الكامل في التاريخ - ج3

- ابن الأثير الجزري المزيد...
526 /
5

الجزء الثالث‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

21 ثم دخلت سنة إحدى و عشرين‏

ذكر وقعة نهاوند

قيل: فيها كانت وقعة نِهاوند، و قيل: كانت سنة ثماني عشرة، و قيل سنة تسع عشرة.

و كان الّذي هيّج أمر نهاوند أنّ المسلمين لما خلصوا جند العلاء من بلاد فارس و فتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم و هو بمرو فحركوه، و كاتب الملوك بين الباب و السّند و خراسان و حلوان، فتحركوا و تكاتبوا و اجتمعوا إلى نهاوند، و لمّا وصلها أوائلهم بلغ سعدا الخبر، فكتب إلى عمر، و ثار بسعد قوم سعوا به و ألبّوا عليه، و لم يشغلهم ما نزل بالناس، و كان ممّن تحرّك في أمره الجرّاح بن سنان الأسديّ في نفر. فقال لهم عمر: و اللََّه‏ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم. فبعث عمر محمد بن مسلمة و النّاس في الاستعداد للفرس، و كان محمد صاحب العمّال يقتصّ آثار من شكا (1) زمان عمر، فطاف

____________

(1) يبلى. B

6

بسعد على أهل الكوفة يسأل عنه، فما سأل عنه جماعة إلاّ أثنوا عليه خيرا سوى من مالأ الجرّاح الأسديّ، فإنّهم سكتوا و لم يقولوا سوءا و لا يسوغ لهم، حتى انتهى‏[1] إلى بني عبس فسألهم، فقال أسامة بن قتادة: اللََّهمّ إنّه لا يقسم بالسوية، و لا يعدل في القضيّة، و لا يغزو في السرية. فقال سعد: اللََّهمّ إن كان قالها رياء و كذبا و سمعة فأعم بصره، و أكثر عياله، و عرّضه لمضلاّت الفتن. فعمي، و اجتمع عنده عشر بنات، و كان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا عثر عليه‏[2] قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثمّ دعا سعد على أولئك النفر فقال: اللََّهمّ إن كانوا خرجوا أشرا و بطرا و رياء فاجهد بلادهم. فجهدوا، و قطّع‏[3] الجرّاح بالسيوف يوم بادر الحسن بن عليّ، عليه السّلام، ليغتاله‏ (1)

بساباط، و شدخ قبيصة بالحجارة، و قتل أربد بالوج‏ء[4] (2) و نعال‏ (3) السيوف.

و قال سعد: إنّي أوّل رجل أهراق دما من المشركين، و لقد جمع لي رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أبويه و ما جمعهما لأحد قبلي، و لقد رأيتني خمس الإسلام، و بنو أسد تزعم أنّي لا أحسن أصلي و أنّ الصيد يلهيني.

و خرج محمد بسعد و بهم معه إلى المدينة فقدموا على عمر فأخبروه الخبر فقال:

كيف تصلّي يا سعد؟قال: أطيل الأوليين و أحذف الأخريين‏ (4) . فقال:

[1]. انتهوا.

[2]. فإذا عبر عليها.

[3]. فجهد و اقتطع.

[4]. و قيل ارتد بالوجي‏ء.

____________

(1) ليقاتله. B

(2) . بالوحي. P. C

(3) . تعال. P. C ، تقل. B

(4) . qqs 159. p,I,irahkoB. diV . الأولتين... الآخرتين. ddoC

7

هكذا الظنّ بك يا أبا إسحاق و لو لا الاحتياط لكان سبيلهم بيّنا. و قال: من خليفتك يا سعد على الكوفة؟فقال: عبد اللََّه‏[بن عبد اللََّه‏]بن عتبان. فأقرّه.

فكان سبب نهاوند و بعثها زمن سعد.

و أمّا الوقعة فهي زمن عبد اللََّه، فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفا و مائة ألف مقاتل، و كان سعد كتب إلى عمر بالخبر ثمّ شافهه به لمّا قدم عليه و قال له: إنّ أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح و أن يبدءوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوّهم.

فجمع عمر النّاس و استشارهم، و قال لهم: هذا يوم له ما بعده، و قد هممت أن أسير فيمن قبلي‏[1] و من قدرت عليه فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ثمّ أستنفرهم و أكون لهم ردءا حتى يفتح اللََّه عليهم و يقضي ما أحبّ، فإن فتح اللََّه عليهم صببتهم في بلدانهم.

فقال طلحة بن عبيد اللََّه: يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور، و عجمتك‏ (1)

البلابل، و احتنكتك التجارب، و أنت و شأنك و رأيك، لا ننبو في يديك و لا نكل عليك‏[2]، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع و ادعنا نجب و احملنا نركب و قدنا ننقد، فإنّك وليّ هذا الأمر، و قد بلوت و جرّبت و احتربت‏ (2)

فلم ينكشف شي‏ء من عواقب قضاء اللََّه لك إلاّ عن خيارهم‏ (3) . ثمّ جلس.

فعاد عمر، فقام عثمان فقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، و إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثمّ تسير [1] قبل لي.

[2] و لا ينبو في يديك و لا يكلّ عليك.

____________

(1) . عجنتك. B

(2) . و اختبرت. B

(3) . أخبارهم. B

8

أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة و البصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فإنّك إذا سرت قلّ عندك ما قد تكاثر من عدد القوم و كنت أعزّ عزّا و أكثر.

يا أمير المؤمنين، إنّك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية، و لا تمتع من الدنيا بعزيز، و لا تلوذ منها بحريز. إن هذا يوم له ما بعده من الأيّام، فاشهده برأيك و أعوانك و لا تغب عنه. و جلس.

فعاد[عمر]فقام إليه عليّ بن أبي طالب فقال: أمّا بعد يا أمير المؤمنين فإنّك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، و إن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، و إنّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها و أقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهمّ إليك ممّا بين يديك من العورات و الغيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم و اكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا ثلاث فرق: فرقة في حرمهم و ذراريهم، و فرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا، و لتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم، إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير المؤمنين أمير العرب و أصلها، فكان ذلك أشدّ لكلبهم عليك. و أمّا ما ذكرت من مسير القوم فإنّ اللََّه هو أكره لمسير هم منك و هو أقدر على تغيير ما يكره، و أمّا عددهم فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة و لكن بالنصر.

فقال عمر: هذا هو الرأي، كنت أحبّ أن أتابع عليه، فأشيروا عليّ برجل أوليه.

و قيل: إن طلحة و عثمان و غيرهما أشاروا عليه بالمقام. و اللََّه أعلم.

فلمّا قال عمر: أشيروا عليّ برجل أوليه ذلك الثغر و ليكن عراقيّا، قالوا[1]:

أنت أعلم بجندك و قد وفدوا عليك. فقال: و اللََّه لأولينّ أمرهم رجلا يكون [1] فقالوا.

9

أوّل الأسنّة[1] إذا لقيها غدا. فقيل: من هو؟فقال: هو النّعمان بن مقرّن المزني. فقالوا: هو لها.

و كان النّعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد اقتحموا جنديسابور و السّوس. فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه، فإذا اجتمعوا إليه سار بهم إلى الفيرزان و من معه. و قيل بل كان النعمان بكسكر.

فكتب إلى عمر يسأله أن يعزله و يبعثه إلى جيش من المسلمين. فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند، فسار.

فكتب عمر إلى عبد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبان ليستنفر الناس مع النعمان كذا و كذا و يجتمعوا عليه بماه. فندب الناس. فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف‏[2] ليبلوا في الدّين و ليدركوا حظّا.

فخرج النّاس منها و عليهم حذيفة بن اليمان و معه نعيم بن مقرّن حتى قدموا على النّعمان، و تقدّم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسا عن المسلمين‏و عليهم المقترب و حرملة و زرّ، فأقاموا بتخوم أصبهان و فارس و قطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند، و اجتمع الناس على النعمان و فيهم حذيفة بن اليمان و ابن عمر و جرير بن عبد اللََّه البجليّ و المغيرة ابن شعبة و غيرهم، فأرسل النعمان طليحة بن خويلد و عمرو بن معديكرب و عمرو ابن ثني، و هو ابن أبي سلمى، ليأتوه بخبرهم. و خرجوا و ساروا يوما إلى الليل، فرجع إليه عمرو بن ثني، فقالوا: ما رجعك؟فقال: لم أكن في أرض العجم، و قتلت أرض جاهلها و قتل أرضا عالمها[3]. و مضى طليحة و عمرو [1] ليكونن أولى الأسنة.

[2] الروادّ.

[3] و قلت أرض جاهلها و قيل أرض عالمها.

10

ابن معديكرب. فلمّا كان آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟قال:

سرنا يوما و ليلة و لم نر شيئا فرجعت. و مضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند.

و بين موضع المسلمين الّذي هم به و نهاوند بضعة و عشرون فرسخا. فقال الناس:

ارتدّ طليحة الثانية. فعلم كلام‏ (1) القوم و رجع. فلمّا رأوه كبّروا. فقال:

ما شأنكم؟فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: و اللََّه لو لم يكن دين إلاّ العربيّ ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة[1] (2) . فأعلم النعمان أنّه ليس بينهم و بين نهاوند شي‏ء يكرهه و لا أحد.

فرحل النعمان و عبى أصحابه، و هم ثلاثون ألفا، فجعل على مقدّمته نعيم ابن مقرّن و على مجنّبتيه حذيفة بن اليمان و سويد بن مقرّن، و على المجرّدة القعقاع بن عمرو، و على الساقة مجاشع بن مسعود. و قد توافت إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة بن شعبة، فانتهوا إلى إسبيذهان و الفرس وقوف على تعبيتهم، و أميرهم الفيرزان و على مجنّبتيه الزردق‏ (3) و بهمن جاذويه الّذي جعل مكان ذي الحاجب. و قد توافي إليهم الأمداد بنهاوند كلّ من غاب عن القادسيّة ليسوا بدونهم، فلمّا رآهم النعمان كبّر و كبّر معه النّاس فتزلزلت الأعاجم و حطست العرب الأثقال و ضرب فسطاط النعمان، فابتدر أشراف الكوفة فضربوه، منهم: حذيفة بن اليمان، و عقبة بن عامر، و المغيرة بن شعبة، و بشير ابن الخصاصيّة، و حنظلة الكاتب، و جرير بن عبد اللََّه البجليّ، و الأشعث ابن قيس، و سعيد بن قيس الهمدانيّ، و وائل بن حجر و غيرهم. فلم ير بنّاء فسطاط بالعراق كهؤلاء.

