الكامل في التاريخ - ج6

- ابن الأثير الجزري المزيد...
530 /
5

الجزء السادس‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

155 ثم دخلت سنة خمس و خمسين و مائة

فيها دخل يزيد بن حاتم إفريقية، و قتل أبا حاتم، و ملك القيروان و سائر الغرب. و قد تقدّم ذكر مسيره و حروبه مستقصى.

و فيها سيّر المنصور المهديَّ لبناء الرافقة، فسار إليها، فبناها على بناء مدينة بغداذ، و عمل للكوفة و البصرة سورا و خندقا، و جعل ما أنفق فيه من*الأموال على‏ (1) أهلهما. و لما أراد المنصور معرفة عددهم، أمرأن يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلمّا علم عددهم، أمر بجبايتهم أربعين درهما لكلّ واحد، فقال الشاعر:

يا لقومي ما لقينا # من أمير المؤمنينا

قسم الخمسة فينا # و جبانا الأربعينا

و فيها طلب ملك الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدّي‏[إليه‏]الجزية.

____________

(1) . أموال: 283. 23. B suM. RB

6

و فيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السّلميّ. و عزل عبد الملك بن أيّوب ابن ظبيان عن البصرة، و استعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكيّ‏ (1) .

ذكر عزل العبّاس بن محمّد عن الجزيرة و استعمال موسى بن كعب‏

و فيها عزل المنصور أخاه العبّاس بن محمّد بن الجزيرة، و غضب عليه، و غرّمه مالا فلم يزل ساخطا عليه، حتى غضب على عمّه إسماعيل بن عليّ، فشفع فيه عمومة المنصور، و ضيّقوا عليه، حتى رضي عنه، فقال عيسى ابن موسى للمنصور: يا أمير المؤمنين، أرى‏ (2) آل عليّ بن عبد اللََّه، و إن كانت نعمك عليهم سابغة، فإنّهم يرجعون إلى الحسد لنا، فمن ذلك أنّك غضبت على إسماعيل بن عليّ، منذ أيّام، فضيّقوا عليك، حتى رضيت عنه، و أنت غضبان على أخيك العبّاس منذ كذا و كذا، فما كلّمك فيه أحد منهم، فرضي عنه.

و كان المنصور قد استعمل العبّاس على الجزيرة بعد يزيد بن أسيد، فشكا يزيد منه و قال: إنّه أساء عزلي، و شمّ عرضي. فقال له المنصور:

اجمع بين‏ (3) إحساني و إساءته يعتدلا. فقال له يزيد بن أسيد: إذا كان إحسانكم جزاء لإساءتكم كانت طاعتنا تفضّلا منّا عليكم.

و لما عزل المنصور أخاه عن الجزيرة استعمل عليها موسى بن كعب‏.

____________

(1) . المكيّ. B

(2) . انّ. B

(3) . بهمن. P. C

7

ذكر عزل محمّد بن سليمان عن الكوفة و استعمال عمرو بن زهير

و فيها عزل‏[المنصور]محمّد بن سليمان بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس عن الكوفة، و استعمل عليها عمرو بن زهير الضّبّيّ أخا المسيّب بن زهير، و قيل:

إنّما عزل سنة ثلاث و خمسين، و كان عزله لأسباب بلغته عنه، منها انّه قتل عبد الكريم‏[1] بن أبي العوجاء، و كان قد حبسه على الزندقة، و هو خال معن بن زائدة الشيبانيّ، فكثر شفعاؤه عند المنصور، و لم يتكلّم فيه إلاّ ظنين منهم، فكتب إلى محمّد بن سليمان بالكفّ عنه إلى أن يأتيه رأيه.

و كان ابن أبي العوجاء قد أرسل إلى محمّد بن سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة أيّام، و يعطيه مائة ألف، فلمّا ذكر لمحمّد أمر بقتله، فلمّا أيقن أنّه مقتول قال: و اللََّه لقد (1) وضعت أربعة آلاف حديث حلّلت فيها الحرام، و حرّمت فيها الحلال، و اللََّه لقد فطّرتكم يوم صومكم، و صوّمتكم يوم فطركم، فقتل.

و ورد كتاب‏ (2) المنصور إلى محمّد يأمره‏بالكفّ عنه، فوصل و قد قتله، فلمّا بلغ قتله المنصور غضب، و قال: و اللََّه لقد هممت أن أقيده به! ثمّ أحضر عمّه عيسى بن عليّ و قال له: هذا عملك، *أنت. أشرت بتولية هذا الغلام الغرّ، قتل فلانا بغير أمري، و قد كتبت بعزله، و تهدّده، فقال له عيسى:

إنّ محمّدا إنّما قتله على الزندقة، فإن كان أصاب فهو لك، و إن أخطأ . [1]الكريم.

____________

(1) . I . 740 sdnof. enA. raP. doC. A . لو. P. Cte. AtA. B

(2) . رسول. P. C

8

فعليه، و لئن عزلته على أثر ذلك ليذهبنّ بالثناء و الذكر، و لترجعنّ بالمقالة من العامّة عليك، فمزّق الكتاب‏.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أنكرت الخوارج الصّفريّة المجتمعة بمدينة سجلماسة على أميرهم عيسى بن جرير[1] أشياء، فشدّوه وثاقا، و جعلوه على رأس الجبل، فلم يزل كذلك حتى مات، و قدّموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن واسول المكناسيّ جدّ مدرار.

و فيها ولد أبو سنان الفقيه المالكيّ. بمدينة القيروان من إفريقية (1) .

و فيها عزل الحسن بن زيد بن الحسين‏ (2) بن عليّ عن المدينة، و استعمل عليها عمّه عبد الصّمد بن عليّ، و كان على مكّة و الطائف محمّد بن إبراهيم، *و على الكوفة عمرو بن زهير (3) ، و على البصرة الهيثم بن معاوية، و على مصر محمّد ابن سعيد، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على الموصول خالد بن برمك، و قيل:

موسى بن كعب بن سفيان الخثعميّ.

و في هذه السنة مات مسعر بن كدام الكوفيّ الهلاليّ‏.

[1] جربز.

____________

(1) . ddaenigramnita;. P. C. mO

(2) . ابن الحسن. dda. B

(3) . a. mO

9

156 ثم دخلت سنة ست و خمسين و مائة

ذكر عصيان أهل إشبيلية على عبد الرحمن الأمويّ‏

في هذه السنة سار عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، إلى حرب شقنا، و قصد حصن شيطران‏ (1) ، فحصره، و ضيّق عليه، *فهرب إلى المفازة كعادته‏ (2) ، و كان قد استخلف على قرطبة ابنه سليمان، فأتاه كتابه يخبره بخروج أهل إشبيلية مع عبد الغفّار و حيوة بن ملابس‏ (3) عن طاعته، و عصيانهم عليه، و اتّفق من بها من اليمانيّة معهما، فرجع عبد الرحمن و لم يدخل قرطبة، و هاله ما سمع من اجتماعهم و كثرتهم، فقدّم ابن عمّه عبد الملك بن عمر، و كان شهاب آل مروان، و بقي عبد الرحمن خلفه كالمدد له.

فلمّا قارب عبد الملك أهل إشبيلية قدّم ابنه أميّة ليعرف حالهم، فرآهم مستيقظين، فرجع إلى أبيه، فلامه أبوه على إظهار الوهن، و ضرب عنقه، و جمع أهل بيته و خاصّته، و قال لهم: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصقع، و نحسد على لقمة تبقي الرّمق، اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظّفر (4) .

ففعلوا، و حمل بين أيديهم، فهزم اليمانيّة و أهل إشبيلية، فلم تقم

____________

(1) . شبطران. B

(2) . p. c. mO

(3) . sitcnupcnis. P. C ;ملامس. B ;ملانس. A

(4) . فالموت أو الظفر. P. C

10

بعدها لليمانيّة قائمة، و جرح عبد الملك.

و بلغ الخبر إلى عبد الرحمن، فأتاه و جرحه يجري دما، و سيفه يقطر دما، و قد لصقت يده بقائم سيفه، فقبّله بين عينيه، و جزاه خيرا، و قال:

يا ابن عمّ قد أنكحت ابني و وليّ عهدي هشاما ابنتك فلانة، و أعطيتها كذا و كذا، و أعطيتك كذا، و أولادك كذا، و أقطعتك و إيّاهم، و وليتكم الوزارة.

و هذه عبد الملك هو الّذي ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة المنصور، و قال له: تقطعها و إلاّ قتلت نفسي!و كان قد خطب له عشرة أشهر، فقطعها.

و كان عبد الغفّار و حيوة بن ملابس‏ (1) قد سلما من القتل. فلمّا كانت سنة سبع و خمسين و مائة سار عبد الرّحمن إلى إشبيلية، فقتل خلقا كثيرا ممّن كان مع عبد الغفّار و حيوة و رجع. و بسبب هذه الوقعة و غشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد.

ذكر الفتنة بإفريقية مع الخوارج‏ (2)

قد ذكرنا هرب عبد الرحمن بن حبيب، الّذي كان أبوه أمير إفريقية، مع الخوارج، و اتّصاله بكتامة، فسيّر يزيد بن حاتم أمير إفريقية العسكر في أثره، و قاتلوا كتامة.

فلمّا كانت هذه السنة سيّر يزيد عسكرا آخر مددا للذين يقاتلون عبد

____________

(1) . p. s. P. C . ملامس. B ;ملانس. A

(2) . tididdaENALSED. boneaihpoSeaigaH. donetupaccoh. P. CnI

11

الرّحمن، فاشتدّ الحصار على عبد الرحمن، فمضى هاربا، و فارق مكانه، فعادت العساكر عنه.

ثمّ ثار في هذه السنة على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن فانوس‏ (1) الهوّاريّ بناحية طرابلس، فاجتمع عليه كثير من البربر، و كان بها عسكر ليزيد بن حاتم مع عامل البلد، فخرج العامل و الجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من أرض هوّارة، فاقتتلوا قالا شديدا، فانهزم أبو يحيى بن فانوس‏ (2) و قتل عامّة أصحابه، و سكن النّاس بإفريقية، و صفت ليزيد بن حاتم‏.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة ظفر الهيثم بن معاوية، عامل البصرة، بعمرو بن شدّاد الّذي كان عامل إبراهيم بن عبد اللََّه على فارس، و سبب ظفره به أنّه ضرب غلاما له، فأتى الهيثم، فدلّه عليه، فأخذه، فقتله، و صلبه بالمربد.

و فيها عزل الهيثم عن البصرة، و استعمل سوّار القاضي على الصلاة مع القضاء، و استعمل سعيد بن دعلج على شرط البصرة و أَحداثها، و لما وصل الهيثم إلى بغداذ مات بها، و صلّى عليه المنصور.

و فيها غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلاليّ، و حجّ بالنّاس العبّاس بن محمّد بن عليّ، و كان على مكّة محمّد بن إبراهيم الإمام، و على الكوفة عمرو ابن زهير، و على الأحداث و الجوالي و الشّرط بالبصرة سعيد بن دعلج، و على الصلاة و القضاء سوّار بن عبد اللََّه، و على كور دجلة و الأهواز و فارس

____________

(1-2) . فوناس. Bte. A

12

عمارة بن حمزة، و على كرمان و السّند هشام بن عمرو، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على مصر محمّد بن سعيد.

