذه وسيلة لاتساع الملك و انقياد الأعراب له اتسع ملكه و ملك أولاده من بعده حتى ملكوا جزيرة العرب و كان إذا أراد ان يغزو بلدة كتب كتابا بقدر الخنصر إلى الأعراب فيلبون دعوته و يتحملون على أنفسهم كل ما يحتاجون اليه و إذا نهبوا شيئا يدفعون له خمسه و يأخذون اربعة أخماس فإذا ملك قبيلة من العرب سلطها على من دنا منها و هكذا حتى ملك الشرق كله ثم إقليم الحسا و البحرين و عمان و مسكت و قرب ملكه من بغداد و البصرة هذا من جهة الشمال ثم ملك من الجنوب الحرار بأسرها ثم الخيوف ذوات النخيل و الحربية و الفرع و جهينة و ملك ما بين المدينة المنورة و الشام حتى قرب ملكه من الشام و حلب و ملك العربان الذين بين الشام و بغداد و عربان المشرق و الحجاز و القبائل التي حول الطائف و مكة ثم ملك الطائف و دخل مكة بالصلح سنة 1220 بعد حرب الشريف غالب معه نحوا من خمس عشرة سنة و عجزه عنه و استمر فيها إلى غاية سنة 1227 و حاربه محمد علي باشا حتى وصل ابنه إبراهيم باشا إلى الدرعية سنة 1233 .

45

حضوره مندوبين من جميع الأقطار الإسلامية فلما بلغها هدم قبة أئمة البقيع عدلت عن ذلك و قررت عدم الاشتراك في هذا المؤتمر كما مر احتجاجا على ما وقع ثم انها منعت رعيتها عن السفر إلى البلاد الحجازية لأداء فريضة الحج لعدم ما تثق به في دفع الخطر عن رعيتها من الوهابيين مع اعتقادهم المعروف في المسلمين و عدم وجود حكومة منظمة في ذلك الحين و لكنها في هذه السنة أعني سنة 1346 اجازت لرعاياها السفر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج حيث أمنت عليهم الخطر كما ان الحكومة المصرية منعت رعيتها رسميا من الحج في سنة 1343 ثم أذاعت بلاغا عام 1345 و نشرته جريدة البرق في عددها الصادر 16 ايار سنة 1927 و حاصله ان السلطان ابن سعود يشترط تجريد الحامية المصرية التي تصحب المحمل من سلاحها و منع عرض المحمل و تسيير المواكب المعتادة و شروطا اخر تغاير التقاليد و تقيد حرية الحجاج فلا يمكن الاطمئنان على سلامة ركب المحمل و الحجاج فقرر مجلس الوزراء العدول عن إرسال المحمل و إعلان الحجاج انهم بسفرهم قد يستهدفون لبعض المخاطر فإذا شاءوا السفر يكون تحت مسئوليتهم و يناسب هنا ان نشير إلى بعض تمويهات صاحب المنار المتعلقة بالمقام (قال) في مجموع مقالاته. الوهابيون و الحجاز : : (1) ارجف بعض الكتاب الذين يخدمون السياسة الإنكليزية من طريق الحجاز بان سلطان نجد يريد بغزوه للملك حسين اكراهه على توقيع المعاهدة العربية البريطانية فمتى وقعها عاد عنه الجيش النجدي و ان السلطان ابن سعود ينفذ للانكليز في الحجاز ما لم ينفذه الملك حسين و انهم هم الذين أغروه بالاستيلاء على الحجاز و استشهد صاحب المنار على كذب ذلك باشتراط نوري باشا الشعلان أمير عرب الرولة على ابن السعود حين أخذ الجوف منه ان يمنع الإنكليز من مد سكة حديد بين فلسطين و العراق و ببرقية مراسل التيمس الإسكندري القائلة ان احتلال ابن سعود للحجاز و موانئه على البحر الأحمر مفعم باخطار شديدة و بطعن هذا الانكليزي في مذهب الوهابية و وصفهم بالتوحش إلى آخر ما ذكره من العبارات المنمقة.

و قد عرف العام و الخاص حتى المخدرات في خدورها ان تمثيل الرواية بين الملك حسين و ولده و السلطان ابن سعود كان منشئ فصولها هم الإنكليز للسبب المعلوم و لو شاءوا لم تطأ اقدام النجديين ارض الحجاز كما ردوهم عنها في أوائل الاحتلال في‏المعروفة. و إنا نسأل صاحب المنار هل أعطى نوري باشا الشعلان ابن سعود الجوف باختياره و رضاه و هل هو قادر على استرداده ان لم يف له بالشرط و هل ابن سعود قادر على الوفاء بهذا الشرط حتى يتم استدلاله و قياسه المنطقي. و إذا كان الإنكليز كارهين لاحتلال الوهابية الحجاز و موانئه على البحر الأحمر و يرونه مفعما بالأخطار كما يقول مراسل التيمس الإسكندري الانكليزي خوفا من ان تهاجم الأساطيل النجدية في البحر الأحمر مصر و الهند و عدن و غيرها فلما ذا تمنع باسم الدولة المصرية الملك عليا من نقل الذخائر الحربية في البحر الأحمر عند محاربته مع السلطان ابن سعود عملا بقانون الدول المتحايدة و لما ذا تخرج الملك حسينا من جدة إلى العقبة ثم منها إلى قبرص قهرا أ كل ذلك كراهة بابن سعود و خوفا من استيلائه على الحجاز و موانئ البحر الأحمر و حبا و شغفا بالملك حسين !!!و هل مراسل التيمس الإسكندري يعبر عن رأي وزارة المستعمرات الإنكليزية و رئاسة الوزارة و وزارة الخارجية. و إذا كان مراسل جريدة انكليزية 45 يقدح في مذهب الوهابية و يصفهم بالتوحش و يتكلم بالحقائق فهل يدل ذلك على ان حكومة بريطانيا العظمى تكره احتلال الوهابية للحجاز و تخاف منهم الخطر!!!

و قال صاحب المنار من جملة مقال له طويل نشره في جريدة كوكب الشرق المصرية في عددها الصادر في 17 شوال سنة 1344 تحت عنوان:

السعي لابطال الحج و اثارة الفتن بين المسلمين

(2)

قال: بلغنا ان دعاة التشيع في جاوة و سنغافورة الذين فرقوا كلمة المسلمين في هذه السنين يسعون في صد الناس عن سبيل الله بالامتناع عن أداء فريضة الحج (و نقول) ان ذرية أهل البيت الطاهر و أشراف السادات الأفاضل في جاوة و سنغافورة الذين دل شرف حسبهم على صحة نسبهم و طهارة فرعهم على طهارة أصلهم و طيب ثمرهم على طيب شجرهم و زكاة نبتهم على زكاة غرسهم يفخرون بأنهم من دعاة مذهب آبائهم و أجدادهم الطيبين الطاهرين و متبعو طريقتهم و سالكو نهجهم:

إذا العلوي تابع ناصبيا # لمذهبه فما هو من أبيه

فان الكلب خير منه طبعا # لأن الكلب طبع أبيه فيه‏

و إذا كان نشر المسلم معتقده الذي يدين الله به و الدعوة اليه يعد تفريقا

____________

(1) صفحة 49.

(2) و لا بأس بذكر بعض ما كتبه أحد أفاضل الإيرانيين في مصر في جريدة المقطم في عددها الصادر في 22 شوال سنة 1344 جوابا لصاحب المنار على كلامه هذا بعنوان:

اثارة الفتن بين المسلمين من هم موقدو نارها

قال: للاستاذ الشيخ محمد رشيد رضا منزلة بين علماء المسلمين و له إلى جانب تلك المنزلة ميول معروفة تدفع خصومه إلى مناهضته و كنت أود أن أقف موقف الحيدة إزاء ذلك المقال الطويل العريض الذي طلع به علينا كوكب الشرق لأنني واثق انه سيقابل كبقية أقوال الشيخ في غير الدين بالتحبيذ من قوم و الاستنكار من أقوام لو لا انني تسلمت كتبا من الايرانيين يستغرب مرسلوها ذلك الموقف الذي وقفه إزاء حكومتهم في الوقت الذي يقول فيه انه رسول الوحدة بين الشعوب الإسلامية و علم التفاهم الخفاق بين المسلمين . و ليس الأستاذ بالمجهول فنعرفه و لا بالخامل فنصفه و لكن ميله إلى الوهابية معروف مشهور بعد ما كان من امره ما كان مع الحسين بن علي و أولاده فقد صافاهم بكل صنوف المصافاة أولا ثم لا أدري لما ذا أشاح بوجهه عنهم ثانيا و قد كان أبان مناصرتهم يحرق لهم بخور الثناء و يغريهم بالترك و من إليهم من الذين كانوا يرجون الخير على أيديهم للمسلمين و ما لنا و لمواقفه السابقة فما هذا موقف الحساب و ما نحن الا من احفظ الأصحاب للأصحاب:

أرخ على الناس ثوب سترهم # اواجن حلو الثمار من شجره

و استبق من لم ترد قطيعته # بستره ما استقر من ستره

فرب بادي الجميل منه إذا # فتش ابدى التفتيش عن عوره‏

قال الأستاذ ان دعاة التشيع في جاوة إلخ و نحن مع إجلالنا لأولئك السادة الغطارف الصيد أبناء الرسول و حفدة البتول الذين لولاهم و لو لا أسلافهم لما عرف الإسلام في جاوة و ما إليها من جزر الهند الشرقية و سلطنات الملايو ندع لهم مقابلة لأستاذ بما يدفع عنهم وصفه إياهم بأنهم علة الفرقة و سبب الشقاق فمن يقول ان السادة أمثال آل باعلوي و آل الجفري و آل العطاس و آل السقاف و آل الصافي و آل عقيل هم سبب الفرقة مع العلم بتلك الذروة العالية التي اعلوا إليها كلمة الإسلام في تلك البلاد النائية. رمى الشيخ حكومة ايران بأنها ما لجات إلى منع رعاياها عن أداء فريضة الحج الا للتعصب المذهبي. كأنما كانت الدول التي تحكم الحجاز قبل الوهابيين دول شيعية . ثم غلا الأستاذ فوصف نزعتها بأنها (نزعة لا دينية) . و هنا يجب ان نحاسب فضيلته في هوادة و رفق. تغلب الوهابيون على الحجاز فاوفدت حكومة ايران وفدا برئاسة وزيرها المفوض في مصر و قنصلها الجنرال بالشام إلى الحجاز ليتبينوا وجه الحقيقة فيما اذيع على العالم الإسلامي من فظائع الوهابيين في البلاد المقدسة فرفع الوفد تقريره إلى حكومته و لما تجدد نشر الإشاعات بان الوهابيين هم هم و ان التطور الذي غشي العالم اجمع لم يصلح من فساد تطرفهم شيئا و انهم هدموا القباب و المزارات و ضيقوا الحرية المذهبية نشرا لمذهبهم أصدرت أمرها بوقف السفر للحجاز حماية لرعاياها من قصد بلاد لم يعرف تماما كنه الحكم فيها و عادت فاوفدت قنصلها في الشام للتحقق من مبلغ صدق تلك الإشاعات فإذا بها صحيحة في جملتها لم تمنع الحكومة الإيرانية رعاياها من السفر إلى الحجاز لأن حكومته وهابية فحسب و لكن الايرانيين الفوا في الحج و الزيارة شئونا يشاركهم فيها جمهور المسلمين غير الوهابيين كزيارة مشاهد أهل البيت و الاستمداد من نفحاتهم و زيارة مسجد منسوب للإمام علي (ع) و قد قضى الوهابي على تلك الآثار جملة و قضى رجاله و كل فرد منهم حكومة قائمة على الحرية المذهبية فمن قرأ الفاتحة على مشهد من المشاهد جلد و من دخن سيجارة أو نرجيلة اهين و ضرب و سجن في الوقت الذي تحصل فيه ادارة الجمارك الحجازية رسوما على التتن و التنباك و من استنجد بالرسول (ص) بقول يا رسول الله عد مشركا و من اقسم بالنبي أو بآله عد خارجا عن سياج الملة و ما حادثة السيد احمد الشريف السنوسي و هو علم من اعلام المسلمين المجاهدين ببعيدة إذ كان وقوفه و قراءته الفاتحة على ضريح السيدة خديجة سببا كافيا في نظر الوهابيين لإخراجه من الحجاز كل هذا حاصل في الحجاز لا ينكره أحد و لا يستطيع الوهابي و لا دعاته و لا جنوده ان يكذبوه لست فقيها حتى أقف موقف الجدل من الشيخ الأستاذ الشيخ رشيد فهو الفقيه الذي لا يجارى و لكنني مسلم أغار على ديني و أخشى الفتنة التي توقد اليوم نارها ان تكون الاكلة الهادمة التي لا تتدارك و قد يتسع خرقها على الأستاذ و أمثاله يا مولانا ان ايران الدولة المسلمة التي يعيش رعاياها السنيون إلى جانب إخوانهم الشيعيين عيشة الرغد و الهناء و هي التي قامت وسط الأعاصير الأجنبية فنفضت عن كاهلها غبار النفوذ الأوروبي جملة لا يمكن ان تسمح لرعاياها بدخول بلاد الحرمين و هي خلو من حكومة منظمة. ان في ايران من الائمة المجتهدين من هم دعامة هذا الدين و من يعرفهم الأستاذ تمام المعرفة يقصدهم السني كما يقصدهم أخوه الشيعي لتعرف أحكام الله إذا الكل أهل شرعة واحدة و كتاب واحد و اتباع نبي واحد فهل يتظافر هؤلاء مع حكومتهم في امر ينكره الشرع و تمنعه الحنيفية السمحاء كلا يا سيدي فالتعصب المذهبي لم يدفع ايران كما تقولون إلى منع رعاياها من ان يؤدوا فرضا اشترط في ادائه أمان السبيل كما اشترطت الاستطاعة و لكن التعصب المذهبي الوهابي هو الذي سبب هذا كله. فليعمل الأستاذ على ان يكون رسول وفاق لا داعية شقاق و رجل دين سمح لا منار دنيا فقد حاقت بلايا الأجانب بلاد المسلمين من كل جانب و لا يفوتني ان أؤكد لمولانا الأستاذ و هو عالم بالحقيقة انه لو أراد الإنكليز ان يظل الوهابي داخل حدوده النجدية و منعوا عنه مساعداتهم المعروفة لما تقدم شبرا واحدا في البلاد الحجازية و الله وحده كفيل بان يرزق صديقنا الشيخ رشيد الرشد و الهداية و يثبته في سبيله دون التفات إلى ما سواه فما سوى الله باطل (انتهى) . و عاد الشيخ رشيد رضا فكتب في كوكب الشرق في عددها الصادر في 23 ذي القعدة سنة 1344 مقالا طويلا ردا على هذا الأديب الفاضل جاء فيه بعنوان:

الفتنة بين المسلمين (إيقاظ حزب الشريف حسين و الشيعة لها)

كتبت ذلك المقال لتنبيه مسلمي مصر و حكومتها و تنبيه مثيري الفتن لما في منع الحج بمثل الدسائس و الفتن التي اثارها بعض غلاة الشيعة بأهواء التعصب المذهبي و كيد السياسة اللادينية من الخطر على أصل الإسلام -يا الله يا لطيف يا كافي البلا إذا لم يحج المسلمين في بعض السنين خوفا على انفسهم ان الوهابيين و لم ينتفع الوهابي بأموالهم التي لا يمكن أن يعيش في الحجاز بدونها يتقوض الإسلام من أصله فحيى الله هذه الغيرة على الإسلام و المسلمين التي خص الله بها صاحب المنار-و قال انه سافر في اثر ذلك إلى الحجاز لنصيحة حكومته و التأليف بين المسلمين و جمع كلمتهم (و قال) في الرد على الفاضل الايراني: انه افتتح رده بكلمة ليست من الموضوع في ورد و لا صدر و هي انني كنت أحرق للحسين و أولاده بخور الثناء و أغريهم بالترك إلخ و انه لا يدري لما ذا أعرضت عنهم. تهم مبهمة باطلة اننا لم نحرق بخور الثناء لحسين و أولاده في يوم من الأيام و لا أغريناهم بالترك و لا يستطيع (مهدي بك رفيع مشكي) إثبات ذلك و اما حملتنا عليهم و انتصارنا للوهابية فان كان لا يدري سببه كما ادعى فليراجع مجلدات المنار الاخيرة أو الخطاب العام الذي وجهناه إلى العالم الإسلامي أو مقالاتنا في الاهرام (إلى ان قال) كل ما ذكره الكاتب الأديب من امر الوهابية هو خوض في الأحكام الدينية و الاخبار التاريخية بغير علم و لا نمن عليه بعدم محاسبته عليه لأننا انما نكتب ما نرى فيه المصلحة و الفائدة و لا فائدة في بيان هذه المسائل له بادلتها لانه لا يعني بقراءته و انما هو يدافع عن دولته و نحلته على حد قول الشاعر:

و هل انا الا من غزية ان غوت # غويت و ان ترشد غزية ارشد

(إلى ان قال) : ان الشيعة في كل قطر و حكومتهم الإيرانية يعادون الدولة السعودية السنية السلفية الحاضرة و يبغون إخراجها من الحجاز بالدسائس و الفتن (إلى ان قال) ان من توفيق الله تعالى لابن سعود ان تتصدى شيعة العجم لعداوته بعد ان مكن الله له في الحرمين إلخ. و اجابه الفاضل الايراني في جريدة المقطم في عددها الصادر في 9 ذي الحجة سنة 1344 و ما قبله قائلا: تحت عنوان:

اثارة الفتن بين المسلمين (من هم موقدو نارها)

ما كان أغنانا عن الوقوف موقف الرد على صديقنا الأستاذ الشيخ محمود رشيد رضا (الحسيني الحسني) و ما كان أغناه عن الوقوف موقف سدل سجف الغرض المحض على الحق المحض رددنا في هوادة و رفق على ما نشره في كوكب الشرق خاصا بمنع حكومة ايران لرعاياها من ارتياد البلاد الحجازية و لما تستقر حكومة منتظمة يطمئن لها المرتاد آمنا على ماله و عرضه و نفسه و ما كان لنا ان نعكر عليه صفو المهمة التي ندب نفسه إليها من مناصحة القائمين بالأمر في الحجاز و دلالتهم على طريق الخير و لم نعدم بعد في الأستاذ دالا على الخير و مرشدا إلى الصواب و قديما كان الشيخ منذ شب عن الطوق فارس خطوب و مقارع هيجاء و ناصح ملوك و منشئ ممالك و لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ اما و قد ابى الأستاذ الا ان يرمي خصومه بالإلحاد و ابى الا ان يجلسني على طريق القافية فلأعد اليه مفاخرا مباهيا باني و ان اضطررت إلى الدفاع عن ديني و مذهبي و قومي و حكومتي فانني لا أزال من احفظ الأصحاب للأصحاب و لا يزال لمولانا الأستاذ نصيبه من اكباري. قال الأستاذ افتتح الأديب رده بكلمة ليست من الموضوع في ورد و لا صدر و هي انني كنت أحرق بخور الثناء لحسين و أولاده و أغريهم بالترك إلخ و لا يستطيع مهدي رفيع مشكي إثبات ذلك.

يكتفي مهدي رفيع مشكي بان يشهد العالم اجمع على ما كان يكتبه الشيخ رشيد في مجلة المنار مما يثبت جليا انه كان يحرق بخور الثناء لحسين و أولاده و انه كان يغريهم بالترك و من إليهم من الذين كانوا يرجون الخير على أيديهم للمسلمين قال الأستاذ الشيخ رشيد رضا (الحسيني الحسني) في صفحة 166 من المنار ج 3 م 19 : ان الشريف يعلم كما يعلم العارفون و كل من له إلمام بأحوال الدولة ان ملاحدة الاتحاديين قد سلبوا الخليفة نفوذه و جميع حقوقه حتى ما هو مدون في قانونهم الأساسي فأصبح المسلمون بغير امام شرعي لا حقيقي مستوف للشروط الشرعية و لا متغلب يطاع لضرورة جمع الكلمة و انما المتصرف في الدولة جمعية الاتحاد و الترقي الملحدة فالسلطان محمد رشاد لا نفوذ له الآن في المملكة و لا في قصره و يسميه أهل الآستانة (المهردار) .

و قال في صفحة 167 ج 3 م 19 من مجلة المنار : ان ملاحدة الاتحاديين شرعوا في تنفيذ خطتهم باذلال العرب التي هي مقدمة أو علة لاذلال الإسلام كما ثبت‏

في الحديث الصحيح (إذا ذلت العرب ذل الإسلام )

فبدأوا بالعراق و الشام ثم مدوا براثنهم إلى الحجاز فاضطر الشريف إلى دفع شرهم عن العرب بمقاومتهم في الحجاز و استقلاله بالسلطة فيه من دونهم لمجموع ما تقدم من الأسباب (ثم قال) في الصفحة ذاتها (و من وقف على الحقائق يرى ان الشريف قام بأعظم خدمة للإسلام و المسلمين ) و قال (فهو باستقلاله هذا قد جعل الحجاز تحت سلطة اسلامية خالصة و يوشك ان يكون هذا مقدمة لدولة عربية اسلامية كبيرة) .

