الفصول العشرة

- الشيخ المفيد المزيد...
308 /
41

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الذي ضمن النصر لمن نصره و أيد بسلطان الحق من عرف سبيله فأبصره و سلب التوفيق عمن ألحد فيه و أنكره.

و إليه الرغبة في إدامة النعمة و به نعوذ من العذاب و النقمة.

و صلواته على سيدنا محمد و آله الأئمة المهدية و سلم كثيرا.

و بعد فإني قد خلدت من الكلام في وجوب الإمامة و اختصاص مستحقيها ع بالعصمة و تمييزهم من رعاياهم بالكمال و الفضل بمحاسن الأفعال و الأعلام الدالة على الصدق منهم في الدعوى إلى ما دعوا إليه من الاعتقادات و الأعمال و النصوص الثابتة عليهم من الله تعالى بجلي المقال‏

42

و أوضحت عن فساد مذاهب المخالفين في ذلك و الذاهبين بالجهل و الضلال بما قد ظهر في الخاص من الناس و العام و اشتهرت بين الجمهور من الأنام.

و بينت عن أسباب ظهور دعوة الناطقين منهم إلى الدين و صمت المتقين عن ذلك لضرورتهم إليه بظلم الجبارين و الإشفاق على مهجهم من المبيحين لدمائهم المعتدين بخلاف قتلة النبيين و المرسلين فيما استحلوه من ذلك بما ضمه الفرقان و القرآن المبين فيما ثبت في غيبة خاتم الأئمة المهديين عليهم أفضل السلام و التسليم و استتاره من دولة الظالمين ما دل على إيجابه إلى ذلك و ضرورته إليه مثمر العلم به و اليقين.

و تجدد بعد الذي سطرته في هذه الأبواب و شرحت معانيه على وجه السؤال فيه و الجواب و شواهد الحق فيه بحجة العقل و السنة و الكتاب رغبة ممن أوجب له حقا و أعظم له محلا و قدرا و أعتقد في قضاء حقه و وفاق مشربه لازما و فرضا في إثبات نكت من فصول خطرت بباله في مواضع ذكرها يختص القول فيها بإمامة صاحب الزمان عليه و على آبائه أفضل السلام آثر أن يكون القول فيها على ترتيب عينه و ميزه من جملة ما في بابه و بينه.

فاستخرت الله تعالى في رسم ما ذكره من الفصول و القول فيها بما تعم معرفته ذوي العقول و لا يحتاج معه إلى فكر يمتد زمانه و يطول و يستغني به‏

43

عن الرجوع إلى العمد التي أودعتها كتبي السالفة في ذلك و مهذبه فيها من الأصول و بالله أستعين.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

ذكر الفصول على ترتيبها و نظامها و شرحها و مواضع الشبهات فيها

الفصل الأول القول فيما يدعيه الإمامية من وجود خلف لأبي محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا

ولد في حياته مع خفاء ذلك على أهله و استتاره عن بني عمه و أوليائهم و أعدائهم في وقته إلى هذه الغاية لم يشرك الإمامية في دعوى ذلك غيرهم من الناس.

الفصل الثاني إنكار جعفر بن علي بن محمد بن علي أخي الحسن بن علي‏

دعوى الإمامية ولدا له و حوزه ميراثه و التظاهر بتكذيب من ادعى لأخيه ولدا في حياته و بعد وفاته و رفع خبر المدعين ذلك إلى السلطان حتى بعثه على حبس جواريه و استبراء حالهم في الحمل فلم يظهر لواحدة منهن‏

46

حملا و صار ذلك شبهة في إبطال دعوى ولد الحسن ع.

الفصل الثالث وصية الحسن ع المشهورة إلى والدته المسماة بحديث المكناة بأم الحسن‏

في وقوفه و صدقاته و إمضائها على شروطها و لم يذكر فيها ولدا له موجودا و لا منتظرا.

الفصل الرابع ما الداعي إلى ستر ولادته و السبب إلى خفاء أمره و غيبته مع ظهور نسب آبائه‏

و ولادتهم و نشئهم و اشتهار وجودهم و قد كانوا في أزمان التقية فيها أشد من زمن الحسن بن علي بن محمد و خوفهم فيها من ملوك بني أمية و من بعدهم أعظم و لم يغب أحد منهم و لا خفيت ولادته و وجوده عن الناس.

الفصل الخامس خروج دعوى الإمامية في غيبة الإمام عن حكم العادة في استتاره عن الخلق‏

47

طول المدة التي يدعونها لصاحبهم و انسداد الطرق إلى الوصول إليه و عدم معرفة مكان له على حال.

الفصل السادس انتقاض العادة في دعوى طول عمره‏

و بقائه منذ ولد على قول الإمامية قبل وفاة أبيه بسنين و كانت وفاته في سنة ستين و مائتين إلى وقتنا هذا و هو سنة عشرة و أربعمائة.

