الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص)

- جعفر بن حسن البرزنجي‏ المزيد...
383 /
3

[شرح المولد النبوي‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقديم‏

نحمد اللّه تعالى على آلائه التي أصبحت القلوب بصفائها مشرقة، و أضحت الأسرار ببهائها رياضا مونقة، و نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، جعل قلوب العافين بعروة كرمه الوثقى متعلقة، و بحب رسوله مشرفة متشوقة، و نشهد أن نبينا و رسولنا محمدا عبده و رسوله أرسله بحق شرعه، و شرع حققه، و أخمد بنور برهانه لهب الباطل و أزهقه. اللهم صلّ و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه و من آمن به و صدقه.

و بعد:

فسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خير سيرة، و عترته خير عترة، و شجرته خير شجرة نبتت فى حرم، و بسقت فى كرم، و استوت فى عظم، فهو جملة الجمال، و كل الكمال، فضائله أكثر من أن تحصى، و مناقبه لا تستقصى.

فبالغ و أكثر لن تحيط بوصفه‏ * * * فأين الثريا من يد المتناول؟

نعم .. ذكر سيرة المصطفى تزيد فى الإيمان، و تضى‏ء القلوب بأنوار العرفان؛ لأن اللّه تعالى جعل محبة رسول اللّه مشروطة بمحبته‏ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ (1)، و طاعته منوطة بطاعته‏ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ (2)، و بيعته مقرونة ببيعته‏ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏ (3)، و ذكره مقرونا بذكره، فما ذكر أحد محمدا بالرسالة إلا

____________

(1) سورة آل عمران: 31.

(2) سورة النساء: 80.

(3) سورة الفتح: 10.

4

و ذكر اللّه بالربوبية وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (1).

ضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه‏ * * * إذ قال فى الخمس المؤذن أشهد

و شقّ له من اسمه ليجلّه‏ * * * فذو العرش محمود و هذا محمد

و لقد احتفى كون اللّه- تعالى- كله برحمته للعالمين و إبراز ما حلّاه اللّه به من حسن أخلاقه و كريم شمائله و صفاته، و ما خصه به من المكارم و المحاسن، تجد ذلك واضحا فى أصدق كتاب و أعظم بيان: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً. وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (2).

فهو صلى اللّه عليه و سلم الشاهد لمن آمن به و اهتدى، و على من جحد و اعتدى، البشير بالثواب لمن أطاع مولاه، النذير بالعقاب لمن آثر هواه، الداعى إلى اللّه بإذنه إظهارا للحجة، السراج المنير لمن آمن به و استضاء بنوه فأبصر المحجّة.

من زمن آدم (عليه السلام) و رسول اللّه مستور الصورة منشور الذكر، أخذ اللّه الميثاق له من الأنبياء على تصديقه، و ضمن نصره و توفيقه‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (3).

فمن ثمّ فقد أخذ رسولنا صفوة آدم، و نوح نوح، فى بعض درسه علم إدريس فى ضمن وجده حزن يعقوب، شطر حسنه كل حسن يوسف، فى سرّ وجده صبر أيوب، فى طىّ جوفه بكاء داود، بعض غنى نفسه يزيد على ملك سليمان، حاز خلة الخليل، و نال تكليم الكليم، و زاد رفعة على الملأ الأعلى، فكان برهانه أوضح و أحلى .. هو بين الأنبياء و المرسلين: واسطة العقد، و زينة الدهر، يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، و البحر على القطر، فهو

____________

(1) سورة الشرح: 4.

(2) سورة الأحزاب: 45، 46.

(3) سورة آل عمران: 81.

5

صدرهم و بدرهم، قطب ولايتهم، عين كتيبتهم، واسطة قلادتهم، بيت قصيدتهم، نقطة دائرتهم، شمس ضحاهم، هلال ليلهم، نوره أنور، و برهانه أزهر، و سره أظهر، و فضله أعلى، و ذكره أحلى، صورته أجمل، و دينه أكمل، و لسانه أفصح، و دعاؤه أنجح، و علمه أنفع، و نداؤه أسمع، حوائجه أقضى، و شفاعته أمضى، نصره مؤيد، و اسمه محمد، جسمه للّه أعبد، و رسمه بين الخلائق أوحد، و اسمه فى الإنجيل أحمد، هو حبيب المولى، و هو بالمؤمنين من أنفسهم أولى.

من هذا النبع الصافى الدفاق، هفا قلب المحب المشتاق ليعبر عن حبه فى ساحة رحمة الخلاق، و حب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ينبع من عقيدة صادقة صافية، و يقين راسخ، و عاطفة نبيلة، عاقلة رشيدة، لا يشوبها الغلو، و لا يمسخها الهوى، و لا يعبث بها التعصب المقيت و لكن:

فمبلغ العلم فيه أنه بشر * * * و أنه خير خلق اللّه كلهم‏

و لكن ما ذا يقول المادحون:

إذا كان رب العرش جل جلاله‏ * * * أثنى عليك فما مقدار ما يمدح الورى‏

و نادى جميع الرسل كلا باسمه‏ * * * و خصّك أنت بالرسول و بالنبى‏

أ نقول: جمّلك اللّه يا رسول اللّه؟! فأنت جملة الجمال، و كل الكمال، نور الحق، و قدوة الخلق، مجتبى اللّه و مصطفاه، و خيرته من خلقه و مرتضاه.

يا مصطفى من قبل نشأة آدم‏ * * * و الكون فى طور من الإغلاق‏

أ يروم مخلوق ثناءك بعد ما * * * أثنى على أخلاقك الخلّاق‏

أمام هذا الكون الإنساني المحشود بالفضائل، الموصول باللّه انطلقت عاطفة الحب الإيمانى تمدح دينها فى رسولها، و تشيد بفضائل رسولها، منطلقة من تمسكها بدينها، و ستظل هذه العاطفة صداحة مغردة تهفوها القلوب، و تلهج‏

6

بها الألسنة، و تتلألأ بها الماذن، حتى سماع المنادى من مكان قريب.

و هذا المولد الذي بين أيدينا للشيخ الجليل جعفر بن حسن البرزنجى طيب اللّه ثراه، و أثابه خير الجزاء- من قبيل هذا الحب العاقل الرشيد، و لقد كان لهذا المولد مع العارفين المحبين رحلة طويلة، و مدة مديدة، و تناقله الناس ينبئ عن صدق لهجة مؤلفه و عظيم وفائه .. ثم يأتى نبته الصالح ليواصل مسيرة الحب و الصدق، فأضاف إلى التقى زهدا، و الشهد زبدا، و قلد لنا جواهر سلفه بلآلئ البيان بشرح مستفيض و تبيان، مقتنصا الشوارد، و مقيدا الأوابد، عازيا الفروع إلى أصولها، و الروايات إلى مصادر نقولها، حتى تعم الفائدة، و يعظم النفع، فجزى اللّه الجميع الخير و السعادة، و أنالنا بحب رسوله الحسنى و زيادة ..

اللهم اجمعنا تحت لوائه و فى زمرته، و اسقنا من حوضه، و اجعلنا من أهل شفاعته‏ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

القاهرة فى منتصف شهر شوال سنة 1417 ه الموافق 22 فبراير 1997 م‏

من المحبين للّه و رسوله أ. د. على محمد عبد الوهاب وكيل كلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة التحقيق‏

الحمد للّه الذي وهب لنا العقول و الأذهان، و منحنا فصاحة اللسان، و ألهمنا التبيان، و حثنا على التحلى بالحلى الأدبية، و التخلق بالمكارم العلية، و رغبنا فى الاقتداء بالسنن السنية، و الاهتداء بالأقوال المرضية، و أرشدنا إلى الطريق الأسنى، و أمرنا بالإحسان و الأفعال الحسنى، و نهانا عن الأخلاق الدنيئة اللئيمة، و الأفعال الرديئة الذميمة، و أنعم علينا بالبلاغة و البيان فقال جلّ و علا فى محكم القرآن:

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.

فبالبيان تستخرج الحقائق، و تنمق الحكم الرقائق، و يتوصل إلى معرفة الخالق، و يستعان على شرح العلوم، و يتفنن فى الكلام المنثور و المنظوم، و بمكارم الأخلاق يستدل على فضل الطبع و كرم النحر و طيب الأعراق، و بالاستمساك بحبل المروءة و الآداب تظهر نتيجة العقل و ثمرة الألباب.

فهدانا سبحانه و ما كنا لنهتدى لو لا عونه و فضله، و وفقنا و لم نكن نتوفق لو لا امتنانه و طوله. نحمده تعالى و الحمد من إحسانه الجسيم، و نشكره و الشكر من إنعامه العميم.

و نصلى و نسلم على سيدنا و مولانا محمد النبيّ الأمى الكريم، المخصوص فى الأنبياء بمزية التفضيل و التقديم، المحفوف بالعصمة، المؤيد بالحكمة، الذي أوتى من البيان الحظ الأوفى، و القسم الأفضل الأعلى، فلا كلام يعدل كلامه و لا بيان كبيانه، فهو أفصح الناطقين، و سيد المرسلين، و حبيب رب العالمين، صلى اللّه عليه و على آله و على جميع النبيين و المرسلين و سلم تسليما كثيرا.

8

و بعد:

فإن التأليف غير موقوف على زمان، و التصنيف ليس بمقصور على أوان، لكنها صناعة ربما قصرت فيها سوابق الأفهام، و سبيل ربما حادت عنها أقدام الأوهام.

قال بعض الحكماء: لكل شي‏ء صناعة، و صناعة التأليف صناعة العقل.

و قال أبو عثمان بن عمرو بن بحر الجاحظ: لو لا تفسير العلماء و نقلهم آثار الأوائل فى الصحف لبطل أول العلم و ضاع آخره.

و لذلك قيل: لا يزال الناس بخير ما بقى الأول حتى يتعلم الآخر.

و قال ابن فارس- صاحب «مجمل اللغة»-: لو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، و لذهب أدب عزير، و لضلت أفهام ثاقبة، و للفظت القلوب كل مرجع.

و الذي عليه فى التأليف المدار: هو حسن الانتفاء و الاختيار مع الترتيب و التبويب و التهذيب و التقريب.

هذا ما حدث لكتاب «الكوكب الأنور على عقد الجوهر فى مولد النبيّ الأزهر» فقد تناوله الشارح و هو حفيد المؤلف بالشرح و التحليل و بيّن فى هذا الكتاب كل ما هو جميل من نبينا عليه الصلاة و السلام، و شرح كل غامض و أزال كل إشكال بالتفحيص و التمحيص، و بدأ بميلاد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و تعرض لأقوال العلماء و الفقهاء، ثم شرح الإشكالات حول هذا الموضوع، ثم انتقل من حدث إلى حدث حتى وصل إلى نهاية الكلام عن هذا الأمر، و لم يكن ابن البرزنجى بدعا من المؤلفين حين ألف هذا المؤلف، و لكن سبقه علماء فى هذا الأمر، و على رأسهم العلامة جلال الدين السيوطى فقد ألف: «حسن المقصد فى عمل المولد».

و نتعرض فى هذا الكتاب لكثير من أقوال العلماء حول هذا الموضوع، و ذكر أول من ألف فى هذا الموضوع.

9

و لقد ذكر الكتاب فى كثير من المصادر و المراجع العربية، و المؤلف علم من أعلام الإسلام.

نسأل اللّه تعالى التوفيق و السداد، إنه نعم المولى و نعم النصير.

و الحمد للّه رب العالمين.

نادى فرج درويش‏

10

ترجمة الشارح‏

هو العالم الفاضل السيد «جعفر البرزنجى- مفتى الشافعية بالمدينة المنورة- ابن العلامة السيد إسماعيل ابن العلامة السيد زين العابدين ابن العلامة السيد محمد الهادى ابن العلامة السيد زين ابن العلامة السيد جعفر- مؤلف المولد المذكور- ابن العلامة الإمام السيد حسن ابن العلامة السيد عبد الكريم الشهير بالمظلوم- المدفون بجدة- ابن الإمام العلامة السيد محمد المدنى ابن السيد رسول البرزنجى» رحمهم اللّه تعالى.

ولد و نشأ فى «السليمانية» من أعمال شهرزور بالعراق عام 1250 ه- الموافق سنة 1843 م.

سافر «جعفر» إلى مصر، فدخل الأزهر، و عاد مع أبيه إلى المدينة المنورة عام 1271 ه، و استكمل فيها دراسته.

تصدر للفتوى و التدريس- بعد وفاة أبيه- عام 1277 ه.

سافر إلى استانبول، فعين قاضيا ل «صنعاء»، فأقام فيها ست سنوات .. ثم عاد إلى المدينة مستعفيا.

دعى للقضاء ب «سيواس» فى تركيا سنة 1307 ه، فأقام عامين.

عاد إلى المدينة مفتيا و مدرسا إلى أن توفى عام 1317 ه الموافق سنة 1899 ميلادية.

كان- (رحمه الله تعالى)- يحسن- مع العربية- اللغة التركية، و الفارسية، و الكروية ..

و كان له اشتغال بالتاريخ و الأدب.

