المولد النبوي الشريف‏

- صلاح الدين الهواري‏ المزيد...
301 /
5

مقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

درج المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف حبّا بالنبي محمد صلى اللّه عليه و سلّم، و إحياء لذكراه العطرة، و طلبا لثواب اللّه و رضوانه. و كان أول من أحدث ذلك في الإسلام الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين صاحب إربل في أوائل القرن السابع للهجرة، فاستحسن ذلك العمل عدد من العلماء و أهل الحديث و التصوف، كالحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه/ 1449 م)، و الحافظ شمس الدين السخاوي (ت 902 ه/ 1497 م)، و الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911 ه/ 1505 م)، و غيرهم، لما يتخلّله من قراءة للقرآن الكريم، و صلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم، و إبراز لفضائله و أخلاقه الكريمة.

و هذا ما حفّز العديد من العلماء على تأليف مصنفات في المولد النبوي الشريف تشتمل على مقتطفات من سيرة الرسول الكريم صلى اللّه عليه و سلّم، و قصائد شعرية في مدحه و التغني بصفاته و شمائله، و ما خصّ به من معجزات و كرامات، ممّا يسّر للمسلمين مادة سهلة يقرءونها ليس فقط في الذكرى السنوية لميلاد النبي صلى اللّه عليه و سلّم، و إنما في كل مناسبة كريمة يريدون التّقرّب بها إلى اللّه كالزواج و الولادة و القدوم من الحجّ و غير ذلك.

6

و لما كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أو قراءة ما تيسّر من سيرة الرسول صلى اللّه عليه و سلّم فيما ذكرنا من مناسبات بدعة استحدثها المسلمون بعد عهد النبي صلى اللّه عليه و سلّم، فقد كثر الحديث عن صحتها و مشروعيتها في الإسلام؛ فمن العلماء من استحسنها و عدّها بدعة حسنة يثاب فاعلها عليها، و منهم من استقبحها، أ و لم يستحسنها لأنها لم تكن في عهد النبوة و الراشدين و التابعين، و لأنّ بعض ما ألّف في المولد النبوي الشريف يتضمّن مبالغات في نعت النبي صلى اللّه عليه و سلّم قد تخرج قائلها أو قارئها أو مروّجها عن دائرة الصواب، و ربما توقعه في متاهات الضلال و الشرك و الكفر أعاذنا اللّه تعالى منها.

و نظرا لأهمية هذا الموضوع و دقّته و خطورته، فقد رأينا أن نتوقف قليلا مع معنى البدعة في الإسلام في محاولة لمعرفة موقف الشرع الحنيف من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أو قراءته في المساجد و الدور و المنتديات.

- البدعة في اللغة و الاصطلاح:

البدعة لغة: المحدثة، يقال: ابتدعت الشي‏ء: اخترعته على غير مثال سابق. و البديع: المحدث العجيب، و أبدع فلان و ابتدع و تبدّع:

أتى ببدعة.

و البدعة في الاصطلاح الشرعي: ما ابتدع من الدين بعد الإكمال، أو ما أحدث في الدين من أمور لم ينصّ عليها القرآن، و لم يسنّها النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم.

و البدعة نوعان: بدعة هدى، و بدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر به اللّه و رسوله، فهو في حيّز الذمّ و الإنكار، و ما كان تحت عموم‏

7

ما ندب اللّه تعالى إليه و حضّ عليه، أو سنّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و دعا إليه، فهو في حيّز القبول و المدح. و ما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود و السخاء و فعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة، و لا يكون ذلك في خلاف ما ورد به الشّرع، لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم قد جعل له في ذلك ثوابا حين قال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء، و من سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء».

و يدخل في هذا الإطار صلاة التراويح في رمضان، و موقف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه منها، و امتداحها بقوله: «نعمت البدعة هذه»، لأنها كانت من أفعال الخير التي جمع الناس عليها، و ندبهم إليها.

و سمّاها بدعة، و مدحها، لأن النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم لم يسنّها للمسلمين، و إنما صلّاها ليالي ثم تركها، و لم يحافظ عليها، و لم يجمع الناس لها.

و منه أيضا: نقط المصحف في عهد التابعين على يد يحيى بن يعمر، و زيادة الأذان الثاني قبل خطبة الجمعة في زمن عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه، و الجهر بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه و سلّم بعد الأذان منذ أواخر القرن السابع، و غير ذلك.

أما المقصود بقوله صلى اللّه عليه و سلّم: «كلّ محدثة بدعة ...»، و قوله صلى اللّه عليه و سلّم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، فهو ما خالف أصول الشريعة، و أخذ فيه بالرأي و الهوى، كبدعة إنكار القدر، و بدعة القول بالجبر، و بدعة تكفير مرتكب الكبيرة، و بدعة القول بخلق القرآن، و غيرها.

8

و على ضوء ما تقدّم، فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف و ما يرافقه من تلاوة للقرآن الكريم، و قراءة لنبذ من سيرة النبيّ العطرة، و جهر بالتضرع و الدعاء، و مدح للرسول صلى اللّه عليه و سلّم، هو من البدع الحسنة المستحبة التي لا تخالف الكتاب و السنّة، و لا ينكرها إلّا من تشدّد في تحرّجه، لأن مئات من المسائل قد تطرأ على الأمة الإسلامية، و تحتاج إلى حكم شرعي يجيزها أو يحرّمها. و ليس من الصواب أن ترفض برمّتها لأنها لم تكن في عهد الرسول صلى اللّه عليه و سلّم، أ و لم ينزّل بها قران.

و مع ذلك، فلا يستطيع الباحث أن يغافل عما ورد في بعض المصنفات الخاصة بالمولد النبوي الشريف من مبالغات و مغالطات تخالف ما ورد في القرآن الكريم من نعت للنبي صلى اللّه عليه و سلّم، و لا تتفق مع الطبيعة البشرية التي جبل عليها، و سار بها بين الناس، مما يستدعي الوقوف أمامها بحذر شديد، لتسديدها، أو الإشارة إلى شططها، أو تحذير المسلمين من الوقوع في شرك الاعتقاد بها، خصوصا ما تضمنته بعض تلك المصنفات من أحاديث مكذوبة، و روايات مدسوسة، و تعابير فيها شبهات من تشبيه و تجسيم و سوء أدب و اعتقاد.

و يستند عملنا في هذا الكتاب إلى النقاط التالية:

تصديره بمقدمة تشتمل على تعريف بالمولد النبوي الشريف، و مشروعيته، و أدلّة جوازه.

جمع ما توافر من مصنفات في المولد النبوي الشريف و اعتمادها مادة أساسية للكتاب.

ترتيب هذه المصنفات وفقا للتسلسل الزمني لوفيات أصحابها.

9

- تصدير كلّ مصنّف بترجمة موجزة لصاحبه تتضمن نبذة من سيرته و منزلته و اثاره.

ضبط و شرح ما غمض من مفردات هذه المصنفات، بالرجوع إلى المعاجم اللغوية و الكتاب المختصّة.

ضبط القصائد الواردة في مدح الرسول صلى اللّه عليه و سلّم، و شرحها، و التأكد من سلامتها اللغوية و العروضية.

رصد ما يقع في دائرة المبالغة و الخطأ من تعابير و أوصاف، و تحذير القرّاء منها أو حذفها.

و اللّه نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، و أن يلهمنا السّداد في الفكر و القول و العمل، إنه سميع الدعاء.

صلاح الدين الهواري‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

مولد البرعيّ لعبد الرّحيم بن أحمد البرعيّ اليمانيّ (ت 803 ه/ 1400 م)

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

عبد الرّحيم البرعيّ (ت 803 ه/ 1400 م)

هو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني‏ (1): شاعر، متصوف، من سكان «النيابتين» في اليمن. لم يذكر الذين ترجموا له مكان و تاريخ ولادته، لكنهم توافقوا على أنه توفي سنة 803 ه/ 1400 م‏ (2). و نسبة البرعي إلى «برع» و هو جبل بتهامة (3).

ذكر أنه أفتى، و درّس، و له ديوان شعر مشهور في المدائح النبوية.

____________

(1) الأعلام: 3/ 343. و في هدية العارفين (1/ 599): «العارف باللّه الصوفي اليمني».

(2) معجم المؤلفين: 5/ 202؛ الأعلام: 3/ 343. و في هدية العارفين: أنّه من رجال القرن الخامس الهجري.

(3) الأعلام: 3/ 343.

14

[المتن‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي جعل فلك القدرة على دور الحكمة في أقطار قطب المجرّة مستديرا* و جعل قمر العزّة على صفاء صدف البحر في مدراج‏ (1) الكواكب مستنيرا* و فتق‏ (2) على صفحات الأفق بيد الاقتدار من طيب الكلام عنبرا و عبيرا* و نثر من أنوار وجه الصّباح على أرواح الأشباح كافورا* و أسبل من سيل المزن‏ (3) شرابا صافيا و سحابا مطيرا* و أظهر من تحت حجاب طباق رياض غياض الأرض روضا و نورا نضيرا* فأخرجت الأرض بقدرته اساويا سمينا و بنفسجا منثورا* فكأنّما النّرجس مجتهد طاب له القيام في الظّلام إذ خاف يوما عبوسا قمطريرا (4)* و الياسمين كعضّ الظّالم على يديه ممّا يجد في الكتاب مسطورا* و البنفسج كدموع المفرّطين يتحدّر على الخدود تحديرا* و أبرز بقدرته من عروس الحضرة صبحا مستنيرا* و أطلع سبحانه لجمال جلال بهاء كمال عزّته بطونا اختارها لحمله و ظهورا* و أطلع سبحانه و تعالى في أفلاك الكمال شمسا و قمرا منيرا* صلّوا عليه و سلّموا

____________

(1) المدراج: الممرّ، المسلك، الطريق.

(2) فتق الشي‏ء فتقا: شقّه، و فتق الثوب: فصل نسيجه أو خياطته، و فتق الكلام: قوّمه و وسّعه.

(3) المزن: السحاب يحمل الماء، الواحدة: مزنة.

(4) القمطرير: الشديد.

