فدك و العوالي أو الحوائط السبعة في الكتاب و السنة و التاريخ و الأدب‏

- السيد محمد باقر الحسيني الجلالي‏ المزيد...
626 /
5

دليل الكتاب‏

الباب الأول: فدك في أملاك الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) 17

الباب الثاني: العوالي أو الحوائط السبعة 37

الباب الثالث: التعريف بفدك 75

الباب الرابع: فدك في الحديث الشريف 115

الباب الخامس: فدك في آيات القرآن نحلة لفاطمة (عليها السلام) 133

الباب السادس: فدك في التاريخ 157

الباب السابع: فدك في السيادة الإسلامية 233

الباب الثامن: محكمة فدك 249

الفصل الأوّل: دعوى النحلة 256

الفصل الثاني: المؤاخذات على ردّ النحلة 289

الفصل الثالث: النحلة في كلمات الأعلام 351

الفصل الرابع: الدعوى الثانية: الإرث 376

الفصل الخامس: مناقشة حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» 395

الفصل السادس: الدعوى الثالثة «الخمس» 525

الباب التاسع: فدك في الخطبة التاريخية للصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) 547

الباب العاشر: ظلامة الزهراء (عليها السلام) في الأدب و التراث 653

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كلمة المؤتمر

إن مؤسسة كتاب الولاية السنوي، يتزامن هذه السنة (1384) مع مؤتمر التراث العلمي لسيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) و القائمون على المؤتمر قاموا باستكتاب عام لذوي الخبرة من الكتّاب و المحققين، حول ما يرتبط بها (عليها السلام) من سيرة أو معارف و آدوار سياسية، ليشتركوا في إحيائها بمؤلفاتهم و مقالاتهم، فتوالت على إدارة المؤتمر بشكل غزير.

و من ذلك «كتاب فدك و العوالي أو الحوائط السبعة» تأليف الفاضل المحقق السيد محمّد باقر الحسيني الجلالي.

و قد انتخبه المحققون و المحكّمون باعتباره خير ما كتب في هذا الموضوع، و اعتبروه جامعا لما يدور حوله من بحوث و مطالب. و لذا قسمنا بنشر هذا الكتاب.

إن إدارة المؤتمر تقدم شكرها الوافر إلى فضيلة المؤلف الجليل.

و نطلب من اللّه تعالى له التمنيات للازدهار و السعادة، و نرجو أن يقوم بخطوات واسعة في سبيل العلم و التحقيق.

و السلام‏

8

الأهداء

إلى من علّمني و لاء محمّد و آل محمّد، فاطمة و بعلها و بنيها (عليهم السلام).

إلى الذي قضى شهيدا تأسّيا بجدّه الحسين (عليه السلام)، في عطشه و مقتله، و تشييعه و دفنه.

إلى المعذّب في زنزانات الحكم الكافر، و المقطّع في سبيل اللّه إربا إربا.

إلى العلّامة المجاهد الحجّة آية اللّه والدي الشهيد السعيد المظلوم‏

السّيّد محمّد تقيّ الجلاليّ‏

أهدي هذا الكتاب، راجيا من اللّه تعالى أن يتغمّده برحمته و رضوانه، و عفوه و إحسانه.

المؤلّف‏

9

المقدّمة

الحمد للّه ربّ العالمين.

و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين، الصادق الأمين، المبعوث رحمة للعالمين.

و على الأئمّة المعصومين من آله الطيبين الطاهرين، السادة الهداة، و القادة الحماة، الذين فرض اللّه ولايتهم، و قرن بطاعته طاعتهم، و جعل أجر الرسالة مودّتهم. و الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهّرهم تطهيرا.

10

و بعد: فإنّ الحديث عن آل محمّد (عليهم السلام) ذو شجون، فذكرهم يحيي القلوب، لما لهم من فضائل و مقامات، و فواضل و كرامات، فحديثهم نور، و أمرهم رشد، و هم أقرب الطرق إلى جدّهم المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)، فهم أدرى بما عنده، لأنّهم أهل بيته، و موضع سرّه في أمّته، سيّما أمّهم الطهرة الطاهرة، و الدرّة الفاخرة، سيّدة النساء، و ابنة خير الأنبياء، و حليلة أفضل الأوصياء، و أمّ الأئمّة النجباء، فاطمة الزهراء صلوات اللّه و سلامه عليها.

فهي ابنة الرسول و حبيبته، و الوحيدة التي خلّفها في أمّته، حيث مثّلته في نوره و خلقه، و أدبه و منطقه، فكانت الامتداد لوجوده الذي تجسّد فيها، و في ذرّيتها و بنيها.

و حيث إنّ اللّه تعالى قد اجتباهم، و حباهم بما به حباهم، و فضّلهم على من سواهم، كان الحديث عنهم ذو أشجان، و مآسي و أحزان، لما حلّ بهم بعد جدّهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، من البلاء و المصائب، و الآلام و المتاعب، فلم يمض نصف قرن- خمسون عاما- على وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، إلّا و هم كلّهم قد مضوا بين شهيد و مسموم و مذبوح، فقد قتل علي (عليه السلام) في محرابه، و سمّ الحسن (عليه السلام) في كبده، و ذبح الحسين (عليه السلام) من وريده!!

و أمّا أمّهم فاطمة (عليها السلام) فلم تمض فترة طويلة على وفاة أبيها حتّى قضت (بعد خمسة و سبعين يوما فقط) مهضومة، شاكية، ثمّ باكية، واجدة، غضبى!.

لماذا؟

و ممّاذا؟

إنّ الأحداث التي توالت منذ أن أغمض الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عينيه، و لمّا يقبر جسده الشريف، و حتّى وفاة ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها، لهي من أصعب الحوادث و آلمها على الإسلام، و على آل البيت (عليهم السلام)، و من أسوأها على‏

11

التاريخ الإسلامي كلّه.

و لقد برزت فيها أمور رهيبة! و قضايا غريبة!:

فمن جهة ترك جمع من المسلمين جثمان نبيّهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و راحوا يخطّطون لنيل مقام الخلافة و الإمارة من بعده، و هذا من أسوأ الأحداث و أخزاها على المسلمين!

و من جهة أخرى تعرّضوا لحقّ الزهراء (عليها السلام)، وحيدة الرسول، و تريكة صاحب الوحي، فاستولوا على إرثها من أبيها، و على ما نحلها في حياته، و على ما فرضه اللّه تعالى لها من الخمس في كتابه، و غيرها من حقوق شرعية.

و لقد تصدّت سلام اللّه عليها لذلك الاعتداء بقوّة، و احتجّت على أولئك بكلّ شدّة، معلنة عن حقّها بالآيات القرآنية، و الأدلّة القاطعة، و البراهين الساطعة، من سنّة أبيها، و شهادة بعلها و بنيها صلوات اللّه عليهم، فكان لما قامت به أثر عظيم في جهات:

1- الكشف عن واقع أولئك الذين اشتغلوا بالتآمر على دولة الإسلام، للاستيلاء على مقام الخلافة، مع جهلهم بأحكام القرآن، و أصول شريعة الإسلام، و من أوضحها حقّ الإرث.