الفصل السابع أن غيبته متى صحت على الوجه الذي تدعيه الإمامية بطلت الحاجة إليه‏

إذ كان وجود منعها كعدمه من العالم و لا تظهر له دعوة و لا تقوم له حجة و لا يقيم حدا و لا ينفذ حكما و لا يرشد مسترشدا و لا يأمر بمعروف و لا ينهى عن منكر و لا يهدي ضالا و لا يجاهد في الإسلام.

الفصل الثامن بطلان دعوى الإمامية في الغيبة

48

بما به اعتصموا في إنكار قول الممطورة أن موسى بن جعفر ع حي موجود غائب منتظر و بما به شنعوا على الكيسانية

49

و الناووسية و الإسماعيلية في دعواهم حياة أئمتهم محمد بن الحنفية و جعفر بن محمد

50

و إسماعيل بن جعفر و تناقض مقالهم في ذلك.

الفصل التاسع اعتراف الإمامية بأن الله تعالى أباح للإمام الاستتار عن الخلق‏

و سوغ له الغيبة عنهم بحيث لا يلقاه أحد منهم فيعرفه بالمشاهدة لطفا له في ذلك و لهم و إقرارهم بأن الله سبحانه لا يبيح إلا ما هو صلاح و لا يسوغ إلا ما هو في التدبير صواب و لا يفعل بعباده إلا ما بهم حاجة إليه ما دامت المحنة و التكليف باقيا و هذا ينقض قولهم في مشاهدته و أخذ معالم الدين فيه مصلحة تامة و أن بظهوره تمام المصالح و النظام و التدبير.

الفصل العاشر اضطرار الإمامية عند قولهم بالغيبة في إثبات الأعلام بالمعجزات لإمامهم عند ظهوره‏

51

إذ كان لا يعرفه متى ظهر أحد بشخصه و إنما يصل إلى معرفته بمعجزه الدال على صدقه بصحة نسبه و ثبوت إمامته و وجوب طاعته و هذا إخراج الآيات عن دلائلها و إيجاب لظهورها على غير من اختصت به من الأنبياء و الرسل ع و في ذلك إفساد أدلة النبوة و أعلام الرسالة و ذلك باطل باتفاق أهل الملل كلها

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

[في بيان الشبهات العشر حول الإمام المهدي ع‏]

[الفصل الأول في شبهة أن غيبة الإمام المهدي ع و استتاره خارج عن حكم العادة و العرف‏]

(الكلام في الفصل الأول) و أقول إن استتار ولادة المهدي بن الحسن بن علي ع عن جمهور أهله و غيرهم و خفاء ذلك عليهم و استمرار استتاره عنهم ليس بخارج عن العرف و لا مخالفا لحكم العادات بل العلم محيط بتمام مثله في أولاد الملوك و السوقة لأسباب تقتضيه لا شبهة فيها على العقلاء.

فمنها أن يكون للإنسان ولد من جارية قد أستر تملكها من زوجته و أهله فتحمل منه فيخفي ذلك عن كل من يشفق منه أن يذكره و يستره عمن لا يأمن إذاعة الخبر به لئلا يفسد الأمر عليه مع زوجته بأهلها و أنصارها و يتم الفساد به ضرر عليه يضعف عن دفاعه عنه و ينشأ الولد و ليس أحد من أهل الرجل و بني عمه و إخوانه و أصدقائه يعرفه و يمر على ذلك إلى أن يزول خوفه من الإخبار عنه فيعرف به إذ ذاك‏

54

و ربما تم ذلك إلى أن تحضره وفاته فيعرف به عند حضورها تحرجا من تضييع نسبه و إيثارا لوصوله إلى مستحقه من ميراثه.

و قد يولد للملك ولد لا يؤذن به حتى ينشأ و يترعرع فإن رءاه على الصورة التي تعجبه و قد ذكر الناس ذلك عن جماعة من ملوك الفرس و الروم و الهند في الدولتين معا فسطروا أخبارهم في ذلك و أثبتوا قصة كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس ملك الفرس الذي جمع ملك بابل و المشرق‏

55

و ما كان من ستر أمه حملها و إخفاء ولادتها لكيخسرو و أمه هذه المسماة بوسفافريد بنت فراسياب ملك الترك فخفي أمره مع الجد كان من كيقاوس جده الملك الأعظم في البحث عن أمره و الطلب له فلم يظفر بذلك حينا طويلا.

و الخبر بأمره مشهور و سبب ستره و إخفاء شخصه معروف قد ذكره علماء الفرس و أثبته محمد بن جرير الطبري في كتابه التاريخ.

56

و هو نظير لما أنكره الخصوم في خفاء أمر ولد الحسن بن علي ع و استتار شخصه و وجوده و ولادته بل ذلك أعجب.

و من الناس من يستر ولده عن أهله مخافة شنعتهم في حقه و طمعهم في ميراثه ما لم يكن له ولد فلا يزال مستورا حتى يتمكن من‏

57

إظهاره على أمان منه عليه ممن سميناه.