ان الأستاذ لم يحرق بخور الثناء للحسين في ثنايا هذه السطور و لم يغر العرب بالترك أ ليس كذلك يا مولانا؟و لا أدري ما بال مولانا الأستاذ يستسهل رمي خصومه بالإلحاد و هو الحجة الحافظ الذي بصر

بقوله (ص) : ما قال مؤمن لمؤمن كافر الا باء بها أحدهما

فحكومة ايران في زعمه ملحدة و دعاة الإصلاح في الشرق ملاحدة و كل من وقف في وجه أماني الأستاذ و أغراضه ملحد و من قبل كان الاتحاديون ملاحدة و سيصير غيرهم كذلك بعد الغصة و حرمان الفرصة ملاحدة فمولانا الشيخ رشيد محكمة شرعية جوالة تحكم بالإلحاد على من تشاء و تفرغ حلة الدين على من تشاء:

الا رب يوم لو رمتني رميتها # و لكن عهدي بالنضال قديم‏

اما الخوض في الأحكام الدينية فالمسلمون لا يريدون الا ان يتركوا أحرارا و كان أولئك بلا شك خيرا من محمد بن عبد الوهاب و خلفائه إلى يومنا هذا و اما معاداة الشيعة في كل قطر و حكومتهم الإيرانية للدولة السعودية السنية و بغية إخراجها من الحجاز بالدسائس و الفتن فليس لنا ان ندحضه الا بان نعلم الأستاذ و الناس جميعا ان الشيعة في كل قطر لا يعرفون دولة سعودية سنية و انما يعرفون أميرا لعرب نجد شاء القدر ان يتغلب على الحجاز بعنت الحسين بن علي و رفضه إمضاء المعاهدات الإنكليزية و نصارح الأستاذ انه لو امضى الحسين أوو ترك المسك بوثائقه الأولى التي خرج بعد الحصول عليها على الدولة العلية و أغفل الاحتفاظ بفلسطين و سورية و العراق و اعترف‏لظل ملكا عظيما مهيب الجانب لا يجسر ان ينظر اليه ابن سعود و أشباهه من أمراء الجزيرة و شيوخها الا نظرة الصغير للكبير و لو ان الحسين امضى في آخر لحظة معاهدة ناجي الأصيل لكف محرضو ابن سعود و ممدوه بالمال و السلاح عن تحريضهم و امدادهم اما و قد أراد الحسين ان يختم تاريخه بالمشادة مع الإنكليز فقد كان في موقفه هذا موجدا للدولة السعودية السنية السلفية الحاضرة بيد الإنكليز و بمال الإنكليز و بمعاهدات الإنكليز حيث دخلت في كنف الإنكليز و الأستاذ حفظه الله لا ينكر ذلك.

و اما الدعاية بتصوير الوهابية بصورتهم الحقيقية و دفع مناهضتهم عن أهل القبلة المحمدية فهو فرض على كل مسلم دفعا لشرورهم و صدا لعنتهم و إذلالا لكبريائهم على إخوانهم المسلمين و عودا بهم إلى مضارب خيامهم فإنهم أظهروا قصورا عن اللحاق ببناة المدنية الإسلامية الذين شادوا مجد الإسلام على ممر الأعوام فكانوا عز الغابر و مفخرة الحاضر. و اما ان يعد الأستاذ من توفيق الله لابن سعود ان يتصدى الشيعة لعداوته بعد ان مكن الله له في الحرمين فذلك منطق معكوس إذ لم نعلم ان فريقا من المسلمين في أنحاء الأرض أيا كان مذهبه يناصر الوهابية و الوهابيين اللهم الا مولانا الأستاذ الشيخ رشيد و أشباهه من المتمثلين بقول الشاعر:

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن # و ان لقيت معديا فعدناني‏

46

لكلمة المسلمين و يستوجب به الذم فما بال الوهابية و داعيتهم صاحب المنار قد فرقوا كلمة المسلمين حتى استوجبوا اللوم و الذم مع الفرق الظاهر بين من ينشر دعوته بالحجة و البرهان و بالتي هي أحسن و من ينشرها بالسيف و السنان و رصاص البنادق و الغزو و القتل و النهب و السلب و الشتم و التحقير.

و بعد ان ذكر ان دولة ايران و حكومة العراق منعتا رعاياهما من الحج و انها اذيعت أراجيف افترضها أعداء الإسلام لصد المصريين عن الحج و إغراء الحكومة بمنعه رسميا بالصفة التي اقترفتها في العام الماضي (قال) اما سعي دعاة الرفض و الشقاق في جزائر الهند الشرقية الملاوية فلا قيمة له و لا يخشى ان يكون له تأثير يذكر (و نقول) ليس في الجزائر المذكورة دعاة لما يسميه الرفض و الشقاق بل دعاة إلى الحق و الوفاق. و العجب ممن نصب نفسه للإصلاح بزعمه كيف جعل همه مصروفا إلى ثلب أعراض الناس و شتمهم و الوقيعة فيهم تنفيذا لمآربه و غاياته و لا يزال قلمه ينفث السموم في تفريق كلمة المسلمين و ايغار صدورهم و لا يترك فرصة تمر به الا و يصرفها في ذلك حتى وصلت سهام قذفه و قذعه إلى جزائر الهند الشرقية انتقاما من أهلها الذين امتنعوا عن الحج خوفا على دمائهم و أموالهم من قوم يعتقدون فيهم الشرك و حلية المال و الدم و قد امتنع عن الحج في تلك السنة جميع مسلمي 46 جاوة من جميع المذاهب خوفا على أنفسهم. و هل كانت الحكومة المصرية بمنعها رعاياها رسميا في العام الماضي كما أشار اليه من دعاة الرفض و الشقاق في نظره و هو وحده السالم من الشقاق و النفاق و ما الذي يحمي الحجاج من بنادق الوهابية إذا سبق إلى لسان أحدهم ما تعودوه من قول يا محمد يا رسول الله و من قولهم عند زيارة النبي ص :

الشفاعة يا رسول الله مما يراه الوهابية شركا أ تحميهم مقالات صاحب المنار المنشورة في كوكب الشرق و غيرها و من هو الموقظ نار الفتنة أ هم الوهابية باصدارهم الفتاوى في حق أهل الأحساء و العراق و غيرهم و نشر صاحب المنار لكتبهم التي يكفرون بها جميع المسلمين و يستحلون دماءهم و أموالهم و اعراضهم و نشره لرسالة تطهير الاعتقاد مستقلة بعد ما نشرها في المنار الجاعلة كفر المسلمين اصليا لا ارتداديا و نشره في سيرة ابن عبد الوهاب انه يرى البراءة مما عليه الرافضة و انهم سفهاء لئام. و لكن الذين يسميهم بالرافضة و هم شيعة علي و ابنائه الطاهرين الذين اذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و هو امامهم الذي يدعون به يوم يدعو الله كل أناس بإمامهم و يصفهم بالسفاهة و اللؤم (و اي سفاهة و لؤم أعظم من قوله هذا) اولى بالفوز يوم القيامة منه برواية أئمته‏

علي و شيعته هم الفائزون‏

اما وصف صاحب المنار

47

سادة الملايو بالرفض لاتباعهم مذهب أجدادهم الذين يدعي الانتساب إليهم فهو من أقوى شواهد الصحة لدعواه.

و إذا كان صاحب المنار يعتقد كما يعتقد الوهابية بكفر جميع المسلمين ما عداهم و شركهم فليقل اثارة الفتن بين المسلمين و المشركين و إذا كان لا يعتقد ذلك فاي فتنة أعظم من نشر تلك الكتب المتضمنة لذلك الاعتقاد و هل في الكون شي‏ء أعظم على المسلم من نسبة الكفر و الشرك اليه الموجب لاستحلال ماله و دمه و عرضه و كيف جاز له نشر ما لا يعتقده مما هو أعظم مثير للفتنة بين المسلمين .

(قال) و اما فعلة الدولة الإيرانية فسببها الظاهر التعصب المذهبي و يظن ان ذلك خداع للشعب في الظاهر و السبب الباطني نزعة لا دينية كنزعة انقرة (و نقول) التعصب المذهبي لا يحمل الإنسان على ترك ركن من أركان الدين و المذهب نعم سببه الباطن و الظاهر التعصب المذهبي من الوهابيين الحاكمين بشرك من عداهم و استحلال ماله و دمه و لذلك لما ظهر عدم الخوف ارتفع المنع من الدولة الإيرانية و المصرية و العراقية و بلاد الجاوة و غيرها و ظهر انه لا تعصب مذهبيا و لا نزعة لا دينية و ان نسبة ذلك محض افتراء و من 47 يبلغ به التعصب المذهبي إلى هذه الدرجة لا يمكن ان يظن به نزعة لا دينية.

(ثم قال) ان الخلاف بين أهل السنة و الشيعة الذين كان مثار أعظم الفتن و البدع في الإسلام و سبب العداوة و الشقاق بين المسلمين كان قد ضعف بضعف أسبابه و هو تداعي الخلافة الإسلامية و السلطنة العربية فزوالهما (و نقول) ان كان ضعف فليس ضعفه من تداعي الخلافة الإسلامية و السلطنة العربية فقد ضعفتا في عهد الدولة البويهية الشيعية و غيرها و لم يضعف الخلاف و هل هو بمقالاته هذه يسعى في أضعافه أو في تقويته أو في الوصول إلى ماربه غير مبال بضعف الخلاف و قوته و بعد فالخلاف الذي نحن بصدده ليس هو الخلاف بين أهل السنة و الشيعة بل بين الوهابية و سائر المسلمين من السنيين و الشيعيين فالجميع يكفرهم الوهابيون و يشركونهم و يستحلون دماءهم و أموالهم و لا يفرقون بينهم فما باله يخلط الوهابيين بأهل السنة و يقابلهم بالشيعة و ينفخ في نار الخلاف بين أهل السنة و الشيعة ليقضي ماربه على حساب الفريقين.

(و قال) و انما كان الغلو في التشيع و الشقاق بين المسلمين من زنادقة الفرس لأجل هذا لا حبا بأهل البيت (ع) (و نقول) الغلو في التشيع كالغلو في النصب لم يكن مختصا بقوم دون قوم (و اما) الشقاق بين المسلمين فلا يجهل هو و لا غيره أسبابه الحقيقية التي ترجع إلى هضم الحقوق و حب الاستئثار و ما أسسه علماء السوء مما ليس هذا مقام بيانه لا إلى زنادقة الفرس الذين خلقتهم مخيلته و من هم زنادقة الفرس الذين غلوا في التشيع و أحدثوا الشقاق بين المسلمين ليبينهم لنا ان كان من الصادقين و هل حرب ووووو سائر الحروب الإسلامية كانت من زنادقة الفرس الذين غلوا في التشيع أو من مؤمني العرب الذين اعتدلوا في التشيع أو غلوا في النصب ليبينهم لنا الأستاذ. و هل أعاظم علماء الأمة الإسلامية من سنيين و شيعيين كانوا من غير الفرس و ما ربط هذه المباحث الفارغة بما نحن فيه (قال) ثم تجدد بتجديد دولة قوية منسوبة إلى السنة و هي الدولة العثمانية ثم ضعف بضعفها و جهل رجالها و غباوتهم الذي مكن للشيعة بث دعوة مذهبهم في العراق و غيره ثم تجدد بظهور الدولة السعودية الأولى ثم سكن بضعفها ثم هبت عاصفته بظهور الدولة السعودية اليوم.

مقدمات رصينة متينة و نتائج ظاهرة بينة. التعصب المذهبي دعا دولة ايران إلى منع رعيتها من الحج و سببه الخلاف بين أهل السنة و الشيعة و أهل السنة هم الوهابية و الخلاف ضعف بتداعي الخلافة ثم قوي بظهور الدولة القوية السنية العثمانية ثم ضعف بضعفها ثم قوي بظهور الدولة السعودية الأولى ثم ضعف بضعفها ثم قوي قوة عظيمة و هبت عواصفه بظهور الدولة السعودية اليوم. مقدمات واهية و نتائج معكوسة و الوجدان أعظم شاهد على ان هذا الخلاف لم تؤثر فيه قوة الدولة العثمانية و لا ضعفها قوة و لا ضعفا و لا هو مرتكز على أساس ضعفها و قوتها و لا ربط له بخلافتها و سلطنتها و ليس عند الشيعة في عصرها خليفة ينازعها و تنازعه الخلافة حتى يسبب ذلك الخلاف و ما هي قوة الدولة السعودية الأولى في جنب الدولة العثمانية و اما قوله بضعفها و جهل رجالها و غباوتهم الذي مكن للشيعة بث دعوة مذهبهم في العراق و غيره فجملة معترضة لا محل لها من الصحة و الفائدة حمله عليها التعصب الذي نسبه إلى غيره و عادة القدح و القذف و كأنه ينسب إلى الدولة العثمانية الجهل و الغباوة بعدم ضغطها على الحرية المذهبية كما تفعله الوهابية .