2- تزييف كثير من الأقنعة التي تستّرت وراء صحبة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و تترّست بالتديّن و الدعوة الإسلامية.

ولكنّهم كانوا ممّن قال اللّه تعالى فيهم: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏.

3- أثبتت بمواقفها البطولية أنّ الحقّ لابدّ أن يقام في أهله، و هم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله):

الأئمّة الأبرار، و السادة الأطهار، و العلماء الفضلاء، و الهداة التقاة، الذين نطق القرآن بعصمتهم، و أوجب على الأمّة مودّتهم، إذ كانوا هم الأقرب نسبا، و الأطهر

12

قلبا، و الأعلى شأنا و مقاما، و الأصفى إيمانا و إسلاما، لاتّصالهم بالنبوّة، و شرف البنوّة و الأخوّة.

و أن يستبعد من مقام الولاية و الخلافة و الإمامة من لا حسب له و لا نسب، و لا علم و لا دين، و لا ورع و لا يقين.

فكان هذا من أعظم ما أعلنته الزهراء في مواقفها، و أكرم ما قدّمته إلى الأمّة في أجيالها.

و لقد بقيت صرختها تدوّي في تأريخ الإسلام، و يرنّ صداها في مسامع الجائرين و الظالمين:

«يابن أبي قحافة! أفي كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي»؟!

ثمّ أعلنت عن ظلامتها قائلة: «أيّها المسلمون! أ أغلب على إرثيه»؟!

فكان موقفها هذا أعظم بركة على الإسلام، من مواقف جميع من جاء بعدها.

و لقد استمرّ الأئمّة الأطهار من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) على هذا الخطّ، و انتهجوا هذا السبيل، فظلّوا و لا زالوا يضحّون فيه، و يجاهدون من أجله، و لم يتراجعوا عنه خطوة.

و قد كان منطلق الزهراء سلام اللّه عليها في جهادها و جهودها هو «فدك» تلك الأرض التي نحلها اللّه تعالى لها، و قدّمها إليها الرسول أبوها، لتكون منطلقا لكلّ ذلك الخير، و منبعا لكلّ تلك النتائج و الآثار.

لقد جعلت الزهراء سلام اللّه عليها من «فدك» دعامة لعملها و احتجاجاتها، لا كقطعة أرض بل كميدان كفاح، و معسكر جهاد، و حصن للعقيدة.

و هكذا بقيت «فدك» محلّ عناية و رعاية و حديث و أشجان لآل محمّد (عليهم السلام)

13

طول التاريخ، إذ صارت رمزا لظلامتهم، و طريقا لإثبات إمامتهم، حتّى قال السيّد ابن طاوس (ت 664 ه): ما زلت أسمع علماء أهل البيت (عليهم السلام) يتألّمون بأخذ فدك من أمّهم، و قد وقفت على كتب لهم، و روايات كثيرة عن سلفهم، حتّى أنّهم يراعون حفظ حدود «فدك» كما يراعي المظلوم حفظ حدود ضيعته و ملكه إذا غصب منه‏ (1).

فليس ذكر «فدك» بعد، حديثا لأرض وضيعة، بل ساحة لإعلان الظلامة، و صراخا على ظلم التاريخ و أهله، و استنصارا للحقّ و ذويه.

و قد أصبحت «فدك» غصّة في حلق تاريخ الإسلام، شرق بها الغاصبون، و لم يعتصروا بماء الصحبة، و لا بمبرّرات الردّة، و لن يغسل عار ذلك و لا شناره أيّ عذر أو نذر.

كيف؟! و قد ماتت الزهراء و هي واجدة على المبتزّين!!

و لقد استمرّت مأساة «فدك» في مؤلّفات العلماء منذ القدم، و لا تزال، تدكّ أذن التأريخ و أهله بالحقائق و الأحداث، لتبقى «فدك» صرخة مدوّية تحقّق أهدافها، و تعطي ثمارها، و الزهراء مطلّة على المستقبل، حاملة لواء الحقّ كما حملته منذ أوّل يوم.

أهداف الكتاب:

و بالرغم من اعتزازنا بما ألّفه العلماء في هذا الموضوع الخطير المهمّ، فإنّي وجدت لزوم المتابعة فيه:

1- لما مرّ من أنّ «فدك» كانت و لا تزال منطلق الإعلان عن الحقّ و إظهار الحقيقة، و كشف الأقنعة المزيّفة، و هتك الأستار المسدولة على الأكاذيب التي‏

____________

(1) الطرائف: 252.

14

غيّرت مسير الإسلام، و سوّدت تاريخه.

و استمرارا على أهداف الزهراء من إثاراتها و متابعتها في أهدافها السامية.

2- تصحيح ما وجدته قد وقع لبعض الكتّاب من الخلط في أمور ترتبط بفدك، و إبطال ما تمشدق به بعض من ينظر إلى ما قيل من النفخ في الجلود البالية، و تبرير ظلمهم و أذاهم لسيّدة النساء و حبيبة سيّد الأنبياء فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها.

و لقد بذلت الوسع في استقصاء البحوث من جذورها، و توضيح الأمور بكلّ ما يحيط بها، معتمدا قدر الإمكان أهمّ المصادر و أقواها، سيّما فيما يرتبط بالاحتجاجات و المناقشات مع المعارضين، فقد اعتمدت مصادرهم و كتبهم ليتمّ إلزامهم بها.

و استوعب العمل كلّ ما يرتبط (بفدك) ممّا جاء في الكتاب الكريم، و السّنّة الشريفة، و التأريخ الإسلامي، و الأدب الرفيع الهادف.

و أحمد اللّه عزّ و جلّ حمدا كما هو أهله، و أشكره على توفيقه و منّه، و أخصّ بالشكر من كانت له يد في إكمال هذا الكتاب.

و أملي وطيد أن يقع هذا الجهد موقع قبول الصدّيقة الطاهرة جدّتي فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها، علّه يلأم بعض آلام قلبها المهضوم، و أرجو منها الشفاعة في الدنيا و الآخرة، و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و صلّى اللّه على محمّد و آله الأطهار.

المؤلّف الثامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام 1425 ه (يوم الغدير الأغر)

15

روى صدر الأئمّة أخطب خوارزم الموفّق بن أحمد المالكي، قال:

و ممّا سمعت في المفاريد بإسنادي عن ابن عبّاس قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا عليّ، إنّ اللّه زوّجك فاطمة و جعل صداقها الأرض، فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما»

دلائل الصدق: 3/ 579

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الباب الأوّل فدك في أملاك الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

أملاك الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أو تركة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

لم تكن (فدك) الأرض الوحيدة، أو الملك الوحيد الذي كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّما كانت واحدة من ممتلكات كثيرة ثبتت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمختلف الحقوق.

فقد نصّ المؤرّخون على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يملك- ما عدا فدك- من الضياع و العقار و الأموال الشي‏ء الكثير، و كلّها انتقلت لابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) بحقّ النحلة و الإرث.

