الهداية الكبرى‏

- حسين بن حمدان الخصيبي‏ المزيد...
288 /
5

لمحات عن الكتاب و المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

من هو الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي أو الجنبلاني؟

كنيته أبو عبد اللّه، و اسمه الحسين بن حمدان الخصيبي، وفاته في ربيع الأول سنة 358 ه، و في رواية أخرى كانت وفاته في حلب، يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 334 ه، و شهد وفاته بعض تلامذته و مريديه، منهم أبو محمد القيس البديعي، و أبو محمد الحسن بن محمد الاعزازي، و أبو الحسن محمد بن علي الجلي، و دفن في حلب، و ذكر له ولد يدعى أبا الهيثم السري، و ابنة تدعى سرية، و الفرق بين الروايتين اثنا عشر عاما، و نرجّح هذه الرواية لأنها وردت في آثار تلامذته و نسبه.

(في الخلاصة): الحضيني، بالحاء المهملة، و الضاد المعجمة، و النون قبل ياء النسبة، و عند ابن داوود، الخصيبي، بالخاء المعجمة، و الصاد المهملة، و الباء قبل ياء النسبة، نسبة الى جدّه خصيب، أو إسم المنطقة التي ولد فيها، و أما الجنبلائي نسبة إلى جنبلاء بالهمزة، بلدة بين واسط و الكوفة، و ينسب إليه أيضا جنبلاني بالنون قبل ياء النسبة، كما ينسب إلى صنعاء، صنعاني.

أقوال المؤرخين المعاصرين له كثيرة بين متحامل عليه و حاقد، و بين محبّ و مخلص، و بين ملتزم في الصمت، منهم النجاشي، و ابن الغضائري، و صاحب الخلاصة من المتحاملين عليه.

(و في الفهرست لابن النديم)، الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي، يكنّى أبا عبد اللّه، روى عنه التلعكبري و سمع منه في داره بالكوفة سنة 334 ه، و له فيه اجازة.

6

(و في لسان الميزان)، الحسين بن حمدان بن خصيب الخصيبي، أحد المصنفين في فقه الإمامية، روى عنه أبو العباس بن عقدة و أثنى عليه و اطراه و امتدحه، كان يوم سيف الدولة بن حمدان في حلب، و في أعيان الشيعة للعلّامة الكبير المجتهد، و المؤرخ و الأديب و الكاتب الإمامي السيد محسن الأمين العاملي (طيّب اللّه ثراه) ترجمة للخصيبي مفادها امتداحه و الثناء عليه، و على أنه من علماء الإمامية و كل ما نسب إليه من معاصريه و غيرهم لا أصل له و لا صحة، و انما كان طاهر السريرة و الجيب، و صحيح العقيدة، كما أن السيد الأمين (رحمه اللّه و قدّس سره) أورد في كتابه أعيان الشيعة أقوال العلماء فيه و ردّ على المتحاملين عليه ردا جميلا، كابن الغضائري و النجاشي و صاحب الخلاصة، و يقول السيد الأمين العاملي (قدّس سره)، لو صحّ ما زعموا و ما ذهبوا إليه و نسبوه له لما كان الأمير سيف الدولة المعروف و المشهور بصحة عقيدته الإسلامية و ولائه للعترة الطاهرة و آل البيت (سلام اللّه عليهم) صلّى عليه و ائتمّ به.

و في رواية التلعكبري على انه أجيز منه لما عرف عنه من الوثاقة و الصدق بين خواص عصره، و أمّا من المعاصرين، فالمرحوم و المغفور له عضو المجمع العلمي في دمشق، و الكاتب الشهير، و الفيلسوف العظيم، و الحكيم العاقل، و الشيخ الوقور الملتزم الصادق قولا و عملا و سلوكية، قال فيه و الكلام لي و المعنى له، على أن العلماء و المؤرخين ذهبوا فيه مذاهب شتّى بين متحامل حاقد و مبغض كاسح، و بين مغال مفرط مسرف مبالغ، و بين معتدل عاقل، و خلاصة القول: كان من علماء آل محمد و الإمامية و هو في هذه الشهادة يتفق مع السيد الأمين العاملي (قدّس سره).

مؤلفاته كثيرة

، ذكر السيد المجتهد محسن الأمين العاملي مؤلفات الخصيبي و أورد أسماء من أتوا على ذكرها و محّص تلك الآراء و الأقوال المتعددة في دقة و أمانة فصح له منها عشرة كتب، و هي الاخوان، المسائل، تاريخ الأئمة، الرسالة، أسماء النبي، أسماء الأئمة، المائدة، الهداية الكبرى التي‏

7

نحن في صددها، الروضة، أقوال أصحاب الرسول و أخبارهم‏ (1).

يوجد الآن من أتباعه في إيران‏

وحدها مليون و نصف يسكنون ضواحي المدن الآتية و هي: كرمنشاه، و كرند، و ذهاب، و زنجان، و قزوين، و في العاصمة طهران و ضواحيها، هذا ما قاله الأمين العاملي نقلا عن السيد محمد باقر حجازي صاحب جريدة وظيفة، و في قناعتي الخاصة، أحسن ما نقل عنه، أو تحدث به عنه حتى الآن هو الفيلسوف الأمير حسن بن مكزون السنجاري الفيلسوف و العلّامة و المؤرخ و الفقيه و القائد و المحدث و الراوي و المحقق و المدقق معا و اللغوي و المتبحر و الرباني في علوم آل محمد و معارفهم و حبه لهم و إخلاصه و قد ورد هذا الحديث عنه في مخطوطته الشعرية أي ديوانه الكبير و هو المرجع الأول و الأخير و المعول عليه و المعتمد في كل ما يتعلق بشؤون و أحوال الطائفة المنتمية إلى الشيخ أبي عبد اللّه الحسن بن حمدان الخصيبي و قد شرحه و بسطه و أزال غموضه العلامة الكبير المغفور له الشيخ سليمان الأحمد تغمد اللّه ثراه و أخرجه حلة قشيبة الى المكتبة العربية و محبي الفيلسوف و أنصاره و الديوان في رأيي صورة صادقة أمينة و منتسخه عن عقائد الطائفة في كل النواحي قولا و عملا و سيرة و التزاما و أرى شخصيا أن ديوان المكزون المخطوطة موسوعة و دائرة معارف و المكزون الفيلسوف الربّاني لم يمتدح أميرا أو واليا أو مسؤولا على خلاف غيره و معاصريه من الشعراء و لكنه امتدح آل حمدان أتباع الخصيبي عقيدة و ولاء و سيرة و يرى مدحه لهم فرضا لازما و واجبا محتّما لا أثر للمصلحة فيه و لا دافع ماديا أو وجاهة أو صورة نفعية و إنما أملاه عليه الواجب الولائي و العلاقة الروحية التي هي الحبل المتين و قطب الرحى و هو لما يراه أيضا و يعتقده لكونه تنتمي طائفته الخصيبة الى العترة

____________

(1) كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي، ج 4، صفحة 345، رقم 4117 من الطبعة القديمة.

8

الطاهرة و الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء بيت النبوة و معدن النور و ميزان الحق و حجج اللّه على البرايا و ألسنة الصدق و الدعاة إلى اللّه و سبل النجاة و أبواب رحمته و الوسائل إليه دنيويا و أخرويا و اجتماعيا و فكريا اسمعه إذ يقول معلنا و يصرح مبينا و يجهر موضحا عقيدته الصادقة و إيمانه الراسخ العميق للخاص و العام في أسلوب شعري رصين و عاطفة صادقة و وفاء و اخلاص لأسياده و أساتذته و أصحاب طريقته في أكثر من موضع في مخطوطته الشعرية و رسالته النثرية و أدعيته المشهورة و التي لا تختلف لفظا و معنى و فكرا عن أدعية الأئمة كالسجادية و غيرها من الأدعية قال بهم آمرا و ناهيا على صيغة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في أسلوب قرآني رصين.

و اقطع أخا الجهل و صل كل فتى‏ * * * شبّ على دين الغرام و اكتهل‏

من آل حمدان الذين في الهوى

بصدقهم يضرب في الناس المثل‏

خزّان أسرار الغرام ملجأ العشاق‏ * * * من أهل الشقاق و الجدل‏

قوم أقاموا سنن الحبّ الذي‏ * * * جاءت به من عند لمياء الرّسل‏

تلوا زبور حكمها كما أتى‏ * * * و رتلوا فرقانها كما نزل‏

اولئك القوم الذين صدقوا الحب‏ * * * و فازوا بالوصال المتصل‏

آووا إلى كهف سليمى فجنوا * * * من نحلها الزاكي بها أزكى العسل‏

و عن سبيل قصدها ما عدلوا * * * و لا أجابوا دعوة لمن عزل‏

فهو في العرض الشعري‏

يبدو في القمة فكرة و أسلوبا و عاطفة و تعبيرا صادقا و تصويرا رائعا على خلاف غيره من المتاجرين حينا و المنافقين حينا آخر و تقديري أن الطائفة الخصيبية هي الفرقة المؤمنة الموالية للعترة الطاهرة أصولا و فروعا و مجازا و حقيقة و قولا و عملا فهم أي أهل طريقته تحت راية لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الإيمان بالخط الإمامي و ما هم عليه من التزام صحيح و رؤية سليمة و على أنهم رتلوا القرآن كما نزل و آمنوا به و صدقوا بأحكامه و نهجوا على سنّة رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و اقتفوا هدي آل بيته (سلام اللّه عليهم) و ما مالوا و لا زاغوا عن الحق و لا

9

أجابوا إلا دعوة الصدق و لا ساروا وراء دعوة اللائم العزول المفتري و يرى على أنهم قطفوا ثمار الدعوة و جنوا محصولها الزاكي المعنوي من نبعه و نهلوه مصبه دونما وساطة و هو في كل تعابيره الصريحة منها و غير الصريحة يسلك مسلك الحب الصادق و الوفاء و الإخلاص لشيخ الطائفة مسلما له الانقياد وطائعا له في كل الأصول الكلامية و المسائل الفقهية كما غلب على حسّه و عقله و نفسه و تحققه و تأكده من صحة ما كان عليه شيخه الحسن بن حمدان حتى إنه يرى لا رأي إلا رأيه إيمانا منه و اعتقادا على انه ما خرج عن رأي الأئمة المعصومين في كل ما كتب و ما قال و نشر بين خواصه و عوامه و محبّيه و مواليه و المقربين إليه قولا و عملا و منهجية و يستمر على غرار ما عهدناه به و ما عرفناه عنه في الحديث عنهم مطنبا حينا و موجزا حينا آخر دونما ملل أو ضجر أو تعسف أو خروج عن المألوف قال في القصيدة نفسها السابقة. و المدح كلها مصبوب على آل حمدان و موجه إليهم:

أهل الوفا و الصدق إخوان الصفا * * * كواكب الرّكبان أقمار الحلل‏

دراهم للعاشقين قبلة * * * و ترب مغناها محل للقبل‏

و قد حوت علما و حلما و تقى‏ * * * في طيّ أمن و انخلاع و جذل‏

فانزل بها إن جزت زوار الحمى‏ * * * يا سائق العير دع حث الإبل‏

و الثم ثرى من لي بأن الثمه‏ * * * نيابة عن الشفاه بالمقل‏

فهو في الصورة و المعبرة و التصوير المؤثر يجلهم و يعظمهم كعادته و يرفعهم منزلة عالية و يسبغ عليهم صبغة القداسة و يطبعهم بطابع الهدى و التقى و الهداية فمعهدهم في نظره يختلف عن غيره من المعاهد و دارهم تختلف عن غيرها من الدور فهو يصرخ بعنف بالواقفين على الأطلال و الآثار و يحثهم على الالتزام بالجواهر و الحقائق التي هي الغاية في الأصل و الحقيقة في الإسلام إنهم في عقيدته حينا و قناعته حينا آخر إخوان صدق و صفاء و كواكب ركبان و أقمار منازل و على أن دارهم للموحدين و السالكين قبلة و تراب مغناها مكان طاهر للتقبيل و اللثم كمشاهد الأئمة (سلام اللّه عليهم) في بلاد الرافدين‏

10

و الكوفة و البقيع و غيرها من العتبات المقدسة كطوس وسواها و في كل موطى‏ء قدم مرّوا به أو أقاموا على ترابه و يرى أن هذه المشاهد الطاهرة و العتبات المقدسة قد أشيد عليها دور العلم و الحكمة و أقيم عليها الحوزات الدينية التي حفظت الإسلام و الشريعة السمحة و أحكامها و هذا الرأي الصحيح هو رأي الإمامية الفرقة الناجية صاحبة الحق و هذا ما نوّه عنه و أشار إليه العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في قصائده العلويات لشهرتها أعرضنا عنها و سأوضح للقارى‏ء الكريم قناعتي في الموضوع الذي أثير حول طائفة الشيخ الذي نحن في صدده و الحديث عنه و ما التبس في القديم و الحديث على الآخرين من شبهات لا تعطي دليلا قطعيا لا من قريب و لا من بعيد فالناقل عنهم و الحامل عليهم إمّا لعصبية عمياء أو كراهية ممقوتة أو لجهل مركب منبوذ من أصحاب الأقلام المأجورة و أرباب الدعوات الباطلة الذين هم في هذا النهج عملاء للصهيونية و خدم للإمبريالية و هم ليسوا من المسلمين و هؤلاء الفريق من الناس معروفون قديما و حديثا على أنهم تجار منافع و سماسرة مصالح يميلون مع كل ناعق كما قال الإمام علي (عليه السلام) في هذا المجال و سواه. و نعود إلى الموضوع نفسه بعد هذا الاستطراد البلاغي حيث تراه دائما يشيد بهم و يثني عليهم و يطريهم قال:

1- حتى انتهيت بأصحابي إلى حرم‏ * * * حماته سادة من آل حمدان‏

2- قوم أقاموا حدود اللّه و اعتصموا * * * بحبله من طغاة الإنس و الجان‏

3- و استأنسوا بالدّجى النار التي ظهرت‏ * * * بطور سيناء من أجبال فاران‏

4- لم ينسهم عهدها تبديل معهدها * * * كلا و لم ينسهم عن حبها ثان‏

و هذه الصورة الصادقة تراها واحدة في كل قصائده لا لبس فيها و لا غموض و لا تعقيد و هذا ناجم عن مواقفه الصادقة و الإيجابية لمحبّيه و أساتذته و يرى القارى‏ء الكريم معي و الناقد المنصف أيضا لا يخرج في مدحه هذا عن مدح الكميت و دعبل و الفرزدق و أبي فراس الحمداني شعراء آل البيت و محبيهم تعبيرا و تصويرا و عاطفة و على غرار ابن الرومي و أبي تمام الطائي و السيد

11

الحميري مرة أخرى لشهرة شعرهم في هذا الموضوع أعرضنا عنه و لسهولة تداوله و الحصول عليه و هذا المدح في رأيه لا يزيدهم منزلة أو يرفعهم درجة بل يرى على العكس المادح لهم يزداد منزلة و قيمة و رفعة لأنهم أسمى من المدح و القول و النظم و يتابع رحلته الشعرية هذه بحرارة الإيمان معبرا عنهم أحسن تعبير و بعيدا عن الابتذال و التكلف و التصنع على خلاف غيره من المادحين و الناظمين قال:

وفوا العلوة بالميثاق و اتحدوا * * * على الحفاظ و جافوا كلّ خوّان‏

هم الجبال الرواسي في علوهم‏ * * * و أنجم الليل تهدي كل حيران‏

سعوا فلم ترهم عين الجهول بهم‏ * * * الا كما نظرت من شخص كيوان‏

صلّى الإله على أرواحهم و كسا * * * أشباحهم حللا من روض رضوان‏

فهم في عقيدته كالجبال الرواسي سموا و رفعة، و كأنجم الليل هداية و ارشادا، و قد اختفوا عن أعين الجهلة و المبغضين، و حق له أن يقول ذلك، لأنهم لا يرون عقيدة الّا عقيدة آل البيت و لا إسلاما إلّا إسلامهم، و هم في قناعته كما قلنا فوق مدح المادحين، و اطناب المطنبين، و اسهاب المسهبين، و هم أي محبّوا آل البيت أسمى و أرفع و أعلى بكثير و كثير مما يقول، لأنّهم صورة منتسخة عنهم كسلمان، و أبي ذر، و عمار و غيرهم مما يضيق بنا الحديث عنهم في هذه المقدمة، و يكرر مدحه لهم معرضا بغيرهم لترك الصورة، و التزام الحقيقة و التمسك بالعروة الوثقى، و ترك السراب الباطل، و هذا كثير عنده قال:

ويل الى الخيف عن الخوف الى‏ * * * ظل اللوى و البلد الأمين‏

حمى به آل الخصيبي عصمة * * * الخائف من زمانه الخؤون‏

بنو الوفا و الصدق اخوان الصفا * * * قوم وفود الحجر و الحجون‏

أميال بيت اللّه أعلام الهدى‏ * * * الطاردون الشكّ باليقين‏

فهو يرى الخصيبي و أتباعه الميامين على أنهم ملاذ الخائف من زمانه‏

12

الخؤون، و انهم أهل صدق و وفاء و اخوان مودة و صدق، و هم الذين يزورون الحجر و الحجون، و هم أميال بيته و قواعده و عمده، لما هم عليه من صدق الولاية و العقيدة التي هي الذخيرة ليوم العرض، و هو في قوله هذا و مدحه لهم صادق التعبير و العاطفة و متأجج الأحاسيس و المشاعر لأنه يرى سلوكيته هذه تجاههم حياة له و نجاة و فوزا في الدنيا و الآخرة، و هذا صحيح إذا ما التزم السالك و صدق في التزامه و ثبت، و هو يهب فوق هذا و سواه كدعوة صارخة على الذين وقفوا عند الجدار، و سماع النعيق، و عدم سماع نداء الحق و دعوة الصدق، التي عليها أهل البيت و شيعتهم الفائزين، و أتباعهم المؤمنين في القديم و الحديث، و نظرته هذه في الواقع قد يراها الآخرون مغايرة لما هم عليه، و مباينة لما هم فيه، و كيف لا يكون ذلك و هو الذي يرى في أهل البيت المثل الأعلى و الاسوة الحسنة، و القدوة الطيبة في كل القيم، و المثل، و الأخلاق، و الآداب، و الفضائل، و المناقب، كما انه يرى على ان العبادات الإسلامية و الحدود الخمس، و ما يتفرع عنها من أصول و فروع، مضمونها و محتواها سعادة المؤمن، و لا تأخذ الشكل الصحيح و السليم و الكمال الروحي الا بهم، أي بأئمته الطاهرين المطهرين و المعصومين (سلام اللّه عليهم)، و هذا صحيح من الوجهة العقلية و المنطقية، و الشرعية، لأنهم أئمة عدل كما يقول دعبل الخزاعي:

أئمة عدل يقتدى بفعالهم‏ * * * و تؤمن منهم زلة العثرات‏

و أئمة تقى كما يقول الفرزدق:

ان عدّ أهل الأرض كانوا أئمتهم‏ * * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم‏

و لهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضوع مناقب علي (عليه السلام) ما معناه، على ان العبادات من صلاة، و زكاة، و صوم، و حج، و جهاد، تسمو و تعلو بعلي (عليه السلام) و تزدان به و تسمو، كما الخلافة و الإمرة أيضا لا تزيده أو ترفعه، بل هي تزداد رفعة و سموا و منزلة به على خلاف‏

13

غيره من الصحابة، بينما غيره لا وزن له و لا قيمة الا بما يعمل و يمارس من سلوكية و سيرة حسنة، و لهذا و غيره اتخذ من جاء بعده و حتى الآن كعبة له و منارة و ملاذا في العلم، و الفكر، و الزهد، و الحكمة، و الورع، و الشجاعة، و الجرأة، و الاقدام، و الجود، و السخاء، و البذل، و العطاء، و الإيثار، و الفداء، و التضحية، و غيرها من الصفات الذاتية التي كان يتّسم بها بغض النظر عن هويات الأشخاص، و العباقرة، و المفكرين و الجهابذة، وقادة الرأي، و لذلك يرى المكزون، كما يرى غيره من معاصريه كالشريف الرضي في مقدمة النهج يجمع جميع المتناقضات في شخصيته الإنسانية، و الاسلامية، و العربية، و على هذا الرأي جميع أهل التحقيق، و الفضل، و العلم، و النقل. و لذلك يرى المكزون على أن آل الخصيبي من لم يسلك ما سلكوه أو يعتقد ما اعتقدوه فلا قيمة له و لا وزن، لأنه يعرف هؤلاء على نهج أهل البيت و هديهم، و ذهب على أن الذين لم يسلكوا أو يؤمنوا أو يعتقدوا بهم لم يقبل اللّه منهم عملا، و لم يفلحوا أو ينجحوا.

و هو في صورة هذه يعبر تعبيرا إسلاميا محضا و يشير دائما الى اخلاصه لهم، و التزامه بهم لأنه يرى في بني طريقته التي هي في رأيه زبدة فكر آل محمد (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و يرى المكزون ان العبادات من جميع النواحي تبقى صورية و شكلية ان لم يهجر، أو يكف، أو يرتدع عن المحارم، و المنكرات، و الخبائث، و الفواحش تمشّيا مع روح الشريعة الإسلامية السمحة قائلا:

لم أقض في حبكم حجي و لا تفثي‏ * * * ان لم أرح هاجرا للفسق و الرفث‏

و عليه فالخصيبيون في نظره هم خاصة العترة الطاهرة، و يرى ان أتباعه، أي أتباع الحسين بن حمدان الخصيبي، إماميون مؤمنون بإمامة الأئمة من علي المرتضى (عليه السلام) إلى الحجّة (عليه السلام) صاحب العصر و الزمان، و يرون أنه لا معنى لعمل شرعي أخروي أو دنيوي ما لم يكن مضمونه و محتواه مشروطا بولاية الأئمة و الإيمان بهم، و على انهم بهم يحاسب‏

14

اللّه سبحانه، و بهم يثيب كما هو معروف و مشهور لدى الإمامية لشهرته، و لشهرته أعرضنا عنه و لم نأت على ذكره أو إيراده هنا، و عليه فالشيعة العلويون الذين يسكنون في سوريا في كل مدنه و قراه، و خصيصا في الساحل الغربي من القطر هم من أتباعه و الملتزمين به و على طريقه لأنه لم يخرج في اعتقادهم عن الشريعة الإسلامية السمحة ككل و عن مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بخاصة، و الشيخ أبو عبد اللّه شيخهم الروحي عاش في كنف الدولة الإسلامية الحمدانية الشيعية المؤمنة في القرن الرابع الهجري على وجه التحديد، و هذا الأمير المؤمن سيف الدولة ابن حمدان أجمعت عليه كلمة المؤرخين على أنه هو الأمير المشهور بعقيدته الصادقة و حبّ آل البيت (عليهم السلام)، و الباحث لدى معاصريه من الشعراء و الأدباء و الفلاسفة، و الكتّاب، و المؤرخين، و في طليعتهم الشاعر أبي الطيّب المتنبي الذي امتدح الأمير في خيرة شعره و أدبه، لأنه رأى فيه الأمير العربي و المسلم الذي يمثل روح الإسلام و العروبة على حدود الرسوم، كما رأى المكزون في قومه الخصيبيين الروح نفسها، و الصورة ذاتها، و من هنا وجد الحسين بن حمدان غايته في هذا الأمير المؤمن الصادق للشجرة الطيبة آل محمد (عليهم السلام)، كما انه في القرن الرابع الهجري هو الذي أعطى العروبة هذا البعد الصحيح و هذا الفكر الواضح، و تلك الرؤية الصادقة الصحيحة المتمثلة في شريعة الإسلام، و سيرة العترة الطاهرة، اعتقادا، و ممارسة، و تطبيقا.

و نعود إلى موضوع الهداية الكبرى،

فهي من الوجهة التاريخية، تراثية إسلامية، و من الوجهة العقائدية فهي إسلامية الأصول و الفروع، تدور موضوعاتها عن المعصومين الأربعة عشر بدءا من الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و ابنته الزهراء البتول الطاهرة المعصومة (عليها السلام) و الأئمة الاثنى عشر بدءا من علي المرتضى الى الإمام الحجّة صاحب العصر و الزمان، و هي تتحدث على غرار و شاكلة الكتب الإمامية المعتمدة عند الإمامية كالبحار، و عيون المعجزات، و غيرها من الكتب كالحديث عن‏

15

مناقب و فضائل و معاجز الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، بشكل يكاد العقل ألّا يصدّق هذه المعجزات، و لكن الباحث الإسلامي و الدارس الملتزم يرى صحة هذه المعاجز الخارقة أمرا صحيحا، و لكن المشكك لا يستبعد عنه أن يشك في أصل الشريعة الإسلامية، القرآن الكريم مثلا، فالمسألة مسألة إيمان و عقيدة، و سيرة عطرة، لا مسألة جدل عقيم، و نقاش حاد لا جدوى فيه و لا نفع، و أهل البيت (سلام اللّه عليهم) من تتبع سيرتهم، و تقصى أخبارهم لدى المؤالف و المخالف، و الموالي و غير الموالي يجدهم و يرى في سيرتهم العطرة صفحة مشرقة ناصعة في جبين التاريخ و الإنسانية جميعا، كما انه يرى في ذكرهم و عملهم مثلا أعلى لغيرهم من عظماء التاريخ، و قادة الرأي، و جهابذة الفكر، و فلاسفة الحكمة، و حكماء الحقيقة، و يرى فيهم أيضا ثورة عارمة في الحياة و الممات على الظالمين، و المستكبرين، و المنافقين، و الغادرين، و التجار، و المروّجين في كل عصر و زمان، و لذلك اتخذهم الناس جميعا مرجعا لهم في كل معضلاتهم أمورهم الثقافية، و العسكرية، و الاقتصادية، و السياسية، و الادبية، و العلمية، و الاخلاقية، و السلوكية، و هذه الصفات الذاتية أمور مسلّم بها و بديهية أيضا، إذن فلا غرر بعد هذا و ذاك ألا تشكك في مضمون الهداية من معاجز خارقة لهم و مناقب رائعة، و فضائل عظيمة، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، و عليه أقول أن العبادات الخمس من صلاة، و زكاة، و صوم، و حج، و جهاد، تشرف غيرهم، بينما هذه العبادات تزداد بهم سموا، و علوا، و منزلة، و درجة، و كذلك الخلافة، و الإمارة، و الإمامة ان صح التعبير، زينت غيرهم، و رفعت سواهم، بينما هم، أي آل البيت (سلام اللّه عليهم) لم تزدهم رفعة، و درجة، و منزلة، بل هي ازدانت بهم و ارتفعت، و هذا ما قاله الإمام أحمد بن حنبل في فضائلهم (عليهم السلام).