فمن أعماله:

«نزهة الناظرين- ط»: فى تاريخ المسجد النبوى.

11

- «الشجرة الأترجية فى سلالة السادة البرزنجية- خ»: أوراق منه.

«تاج الابتهاج على النور الوهاج فى الإسراء و المعراج- ط».

«شواهد الغفران- خ»: بخطه، فى الرباط (435 ك)، فى فضائل رمضان.

«الكوكب الأنور على عقد الجوهر فى مولد النبيّ الأزهر- ط»: شرح لقصة (المولد النبوى)، من تأليف «جعفر بن حسن البرزنجى» المتوفى عام 1177 ه- سنة 1764 م.

كما أن له نظم أيضا (1).

____________

(1) الأعلام- خير الدين الزركلى- الجزء الثانى- دار العلم للملايين- بيروت، نوفمبر سنة 1984 م.

محمد سعيد دفتر دار- فى جريدة (المدينة المنورة) 14، 21، 28 ذى القعدة عام 1379 ه.

المعجم الشامل للتراث المطبوع- جزء أول- معهد المخطوطات العربية- بالقاهرة سنة 1992 م.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الكوكب الأنور على عقد الجوهر

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[مقدمة المؤلف‏]

سبحان من أطلع فى سماء الأزل شمس الحقيقة المحمدية و أنار الوجود بإظهار بدره المنير و اصطفاه، و أينع فى رياض ربيع أوصافه الملكية أزاهير أفنان حضرته و اجتباه، أحمده أن أنشأ هذا النظام البديع من ذلك النور الذي هو معدن أسراره الإلهية و اختاره محطّا لنظره و مظهرا لجوده و قامعا لمن عبد سواه و أشكره أن شرح بحقائق دقائق مولد الذات الأحمدية صدور أوليائه الذين أرشدهم بفضله و هداه، و سرّح ضياء قلوب المخلصين فى مراتع محاسنه البهية و وشّح بعقد الجوهر أعناق أفهامهم فنشروا و جمعوا فرائد وصفه و ثناه.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له إلها تنزّه فى ذاته الوحدانية و صفاته الأحدية عن أن يتخذ ولدا أو شريكا و تقدّس عن النظائر و الأشباه، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله و حبيبه و خليله الذي أضاء الكون شموس محاسنه النورانية و شخصت نواظر الحور العين لبديع محيّاه، و قطعت صوارم بروق هيبته النبوية حجاب قلوب الجاحدين لدين اللّه، صلى اللّه و سلم عليه و على آله و أصحابه كنوز المعارف الإلهية الذين بذلوا أنفسهم فى نصرة الحق يبتغون فضله و رضاه.

(و بعد):

فيقول المفتقر إلى ربه الجليل جعفر بن إسماعيل إن الكتاب المسمى: «عقد الجوهر فى مولد النبيّ الأزهر» للسيد الفاضل، و الهمام الواصل، العلامة الإمام، و الجهبذ الخرّيت‏ (1) القمقام‏ (2)، مفيد الطالبين، مفتى المسلمين، الجدّ المرحوم السيد جعفر بن السيد حسن البرزنجى، لا برح فى مقعد صدق عند

____________

(1) الخرّيت: الحاذق و الماهر بالشى‏ء.

(2) القمقام: البحر.

16

الكريم المنجى .. كتاب قدره جليل، و هو على جلالته أدل دليل، وفاق فى بلاغته جميع المؤلفات فى هذا الشأن، و طربت بادرا لمقاصده العقول و الأذهان، كيف لا و هو الحاوى للمعجزات العظيمة، و الحاكى للشمائل الكريمة.

و لعمرى لقد أظهر فيه من كنوز الفصاحة و أسرار البلاغة، و أجرى جواد السبق فأحرز قصباته فى ميدان البراعة، و أتى بمنوال لم يسبق إليه، و جزم بعذوبة موارده الواردون عليه.

و هو- و إن شرح- يحتاج إلى شرح يحرر مقاصده و ينقح فرائده و يوضح ما فيه من مطويات الرموز و مخبات الأسرار، و يكشف عن وجوه عرائس فوائده الأستار، و يعرب عن عجائب تدقيقه و محاسن تحقيقه، و يفصح عن جواهر تنميقه و بدائع تأنيقه، فاستخرت اللّه تعالى فى شرح ذلك، و إن كنت بمعزل عما هنالك، موشحا ذلك مما وقفت عليه من الأحاديث المرضية عند العلماء، و ما ظفرت به من الأقوال المستحسنة لدى الفضلاء، فوضعت عليه هذا الشرح اللطيف و الأنموذج الشريف من غير أن يطلبه منى طالب، أو يرغب إلىّ فى تصنيفه راغب؛ لكن تطلبت نفسى فيه مدح الأمين المأمون، زكى المنابت طيب الأغراس، الذي ظهرت عند حمله و ولادته و رضاعه آيات حيرت عقول ذوى الأنفاس، فأودعته نفائس كأنهن الياقوت و المرجان، و عرائس لم يطمثهن أنس قبلهم و لا جان.

و سميته «الكوكب الأنور على عقد الجوهر» راجيا من اللّه أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، و يقلدنى قلادة العبودية من خزائن إنعامه الجسيم، و يتوجنى بتاج القبول، و يبلغنى كل مقصود و مأمول، و أن يغفر لى و لمشايخى و لوالدى، و لمن أحسن إليهما و إليهم و إلىّ، و أن يحشرنا و المسلمين يوم القيامة تحت لواء سيد الأنام، و أسأله أن يجعله بفضله العميم خالصا لوجهه الكريم، و ذخرا لى يوم الحساب، و خيرا جاريا بعدى إذا صرت رميما تحت التراب، إنه هو البر التواب الكريم الوهاب، و أسأله أن يعيننى على التكميل، فهو حسبى و نعم الوكيل.

17

مقدمة فى أصل عمل المولد (1)

اعلم أنه بدعة لأنه لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الفاضلة التي شهد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بخيريتها، لكنها بدعة حسنة لما اشتملت عليه من الإحسان الكثير للفقراء، و من قراءة القرآن و إكثار الذكر و الصلاة على النبيّ، و إظهار الفرح و السرور به صلى اللّه عليه و سلم، و لأجل ذلك لما ظهرت بعد تلك القرون الثلاثة لم يزل أهل الإسلام فى سائر الأقطار يحتفلون فى شهر مولده- خصوصا فى ليلته- بعمل المولد، فى ولائم مشتملة على كثرة المطاعم و الإحسان و الصدقات و المبرات، مع الإكثار من قراءة القرآن و الذكر، و قراءة مولده و ما ورد فيه من الخبر الثابت و ما اشتمل عليه من كراماته و معجزاته.

على أنه ليس قيدا فى استحباب عمل المولد المذكور و إنما هو لزيادة الأجور، و لقد قال الإمام الجليل الشمس ابن الجوزى‏ (2): إن مما جرب أن من فعل ذلك كان له أمانا فى ذلك العام.

و أول من أحدث ذلك الملك المظفر صاحب إربل، و كان يحتفل فيه احتفالا هائلا.

قال سبط ابن الجوزى فى «مرآة الزمان» حكى لى بعض من حضر سماط المظفر فى بعض الموالد أنه عدّ فيه خمسة آلاف رأس غنم شوى، و عشرة آلاف دجاجة، و مائة فرس، و مائة ألف صحن حلوى. و كان يحضر عنده فى المولد أعيان العلماء و الصوفية، فيخلع عليهم و يطلق لهم العطية، و كان يصرف على‏

____________

(1) أفردها بالتأليف- بين مؤيد و معارض-: الحافظ السيوطى «حسن المقصد فى عمل المولد»، و ابن حجر الهيثمى «أصل عمل المولد النبوى». و انظر آراء الفريقين فى السيرة النبوية (1/ 459).

(2) هو محمد بن محمد بن محمد بن على بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين العمرى الدمشقى، الشافعى، الشهير بابن الجوزى (751- 833 ه) حافظ، مقرئ، توفى فى شيراز. انظر: الأعلام (7/ 45)، شذرات الذهب (7/ 204).

18

المولد ثلاثمائة ألف دينار.

و استدل شيخ الإسلام و الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلانى لكونه بدعة حسنة بخبر الصحيحين: أنه صلى اللّه عليه و سلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق اللّه فيه فرعون و نجّى موسى فنحن نصومه شكرا للّه تعالى. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أحق بموسى منكم»، فصامه و أمر بصيامه، و قال: «إن عشت إلى قابل ...» الحديث‏ (1).

قال- أعنى شيخ الإسلام-: فيستفاد منه فضل الشكر للّه تعالى بأنواع العبادات على ما منّ به فى يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة و يعاد ذلك فى نظير ذلك اليوم من كل سنة، و أى نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبيّ صلى اللّه عليه و سلم نبى الرحمة فى ذلك اليوم.

و سبقه لنحو هذا الحافظ ابن رجب الحنبليّ‏ (2) (رحمه الله تعالى).

و استدل الحافظ السيوطى- (رحمه الله تعالى)- بما أخرجه البيهقي عن أنس- رضى اللّه عنه-: أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم عقّ عن نفسه بعد النبوّة. مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه فى سابع ولادته، و العقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن هذا الذي فعله صلى اللّه عليه و سلم إظهار للشكر على إظهار اللّه إياه رحمة للعالمين، و تشريع، كما كان يصلى على نفسه، فلذلك يستحب لنا أيضا إظهار الشكر له تعالى بمولده بالاجتماع و إطعام الطعام و نحو ذلك من وجوه القربات و إظهار المسرّات .. انتهى.

و تعقبه النجم الغيطى‏ (3) بأمور منها: أن ما ورد من أنه صلى اللّه عليه و سلم عقّ عن نفسه بعد النبوة حديث منكر، بل قال الإمام النووى- رحمه اللّه- إنه باطل لا أصل له.

____________

(1) أخرجه البخاري (2002)، مسلم (1130).

(2) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السّلامى البغدادى، أحد حفاظ الحديث، ولد ببغداد سنة (736 ه) و نشأ بها، و توفى فى دمشق سنة (795 ه) و له تصانيف عديدة منها: شرح جامع الترمذى، و جامع العلوم و الحكم.

و غيرها. انظر: الأعلام (3/ 295)، و شذرات الذهب (6/ 339).

(3) هو نجم الدين محمد بن أحمد الغيطى، توفى سنة (981 ه)، و لعل المؤلف يشير إلى كتابه: «بهجة السامعين و الناظرين بمولد سيد الأولين و الآخرين».

19

أقول: أما القول ببطلانه فغير صواب فقد رواه أحمد و البزار و الطبرانى من طرق، قال ابن حجر العسقلانى- رحمه اللّه- فى أحدها: أن رجاله رجال الصحيح إلا واحدا و هو ثقة، و قال العلامة ابن حجر الهيثمى: قال فى «المجموع»: باطل، و كأنه قلّد فى ذلك إنكار البيهقي و غيره، و ليس الأمر كما قالوه .. انتهى.

و قال الحلبي فى «سيرته»: قال الإمام أحمد: هذا منكر، أى حديث منكر، و الحديث المنكر من أقسام الضعيف لا أنه باطل كما قد يتوهم، و الحافظ السيوطى لم يتعرض لذلك و جعله أصلا لعمل المولد. انتهى. فلا يسقط التخريج المذكور (1).

و استدل العلامة المحدث محمد بن مسعود الكازرونى‏ (2) بما رواه فى كتابه «المنتقى فى مولد النبيّ المصطفى» من أن عبد المطلب كان حال ولادته صلى اللّه عليه و سلم فى فناء البيت الحرام فرآه يتمايل على مقام إبراهيم، و سمع هاتفا يكبّر فى جوفه و يهتف بمقال منه: «هذا محمد نبيى و صفيى» إلى أن قال: «اشهدوا ملائكتى أنى قد فتحت له خزائنى، فاتخذوا يومه هذا الذي ولد فيه عيدا إلى يوم القيامة» (3) .. انتهى.

و فى الحقيقة أن مولده صلى اللّه عليه و سلم عيد للإسلام و أى عيد يشمل القريب من أمته و البعيد، و أى نعمة أعظم من ظهور هذا النبيّ الكريم فى هذا الوقت العظيم الذي حصل فيه التفضيل على سائر الموجودات إذ هو الذي جعله اللّه رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق.

و ينبغى أن يتحرى اليوم بعينه؛ فإن كان ولد ليلا فليقع الشكر بما يناسب الليل، و إن كان ولد نهارا- و هو الأصح- كما يأتى؛ فبما يناسبه كالصيام‏

____________

(1) إنسان العيون (1/ 130).

(2) هو محمد بن مسعود بن محمد، سعد الدين الكازرونى، أحد المحدثين، أجاز له المزى و جماعة من أهل الحديث، و له عديد من المؤلفات، توفى سنة (758 ه). انظر: الأعلام (7/ 96)، و كشف الظنون (1851).

(3) لم أعثر على من أخرجه فيما تحت يدى من مصادر.

20

و الصدقة، و لا بد أن يكون ذلك اليوم بعينه من أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة موسى (عليه السلام) فى يوم عاشوراء، و من لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد فى أى يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه الى أى يوم كان من السنة، و فيه ما فيه.

و ينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر للّه تعالى من نحو ما ذكر، و أما السماع و اللهو و غيرهما فما كان مباحا لعين السرور بذلك اليوم فلا بأس به، و ما كان حراما أو مكروها فيمنع، و كذا خلاف الأولى.

و بالجملة فلا بأس بفعل الخير فى سائر الأيام و الليالى التي وقع الاختلاف فى تعيينها للمولد- حسبما يأتى- على حسب الاستطاعة، بل يحسن فى أيام الشهر كلها و لياليه، و قد جاء عن الإمام الزاهد القدوة المعمر أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن جماعة- رحمة اللّه عليهم- أنه لما كان بطيبة- على مشرّفها أفضل الصلاة و السلام- كان يعمل بها طعاما فى المولد النبوى و يطعم الناس و يقول: لو تمكنت لعملت بطول الشهر كل يوم مولدا.

و رؤى أبو لهب عمه صلى اللّه عليه و سلم فى المنام، و الرائى له بعض أهله- و قيل: هو أخوه العباس- بعد سنة من وفاته، فقيل له: ما حالك؟ قال: فى النار إلا أنه يخفف عنى فى كل ليلة اثنين، و أمصّ من بين إصبعى هاتين ماء، و إن ذلك عن إعتاقى لثويبة عند ما بشّرتنى بولادة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و بإرضاعها له‏ (1).

قال ابن الجوزى: فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه- الذي لا ذم فوقه- جوزى فى النار بفرحة ليلة مولده صلى اللّه عليه و سلم، فما حال المسلم الموحد الذي يسرّ بمولده، و يبذل ما يقدر عليه فى محبته صلى اللّه عليه و سلم، لعمرى أن يكون جزاؤه من الرب الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم.

____________

(1) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب (21)، رقم الحديث (5101).

21

و ما أحسن ما قاله الحافظ الشمس محمد بن ناصر الدين الدمشقى‏ (1) فى ذلك:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه‏ * * * و تبّت يداه فى الجحيم مخلّدا

أتى أنه فى يوم الإثنين دائما * * * يخفّف عنه للسّرور بأحمدا

فما الظنّ بالعبد الذي عاش عمره‏ * * * بأحمد مسرورا و مات موحّدا

نسأل اللّه أن يميتنا على محبته، و يحشرنا تحت لوائه، و يثيبنا الجنة، و والدينا و مشايخنا و أحبابنا و كافة المسلمين آمين يا رب العالمين.

تتمة

اختلف العلماء فى تفضيل ليلة مولده الشريف على ليله القدر، فقال بعضهم: إن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر، ذكره فى «المواهب» و أقره.

و تعقبه العلامة ابن حجر(رحمه الله)فى «النعمة الكبرى» و قال: «و قد نص الشارع على أفضلية ليلة القدر و لم يتعرض لليلة مولده و لا لأمثالها بتفضيل أصلا، فوجب علينا أن نقتصر على ما جاء عنه و لا نبتدع شيئا من عند أنفسنا القاصرة عن إدراكه إلا بتوقيف منه صلى اللّه عليه و سلم».

قال الزرقانى‏ (2) فى «شرح المواهب»: و هو وجيه، ثم قال: و إذا قلنا بأفضلية ليلة مولده و قلنا إن الولادة نهارا فهل الأفضل يوم المولد أو يوم البعث؟

و الأقرب كما قال شيخنا إن يوم المولد أفضل لمنّ اللّه به فيه على العالمين، و وجوده يترتب عليه بعثه، فالوجود أصل و البعثة طارئة عليه، و ذلك قد يقتضى تفضيل المولد لأصالته .. انتهى.

و أما ليلة الإسراء: فقد قال بعض المفسرين: إنها أفضل من ليلة القدر لكن‏

____________

(1) هو الحافظ محمد بن أبى بكر بن ناصر الدين الدمشقى، توفى سنة (842 ه)، و من مؤلفاته «اللفظ الرائق فى مولد خير الخلائق».

(2) هو محمد بن عبد الباقى بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقانى المصرى، ولد سنة (1055 ه) بالقاهرة، و توفى بها فى سنة (1122 ه). انظر الأعلام (6/ 184).

22

بالنسبة له صلى اللّه عليه و سلم لأنه أوتى فيها ما لا يحيط به الحدّ، و لذا كان الإسراء بالجسم يقظة من خصائص نبينا صلى اللّه عليه و سلم، قال الحافظ ابن حجر: و هذا إنما يصح إن قام دليل على أن إنعام اللّه على نبيه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، و هذا لا يعلم إلا بوحى، و لا يجوز لأحد أن يتكلم فيه بلا علم .. انتهى.

و ظاهره أن الخلاف بين الليلة المعينة التي أسرى فيها بالنبى صلى اللّه عليه و سلم و بين ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن، و أما الليلة المعينة التي أسرى به فيها فأفضل من ليلة القدر فى كل عام، كما أن ليلة القدر فى كل عام أفضل من نظائر الليلة التي أسرى به فيها فى كل عام لما ورد فى أرجحية العمل فيها بخلاف ليلة الإسراء فإنه لم يأت فيها حديث صحيح و لا ضعيف، و اللّه اعلم.

و اعلم أن المصنف (رحمه الله تعالى) افتتح كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز و عملا بالحديث المشهور، و لأنه أحق بالبداءة بالبسملة من كثير من التصانيف لاشتماله على أفضل العلوم و المعلومات، و لا ينافيه قوله: بعد ابتدئ الإملاء ... إلخ؛ لأن ذلك بمعنى الإخبار عما قبله كما يأتى، فقال:

(بسم الله) الباء يحتمل أن تكون زائدة و أن تكون أصلية، فعلى الأوّل لا تحتاج إلى متعلق، و على الثانى فلا بد لها من متعلق. و اختلفوا فى هذا المتعلق فقيل: إنه فعل. و قيل: إنه اسم. و كل منهما خاص أو عام، مقدّم أو مؤخر فالجملة ثمانية، و الأولى أن يكون فعلا خاصا مؤخرا. أما كونه فعلا فلأن الأصل فى العمل للأفعال، و أما كونه خاصا فلأن كل شارع فى فعل إذا أتى بالبسملة يضمر فى نفسه ما جعل التسمية مبدأ له، كما أن المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم اللّه كان المعنى. بسم اللّه أحل أو أرتحل. و أما كونه مؤخرا فلإفادة الحصر، و لأن تقديم بسم اللّه تعالى على القراءة أهم و أدل على الاختصاص، و أدخل فى التعظيم و أوفق فى الوجود، كيف و قد جعل آلة لها

23

من حيث أن الفعل لا يعتد به شرعا ما لم يصدّر باسمه تعالى لحديث: «كل أمر ذى بال ...» (1) إلخ.

و اختلف هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ و استدل القائلون بالأول بنحو:

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏ (2) فأمر بتسبيح اسم اللّه تعالى، و المسبح هو البارى، فاقتضى أن اسم اللّه تعالى هو هو.

و أجيب بأنه ضمّن سبح معنى اذكر اسم ربك، فإن قيل: لم قال سبحانه:

بسم اللّه. و لم يقل: باللّه؟ قلت: قال الأخفش: لأمرين؛ لأن التبرك و الاستعانة المطلوبين من العبد لسانا فى ابتداء كل أمر ذى بال إنما يحصل بذكر اسم اللّه تعالى، أو للفرق بين اليمين و التيمن، فلو قيل: باللّه: لظن يمينا، فأزيل الاشتباه بذكر الاسم.

و قال قطرب: لإجلال اللّه تعالى ليقع به الفرق بين ذكره و بين الخلق.

قال الإمام المحقق الجدّ محمد بن رسول البرزنجى‏ (3) فى «أنهار السلسبيل على البيضاوى»: أقول: و فيه إشارة دقيقة إلى أن حقيقة ذاته تعالى و كنهه لا يمكن أن يدرك، و ما لا يدرك كيف يذكر، و إنما المدرك أسماؤه تعالى و صفاته، أو أن لسان الخلق ليس له أن يذكر الذات المقدس مع كمال تقدسه، فلو لا التوسل بذكر اسمه ليكون شفيعا له فى ذكره لكان مظنة أن لا يقبل منه و أن يعاقب .. انتهى.

و الاسم مشتق من السمو و هو العلو، و قيل: من الوسم و هى العلامة. و اللّه أصله: إله المنكّر، و اختار صاحب «الكشاف» أن أصله: الإله المعرّف، و الأوّل‏

____________

(1) عزاه السيوطى فى الجامع الكبير (16634) للرّهاوى فى الأربعين البلدانية. و ضعفه فى الجامع الصغير (6284)، و حسنه النووى فى الأذكار.

(2) سورة الواقعة: 74.

(3) هو محمد بن رسول بن محمد بن محمد بن رسول، الشافعى الأشعرى، ولد فى أحد نواحى «السلمانية» و توفى مطعونا فى «صادق‏بلاق»، و له مؤلف مطبوع اسمه: «تعليق على تعليقات السيالكوتى». انظر الأعلام (6/ 125)، سلك الدرر (3/ 65).

24

أولى؛ لأن تعبير «الكشاف» (1) إن لم يكن مراده أصله القريب يوهم أن الألف و اللام معتبران فى الأصل و ليس كذلك للوفاق على زيادتهما على الأصل، ثم حذفت الهمزة منه حذفا اعتباطيّا غير قياسى، و عوض عنها الألف و اللام وجوبا، و لذلك قيل: يا اللّه بالقطع و حذفت الألف الأخيرة من اللّه خطا، و قيل: تخفيفا، و قيل: لغة، فاستعمل فى الخط ثم فخمت تعظيما، و لئلا يلتبس باللات عند من يقف عليها بالهاء.

و اللّه و الإله كلاهما مختصان به تعالى إلا أن الفرق بينهما أن الأول مختص بالمعبود بحق، و الثانى يطلق على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا.

و قال الأكثرون: ليس بمختص بالمعبود بحق بل هو علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد لم يتسم به سواه، تسمى به قبل أن يسمى، و أنزله على آدم من جملة الأسماء، و قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (2) أى هل تعلم أحدا سمى اللّه غير اللّه.

و قال ابن الخازن: و هو الصحيح المختار. و دليله ما ذكر، يعنى: لا يقال لغير اللّه، فهو خاص لا مختص به سبحانه و تعالى إذ لا يسمى به غيره، فهو أخص الأسماء و هو أعرف المعارف و أعظم الأسماء، لأنه دل على الذات الموصوف بصفات الإلهية كلها، فهو اسم جامع لمعانى سائر الأسماء الحسنى كلها و ما سواه خاص بمعنى فلذا يضاف إليه جميع الأسماء و لا يضاف هو إلى شي‏ء.

____________

(1) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمى الزمخشري، معتزلى مجاهر، من أئمة العلم بالدين، و التفسير، و الأدب، ولد فى زمخشر (من قرى خوارزم) سنة (467 ه) و انتقل إلى مكة و منها إلى عديد من البلدان ثم إلى خوارزم، و توفى بها سنة (538 ه) و له مؤلفات عديدة منها: «الكشاف فى تفسير القرآن» و «أساس البلاغة» و «المفصل» و غيرها. انظر: الأعلام (7/ 118)، وفيات الأعيان (2/ 81)، سير أعلام النبلاء (20/ 151)، طبقات المفسرين (2/ 314)، مرآة الجنان (2/ 269)، المنتظم (18/ 37).

(2) سورة مريم: 65.

25

و هو عربىّ عند الأكثرين، و عند المحققين أنه الاسم الأعظم، و قد ذكر فى القرآن العظيم فى ألفين و ثلاثمائة و ستين موضعا، و عدم الاستجابة لكثيرين لعدم استجماعهم لشرائط الدعاء التي من جملتها أكل الحلال، و قد نظمها البدر بن جماعة (1) فى قوله:

قالوا شروط للدعاء المستجاب لنا * * * عشر بها يبشر الداعى بإفلاح‏

طهارة و صلاح معهما ندم‏ * * * وقت خشوع و حسن الظن يا صاح‏

و حلّ قوت و لا يدعو بمعصية * * * و اسم يناسب مقرونا بإنجاح‏

و اختار النووى- رحمه اللّه- أنه الحى القيوم. و قيل: هو لفظة هو. و قيل:

اللّه الرحمن الرحيم. و قيل: الرحمن الرحيم الحى القيوم. و قيل: الحنان المنان بديع السموات و الأرض ذو الجلال و الإكرام، رآه رجل مكتوبا فى الكواكب فى السماء. و قيل: ذو الجلال و الإكرام. و قيل: اللّه لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد. و قيل: رب رب.

و قيل: لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين. و قيل هو: اللّه اللّه اللّه الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. و قيل: هو مخفى فى الأسماء الحسنى. و قيل: كل اسم دعا العبد ربه به مستغرقا بحيث لا يكون فى فكره حالتئذ غير اللّه. و قيل: كلمة التوحيد. و قيل: الاسم الأعظم مما استأثر اللّه به.