و منهم من يستر ذلك ليرغب في العقد له من لا يؤثر مناكحة صاحب الولد من الناس فيتم له في ستر ولده و إخفاء شخصه و أمره و التظاهر بأنه لم يتعرض بنكاح من قبل و لا له ولد من حرة و لا أمة و قد شاهدنا من فعل ذلك و الخبر عن النساء به أظهر منه عن الرجال.

و اشتهر من الملوك من ستر ولد و إخفاء شخصه من رعيته لضرب من التدبير في إقامة خليفة له و امتحان جنده بذلك في طاعته إذ كانوا يرون أنه لا يجوز في التدبير استخلاف من ليس له بنسيب مع وجود ولده ثم يظهر بعد ذلك أمر الولد عند التمكن من إظهاره برضى القوم و صرف الأمر عن الولد إلى غيره أو لعزل مستخلف عن المقام على وجه ينتظم للملك أمور لم يكن يتمكن من التدبير الذي كان منه على ما شرحناه.

و غير ذلك مما يكثر تعداده من أسباب ستر الأولاد و إظهار موتهم و استتار الملوك أنفسهم و الإرجاف بوفاتهم و امتحان رعاياهم بذلك و أغراض لهم معروفة قد جرت من المسلمين بالعمل عليها العادات.

و كم وجدنا من نسيب ثبت بعد موت أبيه بدهر طويل و لم يكن أحد من الخلق يعرفه بذلك حتى شهد له بذلك رجلان مسلمان و ذلك لداع دعا الأب إلى ستر ولادته عن كل أحد من قريب و بعيد إلا من شهد

58

به من بعد عليه بإقراره به على الستر لذلك و الوصية بكتمانه أو بالفراش الموجب لحكم الشريعة إلحاق الولد بوالده‏

فصل‏

و قد أجمع العلماء من الملل على ما كان من ستر ولادة أبي إبراهيم الخليل ع- و أمه لذلك و تدبيرهم في إخفاء أمره عن ملك زمانه لخوفهم عليه منه.

و بستر ولادة موسى بن عمران ع و بمجي‏ء القرآن بشرح ذلك على البيان و الخبر بأن أمه ألقته في اليم على ثقة منها بسلامته و عوده إليها و كان ذلك منها بالوحي إليها به بتدبير الله جل و علا لمصالح العباد.

فما الذي ينكر خصوم الإمامية من قولهم في ستر الحسن ع ولادة ابنه المهدي عن أهله و بني عمه و غيرهم من الناس و أسباب ذلك أظهر من أسباب ستر من عددناه و سميناها و سنذكرها عند الحاجة إلى ذكرها من بعد إن شاء الله.

59

و الخبر بصحة ولد الحسن ع قد ثبت بأوكد ما تثبت به أنساب الجمهور من الناس إذ كان النسب يثبت بقول القابلة و مثلها من النساء اللاتي جرت عادتهن بحضور ولادة النساء و تولي معونتهم عليه و باعتراف صاحب الفراش وحده بذلك دون من سواه و بشهادة رجلين من المسلمين على إقرار الأب بنسب الابن منه.

و قد ثبتت أخبار عن جماعة من أهل الديانة و الفضل و الورع و الزهد و العبادة و الفقه عن الحسن بن علي ع أنه اعترف بولده المهدي ع و آذنهم بوجوده و نص لهم على إمامته من بعده و بمشاهدة بعضهم له طفلا و بعضهم له يافعا و شابا كاملا و إخراجهم إلى شيعته بعد أبيه الأوامر و النواهي و الأجوبة عن المسائل و تسليمهم له حقوق الأئمة من أصحابه.

و قد ذكرت أسماء جماعة ممن وصفت حالهم من ثقات الحسن بن علي ع و خاصته المعروفين بخدمته و التحقيق به و أثبت ما رووه عنه في وجود ولده و مشاهدتهم من بعده و سماعهم النص بالإمامة عليه.

و ذلك موجود في مواضع من كتبي و خاصة في كتابي المعروف أحدهما

60

بالإرشاد في معرفة حجج الله على العباد و الثاني بالإيضاح في الإمامة و الغيبة.

و وجود ذلك فيما ذكرت يغني عن تكلف إثباته في هذا الكتاب‏

61

[الفصل الثاني في شبهة انكار جعفر الإمام المهدي ع وقيام الأدلة العقلية و النقلية على وجوده و بيان بعض حالات جعفر]

(الكلام في الفصل الثاني) و أما المتعلق بإنكار جعفر بن علي شهادة الإمامية بولد لأخيه الحسن بن علي ع ولد في حياته بعده و الحوز لتركته بدعوى استحقاقها بميراثه مثلا دون ولد له و ما كان منه من حمل أمير الوقت على حبس جواري الحسن ع و استبذالهن بالاستبراء لهن من الحمل ليتأكد بقية لولد أخيه و إباحته دماء شيعة الحسن بدعواهم خلفا من بعده كان أحق بمقامه من بعده من غيره و أولى بميراثه ممن حواه.

