اللهوف على قتلى الطفوف‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
292 /
1

[المقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله المتجلي لعباده من أفق الألباب المجلي عن مراده بمنطق السنة و الكتاب الذي نزه أولياءه عن دار الغرور و سما بهم إلى أنواع السرور و لم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق و لا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق بل عرف منهم قبولا للألطاف و استحقاقا لمحاسن الأوصاف فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال حتى فرغت نفوسهم عمن سواه و عرفت أرواحهم شرف رضاه فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله و عطفوا آمالهم نحو كرمه و فضله.

2

فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه و تنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه و لا تزال أشواقهم متضاعفة ما قرب من مراده و أريحيتهم مترادفة نحو إصداره و إيراده و أسماعهم مصغية إلى استماع أسراره و قلوبهم مستبشرة بحلاوة تذكاره فحياهم منه بقدر ذلك التصديق و حباهم من لدنه حباء البر الشفيق فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله و ما أتركهم لكل ما باعد من وصاله حتى إنهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم و الكمال و يكسوهم أبدا حلل المهابة و الجلال.

3

فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه و بقاءهم حائل بينهم و بين إكرامه خلعوا أثواب البقاء و قرعوا أبواب اللقاء و تلذذوا في طلب ذلك النجاح ببذل النفوس و الأرواح و عرضوها لخطر السيوف و الرماح.

و إلى ذلك التشريف الموصوف سمت نفوس أهل الطفوف حتى تنافسوا في التقدم إلى الحتوف و أضحوا نهب الرماح و السيوف فما أخصهم بوصف السيد المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه و قد مدح من أشرنا إليه فقال-

4

لهم نفوس على الرمضاء مهملة * * * و أنفس في جوار الله يقريها

كان قاصدها بالضر نافعها * * * و أن قاتلها بالسيف محييها

و لو لا امتثال أمر السنة و الكتاب في لبس شعار الجزع و المصاب لأجل ما طمس من أعلام الهداية و أسس من أركان الغواية و تأسفا على ما فاتنا من السعادة و تلهفا على امتثال تلك الشهادة و إلا كنا قد لبسنا لتلك النعمة الكبرى أثواب المسرة و البشرى و حيث في الجزع رضا لسلطان المعاد و غرض لأبرار العباد فها نحن قد لبسنا سربال الجزوع و آنسنا بإرسال الدموع و قلنا للعيون جودي بتواتر البكاء و للقلوب جدي جد ثواكل النساء فإن ودائع‏

5

الرسول ص الرءوف أبيحت يوم الطفوف و رسوم وصيته بحرمة و أبنائه طمست بأيدي أممه و أعدائه فيا لله من تلك الفوادح المقرحة للقلوب و الجوائح المصرخة بالكروب و المصائب المصغرة لكل بلوى و النوائب المفرقة شمل التقوى و السهام التي أراقت دم الرسالة و الأيدي التي ساقت سبى الجلالة و الرزية التي نكست رءوس الأبدال و البلية التي سلبت نفوس خير الآل و الشماتة التي ركست أسود الرجال و الفجيعة التي بلغ رزؤها/ إلى جبرئيل و القطيعة التي عظمت على الرب الجليل و كيف لا يكون ذلك و قد أصبح لحم رسوله مجردا على الرمال و دمه الشريف مسفوكا

6

بسيوف أهل الضلال و وجوه بناته مبذولة لعين السائق و الشامت و سلبهن بمنظر من الناطق و الصامت و تلك الأبدان المعظمة عارية من الثياب و الأجساد المكرمة جاثية على التراب-

مصائب بددت شمل النبي ففي‏ * * * قلب الهدى أسهم يطفن بالتلف‏

و ناعيات إذا ما مل من وله‏ * * * سرت عليه بنار الحزن و الأسف‏

فيا ليت لفاطمة و أبيها عينا تنظر إلى بناتها و بنيها ما بين مسلوب و جريح و مسحوب و ذبيح و بنات النبوة مشققات الجيوب و مفجوعات‏

7

بفقد المحبوب و ناشرات للشعور و بارزات من الخدور و عادمات للجدود و مبدئات للنياحة و العويل و فاقدات للمحامي و الكفيل.

فيا أهل البصائر من الأنام و يا ذوي النواظر و الأفهام حدثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة و نوحوا بالله لتلك الوحدة و الكثرة و ساعدوهم بموالاة الوجد و العبرة و تأسفوا على فوات تلك النصرة فإن نفوس أولئك الأقوام ودائع سلطان الأنام و ثمرة فؤاد الرسول و قرة عين البتول و من كان يرشف بفمه الشريف ثناياهم و يفضل على أمه أمهم و أباهم-

إن كنت في شك فسل عن حالهم‏ * * * سنن الرسول و محكم التنزيل‏

فهناك أعدل شاهد لذوي الحجى‏ * * * و بيان فضلهم على التفصيل‏

8

و وصية سبقت لأحمد فيهم‏ * * * جاءت إليه على يدي جبريل‏

فكيف طاب للنفوس مع تداني الأزمان مقابلة إحسان أبيهم بالكفران و تكدير عيشه بتعذيب ثمرة فؤاده و تصغير قدره بإراقة دماء أولاده و أين موضع القبول لوصاياه بعترته و آله و ما الجواب عند لقائه و سؤاله و قد هدم القوم ما بناه و نادى الإسلام وا كرباه فيا لله من قلب لا ينصدع لتذكار تلك الأمور و يا عجباه من غفلة أهل الدهور و ما عذر أهل الإسلام أو الإيمان في إضاعة أقسام الأحزان أ لم يعلموا أن محمدا ص موتور وجيع-

9

و حبيبه مقهور صريع و الملائكة يعزونه على جليل مصابه و الأنبياء يشاركونه في أحزانه و أوصابه.