[1] ما كنت لأحرز العجم الطماطم هذه العرب العادية.

____________

(1) . علم. ddoC

(2) . العربية. P. C

(3) . الزرق. B

11

و أنشب النّعمان القتال بعد حطّ الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء و يوم الخميس و الحرب بينهم سجال و إنّهم انجحروا[1] في خنادقهم يوم الجمعة، و حصرهم المسلمون و أقاموا عليهم ما شاء اللََّه، و الفرس بالخيار لا يخرجون إلاّ إذا أرادوا الخروج، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع‏تجمّع‏[2] أهل الرأي من المسلمين و قالوا: نراهم علينا بالخيار. و أتوا النعمان في ذلك فوافوه و هو يروي في الّذي رووا فيه فأخبروه، فبعث إلى من بقي من أهل النجدات و الرأي فأحضرهم، فتكلّم النعمان فقال:

قد ترون المشركين و اعتصامهم بخنادقهم و مدنهم و أنّهم لا يخرجون إلينا إلاّ إذا شاءوا و لا يقدر المسلمون على إخراجهم، و قد ترون الّذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الّذي به نستخرجهم إلى المناجزة و ترك التطويل؟ فتكلّم عمرو بن ثني، و كان أكبر الناس، و كانوا يتكلّمون على الأسنان، فقال: التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم فدعهم و قاتل من أتاك منهم.

فردوا عليه رأيه.

و تكلّم عرمو بن معديكرب فقال: ناهدهم و كابرهم و لا تخفهم، فردّوا جميعا عليه رأيه و قالوا: إنّما يناطح بنا الجدران و هي أعوان علينا.

و قال طليحة: أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا فإنّا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا و خرجوا فقاتلناهم حتى يقضي اللََّه فيهم و فينا ما أحبّ.

فأمر[النعمان‏]القعقاع بن عمرو، و كان على المجرّدة، فأنشب القتال، [1] انحجروا.

[2] يجتمع.

12

فأخرجهم من خنادقهم كأنّهم جبال حديدقد تواثقوا أن لا يفروا، و قد قرن بعضهم بعضا كلّ سبعة في قران و ألقوا حسك الحديد خلفهم لئلاّ ينهزموا.

فلمّا خرجوا نكص ثمّ نكص و اغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظنّ طليحة و قالوا:

هي هي، فلم يبق أحد إلاّ من يقوم على الأبواب و ركبوهم. و لحق القعقاع بالناس، و انقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع و المسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار، و قد عهد النعمان إلى الناس عهده و أمرهم أن يلزموا الأرض و لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، ففعلوا و استبروا بالحجف من الرمي، و أقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.

و شكا بعض الناس‏[1] و قالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم؟ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدا رويدا. و انتظر النعمان بالقتال أحبّ الساعات كانت إلى رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أن يلقى العدوّ فيها و ذلك عند الزوال، فلمّا كان قريبا من تلك الساعة ركب فرسه و سار في الناس و وقف على كلّ راية يذكّرهم و يحرّضهم و يمنّيهم الظفر، و قال لهم: إنّي مكبّر ثلاثا فإذا كبّرت الثالثة فإنّي حامل فاحملوا، و إن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة. ثمّ قال: اللََّهمّ أعزز دينك، و انصر عبادك، و اجعل النعمان أوّل شهيد اليوم على إعزاز دينك و نصر عبادك.

و قيل: بل قال: اللََّهمّ إنّي أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام و اقبضني شهيدا. فبكى الناس. و رجع إلى موقفه فكبّر ثلاثا و الناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، و حمل النعمان و الناس معه و انقضّت رايته انقضاض العقاب و النعمان معلم ببياض القباء و القلنسوة، فاقتتلوا قتالا [1] و شكا الناس.

13

شديدا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشدّ منها (1) ، و ما كان يسمع إلاّ وقع الحديد، و صبر لهم المسلمون صبرا عظيما، و انهزم الأعاجم و قتل منهم ما بين الزوال و الإعتام ما طبّق أرض المعركة دما يزلق الناس و الدواب.

فلمّا أقرّ اللََّه عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدا، زلق به فرسه فصرع. و قيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله، فسجّاه أخوه نعيم بثوب، و أخذ الراية و ناولها حذيفة، فأخذها و تقدم إلى موضع النعمان و ترك نعيما مكانه. و قال لهم المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع اللََّه فينا و فيهم لئلاّ يهن الناس. فاقتتلوا. فلمّا أظلم الليل عليهم انهزم المشركون و ذهبوا و لزمهم المسلمون و عمي عليهم قصدهم فتركوه و أخذوا نحو اللّهب الّذي كانوا دونه بأسبيذهان‏فوقعوا[1] فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعا، و جعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللّهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.

و قيل: قتل في اللهب ثمانون ألفا و في المعركة ثلاثون ألفا سوى من قتل في الطلب، و لم يفلت إلاّ الشريد، و نجا الفيرزان من بين الصرعى‏[2] فهرب نحو همذان، فاتبعه نعيم بن مقرّن، و قدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان، و هي إذ ذاك مشحونة من بغال و حمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب على أجله. فلمّا لم يجد طريقا نزل عن دابته و صعد في الجبل، فتبعه القعقاع راجلا [1] كانوا دونه فوقعوا.

[2] من الصرعى.

____________

(1) . anucaltipicni. BniroignolciH

14

فأدركه فقتله المسلمون على الثنية و قالوا: إنّ للََّه جنودا من عسل. و استاقوا العسل و ما معه من الأحمال. و سميت الثنية ثنية العسل.

و دخل المشركون همذان و المسلمون في آثارهم فنزلوا عليها و أخذوا ما حولها.

فلمّا رأى ذلك خسروشنوم‏[1] استأمنهم، و لما تمّ الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرّن، فقال لهم أخوه معقل: هذا أميركم قد أقرّ اللََّه عينه بالفتح و ختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة.

و دخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة و احتووا ما فيها من الأمتعة و غيرها و ما حولها من الأسلاب و الأثاث و جمعوا إلى صاحب الأقباض السائب ابن الأقرع. و انتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع القعقاع و نعيم، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: أ تؤمنني و من شئت على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟قال: نعم. فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين، فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر. و كان حذيفة قد نفل منها و أرسل الباقي مع السائب ابن الأقرع الثقفي، و كان كاتبا حاسبا، أرسله عمر إليهم و قال له: إن فتح اللََّه عليكم فأقسم على المسلمين فيئهم و خذ الخمس، و إن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن الأرض خير من ظهرها.

قال السائب: فلمّا فتح اللََّه على المسلمين‏و أحضر الفارسيّ السفطين اللذين أودعهما عنده النخيرجان‏ (1) فإذا فيهما اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت، فلمّا فرغت [1] خشرشنوم. ـ

____________

(1) . tiusoporpmudnegel (262. pirosdaleB-la ) ejeoGeD,lcdouq,tetal النخيزجان‏ etrofenoitcelauqnI التخيرجان. l. h. suM. rB

15

من القسمة احتملتهما معي و قدمت على عمر، و كان قد قدر الوقعة فبات يتململ و يخرج و يتوقع الأخبار، فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا، فمرّ به راكب فسأله: من أين أقبل؟فقال:

من نهاوند، و أخبره بالفتح و قتل النعمان، فلمّا أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة، فبلغ الخبر عمر فسأله فأخبره، فقال: ذلك بريد الجنّ.

ثمّ قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسرّه و لم يخبره بقتل النعمان. قال السائب:

فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: فأتيته فقال: ما وراءك؟فقلت:

خيرا يا أمير المؤمنين، فتح اللََّه عليك و أعظم الفتح، و استشهد النعمان بن مقرن.

فقال عمر: إنّا للََّه و إنّا إليه راجعون. ثمّ بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده‏[1]. قال: فلمّا رأيت ذلك و ما لقي قلت: يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه. فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين و لكن الّذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم و أنسابهم، و ما يصنع أولئك بمعرفة عمر! ثمّ أخبرته بالسفطين فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما و الحق بجندك. قال: ففعلت و خرجت سريعا إلى الكوفة.

و بات عمر، فلمّا أصبح‏بعث في أثري رسولا فما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري و أناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلاّ الآن. قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلمّا رآني قال: إليّ و ما لي و للسائب!قلت: و لما ذا؟ قال: ويحك و اللََّه ما هو*إلاّ أن نمت‏ (1) الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة [1] فروع كنفيه فوق كبده. (الكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان) .

____________

(1) الان انمت. suM. rB

16

تستحبني إلى السفطين يشتعلان نارا فيقولون: لنكوينّك بهما، فأقول: إنّي سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين و أرزاقهم.

قال: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثمّ خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا. و كان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف و سهم الراجل ألفين.

و لما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلاّ مسح رأسه و بكى و قال له: أكل عمر كبدي!و كان من نهاوند فأسرته الروم و أسره المسلمون من الروم فنسب إلى حيث سبي.

و كان المسلمون يسمّون فتح نهاوند فتح الفتوح لأنّه لم يكن للفرس بعده اجتماع. و ملك المسلمون بلادهم.

ذكر فتح الدينور و الصّيمرة و غيرهما

لما انصرف أبو موسى من نهاوند، و كان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة، فمرّ بالدينور فأقام عليها خمسة أيّام و صالحه أهلها على الجزية و مضى فصالحه أهل سيروان على مثل صلحهم، و بعث السائب بن الأقرع الثقفيّ إلى الصّيمرة مدينة مهرجان‏قذق‏[1] ففتحها صلحا، و قيل: إنّه وجّه السائب من الأهواز ففتح ولاية مهرجان‏قذق‏[1].

[1] مهرجانقذف.