____________

(1) هو محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الكنانى الحموى الشافعى، بدر الدين أبو عبد اللّه، قاضى، من العلماء بالحديث، و سائر علوم الدين، ولد فى حماة سنة (639 ه) و ولى الحكم و الخطابة فى القدس، ثم القضاء بمصر، ثم الشام، ثم مصر التي توفى بها سنة (733 ه) و له مؤلفات عديدة. انظر: الأعلام (5/ 297)، فوات الوفيات (2/ 174).

26

تنبيه‏

قال القسطلانى نقلا عن «الفتح»: و هل يجوز تفضيل بعض أسماء اللّه على بعض؟ فمنع من ذلك أبو جعفر الطبرى‏ (1) و أبو الحسن الأشعرى‏ (2) و القاضى أبو بكر الباقلانى‏ (3) لما يؤدى ذلك إلى اعتقاد نقصان المفضول على الأفضل، و حملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم، و أن أسماء اللّه تعالى عظيمة. و قال ابن حبان: الأعظمية الواردة المراد بها مزيد ثواب الداعى بها ..

انتهى.

(الرحمن الرحيم) هما صفتان بنيتا للمبالغة من الرحمة، فالرحمن البالغ فى الرحمة و الإنعام، و من ثم لم يسم به غيره تعالى، و تسمية أهل اليمامة مسيلمة- لعنه اللّه- به من التعنت فى الكفر.

و يجوز صرفه و عدمه.

و الرحيم: ذى الرحمة الكثيرة، فالرحمن أبلغ من الرحيم، و إن صح فى الحديث: «يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما». لزيادة بنائه فإن رحمن خمسة أحرف و رحيم أربعة أحرف، و هى تدل غالبا على زيادة المعنى، و إنما قلنا غالبا ليخرج مثل: حذر، و حاذر؛ فإن الأول أبلغ مع أن الثانى فيه زيادة البناء، و الاستدلال على الأغلبية بقولهم: «يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيم الآخرة»

____________

(1) هو محمد بن جرير بن يزيد الطبرى، أبو جعفر، المؤرخ و المفسر، ولد فى آمل طبرستان، و استوطن بغداد، و توفى بها سنة (310 ه) له مؤلفات عديدة منها: «أخبار الرسل و الملوك» المعروف بتاريخ الطبرى، و «جامع البيان فى تفسير القرآن» المعروف بتفسير الطبرى، و غيرها. انظر: الأعلام (6/ 69)، وفيات الأعيان (1/ 456)، سير أعلام النبلاء (14/ 267).

(2) هو على بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل الصحابى أبو موسى الأشعرى، و هو مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين، ولد فى البصرة، و تلقى مذهب المعتزلة ثم رجع عنه و جاهر بخلافهم، و توفى ببغداد سنة (324 ه)، و قيل أن مؤلفاته بلغت 300 مصنف. انظر: الأعلام (2/ 263)، وفيات الأعيان (4/ 326)، سير أعلام النبلاء (15/ 85).

(3) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، من كبار علماء الكلام، ولد بالبصرة و سكن بغداد و توفى بها سنة (403 ه)، و له مؤلفات عديدة منها: «إعجاز القرآن» و «الملل و النحل» و غيرها. انظر: الأعلام (6/ 176)، وفيات الأعيان (1/ 481)، سير أعلام النبلاء (17/ 190).

27

فيه نظر لهذا الحديث الدال على استوائهما فى ذلك، و أتى به تتميما لوصفه تعالى بالرحمة.

و الرحمة: رقة فى القلب، و انعطاف و ميل روحانى غايته الإنعام، فهى مستحيلة فى حقه تعالى باعتبار مبدئها.

و هى: الرقة فى القلب و الانعطاف جائزة باعتبار غايتها.

و هى الإنعام؛ و حينئذ تكون مجازا مرسلا أصليّا من إطلاق اسم السبب و إرادة المسبب، و يكون الرحمن الرحيم مجازا مرسلا تبعيّا كذلك، و يصح أن يكون فى الكلام كناية اصطلاحية و هى لفظ أطلق و أريد لازم معناه.

و ما ذكرناه من اعتبار الغاية هو أحد القولين فيه للخلف، و إنما قالوا باعتبار غايتها لأن أسماء اللّه تعالى المشتقة من المعانى الافعالية إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هى أفعال كالتفضل و الإحسان و المغفرة دون المبادى التي تكون انفعالات، فالرحمة المشتق منها الاسمان فى اللغة معناها: رقة القلب و الانعطاف، و الرقة و الانعطاف: انفعال يتنزه عنه، واجب الوجود؛ فلا يسوّغ اشتقاق الاسمين منها إلا باعتبار غايتها.

و هى: التفضل و الإحسان فتكون من صفات الأفعال، فالرحمن بمنزلة الخالق و الرازق.

و قيل: باعتبار مبدأ تلك الأفعال الذي هو إرادة ذلك، فتكون من قبيل صفات الذات، فالرحمن و الرحيم بمنزلة المريد.

قال بعضهم: منشأ الاختلاف أن من رحم شخصا أراد به الخير ثم فعله به، فالشيخ الأشعرى أخذ المجاز الأقرب و هو الإرادة، و القاضى أبو بكر أخذ المجاز المقصود و هو الفعل .. انتهى. قال جدنا محمد بن رسول فى «أنهاره»:

و على القولين يتعين التأويل .. انتهى.

و قد علمت أن هذين القولين هما مذهب الخلف، و أما مذهب السلف فالإيمان بذلك و التسليم، فإنه كما جاز أن يكون سمع اللّه و بصره صفتين‏

28

حقيقيتين، و إطلاق السميع و البصير عليه حقيقة مع عدم لزوم التجسيم لعدم استلزامها ثبوت الجارحة له تعالى، كذلك جاز أن تكون الرحمة صفة حقيقية للّه تعالى، و يكون إطلاق الرحمن الرحيم عليه حقيقة و لا يستلزم ثبوت الانفعال، و إنما اختير هذان الوصفان فى الابتداء للإشارة الواضحة التامة إلى غلبة جانب الرحمة وسعتها و سبقها لطفا بالعباد. قال تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (1).

و فى الحديث: «إن اللّه كتب فى كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتى سبقت غضبى» (2).

و قدم الرحمن على الرحيم لما مر؛ و لأنه خاص إذ لا يقال لغير اللّه تعالى بخلاف الرحيم.

و هما من أذكار المضطرين لأنه بهما يسرع لهم تنفيس الكرب، و فتح أبواب الفرج.

و جملة البسملة تحتمل الخبرية مطلقا و الإنشائية مطلقا، و قد قيل بكل منهما. و وجّه الأول بعضهم و تلقاه من بعده بالقبول، و تعقبه الخفاجى‏ (3) فى «نسيم الرياض»، و قد أجابوا عنه.

و استظهر بعض المحققين أنها خبرية الصدر لصدق تعريف الخبر عليه؛ أعنى عدم توقف ثبوت مدلوله خارجا على النطق، إنشائية العجز؛ أعنى الجار و المجرور لتوقف الاستعانة و المصاحبة التبركية على النطق بذلك، و يوضحه ما ذكره العلامة المحقق الصبّان‏ (4) فى «بسملته» و نصه: و هل هى- أى الجملة-

____________

(1) سورة الأعراف: 156.

(2) أخرجه البخاري (6872).

(3) هو أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجى، صاحب التصانيف فى الأدب و اللغة، ولد و نشأ بمصر سنة (977 ه) و رحل إلى بلاد الروم و اتصل بالسلطان العثمانى «مراد» فولاه قضاء سلانيك، و عاد إلى مصر و توفى بها، و له مؤلفات عديدة منها: «نسيم الرياض فى شرح شفاء القاضى عياض» و «شرح درة الغواص و أوهام الخواص للحريرى» و غيرها. انظر: الأعلام (1/ 238)، و خلاصة الأثر (1/ 331).

(4) هو محمد بن على الصبان، أبو العرفان، عالم بالعربية و الأدب، ولد و توفى بمصر، و له مؤلفات عديدة منها:-

29

إنشاء أو خبر؟ لنا فى ذلك تفصيل حسن حاصله: الباء إن كانت للاستعانة أو المصاحبة فالجملة المقدرة- أعنى أؤلف مثلا- خبر لصدق حد الخبر عليه، و هو الكلام الذي يتحقق مدلوله خارجا بدون ذكره لتحقق التأليف مثلا بدون ذكر أؤلف، و متعلقها- أعنى الجار و المجرور- إنشاء لصدق حد الإنشاء عليه، و هو الكلام الذي لا يتحقق مدلوله خارجا بدون ذكره لعدم تحقق الاستعانة باسمه تعالى و المصاحبة له بدون ذكر بسم اللّه.

فإن قلت: الجار و المجرور ليس بكلام، فكيف جعل إنشاء؟ قلت: هو فى معنى الكلام؛ لأنه فى معنى أستعين باسم اللّه أو أصاحب اسم اللّه، فبان أن مجموع أؤلف‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ على تقديرى الباء المذكورين خبرا صدرا إنشاء عجزا .. انتهى المقصود منه.

ثم الأصح أن‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ بهذه الألفاظ العربية على هذا الترتيب من خصائص المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و أمته المحمدية، و ما فى سورة النمل جاء على جهة الترجمة عما فى ذلك الكتاب، فإنه لم يكن عربيّا كما أتقنه بعض المحققين، و عند الطبرانى عن بريدة- رفعه-: «أنزل علىّ آية لم تنزل على نبىّ بعد سليمان غيرى: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏» (1).

و أما حديث: «بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ مفتاح كل كتاب». رواه الخطيب فى الجامع معضلا فلا يرد، و على فرض صحته فلا ينافى الخصوصية لأنها لم تكن بالألفاظ العربية.

____________

«الكافية الشافية فى علمى العروض و القافية» و «إتحاف أهل الإسلام بما يتعلق بالمصطفى و أهل بيته الكرام» و «إسعاف الراغبين» فى السيرة، توفى سنة (1206 ه). انظر: الأعلام (6/ 297)، الجبرتى (2/ 227).

(1) عزاه السيوطى فى الدر المنثور (1/ 26) لأبى عبيد و ابن مردويه و البيهقي فى الشعب.

30

[فضائل‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏]

و هى آية عظيمة فضائلها كثيرة، و فوائدها شهيرة، أفردها العلماء بالتصانيف، فلنذكر شيئا منها إذ لا بأس به باعتبار الفن الذي نحن فيه- و هو فن الحديث- لتعود بركتها علينا إن شاء اللّه تعالى.

فمما ورد فى فضلها من الأخبار و الآثار:

أنه لما نزلت حلف اللّه بعزته و جلاله أن لا يسمّى على شي‏ء إلا بارك فيه‏ (1).

و أنه من أراد اللّه أن ينجيه من الزبانية التسعة عشرة فليقرأها ليجعل اللّه له بكل حرف منها جنّة- أى وقاية- من كل واحد منهم‏ (2).

و أنه من قرأها موقنا سبّحت معه الجبال، إلا أنه لا يسمع ذلك منها (3).

و أنه من قرأها كتب اللّه له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، و محا عنه أربعة آلاف سيئة، و رفع له أربعة آلاف درجة (4).

و من ختم له باسم اللّه مات سعيدا أو من وضع فى قبره فقيل: بسم اللّه و على ملة رسول اللّه لقّن الجواب.

و قال علىّ- كرم اللّه وجهه-: كلمة بسم اللّه مسهلة للوعور، مجنبة للشرور، شفاء لما فى الصدور، و أمان يوم النشور.

و قال أبو بكر الوراق- (رحمه الله تعالى)-: إن‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ روضة من رياض الجنة، لكل حرف منها تفسير على حدته فى الأخبار عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «ليلة أسرى بى إلى السماء عرض علىّ جميع الجنان، فرأيت فيها أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، و نهر من لبن لم يتغير طعمه، و نهر

____________

(1) عزاه السيوطى فى الدر المنثور (1/ 30) لابن مردويه و الثعلبى.

(2) عزاه السيوطى فى الدر المنثور (1/ 30) لوكيع و الثعلبى.

(3) عزاه السيوطى فى الدر المنثور (1/ 31) لأبى نعيم و الديلمى.

(4) عزاه السيوطى فى الدر المنثور (1/ 31) للديلمى.