إن الباحث الاجتماعي المنصف يرى هذا الاعتراف صحيحا دونما

16

مواربة، أو اشكال، أو التباس، و الجاحد لهذا و الناكر له سمّته العربية و أرباب العربية ناصبيا، و رحم اللّه الشاعر العربي الكبير المتنبي، حيث التقط هذا المعنى عند ما امتدح أحد العلويين الأشراف قائلا:

و أبهر آيات التهاميّ أنّه‏ * * * أبوك و أجدى ما لكم من مناقب‏

إذا علوي لم يكن مثل طاهر * * * فما هو إلا حجة للنواصب‏

نعم و ألف نعم هو أبهر آيات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و رحم اللّه أيضا أبا علي شوقيا حيث كرر المعنى نفسه قائلا:

أما الإمام فالأعز الهادي‏ * * * حامي عرين الحق و الجهاد

العمران يا خذان عنه‏ * * * و القرآن نسختان منه‏

أصل النبي المصطفى و دينه‏ * * * من بعده و شرعه‏

و صفحتاه مقبلا و مدبرا * * * و في الوغى و حين يرقى المنبرا

و الحجر الأول في البناء * * * و اقرب الصحب بلا استثناء

و جامع الآيات و هي شتى‏ * * * و شدة القضاء باب الإفتا

و الكلام يطول في هذا الموضوع و يحتاج إلى مجلدات و مجلدات، و لعل و عسى أن نوفق مستقبلا للكشف عن هذا الكنز المغمور، و الإزاحة عن هذا الستار المحجوب لدى عامة المسلمين، لأن الهوى و العصبية قتلت علماء السوء احياءا و أمواتا و باعوا دينهم بدنياهم، هذه لمحة مختصرة عن الهداية، و نبذة متواضعة عنها.

و خلاصة القول، ان العلويين هم مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون أصول الشريعة الإسلامية عقيدة لهم و يطبقون أحكامها وفقا لمذهب الإمام السادس أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام) قولا و عملا، و سلوكية، و سيرة، و لا يرون بديلا عن الإسلام على الرغم من التعذيب، و التنكيل، و التشريد، و الذبح و القتل، بدءا من العصر الاموي و مرورا بالعباسي و انتهاءا بالعثماني البائد، لا لسبب إلا لأنهم رفضوا الولاء كلية

17

لأئمة الجور، و الضلال، و الفساد و اسوة بأئمتهم و قدوة بهم على مرّ العصور و الأزمنة (1)، و من هنا انهالت عليهم التهم الباطلة، و الافتراءات الكاذبة، و الصقوا بهم ما لا يليق بنا هنا في هذه المقدمة ان نذكره، أو نأتي على ذكره ترفعا و اباءا منا، و حرصا على وحدة الكلمة و رأب الصدع، و ضرب الفتنة و دفنها، و لم يسلموا من أذى الحكام الظالمين إلا في ظل الدولة الحمدانية في حلب الشهباء في القرن الرابع الهجري، لانسانية هذه الاسرة و أخلاقيتها العظيمة، و سيرتها العطرة، و نبلها العربي، و تسامحها الإسلامي، فهم إذن مسلمون، موحّدون، يؤمنون باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر.

و بمحمد، (صلى اللّه عليه و آله) نبيّا و رسولا، و بالقرآن دستورا و منهجا صالحا لكل عصر، و مكان، و زمان، و يقيمون الصلاة الى ذلك سبيلا و هم يتعبدون فقهيا و أحكاما على مذهب الإمام الصادق (عليه السلام) و الذي اعترف به مؤخرا من قبل شيخ الأزهر الشريف محمود شلتوت سابقا و لا زال معمولا به حتى الآن في مصر، و ما نسب إليهم من ارتكاب الموبقات، و إباحة المحرمات، و الكفر، و الإلحاد، فكله باطل و لا أساس له من الصحة و عار عن الحقيقة أولا و أخيرا، و يفتقر هذا الزعم الى دليل قطعي و يحتاج إلى برهان موضوعي، و انما واقعهم الصحيح و ما هم عليه يفند هذه المزاعم المفتعلة، و الأراجيف المختلقة من قبل المغرضين و الحاقدين، و انما كانت هذه الأقوال و تلك المقالات مجرد اهواء، و عواطف، و ميول، و رغبات من الآخرين لا تمت الى أصول الإسلام و فروعه بأي حقيقة أو موضوعية، و ما أكثر هذا الضرب من الأقوال في أذهان العامة و الهوى دائر لا علاج له، و العصبية مرض فكري موروث لا مناص منه و لا مفر الا من رحم ربّي و حكّم عقله و ترك هواه، و رفض موروثاته، و ما أقل هؤلاء قديما و حديثا و كأن المسألة لديهم أمر مستساغ و طبيعي، يعطون الإيمان لمن يريدون، و يلصقون التكفير لمن يشاؤون.

____________

(1) راجع مقاتل الطالبين للمؤرخ أبي الفرج الاصفهاني.

18

و هذه الفتاوى التي الصقت بهم من قبل الآخرين في أيامنا هذه، و التي هدفها التمزيق، و التفرقة، و خدمة الاستعمار و الامبريالية، و الصهيونية، فهي ليست في صالح الإسلام و المسلمين أبدا، و قد حدثت لهم هذه الضجّة المفتعلة في أيام الاستعمار الفرنسي البغيض، و ما يعرف بالانتداب المكذوب على غرار هذه الصيحة الموهومة في الوقت الراهن، و لكنّ علماءهم كعادتهم انبروا بشدة و عنف للرد على هذه و تلك بقول صريح للعالم الإسلامي للحقيقة و التاريخ، و الإسلام، و هذه صورة الجواب من قبل علمائهم آنئذ في تلك الفترة المريرة و المؤلمة، و التي نشرت في حينها في مجلة المرشد العربي لمنشئها الشريف عبد اللّه آل علوي الحسني ابن المغفور له الأمير الشريف حسن بن فضل باشا أمير ظفار، مطبعة الإرشاد، اللاذقية، عام 1357 ه، 1938 م، و هذه هي فتوى السادة العلماء لهم نسوقها الى المنصف الكريم الحرّ حرفيا، أمانة و وفاء منّا:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ القرآن الكريم.

قرأنا هذا البهتان المفترى على العلويين طائفة أهل التوحيد و نحن نرفض هذا البهتان أيّا كان مصدره، و نردّ عليه بأن صفوة عقيدتنا ما جاء في كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، و ان مذهبنا في الإسلام هو مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) سالكين بذلك ما أمرنا به خاتم النبيين سيّدنا

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَيْثُ يَقُولُ:

«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى‏

19

الْأَرْضِ، وَ عِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا».

هذه عقيدتنا نحن العلويين، أهل التوحيد، و في هذا كفاية لقوم يعقلون.

مفتي العلويين في قضاء صهيون يوسف غزال، المحامي عبد الرحمن بركات، قاضي طرطوس علي حمدان، صالح ابراهيم ناصر، عيد ديب الخير، كامل صالح ديب، يوسف حمدان عباس، مفتي العلويين في قضاء جبلة علي عبد الحميد، الفقير للّه تعالى صالح ناصر الحكيم، حسن حيدر، قاضي المحكمة المذهبية في قضاء مصياف محمد حامد، في 9 جمادي الآخرة 1357 ه.

و هذه صورة أخرى عن فتوى الرؤساء الروحيين في صافيتا المنشورة في جريدة النهار أنقلها حرفيا أمانة و حقيقة للّه، و للتاريخ و للانصاف.

طالعنا في جريدتكم الغراء المؤرخ في 31 تموز سنة 1938 عدد 1448، مقالة لمراسلكم في اللاذقية تحت عنوان هل العليون مسلمون تتضمن المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين و تكفيره لهم بادعائه و زعمه أنهم ليسوا بمسلمين ينكرون- و العياذ باللّه و ناقل الكفر ليس بكافر- شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أنتم تدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، و تنكرون فكرة التوحيد.

لذلك فقد اجتمعنا نحن الرؤساء الروحيين في قضاء صافيتا، و اصدرنا الفتوى الآتية راجين نشرها بنفس الصحيفة التي نشرتم بها كلمة المراسل عملا بقانون المطبوعات، إن تصريحات المحامي المومأ إليه هي محض الكفر الصريح، و ان المسلمين العلويين باجماعهم المطلق يستنكرونها أشد الاستنكار، و يبرأون منها و من مثيريها الى اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم)، يعلنون في الدنيا و الآخرة إنهم على شهادة لا إله إلا اللّه،

20

و ان محمدا عبده و رسوله شهادة حق و صدق، فمن آمن منهم بالشهادتين و الوحدانية، فهو منهم و من جحدها فهو غريب عنهم كافر بهم، و من يتخذ من أتباع المسلمين العلويين مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لا بعادهم عن الدين الإسلامي الحنيف نعتبره بدعواه جاحدا للحق، ناكرا للصدق، عاملا بالباطل.

التواقيع: صافيتا في 3 آب 1938 الشيخ ياسين عبد اللطيف ياسين يونس، الشيخ علي حمدان قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بطرطوس، الشيخ يوسف إبراهيم قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بصافيتا، الشيخ محمد محمود، الشيخ محمد رمضان، شوكت العباسي، الشيخ عبد الحميد معلا.

و هذه أيضا صورة عن البيان الذي نشره زعماء العلويين في جريدة النهار في العدد 1454، آب، سنة 1938:

المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين و تكفيره لهم بادعائه و زعمه أنهم ليسوا بمسلمين، ينكرون- و العياذ باللّه و ناقل الكفر ليس بكافر- شهادة ان لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أنهم يدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، و ينكرون فكرة التوحيد هي محض الكفر الصريح، و أن العلويين باجماعهم يستنكرونها الى أقصى حدود الاستنكار، و يبرأون منها، و من مثيريها، إلى اللّه و إلى رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و يعلنون في الدنيا و الآخرة أنهم على شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، شهادة حق و صدق، فمن آمن منهم بالشهادتين و الوحدانية، فهو منهم و من جحدها فهو غريب عنهم و كافر بهم، و من يتخذ من اتباع المسلمين العلويين مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لا بعادهم عن الدين الإسلامي الحنيف يكون بدعواه جاحدا للحق ناكرا للصدق عاملا بالباطل و للباطل.

21

التواقيع للزعماء:

سلمان مرشد، شهاب ناصر، منير العباس، صقر خير بك، إبراهيم الكنج، علي محمد كامل، أمين رسلان.

و هذه أيضا صورة عن الفتوى التي أفتى بها العلّامة الكبير و الحجّة الشيخ سليمان أفندي الأحمد شيخ الإسلام و المسلمين في حينه و مرجع اللغة، و الأدب، و الفكر، و الخلق الحسن، و عضو المجمع اللغوي آنئذ في دمشق و وقعها العلامتان الفاضلان الشيخ صالح ناصر الحكيم، و الشيخ عيد ديب الخير:

قال الشيخ العالم العامل المخلص خدمة للإسلام، و المسلمين، و الحقيقة، و التاريخ، الشيخ سليمان الأحمد قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏، و يستمرّ قائلا في فتواه حرفيا:

رضيت باللّه تعالى ربا، و بالإسلام دينا، و بالقرآن كتابا، و بمحمد بن عبد اللّه رسولا، و نبيا، و بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) إماما برئت من كل دين يخالف دين الإسلام، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، هذا ما يقوله كل علويّ لفظا و اعتقادا، و يؤمن به تقليدا أو اجتهادا، هذا ما حصلت عليه و حققته، و أكدته على أنهم مسلمون إماميون أولا و أخيرا، شاء الخصم أم أبى، و ليس لديهم من الهوى أكثر من غيرهم، و هم و غيرهم في هذا سواء، و قد يفوقهم الآخرون كثيرا في الاسراف، و الافراط، و الخروج عن المألوف، و قد يكونون هم معتدلين الى حدّ ما عن غيرهم، لأن أئمتهم أئمة حق، و صدق، و عدل، و قدوة، و أسوة، و سيرة حسنة، و استقامة صحيحة على غرار منهجية جدهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و هي صورة منتسخة عن سيرة رسول اللّه و سنته، و هديه،

22

و قوله، و تقريره، و فعله، و قد ثبت هذا من طريق المعقول، و المنقول، و أهل العدل، و الانصاف، حتى اصبحت لهم مدرسة في تاريخنا الإسلامي فكرا، و عقيدة، و أدبا، و توغلت جذورها الى خارج المدرسة، لدى الآخرين من غير المسلمين أنفسهم إنسانيا، و عالميا، و هذا لم يكن لغيرهم أو سواهم، و انما انفردوا به عن الناس جميعا حتى اصبحوا المثل الأعلى لدى الآخرين عاليا في الالتزام الصحيح و الإيجابية الصحيحة، و الموضوعية الحقيقية قولا، و عملا، و ممارسة.