15

تسليما* و اختار جلّ و علا في القدم سيّد الكونين حبيبا و نجيّا (1) و نبيّا و رسولا و بشيرا* و أخذ له العهود على سائر مخلوقات الوجود تعظيما له و توقيرا* و جعلها لصون صدفة درّة بهجة مهجة لؤلؤة جوهرة نفسه النفيسة بحورا* ثمّ جعل منها ماء عذبا فراتا و ملحا أجاجا (2) حكمة منه و تقديرا* و نقله في الأنبياء إلى آدم و شيث و نوح و هود و إبراهيم و إسماعيل و كلّ غدا به مستجيرا* و ما منهم إلّا من أخذ عليه العهود ليؤمننّ به و لينصرنّه و كان ذلك في الكتاب مسطورا* فادم لأجله تاب اللّه عليه، و إدريس بسببه رفعه اللّه إليه، و نوح في الفلك به توسّل‏ (3) و هود في دعائه عليه عوّل و الخليل به تشفّع، و إسماعيل به تضرّع، و موسى أعلم قومه و سأل ربّه أن يكون من أمّته و يكون له وزيرا* و عيسى ابن مريم بشّر بوجوده و طلب المهلة إلى زمانه و أن يكون له نصيرا* و أضحى به في الإنجيل مذكورا*

جلّ الذي بعث الرّسول رحيما * * * ليردّ عنّا في المعاد جحيما (4)

و به لنرجو جنّة و نعيما * * * أضحى على المولى الكريم كريما

ما ضلّ عن وحي الإله و ما غوى‏ * * * حاشا رسول اللّه ينطق عن هوى‏

الصّادق الثّقة الأمين بما روى‏ * * * قد نال من ربّ السّماء علوما

و أتى له الرّوح الأمين مبشّرا * * * نادى له يا خير من وطى‏ء الثّرى‏ (5)

أجب المهيمن يا محمّد كي ترى‏ * * * ملكا كبيرا في السّماء عظيما

____________

(1) النّجيّ: المناجي، و ناجى فلان فلانا: سارّه.

(2) الأجاج: الشديد الملوحة أو المرارة.

(3) توسّل فلان إلى اللّه: عمل عملا تقرّب به إليه. و توسّل إلى فلان: تقرّب إليه بحرمة اصرة تعطفه عليه.

(4) المعاد: القيامة، البعث.

(5) الثرى: التراب.

16

فأجابه المختار حين دعا به‏ * * * ربّ السّماوات العلى لخطابه‏

ركب البراق و قد أتى لجنابه‏ * * * أضحى له الرّوح الأمين نديما

فمتى أرى الحادي يبشّر باللّقا * * * و يضمّنا وادي المحصّب و النّقا (1)

و أرى ضريح المصطفى قد أشرقا * * * مولى رحيما لا يزال كريما (2)

و أقول للزّوّار قد نلتوا المنى‏ * * * يهنيكموا طيب المسرّة و الهنا

فاستبشروا من بعد فقر بالغنى‏ * * * فاللّه زادكم به تكريما

ثمّ الرّضا عن إله الكرماء * * * و كذاك عن أصحابه الخلفاء

فهواهم ديني و عقد لوائي‏ * * * قوم تراهم في المعاد نجوما

يا أيّها الرّاجون منه شفاعة * * * صلّوا عليه و سلّموا تسليما

و الأخبار به أخبرت و الكهّان بظهوره بشّرت و الرّهبان بولادته أعلنت و الجانّ برسالته امنت و الهواتف بذكره هتفت و نار فارس من نوره خمدت‏ (3) و الآيات باسمه نطقت و الأكاسرة بملوكها تزلزلت و التّيجان من على رءوس أربابها تساقطت لهيبة المبعوث بالحقّ بشيرا و نذيرا* و بحيرة ساوى عند ظهوره غارت و انقطع وادي سماوة، و كم من عين نبعت و فارت و انشقّ إيوان كسرى و شرفاته تناثرت و السّماء شرفا له حرست و ملائكة السّماوات السّبع به تباشرت و الشّهب إكراما له لمسترقي السّمع رجمت و إبليس لعنه اللّه و أخزاه و كفّ عنّا و عنكم أذاه صاح و نادى على نفسه ويلا و ثبورا (4)* و رأت آمنة على رأسها فلكا من‏

____________

(1) الحادي: الذي يسوق الإبل بالحداء. المحصّب: موضع رمي الجمار بمنى. النّقا: الكثيب من الرمل.

(2) الضريح: القبر. المصطفى: المختار.

(3) خمدت النار: هدأت، و سكنت، و انطفأت.

(4) الثبور: الهلاك.

17

الجمال مستديرا و أطلع ليلة ولادته أقمارا و بدورا و أمر الجليل جلّ جلاله جبريل أن ينادي في الكائنات أن يا أمّة محمّد طيبوا فرحا و سرورا* و قام إسرافيل على صوامع القدس للملائكة بشيرا* و هنّأ جبريل حملة العرش لمّا أنشق من شذاه عنبرا و عبيرا* و رقص البيت الحرام بمولد سيدنا و حبيبنا و شفيعنا محمّد صلى اللّه عليه و سلّم و ملئ الحرم نورا* و أشرق الصّفا بمولد المصطفى و خرّت الأصنام ذلّا و عاد كلّ من بعد عزّه حقيرا*

لا نلت ممّا أرتجيه سرورا * * * إن كان قلبي عن هواك نفورا (1)

و المرء ليس بصادق في حبّه‏ * * * إن لم يكن للنّائبات صبورا

أشغلتني بهواك عن كلّ الورى‏ * * * فلذاك راح القلب فيك أسيرا

يا أيّها الصّبّ الكئيب إلى متى‏ * * * يمضي زمانك باطلا و غرورا

قم في الدّجى و اضرع إليه و ناده‏ * * * يا عالما بعباده و خبيرا (2)

إن لم نكن أهلا لعفوك سيّدي‏ * * * قد كنت ربّا ساترا و غفورا

ما لي سواك و أنت غاية مطلبي‏ * * * فإذا رضيت فنعمة و سرورا

يا سيّدي فامنن عليّ بتوبة * * * يا واحدا في ملكه و قديرا

صلّى عليك اللّه يا علم الهدى‏ * * * قد جئت فينا هاديا و بشيرا

و الأصل في بدء خلق النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم هو أنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا أراد أن يخلق نور سيدنا محمّد صلى اللّه عليه و سلّم فكان عمودا من نور يسبّح اللّه تعالى قبل الدّرّة و العرش و الكرسي بمائتي ألف عام* و عن عليّ بن أبي طالب‏

____________

(1) نفر نفورا: أعرض و صدّ.

(2) الدّجى: سواد الليل و ظلمته.

18

كرّم اللّه وجهه أنه قال: خلق اللّه تعالى نور محمّد صلى اللّه عليه و سلّم قبل أن يخلق السّماوات و الأرض و العرش و الكرسيّ و الحجب و الجنّة و النّار و الدّنيا و الآخرة و آدم و شيثا و نوحا و إبراهيم و سليمان و موسى و عيسى بستمائة ألف عام و أربعة و عشرين ألف عام* ثمّ خلق اللّه بعده اثنا عشر حجابا الأوّل حجاب القدرة، الثاني حجاب العظمة، الثّالث حجاب المنّة، الرّابع حجاب الرّحمة، الخامس حجاب السّعادة، السّادس حجاب الكرامة، السّابع حجاب المنزلة، الثّامن حجاب الهداية، التّاسع حجاب النّبوّة، العاشر حجاب الرّفعة، الحادي عشر حجاب الطّاعة، الثاني عشر حجاب الشّفاعة، ثمّ أقامه في حجاب القدرة اثنا عشر ألف سنة و هو يقول: سبحان ربّي الأعلى، و في حجاب العظمة أحد عشر ألف سنة و هو يقول: سبحان عالم السّرّ و أخفى، و في حجاب المنّة عشرة آلاف سنة و هو يقول: سبحان الرّفيع الأعلى، و في حجاب الرّحمة تسعة آلاف سنة و هو يقول: سبحان الرّءوف الرّحيم، و في حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة و هو يقول: سبحان العليم الحكيم، و في حجاب المنزلة ستّة آلاف سنة و هو يقول سبحان ذي الملك الأعلى، و في حجاب الهداية خمسة آلاف سنة و هو يقول:

سبحان ربّ العرش العظيم، و في حجاب النّبوّة أربعة آلاف سنة و هو يقول: سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم، و في حجاب الرّفعة ثلاثة آلاف سنة و هو يقول: سبحان الملك القدّوس، و في حجاب الطّاعة ألفي سنة و هو يقول: سبحان القديم الأزلي‏ (1)، و في حجاب‏

____________

(1) الأزلي: ما لا أوّل له.

19

الشّفاعة ألف سنة و هو يقول: سبحان الملك المعبود، ثمّ رفع اللّه تعالى نور نبيّه محمّد صلى اللّه عليه و سلّم إلى بحر النّظرة و بحر الرّحمة و بحر القدرة و بحر الكرامة و بحر السّخاوة (1) و بحر الهداية و بحر الشّفاعة و بحر الحكمة و بحر المعرفة قال: فلما خرج من بحر المعرفة ألهمه اللّه تعالى أن يجري فجرى منه أربعة و عشرون ألف قطرة فخلق اللّه تعالى من كلّ قطرة نبيّا، ثم ألهمه اللّه تعالى أن يطوف و هو يقول: سبحان العالم الّذي لا يجهل، سبحان الجواد (2) الّذي لا يبخل، ثمّ خلق اللّه تعالى من نور محمّد صلى اللّه عليه و سلّم جوهرة ثمّ أمر اللّه تعالى تلك الجوهرة أن تنشقّ نصفين فنظر إلى الأوّل بعين الهيبة فصار ماء جاريا و هو ماء البحار فإنه لا ينام و لا يفتر من هيبة اللّه تعالى و خشيته. و أمّا النّصف الّذي نظر إليه بعين الشّفقة فخلق اللّه تعالى منه أربعة أشياء الأوّل العرش، الثّاني الكرسيّ، الثّالث اللّوح، الرّابع القلم. فلما خلق اللّه القلم نظر إليه بعين الهيبة فانشقّ إجلالا لعظمته و هيبته ثم أمره أن يجري على اللوح فقال:

أي ربي ما أكتب قال: اكتب لا إله إلا أنا واحدي لا شريك لي في ملكي و أن محمّدا عبدي و رسولي، قال: فخرّ القلم ساجدا للّه تعالى باكيا مائة عام ثم رفع رأسه و قال: إلهي و سيّدي علمت أنّك لا إله إلا أنت فمن محمّد الذي قرنت اسمه باسمك، قال اللّه تعالى: يا قلم تأدّب فو عزّتي و جلالي لو لا محمّد ما خلقت عرشا و لا كرسيّا و لا سماء و لا أرضا و لا جنة و لا نارا و لا ليلا و لا نهارا و ما خلقت جميع الأشياء إلّا إكراما للذي سمّيته محمدا صلى اللّه عليه و سلّم قال: فبقي القلم سكرانا من حلاوة اسم محمد صلى اللّه عليه و سلّم ثم‏

____________

(1) السخاوة: الجود و الكرم.

(2) الجواد: الكريم، الكثير الجود.