17

ذكر فتح همذان و الماهين و غيرهما

لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان و حاصرهم نعيم بن مقرّن و القعقاع بن عمرو. فلمّا رأى ذلك خسروشنوم‏[1] استأمنهم و قبل منهم الجزية على أن يضمن منهم همذان و دستبى و ألاّ يؤتى المسلمون منهم، فأجابوه إلى ذلك و آمنوه و من معه من الفرس، و أقبل كلّ من كان هرب، و بلغ الخبر الماهين بفتح همذان و ملكها و نزول نعيم و القعقاع بها، فاقتدوا بخسروشنوم‏[1] فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا و أجمعوا على القبول و أجمعوا على إتيان حذيفة، فخدعهم دينار و هو أحد أولئك الملوك، و كان أشرفهم قارن، و قال:

لا تلقوهم في جمالكم، ففعلوا، و خالفهم فأتاهم في الديباج و الحلي فأعطاهم حاجتهم، و احتمل المسلمون ما أرادوا و عاقدوه عليهم، و لم يجد الآخرون بدّا من متابعته و الدخول في أمره، فقيل ماه دينار لذلك. و كان النّعمان بن مقرّن قد عاقد بهراذان‏[2] على مثل ذلك فنسب إلى بهراذان‏[2]، و كان قد وكّل النّسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النّسير و هو تصغير نسر.

قيل: دخل دينار الكوفة أيّام معاوية فقال: يا أهل الكوفة إنّكم أوّل ما مررتم بنا كنتم خيار النّاس فبقيتم كذلك زمن عمر و عثمان، ثمّ تغيّرتم و فشت فيكم خصال أربع: بخل، و خبّ، و غدر، و ضيق، و لم يكن فيكم واحدة منهن، و قد رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخبّ من قبل النبط، و البخل من قبل فارس، و الغدر من قبل خراسان، و الضيق من قبل الأهواز.

[1] خشرشنوم.

[2] بهزاذان.

2*3

18

ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم‏

و فيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم و طلب الفرس أين كانوا، و قيل: كان ذلك سنة ثماني عشرة، و قد تقدّم ذكره. و سبب ذلك ما كان من يزدجرد و بعثه الجنود مرّة بعد أخرى، فوجّه الأمراء من أهل البصرة و أهل الكوفة بعد فتح نهاوند، و كان بين عمل سعد و عمل عمّار أميران، أحدهما عبد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبان، و في زمانه كانت وقعة نهاوند، و الآخر زياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصيّ، و في زمانه أمر بالانسياح و عزل عبد اللََّه و بعث في وجه آخر، و ولي زياد، و كان من المهاجرين، فعمل قليلا و ألحّ في الاستعفاء فأعفاه عمر و ولّى عمّار بن ياسر و كتب معه إلى أهل الكوفة:

إنّي بعثت عمّارا أميرا و جعلت معه ابن مسعود معلّما. و كان ابن مسعود بحمص فسيّره عمر إلى الكوفة، و أمدّ أهل البصرة بعبد اللََّه بن عبد اللََّه، و أمدّ أهل الكوفة بأبي موسى. و كان أهل همذان قد كفروا بعد الصلح، فبعث عمر لواء إلى نعيم بن مقرّن و أمره بقصد همذان، فإذا فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى خراسان، و بعث عتبة بن فرقد و بكير بن عبد اللََّه إلى أذربيجان، يدخل أحدهما من حلوان و الآخر من الموصل، و بعث عبد اللََّه بن عبد اللََّه إلى أصبهان، و أمرّ عمر سراقة على البصرة.

ذكر فتح أصبهان‏

و فيها بعث عمر إليها عبد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبان، و كان شجاعا من أشراف الصحابة و من وجوه الأنصار حليفا لبني الحبلى، و أمدّه بأبي موسى، و جعل على مجنّبتيه عبد اللََّه بن ورقاء الرياحيّ و عصمة بن عبد اللََّه، فساروا إلى نهاوند، و رجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة و ما وراءها، و سار

19

عبد اللََّه فيمن كان معه و من تبعه من جند النعمان بنهاوند نحو أصبهان، و على جندها الاسبيدان‏[1]، و على مقدمته شهريار بن جاذويه‏[2]، شيخ كبير، في جمع عظيم، و مقدمة المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، و دعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد اللََّه بن ورقاء الرياحي فقتله، و انهزم أهل أصبهان، فسمّي ذلك الرستاق رستاق الشيخ إلى اليوم، و صالحهم الاسبيدان‏[1] على رستاق الشيخ، و هو أوّل رستاق أخذ من أصبهان.

ثمّ سار عبد اللََّه إلى مدينة جيّ و هي مدينة أصبهان، فانتهى إليها و الملك بأصبهان الفاذوسفان، فنزل بالناس على جيّ و حاصرها و قاتلها، ثمّ صالحه الفاذوسفان على أصبهان و أن على من أقام الجزية و أقام على ماله و أن يجرى من أخذت أرضه عنوة مجراهم و من أبى و ذهب كان لكم أرضه، و قدم أبو موسى على عبد اللََّه من ناحية الأهواز و قد صالح، فخرج القوم من جيّ و دخلوا في الذّمّة إلاّ ثلاثين رجلا من أهل أصبهان لحقوا بكرمان. و دخل عبد اللََّه و أبو موسى جيّا، و كتب بذلك إلى عمر. فقدم كتاب عمر إلى عبد اللََّه: أن سر حتى تقدم على سهيل بن عديّ فتكون معه على قتال من بكرمان، فسار و استخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، و لحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان.

قيل: و قد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا أصبهان النعمان بن مقرن، و أن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان و كتب إلى أهل الكوفة أن يمدّوه، فسار إلى أصبهان و بها ملكها ذو الحاجبين، فأرسل إليه المغيرة بن شعبة و عاد من عنده فقاتلهم و قتل النعمان و وقع ذو الحاجبين عن دابّته فانشقّت بطنه و انهزم أصحابه. قال معقل: فأتيت النعمان و هو صريع [1] ورد في الطبري: الأستندار.

[2] ورد في الطبري: شهربراز جاذويه.

20

فجعلت عليه علما. فلمّا انهزم المشركون أتيته، و معي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب فقال: ما فعل الناس؟فقلت: فتح اللََّه عليهم. قال: الحمد للََّه!و مات.

هكذا في هذه الرواية، و الصحيح أن النعمان قتل بنهاوند و افتتح أبو موسى قمّ و قاشان.

ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة

و فيها ولّى عمر عمّار بن ياسر على الكوفة، و ابن مسعود على بيت المال.

فشكا أهل الكوفة عمّارا، فاستعفى عمّار عمر بن الخطّاب، فولّى عمر جبير بن مطعم الكوفة، و قال له: لا تذكره لأحد. فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر، ففعلت، فقالت: نعم ما حييتني به‏[1]. فلمّا علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له: بارك اللََّه لك فيمن وليت!و أخبره الخبر فعزله و ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها حتى مات عمر. و قيل: إن عمّارا عزل سنة اثنتين و عشرين و ولي بعده أبو موسى. و سيرد ذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر عدّة حوادث‏

قيل: و فيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهريّ فافتتح زويلة صلحا، و ما بين برقة و زويلة سلم للمسلمين. و قيل: سنة عشرين.

كان الأمراء في هذه السنة: عمير بن سعد على دمشق و حوران و حمص [1] نعم حيّتيني به.

21

و قنسرين و الجزيرة، و معاوية على البلقاء و الأردن و فلسطين و السواحل و أنطاكية و قلقية و معرّة مصرين، و عند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة على قلقية و أنطاكية و معرّة مصرين.

و فيها ولد الحسن البصري و الشعبي.

و حجّ بالناس عمر بن الخطّاب، و استخلف على المدينة زيد بن ثابت. و كان عامله على مكّة و الطائف و اليمن و اليمامة و مصر و البصرة من كان قبل ذلك، و كان على الكوفة عمّار بن ياسر، و شريح على القضاء.

و فيها بعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى ساحل فارس فحاربوهم‏و معهم الجارود العبديّ، فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود، و قيل: بل قتل بنهاوند مع النعمان.

و فيها مات حممة، و هو من الصحابة، بأصبهان بعد فتحها، و العلاء بن الحضرميّ و هو على البحرين، فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة. و فيها مات خالد ابن الوليد بحمص و أوصى إلى عمر بن الخطّاب، و قيل: مات سنة ثلاث و عشرين، و قيل: مات بالمدينة. و الأوّل أصحّ.

22

22 ثم دخلت سنة اثنتين و عشرين‏

في هذه السنة افتتحت أذربيجان، و قيل: سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان و الريّ و جرجان، فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثمّ نذكر أذربيجان بعدها.

ذكر فتح همذان ثانيا

قد تقدّم مسير نعيم بن مقرّن إلى همذان و فتحها على يده و يد القعقاع بن عمرو، فلمّا رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم‏[1]، فلمّا قدم عهد نعيم من عند عمر ودّع حذيفة و سار يريد همذان و عاد حذيفة إلى الكوفة، فخرج نعيم ابن مقرّن على تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعا و حاصرها، فلمّا رأى أهلها ذلك سألوا الصلح ففعل و قبل منهم الجزية. و قد قيل: إن فتحها كان سنة أربع و عشرين بعد مقتل عمر بستة أشهر. فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفا من الجند كاتب الديلم و أهل الريّ و أذربيجان، إذ خرج موتا في الديلم حتى نزل بواج‏روذ (1) ، و أقبل الزينبي‏ (2) أبو الفرّخان في أهل الريّ، و أقبل أسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان، فاجتمعوا و تحصّن منهم أمراء المسالح و بعثوا إلى [1] خشرشنوم.

____________

(1) . بواج برود. dOC

(2) . sitcnupeniseuqibU

23

نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمدانيّ و خرج إليهم، فاقتتلوا بواج‏روذ (1)

قتالا شديدا، و كانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة و قتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون، فأرسلوا إلى عمر مبشرا، فأمر عمر نعيما بقصد الريّ و قتال من بها و المقام بها بعد فتحها، و قيل: إن المغيرة بن شعبة، و هو عامل على الكوفة، أرسل جرير بن عبد اللََّه إلى همذان، فقاتله أهلها و أصيبت عينه بسهم، فقال: احتسبتها عند اللََّه الّذي زيّن بها وجهي و نوّر لي ما شاء ثمّ سلبنيها في سبيله. ثمّ فتحها على مثل صلح نهاوند و غلب على أرضها قسرا. و قيل: كان فتحها على يد المغيرة بنفسه، و كان جرير على مقدمته. و قيل: فتحها قرظة بن كعب الأنصاري.