و فيها سخط عبد الرّحمن الأمويّ على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، و لم يرع حقّ خدمته و طول صحبته، و صدق مناصحته، فأخذ ماله، و سلبه نعمته، و نفاه إلى الثّغر، فبقي به إلى أن هلك.

و فيها مات عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية*و قد تكلّم النّاس في حديثه‏ (1) .

و فيها توفّي حمزة بن حبيب الزّيّات المقرئ، أحد القرّاء السبعة.

____________

(1) . A. mO

13

157 ثم دخلت سنة سبع و خمسين و مائة

في هذه السنة بنى المنصور قصره الّذي يدعى الخلد.

و فيها حوّل المنصور الأسواق إلى الكرخ و غيره، و قد تقدّم سبب ذلك، و استعمل سعيد بن دعلج على البحرين، فأنفذ إليها ابنه تميما، و عرض المنصور جنده في السّلاح، و جلس لذلك، و خرج هو لابسا درعا و بيضة.

و فيها مات عامر بن إسماعيل المسليّ‏ (1) ، و صلّى عليه المنصور. و توفّي سوّار بن عبد اللََّه، قاضي البصرة، و استعمل مكانه عبيد اللََّه بن الحسن بن الحصين العنبريّ، و عزل محمّد بن سليمان الكاتب عن مصر، و استعمل مولاه مطر، و استعمل معبد بن الخليل على السّند و عزل هشام بن عمرو.

و غزا الصائفة يزيد بن. أسيد السلميّ، فوجّه سنانا مولى البطّال إلى حصن، فسبى و غنم، و قيل: إنّما غزا الصائفة زفر بن عاصم.

و حجّ بالنّاس إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس، و كان على مكّة، و قيل كان عليها عبد الصّمد بن عليّ، و على الأمصار من ذكرنا.

و فيها قتل المنصور يحيى بن زكريّا المحتسب، و كان يطعن على المنصور، و يجمع الجماعات فيما قيل.

و فيها مات عبد الوهّاب بن إبراهيم الإمام، و قيل: سنة ثمان و خمسين:

____________

(1) . المبتلي. A

14

و في سنة سبع و خمسين مات الأوزاعي الفقيه، و اسمه عبد الرحمن بن عمرو، و له سبعون سنة، و مصعب بن ثابت بن عبد اللََّه بن الزّبير بن العوّام، جدّ الزّبير بن بكّار.

و فيها أخرج سليمان بن يقظان الكلبيّ قارله ملك الإفرنج*إلى بلاد المسلمين، من الأندلس، و لقيه بالطريق، و سار معه إلى سرقسطة، فسبقه إليها الحسين بن يحيى الأنصاريّ من ولد سعد بن عبادة، و امتنع بها، فاتّهم قارله ملك الإفرنج‏ (1) سليمان، فقبض عليه، و أخذه معه إلى بلاده، فلمّا أبعد من بلاد المسلمين و اطمأنّ هجم عليه مطروح و عيشون‏ (2) ابنا سليمان في أصحابهما، فاستنقذا أباهما، و رجعا به إلى سرقسطة، و دخلوا مع الحسين، و وافقوا على خلاف عبد الرحمن.

____________

(1) . A. mO

(2) . p. s. A ;عنشون. P. C

15

158 ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و مائة

ذكر عزل موسى عن الموصل و ولاية خالد بن برمك‏

في هذه السنة عزل المنصور موسى بن كعب عن الموصل، و كان قد بلغه عنه ما أسخطه عليه، فأمر ابنه المهديّ أن يسير إلى الرّقّة، و أظهر أنّه يريد بيت المقدس، و أمره أن يجعل طريقه على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى و قيّده و استعمل خالد بن برمك.

و كان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم، و أجّله ثلاثة أيّام، فإن أحضر المال و إلاّ قتله، فقال لابنه يحيى: يا بنيّ الق‏ (1)

إخواننا عمارة بن حمزة، و مباركا التركيّ، و صالحا صاحب المصلّى و غيرهم‏ (2)

و أعلمهم حالنا.

قال يحيى: فأتيتهم، فمنهم من منعني من الدخول عليه و وجّه المال، و منهم من تجهّمني‏ (3) بالردّ و وجّه المال‏[سرّا إليّ‏]. قال: فأتيت عمارة بن حمزة و وجهه إلى الحائط، فما أقبل به عليّ، فسلّمت، فردّ ردّا ضعيفا، و قال:

كيف أبوك؟فعرّفته الحال، و طلبت قرض مائة ألف، فقال: إن أمكنني شي‏ء فسيأتيك، فانصرفت و أنا ألعنه من تيهه، و حدّثت أبي بحديثه، و إذ قد أنفذ المال، قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف و سبعمائة ألف، و بقي

____________

(1) . الحق. Ate. P. C

(2) . P. C. MO

(3) . تهجمني‏

16

ثلاثمائة ألف تبطل‏ (1) الجميع بتعذرها.

قال: فعبرت على الجسر و أنا مهموم، فوثب إليّ زاجر فقال: فرخ الطائر أخبرك، فطويته، فلحقنى و أخذ بلجام دابّتي، و قال لي: أنت مهموم، و و اللّه لتفرحن و لتمرن غدا في هذا الموضع و اللّواء بين يديك.

فعجبت من قوله، فقال: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم.

فقلت: نعم!و أنا أستبعد ذلك.

و ورد على المنصور انتقاض الموصل و الجزيرة، و انتشار الأكراد بها، فقال: من لها؟فقال المسيّب بن زهير: عندي رأي أعلم أنّك لا تقبله مني، و أعلم أنّك تردّه عليّ، و لكني لا أدع نصحك. قال: قل!قلت:

ما لها مثل خالد بن برمك. قال: فكيف يصلح لنا بعد ما فعلنا؟قال: إنّما قوّمته بذلك‏ (2) ، و أنا الضامن له. قال: فليحضرني غدا، فأحضره، فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية، و عقد له، و عقد لابنه يحيى على أذربيجان، فاجتاز يحيى بالزاجر، فأخذه معه، و أعطاه خمسين ألف درهم، و أنفذ خالد إلى عمارة بالمائة ألف الّتي أخذها منه مع ابنه يحيى، فقال له: صيرفيّا كنت لأبيك؟قم عني، لا قمت!فعاد بالمال، و سار مع المهديّ فعزل موسى ابن كعب و ولاّهما.

فلم يزل خالد على الموصل و ابنه يحيى على أذربيجان إلى أن توفّي المنصور، فذكر أحمد بن محمّد بن سوّار الموصليّ‏[قال‏]: ما هبنا أميرا قطّ هيبتنا (3)

خالدا، من غير أن يشتدّ علينا، و لكن‏[1] هيبة كانت له في صدورنا.

[1] و لا.

____________

(1) . يتعذر. A

(2) . لذلك. P. C

(3) . ما هبنا. P. C

17

ذكر موت المنصور و وصيّته‏

و في هذه السنة توفّي المنصور لستّ خلون من ذي الحجّة ببئر ميمون، و كان على ما قيل قد هتف به هاتف من قصره، فسمعه يقول:

أما و ربّ السّكون و الحرك # إنّ المنايا كثيرة الشّرك‏ (1)

عليك، يا نفس، إن أسأت، و إن # أحسنت بالقصد، كلّ ذاك لك‏

ما اختلف اللّيل و النّهار، و لا # دارت نجوم السّماء في الفلك‏

إلاّ تنقّل‏ (2) السّلطان عن ملك # إذا انتهى‏ (3) ملكه إلى ملك‏ (4)

حتى يصيرا به إلى ملك # ما عزّ (5) سلطانه بمشترك‏ (6)

ذاك بديع السّماء و الأرض و # المرسي الجبال المسخّر الفلك‏

فقال المنصور: هذا أوان أجلي. قال الطبريّ: و قد حكى عبد العزيز ابن مسلم أنّه قال: دخلت على المنصور يوما أسلّم عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لما أرى منه لأنصرف، فقال‏[لي‏]بعد ساعة:

إنّي رأيت في المنام كأنّ رجلا ينشدني هذه‏[الأبيات‏]:

أ أخيّ خفّض‏ (7) من مناكا # فكأنّ يومك قد أتاكا

و لقد أراك الدّهر من # تصريفه ما قد أراكا

فإذا أردت النّاقص العبد # الذّليل، فأنت ذاكا

____________

(1) . الحرك. P. C

(2) . بنقل. B

(3) . انقضى. B

(4) . musrev. mocnuh. C

(5) . بجر. B

(6)

حتى يصير النعيم من ملك # قد انقضى ملك إلى ملك.

P. C

(7) . اخفض;احفظ. A

18

ملّكت ما ملّكته، # و الأمر فيه‏ (1) إلى سواكا

هذا الّذي ترى من قلقي و غمّي لما سمعت و رأيت، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين، فلم يلبث أن خرج إلى مكّة، فلمّا سار (2) من بغداذ ليحجّ نزل قصر عبدويه، فانقضّ في مقامه هنالك كوكب لثلاث بقين من شوّال، بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بيّنا إلى طلوع الشمس، فأحضر المهديّ و كان قد صحبه ليودّعه، فوصّاه بالمال و السلطان، يفعل ذلك كلّ يوم من أيّام مقامه، بكرة و عشيّة، فلمّا كان اليوم الّذي ارتحل فيه قال له: إنّي لم أدع شيئا إلاّ و قد تقدّمت إليك فيه، و سأوصيك بخصال ما أظنّك تفعل واحدة منها.

و كان له سفط فيه دفاتر علمه‏ (3) ، و عليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهديّ:

انظر إلى هذا السّفط فاحتفظ به، فإنّ فيه علم آبائك، *ما كان‏ (4) و ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد، و إلاّ ففي الثاني و الثالث، حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك، فالكرّاسة الصغيرة، فإنّك واجد فيها ما تريد، و ما أظنّك تفعل.

و انظر هذه المدينة، و إيّاك أن تستبدل بها غيرها، و قد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند، و النفقات، و الذرّيّة، و مصلحة البعوث‏ (5) ، فاحتفظ بها، فإنّك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا، و ما أظنّك تفعل.

و أوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، و تحسن إليهم، و تقدّمهم، و توطئ النّاس أعقابهم، و تولّيهم المنابر، فإنّ عزّك عزّهم، و ذكرهم

____________

(1) . فيك. A

(2) . خرج. A

(3) . A. mO

(4) . b. mO

(5) . البيوت. A

19

لك، و ما أظنّك تفعل.

و انظر مواليك فأحسن إليهم، و قرّبهم، و استكثر منهم، فإنّهم مادّتك لشدّة إن نزلت بك، و ما أظنّك تفعل.