48

ثم قال ان السلطان ابن سعود لم يتعرض هو و لا عماله لحرية رعيته من الشيعة في الأحساء و لا لتفضيل أهل السنة عليهم في الحقوق. هذه دعواه و لكنه لم يأت عليها بشاهد فمن لنا بتصديقها و ما أهون الدعاوي بلا شاهد و لكن فتوى علماء الوهابية الآتية في الخاتمة في حق أهل الأحساء و غيرهم تجعلنا نجزم بكذبهما و الوهابيون كانوا أولا يقفلون الحسينيات في الأحساء قائلين امر الامام باقفالها فإذا قبضوا مئات الروبيات قالوا جاء امر الامام بفتحها اما الآن فلا شك انهم منعوا من إقامة عزاء الحسين (ع) بالكلية فقد هدد حاكم المدينة المنورة هذه السنة شيعتها بحرق الدار التي يقام فيها عزاء الحسين ع و حبسوا السيد عباس مختار في جدة شهرا لاقامته العزاء في داره و حبسوا القاري‏ء خمسة عشر يوما و طردوا شيعة العراق جميعهم من نجد فهذه هي الحرية التي لم يتعرضوا لها بزعم صاحب المنار .

قال و رغب في موادة دولة الشيعة الامامية فأكرم وفادة وزيرها المفوض بمصر عند ما زاره في مكة المكرمة قبل انتهاء مشكلة الحجاز و كان هذا بعد ان أظهرت حكومة ايران و رعيتها من السخط و الاحتجاج عليه و على قومه أشدهما و انكرهما لاتهامهما الباطل بتدمير قبة الحجرة النبوية و مسجد حمزة عم الرسول (ص) . (إلى ان قال) ثم عمل عملا آخر يؤذي الشيعة و هو انه امر باقفال مسجد سيدنا علي (ثم قال) الظاهر إنه أحد المساجد التي بنيت في المصلى اي المكان الذي كان النبي (ص) يصلي فيه العيدين و الاستسقاء و قد نهى ان يبنى فيه شي‏ء و لكن المسلمين بنوا فيه عدة مساجد و لم تكن هذا أول مخالفة له (ص) في امر الدين و لا سيما بناء المساجد و القباب على القبور و غير ذلك ثم نقل عن مرآة الحرمين انه أقيم في بعض المصلى بناء مسجد سمي مسجد المصلى أو مسجد الغمامة و في شماليه مسجد يعرف بمسجد أبي بكر الصديق و في شمالي المسجد الأخير مسجد يعرف بمسجد علي عمره أمير المدينة زين الدين ضيغم المنصوري سنة 881 ه (قال) فان كان ملك الحجاز امر باقفال هذا المسجد وحده دون ما جاوره من المساجد التي بنيت حيث نهى النبي (ص) عن البناء فللشيعة ان يستاؤا منه (قال) و الغالب انه امر باقفاله و أقفال غيره مما بني في مصلى العيد النبوي لمخالفة امره (ص) في بنائها الا ان يكون قد اعتيد في هذا المسجد وحده القيام ببدع لا تقام في غيره و سيعرف زوار المدينة المنورة من جميع الشعوب حقيقة ما وقع انتهى المراد نقله. فجعل موجب استياء الايرانيين و احتجاجهم تهمتهم الباطلة للوهابيين بتدمير القبة النبوية و مسجد حمزة كان الوهابيين لم يدمروا مسجد حمزة و لم يتركوا تلك البقعة قاعا صفصفا و سكت عما هو السبب الأعظم في استياء الايرانيين بل و جميع المسلمين مخادعة منه و مواربة عن الحقائق و هو تدمير قبة أئمة أهل البيت الطاهر بالبقيع التي حوت قبور أربعة من أعاظم أهل البيت و هم الامام الحسن بن علي و الامام علي بن الحسين زين العابدين و سيد الساجدين و ابنه الامام محمد الباقر باقر العلوم و ابنه الامام جعفر الصادق و حوت قبر العباس عم النبي (ص) و قبر البضعة الزهراء على بعض الروايات و قبر فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على رواية و حصر السبب في تهمة باطلة بزعمه و هي هدم مسجد حمزة و امر لا يؤبه له و هو أقفال مسجد علي (ع) بالمصلى الذي لا نظن ان جل الايرانيين سمعوا به أو باقفاله إلى اليوم أو خطر ذلك ببالهم و هل هدم قبة أئمة البقيع أيضا تهمة باطلة عند صاحب المنار كتهمة هدم مسجد حمزة العظيم الذي أصبح قبر حمزة سيد الشهداء بعد هدمه في فلاة من الأرض على كومة من التراب. 48 (اما اعتذاره) عن هدم هذا المسجد أو اقفاله بنهي النبي (ص) عن البناء في هذا المكان و ان المسلمين بنوا فيه و لم يبالوا بمخالفته (ص) و انها ليست أول مخالفاتهم له (ص) في الدين فاعتذار واه و سوء ظن بالمسلمين نهى الله و رسوله عنه و امر بحسن الظن و حمل أفعالهم و أقوالهم على الصحة ما لم يعلم الفساد فان هذا النهي على فرض ثبوته مصروف إلى بناء البيوت أو المساجد في ذلك المكان في زمانه (ص) حيث كان يصلي فيه العيدين و البناء مانع عن ذلك فلا يشمل البناء بعده (ص) حيث لا تعتاد الصلاة في ذلك المكان لأنه لا علة فيه توجب حرمانه من وجود المسجد فيه و ان كان الأمر كذلك فعلى الوهابية ان يهدموه لا ان يقفلوه فإنه (ص) نهى عن البناء لا عن الصلاة و الحقيقة انهم هدموه كما قاله الفلسطيني في كلامه الآتي و لكن صاحب المنار أبدل الهدم بالاقفال تهوينا للأمر كما اعرض عن هدم قبة أئمة البقيع إلى أقفال هذا المسجد و الداعي له في المقامين واحد (و أبرد) من الكل قوله الا ان يكون قد اعتيد في هذا المسجد بدع لا تقام في غيره فما هي تلك البدع التي أوحاها الخيال إلى صاحب المنار و القوم قد هدموه و لم يقفلوه أ فإقامة البدع الموهومة في مسجد تجعل جزاءه الهدم عند الوهابية إذا فليهدموا مسجد النبي (ص) لأنها تقام فيه البدع من تعظيم قبر النبي (ص) و الترحيم و التذكير و غيرها و ليهدموا المسجد الحرام أو مناراته لأنها تقام فيه البدع من التذكير و الترحيم (و العجب) من هؤلاء انهم يتورعون عن محرم موهوم و يقدمون على محرم معلوم من هدم المساجد و منع ذكر اسم الله فيها (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَ سَعى‏ََ فِي خَرََابِهََا (إلى قوله) أولئك لَهُمْ فِي اَلدُّنْيََا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ) (قوله) و سيعرف زوار المدينة المنورة من جميع الشعوب حقيقة ما وقع. نعم قد عرفوا حقيقة ما وقع من هدم كل مزار لهم فيها و عرفوا ان ما قاله هذا الرجل و ما لا يزال يقوله محض تمويه و ستر للحقائق الظاهرة لغرض في نفسه و ان هدم مسجد حمزة و غيره ليس بتهمة باطلة و عرفوا انهم ممنوعون عن الدنو إلى قبر نبيهم و التبرك به و انه لا يمنع الوهابيين عن هدم قبته (ص) و قبره غير الخوف من هياج الرأي العام الإسلامي ضدهم أزيد مما هو حاصل.

و بناء على هذه العلة التي اخترعها صاحب المنار لاستياء الايرانيين من الوهابيين و هي إقفال أو هدم مسجد علي توهم طالب فلسطيني بالأزهر و هو محمد بدر الدين الخطيب ان هذا المسجد الذي لم نسمع به قبل اليوم من فروض الحج عند الشيعة فعقد في جريدة المقطم بتاريخ 9 ذي القعدة سنة 1344 مقالا للمحاكمة بين الوهابيين و خصومهم قائلا: و هنا اتجرد عن التحزب لفريق دون آخر و رغما عن هذا التجرد الذي شرطه على نفسه فان تمويهات المموهين و أكاذيب الناقلين التي لم يطلع على غيرها أوقعته في الخطا في آخر كلامه لا عن تعمد منه (قال) في محاكمته:

لا ينكر الا كل مكابر ان الوهابيين بلغوا من الغلو حد الإفراط حتى كادت تنعكس الاية التي يعلنونها على العالم الإسلامي من محاولة الإصلاح و اعادة الإسلام إلى سيرته الأولى و بلغ بهم الإفراط إلى اعتقاد انهم وحدهم ذوو الايمان الصحيح و غيرهم لا يعرفون من الإسلام الا اسمه و ان ما سوى مذهبهم مما يدين به المسلمون وثنية و كفر يهدمون القبور لأنها أوثان سواء قبر النبي و الولي و غيره و لو لا حوائل تعترض لهم في هدم قبة النبي (ص) بل في هدم قبره الشريف لفعلوا لم يحترموا شعائر غير مذهبهم فهدموا مسجد سيدنا علي المقدس عند الشيعة (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَ سَعى‏ََ فِي خَرََابِهََا أُولََئِكَ مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ لَهُمْ فِي