ذكر فتح قزوين و زنجان‏

لما سيّر المغيرة جريرا إلى همذان ففتحها سيّر البراء بن عازب في جيش إلى قزوين و أمره أن يسير إليها فإن فتحها غزا الديلم منها، و إنّما كان مغزاهم قبل من دستبى. فسار البراء حتى أتى أبهر، و هو حصن، فقاتلوه ثمّ طلبوا الأمان فآمنهم و صالحهم، ثمّ غزا قزوين، فلمّا بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم، و وصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم و الديلم وقوف على الجبل لا يمدّون يدا، فلمّا رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر، و قال بعض المسلمين:

قد علم الدّيلم إذ تحارب # حين أتى في جيشه ابن عازب‏

بأنّ ظنّ المشركين كاذب # فكم قطعنا في دجى الغياهب‏

من جبل وعر و من سباسب‏

____________

(1) بواج‏الرود. doC

24

و غزا البراء الديلم حتى أدّوا إليه الإتاوة، و غزا جيلان و الطّيلسان، و فتح زنجان عنوة. و لما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم و جيلان و موقان و الببر و الطيلسان ثمّ انصرف.

ذكر فتح الريّ‏

ثمّ انصرف نعيم من واج‏روذ حتى قدم الريّ و خرج الزينبي أبو الفرّخان من الريّ فلقي نعيما طالبا الصلح و مسالما له و مخالفا لملك الريّ، و هو سياوخش ابن مهران بن بهرام جوبين، فاستمدّ سياوخش أهل دنباوند و طبرستان و قومس و جرجان فأمدّوه خوفا من المسلمين، فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الريّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، و كان الزينبي قال لنعيم: إنّ القوم كثير و أنت في قلّة فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، و ناهدهم أنت فإنّهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم خيلا من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبيّ المدينة و لا يشعر القوم و بيّتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا و صبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، و أفاء اللََّه على المسلمين بالريّ نحوا ممّا في المدائن و صالحه الزينبيّ على الريّ، و مرزبه عليهم نعيم، فلم يزل شرف الريّ في أهل الزينبيّ، و أخرب نعيم مدينتهم، و هي التي يقال لها العتيقة، و أمر الزينبي فبنى مدينة الريّ الحدثى. و كتب نعيم إلى عمر بالفتح و أنفذ الأخماس، و كان البشير المضارب العجليّ، و راسله المصمغان في الصلح على شي‏ء يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه إلى ذلك.

و قد قيل: إن فتح الريّ كان على يد قرظة بن كعب، و قيل: كان فتحها سنة إحدى و عشرين. و قيل غير ذلك. و اللََّه أعلم‏. ـ

25

ذكر فتح قومس و جرجان و طبرستان‏

لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة و أخماس الريّ كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرّن و معه هند بن عمرو الجملي و غيره إلى قومس، فسار سويد نحو قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما و عسكر بها، و كاتبه الذين لجئوا إلى طبرستان منهم و الذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح و الجزية و كتب لهم بذلك. ثمّ سار سويد إلى جرجان فعسكر بها ببسطام و كتب إلى ملك جرجان، و هو زرنان صول‏ (1) ، و كاتبه زرنان صول و صالحه على جرجان على الجزية و كفاية حرب جرجان و أن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، و تلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان فدخل معه و عسكر بها حتى جبى الخراج و سمى فروجها فسدها بترك دهستان، و رفع الجزية عمّن قام بمنعها و أخذها من الباقين.

و قيل: كان فتحها سنة ثماني عشرة. و قيل: سنة ثلاثين زمن عثمان.

قيل: و راسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويدا في الصلح على أن يتوادعا و يجعل له شيئا على غير نصر و لا معونة على أحد، فقبل ذلك منه و كتب له كتابا.

ذكر فتح طرابلس الغرب و برقة

في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية و أن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه. فلمّا فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها شهرا فلم يظفر بها، و كان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من

____________

(1) ررنان‏ te زرنان، رزنان: tairavcis. ddoCnisinimonarutpircS

26

بني مدلج يتصيّد في سبعة نفر و سلكوا غرب المدينة، فلمّا رجعوا اشتدّ عليهم الحرّ فأخذوا على جانب البحر، و لم يكن السور متصلا بالبحر، و كانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم، فرأى المدلجي و أصحابه مسلكا بين البحر و البلد فدخلوا منه و كبّروا، فلم يكن للروم ملجأ إلاّ سفنهم لأنّهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد، و نظر عمرو و من معه فرأى السيوف في المدينة و سمعوا الصياح، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد، فلم يفلت الروم إلاّ بما خف معهم في مراكبهم.

و كان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس، فلمّا امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا و اطمأنّوا، فلمّا فتحت طرابلس جنّد عمرو عسكرا كثيفا و سيّره إلى سبرة، فصبحوها و قد فتح أهلها الباب و أخرجوا مواشيهم لتسرح لأنّهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس، فوقع المسلمون عليهم و دخلوا البلد مكابرة و غنموا ما فيه و عادوا إلى عمرو. ثمّ سار عمرو بن العاص إلى برقة و بها لواتة، و هم من البربر.

و كان سبب مسير البربر إليها و إلى غيرها من الغرب أنّهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام و كان ملكهم جالوت، فلمّا قتل سارت البرابر و طلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية و مراقية، و هما كورتان من كور مصر الغربيّة، تفرّقوا فسارت زناتة و مغيلة، و هما قبيلتان من البربر، إلى الغرب فسكنوا الجبال، و سكنت لواتة أرض برقة، و تعرف قديما بأنطابلس، و انتشروا فيها حتى بلغوا السوس، و نزلت هوارة مدينة لبدة، و نزلت نفوسة إلى مدينة سبرة و جلا من كان بها من الروم لذلك، و قام الأفارق، و هم خدم الروم، على صلح يؤدّونه إلى من غلب على بلادهم. و سار عمرو بن العاص، كما ذكرنا، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية و شرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم.

27

ذكر فتح أذربيجان‏

قال: فلمّا افتتح نعيم الريّ بعث سماك بن خرشة الأنصاري، و ليس بأبي دجانة، ممدّا لبكير بن عبد اللََّه بأذربيجان، أمره عمر بذلك، فسار سماك نحو بكير، و كان بكير حين بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم إسفنديار بن فرّخزاذ مهزوما من واج‏روذ، فكان أوّل قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الفرس و أخذ بكير إسفنديار أسيرا. فقال له إسفنديار:

الصلح أحبّ إليك أم الحرب؟قال: بل الصلح. قال: أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجي‏ء إليهم لم يقوموا لك و جلوا إلى الجبال التي حولها، و من كان على التحصّن تحصّن إلى يوم ما. فأمسكه عنده، و صارت البلاد إليه إلاّ ما كان من حصن. و قدم عليه سماك بن خرشة ممدّا و إسفنديار في إساره و قد افتتح ما يليه، و افتتح عتبة بن فرقد ما يليه.

و كتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدّم، فأذن له أن يتقدّم نحو الباب، و أن يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عليه عتبة بن فرقد، فأقرّ عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الّذي كان افتتحه، و جمع عمر أذربيجان كلّها لعتبة بن فرقد.

و كان بهرام بن فرّخزاذ قصد طريق عتبة و أقام به في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلمّا بلغ خبره إسفنديار و هو في الأسر عند بكير قال: الآن تمّ الصلح و طفئت الحرب. فصالحه و أجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلّهم، و عادت أذربيجان سلما. و كتب بذلك بكير و عتبة إلى عمر و بعثا بما خمسا. و لما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتابا بالصلح.

و فيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الّذي كان أهدي له.

28

و كان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كلّ سنة يمنعهم بذلك عن الظلم.

ذكر فتح الباب‏

في هذه السنة كان فتح الباب، و كان عمر ردّ أبا موسى إلى البصرة و بعث سراقة بن عمرو، و كان يدعى ذا النور، إلى الباب، و جعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، و كان أيضا يدعى ذا النور، و جعل على إحدى مجنّبتيه حذيفة بن أسيد الغفاريّ، و على الأخرى بكير بن عبد اللََّه الليثي، و كان بكير سبقه إلى الباب. و جعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي. فسار سراقة، فلما خرج من أذربيجان قدم بكير إلى الباب، و كان عمر قد أمدّ سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة و جعل مكانه زياد بن حنظلة. و لما أطلّ عبد الرحمن بن ربيعة على الباب، و الملك بها يومئذ شهريار، و هو من ولد شهريار الّذي أفسد بني إسرائيل و أغزى الشام بهم، فكاتبه شهريار و استأمنه على أن يأتيه، ففعل، فأتاه فقال: إنّي بإزاء عدوّ كلب و أمم مختلفةليست لهم أحساب و لا ينبغي لذي الحسب و العقل أن يعينهم‏ (1) على ذي الحسب و لست من القبج‏[1] و لا الأرمن في شي‏ء، و إنّكم قد غلبتم على بلادي و أمتي فأنا منكم و يدي مع أيديكم و جزيتي إليكم و النصر لكم و القيام بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم.

قال: فسيّره عبد الرحمن إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقبل منه سراقة ذلك، و قال: لا بدّ من الجزية ممّن يقيم و لا يحارب العدوّ. فأجابه إلى ذلك.

و كتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمر و استحسنه.

[1] الفتح.

____________

(1) . يغنيهم. IDOB ;يعنيهم. P. C

29

ذكر فتح موقان‏

لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد اللََّه و حبيب بن مسلمة و حذيفة ابن أسيد و سلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، و حبيبا إلى تفليس، و حذيفة إلى جبال اللان، و سلمان إلى الوجه الآخر.

و كتب سراقة بالفتح إلى عمر و بإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات المذكورة، فأتى عمر أمر لم يظن أن يستتم له بغير مئونة لأنّه فرج عظيم و جند عظيم، فلمّا استوسقوا و استحلوا الإسلام و عدله مات سراقة، و استخلف عبد الرحمن بن ربيعة. و لم يفتتح أحد من أولئك القواد إلاّ بكير فإنّه فضّ أهل موقان ثمّ تراجعوا على الجزية عن كلّ حالم دينار.

و كان فتحها سنة إحدى و عشرين. و لما بلغ عمر موت سراقة و استخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقرّ عبد الرحمن على فرج الباب و أمره بغزو الترك.

(أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة و كسر السين. و النور في الموضعين بالراء) .

ذكر غزو التّرك‏

لما أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب.

فقال له شهريار: ما تريد أن تصنع؟قال: أريد غزو بلنجر و الترك. قال:

إنّا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنّا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، و باللََّه إنّ معنا أقواما لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: و ما هم؟قال: أقوام صحبوا رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و دخلوا في هذا الأمر بنيّة، و لا يزال هذا الأمر لهم دائما

30

و لا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم‏و حتى يلفتوا عن حالهم. فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا: ما اجترأ علينا إلاّ و معه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا منه و تحصّنوا، فرجع بالغنيمة و الظفر، و قد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، و عادوا و لم يقتل منهم أحد.