فيا أهل الوفاء لخاتم الأنبياء علام لا تواسونه في البكاء بالله عليك أيها المحب لوالد الزهراء نح معها على المنبوذين بالعراء و جد ويحك بالدموع السجام و ابك على ملوك الإسلام لعلك تحوز ثواب المواسي في المصاب و تفوز بالسعادة يوم الحساب-

فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الْبَاقِرِ ع أَنَّهُ قَالَ كَانَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ يَقُولُ‏

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ ع حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ بَوَّأَهُ اللَّهُ غُرَفاً فِي الْجَنَّةِ يَسْكُنُهَا أَحْقَاباً وَ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ فِيمَا مَسَّنَا مِنَ الْأَذَى مِنْ عَدُوِّنَا فِي الدُّنْيَا بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلَ صِدْقٍ-

10

وَ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَسَّهُ أَذًى فِينَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ الْأَذَى وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَخَطِ النَّارِ

وَ رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ‏

مَنْ ذُكِرْنَا عِنْدَهُ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَ لَوْ مِثْلَ جَنَاحِ الذُّبَابِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ

وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنْ آلِ الرَّسُولِ ص أَنَّهُمْ قَالُوا

مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى فِينَا مِائَةً ضَمِنَّا لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ وَ مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى خَمْسِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى ثَلَاثِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ بَكَى أَوْ

11

أَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى وَاحِداً فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ تَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ

. قال علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس الحسيني جامع هذا الكتاب إن من أجل البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب أنني لما جمعت كتاب مصباح الزائر و جناح المسافر و رأيته قد احتوى على أقطار محاسن الزيارات و مختار أعمال تلك الأوقات فحامله مستغن عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف أو حمل مزار كبير أو لطيف أحببت أيضا أن يكون حامله مستغنيا عن نقل مقتل في زيارة عاشوراء إلى مشهد الحسين ع فوضعت هذا الكتاب ليضم إليه و قد جمعت هاهنا ما يصلح لضيق وقت الزوار و عدلت عن الإطالة و الإكثار و فيه غنية لفتح أبواب الأشجان و بغية لنجح‏

12

أرباب الإيمان فإننا وضعنا في أجساد مغناه روح ما يليق بمعناه و قد ترجمته بكتاب اللهوف على قتلى الطفوف و وضعته على ثلاثة مسالك مستعينا بالرءوف المالك‏

13

المسلك الأول في الأمور المتقدمة على القتال‏

كان مولد الحسين ع لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة و قيل اليوم الثالث منه و قيل في أواخر شهر ربيع الأول سنة

14

ثلاث من الهجرة و روي غير ذلك-

وَ لَمَّا وُلِدَ ع هَبَطَ جَبْرَئِيلُ وَ مَعَهُ أَلْفُ مَلَكٍ يُهَنِّئُونَ النَّبِيَّ ص بِوِلَادَتِهِ وَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ع إِلَى النَّبِيِّ ص فَسُرَّ بِهِ وَ سَمَّاهُ حُسَيْناً

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا حَاتِمُ بْنُ صَنْعَةَ فالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ زَوْجَةُ الْعَبَّاسِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ)

رَأَيْتُ فِي مَنَامِي قَبْلَ مَوْلِدِهِ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ لَحْمِ رَسُولِ اللَّهِ ص قُطِعَتْ فَوُضِعَتْ فِي حَجْرِي فَفَسَّرْتُ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ [يَا أُمَّ الْفَضْلِ رَأَيْتِ خَيْراً] إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ فَإِنَّ فَاطِمَةَ سَتَلِدُ غُلَاماً وَ أَدْفَعُهُ إِلَيْكِ لِتُرْضِعِيهِ قَالَتْ فَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَجِئْتُ بِهِ‏

15

يَوْماً إِلَيْهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَبِّلُهُ فَبَالَ فَقَطَرَتْ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرَةٌ عَلَى ثَوْبِ النَّبِيِّ ص فَقَرَصْتُهُ فَبَكَى فَقَالَ النَّبِيُّ ص كَالْمُغْضَبِ مَهْلًا يَا أُمَّ الْفَضْلِ فَهَذَا ثَوْبِي يُغْسَلُ وَ قَدْ أَوْجَعْتِ ابْنِي قَالَتْ فَتَرَكْتُهُ فِي حَجْرِهِ وَ قُمْتُ لِآتِيَهُ بِمَاءٍ فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهُ ص يَبْكِي فَقُلْتُ مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ص إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي تَقْتُلُ وَلَدِي هَذَا لَا أَنَالَهُمُ اللَّهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قَالَ رُوَاةُ الْحَدِيثِ‏

فَلَمَّا أَتَتْ عَلَى الْحُسَيْنِ ع مِنْ مَوْلِدِهِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ هَبَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص اثْنَا عَشَرَ مَلَكاً أَحَدُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ وَ الثَّانِي‏

16

عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ وَ الثَّالِثُ عَلَى صُورَةِ التِّنِّينِ وَ الرَّابِعُ عَلَى صُورَةِ وَلَدِ آدَمَ وَ الثَّمَانِيَةُ الْبَاقُونَ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى مُحْمَرَّةٌ وُجُوهُهُمْ بَاكِيَةٌ عُيُونُهُمْ قَدْ نَشَرُوا أَجْنِحَتَهُمْ وَ هُمْ يَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ ص سَيَنْزِلُ بِوَلَدِكَ الْحُسَيْنِ بْنِ فَاطِمَةَ ع مَا نَزَلَ بِهَابِيلَ مِنْ قَابِيلَ وَ سَيُعْطَى مِثْلَ أَجْرِ هَابِيلَ وَ يُحْمَلُ عَلَى قَاتِلِهِ مِثْلُ وِزْرِ قَابِيلَ وَ لَمْ يَبْقَ فِي السَّمَاوَاتِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إِلَّا وَ نَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ ص كُلٌّ يُقْرِئُهُ السَّلَامَ وَ يُعَزِّيهِ فِي الْحُسَيْنِ ع وَ يُخْبِرُهُ بِثَوَابِ مَا يُعْطَى وَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ تُرْبَتَهُ وَ النَّبِيُّ ص يَقُولُ اللَّهُمَّ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ وَ اقْتُلْ مَنْ قَتَلَهُ وَ لَا تُمَتِّعْهُ بِمَا طَلَبَهُ‏

قَالَ‏

فَلَمَّا أَتَى عَلَى الْحُسَيْنِ ع مِنْ مَوْلِدِهِ سَنَتَانِ خَرَجَ النَّبِيُّ ص‏