و للتعرّف على هذه الممتلكات التي ثبتت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نذكر هنا ثلاث طوائف من الأخبار ثمّ نشرع في بيانها و تفصيلها:

(1)

قال القاضيان الماوردي (ت: 450 ه) و أبو يعلى الحنبلي (ت: 458 ه): في بيان ما تملّكه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمختلف الحقوق و الأسباب:

صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي أخذها بحقّيه، فإنّ أحد حقّيه الخمس من الفي‏ء و الغنائم، و الحقّ الثاني: أربعة أخماس الفي‏ء الذي أفاءه اللّه على رسوله ممّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل و لا ركاب ....

فأمّا صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فهي ثمانية:

إحداها: و هي أوّل أرض ملكها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من وصية مخيريق اليهوديّ، من أموال بني النضير (و تسمّى هذه الأرض بالعوالي أو الحوائط السبعة).

20

و الصدقة الثانية: أرضه من أموال بني النضير بالمدينة، و هي أوّل أرض أفاءها اللّه على رسوله.

و الصدقة الثالثة و الرابعة و الخامسة: ثلاثة حصون من خيبر، فتحت صلحا لا عنوة.

و الصدقة السادسة: النصف من فدك‏ (1).

و الصدقة السابعة: الثلث من وادي القرى، لأنّ ثلثها كان لبني عذرة، و ثلثاها لليهود، فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نصفه، فصارت أثلاثا: ثلثها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو صدقاته، و ثلثها لبني عذرة، إلى أن أجلاهم عمر.

و الصدقة الثامنة: موضع سوق بالمدينة يقال له: مهزور (2).

(2)

و ذكر القاضي عياض (ت: 544 ه) في شرحه على صحيح مسلم، في بيان ما تملّكه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بحقوقه المختلفة و منشئه، قال: إنّ صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صارت إليه بثلاث حقوق:

الأوّل: ما وهب له، و ذلك وصيّة مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد، و كانت له سبع حوائط في بني النضير.

و ما أعطاه الأنصار من أرضهم، و هو ما لا يبلغه الماء، و كان ملكا له (صلّى اللّه عليه و آله).

الثاني: (أ): حقّه من الفي‏ء من أرض بني النضير حين أجلاهم، و كانت له خالصة، لأنّها لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

____________

(1) أقول: سيأتي التفصيل في أنّ الذي ملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من فدك هل هو النصف أو الكلّ، و أنّ الأصحّ هو الثاني، و أنّ منشأ القول بالنصف هو وقوع الصلح على بقاء اليهود مقابل نصف الحاصل.

(2) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 197- 201، و الأحكام السلطانية للماوردي: 168- 171.

21

و أمّا منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل، غير السلاح‏ (1)، كما صالحهم، و قسّم الباقي بين المسلمين، و كانت الأرض لنفسه، و يخرجها في نوائب المسلمين.

(ب): و كذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد ما فتح خيبر على نصف أرضها، و كانت أيضا خالصة له.

(ج): و كذلك ثلث وادي القرى، أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود.

(د): و كذلك حصنان من حصون خيبر و هي: الوطيح و السلالم، أخذهما صلحا.

الثالث: سهمه من خمس خيبر، و ما افتتح به عنوة.

فكانت هذه كلّها ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة لا حقّ فيها لأحد غيره‏ (2).

(3)

و قال الحافظ أبو عبيد في كتاب- الأموال- باب صنوف الأموال: أوّل ما نبدأ به من ذكر الأموال: ما كان منها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خالصا دون الناس، و ذلك ثلاثة أموال:

(أوّلها): ما أفاء اللّه على رسوله من المشركين ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، و هي:

____________

(1) لقد أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحملوا السلاح و الدروع، و كان ذلك حكما سياسيا منه (صلّى اللّه عليه و آله) لأنّه لم يكن من المستبعد أن تقوم هذه الزمرة بعد خروجها من قبضة المسلمين على تحريك العرب و المشركين ضدّ الإسلام و المسلمين على نحو ما فعلوا من قبل في وقعة الخندق، فجرّدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من السلاح و الدروع لئلّا تهدّد المجتمع الإسلامي مرّة أخرى بأخطار وفتن.

و لعلّ المسلمين كانوا بحاجة إلى هذه العدّة الجاهزة لما يحوطهم من أخطار.

(2) شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 82، باب حكم الفي‏ء في كتاب الجهاد.

22

فدك، و أموال بني النضير، فإنّهم صالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أموالهم و أراضيهم بلا قتال كان منهم، و لا سفر تجشّمه المسلمون إليهم.

(و المال الثاني): الصفيّ الذي كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصطفيه من كلّ غنيمة يغنمها المسلمون قبل أن يقسّم المال.

(و الثالث): خمس الخمس بعد ما تقسّم الغنيمة و تخمّس‏ (1).

و للتعرّف على ما تقدّم يحسن بنا شرح بعض ما ذكره القضاة الثلاثة:

[1] قولهم «صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» فإنّ علماء الجمهور و مؤرخيهم اصطلحوا على تسمية كلّ ما تركه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من ضياع و عقار ... بالصدقات استنادا إلى ما زعمه أبو بكر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: ما تركناه صدقة!!

و لم يثبت عند أحد من المسلمين أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تصدّق بها إلّا من طريق أبي بكر الذي تفرّد بما رواه؟ نعم ثبت بالإجماع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) تصدّق ببعضها على ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، كفدك، و الحوائط السبعة.

[2] و أمّا ما ذكروه من أملاك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فإليك شرحها و منشأ تملّكه إيّاها:

أ- ما وهبه له مخيريق: فقد كان مخيريق أيسر بني النضير، و كان من أحبار اليهود، و أعلم علمائها بالتوراة، و لمّا هاجر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة و نزل (قبا) أقبل إليه مخيريق و أسلم على يديه بعد أن قرأ صفته في التوراة.

و لمّا صارت واقعة أحد قال لقومه: «يا معشر اليهود! و اللّه إنّكم لتعلمون أنّ محمّدا نبيّ، و أنّ نصره عليكم لحقّ».

قالوا: إنّ اليوم يوم السبت!

قال: لا سبت، ثمّ أخذ سلاحه، ثمّ حضر مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فأصابه القتل، فقال‏

____________

(1) كتاب الأموال لأبي عبيد: باب صنوف الأموال التي يليها الأئمّة للرعيّة.

23

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «مخيريق سابق اليهود».

و قد كان مخيريق حين خرج إلى أحد قال: إن أصبت فأموالي إلى محمّد.

و كانت أمواله حوائط سبعة، و هي العواف و الصافية، و الدّلال، و الميثب، و البرقة، و الحسنى، و مشربة أمّ إبراهيم التي كانت تسكنها مارية جارية النبي (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

و تفصيل قصّة هذه الحوائط في وفاء الوفا، و كتابي الأحكام السلطانية للماوردي و لأبي يعلى، و الاكتفاء (2).

و هذه الحوائط السبعة هي التي سمّيت: صدقة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، كما في رواية عائشة، و غيرها، و ستأتي الإشارة إليه في بابه.

و كانت هذه الحوائط ممّا طالبت بها الصدّيقة الكبرى من أبي بكر تارة بالنحلة و أخرى بالإرث، فدفعت عنها، و كان ذلك مشفوعا بدعوى فدك.