و أوصّيك بأهل خراسان خيرا، فإنّهم أنصارك و شيعتك‏الذين بذلوا أموالهم و دماءهم في دولتك، و من لا تخرج محبّتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، و تتجاوز عن مسيئهم، و تكافئهم عمّا كان منهم، و تخلف من مات منهم في أهله و ولده، و ما أظنّك تفعل.

و إيّاك أن تبني مدينة الشرقيّة، فإنّك لا تتمّ بناءها، و أظنّك ستفعل.

و إيّاك أن تستعين برجل من بني سليم، و أظنّك ستفعل.

و إيّاك أن تدخل النساء في أمرك، و أظنّك ستفعل.

و قيل: قال له: إنّي ولدت في ذي الحجّة و وليت في ذي الحجّة، و قد هجس‏ (1) في نفسي أنّي أموت في ذي الحجّة من هذه السنة، و إنّما حداني على الحجّ ذلك، فاتّق اللََّه فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك‏ (2) و حزنك فرجا و مخرجا، و يرزقك السلامة و حسن العاقبة من حيث لا تحتسب.

يا بنيّ احفظ محمّدا، صلّى اللََّه عليه و سلّم، في أمّته، يحفظك اللََّه و يحفظ (3) عليك‏ (4) أمورك، و إيّاك و الدم الحرام، فإنّه حوب عند اللََّه عظيم، و عار في الدنيا لازم مقيم، و الزم الحدود، فإنّ فيها خلاصك في الآجل و صلاحك في العاجل، و لا تعتدّ فيها فتبور، فإنّ اللََّه تعالى لو علم أنّ شيئا أصلح منها لدينه و أزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه.

____________

(1) . هجمت. B

(2) . كرمك. A ;لزمك. P. C

(3) . Bte. P. C. mO

(4) . عليه. A

20

و اعلم أن من شدّة غضب اللََّه لسلطانه‏ (1) [أنّه‏]أمر في كتابه بتضعيف العذاب و العقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ذخر له‏ (2) من العذاب العظيم، فقال: إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا (3) الآية. فالسلطان، يا بنيّ، حبل اللََّه المتين، و عروته الوثقى، و دينه القيّم، فاحفظه، و حصّنه، و ذبّ عنه، و أوقع بالملحدين فيه، و اقمع المارقين منه، و اقتل الخارجين عنه بالعقاب، و لا تجاوز ما أمر اللََّه به في محكم القرآن، و احكم بالعدل، و لا تشطط، فإنّ ذلك أقطع‏[1] للشغب، و أحسم للعدوّ، و أنجع في الدواء.

و عفّ عن الفي‏ء، فليس بك إليه حاجة مع ما خلّفه اللََّه لك، و افتتح [عملك‏]بصلة الرّحم و برّ القرابة، و إيّاك و الأثرة و التبذير لأموال الرعيّة، و اشحن الثغور، و اضبط الأطراف، و أمّن السّبل، و سكّن العامّة، و أدخل المرافق عليهم، و ادفع المكاره عنهم، و أعدّ الأموال، و اخزنها، و إيّاك و التبذير، فإنّ النوائب غير مأمونة، و هي من شيم الزمان.

و أعدّ الكراع و الرّجال و الجند ما استطعت، و إيّاك و تأخير عمل اليوم إلى الغد، فتتدارك عليك الأمور و تضيع، جدّ (4) في إحكام الأمور النّازلات لأوقاتها أوّلا[فأوّلا]و اجتهد و شمّر فيها، و أعدّ رجالا باللّيل لمعرفة ما يكون بالنهار، و رجالا بالنهار لمعرفة ما يكون باللّيل، و باشر الأمور بنفسك، و لا تضجر، و لا تكسل، و استعمل حسن الظنّ‏[بربّك‏]، و أسئ الظنّ بعمّالك و كتّابك، و خذ نفسك بالتيقّظ، و تفقّد من تثبّت‏ (5) على بابك، و سهّل [1] أفظع. ـ

____________

(1) . و سلطانه. P. C

(2) . عنده. B

(3) . 33. sv ,5 inaroC

(4) . حد. P. C ;. و نصع جد. A

(5) . يبيت. Bte. P. C

21

إذنك للنّاس، و انظر في أمر النّزاع إليك، و وكّل بهم عينا غير نائمة، و نفسا غير لاهية، و لا تنم، و إيّاك، فإنّ أباك لم ينم منذ و لي الخلافة، و لا دخل عينه الغمض إلاّ و قلبه مستيقظ. هذه وصيّتي إليك، و اللََّه خليفتي عليك.

ثمّ ودّعه و بكى كلّ واحد منهما إلى صاحبه، ثمّ سار إلى الكوفة، و جمع بين الحجّ و العمرة، و ساق الهدي، و أشعره، و قلّده لأيّام خلت من ذي القعدة. فلمّا سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الّذي مات به، و هو القيام، فلمّا اشتدّ وجعه جعل يقول للربيع: بادرني حرم ربّي هاربا من ذنوبي، و كان الربيع عديله، و وصّاه بما أراد، فلمّا وصل إلى بئر ميمون مات بها مع‏ (1) السّحر لستّ خلون من ذي الحجّة (2) ، و لم يحضره عند وفاته إلاّ خدمه، و الربيع مولاه، فكتم الربيع موته، و منع من البكاء عليه، ثمّ أصبح، فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، و كان أوّل من دعا عمّه‏ (3) عيسى بن عليّ، فمكث ساعة، ثمّ أذن*لابن أخيه‏عيسى‏ (4) بن موسى، و كان فيما خلا يقدّم على عيسى بن عليّ، ثمّ أذن للأكابر و ذوي الأسنان‏ (5) منهم، ثمّ لعامّتهم، فبايعهم الربيع للمهديّ، *و لعيسى بن موسى بعده على يدي موسى الهادي بن المهديّ‏ (6) .

فلمّا فرغ من بيعة بيعة بني هاشم بايع القوّاد، و بايع عامّة النّاس، و سار العبّاس بن محمّد و محمّد بن سليمان إلى مكّة ليبايعا النّاس، فبايعوا بين الرّكن و المقام، و اشتغلوا بتجهيز المنصور، ففرغوا منه العصر، و كفّن، و غطّي وجهه و بدنه، و جعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، و صلّى عليه عيسى بن موسى، و قيل إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس، و دفن في مقبرة المعلاة، و حفروا له مائة قبر ليغمّوا على النّاس،

____________

(1) . في. B

(2) . القعدة. A

(3) . به. P. C

(4) . لعيسى. Bte. P. C

(5) . الأنساب. B

(6) . A. mO

22

و دفن في غيرها، و نزل في قبره عيسى بن عليّ، و عيسى بن محمّد، و العبّاس ابن محمّد، و الربيع و الرّيّان مولياه، و يقطين‏ (1) ، و كان عمره ثلاثا و ستّين سنة، و قيل أربعا و ستّين، و قيل ثمانيا و ستّين سنة، فكانت مدّة خلافته اثنتين و عشرين سنة إلاّ أربعة و عشرين يوما، و قيل إلاّ ثلاثة أيّام، و قيل إلاّ يومين، و قيل في موته: إنّه لما نزل آخر منزل بطريق مكّةنظر في صدر البيت، فإذا فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم،

أبا جعفر حانت و فاتك و انقضت # سنوك، و أمر اللََّه لا بدّ واقع‏

أبا جعفر هل كاهن أو منجّم # لك اليوم من حرّ (2) المنيّة مانع‏

فأحضر متولّي المنازل، و قال له: أ لم آمرك أن لا يدخل المنازل أحد من النّاس؟قال: و اللََّه ما دخلها[1] أحد منذ فرغ‏[منها]. فقال: اقرأ ما في صدر البيت!فقال: ما أرى شيئا، فأحضر غيره، فلم ير شيئا، فأملى البيتين، ثمّ قال لحاجبه: اقرأ آية، فقرأ: وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3) ، فأمر به فضرب، و رحل من المنزل تطيّرا، فسقط عن دابّته، فاندقّ ظهره و مات، فدفن ببئر ميمون. و الصحيح ما تقدّم‏.

ذكر صفة المنصور و أولاده‏

كان أسمر نحيفا، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشّراة.

و أمّا أولاده فالمهديّ محمّد، و جعفر الأكبر، و أمّهما أروى بنت منصور [1] دخله.

____________

(1) . sitrcnupenis. ddoC

(2) . جز. P. C

(3) . 227. sv ,26 inaroC

23

أخت يزيد بن منصور الحميري، و كانت تكنّى أمّ موسى، و مات جعفر قبل المنصور، و منهم سليمان، و عيسى، و يعقوب، أمّهم فاطمة بنت محمّد من ولد طلحة بن عبيد اللََّه، و جعفر الأصغر، أمّه أمّ ولد، كرديّة، و كان يقال له: ابن الكرديّة، و صالح المسكين، أمّه أمّ ولد روميّة، و القاسم، مات قبل المنصور و له عشر سنين، أمّه أمّ ولد تعرف بأمّ القاسم، و لها بباب الشام بستان يعرف ببستان أمّ القاسم، و العالية، أمّها امرأة من بني أميّة.

ذكر بعض سيرة المنصور

قال سلاّم الأبرش: كنت أخدم المنصور داخلا[في منزله‏]، و كان من أحسن النّاس خلقا، ما لم يخرج إلى النّاس، و أشدّ احتمالاّ لما يكون من عبث‏ (1) الصبيان، فإذا لبس ثوبه اربدّ[1] لونه، و احمرّت عيناه فيخرج منه ما يكون.

و قال لي يوما: يا بنيّ!إذا رأيتني قد لبست ثيابي، أو رجعت من مجلسي فلا يدنونّ مني منكم أحد مخافة أن أغرّه‏ (2) بشي‏ء.

قال: و لم ير في دار المنصور لهو، و لا شي‏ء يشبه اللّهو و اللّعب و العبث، إلاّ مرّة واحدة، رئي بعض أولاده و قد ركب راحلة، و هو صبيّ، و تنكّب قوسا في هيئة الغلام الأعرابيّ، بين جوالقين فيهما مقل و مساويك و ما [1] يربد.

____________

(1) . عيب. P. C

(2) . أعده. A ;اعمره. P. Cte. B

24

يهديه الأعراب، فعجب النّاس من ذلك، و أنكروه، فعبر إلى المهدي بالرّصافة فأهداه له، فقبّله و ملأ الجوالقين دراهم، فعاد بينهما، فعلم‏أنّه ضرب من عبث الملوك.

قال حمّاد (1) التركيّ: كنت واقفا على رأس المنصور، فسمع جلبة، فقال: انظر ما هذا!فذهبت، فإذا خادم له قد جلس حوله الجواري، و هو يضرب لهنّ بالطّنبور، و هنّ يضحكن، فأخبرته، فقال: و أيّ شي‏ء الطّنبور؟فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ما الطّنبور؟قلت: رأيته بخراسان. فقام و مشى إليهنّ، فلمّا رأينه تفرّقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطّنبور، حتى تكسّر الطّنبور، و أخرج الخادم فباعه.