17

فِي سَفَرٍ لَهُ فَوَقَفَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَ اسْتَرْجَعَ وَ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا جَبْرَئِيلُ ع يُخْبِرُنِي عَنْ أَرْضٍ بِشَطِّ الْفُرَاتِ يُقَالُ لَهَا كَرْبَلَاءُ يُقْتَلُ عَلَيْهَا وَلَدِيَ الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ ع فَقِيلَ لَهُ مَنْ يَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ص رَجُلٌ اسْمُهُ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصْرَعِهِ وَ مَدْفَنِهِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ مَغْمُوماً فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَ وَعَظَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ع بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِ الْحَسَنِ ع وَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ ع ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَ نَبِيُّكَ وَ هَذَانِ أَطَائِبُ عِتْرَتِي وَ خِيَارُ ذُرِّيَّتِي وَ أُرُومَتِي وَ مَنْ أُخَلِّفُهُمَا فِي أُمَّتِي وَ قَدْ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ ع أَنَّ وَلَدِي هَذَا مَقْتُولٌ‏

18

مَخْذُولٌ اللَّهُمَّ فَبَارِكْ لَهُ فِي قَتْلِهِ وَ اجْعَلْهُ مِنْ سَادَاتِ الشُّهَدَاءِ اللَّهُمَّ وَ لَا تُبَارِكْ فِي قَاتِلِهِ وَ خَاذِلِهِ قَالَ فَضَجَّ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ فَقَالَ النَّبِيُّ ص أَ تَبْكُونَهُ وَ لَا تَنْصُرُونَهُ ثُمَّ رَجَعَ ص وَ هُوَ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ فَخَطَبَ خُطْبَةً أُخْرَى مُوجَزَةً وَ عَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ دُمُوعاً ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ أُرُومَتِي وَ مِزَاجَ مَائِي وَ ثَمَرَةَ فُؤَادِي وَ مُهْجَتِي لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ أَلَا وَ إِنِّي‏

19

أَنْتَظِرُهُمَا وَ إِنِّي لَا أَسْأَلُكُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا أَمَرَنِي رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَكُمُ‏

الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

فَانْظُرُوا أَلَّا تَلْقَوْنِي غَداً عَلَى الْحَوْضِ وَ قَدْ أَبْغَضْتُمْ عِتْرَتِي وَ ظَلَمْتُمُوهُمْ أَلَا وَ إِنَّهُ سَتَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ رَايَاتٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأُولَى رَايَةٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ وَ قَدْ فَزِعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ فَتَقِفُ عَلَيَّ فَأَقُولُ مَنْ أَنْتُمْ فَيَنْسَوْنَ ذِكْرِي وَ يَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ الْعَرَبِ فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا أَحْمَدُ نَبِيُّ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ فَيَقُولُونَ نَحْنُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا أَحْمَدُ فَأَقُولُ لَهُمْ كَيْفَ خَلَّفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي فِي أَهْلِي وَ عِتْرَتِي وَ كِتَابِ رَبِّي فَيَقُولُونَ أَمَّا الْكِتَابُ فَضَيَّعْنَاهُ وَ أَمَّا عِتْرَتُكَ فَحَرَصْنَا عَلَى أَنْ نُبِيدَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ عَنْ جَدِيدِ الْأَرْضِ فَأُوَلِّي عَنْهُمْ وَجْهِي فَيَصْدِرُونَ ظِمَاءً عِطَاشاً مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ‏

20

ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةٌ أُخْرَى أَشَدُّ سَوَاداً مِنَ الْأُولَى فَأَقُولُ لَهُمْ كَيْفَ خَلَّفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ الْأَكْبَرِ وَ الْأَصْغَرِ كِتَابِ رَبِّي وَ عِتْرَتِي فَيَقُولُونَ أَمَّا الْأَكْبَرُ فَخَالَفْنَا وَ أَمَّا الْأَصْغَرُ فَخَذَلْنَاهُمْ وَ مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَأَقُولُ إِلَيْكُمْ عَنِّي فَيَصْدِرُونَ ظِمَاءً عِطَاشاً مُسْوَدّاً وُجُوهُهُمْ ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةٌ أُخْرَى تَلْمَعُ وُجُوهُهُمْ نُوراً فَأَقُولُ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَ التَّقْوَى نَحْنُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ص وَ نَحْنُ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْحَقِّ حَمَلْنَا كِتَابَ رَبِّنَا فَأَحْلَلْنَا حَلَالَهُ وَ حَرَّمْنَا حَرَامَهُ وَ أَحْبَبْنَا ذُرِّيَّةَ

21

نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص فَنَصَرْنَاهُمْ مِنْ كُلِّ مَا نَصَرْنَا مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَ قَاتَلْنَا مَعَهُمْ مَنْ نَاوَاهُمْ فَأَقُولُ لَهُمْ أَبْشِرُوا فَأَنَا نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ ص وَ لَقَدْ كُنْتُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا وَصَفْتُمْ ثُمَّ أَسْقِيهِمْ مِنْ حَوْضِي فَيَصْدِرُونَ مَرْوِيِّينَ مُسْتَبْشِرِينَ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ‏

قَالَ:

وَ كَانَ النَّاسُ يَتَعَاوَدُونَ ذِكْرَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ ع وَ يَسْتَعْظِمُونَهُ وَ يَرْتَقِبُونَ قُدُومَهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ يَزِيدُ إِلَى‏

22

الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَهْلِهَا عام [عَامَّةً وَ خَاصَّةً عَلَى الْحُسَيْنِ ع وَ يَقُولُ لَهُ إِنْ أَبَى عَلَيْكَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَ ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَأْسِهِ فَأَحْضَرَ الْوَلِيدُ مَرْوَانَ وَ اسْتَشَارَهُ فِي أَمْرِ الْحُسَيْنِ ع فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ وَ لَوْ كُنْتُ مَكَانَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ فَقَالَ الْوَلِيدُ لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئاً مَذْكُوراً ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ ع فَجَاءَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مَوَالِيهِ فَنَعَى الْوَلِيدُ إِلَيْهِ مَوْتَ مُعَاوِيَةَ وَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ فَقَالَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ الْبَيْعَةَ لَا تَكُونُ سِرّاً وَ لَكِنْ إِذَا دَعَوْتَ النَّاسَ غَداً فَادْعُنَا مَعَهُمْ.

فَقَالَ مَرْوَانُ لَا تَقْبَلْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ عُذْرَهُ وَ مَتَى لَمْ يُبَايِعْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ فَغَضِبَ الْحُسَيْنُ ع ثُمَّ قَالَ وَيْلٌ لَكَ يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ أَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِ عُنُقِي كَذَبْتَ وَ اللَّهِ‏

23

وَ لَؤُمْتَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ وَ بِنَا فَتَحَ اللَّهُ وَ بِنَا خَتَمَ اللَّهُ وَ يَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ شَارِبُ الْخَمْرِ قَاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ وَ مِثْلِي لَا يُبَايِعُ بِمِثْلِهِ وَ لَكِنْ نُصْبِحُ وَ تُصْبِحُونَ وَ نَنْظُرُ وَ تَنْظُرُونَ أَيُّنَا أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ وَ الْبَيْعَةِ ثُمَّ خَرَجَ ع.

فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ عَصَيْتَنِي فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّكَ أَشَرْتَ إِلَيَّ بِذَهَابِ دِينِي وَ دُنْيَايَ وَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُلْكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِي وَ أَنَّنِي قَتَلْتُ حُسَيْناً وَ اللَّهِ مَا أَظُنُّ أَحَداً يَلْقَى اللَّهَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ ع إِلَّا وَ هُوَ خَفِيفُ الْمِيزَانِ لَا

24

يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ لَا يُزَكِّيهِ وَ لَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

قَالَ وَ أَصْبَحَ الْحُسَيْنُ ع فَخَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَسْتَمِعُ الْأَخْبَارَ فَلَقِيَهُ مَرْوَانُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَأَطِعْنِي تُرْشَدْ فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع وَ مَا ذَاكَ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ فَقَالَ مَرْوَانُ إِنِّي آمُرُكَ بِبَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ فِي دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

وَ عَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ الْخِلَافَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَ طَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَرْوَانَ حَتَّى انْصَرَفَ مَرْوَانُ وَ هُوَ غَضْبَانُ‏

25

يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن طاوس مؤلف هذا الكتاب و الذي تحققناه أن الحسين ع كان عالما بما انتهت حاله إليه و كان تكليفه ما اعتمد عليه-

أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ وَ قَدْ ذَكَرْتُ أَسْمَاءَهُمْ فِي كِتَابِ غِيَاثِ سُلْطَانِ الْوَرَى لِسُكَّانِ الثَّرَى بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيِّ فِيمَا ذَكَرَ فِي أَمَالِيهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الصَّادِقِ ع عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ع‏

أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع دَخَلَ يَوْماً عَلَى الْحَسَنِ ع فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ بَكَى فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ أَبْكِي لِمَا يُصْنَعُ بِكَ فَقَالَ الْحَسَنُ ع إِنَّ الَّذِي يُؤْتَى إِلَيَّ سَمٌّ يُدَسُّ إِلَيَّ فَأُقْتَلُ بِهِ وَ لَكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَزْدَلِفُ إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّنَا مُحَمَّدٍ ص وَ يَنْتَحِلُونَ الْإِسْلَامَ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِكَ وَ سَفْكِ دَمِكَ وَ انْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ وَ سَبْيِ ذَرَارِيِّكَ وَ نِسَائِكَ وَ انْتِهَابِ ثِقْلِكَ فَعِنْدَهَا

26

يُحِلُّ اللَّهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ اللَّعْنَةَ وَ تُمْطِرُ السَّمَاءُ دَماً وَ رَمَاداً وَ يَبْكِي عَلَيْكَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى الْوُحُوشُ وَ الْحِيتَانُ فِي الْبِحَارِ

وَ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَنْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى عُمَرَ النَّسَّابَةِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِيمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الشَّافِي فِي النَّسَبِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عُمَرَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع يُحَدِّثُ أَخْوَالِي آلَ عَقِيلٍ قَالَ‏

لَمَّا امْتَنَعَ أَخِيَ الْحُسَيْنُ ع عَنِ الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ بِالْمَدِينَةِ دَخَلْتُ‏

27

عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ خَالِياً فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَخُوكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ عَنْ أَبِيهِ ع ثُمَّ سَبَقَنِي الدَّمْعَةُ وَ عَلَا شَهِيقِي فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَ قَالَ حَدَّثَكَ أَنِّي مَقْتُولٌ فَقُلْتُ حَوْشَيْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ سَأَلْتُكَ بِحَقِّ أَبِيكَ بِقَتْلِي خَبَّرَكَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَلَوْ لَا نَاوَلْتَ وَ بَايَعْتَ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ وَ قَتْلِي وَ أَنَّ تُرْبَتِي تَكُونُ بِقُرْبِ تُرْبَتِهِ فَتَظُنُّ أَنَّكَ عَلِمْتَ مَا لَمْ أَعْلَمْهُ وَ أَنَّهُ لَا أُعْطِي الدَّنِيَّةَ مِنْ نَفْسِي أَبَداً وَ لَتَلْقَيَنَّ فَاطِمَةُ أَبَاهَا شَاكِيَةً مَا لَقِيَتْ ذُرِّيَّتُهَا مِنْ أُمَّتِهِ وَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ آذَاهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا

28

أقول أنا و لعل بعض من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة يعتقد أن الله لا يتعبد بمثل هذه الحالة أ ما سمع في القرآن الصادق المقال أنه تعبد قوما بقتل أنفسهم فقال تعالى‏ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ‏ و لعله يعتقد أن معنى قوله تعالى‏ وَ لا تُلْقُوا بِ أَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أنه هو القتل و ليس الأمر كذلك و إنما التعبد به من أبلغ درجات السعادة.

وَ لَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَقْتَلِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ ع فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَلِيقُ بِالْعَقْلِ- فَرُوِيَ عَنْ أَسْلَمَ‏

29

قَالَ‏

غَزَوْنَا نَهَاوَنْدَ أَوْ قَالَ غَيْرَهَا وَ اصطفينا [اصْطَفَفْنَا وَ الْعَدُوَّ صَفَّيْنِ لَمْ أَرَ أَطْوَلَ مِنْهُمَا وَ لَا أَعْرَضَ وَ الرُّومُ قَدْ أَلْصَقُوا ظُهُورَهُمْ بِحَائِطِ مَدِينَتِهِمْ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ إِنَّمَا تُأَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَنْ حَمَلَ هَذَا الرَّجُلُ يَلْتَمِسُ الشَّهَادَةَ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا لِأَنَّا كُنَّا قَدِ اشْتَغَلْنَا بِنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ تَرَكْنَا أَهَالِيَنَا وَ أَمْوَالَنَا أَنْ نُقِيمَ فِيهَا وَ نُصْلِحَ مَا فَسَدَ مِنْهَا فَقَدْ ضَاعَتْ بِتَشَاغُلِنَا عَنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنْكَاراً لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِنَا مِنَ التَّخَلُّفِ‏

30

عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص لِإِصْلَاحِ أَمْوَالِنَا

وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

مَعْنَاهُ إِنْ تَخَلَّفْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَقَمْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ أَلْقَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَهَلَكْتُمْ وَ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْنَا فِيمَا قُلْنَا وَ عَزَمْنَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِقَامَةِ وَ تَحْرِيصٌ لَنَا عَلَى الْغَزْوِ وَ مَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ وَ يُحَرِّصُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِ أَوْ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَاءً لِثَوَابِ الْآخِرَةِ

. أقول و قد نبهناك على ذلك في خطبة هذا الكتاب و سيأتي ما يكشف عن هذه الأسباب.