ثمّ غزاهم أيّام عثمان بن عفّان غزوات فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحا لهم فزادهم فسادا، فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك و اجتمعوا في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله و هرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا و اشتدّ قتالهم و نادى مناد من الجوّ: صبرا عبد الرحمن و موعدكم الجنّة!فقاتل عبد الرحمن حتى قتل و انكشف أصحابه و أخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها، و نادى مناد من الجوّ: صبرا آل سلمان! فقال سلمان: أو ترى جزعا؟و خرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسيّ على جيلان فقطعوها إلى جرجان، و لم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به إلى الآن.

ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة و البصرة

في هذه السنة عدّل عمر فتوح أهل الكوفة و البصرة بينهم.

و سبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطّاب يذكر له كثرة أهل البصرة و عجز خراجهم عنهم، و سأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان، و بلغ أهل الكوفة ذلك و قالوا لعمّار بن ياسر، و كان على الكوفة أميرا سنة و بعض أخرى: اكتب إلى عمر أن رامهرمز و إيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما و لم يلحقونا حتى افتتحناهما، فلم يفعل عمار، فقال له عطارد:

31

أيّها العبد الأجدع فعلام تدع فيئنا[1]؟فقال: لقد سببت أحبّ أذني إليّ! فأبغضوه لذلك. و اختصم أهل الكوفة و أهل البصرة، و ادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيّام أمدّ به عمر بن الخطّاب أهل الكوفة.

فقال لهم أهل الكوفة: أتيتمونا مددا و قد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم، و الذمّة ذمّتنا و الأرض أرضنا. فقال عمر: صدقوا. فقال أهل الأيّام و القادسيّة ممّن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا ممّا نحن شركاؤكم فيه من سوادهم و حواشيهم. فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة أخذها من شهد الأيّام و القادسيّة.

و لما ولي معاوية، و كان هو الّذي جنّد قنسرين ممّن أتاه من أهل العراقين أيّام عليّ، و إنّما كان قنسرين رستاقا من رساتيق حمص، فأخذ لهم معاوية حين ولي بنصيبهم من فتوح العراق و أذربيجان و الموصل و الباب لأنّه من فتوح أهل الكوفة. و كان أهل الجزيرة و الموصل يومئذ ناقلة[2]، انتقل إليها كلّ من نزل بهجرته من أهل البلدين أيّام عليّ، فأعطاهم معاوية من ذلك نصيبا.

و كفر أهل أرمينية أيّام معاوية، و قد أمّر حبيب بن مسلمة على الباب، و حبيب يومئذ بجرزان، و كاتب أهل تفليس و تلك الجبال من جرزان فاستجابوا له.

ذكر عزل عمّار بن ياسر عن الكوفة و ولاية أبي موسى و المغيرة بن شعبة

و فيها عزل عمر بن الخطّاب عمّار بن ياسر عن الكوفة و استعمل أبا موسى.

و سبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه و قالوا له: إنّه لا يحتمل ما هو فيه و إنّه [1] فينا.

[2] نافلة. (و الناقلة من الناس الذين دأبهم الانتقال من مكان إلى آخر) .

32

ليس بأمين، و نزا به‏[1] أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفد يريد أنهم معه، فكانوا أشدّ عليه ممّن تخلّف عنه‏[2]، و قالوا: إنّه غير كاف و عالم بالسياسة و لا يدري على ما استعملته. و كان منهم سعد بن مسعود الثقفيّ، عم المختار، و جرير بن عبد اللََّه، فسعيا به، فعزله عمر. و قال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرّني حين استعملت و لقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل و لكني تأوّلت‏: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ (1) .

ثمّ أقبل عمر على أهل الكوفة فقال: من تريدون؟قالوا: أبا موسى.

فأمّره عليهم بعد عمّار. فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف، فشكاه الوليد ابن عبد شمس و جماعة معه و قالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله عنهم و صرفه إلى البصرة. و صرف عمر ابن سراقة إلى الجزيرة.

و خلا عمر في ناحية المسجد فنام، فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلاّ من عظيم. فقال: و أيّ شي‏ء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير و لا يرضى عنهم أمير؟و أحيطت الكوفة على مائة ألف مقاتل. و أتاه أصحابه فقالوا: ما شأنك؟فقال: إنّ أهل الكوفة قد عضلوني. و استشارهم فيمن يوليه. و قال: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قويّ مسدّد؟فقال المغيرة: أمّا الضعيف المسلم فإنّ إسلامه لنفسه و ضعفه عليك، و أمّا القوي المسدّد فإن سداده لنفسه و قوته [1] ويرابه.

[2] فكانوا أشد عليه من يخلف عنه.

____________

(1) . 5. sv ,28 inaroC

33

للمسلمين. فولّى المغيرة الكوفة، فبقي عليها حتى مات عمر، و ذلك نحو سنتين و زيادة. و قال له حين بعثه: يا مغيرة ليأمنك الأبرار و ليخفك الفجّار. ثمّ أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة فقتل عمر قبل ذلك فأوصى‏[1] به‏.

ذكر فتح خراسان‏

و في هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، في قول بعضهم. و قيل:

سنة ثماني عشرة.

و سبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الريّ بعد هزيمة أهل جلولاء و انتهى إليها و عليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان تغدرني! قال: لا و لكن قد تركت ملكك فصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شي‏ء. و أخذ خاتم يزدجرد و اكتتب الصكاك بكل ما أعجبه ثمّ ختم عليها و ردّ الخاتم، ثمّ أتى بعد سعدا فردّ عليه كلّ شي‏ء في كتابه.

و سار يزدجرد من الريّ إلى أصبهان، ثمّ منها إلى كرمان و النار معه، ثمّ قصد خراسان فأتى مرو فنزلها و بنى للنار بيتا و اطمأنّ و أمن من أن يؤتى، و دان له من بقي من الأعاجم. و كاتب الهرمزان و أثار أهل فارس، فنكثوا، و أثار أهل الجبال و الفيرزان، فنكثوا، فأذن عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطّبسين فافتتح هراة عنوة و استخلف عليها صحار بن فلان العبديّ، ثمّ سار نحو مرو الشاهجان فأرسل إلى نيسابور مطرّف ابن عبد اللََّه بن الشّخّير و إلى سرخس الحرث بن حسّان، فلمّا دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد إلى مروالروذ حتى نزلها، و نزل الأحنف [1] فأرضى.

3*3

34

مرو الشاهجان، و كتب يزدجرد، و هو بمروالروذ، إلى خاقان و إلى ملك الصّغد و إلى ملك الصين يستمدّهم. و خرج الأحنف من مرو الشاهجان و استخلف عليها حارثة بن النعمان الباهليّ بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، و سار نحو مروالروذ.

فلمّا سمع يزدجرد سار عنها إلى بلخ و نزل الأحنف مروالروذ.

و قدم أهل الكوفة إلى يزدجرد و اتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة و يزدجرد ببلخ، فانهزم يزدجرد و عبر النهر و لحق الأحنف بأهل الكوفة، و قد فتح اللََّه عليهم، فبلخ من فتوحهم.

و تتابع أهل خراسان من هرب و شذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، و عاد الأحنف إلى مروالروذ فنزلها، و استخلف على طخارستان ربعيّ بن عامر، و كتب الأحنف إلى عمر بالفتح فقال عمر: وددت أن بيننا و بينها بحرا من نار.

فقال عليّ: و لم يا أمير المؤمنين‏

؟قال: لأن أهلها سينفضّون منها ثلاث مرات فيجتاحون‏[1] في الثالثة، فكان ذلك بأهلها أحبّ إليّ من أن يكون بالمسلمين.

و كتب عمر إلى الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر و لا يجوزه.

و لما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك و أهل فرغانة و الصّغد، فرجع يزدجرد و خاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، و رجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمروالروذ، و نزل المشركون عليه بمرو أيضا.

و كان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد و خاقان النهر إليه خرج ليلا يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به، فمرّ برجلين ينقيان علفا و أحدهما يقول لصاحبه: لو أسندنا الأمير إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا و بين عدونا خندقا [1] سينقضون... فيحتاجون. (يجتاحون أي يهلكون) . ـ

35

و كان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا و كان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا اللََّه. فرجع، فلمّا أصبح جمع الناس و رحل بهم إلى سفح الجبل، و كان معه من أهل البصرة عشرة آلاف و من أهل الكوفة نحو منهم، و أقبلت الترك و من معها فنزلت و جعلوا يغادونهم القتال و يراوحونهم و في الليل يتنحون عنهم.

فخرج الأحنف ليلة طليعة لأصحابه حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف، فلمّا كان وجه الصبح خرج فارس‏[من‏]الترك بطوقه فضرب بطبله ثمّ وقف من العسكر موقفا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله و أخذ طوق التركي و وقف، فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله و أخذ طوقه و وقف، ثمّ خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه الأحنف فقتله، ثمّ انصرف الأحنف إلى عسكره.

و كانت عادة الترك أنّهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلّهم يضرب بطبله ثمّ يخرجون بعد خروج الثالث. فلمّا خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتّلين تشاءم خاقان و تطيّر فقال: قد طال مقامنا و قد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير، فرجعوا. و ارتفع النهار للمسلمين و لم يروا منهم أحدا، و أتاهم الخبر بانصراف خاقان و الترك إلى بلخ، و قد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمروالروذ و انصرف إلى مرو الشاهجان، فتحصّن حارثة بن النعمان و من معه، فحصرهم و استخرج خزائنه من موضعها و خاقان مقيم ببلخ.

فلمّا جمع يزدجرد خزائنه، و كانت كبيرة عظيمة، و أراد أن يلحق بخاقان قال له أهل فارس: أيّ شي‏ء تريد أن تصنع؟قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجع بنا إلى‏

36

هؤلاء القوم فنصالحهم فإنّهم أوفياء و هم أهل دين، و إن عدوّا يلينا في بلادنا أحبّ إلينا مملكة من عدوّ يلينا في بلاده و لا دين لهم‏و لا ندري ما وفاؤهم.

فأبى عليهم. فقالوا: دع خزائننا نردّها إلى بلادنا و من يلينا لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه و قاتلوه فهزموه و أخذوا الخزائن و استولوا عليها و انهزم منهم و لحق بخاقان و عبر النهر من بلخ إلى فرغانة، و أقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيما زمن عمر كلّه إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان و كان يكاتبهم و يكاتبونه. و سيرد ذكر ذلك في موضعه.