قال: و كان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن، لما بلغه من الاختلاف هناك، فسار إليه و أصلحه، و قصده النّاس من أقطار الأرض لاشتهار جوده، ففرّق فيهم الأموال، فسخط عليه المنصور، فأرسل إليه معن بن زائدة وفدا من قومه، فيهم مجّاعة بن الأزهر، و سيّرهم إلى المنصور ليزيلوا غيظه و غضبه، فلمّا دخل على المنصور ابتدأ مجّاعة بحمد اللََّه و الثناء عليه، و ذكر النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فأطنب في ذلك حتّى عجب القوم، ثمّ ذكر المنصور و ما شرّفه اللََّه به، و ذكر بعد ذلك صاحبه‏ (2) .

فلمّا انقضى كلامه قال: أمّا ما ذكرت من حمد اللََّه، فاللََّه أجلّ من أن تبلغه الصفات، و أمّا ما ذكرت من النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقد فضّله اللََّه تعالى بأكثر ممّا قلت، و أمّا ما وصفت به أمير المؤمنين، فإنّه فضّله اللََّه بذلك، و هو معينة على طاعته، إن شاء اللََّه تعالى، و أمّا ما ذكرت من صاحبك، فكذبت و لؤمت، اخرج، فلا يقبل ما ذكرته.

فلمّا صاروا بآخر الأبواب أمر بردّه مع أصحابه، فقال: ما قلت؟

____________

(1) . كماد. A

(2) . حاجته. P. C

25

فأعاده عليه، فأخرجوا، ثمّ أمر بهم، فأوقفوا، ثمّ التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟و اللََّه لقد تكلّم حتى حسدته، و ما منعني أن أتمّ على ردّه إلاّ أن يقال حسده لأنّه من ربيعة، و ما رأيت مثله رجلا أربط جأشا، و لا أظهر بيانا، ردّه يا غلام.

فلمّا صار بين يديه قال: اقصد لحاجتك!قال: يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة عبدك، و سيفك، و سهمك، رميت به عدوّك، فضرب، و طعن، و رمى حتى سهل ما حزن، و ذلّ ما صعب، و استوى ما كان معوجّا من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين، أطال اللََّه بقاءه، فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساع، أو واش، فأمير المؤمنين أولى بالفضل على عبده، و من أفنى عمره في طاعته.

فقبل عذره و أمر بصرفهم إليه، فلمّا قرأ معن الكتاب بالرضا، قبّل ما بين عينيه، و شكر أصحابه، و أجازهم على أقدارهم، و أمرهم بالرحيل إلى المنصور، فقال مجّاعة:

آليت في مجلس من وائل قسما # ألاّ أبيعك يا معن بأطماع‏

يا معن!إنّك قد أوليتني نعما # عمّت لحيما و خصّت آل مجّاع‏

فلا أزال إليك الدّهر منقطعا # حتى يشيد (1) بهلكي هتفه الناعي‏

و كان‏[من‏]نعم معن على مجّاعة أنّه قضى له ثلاث حوائج منها:

أنّه كان يتعشّق جارية من أهل بيت معن، اسمها زهراء، فطلبها، فلم يجبه لفقره، فطلبها من معن، فأحضر أباها، فزوّجه إيّاها على عشرة آلاف درهم، و أمهرها من عنده.

و منها: أنّه طلب منه حائطا بعينه، فاشتراه له.

____________

(1) . يشدّ. B

26

و منها أنّه استوهب منه شيئا، فوهب له ثلاثين ألف درهم تمام مائة ألف.

قيل: و كان المنصور يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعفّ منهم، هم أركان الدولة و لا يصلح الملك إلاّ بهم، أمّا أحدهم:

فقاض لا تأخذه في اللََّه لومة لائم، و الآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القويّ، و الثالث صاحب خراج يستقصي و لا يظلم الرعيّة.

ثمّ عضّ على إصبعه السّبّابة ثلاث مرّات، يقول في كلّ مرّة: آه آه.

قيل: ما هو يا أمير المؤمنين؟قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحّة.

و قيل: دعا المنصور بعامل قد كسّر خراجه، فقال له: أدّ ما عليك! فقال: و اللََّه ما أملك شيئا. و أذّن مؤذّن: أشهد أن لا إله إلاّ اللََّه!فقال:

يا أمير المؤمنين هب ما عليّ للََّه و شهادة أن لا إله إلاّ اللََّه. فخلّى سبيله.

و قيل: و أتي بعامل، فحبسه و طالبه، فقال العامل: عبدك يا أمير المؤمنين، فقال: بئس العبد أنت!فقال: لكنّك نعم المولى. قال: أمّا لك فلا.

قيل: و أتي بخارجيّ قد هزم له جيوشا، فأراد ضرب رقبته، ثمّ ازدراه فقال: يا ابن الفاعلة!مثلك يهزم الجيوش؟فقال له: ويلك و سوأة[1] لك أمس، بيني و بينك السيف، و اليوم القذف و السبّ، و ما كان يؤمنك أن أردّ عليك و قد يئست من الحياة (1) فلا تستقيلها أبدا؟فاستحيا منه المنصور و أطلقه.

قيل: و كان شغل المنصور، في صدر نهاره، بالأمر و النهي، و الولايات، [1] وشوه.

____________

(1) . قلا. dda. A

27

و العزل، و شحن الثغور و الأطراف، و أمن السبّل، و النظر في الخراج و النفقات، و مصلحة معاش الرعيّة، و التلطّف بسكونهم و هديهم، فإذا صلّى العصر جلس لأهل بيته، فإذا صلّى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور و الأطراف و الآفاق، و شاور سمّاره، فإذا مضى ثلث اللّيل قام*إلى فراشه، و انصرف سمّاره، و إذا مضى الثلث الثاني قام‏ (1)

فتوضّأ و صلّى، حتى يطلع الفجر، ثمّ يخرج فيصلّي بالنّاس، ثمّ يدخل فيجلس في إيوانه.

قيل: و قال للمهديّ: لا تبرم أمرا حتى تفكّر فيه، فإنّ فكر العاقل مرآته تريه حسنه و سيّئه. يا بنيّ!لا يصلح السلطان إلاّ بالتقوى، و لا تصلح رعيّته‏إلاّ بالطاعة، و لا تعمر البلاد بمثل العدل، و أقدر النّاس على العفو أقدرهم على العقوبة، و أعجز النّاس من ظلم من هو دونه، و اعتبر عمل صاحبك و علمه باختباره‏[1].

يا أبا عبد اللََّه!لا تجلس مجلسا إلاّ و معك من‏[أهل‏]العلم من يحدّثك، و من أحبّ أن يحمد أحسن السيرة، و من أبغض الحمد أساءها، و ما أبغض الحمد أحد إلاّ استذمّ، و ما استذمّ إلاّ كره.

يا أبا عبد اللََّه!ليس العاقل الّذي يحتال للأمر الّذي غشيه، بل العاقل الّذي يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.

و قال للمهديّ يوما: كم راية عندك؟قال: لا أدري. قال: *هذا و اللََّه التضييع، و أنت‏[2] لأمر الخلافة أشدّ تضييعا، و لكن قد جمعت لك ما [1] باختياره.

[2]*إنّا للََّه، أنت.

____________

(1) . A. mO

28

لا يضرّك معه ما ضيّعت، فاتّق اللََّه فيما خوّلك.

قيل: و قال إسحاق بن عيسى: لم يكن أحد من بني العبّاس يتكلّم فيبلغ حاجته على البديهة، غير المنصور، و أخيه العبّاس بن محمّد، و عمّهما داود بن عليّ، قيل: و خطب المنصور يوما، فقال: الحمد للََّه أحمده و أستعينه، و أؤمن به، و أتوكّل عليه، و أشهد أن لا إله إلاّ اللََّه وحده لا شريك له. فاعترضه إنسان فقال: أيّها الإنسان أذكّرك من ذكّرت‏ (1)

به!فقطع الخطبة، ثمّ قال: سمعا، سمعا لمن حفظ (2) عن اللََّه، و أعوذ باللََّه أن أكون جبّاراعنيدا، أو تأخذني العزّة بالإثم، لقد ضللت، إذا، و ما أنا من المهتدين. و أنت أيّها القائل، فو اللََّه ما أردت بهذا القول اللََّه، و لكنّك أردت أن يقال قام، فقال، فعوقب، فصبر، و أهون بها، ويلك، لقد هممت، و اغتنمها إذ عفوت، و إيّاك، و إيّاكم معاشر المسلمين‏ (3) أختها، فإنّ الحكمة علينا نزلت، و من عندنا فصلت، فردّوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، و تصدروه مصادره.

ثمّ عاد إلى خطبته، كأنّما يقرأها، فقال: و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.

و قال عبد اللََّه بن صاعد: خطب المنصور بمكّة، بعد بناء بغداذ، فكان ممّا قال: وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ (4) . أمر مبرم، و قول عدل، و قضاء فصل، و الحمد للََّه الّذي أفلج‏[1] حجّته، و بعدا للقوم الظالمين الذين اتّخذوا الكعبة غرضا، و الفي‏ء إرثا و جَعَلُوا اَلْقُرْآنَ عِضِينَ (5) ، لقد حََاقَ بِهِمْ [1] أفلح.

____________

(1) . ذكرك. P. C

(2) . حضر. P. C

(3) . الناس. P. C

(4) . 105. sv ,21 inaroC

(5) . 91. sv ,15. dibI

29

مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [1]، فكم من‏ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ ، أهملهم اللََّه حين بدلوا السنّة، و اضطهدوا العترة[2]، و عندوا، و اعتدوا، و استكبروا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ ، ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (1) .

قال: و كتب إليه رجل يشكو بعض عمّاله، فوقّع إلى العامل في الرّقعة:

إن آثرت العدل صحبتك السلامة، و إن آثرت الجور فما أقربك من الندامة، فأنصف هذا المتظلّم من الظّلامة.

قيل: و كتب إلى‏[المنصور]صاحب أرمينية يخبره أنّ الجند قد شغبوا عليه، و نهبوا ما في بيت المال، فوقّع في كتابه: اعتزل عملنا مذموما مدحورا، فلو عقلت لم يشغبوا، و لو قويت لم ينهبوا.

و هذا و ما تقدّم من كلامه و وصاياه يدلّ على فصاحته و بلاغته، و قد تقدّم له أيضا من الكتب و غيرها ما يدلّ على أنّه كان واحد زمانه، إلاّ أنّه كان يبخل، و ممّا نقل عنه من ذلك قول الوضين بن عطاء: استزارني المنصور، و كان بيني و بينه خلّة قبل الخلافة، فخلونا يوما، فقال: يا أبا عبد اللََّه!ما لك؟قلت: الخبر[3] الّذي تعرفه. قال: و ما عيالك؟قلت:

ثلاث بنات، و المرأة، و خادم لهنّ. فقال: أربع في بيتك؟قلت: نعم! فردّدها، حتى ظننت أنّه سيعينني، ثمّ قال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن في بيتك.

[1] (سورة النحل 16، الآية 34) .

[2] و أهملوا العبرة.

[3] الخير.