31

من خمر، و نهر من عسل، كما قال اللّه تعالى فى القرآن: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ‏ (1) الآية فقلت لجبريل (عليه السلام): من أين تجي‏ء، و إلى أين تذهب؟ قال: تذهب إلى حوض الكوثر، و لا أدرى من أين تجي‏ء، فاسأل اللّه أن يريك. فدعوت ربى، فجاءنى ملك فسلّم على، ثم قال: يا محمد غمّض عينيك، فغمضت عينى، ثم قال: افتحهما، فإذا أنا عند شجرة و رأيت قبة من زمردة بيضاء و لها باب من ذهب أحمر- و قيل: زمرد أخضر- لو أن جميع ما فى الدنيا من الجن و الإنس وقفوا على تلك القبة لكانوا مثل طائر جالس على جبل أو كرة ألقيت فى البحر، فرأيت هذه الأنهار الأربعة تجرى من تحتها، فلما أردت أن أرجع قال لى الملك: لم لا تدخل القبة؟ قلت:

كيف أدخل و على بابها قفل، و كيف أفتحه؟! قال: فى يدك مفتاحه. فقلت:

أين هو؟ فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏، فلما دنوت من القفل قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فانفتح القفل، فدخلت القبة، فرأيت هذه الأنهار تخرج من أربعة أركان القبة، فلما أردت الخروج من القبة قال ذلك الملك: هل رأيت يا محمد؟ قلت: رأيت. قال: فانظر ثانيا. فلما نظرت رأيت مكتوبا على أربعة أركان القبة: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏، و رأيت نهر الماء يخرج من ميم بسم اللّه، و نهر اللبن يخرج من هاء اللّه، و نهر الخمر يخرج من ميم الرحمن، و نهر العسل يخرج من ميم الرحيم، فقلت: إن أصل هذه الأنهار الأربعة من التسمية، فقال اللّه: يا محمد من ذكرنى بهذه الأسماء من أمتك، و قال بقلب خالص: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ سقيته من هذه الأنهار الأربعة» (2) .. هذا و فضائلها أكثر من أن تحصى و فى هذا القدر كفاية.

و قد علمت أن البسملة من كلام المصنف- رحمه اللّه- و لا ينافيه قوله:

(أبتدئ الإملاء ...) إلخ مع التصريح بذكر متعلق الجار لأن هذا إخبار عما

____________

(1) سورة محمد: 15.

(2) لم أعثر عليه فيما تحت يدى من مراجع.

32

حصل منه أولا، و حينئذ يكون المضارع فى قوله: أبتدئ بمعنى الماضى، أى ابتدأ.

و الغرض من هذا الإخبار التوصل إلى التعليل المأخوذ من قوله الآتى، فإنه لا حول و لا قوة إلا باللّه، هذا ما ظهر فى توجيه عبارة المصنف- رحمه اللّه- و تعليل بعضهم بأن غرضه إدراج الابتداء بالتسمية فى سلك التسبيح ليكون ذلك أعون له على ما قصده من هذا الصنيع البديع لا يخفى ما فيه.

و الإملاء مصدر أملى إذا ألقى الكلام على من يكتبه، و يقال: أملل فمصدره الإملال، و قد جاء القرآن بهما، قال تعالى: فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا (1). و قال تعالى: وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ‏ (2) فيحتمل أن يكون باقيا على مصدريته و أن يكون بمعنى الكلام المملى، و فيه إشارة إلى سهولته و عدم تكلفه فى ذلك.

(باسم الذّات) الإضافة على معنى اللام أى باسم للذات خاص بها و هو لفظ الجلالة كما تقدم‏ (العليّة) التاء فيه للمبالغة، و قد منع أبو على الفارسى‏ (3) دخولها فى صفات اللّه تعالى تنزيها له تعالى لأنها من خصائص المؤنث، و لقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً (4) و هو قول حسن، لكن الذي يظهر جوازه كما يقال لمن كثر علمه: علّامة، و لمن تبحر فى علم النسب:

نسّابة، و استعملها بعض المتبحرين فى بعض خطبه، و تبعه المصنف، ثم العلو هنا معنوى لا مكانى لاستحالته عليه تعالى.

و الذّات: أصلها مؤنث ذو المقتضية لموصوف، و الملازمة للإضافة كرجل ذى مال ثم استعملوها استعمال الأسماء المستقلة فقالوا: ذات قديمة، و نسبوا

____________

(1) سورة الفرقان: 5.

(2) سورة البقرة: 282.

(3) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الفارسى الأصل، أبو على، أحد الأئمة فى علم العربية، ولد فى «فسا» من بلاد فارس سنة (288 ه) و تجول فى كثير من البلدان ثم عاد إلى بلاد فارس و توفى بها سنة (377 ه)، و له مؤلفات عديدة. أنظر: الأعلام (3/ 179)، وفيات الأعيان (1/ 131).

(4) سورة النساء: 117.

33

للفظها فقالوا: ذاتى، و قد تستعمل بمعنى نفس الشي‏ء و حقيقته كما هنا، ففى كلامه- كما قال بعضهم- إشارة إلى جواز إطلاق الذات عليه تعالى، و هو الصحيح لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «تفكروا فى كل شي‏ء و لا تفكروا فى ذات اللّه تعالى» (1).

و منع العلامة ابن حجر فى «شرح الأربعين» جواز إطلاق النفس عليه تعالى، قال: لأنها تشعر بالتنفيس و الحدوث فامتنع إطلاقه عليه- سبحانه و تعالى- إلا فى حيز المقابلة إذ هى قرينة ظاهرة على أن المراد بها فى حقه سبحانه و تعالى غير حقيقتها و ما يتبادر منها.

و أيضا ففى إطلاقها عليه تعالى إيهام شمول قوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* (2) لذلك تعالى اللّه عنه علوّا كبيرا. قال: و لقد بالغ بعض العلماء فجعل‏ وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ‏ (3) راجعا لعيسى- عليه الصلاة و السلام- و الأصل: و لا أعلم ما فيها ثم أوقع الظاهر موضع المضمر فصار معناه: و لا أعلم ما فى مخلوقتك. قال: و هو و إن كان فيه تكلف إلا أنه مؤيد لما ذكرته، فتأمل ذلك فإنه مهم و إن لم أر من عرج عليه .. انتهى ببعض حذف.

لكن صرح اللقانى‏ (4)- (رحمه الله تعالى)- بجواز إطلاقها عليه تعالى بدون مقابلة لأن النفس تطلق بمعنى الذات، و يدل له قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (5) فألحق جواز إطلاقها عليه تعالى من غير مشاكلة.

(مستدرّا) حال من فاعل أبتدئ اسم فاعل استدر إذا طلب الدر، و الدّر بالفتح اللبن، و منه للّه درّه. قال فى «المختار»: يقال للّه دره أى علمه، و للّه‏

____________

(1) عزاه السيوطى فى الجامع الكبير (12726) لأبى الشيخ فى العظمة، و ابن مردويه، و ابن نصر السجزى فى الإبانة، و البيهقي فى الأسماء و الصفات، و انظر كشف الخفا (1/ 371).

(2) سورة الأنبياء: 35.

(3) سورة المائدة: 116.

(4) هو إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقانى، برهان الدين، فاضل متصوف، مصرى مالكى، ولد بمصر بقرية لقانه إحدى قرى البحير، و توفى بقرب العقبة سنة (1041 ه)، و له مؤلفات عديدة منها: «جوهرة التوحيد» و هو منظومة فى العقائد، و غيرها. انظر: الأعلام (1/ 28)، سلك الدرر (2/ 81).

(5) سورة الأنعام: 54.

34

درّه من رجل و يقال فى الذم: لا درّه أى لا كثر خيره .. انتهى.

قال العلامة الحفنى‏ (1) فى «حاشية المنح» و استعمال الدرّ فى الخير و نفيه فى الشر مجاز و إلا فحقيقة الدرّ اللبن و إنما استعمل ما ذكر فى المدح تعظيما، و معنى للّه درّه أن اللبن الذي نبت اللحم بسببه و ربى به لا ينتسب لغير اللّه لخروج كمال الممدوح به عن العادة فلم يضف لغيره سبحانه و تعالى .. انتهى.

و أصله مصدر درّ، إذا نزل، فالمعنى: طالبا منه سبحانه و تعالى أن يدر أى يصب.

(فيض البركات) الفائضة الكثيرة الزائدة فى الكثرة من فاض الماء إذا كثر حتى سال، فإضافته للبركات من إضافة الصفة للموصوف. و البركات جمع بركة، و هى لغة: النمو و الزيادة، و عرفا: ثبوت الخير الإلهى فى الأشياء، و الظاهر صحة إرادة كل منهما (على ما) يحتمل أن تكون ما موصولة أى الذي‏ (أناله) أى أعطاه لنا من النعم التي لا يمكن عدّها و حصرها (و) على ما (أولاه) كذلك فهو من عطف الرديف، و أخّره عما قبله مراعاة للسجع، و يحتمل أن تكون‏ (ما) نكرة موصوفة فيكون ما بعدها صفة لها، ثم أردف الابتداء باسم اللّه بالثناء عليه بما هو أهله من أنواع الحمد عملا برواية: «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد اللّه و بالحمد للّه ...» الحديث‏ (2). فقال:

(و أثنّى) بضم الهمزة و فتح المثلاثة و تشديد النون أى آتى ثانيا بصيغة الاستقلال إظهارا لتعظيم اللّه سبحانه و تعالى بتأهيله للعلم تحدثا بنعمة اللّه تعالى عملا بقوله عز و جل: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏ (3) و هذا لا ينافى الخضوع و التواضع للمولى.

____________

(1) هو محمد بن سالم بن أحمد الحفنى، ولد بمصر و تعلم فى الأزهر و عمل بالتدريس فيه، و له مؤلفات عديدة منها: «حاشية على شرح العضد للسعد» و «حاشية على الجامع الصغير للسيوطى» و حاشية على شرح الهمزية لابن حجر الهيثمى المعروفة ب «المنح المكية»، توفى سنة (1181 ه) انظر: الأعلام (6/ 135).

(2) أخرجه ابن ماجه (1984)، البيهقي فى السنن (3/ 209)، مجمع الزوائد (2/ 188).

(3) سورة الضحى: 11.

35

(بحمد) لا يقال أن البداءة المطلوبة بالحمد فاتت لتقدم البداءة بالبسملة لأنا نقول الابتداء قسمان: حقيقى و إضافى؛ فالحقيقى حصل بالبسملة، و الإضافي بالحمدلة.

و الحمد لغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختيارى على جهة التبجيل و التعظيم سواء كان فى مقابلة نعمة أم لا، و إنما عبرنا بالكلام- كما عبر به بعض المحققين- ليشمل التعريف حينئذ: الحمد القديم و هو حمد اللّه نفسه بنفسه و حمده لأنبيائه و أوليائه و أصفيائه، و الحمد الحادث و هو حمدنا للّه تعالى و حمد بعضنا لبعض.

و أما تعبير بعضهم باللسان فيلزم عليه أن لا يكون التعريف شاملا للقديم إلا أن يراد باللسان الكلام على سبيل المجاز المرسل من إطلاق السبب- و هو اللسان- و إرادة المسبب- و هو الكلام-، و لا يرد بأن التعاريف تصان عن المجاز لأن محمل ذلك ما لم يكن المجاز مشهورا كما هنا.

و اصطلاحا: فعل ينبى‏ء عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولا باللسان أو اعتقادا بالجنان أو عملا بالأركان التي هى الأعضاء.

و أتى بصيغة التنكير للتكثير و التعظيم، إذ المراد به الثناء بجميع صفاته، قال بعضهم: و المراد الإيجاد، و فيه نظر لأنه لا مانع من كونه للإخبار أيضا؛ لأن الإخبار بالحمد حمد كما هو معلوم.

و عدل عن الحمد للّه بالصيغة المعروفة الشائعة للحمد، و إن كان الثناء بها من حيث تفضيلها أوقع فى النفس من الثناء به؛ لأنه ثناء بجميع الصفات برعاية الأبلغية، فالثناء به أبلغ من الثناء بها فى الجملة.

(موارده) جمع مورد و هو المحل الذي يؤخذ منه الماء من نحو بحر (سائغة) اسم فاعل ساغ الشراب إذا سهل ابتلاعه‏ (هنيّة) أى محمودة العاقبة و أصلها- و إن كان مختار قول «القاموس» عدمه- هنيئة بالهمز قلبت الهمزة ياء ثم‏

36

أدغمت فيها الأولى فصارت هنيّة بالتشديد لأجل التسجيع، ففى قول بعضهم: خففها لأجل التسجيع بدليل مقابلتها بسائغة نظر، إلا أن يكون مراده: خففها بتسهيلها ياء ثم أدغمت الياء فيها.

و فى كلامه استعارة تصريحية حيث شبه الصيغ الدالة على الحمد بموارد للمشابهة فى مطلق الإيصال.

و مع هذا فيصح أن تكون قرينة لاستعارة البحر فى النفس للحمد لشبهه له فى عموم النفع على مختار صاحب «الكشاف» على سبيل الاستعارة المكنية.

و كل من قوله: «سائغة هنية» سهلة التناول لفصاحتها و اختصارها، مع اشتمالها على جميع أنواع المحامد، و كونها موفية بجميع أنواع النعم، فالمراد بذلك الصيغة الواردة عن الشارع نحو: «لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». و: «الحمد للّه حمدا موافيا لنعمه مكافئا لمزيده».