فليس بشبهه يعتمدها عاقل في ذلك فضلا عن حجة لاتفاق الأمة على أن جعفرا لم يكن له عصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق و دعوى باطل بل كان من جملة الرعية التي يجوز عليها الزلل و يعتريها السهو و يقع منها الغلط و لا يؤمن منها تعمد الباطل و يتوقع منها

62

الضلال.

و قد نطق القرآن بما كان من أسباط يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه و على ولده الأنبياء و آبائه المنتجبين الأصفياء و كافة المرسلين الصلاة الدائمة و التحية و السلام في ظلم أخيهم يوسف ع و إلقائهم له في غيابت الجب و تقريرهم بدمه بذلك و بيعهم إياه بالثمن البخس و نقضهم عهده في حراسته و تعمدهم معصيته في ذلك و حقوقه و إدخال الهم عليه بما صنعوه بأحب ولده إليه و أوصلوه إلى قلبه من الغم بذلك و تمويههم على دعواهم على الذئب أنه أكله بما جاءوا به على قميصه من الدم و يمينهم بالله العظيم على براءتهم مما اقترفوه في ظلمه من الإثم و هم لما أنكروه متحققون و ببطلان ما ادعوه في أمر يوسف ع عارفون.

هذا و هم أسباط النبيين و أقرب الخلق نسبا بنبي الله و خليله إبراهيم.

فما الذي ينكر ممن هو دونهم في الدنيا و الدين أن اعتمد باطلا يعلم خطؤه فيه على اليقين و يدفع حقا قد قامت عليه الحجج الواضحة و البراهين.

63

فصل‏

و ما أرى المتعلق في إنكار وجود ولد الحسن بن علي بن محمد ع و قد قامت بينة العقل و السمع به و دل الاعتبار الصحيح على صواب معتقده بدفع عمه لذلك مع دواعيه الظاهرة كانت إليه بحوز تركة أخيه دونه مع جلالتها و كثرتها و عظم خطرها لتعجل المنافع بها و النهضة بمآربه عند تملكها و بلوغ شهواته من الدنيا بحوزها و دعوى مقامه الذي جل قدره عند الكافة باستحقاقه له دون من عداه من الناس و بخعت الشيعة كلها بالطاعة له بما انطوت عليه من اعتقادها لوجوبه له دون من سواه و طمعه بذلك في مثل ما كان يصل إليه من خمس الغنائم التي كانت تحملها شيعته إلى وكلائه في حياته و استمرارها على ذلك بعد وفاته و زكوات الأموال لتصل إلى مستحقها من فقراء أصحابه.

إلا كتعلق أهل الغفلة من الكفار في إبطال عمه أبي لهب صدق‏

64

دعوته و جحد الحق في نبوته و الكفر بما جاء به و دفع رسالته و مشاركة أكثر ذوي نسبه من بني هاشم و بني أمية لعمه في ذلك و اجتماعهم على عداوته و تجريدهم السيف في حربه و اجتهادهم في استئصاله و متبعيه على ملته.

هذا مع ظهور حجته و وضوح برهانه في نبوته و ضيق الطريق في معرفة ولادة الحجة بن الحسن على جعفر و أمثاله من البعداء عن علم حقيقته.

و من صار في إنكار شي‏ء أو إثباته أو صحته و فساده إلى مثل التعلق بجعفر بن علي في جحد وجود خلف لأخيه و ما كان من أبي جهل و شركائه من أقارب النبي ص و جيرانه و أهل بلده و الناشئين معه في زمانه و العارفين بأكثر سر أمره و جهرة و أحواله في دفع نبوته و إنكار صدقه في دعوته.

سقط كلامه عند العلماء و لم يعد في جملة الفقهاء و كان في أعداد ذوي‏

65

الجهل و السفهاء.

فصل‏

و بعد فإن الشيعة و غيرهم ممن عنى بأخبار الناس و الجواد من الآراء و أسبابها و الأغراض كانت له فيها قد ذكروا أخبارا عن أحوال جعفر بن علي في حياة أخيه أبي محمد الحسن بن علي ع و أسباب إنكاره خلفا له من بعده و جحد ولد كان له في حياته و حمل السلطان على ما سار به في مخلفيه و شيعته لو أوردتها على وجهها لتصور الأمر في ذلك على حقيقته و لم يخف على متأمل بحاله و عرفه على خطيئته.

لكنه يمنعني عن ذلك موانع ظاهرة أحدها كثرة من يعترف بالحق من ولد جعفر بن علي في وقتنا هذا و يظهر التدين بوجود ولد الحسن بن علي في حياته و مقامه بعد وفاته في الأمر مقامه و يكره إضافة خلافه لمعتقده فيه إلى جده بل لا أعلم أحدا من ولد جعفر بن علي في وقتنا هذا يظهر خلاف الإمامية في وجود ابن الحسن ع و التدين بحياته و الانتظار لقيامه.

66

و العشرة الجميلة لهؤلاء السادة أيدهم الله بترك إثبات ما سبق به من سميت في الأخبار التي خلدوها فيما وصفت أولى.