____________

(1) . 98. sv ,19 inaroC

30

قيل: رفع غلام لأبي عطاء الخراساني أنّ له عشرة آلاف درهم، فأخذها منه و قال: هذا مالي. قال: من أين يكون مالك، و و اللّه ما ولّيتك عملا قطّ، و لا بيني و بينك رحم و لا قرابة!قال: بلى![كنت‏]تزوّجت امرأة لعيينة ابن موسى بن كعب، فورّثتك مالا، و كان قد عصى بالسند، [و هو وال على السّند]، و أخذ مالي فهذا المال من ذاك.

و

قيل لجعفر الصادق: إنّ المنصور يكثر من لبس جبّة هرويّة، و إنّه يرقع قميصه. فقال جعفر: الحمد للََّه الّذي لطف به‏[1]، حتى ابتلاه بفقر نفسه في ملكه.

قيل: و كان المنصور إذا عزل عاملا أخذ ماله و تركه في بيت مال مفرد سمّاه بيت مال المظالم، و كتب عليه اسم صاحبه، و قال للمهديّ: قد هيّأت لك شيئا فإذا أنا متّ فادع من أخذت ماله فاردده عليه، فإنّك تستحمد بذلك إليهم و إلى العامّة، ففعل المهديّ ذلك.

و له في ضدّ ذلك أشياء كثيرة.

قيل: و ذكر زيد مولى عيسى بن نهيك قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي، فسألني: كم خلّف من مال؟قلت: ألف دينار، و أنفقته امرأته في مأتمه. قال: كم خلّف من البنات؟قلت: ستّا، فأطرق، ثمّ رفع رأسه و قال: أغد إلى المهديّ، فغدوت إليه، فأعطاني مائة ألف و ثمانين ألف دينار، لكلّ واحدة منهنّ ثلاثين ألفا، ثمّ دعاني المنصور فقال: عد عليّ بأكفائهنّ حتى أزوّجهنّ، ففعلت، فزوّجهنّ، و أمر أن تحمل إليهنّ صدقاتهنّ من ماله، لكلّ واحدة منهنّ ثلاثون ألف درهم، و أمرني أن أشتري بمالهنّ ضياعا لهنّ يكون معاشهنّ منها.

[1] له.

31

قيل: و فرّق المنصور على جماعة من أهل بيته في يوم واحد، عشرة آلاف ألف درهم، و أمر لجماعة من أعمامه منهم: سليمان، و عيسى، و صالح، و إسماعيل، لكلّ رجل منهم بألف ألف، و هو أوّل من وصل بها.

و له في ذلك أيضا أخبار كثيرة، و أمّا غير ذلك، قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ما رأيت رجلا قطّ في حرب، و لا سمعت به في سلم‏أنكر، و لا أمكر، و لا أشدّ تيقّظا من المنصور. لقد حصرني تسعة أشهر، و معي فرسان العرب، فجهدنا بكلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئا، فما تهيّأ، و لقد حصرني و ما في رأسي شعرة بيضاء، فخرجت إليه و ما في رأسي شعرة سوداء.

قيل: و أرسل ابن هبيرة إلى المنصور، و هو محاصره، يدعوه إلى المبارزة، فكتب إليه: إنّك متعدّ طورك، جار في عنان غيّك، يعدك اللََّه ما هو مصدّقه، و يمنّيك‏[1] الشيطان ما هو مكذّبه، و يقرّب ما اللََّه مباعده، فرويدا يتمّ الكتاب أجله، و قد ضربت مثلي و مثلك: بلغني أنّ أسدا لقي خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني!فقال الأسد: إنّما أنت خنزير، و لست بكفؤ لي و لا نظير، و متى قاتلتك فقتلتك قيل لي: قتل خنزيرا، فلا أعتقد فخرا، و لا ذكرا، و إن نالني منك شي‏ء كان سبّة عليّ. فقال الخنزير: إن لم تفعل أعلمت السباع أنّك نكلت‏[2] عني، فقال الأسد: احتمال‏ (1) عار كذبك عليّ أيسر من لطخ شرابي بدمك.

قيل: و كان المنصور أوّل من عمل الخيش، فإنّ الأكاسرة كانوا يطيّنون كلّ يوم بيتا يسكنونه في الصيف، و كذلك بنو أميّة.

[1] و يمينك.

[2] تكلب.

____________

(1) . الأذى. dda. P. C

32

قيل: و أتي برجل من بني أميّة، فقال: إنّي أسألك عن أشياء، فاصدقني و لك الأمان. قال: نعم!قال: من أين أتي بنو أميّة؟قال: من تضييع الأخبار. قال: فأيّ الأموال وجدوها أنفع؟قال: الجوهر. قال: فعند من وجدوا الوفاء؟قال: عند مواليهم، فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، فقال: أضع منهم، فاستعان بمواليه.

ذكر خلافة المهديّ و البيعة له‏

ذكر عليّ بن محمّد النّوفليّ عن أبيه قال: خرجت من البصرة حاجّا، فاجتمعت بالمنصور بذات عرق، فكنت أسلّم عليه كلّما ركب، و قد أشفى على الموت، فلمّا صار ببئر ميمون نزل به، و دخلنا مكّة، فقضيت عمرتي، و كنت أختلف إلى المنصور، فلمّا كان في اللّيلة الّتي مات فيها، و لم نعلم‏[1]، صلّيت الصبح بمكّة، و ركبت أنا و محمّد بن عون بن عبد اللََّه ابن الحارث، و كان من مشايخ بني هاشم و سادتهم، فلمّا صرنا بالأبطح لقينا العبّاس بن محمّد و محمّد بن سليمان في خيل إلى مكّة، فسلّمنا عليهما و مضينا (1) ، فقلت لمحمّد: أحسب الرجل قد مات، فكان كذلك.

ثمّ أتينا العسكر، فإذا موسى بن المهديّ قد صدر عند عمود السّرادق، و القاسم بن المنصور في ناحية من السرادق، و قد كان قبل ذلك يسير بين المنصور و بين صاحب الشرطة، و رفع النّاس إليه القصص، فلمّا رأيته علمت أنّ [1] يعلم. ـ

____________

(1) . و مضيا. P. C

33

المنصور قد مات.

و أقبل الحسن بن زيد العلويّ، و جاء النّاس حتى ملئوا السّرادق، و سمعنا همسا من بكاء، و خرج أبو العنبر، خادم المنصور، مشقّق الأقبية، و على رأسه التراب، و صاح: وا أمير المؤمنيناه!فما بقي أحد إلاّ قام، ثمّ تقدّموا ليدخلوا عليه، فمنعهم الخدم، و قال ابن عيّاش المنتوف: سبحان اللََّه! أما شهدتم موت خليفة قطّ؟اجلسوا، فجلسوا، و قام القاسم فشقّ ثيابه، و وضع التراب على رأسه، و موسى على حاله.

ثمّ خرج الربيع و في يده قرطاس، ففتحه، فقرأه، فإذا فيه: بسم اللََّه الرحمن الرّحيم، من عبد اللََّه المنصور، أمير المؤمنين، إلى من خلف من بني هاشم، و شيعته من أهل خراسان، و عامّة المسلمين، ثمّ بكى، و بكى النّاس، ثمّ قال: قد أمكنكم‏ (1) البكاء، فأنصتوا، رحمكم اللََّه، ثمّ قرأ:

أمّا بعد، فإنّي كتبت كتابي هذا، و أنا حيّ في آخر يوم من أيّام الدنيا، و أوّل يوم من أيّام الآخرة، أقرأ عليكم السلام و أسأل اللََّه أن لا يفتنكم بعدي و لا يلبسكم شيعا، و لا يذيق بعضكم بأس بعض.

ثمّ أخذ في وصيّتهم بالمهديّ‏ (2) ، و إذكارهم البيعة له، و حثّهم على الوفاء بعهده، ثمّ تناول يد الحسن بن زيد و قال: قم فبايع!فقام إلى موسى فبايعه، ثمّ بايعه النّاس الأوّل فالأوّل، ثمّ أدخل بنو هاشم على المنصور و هو في أكفانه، مكشوف الرأس، فحملناه، حتى أتينا به مكّة ثلاثة أميال، فكأنّي انظر إليه و الريح تحرّك شعر صدغيه، و ذلك أنّه كان و فرّ شعره للحلق، و قد نصل‏[1] خضابه، حتى أتينا به حفرته.

[1] فصل.

____________

(1) . قدامكم. A

(2) . المهدي. A

34

و كان أوّل شي‏ء ارتفع به عليّ بن عيسى بن ماهان أنّ عيسى بن موسى أبى البيعة، فقال عليّ بن عيسى بن ماهان: و اللََّه لتبايعنّ أو لأضربنّ عنقك!فبايع، ثمّ وجّه موسى بن المهديّ و الربيع إلى المهديّ بخبر وفاة المنصور، و بالبيعة له مع منارة مولى المنصور، و بعثا أيضا بالقضيب، و بردة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و بخاتم الخلافة، و خرجوا من مكّة، فقدم الخبر على المهديّ مع منارة، منتصف ذي الحجّة، فبايعه أهل بغداذ.

و قيل: إنّ الربيع كتم موت المنصور، و ألبسه، و سنّده، و جعل على وجهه كلّة خفيفة يرى شخصه منها، و لا يفهم أمره، و أدنى أهله منه، ثمّ قرب منه‏ (1) الربيع كأنّه يخاطبه، ثمّ رجع إليهم، و أمرهم عنه بتجديد البيعة للمهديّ، فبايعوا، ثمّ أخرجهم، و خرج إليهم باكيا مشقّق الجيب، لاطما رأسه. فلمّا بلغ ذلك المهديّ أنكره على الربيع، و قال: أما منعتك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت به ما فعلت؟و قيل ضربه، و لم يضح ضربه.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة عزل المنصور المسيّب بن زهير عن شرطته، و حبسه مقيّدا، و سبب ذلك أنّه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط، حتى قتله، لأنّه كان شريك أخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة، و استعمل على شرطته الحكم ابن يوسف، صاحب الحراب، ثمّ كلّم المهديّ أباه في المسيّب، فرضي عنه، و أعاده إلى شرطته.

و فيها استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد اللََّه‏ (2) على فارس.

____________

(1) . منزله. P. C

(2) . عبيد اللََّه. A

35

و فيها عاد المهدي من الرقة في شهر رمضان.

و فيها غزا الصائفة معيوف‏ (1) بن يحيى بن درب الحدث، فلقي العدوّ، فاقتتلوا، ثمّ تحاجزوا.

و فيها حبس محمّد بن إبراهيم الإمام، و هو أمير مكّة، جماعة أمر المنصور بحبسهم، و هم رجل من آل عليّ بن أبي طالب كان بمكّة، و ابن جريج، و عبّاد بن كثير، و سفيان الثّوريّ، ثمّ أطلقهم من الحبس بغير أمر المنصور، فغضب.