ب- ما وهبه الأنصار من أرضهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): عن ابن عباس، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا قدم المدينة جعلوا- الأنصار- له كلّ أرض لا يبلغها الماء يصنع بها ما يشاء.

ج- أرض بني النضير (3): أفاءها اللّه تبارك و تعالى على رسوله، لمّا

____________

(1) سيأتي تفصيل هذه الحوائط في الباب الثاني.

(2) وفاء الوفاء: 944- 988، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 183، و الماوردي: 169، و الاكتفاء: 2/ 103، و الطبقات و الإمتاع و مغازي الواقدي و الإصابة و غيرها ....

(3) هم إحدى القبائل العربية اليهودية التي استوطنت المدينة في الجاهلية، و تفصيله:

كان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود و هم: بنو النضير، و بنو قريظة، و بنو قينقاع، و لم يكونوا من العرب، إلّا أنّهم قرأوا في كتبهم أنّ نبيّ آخر الزمان يكون مبعثه من مكّة و مهاجره في المدينة (يثرب)-

24

____________

- فهاجروا إلى يثرب ليدركوا ذلك النبي و يسلموا، فنزلوا في عالية المدينة و هي منطقة العوالي جنوب شرقي المدينة المنوّرة، و بنوا لهم حصونا منيعة سكنوا فيها.

فكانوا إذا خرجوا إلى الحرب توسّلوا إلى اللّه بالنبيّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و ذلك قبل ولادته، يقولون: «اللهمّ افتح علينا بحقّ النبيّ الأمّي المبعوث فينا» و إليه يشير قوله تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ‏ البقرة: 89.

فكانوا يكوّنون أقلّية قليلة في المدينة، و لم يكن لهم ذكر فيها، إلّا أنّهم كانوا يمسكون بأزمّة التجارة و الاقتصاد.

فلمّا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هاجر إلى المدينة، كان اليهود- الطوائف الثلاثة- قد همّوا بالإسلام و الإيمان به خصوصا بعد معركة بدر حينما رأوا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تردّ له راية كما هو منعوت في كتبهم.

إلّا أنّه لمّا حدثت معركة أحد و انهزم المسلمون و انكسروا، شكّ اليهود في نبوّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قالوا: لو كان نبيّا حقّا لما هزم. و كان ذلك حسدا منهم، لكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من العرب، من ولد إسماعيل (عليه السلام)، و ليس من ولد إسحاق (عليه السلام).

ثمّ شرعوا بالأعمال التخريبية ضدّ الإسلام.

و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حينما قدم المدينة عقد معهم ثلاث معاهدات سلمية، و كان من أهمّ بنودها: «أن لا يعينوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا على أحد من أصحابه بلسان و لا يد و لا سلاح و لا كراع في السرّ و العلانية، لا بليل و لا نهار، اللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حلّ من دمائهم و سبي ذراريهم و نسائهم و أخذ أموالهم» ثمّ وقّع عليها رؤساء الأطراف الثلاثة.

إلّا أنّه لم تمض مدّة طويلة حتّى نقض اليهود العهد بسبب الجرائم الشنيعة التي ارتكبوها ضدّ الإسلام و المسلمين.

أمّا بنو قينقاع فتعرّضوا لحرمة امرأة من المسلمين، و حدث نزاع بين اليهود و بين المسلمين، و قتل رجل من المسلمين، فسار إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حاصرهم، حتّى قذف اللّه الرعب في قلوبهم و نزلوا على حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فصادر أموالهم، و أسلحتهم، و طردهم من المدينة، فلحقوا بأذرعات الشام، و كان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.-

25

____________

- و أمّا بنو النضير: فغدروا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و همّوا بقتله غيلة، و ذلك حينما مشى إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في جماعة من أصحابه يستعين بهم على دية رجلين قتلا خطأ، فطلبوا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن ينزل عندهم، فجلس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مستندا إلى جدار من بيوتهم، فخلا بعضهم إلى بعض يتناجون و يتهامسون، فأحسّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بشرّ في ذلك الأمر الذي يدعو إلى الشكّ و الذي رافقته حركات مشبوهة.

فقد قرّر سادة اليهود- حينما جلس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عندهم- أن يتخلّصوا منه باغتياله، فطلبوا من أحدهم و هو «عمرو بن حجاش» أن يعلو على البيت الذي استند إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيلقي عليه صخرة تقتله، فنزل الوحي و أخبر النبي بما همّوا به من الغدر، فنهض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مسرعا كأنّه يريد حاجة، و توجّه إلى المدينة دون أن يخبر أصحابه الذين أتوا معه، و بقي أصحابه ينتظرون قدومه دون جدوى، فندمت اليهود على ما صنعت، و اضطربت، و أصابتها حيرة شديدة، خوفا من اطّلاع الرسول على ما همّت به، و نهض أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و رجعوا إلى المدينة، و حينما دخلوا على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قالوا: يا رسول اللّه قمت و لم نشعر؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «لقد همّت اليهود بالغدر بي فأخبرني اللّه بذلك فقمت».

فأمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين أن يتهيّأوا للحرب، و أرسل إليهم يقول: «قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر، اخرجوا من بلادي، فقد أجّلتكم عشرا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه».

فأبوا ذلك، و حاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستّ ليال، على رواية السيرة الحلبية: 2/ 191، ثمّ أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقطع النخيل المحيطة بحصون اليهود لييأسوا من البقاء في المدينة ما دامت نخيلهم قد قطعت.

ثمّ رضخ اليهود لمطلب النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و سألوه أن يجليهم على أن يكفّ دماءهم، و تكون لهم ما حملت الإبل من الأموال إلّا السلاح و الدروع، فرضي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك، و خرجوا من المدينة بالذلّ و الهوان، و كان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة.

و بقي بنو قريظة، حتّى جاءت السنة الخامسة، و هجمت العرب هجمة واحدة على المدينة في معركة الأحزاب، فعاونتهم بنو قريظة لضرب المسلمين من الداخل، و خانوا العهد، بعد جهود حثيثة قام بها زعماء الأحزاب، ولكن اللّه تعالى خذل الأحزاب فولّت هاربة مرعوبة فزعة من مقتل زعيمها عمرو ابن عبد ودّ العامري، وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏ بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، و لم يضع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سلاحه حتّى نادى مناديه «ألا من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلّا في بني قريظة» و تقدّم جيش-

26

أجلاهم منها في السنة الرابعة من الهجرة، فقال له عمر: ألا تخمّس ما أصبت؟

فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا أجعل شيئا جعله اللّه لي دون المسلمين، بقوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ‏ (1).

و قد أجمع علماء السير، و التفسير و الحديث، على أنّ أراضي بني النضير كانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينفق منها على أهل بيته‏ (2)، و يهب منها لمن يشاء (3).

و قد قسّم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دورها بين المهاجرين دون الأنصار، إذ كان المهاجرون‏

____________

- الإسلام بقيادة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و علي بن أبي طالب، لاستئصال آخر و كر لليهود في المدينة المنوّرة.

و نشبت الحرب بين المسلمين و بين يهود بني قريظة، و جعل اليهود يشتمون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتّى استسلموا، فطلبوا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخرجهم من المدينة كما فعل بمن قبلهم، فأبى رسول اللّه و قال:

«لا، إلّا أن تنزلوا على حكمي».