قَالَ رُوَاةُ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ ع مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَ مَرْوَانَ‏

فَلَمَّا

31

كَانَ الْغَدَاةُ تَوَجَّهَ الْحُسَيْنُ ع إِلَى مَكَّةَ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتِّينَ فَأَقَامَ بِهَا بَاقِيَ شَعْبَانَ وَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَ شَوَّالٍ وَ ذِي قَعْدَةٍ قَالَ وَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُبَيْرٍ فَأَشَارَا إِلَيْهِ بِالْإِمْسَاكِ فَقَالَ لَهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَدْ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ وَ أَنَا مَاضٍ فِيهِ قَالَ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ هُوَ يَقُولُ وَا حُسَيْنَاهْ.

ثُمَّ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِصُلْحِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَ حَذَّرَهُ مِنَ الْقَتْلِ وَ الْقِتَالِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا أُهْدِيَ إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقْتُلُونَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ‏

32

الشَّمْسِ سَبْعِينَ نَبِيّاً ثُمَّ يَجْلِسُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ يَبِيعُونَ وَ يَشْتَرُونَ كَأَنْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئاً فَلَمْ يُعَجِّلِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَلْ أَمْهَلَهُمْ وَ أَخَذَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْذَ عَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ اتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ لَا تَدَعَنَّ نُصْرَتِي.

قَالَ وَ سَمِعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِوُصُولِ الْحُسَيْنِ ع إِلَى مَكَّةَ وَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ فَأَجْمَعُوا فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ فَلَمَّا تَكَامَلُوا قَامَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِيهِمْ خَطِيباً وَ قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ هَلَكَ وَ صَارَ إِلَى رَبِّهِ وَ قَدِمَ عَلَى عَمَلِهِ وَ قَدْ قَعَدَ فِي مَوْضِعِهِ ابْنُهُ يَزِيدُ وَ هَذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ع قَدْ خَالَفَهُ وَ صَارَ إِلَى مَكَّةَ هَارِباً مِنْ طَوَاغِيتِ آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَ أَنْتُمْ‏

33

شِيعَتُهُ وَ شِيعَةُ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَ قَدِ احْتَاجَ إِلَى نُصْرَتِكُمُ الْيَوْمَ فَإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ نَاصِرُوهُ وَ مُجَاهِدُو عَدُوِّهِ فَاكْتُبُوا إِلَيْهِ وَ إِنْ خِفْتُمُ الْوَهْنَ وَ الْفَشَلَ فَلَا تَغُرُّوا الرَّجُلَ مِنْ نَفْسِهِ.

قَالَ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ:

بسم الله الرحمن الرحيم

لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ وَ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ وَ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ وَ حَبِيبِ بْنِ مُظَاهِرٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَائِلٍ وَ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَصَمَ عَدُوَّكَ وَ عَدُوَّ أَبِيكَ مِنْ قَبْلُ الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ الْغَشُومَ الظَّلُومَ الَّذِي ابْتَزَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَمْرَهَا وَ غَصَبَهَا فَيْئَهَا وَ تَأَمَّرَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضًى مِنْهَا ثُمَّ قَتَلَ خِيَارَهَا وَ اسْتَبْقَى شِرَارَهَا وَ جَعَلَ مَالَ اللَّهِ دُولَةً بَيْنَ جَبَابِرَتِهَا وَ

34

عُتَاتِهَا فَبُعْداً لَهُ‏

كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ

ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ غَيْرُكَ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُنَا بِكَ عَلَى الْحَقِّ وَ النُّعْمَانُ بْنُ الْبَشِيرِ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ وَ لَسْنَا نُجْمَعُ مَعَهُ فِي جُمُعَةٍ وَ لَا جَمَاعَةٍ وَ لَا نَخْرُجُ مَعَهُ فِي عِيدٍ وَ لَوْ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ أَقْبَلْتَ أَخْرَجْنَاهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِالشَّامِ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلَى أَبِيكَ مِنْ قَبْلِكَ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

ثُمَّ سَرَّحُوا الْكِتَابَ وَ لَبِثُوا يَوْمَيْنِ وَ أَنْفَذُوا جَمَاعَةً مَعَهُمْ نَحْوُ مِائَةٍ وَ

35

خَمْسِينَ كِتَابَةً مِنَ الرَّجُلِ وَ الِاثْنَيْنِ وَ الثَّلَاثَةِ وَ الْأَرْبَعَةِ يَسْأَلُونَهُ الْقَدُومَ عَلَيْهِمْ وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَتَأَنَّى وَ لَا يُجِيبُهُمْ فَوَرَدَ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سِتُّمِائَةِ كِتَابٍ وَ تَوَاتَرَتِ الْكُتُبُ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ فِي نُوَبٍ مُتَفَرِّقَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ كِتَابٍ.

قَالَ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ ع بَعْدَ ذَلِكَ هَانِي بْنُ هَانِي السَّبِيعِيُّ وَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ بِهَذَا الْكِتَابِ وَ هُوَ آخِرُ مَا وَرَدَ عَلَى الْحُسَيْنِ ع مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.

وَ فِيهِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع مِنْ شِيعَتِهِ وَ شِيعَةِ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع:

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَكَ لَا رَأْيَ لَهُمْ غَيْرُكَ فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَدِ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ أَعْشَبَتِ الْأَرْضُ وَ أَوْرَقَتِ الْأَشْجَارُ فَاقْدَمْ عَلَيْنَا إِذَا شِئْتَ فَإِنَّمَا تَقْدِمُ‏

36

عَلَى جُنْدٍ مُجَنَّدَةٍ لَكَ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ عَلَى أَبِيكَ مِنْ قَبْلِكَ.

فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع لِهَانِي بْنِ هَانِي السَّبِيعِيِّ وَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيِّ خَبِّرَانِي مَنِ اجْتَمَعَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ وَ سُوِّدَ إِلَيَّ مَعَكُمَا فَقَالا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ حَجَّارُ بْنُ أبحر [أَبْجَرَ وَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ وَ يَزِيدُ بْنُ رُوَيْمٍ وَ عُرْوَةُ بْنُ قَيْسٍ وَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ قَالَ: فَعِنْدَهَا قَامَ الْحُسَيْنُ ع فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ وَ سَأَلَ اللَّهَ الْخِيَرَةَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ طَلَبَ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَ أَطْلَعَهُ عَلَى الْحَالِ وَ كَتَبَ مَعَهُ‏

37

جَوَابَ كُتُبِهِمْ يَعِدُهُمْ بِالْقَبُولِ وَ يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ قَدْ نَفَّذْتُ إِلَيْكُمْ ابْنَ عَمِّي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ لِيُعَرِّفَنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيٍ جَمِيلٍ.

فَصَارَ مُسْلِمٌ بِالْكِتَابِ حَتَّى وَصَلَ بِالْكُوفَةِ فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى كِتَابِهِ كَثُرَ اسْتِبْشَارُهُمْ بِإِيَابِهِ ثُمَّ أَنْزَلُوهُ فِي دَارِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ الثَّقَفِيِّ وَ صَارَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَةَ الْحُسَيْنِ ع وَ هُمْ يَبْكُونَ حَتَّى بَايَعَهُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً.

وَ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ وَ عُمَارَةُ بْنُ وَلِيدٍ وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى يَزِيدَ يُخْبِرُونَهُ بِأَمْرِ مُسْلِمٍ وَ يُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِصَرْفِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَ

38

وِلَايَةِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَ كَانَ وَالِياً عَلَى الْبَصْرَةِ بِأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُ الْكُوفَةَ وَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ وَ عَرَّفَهُ أَمْرَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَ أَمْرَ الْحُسَيْنِ ع وَ يُشَدِّدُ عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ مُسْلِمٍ وَ قَتْلِهِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

فَتَأَهَّبَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِلْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ وَ كَانَ الْحُسَيْنُ ع قَدْ كَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِ الْبَصْرَةِ كِتَاباً مَعَ مَوْلًى لَهُ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ وَ يُكَنَّى أَبَا رَزِينٍ يَدْعُوهُمْ فِيهِ إِلَى نُصْرَتِهِ وَ لُزُومِ طَاعَتِهِ مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيُّ وَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ فَجَمَعَ يَزِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ بَنِي تَمِيمٍ وَ بَنِي حَنْظَلَةَ وَ بَنِي سَعْدٍ فَلَمَّا حَضَرُوا قَالَ يَا بَنِي تَمِيمٍ كَيْفَ تَرَوْنَ فِيكُمْ مَوْضِعِي وَ حَسَبِي مِنْكُمْ فَقَالُوا بَخْ بَخْ أَنْتَ وَ اللَّهِ فَقْرَةُ الظَّهْرِ وَ رَأْسُ الْفَخْرِ حَلَلْتَ فِي الشَّرَفِ وَسَطاً وَ تَقَدَّمْتَ فِيهِ فَرَطاً قَالَ فَإِنِّي قَدْ جَمَعْتُكُمْ لِأَمْرٍ أُرِيدُ أَنْ أُشَاوِرَكُمْ‏

39

فِيهِ وَ أَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَيْهِ فَقَالُوا إِنَّا وَ اللَّهِ نَمْنَحُكَ النَّصِيحَةَ وَ نَجْهَدُ لَكَ الرَّأْيَ فَقُلْ حَتَّى نَسْمَعَ.

فَقَالَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ مَاتَ فَأَهْوِنْ بِهِ وَ اللَّهِ هَالِكاً وَ مَفْقُوداً أَلَا وَ إِنَّهُ قَدِ انْكَسَرَ بَابُ الْجَوْرِ وَ الْإِثْمِ وَ تَضَعْضَعَتْ أَرْكَانُ الظُّلْمِ وَ قَدْ كَانَ أَحْدَثَ بَيْعَةً عَقَدَ بِهَا أَمْراً ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ هَيْهَاتَ وَ الَّذِي أَرَادَ اجْتَهَدَ وَ اللَّهِ فَفَشَلَ وَ شَاوَرَ فَخَذَلَ وَ قَدْ قَامَ ابْنُهُ يَزِيدُ شَارِبُ الْخُمُورِ وَ رَأْسُ الْفُجُورِ يَدَّعِي الْخِلَافَةَ

40

عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَ يَتَأَمَّرُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رِضًى مِنْهُمْ مَعَ قَصْرِ حِلْمٍ وَ قِلَّةِ عِلْمٍ لَا يَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ مَوْطِئَ قَدَمَيْهِ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً مَبْرُوراً لَجِهَادُهُ عَلَى الدِّينِ أَفْضَلُ مِنْ جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَ هَذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص ذُو الشَّرَفِ الْأَصِيلِ وَ الرَّأْيِ الْأَثِيلِ لَهُ فَضْلٌ لَا يُوصَفُ وَ عِلْمٌ لَا يُنْزَفُ وَ هُوَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ لِسَابِقَتِهِ وَ سِنِّهِ وَ قِدَمِهِ وَ قَرَابَتِهِ يَعْطِفُ عَلَى الصَّغِيرِ وَ يَحْنُو عَلَى الْكَبِيرِ فَأَكْرِمْ بِهِ رَاعِيَ رَعِيَّةٍ وَ إِمَامَ قَوْمٍ وَجَبَتْ لِلَّهِ بِهِ الْحُجَّةُ وَ بَلَغَتْ بِهِ الْمَوْعِظَةُ فَلَا تَعْشَوْا عَنْ نُورِ الْحَقِّ وَ لَا تَسَكَّعُوا فِي وَهْدَةِ الْبَاطِلِ فَقَدْ كَانَ صَخْرُ بْنُ قَيْسٍ انْخَذَلَ بِكُمْ يَوْمَ الْجَمَلِ فَاغْسِلُوهَا بِخُرُوجِكُمْ إِلَى ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ نُصْرَتِهِ وَ اللَّهِ لَا يَقْصُرُ أَحَدٌ عَنْ نُصْرَتِهِ إِلَّا أَوْرَثَهُ اللَّهُ الذُّلَّ فِي وُلْدِهِ-

41

وَ الْقِلَّةَ فِي عَشِيرَتِهِ وَ هَا أَنَا ذَا قَدْ لَبِسْتُ لِلْحَرْبِ لَامَتَهَا وَ ادَّرَعْتُ لَهَا بِدِرْعِهَا مَنْ لَمْ يُقْتَلْ يَمُتْ وَ مَنْ يَهْرُبْ لَمْ يَفُتْ فَأَحْسِنُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ رَدَّ الْجَوَابِ.