49

اَلدُّنْيََا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ) و

قال (ص) الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها

(ثم) قال و الشيعة مغالون في تشيعهم و أعمالهم التعبدية إذ يعتقدون ان مسجد سيدنا علي من فروض الحج و شروطه مع انه لم يرد بذلك نص شرعي فلا يسعني الا ان ارميهم بالمغالاة لا كما ينظر إليهم الوهابيون بل باعتدال و لا إخال ان ما يرمون به من قولهم ان جبرائيل أخطأ في تبليغ الرسالة للنبي (ص) إذ هي لعلي الا كذبا و افتراء اختلقته الأوهام و الأغراض و لا نغتفر لمسلمي الشيعة مخالفتهم لسائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة و غير ذلك فقد اجمع علماء الإسلام على مناسك الحج و صفتها و كيفيتها و أوقاتها مما يؤديه أهل السنة اليوم غير منقوص و لا مبتور انتهى المراد نقله (و نقول) احكم أيها الطالب على ما نسب إلى الشيعة من اعتقادهم ان مسجد علي الذي يجهل جل الشيعة ان لم يكن كلهم انه في عالم الوجود من فروض الحج و شروطه بأنه كذب و افتراء اختلقته الأوهام و الأغراض كما حكمت على نسبة خطا جبرائيل في تبليغ الرسالة و لا تخف و لا ترتب و اعلم ان أكثر الشيعة لم يسمعوا بهذا المسجد إلى اليوم فضلا عن ان يكون من فروض الحج و شروطه عندهم و قد تشرفنا بحج بيت الله الحرام مرتين و بزيارة المدينة المنورة مرتين و لم نات هذا المسجد و لم نسمع به و لا ذكره امامنا ذاكر و هذا الطالب يقول انه من فروض الحج و شروطه عند الشيعة فهل علم من معتقدات الشيعة ما لم يعلموه هم أنفسهم و لم ندر من اين سرى اليه هذا الوهم و لعله من مقالة صاحب المنار التي مر نقلها عن كوكب الشرق حيث اخترع صاحب المنار علة لاستياء الشيعة هي هدم مسجد علي أو اقفاله فظن هذا الطالب انه من فروض الحج و شروطه عندهم‏ (1) و هذه كتب مناسك الحج للشيعة و كتبهم الفقهيةمطبوع منها الملايين فليرجع إليها ان شاء و لينظر هل يجد فيها لهذه الفرية أثرا بل يعلم يقينا انها كالفرية الأخرى و لها أمثالها فريات كثيرة. و من هذا البحر و على هذه القافية قوله انه لا يغتفر للشيعة مخالفتهم لسائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة و غير ذلك فترى ان جواد فكره لم ينته به إلى آخر ساحة الإنصاف الذي شرطه على نفسه أو لا بل كبا به في اثنائها و أوقعه في وهم علق بذهنه من أقاويل المفترين على الشيعة بأنهم يخالفون سائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة و ما ندري ما يريد بالوقوف بعرفة الذي زعم مخالفتهم فيه فان عرفة مكان مخصوص معلوم محدود عند جميع المسلمين سنيهم و شيعيهم يقفون فيه يوم التاسع من ذي الحجة و لعله يريد ان الشيعة قد يقفون في ثاني اليوم الذي يقف فيه غيرهم و هذا لا لوم فيه عليهم إذا لم يروا الهلال و لم يثبت عندهم كون يوم وقوف غيرهم يوم عرفة و لم يحصل حكم حاكمهم الشرعي بذلك سيما في أيام قضاة الترك الذين علمت حالهم في التساهل في امر إثبات الهلال و كانوا يبذلون الجهود في تدبير الشهود لجعل وقوف عرفة يوم الجمعة لينالوا الخلعة السلطانية و لم لا يكون اللوم على غيرهم في ذلك أو لا لوم على الفريقين في عملهم بما أوجبه مذهبهم لا عنادا و لا خلافا للحق و في كثير من السنين كان يتحد يوم الوقوف للكل و نحن قد حججنا مرتين كان الوقوف فيهما واحدا (اما قوله) و غير ذلك فلسنا نعلم ما هو غير ذلك حتى نجيبه عليه (و لاََ يَعْلَمُ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ) قوله فقد اجمع علماء الإسلام على مناسك الحج إلخ (و نقول) 49 ان الذي اجمع عليه علماء الإسلام من مناسك الحج لا يخالف فيه الشيعة و لا يجوز عندهم مخالفته لا في أوقاته و لا في صفاته و لكنه خفي عليه أن الخلاف بين أهل السنة أنفسهم في بعض مناسك الحج أشد منه ما بين الشيعة و أهل السنة فالمالكي يكشف كتفه في الإحرام و يتوشح بالرداء و رأينا جماعة من المغاربة خارجين إلى عرفات للحج و هم لابسون للمخيط و العمائم على رؤوسهم و بعض أهل السنة يهرول في الطواف و بعض أهل المذاهب الأربعة لا يجيز التظليل للرجال في الإحرام حال السير و بعضهم يجيزه راجع ميزان الشعراني إلى غير ذلك مما لا تسعه حال هذه العجالة و نحن نرغب إلى هذا الطالب و غيره من إخواننا أهل السنة ان لا يسرعوا في أحكامهم على إخوانهم الشيعة استنادا إلى أقوال الجاهلين و مفتريات المعاندين بل يتريثوا و يتثبتوا فطالما نسبت إلى الشيعة أمور هم بريئون منها صورها الجهل و اختلقتها الأوهام و اوجدتها العداوة و العصبية.

في أمور مهمة يتوقف عليها المقصود من رد شبهات الوهابية

الأول‏

أحكام الشرع الإسلامي (منها) ما هو ضروري كوجوب الصلاة و الصوم و حرمة الزنا و الكذب و هذا لا يحتاج إلى اقامة الدليل عليه و لا يجوز الاجتهاد بخلافه بل يخرج منكره عن الإسلام (و منها) ما هو نظري ككون أفعال العباد مخلوقة لله و الكسب للعبد و كون صفات الله عين ذاته و ثبوت الكلام النفسي و رؤية الله تعالى و ان الامامة بالنص أو باختيار الأمة و غير ذلك هذا في الأصول و اما في الفروع فكحكم الشك في الصلاة و البناء على القبور و حكم ما لا نص فيه كالتدخين و غير ذلك و هذا يجب اخذه من أدلة الشرع الكتاب و السنة و الإجماع و العقل للقادر على ذلك و غيره يقلد القادر.

و لا يجوز الحكم بضلالة أحد أو فسقه فضلا عن شركه و كفره لمخالفته في أمر اجتهادي اي ليس من ضروريات الدين و لا يجوز معارضته و ممانعته و إجباره على اتباع قول غيره مما يخالف اجتهاده بل هو معذور في اجتهاده ما لم يكن مقصرا و للمخطئ أجر واحد و للمصيب أجران.

روى البخاري في صحيحه عنه (ص) إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر

. و قال ابن تيمية في كتابه الذي سماه منهاج السنة (2) على ما حكي: قول السلف و أئمة الفتوى كأبي حنيفة و الشافعي و الثوري و داود بن علي و غيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا لا في المسائل الأصولية و لا في الفرعية انتهى فمن اجتهد في إباحة شي‏ء كالتدخين أو استحبابه كالتبرك بقبة النبي (ص) و تقبيله و شد الرحال إلى زيارته أو انه ليس ببدعة كالترحيم و التذكير ليس لمن اجتهد على خلافه معارضته و ممانعته و لا تفسيقه و تضليله فضلا عن تكفيره و تشريكه لأن ذلك ليس من ضروريات الدين التي لا يجوز الاجتهاد فيها.

الثاني‏

الكتاب كلام الله تعالى المنزل على نبيه (ص) و هو قطعي السند لاتفاق

____________

(1) و في كلام الفاضل الايراني المتقدم في الحاشية السابقة ما يشبه ان يكون تسرب إلى ذهنه من كلام صاحب المنار شي‏ء من هذا الوهم حيث قال: إن الايرانيين ألفوا في الحج و الزيارة شئونا يعتقدون انها من مستلزمات أداء ذلك الركن كزيارة مشاهد أهل البيت و زيارة مسجد منسوب للإمام علي ع .

(2) ص 20 ج 3.

50

المسلمين كافة على ان ما بين الدفتين منزل منه تعالى (اما دلالته) ففيه المحكم و المتشابة أو المجمل و المبين (فالمحكم) ما يكون ظاهر الدلالة و يسمى المبين (و المتشابة) ما يكون غير ظاهر الدلالة بل المعاني فيه على السواء في الاحتمال و يسمى المجمل (ثم المبين) قسمان (النص) و هو ما لا يحتمل الخلاف (و الظاهر) و هو الراجح مع احتمال الخلاف. و يسمى المرجوح المقابل للظاهر (المؤل) . و في الكتاب أيضا العام و الخاص و المطلق و المقيد و الناسخ و المنسوخ. و لا يجوز الاحتجاج من الكتاب بغير النص و الظاهر الا ما بينته السنة بعد ثبوتها أو الإجماع. كما لا يجوز العمل بالعام أو المطلق الا بعد الفحص عن الخاص أو المقيد و لا بالدليل الا بعد الفحص عن معارضه أو ناسخه لأن الدليل لا يكون دليلا بدون ذلك.

و بسبب وجود هذه الأقسام الكثيرة في القرآن و غيرها أمكن لكل ذي قول حقا كان أو باطلا ان يستند في صحة قوله إلى ظاهر آية من القرآن . فربما استند إلى الحقيقة و غفل عن قرينة المجاز أو المطلق أو العام و غفل عن المقيد أو الخاص إلى غير ذلك (و قد) جمع احمد بن محمد بن المظفر الرازي من أعيان القرن السابع و من علماء أهل السنة كتابا سماه (حجج القرآن) ذكر فيه من الآيات ما يمكن ان تحتج به كل فرقة لمذهبها و أقوالها المتباينة المتناقضة.

و نحن نذكر مثالا من ذلك من جملة ما ذكره و ما لم يذكره (فالوعيدية) المنكرون للعفو الموجبون المؤاخذة على المعاصي يمكنهم الاستدلال بآية. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (و الوعيدية ) القائلون برفع المؤاخذة بالكلية و ان الله لا يعاقب على المعصية لهم الاستناد إلى آية. (يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً) (و المثبتون) للرؤية في الآخرة استندوا إلى آية. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ) (و النافون) إلى قوله: (لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ) . لَنْ تَرََانِي (و الجبرية ) إلى آيات كثيرة مثل: (وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ* . قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ . يُرِيدُ اَللََّهُ أَلاََّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي اَلْآخِرَةِ . يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ* . إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ* . فَأَغْرَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ ) (و العدلية ) إلى مثلها كقوله تعالى: (يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ . وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ . أو للعالمين. سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا (الآية) . فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً* . قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً ) (و القائلون بالتجسيم) على الحقيقة بالجهة يستندون إلى الآيات التي فيها اليد و العين و الوجه (و النافون) إلى آية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) (و المجوزون المعصية على الأنبياء) إلى آيات: (وَ عَصى‏ََ آدَمُ . وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ (الآية) .