و أخيرا طلبوا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحكّم فيهم سعد بن معاذ، فقبل، و جاء سعد فحكم فيهم: بقتل الرجال، و سبي النساء، و الذراري، و أخذ الأموال، و بذلك تمّ تطهير المدينة من شرّ اليهود الخونة، و سقط آخر و كر للفساد في المدينة/ السيرة الحلبية: 2/ 234، تاريخ الطبري: 2/ 245، زاد المعاد: 2/ 73، إمتاع الأسماع: 1/ 243 ...

(1) الحشر: 7.

(2) ففي مسند أحمد: 1/ 25، و صحيح البخاري: 3/ 227، و صحيح مسلم: 5/ 151، و سنن الترمذي:

3/ 131، و سنن النسائي: 7/ 132، و سنن البيهقي: 6/ 296: عن عمر قال: كانت أموال بني النضير ممّا أفاء اللّه على رسوله ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنته.

(3) أقول: قد نصّ جميع المؤرخين و منهم الواقدي و البلاذري على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينفق من واردات مزارع بني النضير على أهل بيته و لما ينتابه، و هذا دليل على أنّ أرض بني النضير (دورها و ضياعها) بقيت على ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما ورد من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم دورها و ضياعها على المهاجرين فإنّما هو على وجه الإباحة لا التمليك، فتبقى هذه الأرض كلّها داخلة في دعوى الزهراء (عليها السلام) للإرث.

27

قد سكنوا دور الأنصار و لم تكن لهم دور طيلة السنوات الأربع التي قضوها في المدينة بعد الهجرة.

فرأى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم منازل بني النضير على المهاجرين الأوّلين الذين حرموا من ممتلكاتهم، و لم يصب أحد من الأنصار منها إلّا رجلان كانا محتاجين، و بذلك حصل الانفراج في أحوال المسلمين عامّة، و أعطى (سعد بن معاذ) سيف رجل من زعماء بني النضير و كان سيفا معروفا.

يقول المقريزي: فلمّا غنم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بني النضير، بعث ثابت بن قيس ابن الشماّس، فدعا الأنصار كلّها- الأوس و الخزرج- فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر الأنصار و ما صنعوا بالمهاجرين، و إنزالهم إيّاهم في منازلهم، و أثرتهم على أنفسهم، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«إن أحببتم قسّمت بينكم و بين المهاجرين ما أفاء اللّه عليّ من بني النضير، و كان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم و أموالكم، و إن أحببتم أعطيتهم و خرجوا من دوركم».

فقال سعد بن عبادة، و سعد بن معاذ: رضينا و سلمنا يا رسول اللّه.

فانتقل المهاجرون إلى دور بني النضير.

و كلّ هذه الحقوق التي كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انتقلت إلى الصدّيقة الكبرى بالإرث، فإنّه بعد ما ثبت أنّها كانت ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يثبت تصدّق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بها على أحد من الناس فقد انتقلت بعد موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ابنته الزهراء (عليها السلام) بحقّ الإرث.

د- أراضي خيبر (1): و كانت تشتمل على سبعة حصون منيعة، و مزارع‏

____________

(1) خيبر: الحصن بلسان اليهود، منطقة واسعة و خصبة، على يسار الخارج من المدينة إلى الشام، بينها-

28

و نخيل كثيرة، يقطنها عتاة اليهود الذين تحالفوا مع القبائل العربية- المشركين- لضرب الإسلام.

قصدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد عودته من الحديبية، حاصرهم في حصونهم، فكانوا يخرجون كلّ يوم عشرة آلاف مقاتل، حتّى تمّ فتح بعضها عنوة، و بعضها صلحا، فخمّس ما أخذه عنوة، و قسّم أربعة أخماسها بين المسلمين ممّن شهد خيبر من أهل الحديبية.

و لمّا فتحها أقرّ عليها اليهود يعملون فيها على النصف من حاصلها، إذ لم يكن له من العمّال من يكفيه عمل الأرض.

(خمس المفتوحة عنوة)

قال القاضي أبو يعلى: و كانت خيبر ثمانية حصون: ناعم، و القموص، و الشق، و النطاة، و الكتيبة، و الوطيح، و السلالم، و حصن الصعب بن معاذ.

و كان أوّل حصن فتحه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منها: ناعم ثمّ القموص ثمّ حصن الصعب بن معاذ، و كان أعظم حصون خيبر و أكثرها مالا و طعاما و حيوانا، ثمّ‏

____________

- و بين المدينة (32) فرسخا، سكنها اليهود منذ القدم، تضمّ سبع قلاع و حصون منيعة و هي: الناعم، القموص، الشقّ، النطاة، السلالم، الوطيح و الكتيبة.

قدّر عدد نفوسها عشرين الف نسمة، فيهم العدد الكبير من الأبطال و الشجعان: راجع السيرة الحلبية:

3، تاريخ الطبري: 2.

كانت النقطة الأولى و المركز المهمّ ليهود الحجاز، غزاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سنة سبع بألف و أربعمائة من جيشه، حاصرها مدّة شهر تقريبا، حتّى تمّ فتحها عنوة على يد بطل الإسلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و بعضها فتح صلحا.

قال صاحب اللمعة البيضاء: لها مزارع معمورة، و حصون موفورة: 295.

29

الشقّ، و النطاة، و الكتيبة، فهذه الحصون الستّة فتحها عنوة (1).

و أخرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خمسها، فكان سهم الخمس منها: حصن الكتيبة، للّه و لرسوله و لذي القربى، و بقيت البقية للمسلمين، فأقرّها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بيد اليهود على الشطر من حاصلها، فكان يقسّم ما يخرج منها بين المسلمين، حتّى كان في عهد عمر، فقسّم رقبة الأرض بينهم على سهامهم.

و في سيرة ابن هشام، و الاكتفاء، و غيرهما، و اللفظ للأوّل: كانت الكتيبة خمس اللّه، و سهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و سهم ذوي القربى، و المساكين، و طعم أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و طعم رجال مشوا بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل فدك بالصلح.

قال أحمد بن عبد الحميد العباسي في «عمدة الأخبار»:

الكتيبة: بلفظ كتيبة الجيش، و قال أبو عبيد: بالثاء المثلّثة، حصن من حصون خيبر، لمّا قسّمت خيبر كان القسم على: نطاة و الشق و الكتيبة، فكان النطاة و الشق في سهمان المسلمين، و كانت الكتيبة خمس اللّه، و سهم ذوي القربى، و اليتامى، و المساكين، و طعم رجال مشوا بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين أهل فدك‏ (2).

و في وفاء الوفاء: و خرجت الكتيبة في الخمس، فكانت ممّا ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من صدقاته‏ (3).

____________

(1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 200.

(2) عمدة الأخبار: 328.

(3) تقدّم أنّ العامّة اصطلحوا على تسمية كلّ ما تركه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من ضياع و أموال، بالصدقة، أخذا برواية أبي بكر الشاذّة: ما تركناه صدقة.

30

(ما فتح منها صلحا)

قال القاضي أبو يعلى: ثمّ افتتح الوطيح و السلالم، و هو آخر فتوح خيبر صلحا، بعد أن حاصرهم.