و هذا مرسوم تشريعي آخر للاعتراف السوري بمذهب آل البيت (عليهم السلام)، و هو المرسوم التشريعي رقم (3) نقله حرفيا للمنصف الكريم ليرى عن كثب اهتمام علماء هذه الطائفة المسلمة بمذهب الإمام الصادق (عليه السلام) و مدى تمسّكها به قولا و عملا، و سلوكية، لأنهم يعتقدون أن المذهب اصلا، و فرعا، و مجازا، و حقيقة هو أصل الإسلام، و لو لا المذاهب الاخرى لما قلنا أو سمينا مذهبا جعفريا لأن المذهب الجعفري لا يخرج أصلا، أو حقيقة عن حقيقتها، على أسس ثلاثة، و التي هي من مضمون المذهب الجعفري و معتقده تمشّيا مع الوحدة الإسلامية، و الالتزام بها خشية الفرقة و التمزيق و الاسى، هي التوحيد و النبوة و المعاد مما لا يختلف عليها مذهب دون آخر و إليك المرسوم أيها القارى‏ء الكريم ..

23

المرسوم التشريعي:

للاعتراف السوري بدمشق بمذهب آل البيت عليهم السلام المرسوم التشريعي رقم/ 3/ إن رئيس الدولة بناء على الأمر العسكري رقم 3 المؤرخ في 3/ 3/ 51. و بناء على المرسوم التشريعي رقم 257 بتاريخ 8 حزيران عام 1952، و بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 3/ تاريخ 14/ 6/ 1952. و بناء على المرسوم التشريعي رقم 23/ المؤرخ في 2 ربيع الثاني هجرية ه/ 30 كانون الأول 1951 م. و على وجوب عدد كبير من أهالي محافظة اللاذقية على المذهب الجعفري. و على اقتراح المفتي العام رسم ما يلي:

المادة الأولى:

يضاف إلى المادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 33 الفقرة التالية: تؤلف لجنة خاصة بالجعفريين من علمائهم في مركز محافظة اللاذقية قوامها ثلاثة أشخاص من العلماء الجعفريين و يضاف إليهم شخص واحد من كل قضاء عندما يتعلق البحث في قضائه. و يسمى اعضاء هذه اللجنة بقرار من المفتي العام من العلماء الأكفاء. مهمتها فحص حالة متدينين بالكسوة الدينية على المذهب الجعفري و الذين يرغبون ارتداء هذه الكسوة و اقرار من يحقّ لهم الاحتفاظ بها و من منح تتحقق اللجنة من انه دخيل على سلك رجال الدين من ارتدائها.

المادة الثانية:

ينشر هذا المرسوم التشريعي و يبلغ من يلزم.

دمشق في 15 حزيران عام 1952- الزعيم فوزي سلو.

24

صدر عن رئيس الدولة لمجلس الوزراء: الزعيم فوزي سلو: وزير الصحة و الاسعاف العام مرشد خاطر- وزير الزراعة عبد الرحمن الهنيد- وزير الدفاع فوزي سلو- وزير الخارجية ظافر الرفاعي- وزير العدل منير غنام- وزير الداخلية الزعيم فوزي سلو- وزير المالية محمد بشير الزعيم- وزير المصارف سامي طيارة- وزير الاقتصاد الوطني منير دياب- وزير الأشغال العامة و المواصلات توفيق هارون-

القرار رقم 8:

ان المفتي العام للجمهورية السورية:

بناء على المرسوم التشريعي رقم/ 3/ في 15 حزيران عام 1952 يقرر ما يلي:

المادة الأولى:

تؤلف لجنة فرعية في مركز محافظة اللاذقية من السادة حضرة صاحب السيادة الشريف عبد اللّه رئيسا، الشيخ علي حلوم مفتي قضاء اللاذقية عضوا- الشيخ عبد ديب الخير- عضوا- يشترك مع هذه اللجنة الفرعية المذكورة عضو واحد ليمثل القضاء المذكور حذاء اسمه كل من السادة: كامل حاتم- عن قضاء اللاذقية- عبد اللّه عابدين- عن قضاء الحفة حيدر محمد أحمد- عن قضاء جبلة- يونس ياسين سلامة- عن قضاء بانياس عبد الهادي حيدر عن قضاء مصياف- محمود سليمان الخطيب- عن قضاء طرطوس. عبد اللطيف ابراهيم عن قضاء صافيتا- علي صالح حسن- عن قضاء تلكخ- فمهمة هذه اللجنة فحص كفاءة المتدينيين بالكسوة الدينية (على المذهب الجعفري) و الذين يرضون ارتداء الكسوة و اقرار من يحق له الاحتفاظ بها و منع من تحقق اللجنة انه دخيل على سلك رجال الدين في ارتدائها.

المادة الثانية:

ينشر هذا القرار و يبلغ من يلزم لتنفيذ أحكامه دمشق 17 شوال عام 1371/ ه 9 تموز 1952 م المفتي العامل للجمهورية السورية التوقيع محمد شكري الاسطواني رقم 3510/ 292 صورة الى محافظة اللاذقية- المفتي العام.

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[مقدمة المؤلف‏]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) ابتدأنا بعون اللّه و قوته، و بركة أسمائه، و جلاله و اسمه و بابه، و أهل مراتب قدسه، و عالم أنسه و ملكه، و أن يوصلنا بهم إلى الرضى و بلوغ المنى.

و هو سماعه من الرجال الثقات، الذين لقيهم (رضي اللّه عنهم أجمعين)، منهم من عاشر الموليين السيدين الإمامين العسكريين (صلوات اللّه عليهما)، و روى عن ما يشتمل على أسماء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أسماء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في السريانية و العبرانية و جميع اللغات المختلفة، و أسماء فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها) و على الأئمة الراشدين الحسن و الحسين ابني علي، و علي بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد، و موسى بن جعفر، و علي بن موسى، و محمد بن علي، و علي بن محمد، و الحسن بن علي، و محمد بن الحسن (الحجة) سميّ جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و كنيته بجده، و لقبه المهدي و الغائب و المنتظر (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و أسمائهم و كناهم- الخاص و العام منهم- و أسماء أمهاتهم، و مواليدهم، و أولادهم، و براهينهم، و دلائلهم، و وفاة كل منهم، و شاهدهم و أبوابهم، و الدلالة من كتاب اللّه (عز و جل) و الأخبار المأثورة المروية بالأسانيد الصحيحة، و فضل شيعتهم، نفعنا اللّه بهم جميعا إنه على كل شي‏ء قدير، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و هو رب العرش العظيم.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[خطبة المؤلف‏]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) الحمد للّه مبدى‏ء الحمد و باريه، و مقدره و قاضيه، و الآمر به و راضيه، جزاء من عباده عن نعمة، و المستوفي لهم جزيل قسمه، و المزحزح عنهم حلول نقمه، الفارض له عليهم، الحاتم فيما انزله اليهم، المستحق على هدايته لهم حمده على نعمه، إذ كان حمدهم له على نعمه نعمة أنعمها منه عليهم، الذي لم تدرج نوره الدّياجي، و لم تحط بقدرته الأماكن، و لم تستقل، بذات كبريائه المعادن، و لم تستقر لجلال ملكوته المواطن.

الأول لا أول مكيف، و الآخر لا آخر مستحدث، الدائم في أزليته، الباقي في ربوبيته، الشاهد على خليقته، فاطر المخلوقين بحسن تدبير الحكمة، و مكوّنها أجساما و أشخاصا، و أشباحا و أرواحا، و صورا مختلفة و غير مختلفة، و متشابهة و غير متشابهة.

الذي لم تكله قدرته فيما خلق الى ظهير، و لم تدعه مبهرات عجائب ما فتق و رتق الى مستعين به في أمره و مشير، المظهر فيما ذرأه و برأه مما شوهد بعيان، و استدل عليه ببرهان، بدائع تحسر عقول المخلوقين عن بلوغ تحديدها، و المستشهد عند ذوي العلم و العقول، خلق السنتهم و أنفسهم و ألوانهم و لم يحيطوا به علما، و لم يبلغوه فهما، اذ لا صانع لهم دونه، و لا مركب لهم في تأليف غيره، و لا متقن في تصنيف، و لا مدبر في تأليف غيره.

30

أحسن كل شي‏ء خلقه، الذي لم يعزب عنه علمه في ديجور طبقات السماوات، و لا في دياجي ظلمات الأرضين المدحيات، و لا في قعر البحور الزاخرات، و لا كائن من المخلوقين إلا احاط به قوة و علما و اقتدارا و سلطانا.

الذي لم يفته متعزز بفناء و اكثار، و لا ذو بطش جبار، متقلبا في كبريائه، و لا متقلب في ليل و لا في نهار، و لا بغرور، ممتنع ببهاء و أوطار، و لا يحتوي بمدى عمر ذي اقطار فيدركه طلب بمستعان، بل أشفى بطوله بريته، و شمل بحوله خليقته، وسعت كل شي‏ء رحمته، لطفا و امتنانا فهو في ازل قديم أزليته غير مشهود، و في كمال كليته غير محدود، و لا مدرك بلحاظ عيون الناظرين، و لا بحواس خواطر عقول العارفين موجود، و لا مقر بهم عن بلوغ ذلك منفردا، بل هو في ظواهر حكم صنعته و مراضي قضاء قدرته، و نفوذ سلطان عزه، و تفرده بالصمدية معروف غير مجحود، و هو في حال فقر عباده إليه اعتمام ما خولهم إياه، و لا يتعاظم و ان كبر عند المرزوقين، و لا ينقصه عطاؤه اياهم لأنه ليس بمحدود من خزائنه، و لا يغيظه تمرد المتمردين عليه، و ان استكبروا عن أداء الشكر له على ذلك في حال طاعتهم و معصيتهم إياه فهو على كل حال محمود.

و كيف لا يكون ذلك، و زمام كل شي‏ء في قبضته؟ و قضاء قدرته؟

يحكم فيه و لا يحكم عليه، و الأشياء خاشعة له، و هو على كل شي‏ء قدير.

و هو اللّه الذي نشهد ان لا اله الا هو، وحده لا شريك له في ملكه، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون.

اللهم أنزل زاكيات صلواتك، و مكرمات بركاتك و تحنن رأفتك، و واسع رحمتك، و طيبات تحياتك و فوز جناتك على محمد عبدك و رسولك‏

31

و نبيك، و صفوتك و خيرتك من خلقك، و على علي أخيه امير المؤمنين، و نور العارفين، و إمام المتقين، و قائد الغرّ المحجلّين، و أفضل الوصيين، و الأئمة الراشدين، و على الحسن الزكي في الزاكين، و على الحسين الشهيد، الصابر في المحنة طهر الطاهرين، و على علي سيد العابدين، و على محمد باقر علم الأولين و الآخرين، و على جعفر الصادق في الناطقين، و على موسى نورك الكاظم في الكاظمين، و على علي الرضا في المؤمنين، و على محمد المختار في صفوتك المختارين، و على علي الهادي في الهادين.

و على الحسن المنتجب المستودع سرك في المستودعين.