و لا ريب فى أنها لذيذة محمودة العاقبة. قال بعضهم: و ربما كان ذلك دليلا على أن يضبط قوله: و أثنى بضم الهمزة و سكون المثلاثة على معنى أن أحمده بأحسن المحامد و أفضلها، فلو حلف ليثنين على اللّه أحسن الثناء فطريق البر أن يقول: لا أحصى ثناء ... إلخ؛ لأن أحسن الثناء ثناء اللّه على نفسه، و كذا لو حلف ليحمدن اللّه بمجامع الحمد أو بأجل التحاميد فطريقه أن يقول: الحمد للّه حمدا ... إلخ. و الحاصل أن العبد لا يطيق الثناء على اللّه كما ينبغى و لو فى مقابلة نعمة واحدة فكيف يحصى نعمته و إحسانه و الثناء بها عليها و إن اجتهد فى ذلك فالكل معترف بالعجز عن تفصيل الثناء و أنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، فنوكل ذلك إلى اللّه سبحانه و تعالى المحيط بكل شي‏ء علما جملة و تفصيلا.

و كما أنه لا نهاية للثناء عليه لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل ثناء أثنى به عليه و إن كثر و طال و بولغ فيه فقدر اللّه أعظم، و سلطانه أعز، و صفاته أكبر و أكثر، و فضله و إحسانه أوسع و أسبغ.

37

(ممتطيا) بضم الميم الأولى و سكون الثانية اسم فاعل امتطى إذا ركب المطية، و هى الدابة تمط أى تمد فى سيرها، حال من فاعل أثنى.

(من الشّكر) هو الحمد عرفا لكن بإبدال الحامد بالشاكر، و عرفا: صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه من السمع و غيره إلى ما خلق لأجله و (من) يجوز أن تكون بيانية و تبعيضية، و الأصح هو الوجه الثانى؛ إذا لا غاية للنعم حتى يتوقف بالشكر عليها. قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (1) لأن العقول قاصرة عن تعديد ما فى أقل الأشياء من المنافع و الحكم، فكيف يمكن الإحاطة بكل ما فى العالم من المنافع و الحكم؟!.

فإن قيل: فإذا كانت النعم غير متناهية و ما لا يتناهى لا يحصل العلم به فكيف أمر بتذكرها فى قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏ (2)؟

فالجواب: أنها و إن كانت غير متناهية بحسب الأشخاص و الأنواع إلا أنها متناهية بحسب الأجناس و ذلك يكفى فى التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم، و قد جعل سبحانه و تعالى العجز عن شكره شكرا، كما جعل الاعتراف بالعجز عن معرفته معرفة، و لذلك قال الصديق: العجز عن درك الإدراك إدراك.

(الجميل) أى الحسن صفة كاشفة أو مخصصة لأنه قد يصحبه فى بعض الأحيان ما يحبط ثوابه كالرياء و نحوه، فالمراد ما كان بإخلاص و حضور قلب.

(مطاياه) جمع مطية فعيلة بمعنى مفعولة أى ممطية بمعنى مركوبة و هو هنا مستعار لصيغ الشكر لشبهها لها فى مطلق الإيصال على سبيل الاستعارة التصريحية، و مع هذا فيصح أن تكون قرينة لاستعارة بالكناية، فيكون قد شبه الشكر بجهة شاقة صعبة بعيدة لا يمكن الوصول إليها إلا بالمطايا، و طوى ذكر

____________

(1) سورة إبراهيم: 34.

(2) سورة البقرة: 47.

38

المشبه به- و هو الجهة المذكورة- و رمز له بشي‏ء من لوازمه- و هو المطايا- على سبيل التخييل، فهو القرينة كما تقدم، و إنما كان الشكر لا يمكن الوصول إليه إلا بمشقة لما مر و لأنه يؤذن بازدياد النعم على الشاكر. قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ (1) فينبغى زيادة الاعتناء بشأنه، و بالجملة فمقام الشكر لا يمكن من كل أحد القيام به كما قال تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (2).

(و أصلّي) من الصلاة، و هى من اللّه الرحمة المقرونة بالتعظيم، و مما سواه- تعالى- من الملائكة و غيرهم الدعاء، و هو أحسن مما اشتهر من أنه بالنسبة للملائكة الاستغفار، و بالنسبة لغيرهم الدعاء؛ لأن الاستغفار من جملة الدعاء. و التحقيق أن الصلاة معناها العطف، فإن أضيف إلى اللّه كان بمعنى الرحمة، و إن أضيف إلى غيره كان بمعنى الدعاء كما ذهب إليه ابن هشام فى «مغنيه» و نقله عنه شيخنا الباجورى فى «حواشيه على السمرقندية»، و إنما كان هذا هو التحقيق لأن الأصل عدم تعدد الوضع.

و خص الأنبياء بلفظها فلا تستعمل فى غيرهم إلا تبعا؛ تمييزا لمراتبهم الرفيعة، و ألحق بهم الملائكة لمشاركتهم لهم فى العصمة و إن كان الأنبياء أفضل من جميعهم، و من عداهم من الصلحاء أفضل من غير خواصهم.

(و أسلّم) من السلام و هو التسليم من الآفات المنافية لغاية الكمالات، و جمع بينهما لنقلهم عن العلماء كراهة إفراد أحدهما عن الآخر- أى لفظا لا خطّا- خلافا لمن عمم، و للآية (3) و لحديث: «إن جبريل قال: أ لا أبشرك إن اللّه تعالى قال: من صلى عليك صليت عليه، و من سلم عليك سلّمت عليه».

و جملة الصلاة و السلام خبرية لفظا إنشائية معنى لقصده بها الإنشاء فلا تفيد الإنشاء إلا بالقصد؛ لأن الجملة المضارعية موضوعة للإخبار فتتوقف إفادتها الإنشاء على القصد، و بهذا تعلم ما فى قول البرماوى تبعا للقليوبى من أن‏

____________

(1) سورة إبراهيم: 7.

(2) سورة سبأ: 13.

(3) يشير إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (سورة الأحزاب: 56).

39

الجملة المضارعية تفيد الإنشاء من غير قصد، و لا يصح أن تكون خبرية لفظا و معنى؛ لأن الإخبار بالصلاة ليس بصلاة و إن تكلّف بعضهم صحة ذلك، بخلاف جملة الحمدلة لما مر، و المراد أتضرع إلى اللّه و أطلب منه الصلاة و السلام.

(على النّور) المراد به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم مقتبس من قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ‏ (1) و أصله من نار ينور إذا نفر، و منه نوار للظبية، و به سميت المرآة، فوضع لانتشاره أو لإزالته الظلام، فكأنه ينفر منه، ثم أطلق على اللّه و على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و على القرآن.

و إنما أحلنا ذلك إلى اللّه؛ لأنه صلى اللّه عليه و سلم طاهر لا عيب فيه، و نحن فينا المعايب و النقائص، فكيف يثنى من فيه معايب و نقائص على طاهر كامل، و لأن المصلى و المسلم فى الحقيقة هو اللّه تعالى و نسبتهما للعبد مجازى بمعنى السؤال، و لأننا لم ندرك مراد اللّه تعالى فأحلنا ذلك إليه لأنه أعلم بما يليق به و أعرف بما أراده له صلى اللّه عليه و سلم.

(الموصوف بالتّقدّم و الأوليّة) أى بالنسبة إلى سائر المخلوقات و لا يردّ عليه بما فى رواية السدّى‏ (2): أن اللّه لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء، و بما فى رواية عبادة بن الصامت: أول ما خلق اللّه القلم‏ (3)، لما عليه المحققون أن نوره صلى اللّه عليه و سلم خلق قبل الأشياء، و لحديث جابر بن عبد اللّه قال: قلت: بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه، أخبرنى عن أى شي‏ء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء؟ قال صلى اللّه عليه و سلم: «يا جابر إن اللّه تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره» الحديث‏ (4).

و قد جمع بين هذا الحديث و ما قبله بأن أول خلقه القلم بالنسبة إلى ما عدا

____________

(1) سورة المائدة: 15.

(2) هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدى، تابعى، حجازى الأصل، توفى سنة (128 ه)، انظر: الأعلام (1/ 317).

(3) مستدرك الحاكم (2/ 454)، ميزان الاعتدال (8298)، حلية الأولياء (7/ 318).

(4) انظر: كشف الخفا للعجلونى (1/ 130) و قال المحدث الغمارى فى «المغير على الجامع الصغير»: هذا الحديث موضوع.

40

النور النبوى المحمدى و الماء و العرش، فالأولية فيه حقيقة و فى غيره نسبية (1).

و اختلفوا فى الإضافة فى قوله: «من نوره» و الذي صفا لنا من كلامهم أنها يحتمل أن تكون حقيقية على معنى اللام نظير ما قاله البيضاوى فى قوله تعالى: وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏ (2)؛ فالمراد خلقه من نور مخلوق له تعالى قبل خلق نور المصطفى، فخلقه منه لا من نور قائم بذاته تعالى، و أضافه إليه لتوليه خلقه و إيجاده، و فيه نظر؛ لأنه يقتضى عدم أولية خلق نور نبينا صلى اللّه عليه و سلم مع أنه متفق على أولية خلقه، كذا قال بعضهم، و يجاب عن ذلك: بأن النور المخلوق له هو نور المصطفى صلى اللّه عليه و سلم لا غيره.

و معنى خلقه منه تكوينه إلى حالة أخرى غير الحالة الأولى كما يقال:

اتخذت الخبز من الدقيق و الماء، و نحو ذلك؛ فإن ذلك لا يقتضى أن الخبز غير الدقيق و الماء و إنما التغاير فى الأحوال و الصفات، أو تكون الإضافة بيانية أى من نور هو ذاته تعالى، و قد عهد إطلاق النور عليه تعالى فى القرآن كما مر لا بمعنى أنها مادة خلق منها، و فيه نظر لأن الإضافة البيانية لا تأتى فى الإضافة للضمير كما نص عليه اللقانى، و على تقدير صحة كون الإضافة بيانية فلتكن «من» فى قوله: «من نوره» بمعنى الباء، فالمراد خلقه بذاته بمعنى تعلق الإرادة به قبل كل شي‏ء من غير واسطة شي‏ء فى وجوده، و بهذا التوجيه علم أن مال كون الإضافة حقيقية أو بيانية واحد، و هذا هو الصواب عندى لأن ذات اللّه تبارك و تعالى منزهة عن أن تكون نورا؛ لأنه عرض، و قد تعالى عن الجوهر و العرض لسلامته من هذه التكلفات، و لا تستشكل الأولية بأن النور عرض لا يقوم بنفسه لأن هذا من خرق العوائد بالنسبة لنا.

أقول: و لا يبعد أن يجاب بمثل هذا عن القول بأن النور المحمدى جوهر لا عرض، و الجوهر لا بد له من حيز سابق فى الوجود على المتحيز، و اللّه سبحانه‏

____________

(1) قال السيوطى فى «قوت المغتذى على سنن الترمذى»: و أما حديث أولية النور المحمدى فلم يثبت.

(2) سورة السجدة: 9.

41

و تعالى على كل شي‏ء قدير، ثم ليس المراد بالنور الذي هو الحقيقة المحمدية مقابل الظلمة كما توهم، بل المراد أنها شي‏ء يسمى نورا و لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى، فتلك الحقيقة من مواقف العقول. ثم قوله صلى اللّه عليه و سلم: «كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» (1) لا ينافى ما مر أن نوره مخلوق قبل الأشياء، و أن اللّه قدر مقادير الخلق قبل خلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة، لأن نوره مخلوق قبل الأشياء، و جعل يدور بالقدرة حيث شاء اللّه، ثم كتب فى اللوح المحفوظ، ثم جسّم صورته على شكل أخص من ذلك النور، و لأن فى التعبير ببين اليدين مرتبة أظهرت له لم تكن قبله.

و يروى أنه لما خلق اللّه آدم ألهمه أن قال: يا رب لم كنيتنى أبا محمد؟ قال اللّه تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد فى سرادق العرش، فقال: يا رب ما هذا النور؟ فقال: هذا نور نبى من ذريتك اسمه فى السماء أحمد و فى الأرض محمود، لولاه ما خلقتك و لا خلقت سماء و لا أرضا» (2).

و يشهد لهذا ما رواه الحاكم فى صحيحه أن آدم- (عليه السلام)- رأى اسم محمد مكتوب على العرش، و أن اللّه تعالى قال: «لو لا محمد ما خلقتك» (3) و للّه در صالح بن الحسين الشاعر:

و كان لدى الفردوس فى زمن الصبا * * * و أثواب شمل الأنس محكمة السّدى‏

يشاهد فى عدن ضياء مشعشعا * * * يزيد على الأنوار فى الضوء و الهدى‏

فقال: إلهى ما الضياء الذي أرى‏ * * * جنود السماء تعشوا إليه ترددا

____________

(1) عزاه الحافظ الشامى فى سيرته (1/ 90) لابن القطان فى كتاب الأحكام، و سكت عليه!.

(2) عزاه القسطلانى فى «المواهب اللدنية» لابن طغربك فى «المولد الشريف» و لم أعثر عليه فيما تحت يدى من مصادر.

(3) انظر: اللآلئ المصنوعة (1/ 297)، مجمع الزوائد (9/ 41).