فَتَكَلَّمَتْ بَنُو حَنْظَلَةَ فَقَالُوا أَبَا خَالِدٍ نَحْنُ نَبْلُ كِنَانَتِكَ وَ فُرْسَانُ عَشِيرَتِكَ إِنْ رَمَيْتَ بِنَا أَصَبْتَ وَ إِنْ غَزَوْتَ بِنَا فَتَحْتَ لَا تَخُوضُ وَ اللَّهِ غَمْرَةً إِلَّا خُضْنَاهَا وَ لَا تَلْقَى وَ اللَّهِ شِدَّةً إِلَّا لَقِينَاهَا نَنْصُرُكَ وَ اللَّهِ بِأَسْيَافِنَا وَ نَقِيكَ بِأَبْدَانِنَا إِذَا شِئْتَ فَافْعَلْ.

وَ تَكَلَّمَتْ بَنُو سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَقَالُوا يَا أَبَا خَالِدٍ إِنَّ أَبْغَضَ الْأَشْيَاءِ

42

إِلَيْنَا خِلَافُكَ وَ الْخُرُوجُ مِنْ رَأْيِكَ وَ قَدْ كَانَ صَخْرُ بْنُ قَيْسٍ أَمَرَنَا بِتَرْكِ الْقِتَالِ فَحَمِدْنَا أَمْرَنَا وَ بَقِيَ عِزُّنَا فِينَا فَأَمْهِلْنَا نُرَاجِعِ الْمَشُورَةَ وَ نَأْتِيكَ بِرَأْيِنَا وَ تَكَلَّمَتْ بَنُو عَامِرِ بْنِ تَمِيمٍ فَقَالُوا يَا أَبَا خَالِدٍ نَحْنُ بَنُو أَبِيكَ وَ خُلَفَاؤُكَ لَا نَرْضَى إِنْ غَضِبْتَ وَ لَا نُوطِنُ إِنْ ظَعَنْتَ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكَ فَادْعُنَا نُجِبْكَ وَ أْمُرْنَا نُطِعْكَ وَ الْأَمْرُ لَكَ إِذَا شِئْتَ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا بَنِي سَعْدٍ لَئِنْ فَعَلْتُمُوهَا لَا رَفَعَ اللَّهُ السَّيْفَ عَنْكُمْ أَبَداً وَ لَا زَالَ سَيْفُكُمْ فِيكُمْ.

ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ ع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

-

43

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ وَصَلَ إِلَيَّ كِتَابُكَ وَ فَهِمْتُ مَا نَدَبْتَنِي إِلَيْهِ وَ دَعَوْتَنِي لَهُ مِنَ الْأَخْذِ بِحَظِّي مِنْ طَاعَتِكَ وَ الْفَوْزِ بِنَصِيبِي مِنْ نُصْرَتِكَ وَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِي الْأَرْضَ قَطُّ مِنْ عَامِلٍ عَلَيْهَا بِخَيْرٍ أَوْ دَلِيلٍ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ أَنْتُمْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ وَدِيعَتُهُ فِي أَرْضِهِ تَفَرَّعْتُمْ مِنْ زَيْتُونَةٍ أَحْمَدِيَّةٍ هُوَ أَصْلُهَا وَ أَنْتُمْ فَرْعُهَا فَاقْدَمْ سَعِدْتَ بِأَسْعَدِ طَائِرٍ فَقَدْ ذَلَّلْتُ لَكَ أَعْنَاقَ بَنِي تَمِيمٍ وَ تَرَكْتُهُمْ أَشَدَّ تَتَابُعاً فِي طَاعَتِكَ مِنَ الْإِبِلِ الظِّمَاءِ لِوُرُودِ الْمَاءِ يَوْمَ خِمْسِهَا وَ كَظِّهَا وَ قَدْ ذَلَّلْتُ لَكَ بَنِي سَعْدٍ وَ غَسَلْتُ دَرَنَ صُدُورِهَا بِمَاءِ سَحَابَةِ مُزْنٍ حِينَ اسْتَهْمَلَ بَرْقُهَا فَلَمَعَ.

فَلَمَّا قَرَأَ الْحُسَيْنُ ع الْكِتَابَ قَالَ مَا لَكَ آمَنَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْخَوْفِ-

44

أَعَزَّكَ وَ أَرْوَاكَ يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ فَلَمَّا تَجَهَّزَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْحُسَيْنِ ع بَلَغَهُ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ فَجَزِعَ مِنِ انْقِطَاعِهِ عَنْهُ.

وَ أَمَّا الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ فَإِنَّهُ جَاءَ بِالْكِتَابِ وَ الرَّسُولِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ خَافَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ دَسِيساً مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَ كَانَتْ بَحْرِيَّةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ زَوْجَةً لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الرَّسُولَ فَصَلَبَهُ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَ تَوَعَّدَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَ إِثَارَةِ الْإِرْجَافِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتَنَابَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ عُثْمَانَ بْنَ زِيَادٍ وَ أَسْرَعَ هُوَ إِلَى قَصْرِ الْكُوفَةِ فَلَمَّا قَارَبَهَا نَزَلَ حَتَّى أَمْسَى ثُمَّ دَخَلَهَا لَيْلًا-

45

فَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُ الْحُسَيْنُ ع فَبَاشَرُوا بِقُدُومِهِ وَ دَنَوْا مِنْهُ فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ زِيَادٍ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَدَخَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ وَ بَاتَ فِيهِ إِلَى الْغَدَاةِ ثُمَّ خَرَجَ وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَهُمْ وَ تَوَعَّدَهُمْ عَلَى مَعْصِيَةِ السُّلْطَانِ وَ وَعَدَهُمْ مَعَ الطَّاعَةِ بِالْإِحْسَانِ.