فَأَنْسََاهُ اَلشَّيْطََانُ ذِكْرَ رَبِّهِ . سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ . لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ ) (و النافون) إلى آية: (لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ) و القائلون بخطاب الكفار بالفروع) إلى عموم: (يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (و النافون) بخطاب: (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا) * (و الوهابية ) استدلوا على عدم جواز دعاء غير الله و التشفع بغيره و الاستغاثة به بآية: (فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً . لِلََّهِ اَلشَّفََاعَةُ جَمِيعاً ) و غيرهم بآية: (فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ . وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جََاؤُكَ (الاية) . يا أبت اِسْتَغْفِرْ لَنََا . وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ . مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ . يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللََّهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ . اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . أَغْنََاهُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ . آتََاهُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ . سَيُؤْتِينَا اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ ) . 50

الثالث‏

السنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره و شرط الاحتجاج بالفعل ظهور الوجه فلو فعل المعصوم شيئا و جهل وجهه علم عدم تحريمه مع تردده بين الوجوب و الندب و الكراهة و لم يثبت واحد منها و لا تثبت السنة لنا الا بالخبر المتواتر و هو اخبار جماعة كثيرة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب أو المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره و لا يثبت بخبر الفاسق و لا مجهول الحال لعدم إفادته العلم و عدم الدليل على حجيته بل الدليل قائم على عدمها من قوله تعالى: إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الاية) و النهي عن اتباع الظن (اما خبر الثقة العدل) مع عدم إفادته العلم فقد اختلف في حجيته فمنعها قوم لاصالة عدم حجية الظن و أثبتها آخرون و استدلوا بادلة مذكورة في‏الأصول‏ (و على) القول بحجيته لا بد من ثبوت العدالة اما بالعلم أو شهادة عدلين و في كفاية العدل الواحد خلاف (و العدالة) ملكة تبعث على اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر و ترك منافيات المروءة الكاشفة عن عدم مبالاة فاعلها بالدين (و إثبات) عدالة من بعد عنا زمانهم من أصعب الأمور لانحصار الأمر في علمنا بها في اخبار الغير و هو مفقود غالبا الا من اخبار البعض المستند على الظنون و الاجتهادات التي تخطئ كثيرا لا على الممارسة و المعاشرة مع اختلاف الآراء فيما يوجب الجرح و ما لا يوجبه و لذلك وقع الاختلاف كثيرا في الجرح و التعديل فما عدله واحد جرحه آخر و القاعدة ان الجرح مقدم على التعديل لجواز اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل (فعلم) من هذا أن التسرع إلى القول بمضمون الخبر بمجرد وجوده في أحد كتب الحديث أو بمجرد قول واحد انه صحيح و تخطئة الغير بذلك فضلا عن الحكم بكفره أو شركه خطا محض (و يشترط) لجواز العمل بالخبر عدم مخالفته لدليل قطعي من إجماع المسلمين و سيرتهم أو نص القرآن أو نص خبر آخر متواتر بل و عدم مخالفته للمشهور بين علماء المسلمين مع كونه بمرأى منهم و مسمع و عدم معارضته بدليل أقوى منه بأحد الوجوه الآتية في الأمر الرابع (و الخبر) فيه الأقسام السابقة في الكتاب كلها و ما يحتج به من الكتاب من تلك الأقسام يحتج به من الخبر و ما لا فلا (و يشترط) في العمل بالخبر ما اشترط في العمل بالكتاب مما مر في الأمر الثاني و بسبب وجود هذه الأقسام في الخبر أمكن لكل ذي قول حق أو باطل الاستناد إلى ظاهر رواية كما يعرفه المتتبع لأقوال العلماء و أدلتهم حتى ان البابية يحتجون على ضلالتهم‏

بخبر ان المهدي ياتي بامر جديد و قرآن جديد

(و اتباع) المسيح المهدي القادياني يحتجون على ضلالهم‏

بخبر لا مهدي الا عيسى

(و الحاصل) ان كل من يريد العناد و العصبية فله مدرك يتشبث به من الكتاب أو السنة ما لم يكن له حاجب من تقوى الله و المنصف الطالب للحق لا يتمسك بظواهر الآيات و الأحاديث ما لم يبحث عن معارضاتها من عقل أو نقل أو إجماع و ما لم يبحث عن سند الحديث و يستفرغ الوسع في فهم معناه.

الرابع‏

الاخبار المتعارضة الواردة عن النبي (ص) كثيرة. و سبب التعارض إما كون بعضها مكذوبا فقد كثرت الكذابة على النبي (ص) في عصره حتى قام خطيبا

فقال ما معناه قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار

. و بعد عصره تقربا إلى الملوك و ترويجا للأهواء و محافظة على الدنيا من طريق الدين و غير ذلك. و خبر الذي روى للمهدي العباسي و كان‏

51

يحب اللعب بالحمام‏

(لا سبق الا في خف أو حافر أو جناح)

فزاد أو جناح اتباعا لهوى المهدي فلما خرج قال المهدي أشهد ان قفاه قفا كذاب على رسول الله (ص) مشهور و كم أعطيت الجوائز و وليت الولايات و اقطعت الاقطاعات على اختراع الروايات الموافقة للشهوات (و اما) الاشتباه لخطا في فهم المراد أو سماع اللفظ أو الاطلاع على العام أو المطلق أو المنسوخ و عدم الاطلاع على الخاص أو المقيد أو الناسخ أو غير ذلك. و للتعارض علاجات وردت بها الأخبار و الروايات و قال بها علماء المسلمين (منها) العرض على كتاب الله و الثابت من سنة رسول الله (ص) فيؤخذ بما وافق و يترك ما خالف (و منها) الموافقة للإجماع أو السيرة أو المشهور بين علماء المسلمين أو الموافقة لما عليه الصحابة و التابعين (و منها) الترجيح بحسب السند بكون رواته أوثق أو احفظ أو أكثر أو الدلالة بكونه أظهر دلالة أو العبارة بكونها أفصح أو أحسن سبكا أو غير ذلك.

الخامس‏

الكتاب و الخبر عربيان و فيهما كسائر كلام العرب الحقيقة و المجاز (1)

(فالحقيقة) الكلمة المستعملة فيما وضعت له كقولك سمعت زئير الأسد في الغاب و تريد الحيوان المفترس (و المجاز) الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لمناسبة ما وضعت له مناسبة موافقة للعرف غير مستهجنة (2)

كقولك رأيت أسدا في الحمام و تريد رجلا شجاعا و المناسبة بينهما الشجاعة.

و قد كثر المجاز في كلام العرب جدا و منه الكتاب و الخبر بل أكثر كلام العرب مجاز (و مما) جاء منه في القرآن : (يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ . وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنََا .

وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي . فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنََا . وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ََ رَبِّهِمْ . يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ . كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ . فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ . وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ . اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ . يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ . فَكََانَ من ربه‏ قََابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ََ . إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ . إِلاََّ مَنْ رَحِمَ اَللََّهُ . وَ غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِ . اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ . وَ جََاءَ رَبُّكَ ) (و القرينة) على المجاز في الكل عدم إمكان إرادة المعنى الحقيقي المستلزم للتجسيم و التحيز و الوجود في مكان دون غيره و كونه تعالى محلا للحوادث (و مما) جاء منه في السنة

حديث أبي هريرة : (ان النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها)

. لقد عجب الله أو ضحك من فلان و فلانة و القرينة ما مر (و لا بد) للمجاز من قرينة كقولنا في المثال المتقدم في الحمام لان الحيوان المفترس لا يكون في الحمام عادة و قد تكون القرينة حالية لا مقالية فتخفى على بعض الأفهام و يقع فيها الاشتباه و قد يكثر استعمال اللفظ في المعنى المجازي حتى يصير مجازا مشهورا لا يحتاج إلى قرينة غير الشهرة و قد يكثر حتى يبلغ درجة الحقيقة فيسمى منقولا.

ثم المجاز قد يكون في الكلمة كما مر و قد يكون في الاسناد كأنبت الربيع البقل و صام نهاره و جرى النهر و بنى الأمير المدينة و غير ذلك فاسند الإنبات إلى الربيع مجازا باعتبار انه زمان له و حقه ان يسند إلى الله و الصوم إلى النهار باعتبار انه زمانه و حقه ان يسند إلى الشخص و الجري إلى النهر باعتبار انه 51 مكانه و حقه ان يسند إلى الماء و البناء إلى الأمير باعتبار انه سبب آمر و حقه ان يسند إلى البناء (و مما) جاء منه في القرآن الكريم (فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ) اي فما ربحوا في تجارتهم‏ (وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً) و الذي زادهم هو الله و الآيات سبب‏ (يُذَبِّحُ أَبْنََاءَهُمْ) و الذي ذبحهم اتباع فرعون و هو سبب آمد (يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا) و النازع هو الله و إبليس سبب‏ (يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً) و الجاعل هو الله و اليوم سبب لكثرة أهواله‏ (يََا هََامََانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً) و البناء فعل العملة و هامان سبب امر (فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ) و المخرج الله و إبليس سبب‏ (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ سَبْعٌ شِدََادٌ يَأْكُلْنَ مََا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) و الآكل أهل السنين و هي زمان للأكل‏ (وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقََالَهََا) و المخرج الله و الأرض مكان للإخراج (و لا بد) للمجاز في الاسناد أيضا من قرينة لفظية أو عقلية كقول الموحد أنبت الربيع البقل فان كونه موحدا كاف في حمل كلامه على المجاز في الاسناد و مثله لو قال المسلم الموحد يا رسول الله اغفر لي أو اشف ولدي أو طول عمري أو ارزقني أو رد غائبي أو نحو ذلك فيجب حمل كلامه على المجاز في الاسناد اي كن سببا في ذلك بشفاعتك و دعاء الله لي و يكفي قرينة على ذلك كونه مسلما موحدا و لا يجوز تخطئته في هذا اللفظ فضلا عن الحكم بكفره و شركه الموجب لحل دمه و ماله الا من غبي غير عارف بأساليب كلام العرب أو معاند.

ثم انه قد اختلف في المعاني الحقيقية لألفاظ كثيرة واردة في الكتاب و الأخبار مثل صيغة افعل هل هي للوجوب أو الندب أو مشتركة بينهما و صيغة لا تفعل هل هي للحرمة أو الكراهة أو مشتركة بينهما و كذا مادة الأمر و النهي و ما يشتق منهما إلى غير ذلك مما تضمنته كتب‏الأصول‏ (و كيفما قلنا) فقد كثر استعمال اللفظتين في الندب و الكراهة كثرة مفرطة بحيث يصعب الحكم بالوجوب أو الحرمة بمجرد ورودهما إذ لعلهما صارا مجازا مشهورا في ذلك خصوصا بملاحظة خصوصيات المقامات المبعدة للحمل على الوجوب أو التحريم.

و في الكتاب و الخبر أيضا كسائر كلام العرب التصريح و الكناية (فالتصريح) كقولنا فلان كريم (و الكناية) و هي ذكر اللازم و إرادة الملزوم كقولنا كثير الرماد و جبان الكلب كناية عن كرمه لأن الكرم يلزمه كثرة الطبخ للأضياف المستلزم كثرة الرماد و يلزمه كثرة الطراق المستلزم جبن الكلب عادة.

و في الكتاب و الخبر أيضا كسائر كلام العرب المبالغات كقوله تعالى:

(عَبْداً مَمْلُوكاً لاََ يَقْدِرُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ . يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ ) .

و

قوله (ص) : (لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت المرأة بالسجود لزوجها

.

لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد

.

لا يزني الزاني و هو مؤمن)

(الحديث) (3) و

قول علي (ع) : ما زال رسول الله (ص) يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه و ما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت انه يحرم طلاقها

و قال المتنبي :

و ضاقت الأرض حتى ظل هاربهم # إذا رأى غير شي‏ء ظنه رجلا

و قال الآخر:

كفى بجسمي نحولا انني رجل # لو لا مخاطبتي إياك لم ترني‏

____________

(1) فصلنا هذه الأمور ليفهمها من لم يطلع على معانيها فيعم النفع فلا ينسبنا أحد في ذلك إلى ذكر ما لا لزوم له لأنها مبينة في مواضعها.

(2) احتراز عن مثل استعمال الحائط في الرجل الطويل لمناسبة الطول فإنه مستهجن عرفا.

(3) و فيه نفي الايمان أيضا عن السارق و شارب الخمر و القاتل و سياتي في الأمر السادس.