و ملك من هذه الحصون الثمانية: ثلاثة حصون: الكتيبة، و الوطيح، و السلالم.

أمّا الكتيبة فأخذها بخمس الغنيمة، و أمّا الوطيح و السلالم فهما ممّا أفاء اللّه عليه، لأنّه فتحها صلحا، فصارت هذه الحصون الثلاثة- بالفي‏ء و الخمس- خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

و في وفاء الوفاء: إنّ أهل الوطيح و السلالم صالحوا عليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فكان ذلك له خالصا.

و خرجت الكتيبة في الخمس، و هي ممّا يلي الوطيح و السلالم، فجمعت شيئا واحدا، فكانت ممّا ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من صدقاته، و هو يقضي أنّ بعض خيبر فتح عنوة، و بعضها صلحا، و به يجمع بين الروايات المختلفات في ذلك‏ (2).

(مجموع ما ملكه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر)

فتحصّل ممّا تقدّم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملك من خيبر هذه الأمور:

1- حصن الكتيبة، ملكه بالخمس، و هو خمس الحصون الخمسة المفتوحة عنوة كما تقدّم آنفا.

2- حصنا الوطيح، و السلالم، ملكهما بالفي‏ء، بعدما فتحتا صلحا، و ذلك لمّا

____________

(1) الأحكام السلطانية: 200.

(2) وفاء الوفاء: 1210.

31

فتح حصون خيبر عنوة و بقي هذان الحصنان، فأيقن اليهود فيها بالقتل، فأرسلوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه الصلح، ففعل، فكان هذان الحصنان خالصين لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليس لغيره فيها حقّ.

3- سهمه من الغنيمة، كرجل من المسلمين، فإنّ للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الغنيمة ثلاثة حقوق: الخمس، و سهمه كرجل من المسلمين، و الصفيّ.

4- الصفيّ، و هو ما يصطفيه من الغنائم قبل القسمة، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله) اصطفى من غنائم خيبر أمورا، منها: صفيّة بنت حييّ بن أخطب التي جاء بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

هذا أقلّ تقدير ملكه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر.

و ذكروا أكثر من ذلك، ففي فتوح البلدان، و كتاب الأموال: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم خيبر على (36) سهما، و جعل كلّ سهم مائة سهم، لرسول اللّه (18) سهما، و للمسلمين (18) سهما اقتسموها بين من حضر الحديبية، و لرسول اللّه مثل سهم أحدهم.

(ما شملته دعوى الصدّيقة فاطمة (عليها السلام))

و هذه الأملاك الثابتة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- بالخمس و الفي‏ء و الصفيّ- كلّها انتقلت للصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بحقّ الإرث، داخلة في مطالبتها بإرثها من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله).

و المصرّح به في الأخبار- كما عن عائشة- هو: خمس غنائم خيبر ففي الحديث: «أنّ الزهراء (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ما أفاء اللّه عليه، تطلب صدقة النبي بالمدينة، و فدك، و ما بقي من خمس خيبر».

و المقصود ب «صدقة النبي بالمدينة» هو الحوائط السبعة، و المقصود ب «ما بقي من خمس خيبر» هو أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطع من سهمه من خمس خيبر لبعض‏

32

المسلمين، فما بقي من حقّه من الخمس كان ممّا طالبت به الصدّيقة فاطمة (عليها السلام) علنا بحقّ الإرث.

و قد تقدّم أنّ خمس خيبر كان حصن الكتيبة كلّه.

فحقّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سهمه من الخمس، و ما ملكه بالفي‏ء، كلّه يعود إلى ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالإرث.

ه- فدك: مقاطعة يهودية بالقرب من خيبر، فتحت صلحا في السنة السابعة من الهجرة، ملكها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالفي‏ء فكانت خالصة له، فأنحلها ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) و سيأتي الكلام عنها مفصّلا، حول كيفية المصالحة، و مقدار ما وقع عليه الصلح، و كيفية انتقالها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و هذا الحقّ ممّا طلبته الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) تارة: بالنحلة و أخرى بالإرث، فدفعت عنهما.

و- وادي القرى‏ (1): وادي القرى: واد بين المدينة و الشام، ما بين تيماء (2)

____________

(1) كان آخر مركز من مراكز اليهود في الحجاز، على طريق الحاجّ من الشام، فتحه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في السنة السابعة بعد فتح خيبر، و عقد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد الفتح معاهدة مع أهله على غرار معاهدة خيبر، و بذلك طهرت أرض الحجاز من وجود اليهود، و قد جرّدهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من جميع أسلحتهم، و وضعهم تحت مراقبة المسلمين) تحفّظا من أعمالهم التخريبية ضدّ الإسلام.

قال ياقوت الحمويّ: فتحها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سنة سبع في جمادى الآخرة بعد خيبر، دعاهم إلى الإسلام فامتنعوا، فقاتلهم، ففتحها عنوة، و غنم أموالها، و خمّس ذلك، و ترك النخل و الأرض في أيدي اليهود، و عاملهم على نحو ما عامل أهل خيبر: 5/ 345.

(2) تيماء بليد من أطراف الشام، بينه و بين وادي القرى، على طريق الحاجّ من الشام و دمشق، و لمّا بلغهم وطؤ النبي وادي القرى أرسلوا إليه و صالحوه على الجزية، فأقاموا ببلادهم، و أرضهم بأيديهم، فلمّا أجلى عمر اليهود عن جزيرة العرب أجلاهم معهم: معجم البلدان: 2/ 67.

33

و خيبر.

و سمّي وادي القرى: لأنّ الوادي من أوّله إلى آخره مؤلّف من عدّة قرى منظومة، و فيه قرى كثيرة على طريق حاجّ الشام، و يسكنها اليهود.

(مجموع ما ملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من وادي القرى)

أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منصرفه من خيبر في جمادى الآخرة سنة سبع وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فامتنعوا، و قاتلوا، ففتحها عنوة، و غنّمه اللّه أموال أهلها، و أصاب المسلمون منها أثاثا و متاعا، فخمّس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك و ترك النخل و الأرض في أيدي اليهود، عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، و كان له منها- أيضا- الخمس.

قال القاضي أبو يعلى، و الماورديّ: كان له الثلث من وادي القرى، لأنّ الثلث كان لبني عذرة، و ثلثاها لليهود، فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نصفه فصارت أثلاثا، ثلثها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

ز- مهزور: الصدقة الثامنة: موضع بسوق المدينة يقال له: مهزور، استقطعها مروان من عثمان فنقم الناس عليه.

و كان مهزور واديا في العالية، سكنته بنو قريظة، و لعلّه اتّخذ سوقا بعد اتّساع المدينة.

و روى ابن أبي الحديد، قال: و تصدّق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بموضع سوق بالمدينة يعرف ب (مهزور) على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم‏ (1).

____________

(1) شرح نهج البلاغة: 1/ 198.

34

و قيل: اسمه مهروز، بتأخير حرف الزاي عن الراء المهملة.

قال أحمد بن عبد الحميد العبّاسي: مهروز، بتقديم المهملة على الزاي: موضع سوق بالمدينة كان تصدّق به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على المسلمين، قاله الزمخشري‏ (1).