مع غناي عن ذلك بما أثبت من موجز القول في بطلان الشبهة لتعلق ضعفاء المعتزلة و الحشوية و الزيدية و الخوارج و المرجئة في‏

67

إنكار جعفر بن علي لوجود ابن الحسن بن علي حسب ما أورده السائل عنهم فيما سأل في الشبهات في ذلك و الله الموفق للصواب‏

[الفصل الثالث في شبهة إنكار الإمام الحسن العسكري ابنه المهدي ع في وصيته لأمه و ذكر وصية الصادق ع لابنه الكاظم ع‏]

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

(الكلام في الفصل الثالث) و أما تعلقهم بوصية أبي محمد الحسن بن علي بن محمد ع في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته المسماة بحديث المكناة بأم الحسن رضي الله عنها بوقوفه و صدقاته و إسناد النظر في ذلك إليها دون غيرها.

فليس بشي‏ء يعتمد في إنكار ولد له قائم من بعده مقامه من قبل أنه أمر بذلك تمام ما كان من غرضه في إخفاء ولادته و ستر حاله عن متملك الأمر في زمانه و من يسلك سبيله في إباحة دم داع إلى الله تعالى منتظر لدولة الحق.

و لو ذكر في وصيته ولدا له و أسندها إليه لناقض ذلك الغرض منه فيما ذكرناه و نافى مقصده في تدبير أمره له على ما وصفناه و عدل عن النظر بولده و أهله و نسبه لا سيما مع اضطراره كان إلى شهادة خواص الدولة العباسية عليه في الوصية و ثبوت خطوطهم فيها كالمعروف بتدبر مولى الواثق و عسكر الخادم مولى محمد بن المأمون و الفتح بن عبد ربه و غيرهم‏

70

من شهود قضاة سلطان الوقت و حكامه لما قصد بذلك من حراسة قومه و حفظ صدقاته و ثبوت وصيته عند قاضي الزمان و إرادته مع ذلك الستر على ولده و إهمال ذكره و الحراسة لمهجته بترك التنبيه على وجوده و الكف لأعدائه بذلك عن الجد و الاجتهاد في طلبه و التبريد عن شيعته لما يشنع به عليهم من اعتقاد وجوده و إمامته.

و من اشتبه عليه الأمر فيما ذكرناه حتى ظن أنه دليل على بطلان مقال الإمامية في وجود ولد للحسن ع مستور عن جمهور الأنام كان بعيدا من الفهم و الفطنة بائنا عن الذكاء و المعرفة عاجزا بالجهل عن التصور أحوال العقلاء و تدبيرهم في المصالح و ما يعتمدونه في ذلك من صواب الرأي و بشاهد الحال و دليله من العرف و العادات‏

فصل‏

و قد تظاهر الخبر فيما كان عن تدبير أبي عبد الله جعفر بن محمد ع و حراسته ابنه موسى بن جعفر ع بعد وفاته من ضرر

71

يلحقه بوصيته إليه و أشاع الخبر عن الشيعة إذ ذاك باعتقاد إمامته من بعده و الاعتماد في حجتهم لذلك على إفراده بوصيته مع نصه عليه بنقل خواصه.

فعدل عن إقراره بالوصية عند وفاته و جعلها إلى خمسة نفر أولهم المنصور و قدمه على جماعتهم إذ هو سلطان الوقت و مدبر أهله ثم صاحبه الربيع من بعده ثم قاضي وقته ثم جاريته و أم ولده حميدة البربرية و ختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر ع يستر أمره و يحرس بذلك نفسه.

72

و لم يذكر مع ولده موسى أحدا من أولاده لعلمه بأن منهم من يدعي مقامه من بعده و يتعلق بإدخاله في وصيته.

و لو لم يكن موسى ع ظاهرا مشهورا في أولاده معروف المكان منه و صحة نسبه و اشتهار فضله و علمه و حكمته و امتثاله و كماله بل كان مثل ستر الحسن ع ولده لما ذكره في وصيته و لاقتصر على ذكر غيره ممن سميناه لكنه ختمهم في الذكر به كما بيناه.

و هذا شاهد لما وصفناه من غرض أبي محمد ع في وصيته إلى والدته دون غيرها و إهمال ذكر ولد له و نظر له في معناه على ما بيناه‏

73

[الفصل الرابع في شبهة عدم الحاجة إلى ستر ولادة المهدي ع و خفاء أمره و غيبته‏]

(الكلام في الفصل الرابع) فأما الكلام في الفصل الرابع و هو الاستبعاد الداع كذا للحسن ع إلى ستر ولده و تدبير الأمر في إخفاء شخصه و النهي لشيعته عن البينونة بتسميته و ذكره مع كثرة الشيعة في زمانه و انتشارهم في البلاد و ثروتهم بالأموال و حسن الأحوال و صعوبة الزمان فيما سلف على آبائه ع و اعتقاد ملوكه فيهم و شدة غلظهم على الدائنين بإمامتهم و استحلالهم الدماء و الأموال و لم يدعهم ذلك إلى ستر ولدهم و لا مؤهل الأمر من بعدهم و قول الخصوم أن هذا متناقض في أحوال العقلاء فليس الأمر كما ظنوه و لا كان على ما استبعدوه.