ثمّ أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف فصالحوه و دفعوا إليه تلك الخزائن و الأموال و تراجعوا إلى بلدانهم و أموالهم على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، و اغتبطوا بملك المسلمين. و أصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية. و سار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان النهر منها و نزل أهل الكوفة في كورها الأربع. ثمّ رجع إلى مروالروذ فنزلها و كتب بفتح خاقان و يزدجرد إلى عمر.

و لما عبر خاقان و يزدجرد النهر لقيا رسول يزدجرد الّذي أرسله إلى ملك الصين فأخبرهما (1) أن ملك الصين قال له: صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإنّي أراك تذكرقلّة منهم و كثرة منكم و لا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلاّ بخير عندهم و شرّ فيكم. فقلت: سلني عمّا أحببت. فقال: أ يوفون بالعهد؟قلت: نعم. قال: و ما يقولون لكم قبل القتال؟قال قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية و المنعة، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم و أرشدهم. قال: فما يحلّون و ما يحرّمون؟فأخبرته.

____________

(1) فأخبرهم. doC

37

قال: هل يحلّون ما حرّم عليهم أو يحرّمون ما حلّل لهم؟قلت: لا. قال:

فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلّوا حرامهم أو يحرّموا حلالهم.

ثمّ قال: أخبرني عن لباسهم؟فأخبرته، و عن مطاياهم؟فقلت: الخيل العراب، و وصفتها له. فقال: نعمت الحصون!و وصفت له الإبل و بروكها و قيامها بحملها. فقال: هذه صفة دوابّ طوال الأعناق. و كتب معه إلى يزدجرد:

إنّه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوّله بمرو و آخره بالصين الجهالة بما يحقّ عليّ، و لكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدّوها و لو خلا لهم سربهم‏ (1) أزالوني ما داموا على‏[ما]وصف، فسالمهم و ارض منهم بالمساكنة[1] و لا تهيّجهم ما لم يهيّجوك. فأقام يزدجرد بفرغانة و معه آل كسرى بعهد من خاقان.

و لما وصل خبر الفتح إلى عمر بن الخطّاب جمع الناس، و خطبهم و قرأ عليهم كتاب الفتح و حمد اللََّه في خطبته على إنجاز وعده ثمّ قال: ألا و إن ملك المجوسيّة قد هلك فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضرّ بمسلم. ألا و إن اللََّه قد أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم و أبناءهم لينظر كيف تعملون، فلا تبدّلوا فيستبدل اللََّه بكم غيركم، فإنّي لا أخاف على هذه الأمّة أن تؤتى إلاّ من قبلكم.

و قيل: إن فتح خراسان كان زمن عثمان، و سيرد هناك.

[1] بالمسالمة.

____________

(1) . شعرهم. ldoB

38

ذكر فتح شهرزور و الصامغان‏ (1)

لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت. و صالح أهل الصّامغان و داراباذ على الجزية و الخراج، و قتل خلقا كثيرا من الأكراد. و كتب إلى عمر: إن فتوحي قد بلغت أذربيجان. فولاّه إيّاها و ولّى هرثمة بن عرفجة الموصل. و لم تزل شهرزور و أعمالها مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم و دخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين.

و فيها ولد يزيد بن معاوية و عبد الملك بن مروان.

و حجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب، و كان عماله على الأمصار فيها عماله في السنة قبلها إلاّ الكوفة، فإن عامله كان عليها المغيرة بن شعبة، و إلاّ البصرة فإن عامله عليها صار أبا موسى الأشعري.

____________

(1) . snedecorp. uqes. gap. petna. srevdaeuqsu,tipicnianucal. AniciH

39

23 ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين‏

قال بعضهم: كان فتح إصطخر سنة ثلاث و عشرين. و قيل: كان فتحها بعد توّج الآخرة.

ذكر الخبر عن فتح توّج‏

لما خرج أهل البصرة الذين توجّهوا إلى فارس أمراء عليها و كان معهم‏[1] سارية ابن زنيم الكناني فساروا و أهل فارس مجتمعون بتوّج فلم يقصدهم المسلمون بل توجّه‏[كلّ‏]أمير إلى الجهة التي أمّر بها. و بلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى بلدانهم كما افترق المسلمون، فكانت تلك هزيمتهم و تشتّت أمورهم. فقصد مجاشع بن مسعود لسابور و أردشيرخرّه، فالتقى هو و الفرس بتوّج فاقتتلوا ما شاء اللََّه، ثمّ انهزم الفرس و قتلهم المسلمون كيف شاءوا كلّ قتلةو غنموا ما في عسكرهم و حصروا توّج فافتتحوها و قتلوا منهم خلقا كثيرا و غنموا ما فيها، و هذه توّج الآخرة، و الأولى هي التي استقدمتها جنود العلاء بن الحضرميّ أيّام طاووس. ثمّ دعوا إلى الجزية فرجعوا و أقروا بها. و أرسل مجاشع بن مسعود السّلمي بالبشارة و الأخماس إلى عمر بن الخطّاب.

[1] معها.

40

ذكر فتح إصطخر و جور و غيرهما

و قصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو و أهل إصطخر بجور فاقتتلوا و انهزم الفرس و فتح المسلمون جور ثمّ إصطخر و قتلوا ما شاء اللََّه، ثمّ فرّ منهم من فرّ، فدعاهم عثمان إلى الجزية و الذمّة، فأجابه الهربذ إليها، فتراجعوا، و كان عثمان قد جمع الغنائم لما هزمهم فبعث بخمسها إلى عمر و قسم الباقي في الناس.

و فتح عثمان كازرون و النّوبندجان و غلب على أرضها، و فتح هو و أبو موسى مدينة شيراز و أرّجان، و فتحا سينيز[1]على الجزية و الخراج. و قصد عثمان أيضا جنّابا ففتحها، و لقيه جمع الفرس بناحية جهرم فهزمهم و فتحها.

ثمّ إن شهرك خلع في آخر خلافة عمر و أوّل خلافة عثمان. فوجّه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية[1] و أتته الأمداد من البصرة و أميرهم عبيد اللََّه بن معمر و شبل بن معبد، فالتقوا بأرض فارس. فقال شهرك لابنه و هما في المعركة، و بينهما و بين قرية لهما (1) تدعى ريشهر[2] ثلاثة فراسخ: يا بنيّ أين يكون غداؤنا هاهنا أم بريشهر[2]؟قال له: يا أبه، إن تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا و لا بريشهر[2] و لا نكوننّ إلاّ في المنزل، [و لكن و اللََّه‏]ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا و قتل شهرك و ابنه و خلق عظيم. و الّذي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان.

و قيل: قتله سوّار بن همام العبديّ حمل عليه فطعنه فقتله. و حمل ابن شهرك على سوّار فقتله.

[1] ابنه.

[2] شهرك. (الّذي أثبتناه عن الطبري. و ريشهر: ناحية من كورة أرّجان-ياقوت) .

____________

(1) . و بينهم، لهم، و هم. doC

41

و قيل: إن إصطخر كانت سنة ثمان و عشرين، و كانت فارس الآخرة سنة تسع و عشرين.

و قيل: إن عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين في ألفين إلى فارس ففتح جزيرة بركاوان‏ (1) في طريقه ثمّ سار إلى توّج، و كان كسرى أرسل شهرك فالتقوا مع شهرك، و كان الجارود و أبو صفرة على مجنبتي المسلمين، و أبو صفرة هذا هو والد المهلّب، فحمل الفرس على المسلمين فهزموهم. فقال الجارود: أيّها الأمير ذهب‏[1] الجند. فقال: سترى أمرك. قال: فما لبثواحتى رجعت خيل لهم ليس عليها فرسانها و المسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس فرأى المكعبر[2] رأسا ضخما فقال: أيّها الأمير هذا رأس الازدهاق، يعني شهرك. و حوصر الفرس بمدينة سابور، فصالح عليها ملكها أرزنبان‏[3]، فاستعان به الحكم على قتال أهل إصطخر. و مات عمر. و بعث عثمان بن عفّان عبيد اللََّه بن معمر مكانه، فبلغ عبيد اللََّه أن أرزنبان يريد الغدر به، فقال له: أحبّ أن تتخذ لأصحابي طعاما و تذبح لهم بقرة و تجعل عظامها في الجفنة التي تليني فإنّي أحبّ أن أتمشش العظام‏[4]، ففعل و جعل يأخذ العظم الّذي لا يكسر إلاّ بالفئوس فيكسره بيده و يأخذ مخه، و كان من أشدّ الناس، فقام أرزنبان فأخذ برجله و قال: هذا مقام العائذ بك!فأعطاه‏[5] عهدا. و أصاب [1] فرد.

[2] (هو أحد ملوك الفرس، فارق جيش كسرى و التحق بالعرب) .

[3] (في الطبري: آذربيان) .

[4] (تمشش العظم: مصه و استخرج منه المخ) .

[5] و أعطاه.

____________

(1) . ابن كاوان. ldoB ;ابن كاوار. suM. rB;. p. s. C

42

عبيد اللََّه منجنيق فأوصاهم و قال: إنّكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء اللََّه فاقتلوهم بي‏[1] ساعة فيها، ففعلوا، فقتلوا منهم بشرا كثيرا، و مات عبيد اللََّه بن معمر.

و قيل: إن قتله كان سنة تسع و عشرين.

ذكر فتح فسا و دارابجرد

و قصد سارية بن زنيم الدئلي فسا و دارابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم و حاصرهم ما شاء اللََّه، ثمّ إنّهم استمدوا و تجمعوا و تجمّعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، و جمع كثير، و أتاهم الفرس من كلّ جانب، فرأى عمر فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم و عددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة!حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، و كان ابن زنيم و المسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم، و إن استندوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلاّ من وجه واحد. فقام فقال: يا أيّها الناس، إنّي رأيت هذين الجمعين، و أخبر بحالهما، و صاح عمر و هو يخطب: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل!ثمّ أقبل عليهم و قال: إن للََّه جنودا، و لعل‏بعضها أن يبلّغهم‏[2]. فسمع سارية و من معه الصوت فلجئوا إلى الجبل، ثمّ قاتلوهم، فهزمهم اللََّه و أصاب المسلمون مغانمهم، و أصابوا في الغنائم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه منهم‏ (1) سارية و بعث به و بالفتح مع رجل إلى عمر.