____________

(1) عمدة الأخبار في مدينة المختار: 424.

35

(أملاك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من المنقولات)

إلى جانب كلّ ذلك كان للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أملاك أخرى من المنقولات، سوى العقار و الأرضين، وهب بعضها لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) و صار الباقي لفاطمة الزهراء (عليها السلام) بالإرث.

ففي البحار: قال الحسن الوشّاء: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): هل خلّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غير فدك شيئا؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خلّف حيطانا بالمدينة صدقة (1)، و خلّف ستّة أفراس، و ثلاث نوق:- العضباء، و الصهباء، و الديباج، و بغلتين:- الشهباء، و الدلدل. و حماره اليعفور، و شاتين حلوبتين، و أربعين ناقة حلوبا، و سيفه: ذا الفقار، و درعه ذات الفضول، و عمامته السحاب، و حبرتين يمانيتين، و خاتمه الفاضل، و قضيبه الممشوق، و فراشا من ليف، و عباءتين قطوانيتين، و مخّادا من أدم.

صار ذلك لفاطمة (عليها السلام)، ما خلا درعه و سيفه و عمامته و خاتمه، فإنّه جعله لأمير المؤمنين (عليه السلام) في حياته‏ (2).

____________

(1) لا يخفى: أنّ مراد الإمام (عليه السلام) بقوله: «صدقة» هو: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) تصدّق بها على فاطمة الزهراء (عليها السلام) أي أعطاها إيّاها و تركها لها، كما ثبت ذلك حيث أنّه أعطى فدكا و العوالي فاطمة الزهراء (عليها السلام) حينما نزل قوله تعالى: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ لا كما يدّعيه العامّة.

(2) بحار الأنوار: 29/ 210، كشف الغمّة: 1/ 496.

36

و في الخصائص: روى السيّد الشريف الرضي في خصائصه، بإسناده عن أبي محمّد، مرفوعا إلى الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: حدّثني أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: دعاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دعا الناس في مرضه، فقال: من يقضي عنّي ديني و عداتي، و يخلفني في أهل بيتي و أمّتي من بعدي؟

فكفّ الناس عنه، و ابتديت له و ضمنت له ذلك، فدعا لي بناقته العضباء، و فرسه المرتجز، و بغلته، و حماره، و سيفه ذي الفقار، و بدرعه ذات الفضول، و جميع ما كان يحتاج إليه في الحرب، و فقد عصابة كان يشدّ بها بطنه في الحرب، فأمرهم أن يطلبوها، و دفع ذلك إليّ، ثمّ قال: يا علي اقبضه في حياتي لئلّا ينازعك فيه أحد بعدي.

ثمّ أمرني، فحوّلته إلى منزلي‏ (1).

إلى هنا تجد أملاك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تركته العظيمة من الضياع و العقار و الأرضين و الأموال التي حواها بالخمس، و الهبة، و الفي‏ء، و الغنيمة.

فبعضها صارت للصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالنحلة و الهبة، و بعضها الآخر بالإرث.

و كان أعظم ما ملكه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هي: قرى فدك، التي أفاءها اللّه تعالى عليه صلحا بدون إيجاف خيل و لا ركاب.

و الحديث عن فدك طغى على بقيّة الحقوق التي صارت للصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لأهميّتها و عظمتها.

و الغرض من ذكر كلّ هذه الأمور هو: بيان ما طالبت به سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في دعواها: الإرث و النحلة.

____________

(1) خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 49، خصائص الأئمّة: 78.

37

الباب الثاني العوالي أو الحوائط السبعة

38

عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا أحدّثك بوصيّة فاطمة (عليها السلام)؟

قلت: بلى.

فأخرج حقّا أو سفطا، فأخرج منه كتابا فقرأه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله):

أوصت بحوائطها السبعة بالعواف، و الدلال، و البرقة، و المبيت- المثيب- و الحسنى، و الصافية، و مال أمّ إبراهيم، إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإن مضى عليّ فإلى الحسن، فإن مضى الحسن فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي، تشهد اللّه على ذلك و المقداد ابن الأسود و الزبير بن العوّام، و كتب علي بن أبي طالب».

وسائل الشيعة: 13/ 311- 312

39

1- العوالي في اللّغة

العوالي: جمع العالية، و العالية: هو أعلى الرمح، قال ابن الأثير في النهاية:

العالية ما يلي السنان من الرمح، و الجمع: العوالي.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفّين و هو يوصي أصحابه في وقت الحرب: ... من رائح إلى الجنّة كالظمآن يرد الماء؟ الجنّة تحت أطراف العوالي‏ (1).

قال المجلسي رحمه اللّه: قوله (عليه السلام): «تحت أطراف العوالي» يحتمل أن يكون المراد بالعوالي الرماح ... أو المراد منه السيوف التي تعلو فوق الرؤوس، أو من: علوته بالسيف أي ضربته، و يؤيّده قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «الجنّة تحت ظلال السيوف» (2).

و قال النجاشي يمدح عليا (عليه السلام) و أولاده:

رضينا بقسم اللّه إذ كان قسمنا * * * عليّ و أبناء النبيّ محمّد

و قلنا له أهلا و سهلا و مرحبا * * * نقبّل أيديه هوى و تودّد

فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * * * بصمّ العوالي و الصفيح المهنّد

2- العوالي في الشهرة العرفية:

العوالي في الشهرة العرفية جمع: العالية، و العالية هي ما فوق نجد إلى أرض تهامة (3).

____________

(1) نهج البلاغة: المختار: 121.

(2) بحار الأنوار: 33/ 456.

(3) قالوا: إنّ بلاد العرب التي نزلوها على خمسة أقسام: تهامة، و نجد، و الحجاز، و العروض، و اليمن.

أمّا نجد: فهي هضبة صحراوية في شبه الجزيرة العربية، و تضمّ: المدينة و الطائف و ما والاهما.-

40

و هي اليوم تطلق على الأراضي التي تقع في الجنوب الشرقي من المدينة المنوّرة، بأعلى المدينة، و لا زال هذا الاسم باقيا إلى يومنا هذا، و منطقة العوالي اليوم من أشهر مناطق المدينة و أقدمها.

قال في محيط المحيط: عالى الرجل معالاة: أتى عالية نجد، ما فوق نجد إلى أرض تهامة و قرى بظاهر المدينة، و النسبة إليها علويّ و عاليّ‏ (1).

قال في عمدة الأخبار: العالية تأنيث العالي، اسم لكلّ ما كان من جهة نجد من المدينة المنوّرة، من قراها و عمايرها إلى تهامة، و أمّا ما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة، و قال قوم: العالية ما جاوز الرّقّة إلى مكّة، أعلاها بلدا و أشرفها موضعا (2).

و في معجم المعالم الجغرافية: العالية إذا ذكرت في المدينة فهي: أعلاها من حيث يأتي وادي بطحان، و يطلق اليوم على تلك الجهات، العوالي جمع عالية (3).

و الحاصل: العوالي في الشهرة العرفية تطلق على الأراضي التي تقع في الجنوب الشرقي من المدينة المنوّرة، و تسمّى عالية المدينة، و هي من أشهر مناطقها.