52

و قال شاعر العرب :

انعى فتى الجود إلى الجود # ما مثل من انعى بموجود

انعى فتى مص الثرى بعده # بقية الماء من العود

و قال شاعرهم:

عقيلية أما ملاث إزارها # فدعص و اما خصرها فبتيل‏

و زادوا في المبالغة حتى قال قائلهم في وصف من يتغزل بها:

تدخل اليوم ثم تدخل # اردافها غدا

و هذا باب متسع لا تمكن الاحاطة بأطرافه و لم نر أحدا قال انهم مهما بالغوا قد خرجوا عن طريقة العرب و منهج كلامهم (و المبالغة أيضا) واقعة في لساننا و محاوراتنا بل في كل لسان (و من المبالغات) الواقعة في الكتاب و الخبر تسمية الذنب أو العظيم منه كفرا و فاعله كافرا و نحو ذلك كما ياتي في الأمر السادس و اطلاق المعصية على فعل المكروه خصوصا إذا صدر من الأنبياء و الأولياء و لكن ذلك كما قال بعض العظماء بلسان الورع و التقوى لا بلسان الفقه‏و الفتوى و منه المعاصي المنسوبة في القرآن إلى الأنبياء ع بعد قيام الدليل على وجوب عصمتهم و امتناع صدور المعاصي منهم.

السادس‏

ليست جميع المعاصي و لا الكبائر منها كفرا خلافا لما يحكى عن الخوارج لعدم الدليل على ذلك و متى حكم بالإسلام لا يحكم بغيره الا بيقين و مضت على ذلك سيرة النبي (ص) و الصحابة و التابعين و تابعي التابعين و لو كانت المعاصي أو الكبائر منها كفرا لبطلت الحدود و التعزيرات و لم يبق لها ثمرة فان المرتد يستتاب و الا قتل فلا معنى لاقامة الحد عليه أو تعزيره و للزم الحكم بارتداد جميع الخلق الذين لا يسلمون من المعاصي بل و الكبائر و لم ينج منه الا القليل و لو كان كذلك لبينته العلماء في كتبها و نادت به الوعاظ و الخطباء و عرفه كل حد أحد و صار من ضروريات الدين لشدة الحاجة اليه من عموم المكلفين و كون المرتد له أحكام خاصة به يلزم على كل مكلف معرفتها و ترتيبها عليه (و

روى) عبادة بن الصامت (1) عن النبي (ص) : خمس صلوات كتبهن الله على العباد من اتى بهن كان له عند الله عهد ان يدخله الجنة و من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه و ان شاء غفر له‏

و هذا دليل على ان ترك الصلاة ليس كفرا لأن الكفر لا يغفره الله‏ (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ) * (هذا) ان لم يكن مستحلا لما ثبت وجوبه أو تحريمه بضرورة الدين و الا كان كافرا (و لكن) قد يطلق على كثير من الذنوب اسم الكفر أو الشرك أو النفاق أو نحو ذلك تعظيما للذنب و تحذيرا منه و تشبيها لمؤاخذته لعظمها بمؤاخذة الكفر و بيانا لأن مقتضى الإسلام و الايمان ان لا يفعل ذلك الذنب أو لأنه ربما انجر بالآخرة إلى ذلك

كما ورد ان في قلب المؤمن نكتة بيضاء فإذا عصى الله اسود منها جانب و هكذا إلى ان يتم سوادها فذلك الذي طبع الله عليه‏

(كما) جاء التهديد بالنار و اللعن على ترك بعض المستحبات أو فعل بعض المكروهات بيانا لتأكد الاستحباب حتى كأنها واجبة و لشدة الكراهة حتى كأنها محرمة أو لأن التهاون 52 بها ربما ينجر إلى التهاون بالواجب و فعل المحرم‏

كما ورد ان من ترك فرق شعره فرق بمنشار من نار

و نظير ذلك اللعن على فعل المكروه كلعن المحلل و المحلل له و لعن النائم في البيت وحده و المسافر وحده و آكل طعامه وحده كما ياتي في فصل اتخاذ القبور مساجد. و اطلاق المعصية على فعل المكروه كما في المعاصي المنسوبة إلى الأنبياء ع على ما مر في الأمر الخامس (و مما) ورد من اطلاق الكفر و نحوه على الذنب (في القرآن ) قوله تعالى: (وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ) (و في الأحاديث)

قوله (ص) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض‏

.

اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب و النياحة على الميت.

أيما عبد ابق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم‏

(روى الثلاثة مسلم ) (2) و

في الجامع الصغير للسيوطي (3) عن الطبراني في الكبير : من ارضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله‏

. قال العزيزي في الشرح : ان استحل و الا فهو زجر و تهويل انتهى. و قال الحفني في الحاشية :

اي من كماله أو حقيقته ان استحل انتهى (و

قوله ص) : بين الرجل و بين الشرك و الكفر ترك الصلاة

(رواه مسلم ) .

العهد بيننا و بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر

(رواه احمد و أهل السنن) .

بين العبد و الكفر و الايمان الصلاة فإذا تركها فقد كفر و أشرك‏

.

من تركها-اي الصلاة-عمدا فقد خرج من الملة

.

من تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة

(رواهما عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه )

من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله‏

رواه احمد

( انس عنه ص) : لا دين لمن لا عهد له‏

( أبو هريرة عنه ص) : لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن و لا يقتل حين يقتل و هو مؤمن‏

(أبو هريرة عنه ص) علامة النفاق الكذب و سوء الخلق و الخيانة

( عبد الله بن عمر عنه ص) ان النفاق عبارة عن اربع الخيانة و الكذب و الغدر و الفجور

( أبو هريرة عنه ص) المراء في القرآن كفر

عنه ص) لا يفوت حضور الجماعة الا منافقا

( أبو ذر عنه ص) الرقى و التمائم من الشرك‏

(أبو هريرة عنه ص) من قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر

(من اتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما انزل الله‏

رواه الدارقطني و ابن ماجة و الترمذي

( عمر بن لبيد عنه ص) الرياء الشرك الأصغر

( أبو سعيد عنه ص) الرياء شرك خفي‏

( عمر عنه ص) كسب الربا شرك‏

( شداد بن أوس عنه ص) من صلى يرائي فقد أشرك‏

( ابن مسعود عنه ص) قتال المسلمين كفر

(ابن عمر) نسبة المسلم إلى الكفر كفر

(و هذا الأخير) منطبق على الوهابيين في نسبتهم المسلمين إلى الكفر و

روى احمد بن حنبل في مسنده‏ (4) عنه (ص) إذا أحدكم قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما

و روى عدة روايات بهذا المعنى أو قريبا منه (و روى) ذلك غيره أيضا (و ما ذكرناه) أحسن وجه للجمع بين حديث عبادة المتقدم و هذه الأخبار و يرشد اليه حديث أبي هريرة السابق لا يزني الزاني إلخ حيث نفى الايمان عنه في حال تلبسه بالمعصية لا مطلقا فدل على المراد ان تلبسه بالمعصية خلاف مقتضى الايمان فنفي الايمان عنه في تلك الحال مجاز تشبيها لمن لا يعمل بمقتضى إيمانه بغير المؤمن نظير

لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد

فتكون هذه الرواية شاهدا للجمع المذكور (و حكم الوهابيون ) بكفر تارك الصلاة أو الزكاة و ان لم يكن مستحلا و استحلوا القتل بترك بعض فرائض الإسلام أو

____________

(1) الحديث في الهدية السنية ص 66 .

(2) صفحة 402 الجزء الأول بهامش إرشاد الساري .

(3) ص 326 ج 3.

(4) ص 18 ج 2.

53

شعائره على عادتهم في التسرع إلى تكفير المسلمين و استحلال دمائهم و تشددهم في ذلك اقتفاء بالخوارج الذين أشبهوهم من كل الوجوه كما ياتي في المقدمة الثالثة السابعة (فقالوا) في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية (1) اختلف العلماء في تارك الصلاة في غير جحود لوجوبها فذهب أبو حنيفة و الشافعي في أحد قوليه و مالك إلى انه لا يحكم بكفره و احتجوا بحديث عبادة المتقدم و ذهب احمد و الشافعي في أحد قوليه و اسحق بن راهويه و جماعة إلى انه كافر و حكاه اسحق إجماعا و قال ابن حزم سائر الصحابة و التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقا و يحكمون عليه بالارتداد و عد عشرة من الصحابة ثم قال و لا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة (قال) و أجابوا عن حديث عبادة ان المراد عدم المحافظة عليهن في اوقاتهن بدليل الآيات و الأحاديث الواردة في تركها و أورد جملة مما مر ثم قال ان العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلا الا أبا حنيفة و الزهري و داود فقالوا يحبس حتى يموت أو يتوب و احتجوا على قتله بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ) إلى قوله‏ (فَإِنْ تََابُوا وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتَوُا اَلزَّكََاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) و

بقوله (ص) أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة

(الحديث) ثم ذكر

رواية الترمذي) : أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و ان يتقبلوا قبلتنا و ان يأكلوا ذبيحتنا و ان يصلوا صلاتنا

(الحديث) قال و المقصود فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي انه من العلماء على الجهلة من الناس ان من قال لا اله الا الله محمد رسول الله انه مسلم و لا يجوز قتله و ان ترك فرائض الإسلام ثم أطال في الاستشهاد بكلام الأجهوري و الأذرعي و الهيتمي و ابن تيمية و غيرهم الدال على ان ترك بعض شعائر الإسلام موجب للمقاتلة كاهل القرية إذا تركوا الأذان أو الجماعة أو صلاة العيد أو غير ذلك و في جملة ما نقله عن ابن تيمية (2) أيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء و الأموال‏ (3) و الخمر و الزنا و الميسر أو نكاح المحارم أو الجهاد أو ضرب الجزية أو غير ذلك فإنها تقاتل عليها و ان كانت مقرة بها (و نقول) اما الأحاديث التي أطلق فيها الكفر على جملة من المعاصي فقد عرفت انه لم يرد بها الحقيقة للشواهد التي قدمناها من لزوم لغوية الحدود و رواية عبادة و حديث‏

لا يزني الزاني و هو مؤمن‏

و غيرها اما حمل ترك الصلاة في حديث عبادة على إرادة عدم المحافظة عليها في وقتها فلا شاهد عليه بل هو تخرص على الغيب بخلاف حمل الكفر على تعظيم الذنب فان له نظائر و شواهد كثيرة كما عرفت و لا أقل من وقوع الشبهة فلا يجوز التهجم على الدماء مع وجودها و عدم صراحة النصوص (و من الغريب) ما نقلوه عن اسحق بن راهويه من حكاية الإجماع مع مخالفة عظماء أئمة المذاهب كأبي حنيفة و الشافعي في أحد قوليه و مالك التي نقلوها في صدر الكلام كاستدلال ابن حزم عليه بقول نفر من الصحابة ان صح النقل عنهم مع عدم العلم بمذهب الباقين و هم ألوف و كقولهم العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلا الا أبا حنيفة و الزهري و داود فما فائدة هذا الإجماع مع مخالفة هؤلاء الثلاثة اما الاستدلال بآية (فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ) فغير صحيح لان الإسلام قول باللسان و عمل بالأركان فمن كان مشركا و تشهد الشهادتين و لم يأت باعمال 53 الإسلام لا يحكم بإسلامه بخلاف المسلم الموحد المولود على فطرة الإسلام الملتزم باحكامه الفاعل لها إذا عصى بترك فرض يعتقد بوجوبه و يعلم انه عاص بتركه فالآية واردة في الأول لا في الثاني و كذلك ما أطالوا به بدون طائل من الاستشهاد بكلام فلان و فلان على ان ترك بعض شعائر الإسلام موجب للقتال لا شاهد فيه على حلية قتل تارك الفرائض كسلا فضلا عن كفره فإنه ان صح جواز القتال على ترك بعض الشعائر حتى المستحبة كالأذان و الجماعة لا ربط له بترك الفرض كسلا (و الحاصل) انه لا يجوز الاقدام و التهجم على دماء المسلمين بأخبار غير ظاهرة و بأقوال الأجهوري و الأذرعي و الحراني و الهيتمي فليتق الله المتهجمون و المتهورون.