فقدم على عمر و هو يطعم الطعام، فأمره فجلس و أكل، فلمّا انصرف عمر [1] لي.

[2] تبلغهم.

____________

(1) . BnieanucalmuitinI

43

اتبعه الرسول، فظنّ عمر أنّه لم يشبع، فأمره فدخل بيته، فلمّا جلس أتي عمر بغدائه خبز و زيت و ملح جريش فأكلا. فلمّا فرغا قال الرجل: أنا رسول سارية يا أمير المؤمنين. قال: مرحبا و أهلا. ثمّ أدناه حتى مسّت ركبته ركبته‏[1]، و سأله عن المسلمين، فأخبره بقصة الدّرج‏[2]، فنظر إليه و صاح به: لا و لا كرامة حتى يقدم على ذلك الجند فيقسمه بينهم. فطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قد أنضيت جملي و استقرضت في جائزتي فأعطني ما أتبلّغ به. فما زال به حتى أبدله بعيرا من إبل الصدقة و جعل بعيره في إبل الصدقة و رجع الرسول مغضوبا عليه محروما (1) . و سأل أهل المدينة الرسول هل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟قال:

نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، و قد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح اللََّه علينا.

ذكر فتح كرمان‏

ثمّ قصد سهيل بن عدي كرمان، و لحقه أيضا عبد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبان، و حشد لهم أهل كرمان و استعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض اللََّه تعالى المشركين و أخذ المسلمون عليهم الطريق. و قتل النّسير ابن عمرو العجليّ مرزبانها، فدخل سهيل‏[3] من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، و عبد اللََّه بن عبد اللََّه من مفازة سير (2) ، فأصابوا ما أرادوا من بعير [1] حتى مس ركبته.

[2] (الدّرج: سفيط صغير) .

[3] (في الأصل: النّسير. و الّذي أثبتناه عن الطبري) .

____________

(1) . eanuCALSINIF

(2) . شير. B

44

أو شاء، فقوّموا الإبل و الغنم فتحاصّوها بالأثمان لعظم البخت على العراب‏[1]، و كرهوا أن يزيدوا، و كتبوا إلى عمر بذلك، فأجابهم: إذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا.

و قيل: إن الّذي فتح كرمان عبد اللََّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر، ثمّ أتى الطّبسين من كرمان، ثمّ قدم على عمر فقال: أقطعني الطّبسين، فأراد أن يفعل، فقيل: إنّهما رستاقان، فامتنع عمر من ذلك.

ذكر فتح سجستان‏

و قصد عاصم بن عمرو سجستان، و لحقه عبد اللََّه بن عمير، فاستقبلهم أهلها، فالتقوا هم و أهل سجستان في أداني أرضهم، فهزمهم المسلمون، ثمّ اتبعوهم حتى حصروهم بزرنج و مخروا أرض سجستان ماه، ثمّ إنّهم طلبوا الصلح على زرنج و ما احتازوا من الأرضين فأعطوا، و كانوا قد اشترطوا في صلحهم أن فدافدها حمى، فكان المسلمون يتجنبونها خشية أن يصيبوا منها شيئا فيخفروا، و أقيم‏[2] أهل سجستان على الخراج، و كانت سجستان أعظم من خراسان و أبعد فروجا، يقاتلون القندهار و الترك و أمما كثيرة، فلم يزل كذلك حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه من أخيه رتبيل‏ (1) إلى بلد فيها يدعى آمل، و دان لسلم بن زياد، و هو يومئذ على سجستان، [ففرح بذلك‏]و عقد لهم [1] العرب.

[2] قيّم. ـ

____________

(1) . رتبيل‏ te زنبيل‏ euqibuerefaetsoP ,رنببل. B. p. s. l. h. P. C

45

و أنزلهم البلاد و كتب إلى معاوية بذلك يري أنّه فتح عليه. فقال معاوية: إنّ ابن أخي ليفرح بأمر إنّه‏[1] ليحزنني‏[و ينبغي له أن يحزنه‏]. قال: و لم يا أمير المؤمنين؟قال: إنّ آمل بلدة بينها و بين زرنج صعوبة و تضايق، و هؤلاء قوم غدر، فإذا اضطرب الحبل غدا[2] فأهون ما يجي‏ء منهم أنّهم يغلبون على بلاد آمل بأسرها. و أقرّهم على عهد سلم بن زياد. فلمّا وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه و غلب على آمل و اعتصم منه رتبيل بمكانه، و لم يرضه ذلك حين تشاغل عنه الناس حتى طمع في زرنج فغزاها و حصر من بها حتى أتتهم الأمداد من البصرة، و صار رتبيل و الذين معه عصبة، و كانت تلك البلاد مذلّلة إلى أن مات معاوية.

و قيل في فتح سجستان غير هذا، و سيرد ذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر فتح مكران‏

و قصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران حتى انتهى إليها، و لحق به شهاب ابن المخارق و سهيل بن عديّ و عبد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبان، فانتهوا إلى دوين النهر، و أهل مكران على شاطئه، فاستمدّ ملكهم ملك السند، فأمدّه بجيش كثيف، فالتقوا مع المسلمين فانهزموا و قتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة و اتبعهم المسلمون يقتلونهم أيّاما حتى انتهوا إلى النهر، و رجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها. و كتب الحكم إلى عمر بالفتح و بعث إليه بالأخماس مع صحار العبديّ. فلمّا قدم المدينة سأله عمر عن مكران، فقال: يا أمير المؤمنين، هي [1] ليفرح بإمارته.

[2] الجبل غدرا.

46

أرض سهلها جبل، و ماؤها وشل، و تمرها دقل‏[1]، و عدوّها بطل، و خيرها قليل، و شرّها طويل، و الكثير فيها قليل، و القليل فيها ضائع، و ما وراءها شرّ منها. فقال: أ سجّاع أنت أم مخبر؟لا و اللََّه لا يغزوها جيش لي أبدا.

و كتب إلى سهيل و الحكم بن عمرو: أن لا يجوزنّ مكران أحد من جنود كما.

و أمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون ببلاد الإسلام*و قسم أثمانها على الغانمين‏ (1) .

* (مكران بضم الميم و سكون الكاف) (2) .

ذكر خبر بيروذ من الأهواز

و لما فصلت الخيول إلى الكور، اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد و غيرهم. و كان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة حتى لا يؤتى المسلمون من خلفهم، و خشي أن يهلك بعض جنوده أو يخلفوا في أعقابهم، فاجتمع الأكراد ببيروذ، و أبطأ أبو موسى حتى تجمّعوا، ثمّ سار (3)

فنزل بهم ببيروذ، فالتقوا في رمضان بين نهر تيري و مناذر، فقام المهاجر بن زياد و قد تحنّط و استقتل‏[2]، و عزم أبو موسى على الناس فأفطروا، و تقدّم المهاجر فقاتل قتالا شديدا حتى قتل. و وهّن اللََّه المشركين حتى تحصّنوا في قلّة و ذلّة، و اشتدّ جزع الربيع بن زياد على أخيه المهاجر و عظم عليه فقده، فرقّ له أبو موسى فاستخلفه عليهم في جند، و خرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان و اجتمع [1] (الوشل: الماء القليل. الدقل: أردأ التمر) .

[2] و استقبل.

____________

(1) . B. mO

(2) . B. mO

(3) . ساروا. ddoC

47

بها بالمسلمين الذين يحاصرون جيّا، فلمّا فتحت رجع أبو موسى إلى البصرة، و فتح الربيع بن زياد الحارثي بيروذ من نهر تيري و غنم ما معهم.

و وفّد أبو موسى وفدا معهم الأخماس، فطلب ضبّة بن محصن العنزيّ أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى، و كان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستّين غلاما، فانطلق ضبّة إلى عمر شاكيا، و كتب أبو موسى إلى عمر يخبره، فلمّا قدم ضبّة على عمر سلّم عليه. فقال: من أنت؟فأخبره. فقال:

لا مرحبا و لا أهلا!فقال: أمّا المرحب فمن اللََّه، و أمّا الأهل فلا أهل.

ثمّ سأله عمر عن حاله فقال: إن أبا موسى انتقى ستّين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه و له جارية تغدّى جفنة و تعشّى جفنة تدعى عقيلة، و له قفيزان و له خاتمان، و فوّض إلى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة، و أجاز الحطيئة بألف.

فاستدعى عمر أبا موسى. فلمّا قدم عليه حجبه أيّاما ثمّ استدعاه فسأل عمر ضبة عمّا قال فقال: أخذ ستين غلاما لنفسه. فقال أبو موسى:

دللت عليهم‏و كان لهم فداء ففديتهم و قسمته بين المسلمين. فقال ضبة: ما كذب و لا كذبت. فقال: له قفيزان. فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به و قفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: ما كذب و لا كذبت. فلمّا ذكر عقيلة سكت أبو موسى و لم يعتذر. فعلم أن ضبّة قد صدقه، قال: و ولى زيادا. قال: رأيت له رأيا و نبلا فأسندت إليه عملي.

قال: و أجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بمالي أن يشتمني. فردّه عمر و أمره أن يرسل إليه زيادا و عقيلة، ففعل. فلمّا قدم عليه زياد سأله عن حاله و عطائه و الفرائض و السّنن و القرآن، فرآه فقيها، فردّه و أمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، و حبس عقيلة بالمدينة.

و قال عمر: ألا إن ضبّة غضب على أبي موسى و فارقه مراغما أن فاته‏

48

أمر من أمور[1] الدنيا فصدق عليه و كذب، فأفسد كذبه صدقه، فإيّاكم و الكذب فإنّه يهدي إلى النار.

(بيروذ بفتح الباء الموحدة، و سكون الياء تحتها نقطتان، و ضم الراء، و سكون الواو، و آخره ذال معجمة) .

ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعيّ و الأكراد

كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمّر عليهم أميرا من أهل العلم و الفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي.

فقال: سر باسم اللََّه، قاتل في سبيل اللََّه من كفر باللََّه، فإذا لقيتم عدوّكم فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا و أقاموا بدارهم فعليهم الزكاة و ليس لهم من الفي‏ء نصيب، و إن ساروا معكم فلهم مثل الّذي لكم و عليهم مثل الّذي عليكم، و إن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم و إن أبوا فقاتلوهم، و إن تحصّنوا منكم و سألوكم أن ينزلوا على حكم اللََّه و رسوله*أو ذمّة اللََّه و رسوله‏ (1) فلا تجيبوهم، فإنّكم لا تدرون أ تصيبون حكم اللََّه و رسوله و ذمتهما أم لا، و لا تغدروا، و لا تقتلوا وليدا، و لا تمثّلوا.