اللهم أصلح باصلاحك الكامل المبلغ ما بلغته المؤمنين من عبادك، عبدك الزكي الذي استخلصته لنفسك، و خليفتك الذي استخلفته في خلقك، و أمينك الذي ائتمنته على مكنون علمك، و حجتك التي اتخذتها على أهل سماواتك و أرضك، و عينك الناظرة التي حرست بها نعمك عند أوليائك، و يدك التي تقبض بها و تبسط أمرك و نهيك، و لسانك الناطق المبين برحمة كنه غيبك و وحيك و وجهك الدال عليك في وحدانيتك، و صراط دينك المستقيم، و سبيل رشادك المفهوم، و منهج هدايتك المعلوم، الصادق الناطق، الفاتق الراتق، الآمر بطاعتك، الناهي عن معصيتك، المرجيّ لثوابك، المحذر من عذابك، حجتك و ابن حجتك و صفوتك و ابن صفوتك، و خيرتك و ابن خيرتك، و انيسك من خلقك و وصيك سمي جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله الطاهرين) الإمام المهدي حجتك يا رب العالمين، الذي خلقته نورا للمؤمنين و قدوة للمقتدين، و ملاذا للائذين، و كهفا للّاجئين، و أمانا لعبادك المرعوبين، ناصر المضطرين و مدرك وتر المغلوبين، و الآخذ بحق المغصوبين، مجلي الروعات، و كاشف الكربات، و مزحزح الضلالات، و مزهق المعطلات، و مشفي الخواطر المضنيات، و مزيل الفكر المخربات، و فاتح القلوب المقفلات، و مبصر العيون المسملات، و مسمع الآذان الصمّات، و محق الكلمات التامات،

32

الفتح الاكبر، و النصر الاظفر، و الأمل المنتظر، منتهى رغبة الراغبين، و غاية منية الطالبين، و أحمد عواقب الصابرين، و حبيب قلوب المؤمنين، و فرجا لعبادك المختارين، رحمة منك لهم يا رب السماوات و الأرضين.

اللهم أنجز له كلّ وعدك، و حقق فيه موعدك، و أستخلفه في ارضك كما وعدتنا به.

اللهم أورثه مشارق الأرض و مغاربها التي باركت فيها، و مكن له دينك الذي ارتضيته له، و ثبت بنيانه، و عظم شأنه، و أوضح برهانه، و علّ درجته، و أفلج حجته، و شرّف مقامه، و أمض رأيه، و اجمع شمله، و انصر جيوشه و سراياه و مرابطيه، و أنصاره و أشياعه، و أتباعه و أعوانه، و حزبه و جنوده و أحباءه و خيرته و أولياءه و أهل طاعته.

اللهم انصرهم نصرا عزيزا، و افتح له فتحا مبينا، و اجعل له من لدنك على عدوك و عدوه سلطانا نصيرا. اللهم و أمدده بنصرك بملائكتك و بالمؤمنين، و اجعلنا له حواريين، ننصره حتى نعزّره و نقره و نؤمن به و نصدقه و نعزه و نعز به.

اللهم فاكشف عنا به العمى، و أذهب به عنا الضر، و اهدنا به سبيل الراشدين، و تول نصر دينك على يد وليك، و اجعلنا ممن جاهد في سبيلك، و طهر الأرض بإظهاره من القوم الظالمين حتى لا تكون فتنة، و يكون الدين لك يا رب العالمين.

اللهم أظهره، و أعزّ باظهاره و اظهارك له أولياءك وزد في أعمارهم، و أيده و أيّد به و أعلنه و لا تخفيه، و امحق قبل اظهارك له اعداءك و أعز أولياءك، و زد في أعمارهم و طول في آجالهم، و تمم أيامنا و لا تقصّر مددنا، و لا تمتنا بحسرة من لقاء سيدنا حتى ترينا وجهه، و تشهدنا شخصه، و أسمعنا كلمته، و تنجينا في أيامه، و ترزقنا نصرته في أعمالنا و نياتنا و قلوبنا، و شرفنا في دولته الزاكية المباركة الطاهرة المرضية فإنما نحن‏

33

أولياؤك يا رب العالمين.

اللهم و أنزل اللعنة الكافية، المغضبة المردية، المخزية المخسرة المدمرة على أعدائك و أعداء ملائكتك و أنبيائك و رسلك و أصفيائك و أوليائك المخلصين، من الظالمين الأولين و الآخرين، و على أشياعهم و أتباعهم و أحبائهم و حزبهم و جندهم و رعيتهم، و من تابعهم بقلبه و عمله، و من أحمد لهم رأيا و أمرا، و رضي لهم فعلا و استطال لهم رأيا، و قال فيهم خيرا، و دفع عنهم شرا، و زدهم عذابا ضعفا في النار، و العنهم كثيرا، و اصلهم سعيرا، و لقهم ثبورا، و تبّرهم فيها تتبيرا، و لا تذر منهم كبيرا و لا صغيرا، و أدخلهم في العذاب، و لا تخفف عنهم يوما منه، و خلدهم في الدرك الاسفل من النار، و عذبهم عذابا لا تعذب به احدا من العالمين، و طهر الأرض منهم اجمعين، و من بدعهم و خلافهم و جحدهم و جورهم و ظلمهم و غضبهم و غشهم و آثامهم و أوزارهم و مكرهم و خداعهم و سيئاتهم، و اجعل الأرض منهم جميعا قاعا صفصفا، لا نرى فيها عوجا و لا أمتا.

و اجعلنا ممن برى‏ء اليك من أعمالهم و التباسهم و جرائرهم، و ثبتنا على ما اليه هديتنا من موالاة اوليائك و عداوة اعدائك، و اجعلنا من الموفين بعهدك و عقدك و ميثاقك الذي الهمتنا لسعادتنا، و لا تضلّنا بعد اذ هديتنا، و زدنا بصيرة و ايمانا، و يقينا و رضى و تسليما، و لا ترنا حيث نهيتنا و لا تفقدنا من حيث أمرتنا أبدا ما أبقيتنا، بطولك و منك يا أرحم الراحمين و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم، و هو حسبنا و مرجانا، و عليه توكلنا.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الأول باب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْبَزَّازُ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ السَّبِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيُّ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَ هُوَ الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) ...

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ صفر [صُقَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرْبَانِيُّ الْمُتَطَبِّبُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ:

سَأَلْتُ سَيِّدَنَا أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهم السلام)، عَنْ أَعْمَارِ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ (عليهم السلام) فَقَالَ الرِّضَا (عليه السلام): حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

38

مَا رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عليه السلام) ...

مَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ، الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام)، فَقَالُوا جَمِيعاً:

إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَضَى، وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ سِتُّونَ سَنَةً مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُنَبَّأَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ثَلَاثاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً، بِمَكَّةَ وَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَارِباً مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً، وَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَ قُبِضَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ.

أسماؤه:

وَ كَانَ اسْمُهُ فِي الْقُرْآنِ‏ مُحَمَّدٌ*، وَ أَحْمَدُ، وَ يس‏، وَ طه‏، وَ ن‏، وَ حم عسق‏، وَ الْحَوَامِيمُ السَّبْعَةُ، وَ النَّبِيُّ، وَ الرَّسُولُ، وَ الْمُزَّمِّلُ‏، وَ الْمُدَّثِّرُ، وَ الطَّوَاسِينُ الثَّلَاثَةُ، وَ كُلُّ أَلِفٍ وَ لَامٍ وَ مِيمٍ وَ رَاءٍ وَ صَادٍ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَ كهيعص‏.

وَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى آدَمَ (صلى اللّه عليهما) بِالسُّرْيَانِيَّةِ- مُفَسَّراً بِالْعَرَبِيَّةِ- النَّبِيُّ وَ الْمَحْمُودُ، وَ الْعَاقِبُ، وَ النَّاجِي، وَ الْحَاشِرُ، وَ الْبَاعِثُ، وَ الْأَمِينُ.

وَ كَانَ اسْمُهُ فِي التَّوْرَاةِ الْوَفِيُّ، وَ مادالماد.

وَ فِي الْإِنْجِيلِ: الْفَارَقَلِيطُ.

وَ فِي الزَّبُورِ: مُهَيْمِناً، و طاب‏طاب.

كنيته و ألقابه:

أَبُو الْقَاسِمِ: وَ أُمُّهُ آمِنَةُ ابْنَةُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ‏

39

كِلَابِ، بْنِ مُرَّةَ.

وَ أَلْقَابُهُ (صلى اللّه عليه و آله): صَفِيُّ اللَّهِ، وَ حَبِيبُ اللَّهِ، وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وَ الْأُمِّيُّ وَ الْمُنْتَجَبُ، وَ الْمُخْتَارُ، وَ الْمُجْتَبَى، وَ الشَّاهِدُ، وَ النَّذِيرُ، وَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ، وَ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ، وَ الرَّحْمَةُ، وَ الْمُبَلِّغُ وَ الْمُصْطَفَى.

وَ مَشْهَدُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَ اسْمُهَا يَثْرِبُ وَ طَيْبَةُ.

أولاده:

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَهْوَازِيِّ- وَ كَانَ عَالِماً بِأَخْبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عليهم السلام)- قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الزَّاهِرِيُّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، وَ هُوَ الْقَاسِمُ الْأَسَدِيُّ- لَا الثَّقَفِيُّ- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ‏

وُلِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ خَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ (عليها السلام) الْقَاسِمُ، وَ بِهِ يُكَنَّى، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ الطَّاهِرُ، وَ زَيْنَبُ، وَ رُقَيَّةُ، وَ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَ كَانَ اسْمُهَا آمِنَةَ، وَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ (عليها السلام)، وَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، وَ كَانَتْ أَمَةً أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ مَلِكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.

فَأَمَّا رُقَيَّةُ: فَزُوِّجَتْ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَمَاتَ عَنْهَا، فَزُوِّجَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ‏

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نَادَى فِي أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ، وَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ضَمِنْتُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ مَالِي، فَتَضْمَنُ لِيَ الْبَيْتَ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَنْفِقْ عَلَيْهَا يَا عُثْمَانُ، وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ.

فَأَنْفَقَ عُثْمَانُ عَلَى الْجَيْشِ وَ الْبِئْرِ مِنْ مَالِهِ طَمَعاً فِي ضَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ‏

40

(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أُلْقِيَ فِي قَلْبِ عُثْمَانَ أَنْ يَخْطُبَ رُقَيَّةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ رُقَيَّةَ تَقُولُ لَكَ لَا تُزَوِّجُكَ نَفْسَهَا إِلَّا بِتَسْلِيمِ الْبَيْتِ الَّذِي ضَمِنْتُهُ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْجَنَّةِ تَدْفَعُهُ إِلَيْهَا بِصَدَاقِهَا، فَإِنِّي أَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِي لَكَ الْبَيْتَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهَا إِنْ مَاتَتْ رُقَيَّةُ أَوْ عَاشَتْ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَشْهَدَ عَلَى عُثْمَانَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ الْبَيْتَ لَهُ، وَ أَنَّ الْبَيْتَ لِرُقَيَّةَ دُونَهُ، لَا رَجْعَةَ لِعُثْمَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِيهِ، إِنْ عَاشَتْ رُقَيَّةُ أَوْ مَاتَتْ. ثُمَّ إِنَّ رُقَيَّةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَجْتَمِعَ بِعُثْمَانَ، وَ لِهَذَا السَّبَبِ زَوَّجَتْ رُقَيَّةُ نَفْسَهَا.

وَ أَمَّا زَيْنَبُ: فَزُوِّجَتْ مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ بِنْتاً سَمَّاهَا أُمَامَةَ، فَتَزَوَّجَ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام).

و أَمَّا أُمُّ كُلْثُومَ: فَإِنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ، وَ مَاتَتْ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلْيِه وَ آلِهِ).

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ زَيْنَبَ كَانَتْ رَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ جَحْشٍ بَعْدَ خَدِيجَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

وَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْخَبَرُ، وَ لَا مَلَكَ خَدِيجةَ أَحَدٌ غَيْرُ رَسُولِ اللَّه وَ لَا مَلَكَ زَوْجَةً غَيْرَهَا حَتَّى تُوُفِّيَتْ.

أزواجه:

وَ كَانَتْ مِنْ أَزْوَاجِهِ بَعْدَهَا أُمُّ أَيْمَنَ، وَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ- وَ كَانَتْ أَمَةً- أَفْضَلُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ بَعْدَهُنَّ صَفِيَّةُ، وَ زَيْنَبُ زَوْجَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.

وَ الْمَذْمُومَاتُ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ، وَ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَ هُنَّ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِنَ‏ عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً، وَ هَذَا أَوْضَحُ دَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ شَيْ‏ءٌ.

41

وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ وَ قَوْلُهُ: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ قَدْ عُرِفَ مَنْ خَرَجَ وَ تَبَرَّجَ وَ شَهِدَ عَلَى أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) أَنَّهُنَّ إِذَا عَصَيْنَ عُذِّبْنَ بِالنَّارِ.

وَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ‏.

وَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بَيْنَ ثَلَاثَ عشر [عَشْرَةَ امْرَأَةً وَ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ أَزْوَاجٍ‏

. دلائله و براهينه:

و من دلائلِهِ و براهينِهِ (عليه السلام).