فَلَمَّا سَمِعَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ بِذَلِكَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الِاشْتِهَارِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُخْتَارِ وَ قَصَدَ دَارَ هَانِي بْنِ عُرْوَةَ فَآوَاهُ وَ كَثُرَ اخْتِلَافُ الشِّيعَةِ إِلَيْهِ وَ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ الْمَرَاصِدَ عَلَيْهِ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ فِي دَارِ هَانِي دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَ أَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ وَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ وَ قَالَ مَا يَمْنَعُ هَانِيَ بْنَ‏

46

عُرْوَةَ مِنْ إِتْيَانِنَا فَقَالُوا مَا نَدْرِي وَ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَشْتَكِي فَقَالَ قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ وَ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ وَ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ فَالْقُوهُ وَ مُرُوهُ أَنْ لَا يَدَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّنَا فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَفْسُدَ عِنْدِي مِثْلُهُ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ.

فَأَتَوْهُ وَ وَقَفُوا عَلَيْهِ عَشِيَّةً عَلَى بَابِهِ فَقَالُوا مَا يَمْنَعُكَ مِنْ لِقَاءِ الْأَمِيرِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَكَ وَ قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ فَقَالَ لَهُمُ الشَّكْوَى تَمْنَعُنِي فَقَالُوا لَهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ تَجْلِسُ كُلَّ عَشِيَّةٍ عَلَى بَابِ دَارِكَ وَ قَدِ اسْتَبْطَأَكَ وَ الْإِبْطَاءُ وَ الْجَفَاءُ لَا يَتَحَمَّلُهُ السُّلْطَانُ مِنْ مِثْلِكَ لِأَنَّكَ سَيِّدٌ فِي قَوْمِكَ وَ نَحْنُ‏

47

نُقْسِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا رَكِبْتَ مَعَنَا فَدَعَا بِثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا ثُمَّ دَعَا بِبَغْلَتِهِ فَرَكِبَهَا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْقَصْرِ كَأَنَّ نَفْسَهُ أَحَسَّتْ بِبَعْضِ الَّذِي كَانَ فَقَالَ لِحَسَّانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي وَ اللَّهِ لِهَذَا الرَّجُلِ [الْأَمِيرِ] لَخَائِفٌ فَمَا تَرَى قَالَ وَ اللَّهِ يَا عَمِّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ شَيْئاً وَ لَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا وَ لَمْ يَكُنْ حَسَّانُ يَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ بَعَثَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ فَجَاءَ هَانِي وَ الْقَوْمُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلُوا جَمِيعاً عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى هَانِياً قَالَ أَتَتْكَ بِخَائِنٍ لَكَ رِجْلَاهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى شُرَيْحٍ الْقَاضِي وَ كَانَ جَالِساً عِنْدَهُ وَ أَشَارَ إِلَى هَانِي وَ أَنْشَدَ بَيْتَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ

:

أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي‏ * * * عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ

فَقَالَ لَهُ هَانِي وَ مَا ذَاكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَقَالَ إِيهٍ يَا هَانِي مَا هَذِهِ الْأُمُورُ-

48

الَّتِي تَرَبَّصُ فِي دُورِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ جِئْتَ بِمُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَ أَدْخَلْتَهُ فِي دَارِكَ وَ جَمَعْتَ لَهُ السِّلَاحَ وَ الرِّجَالَ فِي الدُّورِ حَوْلَكَ وَ ظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيَّ فَقَالَ مَا فَعَلْتُ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ بَلَى قَدْ فَعَلْتَ فَقَالَ مَا فَعَلْتُ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَيَّ بِمَعْقِلٍ مَوْلَايَ وَ كَانَ مَعْقِلٌ عَيْنَهُ عَلَى أَخْبَارِهِمْ وَ قَدْ عَرَفَ كَثِيراً مِنْ أَسْرَارِهِمْ فَجَاءَ مَعْقِلٌ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ هَانِي عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ عَيْناً عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ وَ اللَّهِ مَا بَعَثْتُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَ لَا دَعَوْتُهُ وَ لَكِنْ جَاءَنِي مُسْتَجِيراً أَجَرْتُهُ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَدِّهِ وَ دَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ فَضَيَّفْتُهُ فَأَمَّا إِذْ قَدْ عَلِمْتَ فَخَلِّ سَبِيلِي حَتَّى‏

49

أَرْجِعَ إِلَيْهِ وَ آمُرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِي إِلَى حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْأَرْضِ لِأَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ ذِمَامِهِ وَ جِوَارِهِ.

فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ لَا تُفَارِقُنِي أَبَداً حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أَجِيئُكَ بِهِ أَبَداً أَجِيئُكَ بِضَيْفِي حَتَّى تَقْتُلَهُ قَالَ وَ اللَّهِ لَتَأْتِيَنِّي بِهِ قَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا آتِيكَ بِهِ فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ خَلِّنِي وَ إِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ فَقَامَ فَخَلَا بِهِ نَاحِيَةً وَ هُمَا بِحَيْثُ يَرَاهُمَا ابْنُ زِيَادٍ وَ يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا إِذَا رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا.

فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ يَا هَانِي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ لَا تَقْتُلَ نَفْسَكَ وَ لَا تُدْخِلَ الْبَلَاءَ

50

عَلَى عَشِيرَتِكَ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَنْفَسُ بِكَ عَنِ الْقَتْلِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ وَ لَيْسُوا قَاتِلِيهِ وَ لَا ضَائِرِيهِ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ مَخْزَاةٌ وَ لَا مَنْقَصَةٌ وَ إِنَّمَا تَدْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ هَانِي وَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ الْخِزْيَ وَ الْعَارَ أَنَا أَدْفَعُ جَارِي وَ ضَيْفِي وَ رَسُولَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَنَا صَحِيحُ السَّاعِدَيْنِ كَثِيرُ الْأَعْوَانِ وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَكُنْ إِلَّا وَاحِداً لَيْسَ لِي نَاصِرٌ لَمْ أَدْفَعْهُ حَتَّى أَمُوتَ دُونَهُ فَأَخَذَ يُنَاشِدُهُ وَ هُوَ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَا أَدْفَعُهُ أَبَداً إِلَيْهِ.

فَسَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ أَدْنُوهُ مِنِّي فَأُدْنِيَ مِنْهُ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَتَأْتِيَنِّي بِهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ فَقَالَ هَانِي إِذَنْ وَ اللَّهِ تَكْثُرَ الْبَارِقَةُ حَوْلَ دَارِكَ-