و الذي دعا الحسن إلى ستر ولده و كتمان ولادته و إخفاء شخصه و الاجتهاد في إهمال ذكره بما خرج إلى شيعته من النهي عن الإشارة إليه و حظر تسميته و نشر الخبر بالنص عليه‏

74

شي‏ء ظاهر لم يكن في أوقات آبائه ع فيدعونه من ستر أولادهم إلى ما دعاه إليه و هو أن ملوك الزمان إذ ذاك كانوا يعرفون من رأي الأئمة ع التقية و تحريم الخروج بالسيف على الولاة و عيب من فعل ذلك من بني عمهم و لومهم عليه و أنه لا يجوز عندهم تجريد السيف حتى تركد الشمس عند زوالها و يسمع نداء من السماء باسم رجل بعينه و يخسف بالبيداء و يقوم آخر أئمة الحق بالسيف ليزيل دولة الباطل.

و كانوا لا يكبرون بوجود من يوجد منهم و لا بظهور شخصه و لا بدعوة من يدعو إلى إمام لأمانهم مع ذلك من فتق يكون عليهم به و لاعتقادهم قلة عدد من يصغي إليهم في دعوى الإمامة لهم أو يصدقهم فيما يخبرون به من منتظر يكون لهم.

فلما جاز وقت وجود المترقب لذلك المخوف منه القيام بالسيف و وجدنا الشيعة الإمامية مطبقة على تحقيق أمره و تعينه و الإشارة إليه دون غيره بعثهم ذلك على طلبه و سفك دمه و لتزول الشبهة في التعلق به و يحصل الأمان في الفتنة بالإشارة إليه و الدعوة إلى نصرته.

75

و لو لم يكن ما ذكرناه شيئا ظاهرا و علة صحيحة و جهة ثابتة لكان غير منكر أن يكون في معلوم الله جل اسمه أن من سلف من آبائه ع يأمن مع ظهوره و أنه هو لو ظهر لم يأمن على دمه و أنه متى قتل أحد من آبائه ع عند ظهوره لم تمنع الحكمة من إقامة خليفة يقوم مقامه.

و أن ابن الحسن ع لو يظهر لسفك القوم دمه و لم تقتض الحكمة التخلية بينهم و بينه و لو كان في المعلوم للحق صلاح بإقامة إمام من بعده لكفى في الحجة و أقنع في إيضاح المحجة فكيف و قد بينا عن سبب ذلك بما لا يحيل على ناظر و المنة لله‏

76

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

77

[الفصل الخامس في شبهة أن غيبة الإمام المهدي ع و استتاره خارجة عن العادة طول المدة]

(الفصل الخامس) و أما الكلام في الفصل الخامس و هو قول الخصوم أن دعوى الإمامية لصاحبهم أنه منذ ولد إلى وقتنا هذا مع طول المدة و تجاوزها الحد مستتر لا يعرف أحد مكانه و لا يعلم مستقره و لا يدعي عدل من الناس لقاءه و لا يأتي بخبر عنه و لا يعرف له أثرا.

خارجة عن العرف إذ لم تجر العادة لأحد من الناس بذلك إذ كان كل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه و لغير ذلك من الأغراض تكون مدة استتاره مرتبة و لا تبلغ عشرين سنة فضلا عما زاد عليها و لا يخفى أيضا على الكل في مدة استتاره مكانه بل لا بد من أن يعرف ذلك بعض أهله و أوليائه بلقائه و بخبر منه يأتي إليهم عنه.

و إذا خرج قول الإمامية في استتار صاحبهم و غيبته عن حكم العادات بطل و لم يرج قيام حجة

78

فصل و ليس الأمر كما توهمه الخصوم في هذا الباب و الإمامية بأجمعها تدفعهم عن دعواهم و تقول أن جماعة من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي بن محمد ع قد شاهدوا خلفه في حياته و كانوا أصحابه و خاصته بعد وفاته و الوسائط بينه و بين شيعته دهرا طويلا في استتاره ينقلون إليهم عن معالم الدين و يخرجون إليهم أجوبة عن مسائلهم فيه و يقبضون منهم حقوقه لديهم.

و هم جماعة كان الحسن بن علي ع عدلهم في حياته و اختصهم أمناء له في وقته و جعل إليهم النظر في أملاكه و القيام بمآربه معروفون بأسمائهم و أنسابهم و أمثالهم.

كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمان و ابنه أبي جعفر محمد بن‏

79

عثمان و بني الرحبا من نصيبين و بني سعيد و بني مهزيار بالأهواز و بني الركولي بالكوفة و بني نوبخت ببغداد

80

و جماعة من أهل قزوين و قم و غيرها من الجبال مشهورون بذلك عند الإمامية و الزيدية معروفون بالإشارة إليه به عند كثير من العامة.