20

ألهمه اللّه أن يقول السّلام عليك يا محمّد فقال اللّه: أيها القلم و عليك السلام، فلهذا صار السلام سنّة و الرّدّ فريضة* ثم أمره اللّه أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب سائر الأمم من أطاع اللّه فله الجنة و من عصاه فله النّار فأوحى اللّه إليه أن اكتب: أمّة مذنبة و ربّ غفور*

صبح الهدى ملأ الوجود سرورا * * * لمّا بدا وجه الحبيب منيرا

أطلعت يا شهر الرّبيع مشرّفا * * * قمرا يفوق مع الكمال بدورا

شهر الرّبيع أتى بمولد أحمد * * * و لقد أتانا بالهناء بشيرا

و ترنّم الأطيار عند ملاده‏ * * * فرحا و مال الغصن منه حبورا (1)

و أتى النّسيم مبشرا و معطرا * * * بقدوم أحمد في الأنام نذيرا

و الحور في غرف الجنان تباشرت‏ * * * و قضت بميلاد النّبيّ نذورا (2)

لما بدا وجه الحبيب تلألأت‏ * * * كلّ البقاع و قد نطقن شكورا

و رأته آمنة يسبّح ساجدا * * * عند الملاد إلى السّماء مشيرا

و انشقّ إيوان لكسرى جهرة * * * و غدا حزينا في الأنام كسيرا

و تساقط الأصنام عند ملاده‏ * * * و تصعّد الكهّان منه زفيرا

لمّا تشفّع آدم من ذنبه‏ * * * غفر الإله له و كان غفورا

و كذاك نوح في السّفينة قد نجا * * * بمحمّد فاسأل بذاك خبيرا

لولاه ما كان الكليم مخاطبا * * * في الطّور لمّا أن أراد أمورا

لولاه ما رفع المسيح إلى السّما * * * و لينزلنّ مجاهدا و نذيرا

و الأنبياء جميعهم قد بشّروا * * * بملاد أحمد موردا و صدورا

____________

(1) ترنّم الطائر: طرّب بصوته و تغنّى. الحبور: السرور.

(2) الحور: حسان الجنّة. النذور: جمع النذر: ما يقدمه المرء لربّه، أو يوجبه على نفسه من صدقة أو عبادة أو نحوهما.

21

طفئت به نار المجوس تذلّلا * * * و غدا به صيب الغمام مطيرا (1)

أخبار أحمد في الكتاب تواترت‏ * * * و لقد أبان بسير ذاك بحيرا (2)

بشراكم يا أمّة الهادي لكم‏ * * * يوم القيامة جنّة و حريرا

صلّى عليك اللّه ربّي دائما * * * ما دامت الدّنيا و زاد كثيرا

قال: فلما خلق اللّه الجنّة زيّنها بأربعة أشياء بالتّعظيم و الحلاوة و السّخاوة و الأمانة قال: ثمّ خلق اللّه القمر و جعله نورا ثمّ خلق اللّه الملائكة و أمرهم بالصّلاة على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلّم ثم خلق اللّه الكواكب قال:

و لمّا أراد اللّه أن يخلق آدم (عليه السلام) أمر جبريل أن يهبط إلى الأرض و يأتي بالطّينة الّتي هي قلب الأرض و بهاؤها فهبط في ملائكة الفردوس و ملائكة الرّفيع الأعلى فقبضها من موضع قبر البشير النّذير محمد صلى اللّه عليه و سلّم فعجنت بماء التّسنيم‏ (3) و غمست في أنهار الجنّة حتى صارت كالدّرّة البيضاء ثم طافت بها الملائكة حول العرش و الكرسيّ و في السّماوات و الأرض و البحار حتّى عرفت الملائكة أنه سيّد الأولين و الآخرين قبل أن تعرف آدم (عليه السلام) بألف عام* صلّوا عليه و سلّموا تسليما

بحمد اللّه نبدأ يا حبايب‏ * * * و في مدح النّبي المختار راغب‏

مليح قد أتانا في ربيع‏ * * * فزال الهمّ عنّا و المصائب‏

له وجه يحاكي بدر تمّ‏ * * * تجلّى نوره بين الكواكب‏

____________

(1) الصّيّب: السحاب ذو الصوب، أي: ذو المطر.

(2) تواترت: تتابعت.

(3) التسنيم: ماء في الجنّة، قال تعالى: وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ* عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏. [سورة المطففين، الآيتان: 27، 28].

22

و أنف مثل حدّ من سهام‏ * * * لأعناق العدا قد عاد ضارب‏

و ثغر قد حوى درّا و شهدا * * * فكم أشفى به سمّ العقارب‏

إذا ما قد بدت منه الثّنايا * * * أضاءت شرقها ثمّ المغارب‏ (1)

و عنق مثل خشف إذ تمشّى‏ * * * سبى الصيّاد حقّا و هو ذاهب‏ (2)

زلال لمّا نبع من راحتيه‏ * * * أتاه الجيش منه عاد شارب‏

و بطن قد سكنه الجهد حتى‏ * * * طوى تحت الحجارة بالعصائب‏ (3)

له قدم به للخير ساع‏ * * * و كم للهاشمي ظهرت عجائب‏

فلو أنّا سعينا كلّ وقت‏ * * * على الأقدام لا فوق النّجائب‏ (4)

لكان يحقّ أن نسعى إليه‏ * * * و لو حبوا و دمع العين ساكب‏ (5)

و لو أنّا قرأنا كلّ يوم‏ * * * لطه مولدا قد كان واجب‏

عليه صلاة ربّي كلّ وقت‏ * * * مدى الأيّام ما سارت ركائب‏

و قد صحّ عنه صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين، و قال صلى اللّه عليه و سلّم كنت نبيّا و لا آدم و لا ماء و لا طين، فلمّا أراد اللّه أن يخلق آدم (عليه السلام) و أن يظهر هذه الدّرّة اليتيمة خلق آدم بيده و نفخ من روحه و أسجد له ملائكته و أسكن ذلك النّور في صلبه و أسكنه الجنّة، فكانت الملائكة يقفون خلف آدم صفوفا صفوفا ينظرون إلى نور محمّد صلى اللّه عليه و سلّم فقال آدم: يا ربّ ما لهؤلاء الملائكة يقفون خلفي صفوفا صفوفا فقال اللّه تعالى:

____________

(1) الثنايا: أسنان الفم الإمامية، اثنتان من فوق، و اثنتان من تحت.

(2) الخشف: ولد الظبية أول ما يولد.

(3) العصائب: جمع العصابة: ما يشدّ به من منديل أو خرقة، و العصابة: العمامة و التاج.

(4) النجائب: نجائب الإبل: خيارها، الواحدة: نجيبة، و نجائب الأشياء: لبابها و خالصها.

(5) الحبو: الزّحف.

23

ينظرون إلى نور محمد صلى اللّه عليه و سلّم الذي استخرجه من ظهرك فهو خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين. فقال آدم: يا ربّ اجعل هذا النّور في مقدّمي حتى تستقبلني الملائكة و لا يستدبروني فجعل ذلك النّور في جبهته فكانت الملائكة يقفون قبالة آدم صفوفا صفوفا يتنعّمون بالنّظر إلى نور نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلّم و هو يشرق في جبهته كالشّمس و القمر. قال آدم: يا ربّ أريد أن يكون لي نصيب من ذلك النّور في مكان أراه فنقله اللّه تعالى إلى إصبعه السّبّابة من يده اليمنى فكان آدم يسبّح فيسبّح اللّه ذلك النّور في إصبعه فلذلك سمّيت تلك الإصبعة المسبّحة* قال آدم: يا ربّ هل بقي من هذا النّور شي‏ء، قال اللّه تعالى: بقي نور أصحابه، فقال آدم: يا ربّ اجعله في بقيّة أصابعي، فجعل نور أبي بكر في الوسطى و نور عمر في البنصر و نور عثمان في الخنصر و نور عليّ في الإبهام*

(شعر)

حداة العيس رفقا بالنّجائب‏ * * * فقلبي سار في إثر الرّكائب‏ (1)

و جسمي ذاب من ألم و وجد * * * و من شوقي إلى لقيا الحبائب‏

فهل لي من سبيل للتّلاقي‏ * * * فدمعي قد غدا مثل السّحائب‏

لئن سمح الزّمان بطيب وصل‏ * * * و بلّغت المقاصد و المآرب‏ (2)

لألتثمنّ ذاك التّرب جهرا * * * و أرويه بأدمعي السّواكب‏

و أحظى بالعقيق و ساكنيه‏ * * * و من قد حلّ في تلك المضارب‏

____________

(1) الحداة: السائقون، الواحد: حاد. العيس: كرام الإبل، أو التي يخالط بياضها شقرة، الواحد:

أعيس، و الأنثى: عيساء.

(2) المآرب: جمع مأرب: الحاجة الشديدة، أو البغية و الأمنية.

24

قباب قد حوت بدرا منيرا * * * إذا ما مال في تلك الذّوائب‏ (1)

فلو أنّا عملنا كلّ يوم‏ * * * لأحمد مولدا قد كان واجب‏

تحنّ له بدور الحسن طوعا * * * سجودا في المشارق و المغارب‏

عليه من المهيمن كلّ وقت‏ * * * صلاة ما بدا نور الكواكب‏

و لمّا خلق اللّه نور محمّد صلى اللّه عليه و سلّم جعله في قنديل معلّق تحت العرش فقطر منه أربع قطرات، فخلق اللّه من تلك القطرات أبا بكر و عمر و عثمان و عليّا رضي اللّه عنهم أجمعين، فكانت تلك القطرات تطوف حول العرش للنّور الذي في القنديل*

(شعر)

أعلمت من ركب البراق عتيما * * * و تلاه جبريل الأمين نديما (2)

حتى علا فوق السّماء قدوما * * * و دنا و كلّم ربّه تكليما

أو من على الرّسل الكرام تقدّما * * * و نوى الصّلاة بهم و كبّر محرما

و سرى إلى ذي العرش حقّا بعد ما * * * بلغ الأمين مقامه المعلوما

أو من كقاب القوس آية قربه‏ * * * و علوّه و دنوّه من ربّه‏

و رأى الإله بعينه و بقلبه‏ * * * فحوى من الغيب الخفيّ علوما

و من المخصّص بالنّبوّة أولا * * * و أبوه آدم طينة لم يكملا

و من الذي نال العلا حتى علا * * * شرفا و حاز الفخر و التّفخيما

____________

(1) القباب: جمع القبّة: بناء مستدير مقوّس مجوّف يعقد بالآجرّ و نحوه، أو خيمة صغيرة أعلاها مستدير.

الذوائب: جمع الذؤابة: شعر مقدم الرأس.

(2) عتيم: من أعتم الرجل إذا دخل في وقت العتمة أو سار فيه. النديم: الصاحب على الشراب، أو المسامر.