قال: فساروا حتى لقوا عدوّا من الأكراد المشركين فدعوهم‏إلى الإسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم و قتلوا المقاتلة و سبوا الذرية فقسمه بينهم، و رأى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى عنه المسلمين و بعث به إلى عمر.

[1] أمر.

____________

(1) . B

49

فقدم الرسول بالبشارة و بالسّفط على عمر، فسأله عن أمور الناس و هو يخبره، حتى أخبره بالسفط، فغضب غضبا شديدا و أمر به فوجئ به في عنقه، ثمّ إنّه قال: إن تفرّق الناس قبل أن تقدم عليهم و يقسمه سلمة فيهم لأسوءنّك. فسار حتى قدم على سلمة[1] فباعه و قسمه في الناس. و كان الفص يباع بخمسة دراهم و قيمته عشرون ألفا.

و حجّ بالناس هذه السنة عمر بن الخطّاب و حجّ معه أزواج النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و هي آخر حجّة حجّها، و فيها قتل عمر، رضي اللََّه عنه.

ذكر الخبر عن مقتل عمر، رضي اللََّه عنه‏

قال المسور بن مخرمة: خرج عمر بن الخطّاب يطوف يوما في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، و كان نصرانيّا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني‏[2] على المغيرة بن شعبة فإن عليّ خراجا كثيرا. قال: و كم خراجك؟قال:

درهمان كلّ يوم. قال: و أيش صناعتك؟قال: نجار، نقّاش، حدّاد.

قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنّك تقول:

لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح‏ (1) لفعلت!قال: نعم. قال: فاعمل لي رحى. قال: لئن سلمت لأعملنّ لك رحى يتحدّث بها من بالمشرق و المغرب! ثمّ انصرف عنه. فقال عمر: لقد أوعدني العبد الآن.

[1] السلمة.

[2] (أعدني: أعنّي و انصرني) .

4*3

____________

(1) بالهوا. B

50

ثمّ انصرف عمر إلى منزله، فلمّا كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له:

يا أمير المؤمنين، أعهد فإنّك ميّت في ثلاث ليال. قال: و ما يدريك؟قال:

أجده في كتاب التوراة. قال عمر: [آللََّه!إنّك‏]لتجد عمر بن الخطّاب في التوراة؟قال: اللََّهمّ لا و لكني أجد حليتك و صفتك و أنّك قد فني أجلك.

قال: و عمر لا يحس وجعا!فلمّا كان الغد جاءه كعب فقال: بقي يومان.

فلمّا كان الغد جاءه كعب فقال: مضى يومان و بقي يوم. فلمّا أصبح خرج عمر إلى الصلاة و كان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت كبّر، و دخل أبو لؤلؤة في الناس و بيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ستّ ضربات إحداهن تحت سرّته و هي التي قتلته، و قتل معه كليب بن أبي البكير الليثي و كان خلفه‏[1]، و قتل جماعة غيره.

فلمّا وجد عمر حرّ السلاح سقط و أمر عبد الرحمن بن عوف فصلّى بالناس، و عمر طريح، فاحتمل فأدخل بيته، و دعا عبد الرحمن فقال له:

إنّي أريد أن أعهد إليك. قال: أ تشير عليّ بذلك؟قال: اللََّهمّ لا. قال:

و اللََّه لا أدخل فيه أبدا. قال: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و هو عنهم راض. ثمّ دعا عليّا و عثمان و الزبير و سعدا فقال: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإن جاء و إلاّ فاقضوا أمركم، أنشدك اللََّه يا عليّ إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك اللََّه يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس‏ (1) ، أنشدك اللََّه يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموافتشاوروا ثمّ اقضوا أمركم و ليصلّ بالناس صهيب.

[1] و هو حليفه.

____________

(1) . anucaltipicni. BniavonciH

51

ثمّ دعا أبا طلحة الأنصاري، فقال: قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم. و أوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوّءوا الدار و الإيمان أن يحسن إلى محسنهم و يعفو عن مسيئهم، و أوصي الخليفة بالعرب، فإنّهم مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقّها فتوضع في فقرائهم، و أوصي الخليفة بذمة رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أن يوفي‏[1] لهم بعهدهم، اللََّهمّ هل بلّغت؟لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى‏[2] من الراحة، يا عبد اللََّه بن عمر، اخرج فانظر من قتلني.

قال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال: الحمد للََّه الّذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد للََّه سجدة واحدة!يا عبد اللََّه بن عمر، اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أبي بكر. يا عبد اللََّه، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فإن تشاوروا فكن مع الحزب الّذي فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد اللََّه، ائذن للناس. فجعل يدخل عليه المهاجرون و الأنصار فيسلّمون عليه و يقول لهم: أ هذاعن ملإ منكم؟ فيقولون: معاذ اللََّه!قال: و دخل كعب الأحبار مع الناس فلمّا رآه عمر قال:

توعّدني‏[3] كعب ثلاثا أعدّها # و لا شكّ أن القول ما قال لي كعب‏

و ما بي حذار الموت، إنّي لميّت، # و لكن حذار الذّنب يتبعه الذنب‏[4]

و دخل عليه عليّ يعوده فقعد عند رأسه، و جاء ابن عبّاس فأثنى عليه، فقال له عمر: أنت لي بهذا يا ابن عبّاس؟فأومأ إليه‏[5] عليّ أن قل نعم. فقال ابن عبّاس: نعم. فقال عمر: لا تغرّني أنت و أصحابك. ثمّ قال: يا عبد اللََّه، [1] أن يوفوا.

[2] أبقى.

[3] فوعدني.

[4] و لكن حذار الذئب يتبعه الذئب.

[5] إلى.

52

خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب‏ (1) لعلّ اللََّه، جلّ ذكره، ينظر إليّ فيرحمني، و اللََّه لو أنّ لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطّلع.

و دعي له طبيب من بني الحرث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج غير (2) متغير، فسقاه لبنا فخرج كذلك أيضا، فقال له: أعهد يا أمير المؤمنين. قال: قد فرغت.

و لما احتضر و رأسه في حجر ولده عبد اللََّه قال:

ظلوم لنفسي غير أنّي مسلم # أصلّي الصّلاة كلّها و أصوم‏

و لم يزل يذكر اللََّه تعالى و يديم الشهادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و عشرين. و قيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة و دفن يوم الأحد هلال محرم سنة أربع و عشرين.

و كانت ولايته عشر سنين و ستّة أشهر و ثمانية أيّام، و بويع عثمان لثلاث مضين من المحرم. و قيل: كانت وفاته لأربع بقين من ذي الحجّة و بويع عثمان لليلة بقيت من ذي الحجّة و استقبل بخلافته هلال محرم سنة أربع و عشرين.

و كانت خلافة عمر على هذا القول عشر سنين و ستة أشهر و أربعة أيّام. و صلّى عليه صهيب، و حمل إلى بيت عائشة، و دفن عند النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أبي بكر، و نزل في قبره عثمان و عليّ و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد و عبد اللََّه بن عمر.

____________

(1) . BnieanucalsiniF

(2) . P. C. mO

53

ذكر نسب عمر و صفته و عمره‏

فأمّا نسبه فهو عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد اللََّه بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤيّ، و كنيته أبو حفص، و أمّه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد اللََّه بن عمر بن مخزوم، و هي ابنة عم أبي جهل، و قد زعم من لا معرفة له أنّها أخت أبي جهل، و ليس بشي‏ء.

و سمّاه النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، الفاروق، و قيل: بل سماه أهل الكتاب.

و أمّا صفته فكان طويلا آدم أصلع أعسر يسرا، يعني يعمل بيديه، و كان لطوله كأنّه راكب، و قيل: كان أبيض أبهق، يعني شديد البياض، تعلوه حمرة، طوالا أصلع أشيب، و كان يصفّر لحيته و يرجّل رأسه. و كان مولده قبل الفجار بأربع سنين، و كان عمره خمسا و خمسين سنة، و قيل:

ابن ستّين سنة، و قيل: ابن ثلاث و ستين سنة و أشهر، و هو الصحيح، و قيل:

ابن إحدى و ستّين سنة.

(رياح بكسر الراء و بالياء تحتها نقطتان) .

ذكر أسماء ولده و نسائه‏

تزوّج عمر في الجاهليّة زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح فولدت له عبد اللََّه و عبد الرحمن الأكبر و حفصة. و تزوّج مليكة بنت جرول الخزاعيّ في الجاهليّة، فولدت له عبيد اللََّه بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها أبو جهم بن حذيفة، و قتل عبيد اللََّه بصفّين‏

54

مع معاوية، و قيل: كانت أمّه أم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي، و كان الإسلام فرّق بينها و بين عمر. و تزوّج قريبة بنت أبي أميّة المخزومي في الجاهليّة، ففارقها في الهدنة أيضا، فتزوّجها بعده عبد الرحمن ابن أبي بكر الصدّيق، فكانا سلفي رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، لأن قريبة أخت أمّ سلمة زوج النبي، صلّى اللََّه عليه و سلّم. و تزوّج أمّ حكيم بنت الحرث بن هشام المخزومي في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلّقها[1]، و قيل لم يطلّقها. و تزوّج جميلة أخت‏[2] عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح‏[3] الأوسي الأنصاري في الإسلام، فولدت له عاصمافطلّقها، ثمّ تزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، و أمها فاطمة بنت رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أصدقها أربعين ألفا، فولدت له رقيّة و زيدا. و تزوّج لهيّة[4] امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن الأوسط، و قيل الأصغر، و قيل:

كانت أمّ ولد، و كانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب، و هي أصغر ولد عمر. و تزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و كانت قبله عند عبد اللََّه بن أبي بكر الصدّيق، فقتل عنها، فلمّا مات عمر تزوّجها الزّبير بن العوّام، فقتل عنها أيضا، فخطبها عليّ، فقالت: لا أفعل، إنّي أضنّ‏ (1)

بك عن القتل فإنّك بقيّة الناس. فتركها.

و خطب أمّ كلثوم ابنة أبي بكر الصدّيق إلى عائشة، فقالت أمّ كلثوم:

لا حاجة لي فيه، إنّه خشن العيش شديد على النساء. فأرسلت عائشة إلى عمرو [1] فأطلقها.

[2] بنت.

[3] الأفلح.

[4] فكيهة. ـ

____________

(1) . أخشى. B