81

و كانوا أهل عقل و أمانة و ثقة و دراية و فهم و تحصيل و نباهة و كان السلطان يعظم أقدارهم بجلالة محلهم في الدنيا و يكرمهم لظاهر أمانتهم‏

82

و اشتهار عدالتهم حتى أنه كان يدفع عنهم ما يضيفه إليهم خصومهم من أمرهم ضنا بهم و اعتقادا لبطلان قذفهم به و ذلك لما كان من شدة تحرزهم و ستر حالهم و اعتقادهم و جودة آرائهم و صواب تدبيرهم.

و هذا يسقط دعوى الخصوم وفاق الإمامية لهم أن صاحبهم لم ير منذ ادعوا ولادته و لا عرف له مكان و لا خبر أحد بلقائه.

فأما بعد انقراض من سميناه من أصحاب أبيه و أصحابه ع فقد كانت الأخبار عمن تقدم من أئمة آل محمد ع متناصرة بأنه لا بد للقائم المنتظر من غيبتين إحداهما أطول من الأخرى يعرف خبره الخاص في القصرى و لا يعرف العام له مستقرا في الطولى إلا من تولى خدمته من ثقات أوليائه و لم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره.

و الأخبار بذلك موجودة في مصنفات الشيعة الإمامية قبل مولد أبي محمد و أبيه و جده ع و ظهر حقها عند مضي الوكلاء و السفراء الذين سميناهم رحمهم الله و بان صدق رواتها بالغيبة الطولى فكان ذلك من الآيات الباهرات في صحة ما ذهبت إليه الإمامية و دانت به في‏

83

معناه.

و ليس يمكن أن يخرج عن عادة أزماننا هذه غيبة بشر لله تعالى في استتاره تدبير لمصالح خلقه لا يعلمها إلا هو و امتحان لهم بذلك في عبادته مع أنا لم نحط علما بأن كل غائب عن الخلق مستترا بأمر دينه لأمر يؤمه عنهم كما ادعاه الخصوم يعرف جماعة من الناس مكانه و يخبرون عن مستقره.

و كم ولي لله تعالى يقطع الأرض بعبادة ربه تعالى و التفرد من الظالمين بعمله و نأى بذلك عن دار المجرمين و تبعد بدينه عن محل الفاسقين لا يعرف أحد من الخلق له مكانا و لا يدعي إنسان له لقاء و لا معه اجتماعا.

و هو الخضر ع موجود قبل زمان موسى ع إلى وقتنا هذا بإجماع أهل النقل و اتفاق أصحاب السير و الأخبار سائحا في الأرض لا يعرف له أحد مستقرا و لا يدعي له اصطحابا إلا ما جاء في القرآن به من قصته مع موسى ع و ما يذكره بعض الناس من أنه يظهر أحيانا و لا يعرف و يظن بعض من رآه أنه بعض الزهاد فإذا فارق مكانه توهمه المسمى بالخضر و إن لم يكن يعرف بعينه في الحال و لا

84

ظنه بل اعتقد أنه بعض أهل الزمان.

و قد كان من غيبة موسى بن عمران ع عن وطنه و فراره من فرعون و رهطه ما نطق به الكتاب و لم يظهر عليه أحد مدة غيبته عنهم فيعرف له مكانا حتى ناجاه الله عز و جل و بعثه نبيا فدعا إليه و عرفه الولي و العدو إذ ذاك.

و كان من قصة يوسف بن يعقوب ع ما جاءت به سورة كاملة بمعناه و تضمنت ذكر استتار خبره عن أبيه و هو نبي الله تعالى يأتيه الوحي منه سبحانه صباحا و مساء و أمره مطوي عنه و عن إخوته و هم يعاملونه و يبايعونه و يبتاعون منه و يلقونه و يشاهدونه فيعرفهم و لا يعرفونه حتى مضت على ذلك السنون و انقضت فيه الأزمان و بلغ من حزن أبيه ع عليه لفقده و يأسه من لقائه و ظنه خروجه من الدنيا بوفاته ما انحنى له ظهره و أنهك به جسمه و ذهب لبكائه عليه بصره.

و ليس في زماننا الآن مثل ذلك و لا سمعنا بنظير له في سواه.

85

و كان من أمر يونس نبي الله ع مع قومه و فراره عنهم عند تطاول المدة في خلافهم عليه و استخفافهم بحقوقه و غيبته عنهم لذلك عن كل أحد من الناس حتى لم يعلم بشر من الخلق مستقره و مكانه إلا الله تعالى إذ كان المتولي لحبسه في جوف حوت في قرار بحر و قد أمسك عليه رمقه حتى بقي حيا ثم أخرجه من ذلك إلى تحت شجرة من يقطين بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان من الأرض و لم يخطر له ببال سكناه.

و هذا أيضا خارج عن عادتنا و بعيد من تعارفنا و قد نطق به القرآن و أجمع عليه أهل الإسلام و غيرهم من أهل الملل و الأديان.