و كان سبب إطلاقهم أنّه أنكر، و قال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، يعني بعض ولد عليّ، و إلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم، و تقدّم أمير المؤمنين، فلعلّه يأمر بقتلهم، فيشدّ سلطانه، و أهلك فأطلقهم، و تحلّل منهم، فلمّا قارب المنصور مكّة أرسل إليه محمّد بن إبراهيم بهدايا فردّها عليه.

*و فيها شخص المنصور من بغداذ إلى مكّة، فمات في الطريق قبل أن يبلغها (2) .

و في هذه السنة غزا عبد الرحمن، صاحب الأندلس، مدينة قورية، و قصد البربر الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا من أعيانهم، و اتّبع شقنا، حتى جاوز القصر الأبيض و الدرب، ففاته.

و فيها مات أورالي ملك جليّقيّة، و كان ملكه ستّ سنين، و ملك بعده شيالون‏ (3) .

و فيها توفّي مالك بن مغول، الفقيه البجليّ بالكوفة، و حيوة بن شريح

____________

(1) . معتوق. P. C

(2) . Bte. A. mO

(3) . شبالون. ddoC

36

ابن مسلم الحضرميّ المصريّ‏ (1) ، و كان العامل على مكّة و الطائف إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه، و على المدينة عبد الصمد بن عليّ، و على الكوفة عمرو بن زهير الضّبّي، و قيل إسماعيل بن إسماعيل الثّقفيّ، و على قضائها شريك بن عبد اللََّه النّخعيّ، و على خراجها ثابت بن موسى، و على خراسان حميد بن قحطبة، و على قضاء بغداذ عبد اللََّه بن محمّد بن صفوان، و على الشرطة بها عمر بن عبد الرحمن‏[1] أخو عبد الجبّار بن عبد الرحمن، و قيل موسى بن كعب، و على خراج البصرة و أرضها عمارة بن حمزة، و على قضائها و الصلاة عبيد اللََّه بن الحسن العنبريّ.

و أصاب النّاس هذه السنة وباء عظيم.

[1] عبد العزيز.

____________

(1) . P. C. mO

37

159 ثم دخلت سنة تسع و خمسين و مائة

ذكر الحسن بن إبراهيم بن عبد اللََّه‏

في هذه السنة حوّل المهديّ الحسن بن إبراهيم بن عبد اللََّه بن الحسن بن الحسن بن علي من محبسه.

و سبب ذلك أنّه كان محبوسا مع يعقوب بن داود في موضع واحد، فلمّا أطلق يعقوب و بقي هو ساء ظنّه، فالتمس مخرجا، فأرسل إلى بعض من يثق به‏[1]، فحفر سربا إلى الموضع الّذي هو فيه، فبلغ ذلك يعقوب فأتى ابن علاثة القاضي، و كان قد اتّصل به، فقال: عندي نصيحة للمهديّ، و طلب إليه إيصاله إلى أبي عبيد اللََّه وزيره، ليرفعها إليه، فأحضره عنده، فلمّا سأله عن نصيحته، سأله عن إيصاله إلى المهديّ ليعلمه بها، فأوصله إليه، فاستخلاه، فأعلمه المهديّ ثقته بوزيره و ابن علاثة، فلم يقل شيئا، حتى قاما، فأخبره خبر الحسن، فأنفذ من يثق به‏[1]، فأتاه بتحقيق الحال، فأمر بتحويل الحسن، فحوّل، ثمّ احتيل له فيما بعد، فهرب و طلب، فلم يظفر به، فأحضر المهديّ يعقوب و سأله عنه، فأخبره أنّه لا يعلم مكانه، و أنّه إن أعطاه الأمان أتاه به فآمنه و ضمن له الإحسان، فقال له: اترك طلبه، فإنّ ذلك يوحشه، فترك طلبه، ثمّ إنّ يعقوب تقدّم عند المهديّ، فأحضر الحسن بن إبراهيم عنده.

[1] إليه.

38

ذكر تقدّم يعقوب عند المهديّ‏

قد تقدّم ذكر وصوله إليه، فلمّا أحضره المهديّ عنده في أمر الحسن بن إبراهيم، كما تقدّم، قال له: يا أمير المؤمنين!إنّك قد بسطت عدلك لرعيّتك، و أنصفتهم، و أحسنت إليهم، فعظم رجاؤهم، و قد بقيت أشياء لو ذكرتها[لك‏]لم تدع النظر فيها، و أشياء خلف بابك تعمل فيها و لا تعلم بها، فإن جعلت إليّ السبيل إليك رفعتها.

فأمر بذلك. فكان يدخل عليه كلّما أراد، و يرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة، من أمر الثغور، و بناء الحصون، و تقوية الغزاة و تزويج العزّاب، و فكاك الأسرى و المحبوسين، و القضاء عن الغارمين، و الصدقة على المتعفّفين، فحظي عنده بذلك، و علت‏ (1) منزلته، حتى سقطت منزلة أبي عبيد اللََّه، و حبس، و كتب المهديّ توقيعا بأنّه قد اتّخذه أخا في اللََّه و وصله بمائة ألف.

ذكر ظهور المقنّع بخراسان‏

و في هذه السنة قبل موت حميد بن قحطبة، ظهر المقنّع بخراسان، و كان رجلا أعور، قصيرا، من أهل مرو، و يسمّى حكيما، و كان اتّخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه لئلاّ يرى، فسمّي المقنّع و ادّعى الألوهيّة، و لم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه، و كان يقول: إنّ اللََّه خلق

____________

(1) . و تقدمت. A

39

آدم، فتحوّل في صورته، ثمّ في صورة نوح، و هكذا هلمّ جرّا إلى أبي مسلم الخراسانيّ، ثمّ تحوّل إلى هاشم، و هاشم، في دعواه، هو المقنّع، و يقول بالتناسخ، و تابعه‏ (1) خلق من ضلاّل النّاس و كانوا يسجدون له من أيّ النواحي كانوا، و كانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنّا.

و اجتمع إليه خلق كثير، و تحصّنوا في قلعة بسنام‏ (2) ، و سنجردة، و هي من رساتيق كشّ، و ظهرت المبيّضة ببخارى و الصّغد معاونين له، و أعانه كفّار الأتراك، و أغاروا على أموال المسلمين.

و كان يعتقد أنّ أبا مسلم أفضل من النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و كان ينكر قتل يحيى بن زيد، و ادّعى أنّه يقتل قاتليه.

و اجتمعوا بكشّ، و غلبوا على بعض قصورها، و على قلعة نواكث‏ (3) ، و حاربهم أبو النعمان، و الجنيد، و ليث بن نصر، مرّة بعد مرّة، و قتلوا حسّان بن تميم بن نصر بن سيّار، و محمّد بن نصر و غيرهما.

و أنفذ إليهم جبرائيل بن يحيى و أخاه يزيد، فاشتغلوا بالمبيّضة الذين كانوا ببخارى، فقاتلوهم أربعة أشهر في مدينة بومجكث‏ (4) ، و نقبها عليهم، فقتل منهم سبعمائة، و قتل الحكم، و لحق منهزموهم بالمقنّع، و تبعهم جبرائيل، و حاربهم، ثمّ سيّر المهديّ أبا عون لمحاربة المقنّع، فلم يبالغ في قتاله، و استعمل معاذ بن مسلم.

____________

(1) . و بايعه. P. C

(2) . نسبام. A ;نسيام. P. C;. B

(3) . بواكب. P. C

(4) . نو منحكث‏ te نو منجكث. ddoC,EJOGED

40

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة عزل المهديّ إسماعيل عن الكوفة، و استعمل عليها إسحاق ابن الصبّاح الكنديّ ثمّ الأشعثيّ‏ (1) ، و قيل عيسى بن لقمان بن محمّد بن حاطب‏[1] الجمحيّ.

و فيها عزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة، و عبيد اللََّه بن الحسن عن الصلاة، و استعمل مكانهما عبد الملك بن أيّوب بن ظبيان النّميريّ‏ (2) ، و أمره بإنصاف من تظلّم من سعيد بن دعلج، ثمّ صرفت الأحداث فيها إلى عمارة بن حمزةفولاها (3) المسور بن عبد اللََّه الباهليّ.

و فيها عزل قثم بن العبّاس عن اليمامة، فوصل كتاب عزله و قد مات، و استعمل مكانه بشر بن المنذر البجليّ.

و فيها عزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة، و استعمل عليها الفضل بن صالح.

و فيها أعتق المهديّ الخيزران أمّ ولده، و تزوّجها و تزوّج أمّ عبد اللََّه بنت صالح بن عليّ أخت الفضل و عبد الملك.

و فيها احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداذ بما فيها و احترق ناس كثير.

و فيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر، و استعمل عليها (4) أبو ضمرة محمّد بن سليمان.

و فيها غزا العبّاس بن محمّد الصائفة الروميّة، و على المقدّمة الحسن [1] خاطب.

____________

(1) . الأشعيثي. ddoC

(2) . المهري. A

(3) . فوليهما. P. C

(4) . مكانه. P. C

41

الوصيف، فبلغوا أنقرة، و فتحوا مدينة للروم، و مطمورة، و لم يصب من المسلمين أحد و رجعوا سالمين.

و فيها ولي حمزة بن يحيى سجستان، و جبرائيل بن يحيى سمرقند، فبنى سورها، و حفر خندقها.

و فيها عزل عبد الصمد بن عليّ عن المدينة، و استعمل عليها محمّد بن عبد اللََّه الكثيريّ، ثمّ عزله و استعمل مكانه محمّد بن عبيد اللََّه بن محمّد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحيّ.

و فيها بنى المهديّ سور الرّصافة و مسجدها، و حفر خندقها.

و فيها توفّي معبد بن الخليل بالسّند، و هو عامل المهديّ عليها، و استعمل مكانه روح بن حاتم، أشار به أبو عبيد اللََّه وزير المهديّ.

و فيها أطلق المهديّ من كان في حبوس المنصور، إلاّ من كان عنده تبعة من دم أو مال، أو من يسعى في الأرض بالفساد، و كان فيمن أطلق يعقوب بن داود، مولى بني سليم.

و فيها توفّي حميد بن قحطبة و هو على خراسان، و استعمل المهديّ بعده عليها أبا عون عبد الملك بن يزيد.

و حجّ بالنّاس هذه السنة يزيد بن منصور خال المهديّ، عند قدومه من اليمن، و كان المهديّ قد كتب إليه بالقدوم عليه و توليته الموسم.

و كان أمير المدينة عبد اللََّه بن صفوان الجمحيّ، و على أحداث الكوفة إسحاق بن الصبّاح الكنديّ، و على خراجها ثابت بن موسى، و على قضائها شريك، و على صلاة البصرة عبد الملك بن أيّوب، و على أحداثها عمارة ابن حمزة، و على قضائها عبيد اللََّه بن الحسن، و على كور دجلة و كور الأهواز

42

و كور فارس*عمارة بن حمزة (1) ، و على السّند بسطام بن عمرو، و على اليمن رجاء بن روح، و على اليمامة بشر بن المنذر، و على خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، و كان حميد بن قحطبة قد مات فيها، فولّى المهديّ أبا عون.