42

فقال: نبى خير من وطأ الثّرى‏ * * * و أفضل من فى الخير راح أو اغتدى‏

تخيّرته من قبل خلقك سيدا * * * و ألبسته قبل النبيين سؤددا

و أعددته يوم القيامة شافعا * * * مطاعا إذا ما الغير حاد فحيّدا

فيشفع فى إنقاذ كل موحد * * * و يدخله جنات عدن مخلّدا

و إن له أسماء سمّيته بها * * * و لكننى أحببت منها محمّدا

فقال إلهى امنن علىّ بتوبة * * * تكون على غسل الخطيئة مسعدا

بحرمة هذا الاسم و الزلفة التي‏ * * * خصصت بها دون الخليقة أحمدا

أقلنى عثارى يا إلهى فإن لى‏ * * * عدوا لعينا جار فى القصد و اعتدا

فتاب عليه ربّه و حماه من‏ * * * جناية ما أخطأه لا متعمّدا

و قوله: ضياء مشعشعا ... إلخ لا ينافى ما تقدم من أنه ليس المراد بالنور ما قابل الظلمة و إنما هو عبارة عن حقيقة لا يعلمها إلا هو عز و جل؛ لاحتمال أن تكون تلك الحقيقة لها نور يقابل الظلمة.

و صح خبر: متى كنت نبيّا؟ قال: «كنت نبيا و آدم بين الروح و الجسد» (1)،

____________

(1) مستدرك الحاكم (2/ 609) و صححه و وافقه الذهبى، و أحمد فى مسنده (5/ 59)، طبقات ابن سعد (1/ 95)، البخاري فى التاريخ الكبير (7/ 384)، الطبرانى فى المعجم الكبير (20/ 353)، مجمع الزوائد (8/ 323).

43

و لفظ: «كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين» لم يوجد مرويا، و كذلك حديث:

«كنت نبيا و لا آدم و لا ماء و لا طين» (1) لا أصل له.

قال الخفاجى فى «شرح الشفاء»: ليس معناه أنه موضوع كما توهم فإنه رواية بالمعنى و هى جائزة لأنه بمعنى الحديث الذي قبله، و ليس المراد من ذلك التقدير بل الإشارة إلى كون روحه العلية ثبت لها ذلك الوصف دون غيرها فى عالم الأرواح، و كل ما له من جهة اللّه تعالى و من جهة تأهل ذاته الشريفة و حقيقته معجل لا تأخر فيه، و إنما المتأخر تكونه و تنقله إلى أن ظهر صلى اللّه عليه و سلم، و قد علم من هذا: أن فسره بعلم اللّه بأنه سيصير نبيّا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم اللّه تعالى محيط بجميع الأنبياء، و وصف النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فى ذلك الوقت ينبغى أن يفهم منه أمر ثابت له فى ذلك الوقت خاص به، و لو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير فى المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبى و آدم بين الروح و الجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم اللّه نبوتهم فى ذلك الوقت و قبله، فلا بد من خصوصية للنبى، و لأجلها أخبر بهذا الخبر ليعرفوا قدره عند اللّه.

و روى أنه تعالى لما خلق نور نبيه- عليه الصلاة و السلام- أمره أن ينظر إلى نور الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام- فغشيهم من نوره ما أنطقهم اللّه به، و قالوا: يا ربنا من غشينا نوره؟ فقال: هذا نور محمد بن عبد اللّه، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء. قالوا: آمنا به و بنبوته، فقال: أشهد عليكم؟ قالوا: نعم، فذلك قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ إلى: مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (2) و فى هذه الآية كما قال التقى السبكى من التنويه بقدره العلى ما لا يخفى‏ (3)، و فيها مع ذلك أنه على تقدير مجيئه يكون مرسلا إليهم و إلى أممهم، فتكون رسالته عامة لجميع الخلق، فهو نبى الأنبياء

____________

(1) انظر: تذكرة الموضوعات للفتنى (86)، الأسرار المرفوعة (271)، تنزيه الشريعة (2/ 341)، كشف الخفاء (2/ 191)، الدر المنتثرة (126).

(2) سورة آل عمران: 81.

(3) يشير المؤلف إلى كتاب: «التعظيم و المنة فى: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ للإمام السبكى.

44

عليهم الصلاة و السلام، و لذا يكونون كلهم يوم القيامة تحت لوائه صلى اللّه عليه و سلم.

(المنتقل) بضم الميم و تقديم النون على التاء و كسر القاف اسم فاعل انتقل، من أب سابق إلى لاحق، من آدم (عليه السلام) إلى عبد اللّه، و ضبطها بعضهم بتقديم التاء على النون و كسر القاف المشددة من تنقل بمعنى كثر انتقاله، و هو أولى لاستفادة الكثرة منها صراحة، و للّه در الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقى حيث قال:

تنقّل أحمد نورا مبينا * * * تلألأ فى جباه الساجدين‏

تقلّب فيهم قرنا فقرنا * * * إلى أن جاء خير المرسلين‏

(فى الغرر) بضم الغين المعجمة جمع غرة و هى بياض فوق الدرهم فى جبهة الفرس و المراد بها هنا الجباه لعلاقة الحالية (الكريمة) التي كرمت و شرفت على غيرها لكونها غرر أصوله صلى اللّه عليه و سلم‏ (و الجباه) عطفها على الغرر تفسيرى لما مر، جمع جبهة و هى أعلا الوجه، ثم انتقال النور فى الجباه إنما هو بالتبعية لانتقال مادة جسمه الشريف صلى اللّه عليه و سلم فى الأصلاب، فالنور تابع لتلك المادة، و أصل ذلك ما جاء فى الخبر: إن اللّه تعالى لما خلق آدم جعل ذلك النور فى ظهره، فكان يلمع فى جبينه فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه على سرير مملكته، و حمله على أكتاف ملائكته، فطافوا به فى السموات و الأرض ليرى عجائب ملكوته، ثم لما أهبط آدم و حوّاء إلى الأرض ولدت له أربعين ولدا فى عشرين بطنا، فى كل بطن ذكر و أنثى، فكان يزوج ذكر هذا البطن لأنثى تلك البطن، و بالعكس، تنزيلا لاختلاف البطون منزلة اختلاف القبائل، فكان اختلاف البطون فى شرعه بمنزلة اختلاف الأنساب لضرورة التوالد و التناسل، و بارك اللّه فى نسله فى حياته حتى بلغوا أربعين ألفا، و وضعت شيثا وحده إشارة إلى أنه أفضل أولاده و أن النور المحمدى انتقل فيه دون غيره، و لذا جعله وصيّا عليه، ثم أوصى شيث ولده يانش بتحتية و نون مفتوحة بما أوصاه به آدم أن لا يضع هذا النور إلا فى المطهّرات من النساء، و لم تزل هذه‏

45

الوصية محفوظة معمولا بها من لدن آدم- (عليه السلام)- إلى عبد اللّه بن عبد المطّلب، و للّه در العارف سيدى على الوفائى الشاذلى‏ (1) حيث أشار إلى بعض هذه المعارف بقوله:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره‏ * * * فى وجه آدم كان أوّل من سجد

أو لو رأى النّمروذ نور جماله‏ * * * عبد الجليل مع الخليل و ما عند

لكن جمال اللّه جلّ فلا يرى‏ * * * إلّا بتخصيص من اللّه الصّمد (2)

و روى أن اللّه تعالى جعل نور محمد صلى اللّه عليه و سلم فى ظهر آدم عليه الصلاة و السلام، فكانت الملائكة تقف خلفه صفوفا ينظرون تلألأ نوره، فقال آدم: يا رب اجعل هذا النور فى مقدّمى كى تستقبلنى الملائكة، فجعله فى وجهه، فقال آدم: يا رب اجعله فى موضع أراه، فجعله فى سبابته، فكان ينظر إلى حسنه فيزداد حسنا و بهاء، ثم إن آدم قال: يا رب لعله بقى من هذا النور شي‏ء فى ظهرى، فقال له: نعم نور خواص أصحابه. فقال: يا رب اجعله فى بقية أصابعى، فجعل نور أبى بكر فى الوسطى، و نور عمر فى البنصر، و نور عثمان فى الخنصر، و نور على فى الإبهام، فكانت هذه الأنوار تتلألأ فى أصابع آدم- (عليه السلام)- ما دام فى الجنة، فلما هبط إلى الأرض و مارس أعمال الدنيا زالت هذه الأنوار من أصابعه و رجعت إلى ظهره.

(و أستمنح الله تعالى) أى أطلب من اللّه تعالى أن يمنح؛ أى يعطى إذ المنح العطاء (رضوانا) بكسر الراء و ضمها ضد السخط، و المراد هنا لازمه و هو الإنعام، و قد يراد به الثواب و الجنة (يخصّ العترة) فيه زيادة الاعتناء بتمييزهم عن غيرهم برضوان كثير عظيم و هم أهل بيته؛ لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «عترتى أهل بيتى» (3) و هم على الأصح مؤمنو بنى هاشم و بنى المطلب ابنى عبد مناف‏

____________

(1) هو على بن محمد بن محمد بن وفا، أبو الحسن القرشى الأنصاري الشاذلى (759- 807 ه) متصوف، شاعر، توفى بالقاهرة. انظر: الأعلام (5/ 7)، الضوء اللامع (7/ 21 رقم الترجمة 46).

(2) المجموعة النبهانية (2/ 55).

(3) مسند أحمد (5/ 182)، السنة لابن أبى عاصم (2/ 644)، الترمذى (3718).

46

(الطّاهرة) ذاتا و صفاتا (النّبويّة) أى المنسوبة للنبى صلى اللّه عليه و سلم، و الطهارة النظافة و الخلوص من الأدناس و المعايب، و هو مقتبس من قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) و للّه در من قال:

و آله أمناء اللّه من شهدت‏ * * * لقدرهم سورة الأحزاب فى العظم‏

يشير إلى هذه الآية الكريمة المنوهة بقدرهم العلى، و قد اشتملت على غرر من مآثرهم و الاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى إذهاب الرجس عنهم، و هو الإثم و الشك فيما يجب الإيمان به، و تطهيرهم من سائر الأخلاق و الأحوال المذمومة، و قد جاء فى أحاديث كثيرة تحريمهم على النار كحديث: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها اللّه و ذريتها على النار» (2) و حديث أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: «يا فاطمة، لم سميت فاطمة؟» قال على: لم سميت فاطمة يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟ قال: «إن اللّه فطمها و ذريتها من النار» (3).

و حديث: «إن اللّه غير معذبك و لا أحد من ولدك» (4). و ورد أيضا: «يا عباس إن اللّه غير معذبك و لا أحد من ولدك» (5). و صح: «يا بنى عبد المطلب- و فى رواية: يا بنى هاشم- إنى قد سألت اللّه عز و جل أن يجعلكم رحماء نجباء، و سألته أن يهدى ضالكم، و يؤمن خائفكم، و يشبع جائعكم» (6). و حديث قال لعلى: «أ ما ترضى أن تكون رابع أربعة: أول من يدخل الجنة أنا و أنت و الحسن و الحسين، و أزواجنا من أيماننا و شمائلنا، و ذريتنا خلف أزواجنا» (7).

____________

(1) سورة الأحزاب: 33.

(2) مستدرك الحاكم (3/ 152)، الأحاديث الصحيحة للألبانى (2/ 441)، مجمع الزوائد (9/ 202) كنز العمال (34220)، تاريخ دمشق (4/ 323)، المطالب العالية لابن حجر (3987).

(3) جمع الجوامع للسيوطى (7780)، اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة (1/ 208)، الموضوعات لابن الجوزى (1/ 421).

(4) المعجم الكبير للطبرانى (11/ 263)، مجمع الزوائد (9/ 22)، جمع الجوامع (4883)، كنز العمال (34236)، اللآلئ المصنوعة (1/ 208)، الأحاديث الضعيفة للألبانى (457).

(5) لم أعثر عليه فيما تحت يدى من مصادر.

(6) مجمع البحرين (3798).

(7) لم أعثر عليه فيما تحت يدى من مصادر.

47

و هذا هو فائدة ذلك التطهير و غايته إذ منه إلهام الإنابة إلى اللّه تعالى و إدامة الأعمال الصالحة، و لذا اختصوا بمشاركته صلى اللّه عليه و سلم فى تحريم صدقة الفرض و الزكاة و النذر و الكفارة و غيرها، و خالف بعض المتأخرين فبحث أن النذر كالنفل، و ليس كما قال.

و حكمة ختم الآية ب تَطْهِيراً: للمبالغة فى وصولهم لأعلاه و رفع التجوّز عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم و التكثير و الإعجاب المفيد أنه تطهير بديع ليس من جنس ما يتعارف و يؤلف، ثم أكد صلى اللّه عليه و سلم ذلك كله بتكرير طلب ما فى الآية لهم بقوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتى ...» (1) الحديث، و بإدخاله نفسه معهم فى العد لتعود عليهم بركة اندراجهم فى سلكه.

و قال بعد ذلك: «ألا من آذى قرابتى فقد آذانى، و من آذانى فقد آذى اللّه تعالى» (2) و فى رواية: «و الذي نفسى بيده لا يؤمن عبد بى حتى يحبنى، و لا يحبنى حتى يحب ذوى» فأقامهم مقام نفسه.