و أمر أصحاب الكهف نظير لما ذكرناه و قد نزل القرآن بخبرهم و شرح أمرهم في فرارهم بدينهم من قومهم و حصولهم في كهف ناء عن بلدهم فأماتهم الله فيه و بقي كلبهم باسطا ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ و دبر أمرهم في بقاء أجسامهم على حال أجساد الحيوان لا يلحقها بالموت تغير فكان يقلبهم‏ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏ كالحي الذي يتقلب في منامه بالطبع و الاختيار و يقيهم حر الشمس التي تغير الألوان و الرياح التي تمزق الأجساد فبقوا على ذلك ثلاث مائة سنة و تسع سنين على ما جاء به الذكر الحكيم.

86

ثم أحياهم فعادوا إلى معاملة قومهم و مبايعتهم و أنفذوا إليهم بورقهم ليبتاعوا منهم أحل الطعام و أطيبه و أزكاه بحسب ما تضمن القرآن من شرح قصتهم مع استتار أمرهم عن قومهم و طول غيبتهم عنهم و خفاء أمرهم عليهم.

و ليس في عادتنا مثل ذلك و لا عرفناه و لو لا أن القرآن جاء بذكر هؤلاء القوم و خبرهم و ما ذكرناه من حالهم لتسرعت الناصبة إلى إنكار ذلك كما يتسرع إلى إنكاره الملحدون و الزنادقة و الدهريون و يحيلون صحة الخبر به و قد تقول لن يكون في المقدور.

و قد كان من أمر صاحب الحمار الذي نزل بذكر قصته القرآن و أهل الكتاب يزعمون أنه نبي الله تعالى و قد كان‏ مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها فاستبعد عمارتها و عودها إلى ما كانت عليه و رجوع الموتى منها بعد هلاكهم بالوفاة ف قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ‏ و بقي طعامه و شرابه بحاله لم يغيره تغيير طبائع الزمان كل طعام و شراب عن حاله فجرت بذلك العادة في طعام صاحب الحمار و شرابه و بقي حماره قائما في مكانه لم ينفق و لم يتغير عن‏

87

حاله حي يأكل و يشرب لم يضره طول عمره و لا أضعف و لا غير له صفة من صفاته.

فلما أحياه الله تعالى المذكور بالعجب من حياة الأموات و قد أماته مائة عام قال له‏ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ‏ يريد به لم يتغير بطول مدة بقائه‏ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها يعني عظام الأموات من الناس كيف نخرجها من تحت التراب‏ ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فتعود حيوانا كما كانت بعد تفرق أجزائها و اندراسها بالموت‏ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ‏ ذلك و شاهد الأعجوبة فيه‏ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

و هذا منصوص في القرآن مشروح في الذكر و البيان لا يختلف فيه المسلمون و أهل الكتاب و هو خارج عن عادتنا و بعيد من تعارفنا منكر عند الملحدين و مستحيل على مذهب الدهريين و المنجمين و أصحاب الطبائع من اليونانيين و غيرهم من المدعين الفلسفة و المتطببين.

على أن ما يذهب إليه الإمامية في تمام استتار صاحبها و غيبته و مقامه على ذلك طول مدته أقرب في العقول و العادات مما أوردناه من أخبار المذكورين في القرآن.

88

فأي طريق للمقر بالإسلام إلى إنكار مذهبنا في ذلك لو لا أنهم بعداء من التوفيق مستمالون بالخذلان.

و أمثال ما ذكرناه و إن لم يكن قد جاء به القرآن كثير قد رواه أصحاب الأخبار و سطره في الصحف أصحاب السير و الآثار.

من غيبات ملوك الفرس عن رعاياهم دهرا طويلا لضروب من التدبيرات لم يعرف أحد لهم فيها مستقرا و لا عثر لهم على موضع و لا مكان ثم ظهروا بعد ذلك و عادوا إلى ملكهم بأحسن حال و كذلك جماعة من حكماء الروم و الهند و ملوكهم.

و كم كانت لهم غيبات و أخبار بأحوال تخرج عن العادات.

لم نتعرض لذكر شي‏ء من ذلك لعلمنا بتسرع الخصوم إلى إنكاره لجهلهم و دفعهم صحة الأخبار به و تعويلهم في إبطاله على بعده من عاداتهم و عرفهم.

فاعتمدنا القرآن فيما يحتاج إليه منه و إجماع أهل الإسلام لإقرار الخصم بصحة ذلك و أنه من عند الله تعالى و اعترافهم بحجة الإجماع.

و إن كنا نعرف من كثير منهم نفاقهم بذلك و نتحقق استبطانهم بخلافه لعلمنا بإلحادهم في الدين و استهزائهم به و أنهم كانوا ينحلون‏

89

بظاهره خوفا من السيف و تصنعا أيضا لاكتساب الحطام به من الدنيا و لو لا ذلك لصرحوا بما ينتمون و ظاهروا بمذاهب الزنادقة التي بها يدينون و لها يعتقدون.

و نعوذ بالله من سيئ الاتفاق و نسأله العصمة من الضلال‏

[الفصل السادس في شبهة انتقاض العادة في دعوى طول عمر الإمام المهدي ع و بقائه منذ ولد إلى وقتنا]

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}