1- مَا رَوَاهُ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَلِيٍّ الْبَلْخِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ أَصَابَهُ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَمَرَّ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ هَلْ عِنْدَكَ طَعَامٌ نَطْعَمُهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً وَ اصْطَفَاكَ عَلَى الْبَشَرِ مَا طَعِمْتُ طَعَاماً مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَخَذَ (عليه السلام) بِيَدِهِ وَ انْطَلَقَا فَإِذَا هُمَا بِالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ، وَ أَبِي ذَرٍّ، وَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَ أَحَدِكُمْ طَعَامٌ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ جَمِيعاً مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُهْدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ الْجَنَّةَ أَنْ تَتَهَيَّأَ بِأَحْسَنِ هَيْئَتِهَا فَتَهَيَّأَتْ، وَ قَالَ لَهَا: يَا جَنَّتِي لِمَنْ تُحِبِّينَ أَنْ يَسْكُنَكِ؟ فَقَالَتْ: أَحَبَّ خَلْقِكَ عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهَا: إِنِّي جَعَلْتُ سُكَّانَكِ مُحَمَّداً رَسُولِي وَ أَهْلَ بَيْتِهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ أَصْحَابَهُ وَ شِيعَتَهُ)

42

وَ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَصْحَابِي وَ شِيعَتِي وَ شِيعَةُ أَهْلِ بَيْتِي وَ عِتْرَتِي، ثُمَّ أَخَذُوا فِي طَرِيقِهِمْ فَمَرُّوا بِمَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَلَمْ يَلْقَوْهُ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي ادْخُلْ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ، فَإِنَّ سَعْداً يَأْتِيكَ السَّاعَةَ، فَدَخَلَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ جَمِيعاً فَأَرَادَتْ أَنْ تَذْبَحَ عَنْزاً لَهُمْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا ذَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أَذْبَحُ هَذِهِ الْعَنْزَةَ لَكَ وَ لِأَصْحَابِكَ، فَقَالَ لَهَا: لَا تَذْبَحِيهَا فَإِنَّهَا عَنْزَةٌ مُبَارَكَةٌ وَ لَكِنْ قَرِّبِيهَا مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا لَيْسَ لَهَا لَبَنٌ، وَ هِيَ سَمِينَةٌ، وَ قَدْ عَقَرَهَا الشَّحْمُ، فَلَمْ تَحْمِلْ. قَالَ قَرِّبِيهَا إِلَيَّ فَأَدْنَتْهَا مِنْهُ فَمَسَحَ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ عَلَى ظَهْرِهَا فَأَنْزَلَتْ لَبَناً فَاحْتَلَبَهَا، وَ نَزَعَ الْإِنَاءَ فَشَرِبَ وَ أَسْقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ.

ثُمَّ قَالَ لَهَا: يَا أُمَّ مَالِكٍ إِذَا أَتَاكِ سَعْدٌ فَقُولِي لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ: إِيَّاكَ أَنْ تُخْرِجَ هَذِهِ الْعَنْزَ مِنْ دَارِكَ، فَإِنَّهَا مِنْ قَابِلٍ تَحْمِلُ وَ تَضَعُ ثَلَاثَ سَخْلَاتٍ فِي بَطْنٍ، وَ يَحْمِلْنَ جَمِيعُهُنَّ مِنْ قَابِلٍ وَ تَضَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْبَعَ سَخْلَاتٍ فِي بَطْنٍ.

ثُمَّ نَظَرَ فِي دَارِهِ وَ إِذَا هُوَ بِبَقَرَةٍ حَمْرَاءَ فَقَالَ لِامْرَأَةِ سَعْدٍ: قُولِي لِسَعْدٍ:

يَسْتَبْدِلْ بِهَذِهِ الْبَقَرَةِ بَقَرَةً سَوْدَاءَ، فَإِنَّهَا تَضَعُ عِجْلَتَيْنِ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَحْمِلَانِ عَنْ قَلِيلٍ مَعَ أُمِّهِمَا فَيَضَعْنَ جَمِيعاً اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَ رَأَى فِي جَانِبِ دَارِهِ نَخْلَةً أَشَرَّ مَا يَكُونُ مِنَ النَّخْلِ فَصَعِدَ إِلَيْهَا وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا بَرَكَتَهُ، فَحَمَلَتْ حَمْلًا حَسَناً وَ أَرْطَبَتْ رُطَباً حَسَناً لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ رُطَبٌ مُشْبِهُهُ وَ لَا رُؤِيَ مِثْلُهُ، وَ دَعَا لِسَعْدٍ وَ أَهْلِهِ بِالْبَرَكَةِ.

وَ بَشَّرَهَا بِغُلَامٍ وَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْتُكَ بِأَبِي وَ أُمِّي أَنَا حَامِلٌ، فَادْعُ لِي، فَدَعَا لَهَا أَنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهَا غُلَاماً ذَكَراً سَوِيّاً. وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وَ مَنْ مَعَهُ وَ أَقْبَلَ سَعْدٌ إِلَى أَهْلِهِ فَأَخْبَرَتْهُ بِدُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ‏

43

السَّلَامُ) وَ الْمِقْدَادِ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لَهَا وَ مَا فَعَلَ بِالْعَنْزِ وَ الْبَقَرَةِ وَ النَّخْلَةِ، وَ مَا بَشَّرَهَا بِهِ وَ دُعَاءَهُ لَهَا فَفَرِحَ سَعْدٌ بِذَلِكَ وَ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعْدُ أَخْبَرَتْكَ أُمُّ مَالِكٍ بِمَا قَالَتْ وَ قُلْتُ لَهَا قَالَ: نَعَمْ. قَالَ اسْتَبْدِلْ بِبَقَرَتِكَ بَقَرَةً سَوْدَاءَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَهَبُ لَكَ مِنْهَا عِجْلَتَيْنِ، وَ يُولَدُ لَكَ غُلَامٌ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عليه السلام): مَا خَرَجَتْ تِلْكَ السَّنَةُ حَتَّى وَهَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا غُلَاماً، وَ رُزِقَ جَمِيعَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَا مَضَى لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا وَ أَخَصَّهُمْ بِهَا رَجُلًا وَ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَكْثَرَ مَا يَأْتِي هُوَ وَ أَصْحَابُهُ إِلَى مَنْزِلِ سَعْدٍ.

2- وَ عَنْهُ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)

قَالَ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ رَجُلًا مَلِيّاً كَثِيرَ الْمَالِ، وَ كُنْتُ أُقْرِي الضَّيْفَ، وَ أُجِلُّ وَ أَجْبُرُ، وَ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ كَانَ لِلَّهِ عَلَيَّ نِعْمَةٌ، فَذَهَبَ جَمِيعُ مَا كُنْتُ أَمْلِكُ مِنْ قَلِيلٍ وَ كَثِيرٍ، فَشَمَتَ بِي أَقَارِبِي وَ أَهْلُ بَيْتِي فَكَانَتِ الشَّمَاتَةُ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ وَ مَا ابْتُلِيتُ بِهِ قَالَ: صَدَقْتَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:

مَنْ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ يَدْفَعُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحْضُرُنَا شَيْ‏ءٌ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا: ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَهُ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً، وَ رَفَعَ مُصَلًّى كَانَ تَحْتَهُ وَ إِذَا بِسَبِيكَةِ ذَهَبٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ:

خُذْهَا وَ اشْتَرِ بِهَا غَنَماً ضَأْناً، فَإِنَّهَا تَبْقَى عَلَيْكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: ادْعُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْثِرَ اللَّهُ مَالِي وَ وَلَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَ وَلَدَهُ.

44

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): فَمَا مَاتَ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى وُلِدَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ وَلَداً ذُكُوراً، وَ عَشْرُ بَنَاتٍ، وَ كَانَ أَكْثَرَ الْعَرَبِ مَالًا وَ يُقَالُ: إِنَّ الْأَعْرَابِيَّ عَلْقَمَةُ بْنُ عِلَاقَةَ الْعَامِرِيُّ.

3

وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَصِيرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْوَاقِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَ أَقَمْنَا إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلَيْنَا، فَانْطَلَقْنَا رَاجِعِينَ وَ كَانَ فِي طَرِيقِنَا رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ كَنِيسَتِهِ تَلَقَّانَا وَ التَّوْرَاةُ عَلَى صَدْرِهِ مَنْشُورَةً مُزَيَّنَةً، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَرَحَّبَ بِهِ وَ قَرَّبَهُ، وَ قَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْيَهُودِ، مَا لَكَ قَدْ سَعَيْتَ إِلَيْنَا بِالتَّوْرَاةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنْزَلَةِ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: جَعَلْتُهَا وَسِيلَتِي إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِتَنْزِلَ وَ تَأْكُلَ مِنْ طَعَامِي، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَقَدْ تَوَسَّلْتَ بِعَظِيمٍ، وَ أَنَا مُجِيبُكَ يَا أَخَا الْيَهُودِ.

ثُمَّ نَزَلَ وَ نَزَلْنَا، فَإِذَا بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ قَدْ حَضَرَ وَ حَضَرَ مَعَهُ مَنْ تَوَلَّى إِصْلَاحَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَالَ الْيَهُودِيُّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ أَنَا مَا صَنَعْتُ طَعَامَكَ بِيَدَيَّ، بَلْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ دِينِكَ لِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّكَ تَكْرَهُ طَعَامَنَا أَهْلَ الْمِلَلِ قَبْلَكَ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ كَانَ عَلَى الطَّعَامِ خَرُوفٌ مَشْوِيٌّ، فَغَسَلَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ وَ غَسَلْنَا أَيْدِيَنَا، وَ مَدَدْنَا إِلَى الطَّعَامِ، وَ دَعَا بِالْبَرَكَةِ، وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْخَرُوفِ، فَثَغَا الْخَرُوفُ وَ اضْطَرَبَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَنْهُ وَ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يَا أَخَا الْيَهُودِ عَرَفْنَا تَوَسُّلَكَ وَ عَرَفْنَا التَّوْرَاةَ حَقّاً، وَ ضَيَّعْتَ مَا حَفِظْنَاهُ فِيكَ أَغْوَاكَ الشَّيْطَانُ حَتَّى رَأَيْتُ هَذَا الْخَرُوفَ وَ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا قَدْ عَرَفْتُهُ مِنْ نَفْسِي.

قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَإِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقّاً فَاسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُنْطِقَ هَذَا

45

الْخَرُوفَ كَمَا أَحْيَاهُ لَكَ فَيُخْبِرَكَ بِقِصَّتِنَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي ذَلَّ لَهَا مُلْكُكَ إِلَّا مَا أَنْطَقْتَ هَذَا الْخَرُوفَ بِهَذِهِ الْقَصْعَةِ، فَقَالَ الْخَرُوفُ فِي وَسَطِ الْقَصْعَةِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّ الَّذِي كَانَ سَمَّنِي لَكَ عَدُوُّكَ عَتِيقٌ وَ زُفَرُ صَارَا إِلَى هَذَا الْيَهُودِيِّ فَدَفَعَا إِلَيْهِ عِشْرِينَ دِينَاراً وَ عَهِدُوا لَهُ وَ لِقَوْمِهِ مِنَ الْيَهُودِ أَنْ لَا يُؤْذَوْا، وَ أَنْ لَا يُسْخَرُوا وَ لَا يُعَشَّرُوا، وَ لَا يُكْرَهُوا عَلَى شَيْ‏ءٍ يُرِيدُونَهُ، وَ أَنَّهُ دَسَّ السَّمَّ فِي الطَّعَامِ وَ تَلَقَّاكَ بِهِ، وَ قَالا لَهُ: الْقَهُ فِي التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ يُعَظِّمُهَا، وَ اسْأَلْهُ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ، وَ هَاكَ هَذَا الْخَرُوفَ وَ هَذِهِ الْعِشْرِينَ دِينَاراً، فَاتَّخِذْ بِهَا خُبْزَ الْبُرِّ وَ فَاخِرَ أَطْعِمَةِ الْأَعَاجِمِ طَبِيخاً وَ مَشْوِيًّا، وَ دُسَّ هَذَا السَّمَّ بِهَذَا الْخَرُوفِ فَفَعَلَ ذَلِكَ.

قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَ اللَّهِ لَقَدْ ظَنَنَّا أَنَّ شَنْبَوَيْهِ وَ حَبْتَرَ- لَعَنَهُمَا اللَّهُ قَدْ مَاتَا، لِأَنَّهُمَا طَأْطَئَا وُجُوهَهُمَا.

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ارْفَعَا رُؤُوسَكُمَا، لَا رَفَعَ اللَّهُ لَكُمَا صَرْعَةً، وَ لَا أَقَالَكُمَا عَثْرَةً، وَ لَا غَفَرَ لَكُمَا ذَنْباً وَ لَا جَرِيرَةً، وَ أَخَذَ بِحَقِّي مِنْكُمَا، إِلَى كَمْ هَذِهِ الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ؟ فَأَظْهَرَا اخْتِلَاطَ عَقْلٍ وَ دَهَشَةً حَتَّى حَمَلَا رَحْلَيْهِمَا.