و صح حديث: «إن لكل بنى أب عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم و عصبتهم، و هم عترتى، خلقوا من طينتى، ويل للمكذبين بفضلهم، من أحبهم أحبه اللّه، و من أبغضهم أبغضه اللّه» (3). و حديث: «و الذي نفسى بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا كبّه اللّه فى النار» (4).

و إذا تقرر ذلك فنقول: قال الشيخ الإمام العارف باللّه الولى الكبير الشيخ أحمد زروق المغربى البرنسى فى «قواعده» ما نصه: قاعدة أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، و آثارها لا تنتقل، فمن ثم قال الحاتمى (قدس سره): نعتقد فى أهل البيت أن اللّه تعالى تجاوز عنهم جميع سيئاتهم لا بعمل عملوه و لا

____________

(1) الترمذى (2992)، أحمد (4/ 107)، البيهقي (2/ 152)، المستدرك (2/ 416)، الطبرانى فى الكبير (3/ 47)، التاريخ الكبير للبخارى (2/ 70)، الدر المنثور (5/ 198)، موارد الظمان للهيثمى (1145).

(2) كنز العمال (34197).

(3) أخرجه البخاري (3499)، مسلم (110).

(4) البخاري (6606)، مسلم (214)، مستدرك الحاكم (3/ 150).

48

بصالح قدموه، بل بسابق عناية اللّه تعالى لهم، إذ قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص و لا أن يشنأ عرض من شهد اللّه بتطهيرهم و ذهاب الرّجس عنهم، و العقوق لا يخرج من النسب ما لم تذهب أصل النسبة، و هو الإيمان و ما تعين عليهم من الحقوق، فأيدينا فيها نائبة عن الشريعة، و ما نحن فى ذلك إلا كالعبد يؤدّب أولاد سيده بإذنه، فيقوم بأمر السيد و لا يهمل فضل الولد، و قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (2) قال ابن عباس- رضى اللّه عنهما-: «إلا أن تودوا قرابتى» و ما نزل بنا من قبلهم من الظلم ننزله منزلة القضاء الذي لا سبب له إذ قال عليه الصلاة و السلام: «فاطمة بضعة منى يريا بنى ما يريبها» (3) و للجزء من الحرمة ما للكل. و قال تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (4) فأثنى بصلاح الأب، فما بالك بنبوته، فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصصهم به فافهم. ذكر هذا العلامة الشيخ محمد بن عنقاء الحسينى المكّى- (رحمه الله تعالى)- عن الشيخ أحمد زروق، عن الشيخ محيى الدين (قدس سره).

قال ابن عنقاء: و هو كلام نفيس نفيس، ثم ذكر عن أجلّاء مشايخه و مشايخهم أنهم كانوا يسلكون هذا المسلك الحسن، و يرون هذا الرأى الصائب المستحسن، ثم قال- رحمه اللّه- عقب ذلك: إذا علمت ذلك فإيضاح وجه الاستدلال: أن إرادة اللّه تعالى أزلية لأنها من صفات الذات، و كانت شهادته سبحانه و تعالى لهم بالتطهير و إذهاب الرجس فى الأزل مع أنا نراهم لا

____________

(1) سورة الأحزاب: 33.

(2) سورة الشورى: 23.

(3) البخاري: فضائل الصحابة (3714)، البيهقي (7/ 64)، مستدرك الحاكم (3/ 158)، مشكاة المصابيح (6130)، كنز العمال (34222- 34223).

(4) سورة الكهف: 82.

49

يخلون من الذنوب الملوثة البتة، كيف لا و العصمة إنما هى للأنبياء، و نعلم من كثير منهم الانهماك فى الكبائر فضلا عن الصغائر و لا سيما من كان من أرباب الدولة منهم، و نرى منهم الغلاة و المبتدعة، و قد علم سبحانه و تعالى ذلك منهم فى الأزل و مع ذلك فقد شهد لهم بما ذكر، إذ المؤاخذة بالمعصية منافية للشهادة المذكورة، و يؤخذ مما تقرر: امتناع وقوع الردة المتصلة بالموت منهم البتة؛ لأنه لو مات أحد منهم عليه لزم التناقض فى كلامه تعالى، و هو محال، فقول الشيخ ابن عربى (قدس سره): «ما لم تذهب أصل النسبة» و هو الإيمان إنما أتى به لمجرد تتميم المسألة فلا يخالف ما ذكرناه.

فإن قلت: يلزم على ما تقرر أن لا تقام عليهم الحدود الشرعية لأنهم غير مؤاخذين بذنوبهم و هو مخالف لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ» (1) الحديث رواه الشيخان و غيرهما، قلت: لا يلزم ذلك؛ لأن المراد عدم المؤاخذة بالنسبة إلى الآخرة لا إلى أحكام الدنيا، فتقام عليهم الحدود و لا تقال عثراتهم فيها، و ذلك لا يحط من قدرهم و سموّ فخرهم.

قال خاتمة المحققين الشيخ أحمد بن حجر الهيثمى- (رحمه الله تعالى)- فى فتوى له: من علمت نسبته إلى البيت النبوى، و السر العلوى، لا يخرجه عن ذلك عظم جناية، و لا عدم ديانة و صيانة، و من ثم قال بعض المحققين: ما مثال الشريف الزانى و السكران و السارق مثلا إذا أقمنا عليه الحدّ؛ إلا كأمير أو سلطان تلطخت رجلاه بقذر فغسله عنهما بعض خدمه، و لقد برّ فى المثال و حقق، و ليتأمل قول الناس فى أمثالهم: الولد العاق لا يحرم الميراث ..

انتهى.

و نقل السيد العلامة ابن عنقاء- (رحمه الله تعالى)- عن جمع سماهم من‏

____________

(1) أخرجه البخاري (4/ 213)، الترمذى (1430)، النسائى: كتاب قطع السارق باب (6)، البيهقي فى السنن (8/ 332)، و الدارمى (2200)، البغوى فى شرح السنة (10/ 328).

50

أكابر الأئمة الحنفية و غيرهم: أنه مما ينبغى اعتقاده أن من الممنوع فى حق أهل البيت النبوى أن يموت أحد منهم مصرّا على معصية من بدعة أو غيرها، بل لا بد أن يمنّ اللّه عليهم بتوبة صحيحة، و لا يقبضهم إلا بعدها، ثم قال:

و الظاهر أن مأخذهم هو الآية و الأحاديث المذكورة. قال: و هذه منقبة تحار فى أدنى أدنى منها الأفكار و تبذل نفائس الأعلاق، و فضيلة تميزوا بها على سائر الخلق على الإطلاق تدل على أن لهم من الفخر و القدر الجليل ما لا يقدر قدره سوى من منحهم ذلك من خزائن فضله الجزيل، و تشهد بالجاه العريض الطويل عند الملك الجليل، لمشرّفهم هذا النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم، و اللّه واسع عليم يختص برحمته من يشاء، و اللّه ذو الفضل العظيم .. انتهى كلام العلامة ابن عنقاء ملخصا من «المنهج الأعدل».

(و) أطلب منه رضوانا (يعمّ أصحابه) بفتح أوله و قد يكسر، أى أصحابه صلى اللّه عليه و سلم إذ هو كالعلم لهم لغلبة استعماله فيهم فلا يستعمل فى غيرهم، و لهذا جاز النسبة إليه بأن يقال صاحبى كما يقال بصرى، و هو من اجتمع به بعد بعثته و لو ساعة فى حياته مؤمنا به و مات على ذلك و لو لم يرو عنه شيئا أو لم يره، فيدخل فى ذلك الأعمى و الصغير و لو غير مميز كمن حنّكه صلى اللّه عليه و سلم أو وضع يده على رأسه أو غير ذلك، و يخرج من آمن به و لم يجتمع كالنجاشى فلا يكون صحابيّا بل هو تابعى لأنه أسلم على يد الصحابة فى حياته صلى اللّه عليه و سلم، و سيأتى أنه أسلم على يده عمرو بن العاص الصحابى، و هى لطيفة: صحابى أسلم على يد تابعى، و لا يعلم مثله.

و هم أفضل من آل لا صحبة لهم و النظر لما فيهم من البضعة الكريمة إنما يقتضى الشرف من حيث الذات و كلامنا فى وصف يقتضى أكثرية العلوم و المعارف، و لا بدّ و أن يكون الاجتماع فى عالم الدنيا بالجسد و الروح، فيدخل فى ذلك عيسى- (عليه السلام)- فإنه اجتمع به بالروح و الجسد فى المسجد الأقصى ليلة الإسراء، و يخرج غيره من الأنبياء فإنهم لم يجتمعوا عليه إلا

51

بأرواحهم على الراجح.

قال الحافظ فى «الفتح»: و هل تختص بجميع بنى آدم أو تعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر؛ أما الجن: فالراجح دخولهم لأنه صلى اللّه عليه و سلم بعث إليهم قطعا، و أما الملائكة: فيتوقف عدّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم فإن فيه خلافا بين الأصوليين حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، و عكس بعضهم .. انتهى ملخصا.

لكن قال العلامة ابن حجر: إنه مرسل إلى الملائكة أيضا، كما رجحه جمع محققون كالسبكى و من تبعه، و ردوا على من خالف ذلك. و صريح آية:

لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) إذ العالم ما سوى اللّه. و خبر مسلم: «و أرسلت إلى الخلق كافة» (2) يؤيد ذلك، بل قال البارزى‏ (3): إنه أرسل حتى للجمادات بعد جعلها مدركة .. انتهى‏ (4).

فالحق أنه مرسل لجميع المخلوقات حتى الجمادات؛ إلا أن إرساله للجن و الإنس إرسال تكليف، و يكفر منكره، و لغيرهم كالمعصوم و غير المكلف إرسال إذعان لشرفه و دخوله تحت دعوته و اتباعه تشريفا على سائر المرسلين، و هذا هو المعتمد.

و أفضل الصحابة بعد عيسى: سيدنا أبو بكر، كما أن أفضل الصحابيات سيدتنا فاطمة الزهراء، بل هى و أخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة حتى الخلفاء الأربعة، قاله العلقمى.

(و) يعمّ‏ (الأتباع) أى التابعين الذين اجتمعوا بالصحابة و طال اجتماعهم على الأصح بخلاف الصحابى كما مر، و الفرق أن اجتماع لحظة منه صلى اللّه عليه و سلم تعد

____________

(1) سورة الفرقان: 1.

(2) أخرجه أحمد فى المسند (2/ 412)، البيهقي فى السنن (2/ 433).

(3) هو هبة اللّه بن عبد الرحيم البارزى، توفى سنة (738 ه)، و لعل المؤلف ينقل عن كتابه «توثيق عرى الإيمان فى تفضيل حبيب الرحمن».

(4) انظر فتوى الإمام شهاب الدين الرملى فى جواهر البحار (4/ 130) لمعرفة آراء العلماء فى تلك المسألة.

52

على من حصلت له من انشراح الصدور و حقائق القرب و غرائب العلم و الحكمة- كما هو مشاهد فى الصحابة- ما لا يعد عشر معاشرها صحبة غيره و إن جلّ قدره و اتسع علمه سنين؛ لعظم منصب النبوة و نورها، كذا قرره بعضهم.

و الذي قرره شيخنا الباجورى‏ (1) فى «حاشية الجوهرة» عدم اشتراط طول الاجتماع كما فى الصحابى مع النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: و هذا ما صححه ابن الصلاح و النووى، و هو المعتمد، و الطريقة المشهورة أنه يشترط التمييز فى التابعى دون الصحابى، و المعتمد عندنا عدم اشتراطه فى التابعى كما لا يشترط فى الصحابى.

و أفضل التابعين أويس القرنى، كما أن أفضل التابعيات: حفصة بنت سيرين على خلاف فى المسألة.

(و) يعمّ‏ (من والاه) أى اتخذ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم وليّا و إماما، و بايعه و لو فى مجرد الإيمان، و هذا يشمل جميع المؤمنين‏ (و أستجديه) أى اطلب جدواه أى عطيته و أسأله أن تكون‏ (هداية) أى دلالة، و فى بعض النسخ: (استهديه) هداية (لسلوك) بضم السين المهملة مصدر سلك إذا مرّ (السّبل) بضم الموحدة و إسكانها و بهما قرى‏ء فى السبع قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (2) بضم الباء و إسكانها جمع سبيل، و هو الطريق‏ (الواضحة) الظاهرة (الجليّة) التي لا خفاء فيها بالكلية، و المراد بالسبل فيما تقدم أحكام الدين التي يكون العمل بها سببا فى الوصول إلى الجنة، ففى الكلام استعارة مصرحة حيث شبه ما ذكر بالطرق الحسية الموصلة للمقصود و استعار اللفظ الدال على المشبه به للشبه على سبيل الاستعارة التصريحية، و القرينة حالية، و كل من الواضحة و الجليلة ترشيح.

____________

(1) هو إبراهيم بن محمد الباجورى له «حاشية على البردة» و «تحفة البشر على مولد ابن حجر» و غيرها. توفى سنة (1276 ه).

(2) سورة العنكبوت: 69. و القراءة بالسكون هى قراءة أبو عمرو.