25

ذاك المشفّع و البشير المنذر * * * الصّادق المزّمّل المدّثّر (1)

السّابق المتقدّم المتأخّر * * * حاز المفاخر آخرا و قديما

ذاك الذي طاب الزمان بذكره‏ * * * و تعطّرت سبل الهدى من عطره‏

و إذا النّسيم الرّطب مرّ بقبره‏ * * * أربى على المسك الزّكيّ شميما (2)

اختاره ربّ السّماوات العلى‏ * * * و اختصّه بالمعجزات و فضّلا

و أتاه بالكتب الأمين مفصّلا * * * سورا و ذكرا من لدنه حكيما

ذاك الذي عبد الإله و أخلصا * * * و هو المشفّع في المعاد لمن عصى‏ (3)

و بكفّه نطقت و سبّحت الحصا * * * شرفا له و لربّه تكريما

في الغار نسج العنكبوت لأجله‏ * * * و الماء من يمناه فاض بكفّه‏

و تفجّر الضّرع الأشلّ لأجله‏ * * * و اخضرّ غصن كان قبل هشيما (4)

و النّخل خصّ محمّد بسجوده‏ * * * و الجذع حنّ على كرامة جوده‏

يا أيّها المتعرّضون لجوده‏ * * * زوروا قديما و اقصدوه كريما

ما زلت أكتتب الفضائل و العلا * * * بنظام نثر كالجواهر يجتلا

أهدي لخير الخلق ألفين صلا * * * من لم يزل بالمؤمنين رحيما

و روي عن عبد اللّه والد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أنّه نام ليلة في الأبطح فرأى في المنام كأنّه خرج منه سلسلة بيضاء لها أربعة أطراف طرف في المشرق‏

____________

(1) المزّمّل: من تزمّل إذا تلفّف و تغطّى، قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة المزمل، الآيتان: 1، 2]. المدّثّر: من تدثّر إذا لبس الدّثار، أو تغطّى به، قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ [سورة المدثر، الآيتان: 1، 2].

(2) أربى: زاد. الشميم: ما يشمّ. و قد شمّه شمّا و شميما: أدرك رائحته.

(3) المعاد: يوم القيامة.

(4) الأشلّ: يقال شلّ العضو شللا: أصيب بالشّلل، أو يبس فبطلت حركته أو ضعفت. الهشيم: اليابس من كل شي‏ء.

26

و طرف في المغرب و طرف بلغ عنان السّماء و طرف منها صار شجرة خضراء على كلّ ورقة منها نور و أهل المشرق و المغرب يستظلّون بنا فلمّا أصبح سأل المعبرين عنها فقالوا: إن صدقت رؤياك ليخرجنّ من صلبك من يؤمن به أهل السموات و الأرض و يكون نبيّ آخر الزّمان* و لمّا أراد اللّه أن ينقل نور سيّدنا محمد صلى اللّه عليه و سلّم حرّك في قلب عبد اللّه بن عبد المطلب أن يتزوّج فقال لأمه أريد منك أن تخطبي لي امرأة ذات حسن و جمال و بهاء و كمال و حسب و نسب عال، قالت: حبّا و كرامة يا ولدي ثمّ إنّها دارت أحياء قريش و بنات العرب فلم يعجبها إلّا آمنة بنت وهب فوقع عليها من فوره فحملت بسيّد الأوّلين و الآخرين سيّدنا محمد صلى اللّه عليه و سلّم*

(شعر)

يا حسنها في ليلة جليت بها * * * لمحمّد هو سيّد الأكوان‏ (1)

قوموا بآمنة على كرسي الرّضا * * * حتى تراها الحور و الولدان‏

في حلّة ذهبيّة قد أقبلت‏ * * * صفراء مشرقة على القمصان‏

في الأخضرين تمايلت لمّا انجلت‏ * * * و اللّه فضّلها على النّسوان‏

قد خمّروها بالسّواد و قد سبت‏ * * * كلّ الورى يا معشر الإخوان‏ (2)

نزلت ملائكة السماء بعرسها * * * قد نقّطوا بالدّرّ و المرجان‏

حور الجنان أقبلت لتحيّها * * * و لينثروا بالمسك و الرّيحان‏

____________

(1) جليت العروس: أظهرت أو عرضت، يقال: جلت الماشطة العروس على بعلها: عرضتها عليه مجلوّة.

(2) خمّروها: ألبسوها الخمار. نقّط العروس: قدّم إليها مالا أو هدية عند زفافها.

27

قال ثمّ اختلى عبد اللّه بآمنة في خلوة الطّاعة و كانت ليلة الجمعة، فأمر اللّه رضوان أن يفتح باب الجنان للنّور المكنون فاستقرّ النّور عند آمنة و حسدها عليه جميع نساء مكّة و ماتت منهنّ مائة امرأة حسرة و أسفا عليها لما فاتهنّ من حسنه و جماله*

(شعر)

هو سيد الكونين سيّد هاشم‏ * * * ما في سيادته علينا خفاء

شرف المقام به و زمزم و الصفا * * * و منى و بيت اللّه و البطحاء (1)

من نور ربّ العرش كوّن نوره‏ * * * و النّاس في خلق التّراب سواء

و به توسّل آدم من ذنبه‏ * * * و تشفّعت بجنابه حوّاء (2)

و به دعا إدريس فارتفعت له‏ * * * عند المهيمن رتبة علياء

و به توسّل نوح في طوفانه‏ * * * فأجيب حين طغا عليه الماء (3)

و به الخليل نجا من النّار التي‏ * * * قد أضرم الحسّاد و الأعداء

و به الذّبيح فدي بذبح جاءه‏ * * * لمّا أتاه من الإله فداء

و بنعته التّوراة يشهد لفظها * * * بالمصطفى و لها عليه ثناء

إنجيل عيسى و الزّبور بفضله‏ * * * شهدا ففي هذا الفخار علاء

اللّه أكبر ما أتمّ فخاره‏ * * * في مثل ذا تتحيّر العقلاء

قد أنزل القرآن في أوصافه‏ * * * ما ذا تقول بشعرها الشّعراء

صلّى عليه اللّه ربّي دائما * * * ما دامت الأنوار و الظّلماء

____________

(1) البطحاء: المكان المتّسع يمرّ به السّيل، فيه الرمل و الحصى الصغار، و المراد هنا بطحاء مكة.

(2) الجناب: الناحية، أو فناء الدار، و يقال: أنا في جناب فلان: في كنفه و رعايته.

(3) طغا الماء: فاض و تجاوز الحد في فيضانه.

28

فلما أراد اللّه أن يظهر خيرته من خلقه و أن ينير الدّنيا بعد ظلامها نادى جبريل في السّماوات ألا و إنّ الكريم قد تمّت كلمته و نفذت حكمته و ان وعده الّذي وعد به عباده من إظهار البشير النّذير الّذي يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر صاحب الأمانة و الدّيانة و المجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده و خيرة اللّه من عباده خاتم النّبيّين و إمام المرسلين جعله اللّه رحمة للعالمين و سماه أحمد و محمّدا و طه و يس و أعطاه الشّفاعة للمذنبين و نسخ بشريعته و دينه كل دين صلّى اللّه عليه و على إله و صحبه أجمعين*

قال فضجّت الملائكة بالتّسبيح و التّقديس و التّحميد و التكبير و الثّناء لربّ العالمين و فتحت أبواب الجنان و أغلقت أبواب النّيران و أزهرت أشجار الجنّة و تعطّرت الحور و الولدان و غنّت الأطيار باللّغات و اندفقت الأنهار و نمت الأطيار و ضجّت الملائكة بالاستبشار بقدوم سيّدنا محمد المختار صلى اللّه عليه و سلّم:

قد ظهر البدر لرأي العيان‏ * * * في ليلة مقرونة بالأمان‏

عمّ جميع الناس فيها الهنا * * * و زخرفت فيها قصور الجنان‏

هذا ربيع جاءنا بالمنى‏ * * * و هو الّذي بالحسن فاق الزّمان‏

إذ كان فيه مولد المصطفى‏ * * * رسول ربّ العزّة المستعان‏

المرتضى و المجتبى أحمد * * * و من له في الحشر قدر و شان‏ (1)

صلّى عليه اللّه ربّ العلا * * * ما أشرقت شمس و نور العيان‏

قالت آمنة: و لمّا حملت بمحمد صلى اللّه عليه و سلّم سمعت قائلا يقول: يا آمنة قد

____________

(1) المجتبى: المصطفى، المختار، قال تعالى: وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏ [سورة يوسف، الآية: 6].

29

حملت بسيّد هذه الأمّة و نبيّها فإذا وضعتيه فعوّذيه‏ (1) بهذه الكلمات: أعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد و كلّ جنّيّ مارد (2) من قائم و قاعد يقعد في المراصد (3) في طرق الموارد يد اللّه فوق أيديهم و حجاب اللّه دون أعاديهم لا يضرّونه لا في ليل و لا في نهار و لا في قيام و لا في قرار في الإقامة و الأسفار بألف ألف لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم*

كلّ القلوب إلى الحبيب تميل‏ * * * و معي بهذا شاهد و دليل‏

أمّا الدّليل إذا ذكرت محمدا * * * صارت دموع العاشقين تسيل‏

هذا رسول اللّه هذا المصطفى‏ * * * هذا لربّ العالمين رسول‏

إن صادفتني من لدنك عناية * * * لأزور طيبة مع نخيل حميل‏

يا سيّد الكونين يا علم الهدى‏ * * * هذا المتيّم في حماك نزيل‏

هذا النبيّ الهاشميّ محمد * * * هذا لكلّ العالمين رسول‏

هذا الذي ردّ العيون بكفّه‏ * * * لمّا بدت فوق الخدود تسيل‏

هذا الذي شرف الضّريح بجسمه‏ * * * منهاجه للسّالكين سبيل‏

هذا الغزالة قد أتته و سلّمت‏ * * * و كذا البعير أتاه و هو ذليل‏

هذا الغمامة ظلّلته إذا مشى‏ * * * كانت تقيه إذا الحبيب يقيل‏ (4)

هذا قضيب النّخل لمّا هزّه‏ * * * عاد القضيب مهنّد مصقول‏ (5)

يا ربّ إني قد مدحت محمدا * * * فيه ثوابي بالمديح جزيل‏

____________

(1) أعاذه و عوّذه باللّه: حصّنه به و بأسمائه، و عوّذه: علّق عليه العوذة: التميمة.

(2) المارد: الطاغية، العملاق، قال تعالى: وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [سورة الصافات، الآية: 7] المراصد: جمع المرصد: طريق الرصد و الارتقاب، أو موضعه.

(3) قال فلان قيلا: نام في وسط النهار.

(4) المهنّد: المصنوع في الهند. المصقول: المجلوّ. يشبه القضيب في يد النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم بالسيف الهندي المجلوّ.

(5) الملا: الملأ: الجماعة، أو أشراف القوم و سراتهم، أو الخلق.