وَ ضَرَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِيَدِهِ إِلَى الْخَرُوفِ وَ قَالَ لَهُ:

ارْجِعْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيًّا كَمَا كُنْتَ، فَرَجَعَ الْخَرُوفُ كَمَا كَانَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)- وَ قَدْ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لَحْمِهِ- بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ وَ لَا غَائِلَةٌ، وَ أَكَلَ، ثُمَّ قَالَ كُلُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ حَقّاً حَقّاً، وَ إِلَهِ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ مَا أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ لَقَدْ قَصَّ عَلَيْكَ الْخَرُوفُ الْقِصَّةَ، مَا نَقَصَ حَرْفاً وَ لَا زَادَ حَرْفاً.

وَ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ وَ غَزَا سِتَّ غَزَوَاتٍ وَ اسْتُشْهِدَ فِي ذَاتِ السَّلَاسِلِ، رَحِمَهُ‏

46

اللَّهُ.

4- وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الكروزوني، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ، قَالَ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)

لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اصْنَعْ لَنَا طَعَاماً فَخُذْ شَاةً وَ صَاعاً مِنْ بُرٍّ، وَ ادْعُ عَشَرَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَصَنَعَ عَلِيٌّ مَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ، وَ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ وَحْدَهُ، فَقَرَّبَ عَلِيٌّ مِنْهُمُ الْمَائِدَةَ وَ قَدَّمَ الْقَصْعَةَ وَ وَضَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَدَهُ عَلَى دَوْرَةِ الْقَصْعَةِ، وَ قَالَ: هَلُمُّوا وَ كُلُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا، وَ فَضَلَ كَثِيرٌ، فَبَادَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالْكَلَامِ، وَ قَالَ: أَيُّكُمْ- يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- يَقْضِي دَيْنِي، وَ يُنْجِزُ وَعْدِي، وَ يَقُومُ مَقَامِي، وَ يَكُونُ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي وَ مَالِي، وَ أَكُونُ أَخَاهُ وَ يَكُونُ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ يَكُونُ وَزِيرِي وَ خَلِيلِي وَ صَفِيِّي وَ مَوْضِعَ سِرِّي، وَ يَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟

فَسَكَتَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَقْضِي دَيْنَكَ وَ أُنْجِزُ وَعْدَكَ، وَ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ فِي أُمَّتِكَ وَ أَهْلِكَ، وَ أَكُونُ أَخَاكَ وَ تَكُونُ أَخِي وَ أَكُونُ مَعَكَ وَ عَلَى دَرَجَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.

وَ كَانَ عَلِيُّ (عليه السلام) أَصْغَرَهُمْ سِنّاً، وَ أَعْظَمَهُمْ بَطْشاً، وَ أَحْمَشَهُمْ سَاقاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ فَعَلْتُ يَا عَلِيُّ فَوَجَبَتْ يَوْمَئِذٍ الْمُؤَاخَاةُ وَ الْمُوَازَرَةُ لَهُ (عليه السلام).

5

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ- مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ- وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، قَالَ:

لَمَّا

47

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ‏

أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

فَضِقْتُ ذَرْعاً، وَ عَرَفْتُ أَنَّنِي مَتَى أَبْدَيْتُ لَهُمْ ذَلِكَ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصُمْتُ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ (عليه السلام) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لِي يَا عَلِيُّ صَاعاً وَ اجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ، وَ امْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ، فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، ثُمَّ دَعْوَتُهُمْ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يَزِيدُونَ رَجُلًا وَ لَا يَنْقُصُونَ رَجُلًا، وَ جِئْتُ بِالطَّعَامِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَذْوَةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّهَا فِي نَوَاجِذِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الطَّعَامِ فِي الْقَصْعَةِ، ثُمَّ قَالَ:

خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ وَ مَا أَرَى إِلَّا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ، وَ ايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ، لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: اسْقِ الْقَوْمَ، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ.

فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَقَالَ مِنَ الْغَدِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَ لَمْ أُكَلِّمْهُمْ، فَأَعِدْ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ إِلَيَّ، قَالَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُ، وَ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَأَكَلُوا حَتَّى مَا بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ:

اسْقِهِمْ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً، ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ إِنْسَاناً فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَ إِنِّي جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُوَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي هَذَا كُلِّهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَلِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ‏

48

عَنْهَا جَمِيعاً فَقُلْتُ:- وَ اللَّهِ إِنِّي أَحْدَثُهُمْ سِنّاً، وَ أَطْوَلُهُمْ بَاعاً، وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْشاً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً- أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوَازِرُكَ، فَأَخَذَ رَقَبَتِي بِيَدِهِ، وَ قَالَ: هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا.

قَالَ فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَهُ طَاعَةً لَا بِطَانَةَ بِهَا.

6- وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سِنَانٍ الزَّيَّاتِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

سَارَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ مَا كَانَ يُخَلِّفُ النَّبِيَّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بِمَكَّةَ، فَكَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيراً، فَلَمَّا صَارَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ خَلَّفَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي رَحْلِهِ، وَ دَخَلَ يَمْتَارُ حَوَائِجَهُ، وَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عِنْدَ شَجَرَةٍ عِنْدَ دَيْرِ النَّصَارَى فَأَوَى إِلَى تلك الشَّجَرَةِ، فَنَامَ فَلَمْ يَزَلْ نَائِماً، وَ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ لَا يَقْرَبَهَا، مِمَّا كَانَ عِنْدَهَا مِنَ الْهَوَامِّ وَ الْحَيَّاتِ وَ الْعَقَارِبِ، وَ بَحِيرَا الرَّاهِبُ يَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ إِلَى الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ، وَ قَالَ: هَذَا غُلَامٌ غَرِيبٌ نَائِمٌ هَاهُنَا، وَ أَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَوَامِّ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ وَ دَعَاهُ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ إِذَا هُوَ مُعَافًى لَمْ يَمَسَّهُ سُوءٌ مِمَّا خَافَ عَلَيْهِ بَحِيرَا الرَّاهِبُ.

فَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ وَ كَيْفَ صِرْتَ إِلَى تَحْتِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟

فَقَالَ: خَلَّفَنِي هَاهُنَا عَمِّي وَ مَضَى يَقْضِي حَوَائِجَهُ مِنَ الشَّامِ، وَ إِنَّ لِي حَافِظاً مِنَ اللَّهِ.

فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا: مَنْ أَنْتَ؟ وَ مَا اسْمُكَ؟

49

فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

قَالَ: هَلْ لَكَ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟

قَالَ: نَعَمْ أَحْمَدُ.

قَالَ: هَلْ لَكَ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟

قَالَ: الْأَمِينُ.

قَالَ بَحِيرَا: اكْشِفْ لِي عَنْ كَتِفِكَ، فَكَشَفَ لَهُ فَنَظَرَ بَحِيرَا إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَ فَوْقَ الْخَاتَمِ، وَ أَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ وَ قَدْ بَاعَ حَوَائِجَهُ، فَقَالَ بَحِيرَا: مَا هَذَا مِنْكَ وَ لَا أَنْتَ مِنْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ عَجَباً، مَا نَامَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَشَرٌ وَ سَلِمَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْغُلَامُ نَائِماً تَحْتَهَا وَ جَمِيعُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الْحَيَّاتِ وَ الْعَقَارِبِ حَوْلَهُ تَحْرُسُهُ فِي نَوْمِهِ.

فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: هَذَا ابْنُ أَخِي. قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ قَالَ: مَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: مَاتَتْ. قَالَ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.

قَالَ: هَلْ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْمَدُ. قَالَ: هَلْ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: الْأَمِينُ. قَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يُوحِيَ إِلَيْهِ اللَّهُ، وَ يَسُوقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ وَ يَمْلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، فَاتَّقِ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ لَهُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ.

قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَا هَذَا رَمَيْتَ ابْنِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَ تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يَمْلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، شَرْقاً وَ غَرْباً، وَ يَسُوقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ؟ قَالَ بَحِيرَا: لَقَدْ وَ اللَّهِ أَخْبَرْتُكَ عَنْ أَمْرِهِ، وَ هَذَا الَّذِي نَجِدُهُ عِنْدَنَا مَكْتُوباً فِي سِفْرِ كَذَا وَ كَذَا مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ السَّيِّدُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام)، وَ لَمْ أَقُلْ فِيهِ إِلَّا

50

الْحَقَّ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْغُلَامِ لَا تَقْتُلْهُ قُرَيْشٌ وَ الْيَهُودُ، فَاكْتُمْ عَلَيَّ مَا قُلْتُ لَكَ، وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّهُ الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ الْقُرَشِيُّ الْأَبْطَحِيُّ، وَ أَنَّهُ عِنْدَنَا مَكْتُوبٌ اسْمُهُ وَ اسْمُ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَ إِنْ أَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ تَلْقَى رَجُلًا مِنْ إِخْوَانِي مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِي وَ قَدْ قَرَأَ مِثْلَ مَا قَرَأْتُ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ بِأَرْضِ تِهَامَةَ، وَ سَيَقُولُ لَكَ بِهَذَا الْغُلَامِ مَا قُلْتُهُ لَكَ.

وَ كَانَ صَاحِبُ بَحِيرَا وَرْقَا بْنَ نَوْفَلٍ، وَ كَانَا جَمِيعاً مِمَّنِ اسْتُحْفِظَ الْإِنْجِيلَ وَ أَخْبَارَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ كَانَا أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِمَا، فَرَجَعَ فَرِحاً بِمَا سَمِعَ مِنْ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ أَرْضَ تِهَامَةَ اسْتَقْبَلَهُ وَرْقَا بْنُ نَوْفَلٍ الرَّاهِبُ وَ هُوَ مِنَ الْمُسْتَحْفَظِينَ الَّذِينَ اسْتُودِعُوا عِلْمَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ، فَقَالَ وَرْقَا بْنُ نَوْفَلٍ مِثْلَ مَا قَالَهُ بَحِيرَا، وَ قَالَ: اكْتُمْ عَلَيَّ يَا شَيْخُ مَا قُلْتُهُ فِي هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: وَ انْتَشَرَ خَبَرُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِأَرْضِ تِهَامَةَ وَ كَلَامُ وَرْقَا، فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى وَرْقَا بْنِ نَوْفَلٍ. فَقَالُوا: مَا هَذَا الَّذِي انْتَشَرَ عَنْكَ فِيمَا قُلْتَ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ؟ وَ اللَّهِ لَئِنْ نَطَقْتَ فِيمَا نَطَقْتَ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ لَنَقْتُلَنَّكَ بِأَعْظَمِ قِتْلَةٍ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَخَافَ وَرْقَا عَلَى نَفْسِهِ فَخَرَجَ مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ، وَ قَدْ أَظْهَرَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا أَظْهَرَ وَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ قَصَدَ إِلَى الشَّامِ هَارِباً مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَا لَبِثَ النَّبِيُّ بَعْدَ مَا قَالَهُ وَرْقَا وَ بَحِيرَا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وَ طَلَبُوا وَرْقَا بْنَ نَوْفَلٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَ حَفِظَهُ أَبُو طَالِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَ اسْتَوْهَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَبِيهِ فَوَهَبَهُ لَهُ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَ إِلَى دِينِ اللَّهِ فَأَجَابَهُ يَوْمَئِذٍ وَ هُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ، وَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: أَطِعْ ابْنَ عَمِّكَ وَ اسْمَعْ قَوْلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَأْلُوكَ خَيْراً فَكَانَا يُصَلِّيَانِ جَمِيعاً وَ يَكْتُمَانِ مَا هُمَا فِيهِ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَ دِينِهِ‏

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام).

51

7- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِي غِيَاثِ بْنِ يُونُسَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطُّوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ الطَّاطَرِيِّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ:

لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَ كَانَ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَأَكْرَى نَفْسَهُ لِخَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ (عليها السلام) عَلَى بَكْرٍ وَ حِقَّةٍ، وَ خَرَجَ غُلَامُ خَدِيجَةَ إِلَى الشَّامِ وَ كَانَ لَهَا غُلَامٌ، صَدُوقٌ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ فَأَمَرَتْهُ خَدِيجَةُ- لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ- أَنْ لَا يُخَالِفَ النَّبِيَّ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ إِذْ رَأْيُهُ سَدِيدٌ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ، وَ يُخَوِّفُهُمْ مِنْ أَمْرِهِ فَلِذَلِكَ وَصَّتْ خَدِيجَةُ مَيْسَرَةَ أَنْ لَا يُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَ خَرَجَا إِلَى الشَّامِ فَبَاعَا مَا كَانَ مَعَهُمَا مِنَ التِّجَارَةِ وَ رَبِحَا رِبْحاً مَا رَبِحَتْ خَدِيجَةُ بِمِثْلِهِ، وَ رُزِقَتْ بِتِلْكَ السَّفْرَةِ مَا لَمْ تُرْزَقْ مِثْلَهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَأَقْبَلَا بِتِلْكَ الْغَنِيمَةِ، وَ مَا رَزَقَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا قَرُبَا مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ قَالَ مَيْسَرَةُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَوْ تَقَدَّمْتَ إِلَى خَدِيجَةَ فَبَشَّرْتَهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ رَجَوْتُ لَكَ مِنْهَا جَائِزَةً عَظِيمَةً، فَفَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ.