و كان على الجزيرة الفضل بن صالح، و على إفريقية يزيد بن حاتم، و على مصر أبو ضمرة محمّد بن سليمان.

*و فيها كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت‏بريّة، فسيّر إليه عبد الرّحمن، صاحب الأندلس، جيشا، ففارق مكانه، و صعد الجبال كعادته فعاد الجيش عنه‏ (2) .

و فيها مات محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، الفقيه، بالكوفة، و هو مدنيّ، و عمره تسع و سبعون سنة.

و فيها توفّي عبد العزيز بن أبي روّاد[1] مولى المغيرة بن المهلّب، و يونس ابن أبي إسحاق السّبيعيّ الهمدانيّ، و مخرمة بن بكير بن عبد اللََّه بن الأشجّ المصريّ، و حسين‏ (3) بن واقد مولى ابن عامر، و كان على قضاء مرو، و كان يشتري الشي‏ء من السوق فيحمله إلى عياله.

[1] داود.

____________

(1) . A. mO

(2) . P. C. mO

(3) . و خريم. P. C

43

160 ثم دخلت سنة ستين و مائة

ذكر خروج يوسف البرم‏ (1)

في هذه السنة خرج يوسف بن إبراهيم، المعروف بالبرم، بخراسان، منكرا هو و من معه على المهديّ سيرته التي يسير بها، و اجتمع معه بشر كثير، فتوجّه إليه يزيد بن مزيد الشّيبانيّ، و هو ابن أخي معن بن زائدة، فلقيه، فاقتتلا، حتى صارا إلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزيد و بعث به إلى المهديّ، و بعث معه وجوه أصحابه، فلمّا بلغوا النّهروان حمل يوسف على بعير، قد حوّل وجهه إلى ذنبه، و أصحابه مثله، فأدخلوهم الرّصافة على تلك الحال، و قطعت يدا يوسف و رجلاه، و قتل هو و أصحابه، و صلبوا على الجسر.

و قد قيل إنّه كان حروريّا، و تغلّب على بوشنج و عليها مصعب ابن زريق، جدّ طاهر بن الحسين، فهرب منه، و تغلّب أيضا على مروالرّوذ و الطّالقان و الجوزجان، و قد كان من جملة أصحابه أبو معاذ الفريابيّ، فقبض معه.

____________

(1) . p. ste ,النرم. P. C

44

ذكر خلع عيسى بن موسى و بيعة موسى الهادي‏

كان جماعة من بني هاشم و شيعة المهديّ قد خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، و البيعة لموسى الهادي بن المهديّ، فلمّا علم المهديّ بذلك سرّه، و كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه، و هو بقرية الرّحبة، من أعمال الكوفة، فأحسّ عيسى بالذي يراد منه، فامتنع من القدوم، فاستعمل المهديّ على الكوفة روح بن حاتم، للإضرار به، فلم يجد روح إلى الإضرار به سبيلا، لأنّه كان لا يقرب البلد إلاّ كلّ جمعة أو يوم عيد.

و ألحّ المهديّ عليه و قال له: إنّك إن لم تجبني إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى و هارون استحللت منك، بمعصيتك، ما يستحلّ من أهل المعاصي، و إن أجبتني عوّضتك منها ما هو أجدى عليك و أعجل نفعا، فلم يقدم عليه، و خيف انتقاضه، فوجّه إليه المهديّ عمّه العبّاس بن محمّد برسالة و كتاب يستدعيه، فلم يحضر معه، فلمّا عاد العبّاس، وجّه المهديّ إليه أبا هريرة محمّد بن فرّوخ القائد في ألف من أصحابه ذوي البصائر في التشيّع للمهديّ، و جعل مع كلّ واحد منهم طبلا، و أمرهم أن يضربوا طبولهم جميعا عند قدومهم إليه، فوصلوا سحرا، و ضربوا طبولهم، فارتاع عيسى روعا شديدا، و دخل عليه أبو هريرة، و أمره بالشخوص معه*فاعتلّ بالشكوى، فلم يقبل منه و أخذه معه‏ (1) . فلمّا قدم عيسى بن موسى نزل دار محمّد بن سليمان في عسكر المهديّ، فأقام أيّاما يختلف إلى المهديّ و لا يكلّم بشي‏ء، و لا يرى مكروها، فحضر الدار يوما قبل جلوس‏ (2) المهديّ فجلس في مقصورة للربيع، و قد اجتمع شيعة ـ

____________

(1) . P. C. mO

(2) . حضور. A

45

رؤساء المهديّ على خلعه، فثاروا به و هو في المقصورة، فأغلق الباب دونهم، فضربوا الباب بالعمد حتى هشموه، *و شتموا عيسى أقبح الشتم‏ (1) ، و أظهر المهديّ إنكارا لما فعلوه، فلم يرجعوا، فبقوا في ذلك أيّاما إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته، و كان أشدّهم عليه محمّد بن سليمان.

و ألحّ عليه المهديّ، فأبى، و ذكر أنّ عليه أيمانا في أهله و ماله، فأحضر له من القضاة و الفقهاء عدّة، منهم: محمّد بن عبد اللََّه بن علاثة، و مسلم بن خالد الزّنجيّ، فأفتوه بما رأوا، فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهديّ عشرة آلاف ألف درهم، و ضياعا بالزّاب و كسكر، و خلع نفسه لأربع بقين من المحرّم، و بايع للمهديّ و لابنه موسى الهادي.

ثمّ جلس المهديّ من الغد، و أحضر أهل بيته، و أخذ بيعتهم، ثمّ خرج إلى الجامع، و عيسى معه، فخطب النّاس، و أعلمهم بخلع عيسى و البيعة للهادي، و دعاهم إلى البيعة، فسارع النّاس إليها، و أشهد على عيسى بالخلع، فقال بعض الشعراء:

كره الموت أبو موسى و قد # كان في الموت نجاة (2) و كرم‏

خلع الملك و أضحى ملبسا # ثوب لؤم ما ترى منه القدم‏

(الرّحبة بضمّ الرّاء قرية عند الكوفة، و صبح بضمّ الصاد المهملة، و كسر الباء الموحّدة) .

____________

(1) . A. mO

(2) . نجا. A

46

ذكر فتح مدينة باربد (1)

كان المهديّ قد سيّر، سنة تسع و خمسين و مائة، جيشا في البحر، و عليهم عبد الملك بن شهاب المسمعيّ إلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند و المتطوّعة، و فيهم الرّبيع بن صبيح، فساروا حتى نزلوا على باربد، فلمّا نازلوها حصروها من نواحيها، و حرّض النّاس بعضهم بعضا على الجهاد، و ضايقوا أهلها، ففتحها اللََّه عليهم هذه السنة عنوة و احتمى أهلها بالبدّ الّذي‏ (2)

لهم، فأحرقه المسلمون عليهم، فاحترق بعضهم، و قتل الباقون، و استشهد من المسلمين بضعة و عشرون رجلا، و أفاءها (3) اللََّه عليهم، فهاج عليهم البحر، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم مرض في أفواههم، فمات منهم نحو من ألف رجل فيهم الربيع بن صبيح، ثمّ رجعوا.

فلمّا بلغوا ساحلا من فارس يقال له بحر حمران عصفت بهم الريح ليلا، فانكسر عامّة مراكبهم، فغرق البعض، و نجا البعض.

قيل: و فيها جعل أبان بن صدقة كاتبا لهارون الرشيد و وزيرا له.

و فيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، و استعمل عليها معاذ ابن مسلم.

و فيها غزا ثمامة بن‏[الوليد]العبسيّ‏[1] الصائفة، و غزا الغمر بن العبّاس الخثعميّ بحر الشام.

[1] العبس.

____________

(1) . بارند,باريد,باربد: tairavcisarutpircs. ddoCnI

(2) . التي. P. C

(3) . وافاه. P. C

47

ذكر ردّ نسب آل أبي بكرة و آل زياد

و في هذه السنة أمر المهديّ بردّ نسب آل أبي بكرة من ثقيف إلى ولاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم. و سبب ذلك أنّ رجلا منهم رفع ظلامته إلى المهديّ، و تقرّب إليه‏[فيها]بولاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال له المهديّ: إنّ هذا نسب ما يقرّون به إلاّ عند الحاجة، و الاضطرار[1] إلى التقرّب إلينا. فقال له: من جحد ذلك، يا أمير المؤمنين، فإنّا سنقرّ، و أنا أسألك أن تردّني و معشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و تأمر بآل زياد فيخرجوا من نسبهم الّذي ألحقوا به، و رغبوا

عن قضاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم: انّ الولد للفراش، و للعاهر الحجر،

و يردّوا إلى عبيد في موالي ثقيف.

فأمر المهديّ بردّ آل أبي بكرة إلى ولاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و كتب فيه إلى محمّد بن موسى بذلك، و أنّ من أقرّ منهم بذلك ترك ماله بيده، و من أباه اصطفى ماله.

فعرضهم، فأجابوا جميعا إلاّ ثلاثة نفر، و كذلك أيضا أمر بردّ نسب آل زياد إلى عبيد*و أخرجهم من قريش‏ (1) .

فكان الّذي حمل المهديّ على ذلك، مع الّذي ذكرناه، أنّ رجلا من آل زياد قدم عليه يقال له الصّغديّ بن سلم بن حرب بن زياد، فقال له المهديّ: من أنت؟فقال: ابن عمّك. فقال: أيّ بني عمّي أنت؟فذكر [1] و الإضرار.

____________

(1) . A.. mO

48

نسبه، فقال المهديّ: يا ابن سميّة الزانية!متى كنت ابن عمّي؟و غضب و أمر به، فوجئ في عنقه و أخرج، و سأل عن استلحاق زياد، ثمّ كتب إلى العامل بالبصرة بإخراج آل زياد من ديوان قريش و العرب، و ردّهم إلى ثقيف، و كتب في ذلك كتابا بالغا، يذكر فيه استلحاق زياد، و مخالفة حكم رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فيه، فأسقطوا من ديوان قريش، ثمّ إنّهم بعد ذلك رشوا العمّال، حتى ردّهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النّجّار:

إنّ زيادا و نافعا و أبا # بكرة عندي من أعجب العجب‏

ذا قرشيّ‏ (1) كما يقول و ذا # مولى و هذا بزعمه‏[1] عربي‏

ذكر عدّة حوادث‏

و في هذه السنة توفّي عبد اللََّه بن صفوان الجمحيّ، أمير المدينة، و استعمل عليها مكانه محمّد بن عبد اللََّه الكثيريّ، ثمّ عزل و استعمل مكانه زفر ابن عاصم الهلاليّ، و جعل على القضاء عبد اللََّه بن محمّد بن عمران الطلحيّ.

و فيها خرج عبد السلام الخارجيّ بنواحي الموصل.

و فيها عزل بسطام بن عمرو عن السّند، و استعمل عليها روح بن حاتم، و حجّ بالنّاس، هذه السنة، المهديّ، و استخلف على بغداذ ابنه موسى و خاله يزيد بن منصور، و استصحب معه جماعة من أهل بيته، و ابنه هارون الرشيد، [1] ابن عمّه.