30

صلّى عليك اللّه يا علم الهدى‏ * * * ما لاح برق في السّماء دليل‏

فهو أبو القاسم محمّد خير الخلق تفصيلا و مجملا، ابن عبد اللّه المكملا. ابن عبد المطلب و اسمه شيبة الحمد أولا، ابن هاشم و له الذّكر و الفخر بين الملا، ابن عبد مناف الذي ساد قومه و علا، ابن قصيّ الذي كسته أنوار المهابة حلالا، ابن كلاب الذي عقد عليه السّعد و كلّلا (1)، ابن مرّة الذي عذب المنهل به و حلا، ابن كعب الذي نوره ملأ طرقا و سبلا، ابن لؤيّ الذي ما تحظّى الشّرف إلى غيره أوّلا، ابن غالب الذي كان الكرم له منزلا، ابن فهر الذي قرأ آيات السعادة و تلا، ابن مالك الذي صار نسبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم متّصلا، ابن النضر الذي شرّفه اللّه بنور النّبوة و فضّلا، ابن كنانة الذي ينسب إليه كلّ كنانيّ في الشّرف و العلا، ابن خزيمة الذي علا قدره بين القبائل و الملا، ابن مدركة الذي خرج من ظهره سيّد أهل العلا، ابن إلياس الذي كان بنور السعادة مسربلا (2)، ابن مضر الذي شرف برسول اللّه و علا، ابن نزار الذي تمّم اللّه له السّعادة بالنّور المحمّديّ و كمّلا، ابن معدّ الذي أضاء به الظلام و انجلا، ابن عدنان الذي انتهى إليه شرف النّسب الشّريف و أمّا لغيره فلا*

بمحمّد خطر المحامد يعظم‏ * * * و عقود تيجان القبول تنظّم‏

و له الشّفاعة و المقام الأعظم‏ * * * يوم القلوب لدى الحناجر كظّم‏ (3)

بحياته صلّوا و سلّموا

____________

(1) كلّل فلانا: ألبسه الإكليل، و كلّل الشي‏ء: زيّنه بالجوهر.

(2) المسربل: الذي ألبس السربال: القميص، جعل النور قميصا يلبس.

(3) الكظّم: جمع الكاظم: الممسك على ما في نفسه عند الغضب، و منه: كظم مجرى الماء: سدّه، و كظم نفسه: حبسه.

31

قمر تفرّد بالكمال كماله‏ * * * و حوى المحاسن حسنه و جماله‏

و تناول الكرم العريض نواله‏ * * * و حوى المفاخر فخره المتقدّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو اللّه ما ذرأ الإله و ما برا

بشرا و لا ملكا كأحمد في الورى‏ (1)

فعليه صلّى اللّه ما قلم جرى‏ * * * و جلا الدّياجي نوره المتبسّم‏ (2)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواطلعت على الآفاق شمس وجوده

فالخير في أغواره و نجوده‏ (3)

فالخلق ترعى ريف رأفة جوده‏ * * * كرما و جار خبائه لا يهضم‏ (4)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواسور المثاني من حروف ثنائه

و محامد الأسماء من أسمائه‏

فالرّسل تحشر تحت ظلّ لوائه‏ * * * يوم المعاد و يستجير المجرم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو الكون مبتهج بهاء بهائه

و بجيم نجدته وفاء وفائه‏

فالسرّ سيرته و سين سنائه‏ * * * شرف يدوم و عروة لا تفصم‏ (5)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواالبدر محتقر بطلعة بدره

و النّجم يقصر عن مراتب قدره‏

____________

(1) ذرأ اللّه الخلق: خلقهم، و في التنزيل العزيز: وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏. [سورة المؤمنون، الآية: 79] و برأ اللّه الخلق: خلقهم. الورى: الخلق.

(2) الدياجي: الظلمات.

(3) الأغوار: المنخفضات. النجود: المرتفعات.

(4) لا يهضم: لا يظلم و لا يغضب.

(5) السناء: الرفعة و الشرف. لا تفصم: لا تحلّ.

32

ما أسعد المتلذّذين بذكره‏ * * * في يوم تعرض للعصاة جهنّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّموادهشته أنوار النّبوة في حرا

فأتى خديجة باهرا متحيّرا (1)

فحكت خديجة لابن نوفل ما جرى‏ * * * من شأن أحمد إذ غدت تستفهم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواقالت أتاه السّبع في المتعبّد

برسالة اقرأ باسم ربّك و ابتدي‏

فأجاب لستبقارئ من مولدي‏ * * * فثنّا عليه اقرأ و ربّك أكرم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواقال ابن نوفل ذاك يؤثر عن نبي

ينشأ بمكّة و المقام بيثرب‏

سيقوم بين مصدّق و مكذّب‏ * * * و ستكثر القتلى و يسفك الدّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواهذي علامته و هذا نعته

و الوقت في الكتاب القديمة وقته‏

و لو أنّي أدركته لأطعته‏ * * * و خدمته مع من يطيع و يخدم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواقالت له فمتى يكون ظهوره

و بأيّ شي‏ء تستقيم أموره‏

قال الملائكة الكرام ظهيره‏ * * * و البيض ترجف و القنا تتحطّم‏ (2)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو على تمام الأربعين ستنجلي

شمس النّبوة للنّبيّ المرسل‏ (3)

____________

(1) في حرا: أي في غار حراء، قرب مكة. الباهر: المبهور: الذي أجهد حتى تتابع نفسه، يقال: بهره الأمر.

(2) البيض: السيوف. القنا: الرماح.

(3) تنجلي: تنكشف، تظهر.

33

بمكارم الأخلاق و الشّرف العلي‏ * * * فسناه ينجد في البلاد و يتهم‏ (1)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو من العلامة يوم يبعث مرسلا

لم يبق من حجر و لا مدر و لا (2)

نجم و لا قمر و لا وحش الفلا * * * إلا يصلّي مفصحا و يسلّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّموافعليه صلّى اللّه كل عشيّة

و ضحى و حيّاه بكلّ تحيّة

تهدى لخير الخلق خير هديّة * * * و تعزّه و تجلّه و تكرّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواشرّفت قدرا ثم ضدّك أحقر

و رفعت ذكرا حيث أذكر يذكر

فعليك ألوية الولاية تنشر * * * و بعمرك الوحي المنزّل يقسم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو لك الشّفاعة أحرزت أمثالها

و عليك كلّ المرسلين أحالها

فسجدت مفتخرا و قلت أنالها * * * جاهي و حبل وسيلتي لا يصرم‏ (3)

بحياته صلّوا عليه و سلّموايا خير مبعوث لأكرم أمّة

أنت المؤمّل عند كلّ ملمّة (4)

فاعطف على عبد الرّحيم برحمة * * * فغمام فضلك فيضه متسجّم‏ (5)

بحياته صلّوا عليه و سلّموا

____________

(1) ينجد: يأتي نجدا، و يتهم: يأتي تهامة.

(2) المدر: الطين اللزج المتماسك.

(3) الوسيلة: درجة النبي صلى اللّه عليه و سلّم في الجنة، و الوسيلة أيضا: الدرجة، و المنزلة، و القربة. لا تصرم: لا تقطع.

(4) الملمّة: النازلة الشديدة.

(5) متسجّم: من سجم الماء و الدمع: سال.

34

فانهض به و بمن يليه صحابة * * * و صهارة و نسابة و قرابة

و اجعل لدعوته القبول إجابة * * * فبجاه وجهك يستغاث و يرحم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو عليك صلّى ذو الجلال مسلّما

أهدى و زكّى و ارتضى و ترحّما

ما غرّدت ورق الحمائم في الحمى‏ * * * و سرى على عذب العذيب نسيّم‏ (1)

بحياته صلّوا عليه و سلّمواو على صحابتك الكرام الأتقيا

أهل الدّيانة و الأمانة و الحيا

و كذا السّلام عليهم و عليك يا * * * نورا على الآفاق لا يتكلّم‏

بحياته صلّوا عليه و سلّموا

قالت آمنة: فلما صار لي من حملي أشهر سمعت هاتفا يقول تأهّبي لولادة النّبيّ الأمين. و لمّا صار لي سبعة أشهر دعا عبد المطّلب ولده عبد اللّه و قال: يا بنيّ قد دنا من زوجتك ما بعد و لا بدّ أن تعمل وليمة يتحدّث بها النّاس فانطلق إلى طيبة و اشتر لنا تمرا لوليمتنا. فخرج عبد اللّه منطلقا فجاءه القضاء المحتوم، فمات فضجّت الملائكة إلى ربّها و قالوا: إلهنا و سيّدنا و مولانا بقي نبيّك و حبيبك يتيما لا أب له فقيرا لا مال له، فقال اللّه تعالى: يا ملائكتي أنا حافظه و مربّيه و ناصره و راعيه، و أنا خير له من أمّه و أبيه. ثمّ إنّ القوافل جاءت إلى عبد المطّلب، و أخبروه بموت ولده عبد اللّه فصاحت آمنة حين سمعت بموته حزنا عليه و قالت:

____________

(1) العذيب: ماء بين القادسية و المغيثة، بينه و بين القادسية أربعة أميال، و قيل: هو واد لبني تميم، و هو من منازل حاجّ الكوفة.

35

فراقك كنت أخشى فافترقنا * * * و إن فارقت بعدك لا أبالي‏

إذا ما قلّ فيك اليوم صبري‏ * * * فكيف يكون بعد اليوم حالي‏

و ما كان التّفرّق لي ببال‏ * * * و لكن حكم ربّي ذو الجلال‏

فمن ذا لليتيم و مات بعلي‏ * * * فوا أسفا على فقد الرّجال‏

لقد جار الزّمان إذ افترقنا * * * فما عملي بتصريف اللّيالي‏

و قد عزّوا أحبّتنا و ماتوا * * * و قدّر بالفراق فما احتيالي‏

لئن جاء المبشّر في لقاهم‏ * * * وهبت مبشّري روحي و مالي‏

و نختم بالصلاة على محمّد * * * نبيّ اسمه عال و غال‏

قال: فأجابها عبد المطّلب على شعرها و قال:

حكم الزمان بفرقتي و بعادي‏ * * * ممّن أحبّ و لم يكن بمرادي‏

يا وحشة لفراق من أحببته‏ * * * رحلوا و قلبي معهم و فؤادي‏

أخلوا المنازل و الدّموع تفرّقت‏ * * * و تبدّلت أنوارهم بسواد

ما كان أحسن شملنا متجمّعا * * * أيّامنا تزهو على الأعياد (1)

يا عاذلي لو ذقت كاسات الهوى‏ * * * لعلمت كيف تفتّت الأكباد

و حياتهم و حياتهم قسما بهم‏ * * * ما حلت عن شغفي بهم و سهادي‏ (2)

لا تمنعوا عيني تزور جنابكم‏ * * * قد زاد وجدي فيكم و مرادي‏

و لقد وقفت على الدّيار مسائلا * * * و مدامعي تجري كسيل الوادي‏

فأجابني الدّهر المفرّق بيننا * * * أسمعت من سكن القبور ينادي‏

يا راحلين و هم نزول في الحشا * * * أشمتّم ببعادكم حسّادي‏

____________

(1) شمل القوم: مجتمعهم.

(2) حال الشي‏ء: تغيّر، و حال فلان عن العهد: انقلب. شغف به شغفا: أحبّه و أولع به.