وَ كَانَ لِخَدِيجَةَ مَنْظَرَةٌ فِي مُسْتَشْرَفِ الطَّرِيقِ تَقْعُدُ فِيهَا وَ نِسَاءَ قَوْمِهَا، وَ كَانَتْ قَاعِدَةً فِي الْمَنْظَرَةِ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ مَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسَاءِ فَقَالَتْ لَهُنَّ يَا هَؤُلَاءِ مَا تَرَيْنَ أَنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ قَدْراً عَظِيماً؟ أَ مَا تَرَيْنَهُ مُنْفَرِداً وَ عَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ تَسِيرُ بِمَسِيرِهِ، وَ تَقِفُ لِوُقُوفِهِ وَ تُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ، وَ الطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَيْهِ بِأَجْنِحَتِهَا، وَ لَهَا زَجَلٌ وَ تَسْبِيحٌ وَ تَمْجِيدٌ وَ تَقْدِيسٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هُوَ؟ وَ إِنَّهُ مُقْبِلٌ نَحْوَهَا، فَقَالَتْ: أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ يَقْصِدُ حِيناً فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا تَبَيَّنَتْهُ، فَقَالَتْ لَهُنَّ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،! فَقَرُبَ مِنْهَا فَسَلَّمَ، فَرَدَّتْ (عليه السلام) وَ قَرَّبَتْهُ مِنْهَا، وَ رَفَعَتْ مَجْلِسَهُ، فَبَشَّرَهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تِجَارَتِهَا، فَفَرِحَتْ بِذَلِكَ فَرَحاً شَدِيداً، وَ ازْدَادَتْ فِيهِ رَغْبَةً وَ ضَاعَفَتْ لَهُ الرِّزْقَ أَضْعَافاً، وَ قَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَمْراً وَ هِيَ حَاجَةٌ لِي بَعْضُهَا وَ هِيَ لَكَ حَظٌّ وَ رَغْبَةٌ، قَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالَتْ:

52

أُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَنِي، فَقَدْ تَبَارَكْتُ بِكَ، وَ رَأَيْتُ مِنْكَ مَا أُحِبُّ، وَ أَنَا مَنْ عَرَفْتَ شَرَفِي وَ حَسَبِي وَ نَسَبِي وَ مَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي وَ سِيَادَتِي فِي النَّاسِ، وَ كَثِيرٌ لَا يَنَالُونَ تَزْوِيجِي، وَ قَدْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَيْكَ.

فَقَالَ لَهَا: رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَ وَ تَفْعَلِينَ ذَلِكِ؟

فَقَالَتْ: مَا قُلْتُ إِلَّا مَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ فَقَالَ لَهَا: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ عَمِّي، وَ أُخْبِرَكِ مَا يَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَ انْطَلَقَ إِلَى عَمِّهِ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَتْ خَدِيجَةُ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا مِنْ قَوْمٍ كِرَامٍ فَتَزَوَّجْهَا، وَ لَا تُخَالِفْهَا فَإِنَّهَا فَائِقَةٌ فِي الْحَسَبِ وَ النَّسَبِ وَ الشَّرَفِ وَ الْمَالِ، وَ هِيَ رَغْبَةٌ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا وَ أَخْبَرَهَا بِمَا قَالَهُ عَمُّهُ، فَقَالَتْ: إِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَ كَذَا، فَأَقْبِلْ: فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْمَعْلُومُ أَقْبَلَ ابْنُ عَمِّهَا وَ أَهْلُهَا، وَ تَهَيَّأَتْ خَدِيجَةُ لِمَا أَرَادَتْ وَ نَحَرَتِ الْبُدْنَ، وَ اتَّخَذَتْ طَعَاماً كَثِيراً.

وَ أَقْبَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَمُّهُ وَ بَنُو عَمِّهِ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَاصَّةً، وَ أَرْسَلَتْ خَدِيجَةُ إِلَى عَمِّهَا وَ أَهْلِ بَيْتِهَا فَدَعَتْهُمْ وَ لَمْ يَعْلَمِ الْفَرِيقَانِ إِلَى مَا دُعُوا فَأَطْعَمَتِ الْقَوْمَ الطَّعَامَ وَ نَحَرَتِ الْبُدْنَ عَلَى الْجِبَالِ وَ الشِّعَابِ وَ الْأَوْدِيَةِ بِمَكَّةَ وَ جَعَلَتْهَا قِرًى لِلنَّاسِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ الْهَوَامِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَ أَمَرَتْ بِسَقْيِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا شَرِبُوا وَ أَخَذُوا فِي حَدَثِهِمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ لِعَمِّهَا: إِنَّكَ فِي الشَّرَفِ الْعَظِيمِ مِنْ قَوْمِكَ، وَ أَنْتَ الْكُفْؤُ الْكَرِيمُ، وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَدُ أَخِي وَ هُوَ لَا يُجْهَلُ حَسَبُهُ وَ لَا يُنْكَرُ نَسَبُهُ، وَ قَدْ أَتَاكَ خَاطِباً خَدِيجَةَ ابْنَةَ خُوَيْلِدٍ، وَ هُوَ مِمَّنْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَمْرَهُ وَ حَالَهُ.

فَقَالَ عَمُّهَا: يَا أَبَا طَالِبٍ، خَدِيجَةُ مَالِكَةٌ نَفْسَهَا، وَ أَمْرُهَا إِلَيْهَا، فَأُرْسِلُ إِلَيْهَا وَ أَسْتَأْذِنُهَا.

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَمُّهَا يَسْتَأْمِرُهَا، فَقَالَتْ: يَا عَمِّ زَوِّجْهُ فَإِنَّهُ بِالنَّسَبِ الثَّاقِبِ وَ الْفَرْعِ الْبَاسِقِ، وَ لَيْسَ هَذَا مِمَّنْ يُرَدُّ فَزَوَّجَهُ عَمُّهَا فِي مَجْلِسِهِ،

53

وَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَخَرَجُوا قَرِيرَةً أَعْيُنُهُمْ بِمَجْلِسِهِمْ، وَ مَا كَانَ مِنْ خَدِيجَةَ فِي تَزْوِيجِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، وَ ذَلِكَ أَنَّهَا خُطِبَتْ مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَلَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا فَلَمَّا خَرَجُوا احْتَبَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، عِنْدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ مَا نِحْلَتُكَ؟

قَالَ: الْبَكْرُ وَ الْحِقَّةُ، وَ هُمَا نِحْلَةٌ، مِنِّي إِلَيْكِ، وَ مَا أَضْعَفْتِ لِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الرِّزْقِ فَهُوَ فِي بَيْتِكِ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْتُهُ وَ قَبَضْتُهُ، فَادْخُلْ بِأَهْلِكَ مَتَى شِئْتَ، فَبَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَهُ مِنْ أَقَرِّ النَّاسِ عَيْناً وَ أَحَبِّهِمْ إِلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ.

وَ أَصْبَحُوا مِنْ غَدِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدِمَ بَعْضُ حُسَّادِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى عَمِّهَا وَ قَالُوا: زَوَّجْتَ بِنْتَ أَخِيكَ بِغُلَامٍ فَقِيرٍ قَلِيلِ الْمَالِ؟

فَأَقْبَلَ عَمُّهَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ نَادِماً، وَ قَدْ بَلَغَ أَبَا طَالِبٍ نَدَامَتُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّ الْمَالَ يَأْتِي وَ يَذْهَبُ، وَ قَدْ رَأَيْنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَرَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَ رِزْقاً حَسَناً وَاسِعاً، وَ قَدْ بَلَغَ خَدِيجَةَ ذَلِكَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا وَ هُوَ نَادِمٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ لَا تَتَّهِمْنِي فِي نَفْسِكَ، مَا زَوَّجْتَهُ أَنْتَ، بَلِ اللَّهُ زَوَّجَهُ، فَهُوَ مِمَّنْ عَرَفْتَ شَرَفَهُ وَ كَرَمَهُ وَ أَمَانَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: نَعَمْ، صَدَقْتَ هُوَ كَمَا تَقُولِينَ وَ أَفْضَلُ، وَ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ، قَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ إِنِّي مَا قَدِمْتُ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَ قَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي مَا رَأَيْتُ، وَ رَأَى ذَلِكَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ مَعِي، قَالَ: مَا الَّذِي رَأَيْتَ وَ رَأَيْنَ؟ قَالَتْ: قَدْ أَقْبَلَ مِنْ تِجَارَتِيَ الَّتِي أَنْفَذْتُهُ بِهَا مُبَشِّراً بِالْأَرْبَاحِ الَّتِي رَزَقَنِيَ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ وَ أَنَا جَالِسَةٌ، فِي الْمَنْظَرَةِ فَرَأَيْتُهُ مُقْبِلًا فَرْداً وَ عَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ تَسِيرُ بِمَسِيرِهِ، وَ تَقِفُ بِمَوْقِفِهِ، وَ تُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ، وَ رَأَيْنَا رِجَالًا بِأَجْنِحَةٍ لَا بِأَيْدٍ مِنْ حَوْلِهِ وَ مِنْ فَوْقِهِ يَسِيرُونَ بِمَسِيرِهِ وَ يَكْنُفُونَهُ وَ يُرَفْرِفُونَ عَلَيْهِ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّهْلِيلِ وَ التَّمْجِيدِ وَ التَّقْدِيسِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَهَذَا مَا رَأَيْتُ وَ نِسَاءَ قَوْمِي، وَ قُلْتُ لَهُنَّ: تَرَيْنَ هَذَا الرَّجُلَ الْكَرِيمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْعَظِيمَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ، الَّذِي أَظَلَّهُ بِالْغَمَامِ وَ حَفَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ؟ إِلَى أَنْ قَرُبَ مِنِّي فَتَبَيَّنْتُهُ فَرَأَيْتُهُ‏

54

مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَ رَأَى نِسَاءُ قَوْمِي فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَا عَمِّ رَغِبْتُ فِيهِ، وَ عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ شَأْناً عَظِيماً، وَ يَؤُولُ إِلَى نُبُوَّةٍ وَ رِسَالَةٍ فَسُرَّ عَمُّهَا وَ خَرَجَ وَ قَالَ: يَا خَدِيجَةُ اكْتُمِي هَذَا الْأَمْرَ، وَ لَا تُظْهِرِيهِ، وَ لَا تَذْكُرِي شَيْئاً مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلَائِكَةِ فَتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ فَتَقْتُلَهُ، وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، وَ قَالَتْ:

اكْتُمْ أَنْتَ ذَلِكَ يَا عَمِّ فَإِنَّهُ قَدْ بَاتَ عِنْدِي وَ دَخَلَ بِأَهْلِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَكَرَهُ الْعَمُّ وَ عَرَفَ فَضْلَهُ‏

فَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام).

8

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ حَمْدَانَ بْنِ الْخَصِيبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ، قَالَ:

كُنَّا بِالْعَسْكَرِ وَ نَحْنُ مُرَابِطُونَ لِمَوْلَانَا أَبِي الْحَسَنِ وَ سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ: لَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ دِينَهُ، وَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى اللَّهِ، كَانَتْ بَقَرَةٌ فِي نَخْلِ بَنِي سَالِمٍ، فَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَقَرَةُ وَ آذَنَتْ بِاسْمِهِ، وَ أَفْصَحَتْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ- فِي جَمِيعِ آلِ ذَرِيحٍ- فَقَالَتْ: يَا آلَ ذَرِيحٍ، صَائِحٌ يَصِيحُ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ حَقّاً.

فَأَقْبَلَ آلُ ذَرِيحٍ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَآمَنُوا بِهِ وَ كَانُوا أَوَّلَ الْعَرَبِ إِسْلَاماً وَ إِيَماناً وَ طَاعَةً لِلَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ لِرَسُولِهِ.

9- وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ:

تَكَلَّمَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَقَرَةٌ، وَ هِيَ كَانَتْ فِي نَخْلِ آلِ بَنِي سَالِمٍ فَصَاحَتْ لآِلِ ذَرِيحٍ:

الذِّئْبُ، وَ هُوَ الَّذِي أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَشَكَا إِلَيْهِ الْجُوعَ فَدَعَا النَّبِيُّ بِالرُّعَاةِ، فَقَالَ: افْتَرِضُوا لَهُ شَيْئاً، فَخَشُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لِلذِّئْبِ: اخْتَلِسْ مَا تَجِدُ، فَصَارَ الذِّئْبُ يَخْتَلِسُ مَا يَجِدُ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليه السلام): وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ كَانُوا فَرَضُوا لِلذِّئْبِ مَا زَادَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَ أَمَّا الْجَمَلُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، كَانَ جَالِساً