السابع‏

الإجماع اتفاق أهل الحل و العقد من امة محمد (ص) على امر ديني في عصر من الاعصار و هو حجة (اما) لما

روي عنه (ص) لا تجتمع امتي على خطا

أو لوجود معصوم بينهم بناء على عدم خلو العصر من معصوم كما يقوله أصحابنا و هو رئيس أهل الحل و العقد أو للكشف عن ان ذلك مأخوذ من صاحب الشرع كما يستكشف رأي المتبوع برأي اتباعه الذين لا يصدرون الا عن رأيه فيعلم رأي أبي حنيفة باتفاق الحنفية و الشافعي باتفاق الشافعية و غير ذلك (و في) حكم الإجماع سيرة المسلمين و الفرق بينهما أن الإجماع اتفاق قولي و السيرة إجماع عملي فيكشف عن ان ذلك مأخوذ عن صاحب الشرع يدا عن يد و يشمله‏

لا تجتمع امتي على خطا

(و الوهابية ) لا ينكرون حجية الإجماع و قد تكرر في كتبهم الاحتجاج به و الرد على غيرهم بمخالفته و في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية (4) ما نصه و العلماء إذا أجمعوا فاجماعهم حجة لا يجتمعون على ضلالة انتهى و لكن الصنعاني من الوهابية أنكر في رسالته تطهير الاعتقاد إمكان وقوع الإجماع أو إمكان العلم به حيث قال‏ (5)

بعد ما عرف الإجماع بأنه اتفاق مجتهدي امة محمد (ص) على امر بعد عصره:

و على ما نحققه فالإجماع وقوعه محال فان الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق فعلماؤها لا ينحصرون و لا يتم لأحد معرفة أحوالهم فدعوى الإجماع بعد انتشار الدين و كثرة العلماء دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق انتهى و صدر كلامه دال على استحالة وقوعه و عجزه ظاهر في عدم إمكان الاطلاع عليه و كلاهما فاسد فان كثرة العلماء لا تمنع من اتفاقهم لا عقلا و لا نقلا و الاطلاع عليه أيضا ممكن و واقع بملاحظة الفتاوى و عمل المسلمين و عدم نقل الخلاف و قرائن أخر فانا نعلم علما ضروريا باتفاق العلماء على ان البنتين لهما الثلثان في الميراث بالفرض إذا انفردن عن الاخوة لا النصف و ان لم نشافه جميع العلماء و نطلع على فتاواهم تفصيلا و أمثال ذلك في الشرعيات كثير كما نعلم علما ضروريا بإجماعهم على استحباب زيارة النبي (ص) و تعظيم قبره و حجرته و رجحان بنائها و التبرك به و بها و جواز بناء القبور و بناء القباب عليها لاستمرار سيرتهم على ذلك قولا و فعلا من الصدر الأول إلى اليوم و عدم نهي أحد عنه من الصحابة فمن بعدهم قبل الوهابية بل الإنصاف انه ما من مسألة اتفق عليها المسلمون قولا و عملا من جميع المذاهب مثل هذه المسألة

____________

(1) ص 65.

(2) ص 81.

(3) هذا ينطبق على الوهابية الممتنعين عن التزام تحريم دماء المسلمين و أموالهم.

(4) ص 65.

(5) ص 19.

54

الثامن‏

الأصل الاباحة فيما لا نص فيه و لم يقم دليل على تحريمه لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و لقوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً) اي لانتفاعكم. و قوله تعالى: (وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً) و بعث الرسول كناية عن وصول الأحكام و الا فمجرد البعث قبل تبليغ الأحكام لا تتم به الحجة. و قوله تعالى: (قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ الآية) و أمثالها من الآيات‏

التاسع‏

البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين و لا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى و لا التنقيص منها لاختصاص ذلك به تعالى و بأنبيائه الذين لا يصدرون الا عن امره مع انه قد ورد النص بان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار (و اما تشخيصها) فهو مما يقع فيه الاشتباه فكم بدعة عدت سنة و بالعكس (و سبب الاشتباه) اما خطا في الدليل المستدل به على ان ذلك من الشرع أو ليس منه أو تقليد من سنها لحسن الظن به مع انه مبدع أو توهم انه لا بد من ورود النص بها بالخصوص مع دخولها في عمومه أو إطلاقه كما وقع في زماننا من بعض المتشددين فقالوا ان القيام عند ذكر ولادة النبي (ص) بدعة لعدم ورود النص به و الحال انه يكفي فيه عموم ما فهم من الشرع من لزوم احترام النبي (ص) و رجحان تعظيمه حيا و ميتا بكل أنواع الاحترام التي لم ينص الشرع على تحريمها (ثم) البدعة لا تكون بدعة الا إذا فعلت بعنوان انها من الدين فما قاله بعضهم من ان ما اصطلح عليه بعض المسلمين في هذه الأعصار من ترك الأعمال يوم الجمعة بدعة لأنه لم ينص الشرع على ذلك بل امر بالعمل بعد قضاء صلاة الجمعة اشتباه لأن الترك هنا بعنوان الراحة أو بعنوان مصلحة اخرى دينية أو دنيوية كإظهار حرمة يوم الجمعة و غير ذلك لا بعنوان انه في نفسه عبادة و طاعة و من ذلك توهم الوهابية ان التذكير و الترحيم بدعة لأنه لم يكن في عهد النبي (ص) إذ يكفي في مشروعيته عموم ما دل على رجحان ذكر الله تعالى و الصلاة على نبيه (ص) و الدعاء و نحو ذلك و تخصيصه ببعض الأمكنة و الأزمنة لفائدة مع عدم إتيانه بعنوان الخصوصية اي بعنوان انه مأمور به بالخصوص في هذا الزمان و المكان لا يجعله بدعة و كذلك جملة أشياء مما جعلوه بدعة كما سياتي بيان ذلك في الباب الأول.

العاشر

الأفعال تختلف أحكامها باختلاف القصد الموجب لاختلاف العنوان و تبدل الموضوع و باختلاف الأزمان و الأمكنة و الأحوال و الأشخاص الموجب لذلك و هذا معنى ما اشتهر ان الأحكام تتغير بتغير الأزمان (اما) اختلافها باختلاف القصد فكضرب اليتيم فإنه محرم بقصد الإيذاء راجح بقصد التأديب و كغيبة المسلم فإنها محرمة بقصد الانتقاص واجبة بقصد نهيه عن المنكر أو نصح المستشير أو اقامة الحق في مقام جرح الشاهد و كالسجود عند قبر النبي (ص) فإنه راجح مستحب بقصد الشكر لله تعالى على توفيقه لزيارته محرم بقصد السجود للنبي (ص) لعدم جواز السجود لغير الله تعالى 54 إلى غير ذلك.

و اما اختلافها باختلاف الأزمان و الأشخاص و الأحوال فكلبس الأزرق مثلا حيث يعد زينة في بعض الأزمان أو الأمكنة فيحرم على الزوجة في وقت الحداد و يستحب إذا أرادت التزين لزوجها و كلباس الشهرة و لباس النساء المحرم على الرجال و بالعكس فإنه يختلف باختلاف الأزمان و الأشخاص و الأمكنة و كدفن المؤمن الجليل القدر قريبا من المزبلة فإنه يعد اهانة له فيحرم بخلاف دفن الزبال أو من صنعته نزح الكنيف و كانزال الضيف الشريف في مرابط الدواب فإنه يعد اهانة مع إمكان غيره بخلاف المكاري و قد يكون ترك القيام للشخص في زمان أو بلاد يعد اهانة له فيحرم و في زمان آخر أو بلاد اخرى لا يعد فلا يحرم و ملبوس الزهد و ماكوله يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و كهدم قبور الأنبياء و الأولياء و قبابهم و مشاهدهم فهب انه كان منهيا عن البناء نهي كراهة أو تحريم الا ان الهدم صار يعد في هذا الزمان اهانة لهم فيتعارض عنوان واجب و هو الهدم و عنوان محرم و هو الاهانة فيقدم الأهم و لا شك ان مراعاة عدم اهانة النبي أو الولي أهم من كل شي‏ء.

الحادي عشر

قد يتعارض عنوان واجب مع عنوان محرم فيقدم الأهم كلمس بدن الأجنبية فإنه محرم لكن إذا توقف عليه انقاذها من الغرق أو شفاؤها من المرض فيجوز أو يجب و كالنظر إلى عورة الغير فهو محرم و يباح للطبيب و كاخذ المكوس فهو محرم عند الوهابية و غيرهم لكن الوهابية في فتواهم المذكورة في الخاتمة قالوا ان تركها الامام فهو الواجب عليه و ان امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين و الخروج عن طاعته من أجلها (أقول) و ذلك لأن جمع كلمة المسلمين و عدم شق عصاهم أهم في نظر الشرع من عدم أخذ المكوس لأن المفسدة التي تترتب على شق عصا المسلمين أعظم من المفسدة المترتبة على أخذ المكوس و بناء على هذا كان يجب على الوهابية عدم التعرض لهدم قبور أئمة المسلمين الذي يسوء ثلاثمائة و خمسين مليونا من المسلمين تحن قلوبهم إلى هذه القبور و يسوءهم هدمها و تدميرها أ فما كانت هذه المفسدة التي تشتت كلمة المسلمين و تسوءهم و توقع الخصام و العداوة بينهم في هذه الأيام العصيبة التي تبدد فيها جمعهم و وهى ركنهم و ضعف سلطانهم و فتحت بلادهم أعظم من مفسدة تحريم البناء على القبور ان كانت و أهم و اولى بالرعاية أ فما تقابل هذه المفسدة شق عصا المسلمين بلى و الله بل هي أعظم منها و أفظع و أوجع لقلوب المسلمين فهلا أبقيتم هذه القبور و لو حرم عندكم ابقاؤها كما أبقيتم قبر النبي (ص) و ابقاؤه عندكم حرام مراعاة لأهم المصلحتين و درءا لأعظم المفسدتين و منعتم الناس من الدنو إليها و لمسها الذي هو عندكم شرك كما منعتم من لمس قبر النبي (ص) و الدنو اليه مع انكم لا ترون إبقاء القبور شركا غايته التحريم.

الثاني عشر

تكفير المقر بالشهادتين المتبع طريقه المسلمين و استحلال دمه و ماله و عرضه عظيم و اي عظيم فلا يجوز الاقدام عليه و اعتقاده استنادا إلى أمور نظرية اجتهادية يكثر فيها الخطا و اخبار ظنية محتملة للكذب و التأويل