36

ثمّ الصلاة على النّبيّ محمّد * * * ما حنّ مشتاق بليل هادي‏

قالت آمنة: لمّا حملت بمحمّد صلى اللّه عليه و سلّم كانت ليلة الجمعة من شهر رجب و لم يبق في مكّة دار إلّا و دخلها النّور. و في أوّل ليلة من شهور حملها تزلزل إيوان كسرى، و في الشّهر الثّاني امتلأت الأكوان بالبشرى، و في الشّهر الثالث انقطع نهر سماوة، و في الشّهر الرّابع بانت له الأسرار الخفيّة، و في الشّهر الخامس غاضت‏ (1) بحيرة ساوة، و في الشّهر السّادس خمدت النّيران، و في الشّهر السّابع انشقّ لكسرى الإيوان و سقط عن رأسه التّاج، و في الشّهر الثامن عظم كربه و هاج فسأل عن ذلك الأحبار و الكهّان فقالوا له: قد قرب مولد سيّد ولد عدنان، و هو نبيّ آخر الزّمان، المنعوت في التّوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان، و من ينزّل عليه القرآن*

يا آمنة بشراك‏ * * * سبحان من أعطاك‏

بحملك لمحمّد * * * ربّ السّما هنّاك‏

بالمصطفى سعدك غلب‏ * * * لمّا حملتي في رجب‏

ظهر النّبيّ المنتسب‏ * * * به خصّك مولاك‏

شعبان شهر ثان‏ * * * و النّور منه بان‏

بذا النّبي العدناني‏ * * * و ربّك أعطاك‏

رمضان ثالث شهرك‏ * * * يا آمنة يا سعدك‏

اللّه يجمع شملك‏ * * * بسيّدي و افاك‏

____________

(1) ساوة: مدينة حسنة بين الريّ و همذان، بينها و بين كل واحد من همذان و الري ثلاثون فرسخا، و النسبة إليها ساوي و ساوجي. (ياقوت الحموي، معجم البلدان: 3/ 179). و غاضت بحيرة ساوة: غار ماؤها و ذهب في الأرض.

37

شوّال شهر رابع‏ * * * و النّور منه ساطع‏

ولد الحبيب راكع‏ * * * ساجد إلى مولاك‏

ذو القعدة جاك بالهنا * * * يا آمنة نلت المنى‏

نزل عليك أمرنا * * * و وحينا أنباك‏

ذو الحجّة جاك مسعفا * * * مبشّرا بالمصطفى‏

محمّد الذي وفا * * * من حبّك و افاك‏

محرّم شهر النّدا * * * مبشّر بأحمدا

بعث و للخير هدى‏ * * * من الذي والاك‏

و في صفر شاع الخبر * * * بذا النّبيّ المفتخر

من أجله انشقّ القمر * * * ضاءت لك دنياك‏

و في ربيع الأوّل‏ * * * وضع النّبيّ المرسل‏

يا آمنة تأمّلي‏ * * * فضل الذي أعطاك‏

و في أوّل ليلة من الشّهر التّاسع و هو شهر ربيع الأوّل حصل لآمنة السّرور و الهنا* و في اللّيلة الثانية بشّرت بنيل المنى* و في اللّيلة الثّالثة قيل لها لقد حملت بمن يقوم بحمدنا و شكرنا* و في اللّيلة الرّابعة سمعت تسبيح الملائكة في السّما* و في اللّيلة الخامسة رأت الخليل في منامها يقول لها أبشري يا آمنة بهذا النّبيّ الجليل صاحب القدر و الثّنا* و في اللّيلة السّادسة كمل عندها الفرح و ما فتر و ما ونى‏ (1)* و في اللّيلة السّابعة سطع نور الرّضا و عمّ ذلك الفنا* و في اللّيلة الثامنة طافت الملائكة حول بيت آمنة لمّا قرب وضعها و دنا* و في اللّيلة التّاسعة بدا

____________

(1) ونى: فتر و ضعف.

38

سعدها و الغنى* و في اللّيلة العاشرة ضجّت الملائكة لربّها بالحمد و الشّكر و الثّنا* و في اللّيلة الحادية عشرة زال عن آمنة التّعب و العنا* و في اللّيلة الثّانية عشرة أحسّت أن الحمل يريد النزول بالطّلق و الهنا*

يا ربّ صلّ على النبيّ المجتبى‏ * * * ما غرّدت في الأيك ساجعة الرّبا (1)

يا ربّ صلّ على النّبيّ و آله‏ * * * ما اهتزّت الأثلاث من ريح الصّبا (2)

يا ربّ صلّ على النبيّ و آله‏ * * * ما أمست الزّوّار طيبة يثربا

يا ربّ صلّ على النبيّ و آله‏ * * * ما لاح برق في الأباطح أو كبا

يا ربّ صلّ على النبيّ و آله‏ * * * ما قال ذو كرم لضيف مرحبا

يا ربّ صلّ على النبيّ و آله‏ * * * ما كوكب في الجوّ قابل كوكبا

باللّه يا متلذّذين بذكره‏ * * * صلّوا عليه كما أحقّ و أوجبا

صلّوا على المختار فهو شفيعكم‏ * * * في يوم يبعث كلّ طفل أشيبا

صلّوا على من ظلّلته غمامة * * * و الجذع حنّ له و أفصحت الظّبا

صلّوا على من تدخلون بجاهه‏ * * * دار السّلام و تبلغون المطلبا

صلّوا عليه و سلّموا و ترحّموا * * * تردوا بها حوض الكرامة مشربا

صلّى و سلّم ذو الجلال عليك ما * * * أوفاك دين المذنبين و أحسبا

صلّى و سلّم ذو الجلال عليك ما * * * أحلاك ذكرا في القلوب و أنسبا

صلّى و سلّم ذو الجلال عليك ما * * * أذكاك في الرّسل الكرام و أطيبا

صلّى و سلّم ذو الجلال عليك ما * * * عبد الرّحيم توسّلا و تقرّبا

قالت آمنة: فنظرت إلى ركن البيت و إذا به انشقّ و خرج منه أربع‏

____________

(1) الأيك: جمع الأيكة: الشجر الكثير الملتف: ساجعة الربى: الحمامة المغرّدة.

(2) الأثلاث: جمع الأثلة: واحدة الأثل: شجر طويل، مستقيم، معمّر، جيّد الخشب، كثير الأغصان.

39

نسوة طوال عليهنّ أزر بيض يفوح المسك و الطّيب من أطرافهنّ، فتقدّمت إليّ الأولى و قالت: من مثلك يا آمنة و قد حملت بسيّد أهل الأرض و السّما، ثم جلست عن يميني، ثم تقدّمت إليّ الثانية و قالت:

من مثلك لقد حملت بالحبيب الأسنى و صاحب النّور و البها، و جلست عن يساري، ثمّ تقدّمت إليّ الثالثة و قالت: من مثلك يا آمنة لقد حملت بسيد البشر و فخر ربيعة و مضر النبيّ المصطفى و جلست من وراء ظهري، و تقدّمت إليّ الرّابعة و قالت: من مثلك يا آمنة و قد حملت بصاحب المعجزات و الكرامات الباهرات، و جلسن حولي و بأيديهنّ كيزان‏ (1) فيها ماء أبيض من اللّبن و أحلى من العسل و أزكى رائحة من المسك الأذفر (2)، فأخذني ما يأخذ النّساء من الطّلق و أنا أعرق عرقا كالمسك فقالت إحداهنّ: ألق نفسك عليّ فقالت آمنة اسقني شيئا من الماء فأسقتني فانتعشت روحي و انبسط خاطري و نظرت فإذا أشباح يدخلون عليّ أفواجا يتهامسون بكلام لا أفهمه و يهنّئوني بأرقّ خطاب لا أعرفه، و نظرت فإذا بثوب من الدّيباج قد نشر بين السّماء و الأرض و سمعت قائلا يقول طوفوا بمحمّد مشارق الأرض و مغاربها و احجبوه عن أعين النّاظرين فإنّه حبيب ربّ العالمين*

صلّوا يا أهل الفلاح‏ * * * على النبي زين الملاح‏

من سرى بالليل حقّا * * * و أتى قبل الصّباح‏

يا حداة العيس باللّه‏ * * * اسرعوا لصفوة اللّه‏

من له تاج و حلّة * * * زاد فخرا و انصلاح‏

____________

(1) الكيزان: جمع الكوز: إناء بعروة يشرب به الماء.

(2) مسك أذفر: طيّب الرائحة.

40

رأسه فضّة نقيّه‏ * * * له مقامات عليّه‏

عينه غضّاء حيّه‏ * * * من سناه العطر فاح‏

رمش جفنه و العيون‏ * * * مثل زهر الياسمين‏

قوّست تحت الجبين‏ * * * مثل نون في الطّلاح‏

و الحواجب من زبادي‏ * * * قوّست نون و صاد

يوم يشفع في العباد * * * قوله مطلق مباح‏

أنفه أبلوج سكّر * * * ريقه سكّر مكرّر

حقّق العاشق و قرّر * * * حوضه ماله نزاح‏

نفسه من مسك عابق‏ * * * سيّد الكونين صادق‏

كم له في الحيّ عاشق‏ * * * انسلب عقله و راح‏

عنقه ما ورد رومي‏ * * * صدره فيه العلوم‏

و الثّريّا و النّجوم‏ * * * من ثناياه الملاح‏

كعبة اللّه يا جماعه‏ * * * تنجلي في كلّ ساعه‏

ذا محمّد له الشّفاعة * * * ابن زمزم و البطاح‏

جسمه طيّ الحرير * * * يوم يشتدّ الزّفير

كلّ عاص مستجير * * * بابن زمزم و البطاح‏

ساقه من خيزران‏ * * * مسكنه أعلى الجنان‏

هاشمي زين المعاني‏ * * * حرّم العاصي السّفاح‏

كفّه جوهر صفتها * * * و الأصابع زيّنتها

و الأظافر كلّلتها * * * من أكفّيه السّماح‏

أقدامه من طيب طابت‏ * * * إن مشى في الصّخر غاصت‏

كلّت الألسن و حارت‏ * * * من معانيه الملاح‏

41

و الصلاة ألفين مرّه‏ * * * للنّبيّ ذكره مسرّه‏

كلّ واحدة بعشره‏ * * * قالها أهل الصلاح‏

قالت آمنة: و رأيت طيورا خضرا بمناقير حمر أجنحتهنّ قد سدّت الفضاء و لهم زجل‏ (1) بالتّسبيح و التّقديس، و رأيت ثلاثة أعلام منصوبة علم بالمشرق و علم بالمغرب و علم على ظهر الكعبة، ثم سكتت الأصوات و بدأت الحركات و تطاولت الأعناق و أحدقت الاماق و إذا بطائر أبيض قد هبط عليّ و مرّ بجناحيه على ظهري فوضعت ولدي محمّدا صلى اللّه عليه و سلّم*

ولد الحبيب و خدّه متورّد * * * و النّور من وجناته يتوقّد

ولد الّذي لولاه ما عشق النّقا * * * كلّا و لا ذكر الحمى و المعهد

ولد الّذي لولاه ما ذكرت قبا * * * أيضا و لا كان المحصّب يقصد (2)

هذا الوفيّ بعهده هذا الذي‏ * * * من قدّه يا صاح غصن أملد (3)

هذا الذي خلعت عليه ملابس‏ * * * و نفائس و نظيره لا يولد

هذا الذي قالت ملائكة السّما * * * هذا مليح الكون هذا السّيّد

إن كان معجز يوسف بقميصه‏ * * * تاللّه ذا المولود منه أزيد

يا مولد المختار كم لك من ثنا * * * و مدائح تحلو و ذكر يقصد

ولد الحبيب و مثله لا يولد * * * في الكون مخلوق و حاشا يوجد

يا عاشقين تولّهوا في حبّه‏ * * * هذا هو الحسن الجميل المفرد

ثمّ الصلاة على النبيّ و آله‏ * * * في كلّ يوم قد مضى و يجدّد

____________

(1) الزّجل: الصياح و الجلبة.