____________

(1) . قريشا. P. C

49

و كان معه يعقوب بن داود، فأتاه بمكّة بالحسن بن إبراهيم بن عبد اللََّه العلويّ الّذي كان استأمن له، فوصله المهديّ و أقطعه.

و فيها نزع المهديّ كسوة الكعبة و كساها*كسوة جديدة، و كان سبب نزعها أنّ حجبة الكعبة (1) ذكروا له أنّهم يخافون على الكعبة أن تتهدّم لكثرة ما عليها من الكسوة، فنزعها، و كانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، و ما قبلها من عمل اليمن، و قسم ما لا عظيما، و كان معه من العراق ثلاثون ألف ألف درهم، و وصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، و من اليمن مائتا ألف دينار، ففرّق ذلك كلّه، و فرّق مائة ألف ثوب و خمسين ألف ثوب، و وسّع مسجد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أخذ خمسمائة من الأنصاريكونون حرسا له بالعراق، و أقطعهم بالعراق، و أجرى عليهم الأرزاق.

و حمل إليه محمّد بن سليمان الثلج إلى مكّة، و كان أوّل خليفة حمل إليه الثلج إلى مكّة، و ردّ المهديّ على أهل بيته و غيرهم وظائفهم التي كانت مقبوضة عنهم.

و كان على البصرة، و كور دجلة، و البحرين، و عمان، و كور الأهواز، و فارس، محمّد بن سليمان، و على خراسان معاذ بن مسلم، و باقي الأمصار على ما تقدّم ذكره.

و فيها أرسل عبد الرحمن الأمويّ بالأندلس أبا عثمان عبيد اللََّه بن عثمان، و تمام بن علقمة، إلى شقنا، فحاصراه شهورا بحصن شبطران، و أعياهما أمره، فقفلا عنه، ثمّ إنّ شقنا، بعد عودهما عنه، خرج من شبطران إلى قرية من قرى شنت‏بريّة راكبا على بغلته التي تسمّى الخلاصة، فاغتاله

____________

(1) . A. mO

50

أبو معن و أبو خزيم، و هما من أصحابه، فقتلاه، و لحقا بعبد الرّحمن، و معهما رأسه، فاستراح النّاس من شرّه.

و فيها مات داود بن نصير الطائي الزّاهد، و كان من أصحاب أبي حنيفة، و عبد الرّحمن بن عبد اللََّه بن عتبة بن عبد اللََّه بن مسعود المسعوديّ أيضا، و شعبة بن الحجّاج أبو بسطام، و كان عمره سبعا و سبعين سنة، و إسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ، و قيل توفّي سنة أربع و ستّين.

و فيها توفّي الربيع بن مالك بن أبي عامر، عمّ مالك بن أنس الفقيه، كنيته أبو مالك، و كانوا (1) أربعة إخوة، أكبرهم أنس والد مالك، ثمّ أويس جدّ إسماعيل بن أويس، ثمّ نافع، ثمّ الرّبيع.

و فيها توفّي خليفة بن خيّاط العصفريّ اللّيثيّ، و هو جدّ خليفة بن خيّاط.

(خيّاط بالخاء المعجمة، و بالياء المثنّاة من تحت) (2) *و فيها توفّي الخليل ابن أحمد البصريّ الفرهوديّ النحويّ، الإمام المشهور في النحو، أستاذ سيبويه‏ (3) .

____________

(1) . و كان له. P. C

(2) . P. C

(3) . A. mO

51

161 ثم دخلت سنة إحدى و ستين و مائة

ذكر هلاك المقنّع‏

في هذه السنة سار معاذ بن مسلم و جماعة من القوّاد و العساكر إلى المقنّع، و على مقدّمته سعيد الحرشيّ، و أتاه عقبة بن مسلم من زمّ، فاجتمع به بالطواويس، و أوقعوا بأصحاب المقنّع، فهزموهم، فقصد المنهزمون إلى المقنّع بسنام‏[1] فعمل خندقها (1) و حصنها، و أتاهم معاذ فحاربهم، فجرى بينه و بين الحرشيّ نفرة، فكتب الحرشيّ إلى المهديّ يقع في معاذ، و يضمن له الكفاية إن أفرده بحرب المقنّع، فأجابه المهديّ إلى ذلك، فانفرد الحرشيّ بحربة، و أمدّه معاذ بابنه رجاء في جيش، و بكلّ ما التمسه منه، و طال الحصار على المقنّع، فطلب أصحابه الأمان سرّا منه، فأجابهم الحرشيّ إلى ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفا، و بقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر.

و تحوّل رجاء بن معاذ و غيره فنزلوا خندق المقنّع في أصل القلعة، و ضايقوه.

فلمّا أيقن بالهلاك جمع نساءه و أهله، و سقاهم السمّ، فأتى عليهم، [1] بسنام.

____________

(1) . خندقا. P. C

52

و أمر أن يحرق هو بالنّار لئلاّ يقدر على جثّته، و قيل: بل أحرق كلّ ما في قلعته من دابّة و ثوب و غير ذلك، ثمّ قال: من أحبّ أن يرتفع معي إلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النّار!و ألقى بنفسه مع أهله، و نسائه، و خواصّه، فاحترقوا، و دخل العسكر القلعة، فوجدوها خالية خاوية.

و كان ذلك ممّا زاد في افتتان من بقي من أصحابه، و الذين‏ (1) يسمّون المبيّضة بما وراء النهر من أصحابه، إلاّ أنّهم يسرّون اعتقادهم‏ (2) ، و قيل:

بل شرب هو أيضا من السمّ، فمات، فأنفذ الحرشيّ رأسه إلى المهديّ، فوصل إليه و هو بحلب سنة ثلاث و ستّين و مائة، *في غزواته‏ (3) .

ذكر تغيّر حال أبي عبيد اللََّه‏

في هذه السنة تغيّرت حال أبي عبيد اللََّه وزير المهديّ، و قد ذكرنا فيما تقدّم سبب اتّصاله به أيّام المنصور، و مسيره معه إلى خراسان، فحكى الفضل ابن الربيع أنّ الموالي كانوا يقعون في أبي عبيد اللََّه عند المهديّ و يحرّضونه عليه، و كانت كتب أبي عبيد اللََّه ترد على المنصور بما يفعل، و يعرضها على‏ (4)

الربيع، و يكتب الكتب إلى المهديّ بالوصاة به، و ترك القول فيه.

ثمّ إنّ الربيع حجّ مع المنصور حين مات، و فعل في بيعة المهديّ ما ذكرناه، فلمّا قدم جاء إلى باب أبي عبيد اللََّه، قبل المهديّ، و قبل أن يأتي أهله، فقال له ابنه الفضل: تترك‏[1] أمير المؤمنين و منزلك‏و تأتيه!قال: هو صاحب‏ (5) الرجل، [1] تتنزل.

____________

(1) . و enis. P. C

(2-3) . A. mO

(4) . P. C. mO

(5) . حاجب‏ iretec;. B

53

و ينبغي أن نعامله غير ما كنّا نعامله به، و نترك ذكر نصرتنا له.

فوقف على بابه من المغرب إلى أن صلّيت العشاء الآخرة، ثمّ أذن له، فدخل فلم يقم له و كان متّكئا، فلم يجلس، و لا أقبل عليه، و أراد الربيع أن يذكر له ما كان منه في أمر البيعة، فقال: قد بلغنا أمركم‏ (1) ، فأوغر صدر الربيع، فلمّا خرج من عنده*قال له ابنه الفضل: لقد بلغ فعل هذا بك ما فعل، و كان الرأي أن لا تأتيه، و حيث أتيته و حجبك أن تعود، و حيث دخلت عليه فلم يقم لك أن تعود (2) .

فقال لابنه: أنت أحمق حيث تقول: كان ينبغي أن لا تجي‏ء، و حيث جئت و حجبت أن تعود، و لما دخلت فلم يقم لك‏ (3) كان ينبغي أن تعود، و لم يكن الصواب إلاّ ما عملته، و لكن و اللََّه، و أكّد اليمين، لأخلعنّ جاهي، و لأنفقنّ مالي حتى أبلغ مكروهة.

و سعى في أمره، فلم يجد عليه طريقا لاحتياطه في أمر دينه و أعماله، فأتاه من قبل ابنه محمّد، فلم يزل‏ (4) يحتال و يدسّ‏ (5) إلى المهديّ، و يتّهمه ببعض حرمه، و بأنّه زنديق، حتى استحكمت التهمة عند المهديّ بابنه، فأمر به فأحضر، و أخرج أبوه، ثمّ قال له: يا محمّد!اقرأ، فلم يحسن يقرأ شيئا، فقال لأبيه: أ لم تعلمني أنّ ابنك يحفظ القرآن؟قال: بلى و لكنّه فارقني منذ سنين، و قد نسي. قال: فقم‏فتقرّب إلى اللََّه بدمه، فقام ليقتل ولده، فعثر فوقع، فقال العبّاس بن محمّد: إن رأيت‏ (6) أن يعفي الشيخ، فافعل‏ (7) .

فأمر بابنه فضربت عنقه، و قال له الربيع: يا أمير المؤمنين!تقتل ابنه و تثق إليه!لا ينبغي ذلك. فاستوحش منه، و كان من أمره ما نذكره.

____________

(1) . خبركم. P. C

(2) . P. C. mO

(3) . حتى. dda. P. C

(4) . فلما زال. ddoC

(5) . الأمر. dda. P. C

(6) . أردت. A

(7) . ففعل. A

54

ذكر عبور الصقلبيّ‏ (1) إلى الأندلس و قتله‏

و في هذه السنة، و قيل سنة ستّين، عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهريّ، المعروف بالصقلبي، و إنّما سمّي به لطوله و زرقته و شقرته، من إفريقية إلى الأندلس محاربا (2) لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العبّاسيّة، و كان عبوره في ساحل تدمير، و كاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، و محاربة عبد الرّحمن الأمويّ، و الدعاء إلى طاعة المهديّ.

و كان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ عليه، و قصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان، فعاد الصّقلبيّ إلى تدمير، و سار عبد الرّحمن الأمويّ نحوه في العدد و العدّة، و أحرق السفن تضييقا على الصقلبي في الهرب، فقصد الصقلبيّ جبلا منيعا بناحية بلنسية، فبذل الأمويّ ألف دينار لمن أتاه برأسه، فاغتاله رجل من البربر، فقتله، و حمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار، و كان قتله سنة اثنتين و ستّين و مائة.

ذكر عدّة حوادث‏

و فيها ظفر نصر بن محمّد بن الأشعث بعبد اللََّه بن مروان بالشام، فأخذه، و قدم به على المهديّ، فحبسه في المطبق، و جاء عمرو بن سهلة الأشعريّ، فادّعى أنّ عبد اللََّه قتل أباه، و حاكمه عند عافية (3) [1] القاضي فتوجّه الحكم على [1] غافية. ـ

____________

(1) . الصقلي‏ repmes. A

(2) . مجازيا. P. C

(3) . عاقبة. Bte. P. C