(2) قبا: قباء: قرية على ميلين من المدينة، على يسار القاصد إلى مكة، و فيها مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم الذي أمر ببنائه لدى وصوله إليها قبيل دخوله المدينة مهاجرا بأيام. المحصّب: موضع رمي الجمار بمنى.

(3) الأملد: الناعم اللّيّن من الناس و الغصون.

42

قالت آمنة: فلمّا وضعته صلى اللّه عليه و سلّم رأيته ساجدا للّه تعالى مثل الرّجل الكبير العارف بربّه ثم رفع رأسه و بسط كفّيه كالدّاعي المتضرّع إلى اللّه تعالى ثم سمعت قائلا يقول طوفوا بمحمّد في مشارق الأرض و مغاربها و أعطوه صفوة آدم و معرفة شيث و قوّة موسى و زهد عيسى و اغمسوه في أخلاق النّبيّين و المرسلين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. ثم إنّه حصل لآمنة من النّفاس ضعف منعها من إرضاع النّبيّ المحتشم صلى اللّه عليه و سلّم فقالت الملائكة: يا ربّنا دعنا نربّي محمدا، و قالت الطّيور: يا إلهنا دعنا نربّي أحمدا، و قالت الوحوش: يا خالقنا دعنا نربّي المصطفى، فقال لهم اللّه تعالى: أنا قادر أن أربّيه من غير رضاع و لكن سبقت كلمتي و غلب حكمي و لا يبدّل قولي، و لا ينسخ كتابي*

ولد المشرّف في ربيع الأول‏ * * * و لقد حوى فضلا بأكرم مرسل‏

و تقول آمنة رأيت جماله‏ * * * كالبدر في غسق يلوح و ينجلي‏ (1)

و رأيت أملاك السماء تزفّه‏ * * * و الكون يرفض و الهنا في منزلي‏

ناديت ما هذا فقيل من العلا * * * لا تسألي عن فخره لا تسألي‏

لا تحجبيه عن ملائكة السّما * * * بحياته بحياته لا تفعلي‏

هذا المشرّف و المفضّل و الذي‏ * * * فاق الأنام و صاحب القدر العلي‏

هذا الذي وطى‏ء البساط بنفسه‏ * * * هذا الذي من حبّه قلبي ملي‏

يا نوق إن جئت الخيام عشيّة * * * وادي العقيق لقد نصحتك فانزلي‏

فلك البشارة إنّ في ذاك الحمى‏ * * * بدرا يفوق على البدور إذا جلي‏

____________

(1) الغسق: ظلمة الليل، قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 78].

43

صلّى عليه اللّه جلّ جلاله‏ * * * ما ناحت الأطيار في روض جلي‏

قالت آمنة: ثمّ جاءه ملك أخذ بيده و معه ثلاثة مفاتيح من اللّؤلؤ الرّطب فقال له: يا محمد اقبض على هذه المفاتيح، فقبض عليها قبضا شديدا فقال له الملك: يا محمّد إنّك قد قبضت على مفاتيح النّصر و الورع و النّبوّة. ثمّ تقدّم إليه ثلاثة من الملائكة و هم جبريل و ميكائيل و إسرافيل و بين أيديهم طشت من ذهب أحمر له أربعة أركان في كلّ ركن جوهرة فقدّموه بين يديه و قالوا: هذه الدّنيا شرقا و غربا و قبليّا و بحريّا يا محمّد اقبض على ما شئت منها فنظر فإذا هو بمدينة عالية في وسط الطّشت فقبض عليها فسمع قائلا يقول له: بخ بخ قبض محمد صلى اللّه عليه و سلّم على الكعبة سيجعلها اللّه منشأ له و قبلة و لأمّته إلى يوم القيامة*

لجناب عزّك ترحل الزّوّار * * * و لنور وجهك تكشف الأستار

و النّوق لو لا نور وجهك ما اهتدت‏ * * * و كذا الحدا لو لا سناؤك حاروا (1)

و لقد ملكت قلوب أرباب الهوى‏ * * * و بطيب ذكرك تنطق الأحجار

فتمايلت أعناقها و تراقصت‏ * * * تبغي جنابك أيها المختار

يا منزلا فيه حبيب قلوبنا * * * يا روضة ظهرت بها الأسرار

يا حجرة ضمّت نبيّا مرسلا * * * في عشقه تتهتّك الأستار

لولاه ما هجر المتيّم أهله‏ * * * و أتى و دمع عيونه مدرار (2)

باعوا النّفوس على هواك و أقبلوا * * * يرجون فضلك أيّها المختار

أنت الشّفيع إذا جهنّم أقبلت‏ * * * ترمي العصاة فييأس الأشرار

____________

(1) الحدا: الحداة: سائقو الإبل. حاروا: ضلّوا، يقال: حار فلان: ضلّ سبيله.

(2) المتيّم: الذي ذلّله الحبّ و استعبده و ذهب بعقله. المدرار: الكثير الدّرّ، يقال: سحاب مدرار: كثير السّحّ، و عين مدرار: كثيرة الدمع.

44

صلّى عليك اللّه في السّبع العلا * * * أبدا و ما عقب الظّلام نهار

قالت آمنة: و إذا أنا بثلاث نسوة قد دخلن عليّ حين وضعته صلى اللّه عليه و سلّم و هنّ مريم ابنة عمران و آسية امرأة فرعون و ماشطة بنت فرعون و معهنّ نساء أخر من الحور العين فتقدّمت مريم لتكحله فوجدته مكحولا مدهونا مختونا مقطوع السّرة، قالت آمنة: و سمعت همهمة و همسا فنظرت جهة ولدي محمّد صلى اللّه عليه و سلّم فلم أره برهة فرجفت لذلك و إذا أنا بقائل يقول لي: يا آمنة خذي ولدك و لا تخافي عليه أبدا فأنا رضوان خازن الجنان قد أمرني الملك العلّام أن أطوف بمحمّد عليه الصلاة و السلام في الجنّة ركنا ركنا و نهرا نهرا و قصرا قصرا لتتبرّك به الحور و الولدان و تتزيّن بأنواره قصور الجنان*

سأقسم بالقباب و من حواها * * * حبيب اللّه خير الخلق طه‏

و بالايات و من نزلت عليه‏ * * * و بالسّبع الطّباق و ما تلاها

و بالسّبع المثاني و من قرأها * * * و بالأرضين ربّي قد دحاها (1)

و بالكون المكوّن صنع ربّي‏ * * * إلها قادرا حقّا نشاها (2)

بأنّ محمّدا خير البرايا * * * شفيع الخلق في يوم يراها

قالت آمنة: و كان من عادة أهل مكّة أن يرضع أولادهم المراضع فأتت إليهم المرضعات يلتمسن الإكرام و الإفضال من أجاويد (3) الرّجال و السّبب الأعظم في مجيئهم أنه هتف هاتف يقول بأعلى صوته: يا بني‏

____________

(1) دحا الشي‏ء: بسطه و وسّعه.

(2) نشاها: يريد أنشأها: أحدثها و أوجدها.

(3) أجاويد الرجال: كرماؤهم و أسخياؤهم.

45

آدم قد حلّت البركات بولادة من عمّت بركته الأرض و السموات قد ولد بمكة في أقرب الأوقات و قد أبته المرضعات ليتمه، قالت حليمة:

و كنت أنا و زوجي فقيرين لا نملك إلا ناقة و أتانا شمراء (1) فعزم المرضعات من بني سعد على السير إلى مكة يلتمسن الرّضعاء و كلّ رجل حمل زوجته على دابته فقدّم لي زوجي الحارث الأتان فركبت عليها و أخذت ولدي ضمرة بين يديّ و سرنا حتى وصلنا إلى مكة المشرفة فسبقتني المرضعات و أخذن الأطفال فقلت لزوجي: إنّي لا أجد إلّا اليتيم، فقال لها زوجها: إنّ قلبي يميل إليه و قد أذنتك أن تأخذيه عسى أن تكون البركة فيه، قالت حليمة. فسرت إليه و أنا فرحانة به قبل أنّ أراه ذلك لقدرة اللّه تعالى و قضائه لي بالسّعادة التامّة دنيا و أخرى، فأتيت إلى منزل آمنة و سلّمت عليها فردّت عليّ السّلام، فقلت لها: يا آمنة أين الغلام، فقالت: ها هو فانظريه و إن طاب خاطرك بأخذه فخذيه. قالت حليمة: فتقدّمت إليه و جلست عند رأسه و كشفت عن وجهه فنظر إليّ و تبسّم فخرج من فمه نور حتّى وصل إلى عنان السّماء ثم مددت يدي إليه أريد رفعه فنهض بين يديّ هو بنفسه فاستأذنت عبد المطّلب في إرضاعه فأذن لي بذلك*

صلّوا على خير الأنام‏ * * * المصطفى بدر التّمام‏

صلّوا عليه و سلّموا * * * يشفع لنا يوم الزّحام‏

من مكّة لمّا ظهر * * * في المهد ناغاه القمر (2)

____________

(1) الأتان: أنثى الحمار. الشّمراء و الشّامر: التي تقلّص ضرعها و انضم إلى بطنها.

(2) ناغى الصبيّ: لا طفه بالمحادثة و الملاعبة، و يقال: هذا الجبل يناغي ذاك: يدانيه كأنه يحادثه.

46

و افتخرت آل مضر * * * به على كلّ الأنام‏

حليمة لمّا رأت‏ * * * أنواره قد أشرقت‏

مالت إليه و عانقت‏ * * * و قبّلت تحت اللثام‏ (1)

ما مثله في الرّضعا * * * ما مثله يوم وعى‏

من فرد ثدي رضعا * * * منه وقارا و احتشام‏ (2)

فأنشدت و هي تقول‏ * * * لبعلها نلنا القبول‏

لا شكّ في هذا الرّسول‏ * * * هذا المظلّل بالغمام‏

يا ربّ بالهادي الأمين‏ * * * رسول ربّ العالمين‏

اغفر ذنوب الحاضرين‏ * * * و تب علينا يا سلام‏

قالت حليمة: فأخذته و تودّعت منه أمّه بعد أن بكت على فراقه فأعطيته ثديي اليمين فقبلها و درّ عليه لبنها ثمّ حوّلته إلى ثديي الأيسر فلم يقبلها و أعرض عنها لإلهام منه أنّ أخاه ضمرة شريكه فيه فأتيت به إلى زوجي فقال لي: أتيت باليتيم فقلت له: نعم، فقال: أصبت خيرا عسى أن يكون فيه الخير و البركة ثمّ قام زوجي إلى الناقة و حلبها فدرّت لبنا كثيرا فشربنا و روينا، و كان لها خمس سنين ما طرقها جنين*

بشراك يا حليمه‏ * * * بالدّرة اليتيمه‏

يا مرضعة لمحمّد * * * قومي اعملي وليمه‏ (3)

قومي ارضعي المفدّى‏ * * * و اسعي إليه قصدا

____________

(1) اللثام: النقاب يوضع على الفم أو الشفة.

(2) الاحتشام: يقال: احتشم: استحيا، أو سلك في حياته مسلكا محمودا وسطا.

(3) الوليمة: كل طعام صنع لعرس و غيره، الجمع: ولائم.

47

ترين منه رشدا * * * و حظوة عميمه‏ (1)

هذا اليتيم يحظى‏ * * * عند الإله يرضى‏

قرى عليه حفظا * * * فقربه غنيمه‏

فاللّه قد حباك‏ * * * بالفضل و اجتباك‏ (2)

بحقّ من أعطاك‏ * * * كوني له خديمه‏

اسعي على الجفون‏ * * * إليه بالسّكون‏

حقّا و لا تكوني‏ * * * بفضله غشيمه‏ (3)

قومي ارضعيه صدقا * * * لطفا به و رفقا

ترين منه حقّا * * * عواطفا رحيمه‏

قومي إليه السّاعة * * * سمعا له و طاعه‏

شكرا لذي الرّضاعه‏ * * * أن تعملي وليمه‏

هذا النّبي التّهامي‏ * * * من سادة كرام‏

سمّاه في الإسلام‏ * * * في كتبه القديمة

آياته عليّه‏ * * * أنواره جليّه‏

صفاته بهيّه‏ * * * أخلاقه كريمه‏

فزت على الصّحيح‏ * * * بوجهه المليح‏

قيل لك استريحي‏ * * * من عيشة ذميمه‏

هذا النّبي المحلّى‏ * * * قد شرّف المظلّى‏

ما في الوجود أصلا * * * أعزّ منه قيمه‏

____________

(1) العميمة: التامة، أو الطويلة من كل شي‏ء.

(2) حبا فلانا حباء و حبوة: أعطاه، و حاباه: اختصه و مال إليه.

(3) اجتباك: اختارك و اصطفاك.

48

قالت حليمة: و كنت أسمع من يخاطبني و يقول لي: هنيئا لك يا حليمة بهذا المولود المسعود و كنت لا أرى له بولا و لا غيره مثل الأطفال، و كانت الوحوش تأتي إليه و تسلم عليه أفواجا و نحن في الطريق إلى أن وصلنا إلى ديارنا و كانت بلادنا يومئذ مجدبة مقحطة مغلوة (1) و كانت لنا أغنام قلائل ما بها قطرة لبن فلمّا وصلنا إلى ديارنا أخصبت و صارت سخيّة رخيّة (2)* و درّت الأغنام بالألبان الغزيرة و عمّت بركته جميع من في الحيّ* و كان أهل الحيّ يسرّحون أغنامهم فترجع آخر النّهار عجفاء (3) ما بها قطرة لبن، و أما غنمي فترجع شباعا ضراعا فنشرب و النّاس جياع و لم يعلموا أنها كرامة لمن ساقه اللّه إلينا و فاضت بركته علينا* و لم نزل نزداد خيرا إلى أن صار يأكل الزّاد فإن أكل معنا شبعنا و إن غاب عنّا لم يحصل من الشّبع المراد*

اللّه اللّه اللّه ربّنا * * * و النبيّ المصطفى يشفع لنا

الحمد للّه الذي قد خصّنا * * * بالمصطفى خير البرية أحمد

باللّطف و الإرشاد أرسله لنا * * * فالخير كلّ الخير عند محمّد

تاللّه ما أتت النّساء بمثله‏ * * * كلّا و لا تأتي بمثل محمّد

فكوكب الحسن اكتسى من نوره‏ * * * و كذا الجمال جميعه لمحمّد

بحمى النزيل بغوثنا و إمامنا * * * فالخلق جمعا في ذراء محمّد

ذلّت له أعناق كلّ عداته‏ * * * يا سعد عبد طائع لمحمّد

صلّت جميع الرّسل مع أملاكها * * * في ليلة المعراج خلف محمّد

____________

(1) مغلوّة: من الغلل أو الغلّ، و هو شدّة العطش و حرارته.

(2) الرّضيّة: الواسعة الناعمة، يقال: عيش رضيّ، و فلان رضيّ البال: في نعمة و خصب وسعة حال.

(3) شاة عجفاء: هزيلة.

49

ضمن الإله لمن يصلّي مرّة * * * عشرا عليه و مثله لمحمّد

فاقت ملاحته لكلّ ملاحة * * * و سبى العقول جمال حسن محمّد

هو رحمة للعالمين و عصمة * * * للمذنبين إذا التجوا لمحمّد

أزكى صلاة اللّه ثمّ سلامه‏ * * * دوما فتهدى للنبيّ محمّد

قالت حليمة: فسألت ولدي ضمرة عن أخيه محمد الحجازيّ و عن حاله في أثناء النهار فقال لي ولدي: يا أمّاه إنّي رأيت منه العجب فقلت له: يا ولدي و ما العجب الذي رأيته منه؟ فقال لي: يا أمّاه لمّا ذهبنا إلى المرعى بالأغنام و إذا بسبع عظيم الخلقة قد قرب من الأغنام فقام إليه أخي محمد الحجازيّ و مسكه من أذنه و جعل يفركها بيده و يكلّمه بكلام لا أعرفه فنظرت إلى السّبع و إذا عيناه تذرفان الدّموع و انصرف و هو يبكي فقلت ما هذا يا أخي فقال: إنه شكى إليّ غربته فأمرته أن لا يقرب هذا الوادي بعد هذا اليوم فولّى هاربا بإذن اللّه تعالى* و كان في غنمنا شاة مكسورة فوضع يده عليها فعادت كما كانت و صارت تسبق الأغنام إلى المرعى* قالت حليمة: فجاءني ولدي ضمرة يوما من الأيّام و هو يقول صارخا: أدركي يا أمّاه أخي محمدا الحجازيّ فقد خرج علينا ثلاثة أنفار و اختطفوه من بيننا و ذهبوا به إلى الجبل القريب منّا و نحن ننظر ما يفعلون به على بعد، فشقّ أحدهم صدره و قلبه و هو ينادي وا غوثاه وا محمّداه فلمّا سمعت منه ذلك جئت إليك لتدركيه* قالت حليمة: فنهضت في الحال و أخذت ولدي ضمرة و ذهبنا إلى الموضع الذي كان ينادي فيه فرأيته يتبسّم و الأنوار تصعد من ثناياه إلى عنان السّماء فلم أتمالك نفسي حتّى طرحت نفسي عليه و قبّلته‏

50

بين عينيه و قلت له: ما الّذي نزل بك؟ فقال لي: خير يا أمّاه إنّي كنت جالسا مع إخوتي و إذ بثلاثة أنفار منهم قد أتوا إليّ و أخذوني و جاءوا بي إلى هذا المكان و أضجعوني على ظهري برفق و أخرج أحدهم خنجرا عظيما لامعا فشقّ به جوفي و أخرج من قلبي علقة سوداء فرماها و قال لي: هذا حظّ الشّيطان منك يا محمد ثم أتوا بطشت من الزّبرجد الأخضر و إبريق من الفضّة النقيّة ملان من الثّلج فغسل به قلبي و ملأه حكمة و إيمانا ثم ردّه إلى موضعه و أطبق صدري و خاطه فعاد كما كان ثم ختم بين كتفيّ بهذا الخاتم* قالت حليمة: فأقام عندنا إلى أن بلغ من العمر ستّ سنين و كان هو و أخوه يرعيان الأغنام، و كان أخوه ضمرة يقول لي: يا أمّاه إنّ أخي محمدا الحجازيّ إذا وقف على اليابس اخضرّ لوقته و إذا جئنا إلى بئر لنسقي أغنامنا منها يعلو الماء فيها إلى فيها، و إذا نام في الشّمس جاءته غمامة تظلّه من حرّها، و تأتي الوحوش و تقبّل أقدامه، و إذا مشى على الرّمل لا يظهر له أثر و إذا مشى على الصّخر تغوص أقدامه فقال لها زوجها: هيّا بنا نردّه إلى أهله فأتوا به إلى جدّه عبد المطلب و سلّموه له و هما باكيان على فراقه صلوات اللّه و سلامه عليه و رضي اللّه تبارك و تعالى عن أصحاب رسول اللّه أجمعين و التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين* سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على سيدنا محمد النبي الأمّيّ و على إله و صحبه و سلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين*

51

مولد البرزنجي لزين الدين جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي (ت 1177 ه/ 1764 م)

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

البرزنجي (ت 1177 ه/ 1764 م) (1)

هو زين الدين، جعفر بن حسن بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الرسول البرزنجي‏ (2): فقيه، أديب، فاضل من أهل المدينة المنورة مولدا و نشأة و وفاة، و يقال إنه كان مفتي الشافعية فيها.

و للبرزنجي مصنفات كثيرة متنوعة نذكر منها:

قصة المولد النبوي الشريف.

قصة المعراج.

البرء العاجل بإجابة الشيخ محمد غافل.

الجنى الداني في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني.

جالية الكرب بأصحاب سيد العجم و العرب.

رسالة في أسماء البدريين و الأحديين.

____________

(1) كذا في الأعلام (2/ 123)، و هدية العارفين (1/ 255)، و في بعض المصادر توفي سنة 1184 ه.

(2) ترجمته في هدية العارفين، البغدادي: 1/ 255، إيضاح المكنون، البغدادي: 1/ 176، 349، 370، 590،/ 52، 87، 100، 164، 215، 667، 696، الأعلام: 2/ 123، معجم المؤلفين: 3/ 137.

54

- النفح الفرجي في فتح الجته‏جي.

التقاط الزهر من نتائج الرحلة و السفر.

جالية الكدر بأسماء أصحاب سيد الملائك و البشر.

الروض المعطار فيما يحدى السيد محمد من الأشعار.

الشقائق الأترجية في مناقب الأشراف البرزنجية.

الطوالع الأسعدية من المطالع المشرقية.

العرين لأسماء الصحابة البدريين.

فتح الرحمن على أجوبة السيد رمضان.

الفيض اللطيف بإجابة نائب الشرع الشريف.

نهوض الليث لجواب أبي الغيث.

و غير ذلك من الكتاب و المصنفات و الرسائل التي تدلّ على طول باع الرجل، وسعة علمه، و غزارة ثقافته، و عظم اطلاعه على علوم عصره و فنونه الشائعة.