3- الحوائط السبعة:

و هي سبعة ضياع و جنان و بساتين متفرّقة في المدينة المنوّرة في منطقة

____________

- و تهامة: أراضي السهل الساحلي الممتد من شبه جزيرة سيناء شمالا إلى أطراف اليمن جنوبا، و تضمّ:

مكّة و جدّة و صنعاء و نجران و البحرين و ما والاها من العروض .. راجع الروض المعطار: 188، معجم البلدان: 2/ 137.

(1) محيط المحيط: مادّة (علا).

(2) عمدة الأخبار في مدينة المختار: 364.

(3) معجم المعالم الجغرافية: 286.

41

العوالي، و في محلّة بني النضير (1)، و كانت من أجمل جنان المدينة و ضياعها، مليئة بالأشجار، كثيرة العيون و الأنهار، غنية بالمحصول و الثمار، و تسمّى أيضا:

«الحوائط السبعة» (2).

و هي التي سماّها العامّة (صدقة النبيّ في المدينة) و إنّما أطلقوا عليها اسم الصدقة استنادا إلى ما زعمه أبو بكر أنّه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ما تركناه صدقة.

فحكموا بكون جميع متروكات النبي صدقة، و الذي ثبت هو خلاف ذلك على ما سيأتي تفصيله.

4- العوالي جغرافيا:

أين تقع العوالي؟

تقع العوالي بأعلى المدينة، جنوب شرقها، على طريق هجرة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) من مكّة إلى المدينة، و بالقرب من مسجد قباء.

و كان للعوالي طريق خاصّ يخترق المدينة حتّى مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان من جملة أبواب المدينة «باب العوالي» و هو الباب الذي يسلك إلى نخيل العوالي، و كذلك من جملة أحيائها «حيّ العوالي»، و منه ينحدر شارع العوالي الذي يؤدّي إلى محلّة العوالي، و لم يزل هذان الاسمان «باب العوالي و حيّ العوالي» إلى يومنا هذا.

و لم تكن المسافة بين مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بين العوالي بعيدة، بل كانت قريبة،

____________

(1) قال القاضي عياض: و كانت سبع حوائط في بني النضير، و به صرّح ابن سعد في الطبقات: 1/ 502، و النووي في شرح مسلم: 12/ 82، و ابن حجر في فتح الباري: 6/ 240، و العظيم‏آبادي في عون المعبود: 8/ 137.

(2) الحوائط جمع حائط: و الحائط هو البستان المسيج بالحائط، و إلّا فهو ضيعة.

42

يدلّ على ذلك: ما رواه أنس بن مالك قال:

كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي العصر و الشمس مرتفعة حيّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها و الشمس مرتفعة (1).

و لا شكّ أنّ هذا تصريح بقرب منطقة العوالي من المدينة بل هي جزء منها.

و كذا ما دلّ على أنّها كانت منزل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كان ينزل فيها يبيت عند جاريته، فقد أورد الحرّ العاملي في وسائل الشيعة، و غيره: «أنّ مشربة أمّ إبراهيم‏ (2) كانت مسكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مصلّاه».

و هو دليل قربها من المدينة، بل هي داخل المدينة، إذ لو كانت بعيدة لم يكن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يتّخذها مسكنا له، و لا أن يصلّي فيها، و لشقّ عليه (صلّى اللّه عليه و آله) الذهاب إليها و الرجوع إلى المسجد.

أمّا اليوم: فقد اتّصل العمران بين المدينة و العوالي حتّى أصبحت العوالي من أهمّ مناطقها و مراكزها، و هي اليوم من أشهر المحلّات في المدينة المنوّرة.

و يوجد في المدينة شارع بحذاء البقيع، يسمّى: (شارع العوالي) و هو شارع الإمام علي (عليه السلام) اليوم، هذا كلّه بالإضافة إلى ما دلّ على أنّ (جزع الصافية)- و هو إحدى الحوائط السبعة في العوالي- كان بحذاء البقيع أي: ملاصقا له، و هذا دليل واضح على أنّ محلّة العوالي كانت داخل المدينة، غير خارجة عنها.

إلّا أنّ المؤرخين حدّدوها بما يوهم أنّها بعيدة من المدينة، و إليك بعض ما ذكره المؤرخون في ذلك:

مجمع البحرين: العالية و العوالي: هي قرى بأعلى أراضي المدينة، أدناها

____________

(1) الروض المعطار في خبر الأقطار: 422، و مثله في مسند أحمد: 3/ 161، و السنن الكبرى: 1/ 440.

(2) هي إحدى البساتين و الضياع السبعة في محلّة العوالي.

43

من المدينة على أربعة أميال‏ (1)، و أبعدها من جهة نجد ثمانية أميال‏ (2).

بحار الأنوار: العوالي أماكن بأعالي أراضي المدينة، و أدناها من المدينة على أربعة أميال، و أبعدها من جهة نجد ثمانية (3).

النهاية: العوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، و النسبة إليها علويّ على غير القياس، و أدناها من المدينة على أربعة أميال، و أبعدها من جهة نجد ثمانية أميال، و منه حديث ابن عمر: جاء أعرابيّ علويّ جاف‏ (4).

المغرب: موضع على نصف فرسخ من المدينة (5).

على طريق الهجرة: العوالي منطقة زراعية تقع شرق المدينة، بين لأبتيها (6)- (7).

لسان العرب: العوالي و هي: أماكن بأعلى أرض المدينة، و أدناها من المدينة على أربعة أميال، و أبعدها من جهة نجد ثمانية، و النسب إليها: عاليّ على‏

____________

(1) حدّد اللغويون الميل بأنّه: ثلث الفرسخ، فكلّ ثلاثة أميال فرسخ واحد، و الفرسخ أربع كيلو مترات، و قد عرّف البعض من اللغويين الميل بتعاريف أخرى كلّها تؤول إلى ما ذكرناه.

(2) مجمع البحرين: مادّة (علا).

(3) بحار الأنوار: 21/ 393.

(4) النهاية: 3/ 295.

(5) المغرب: 2/ 57، مادّة: (علا).

(6) الّلابة: الحرّة، و الحرّة: الأرض ذات الحجارة السوداء، و جمعه حرار (المعجم الوسيط)، و كان للمدينة حرّتان: الحرّة الشرقية، و تسمّى حرّة واقم، و الحرّة الغربية، و تسمّى حرّة الوبرة، و في هذا المعنى ورد الحديث النبوي الشريف: (إنّ إبراهيم حرّم مكّة، و إنّي أحرّم ما بين لأبتيها) أي ما بين الحرّتين، و كانت العوالي بالقرب من حرّة واقم- راجع قسم الخرائط-.

(7) على طريق الهجرة: 137.

44

القياس، و علويّ على غير القياس‏ (1).

معجم البلدان: العوالي بالفتح: و هو جمع العالي ضدّ السافل: و هو ضيعة بينها و بين المدينة أربعة أميال، و قيل: ثلاثة، و ذلك أدناها، و أبعدها ثمانية (2).

الروض المعطار: العوالي على أربعة أميال أو ثلاثة من المدينة ... (3).

عمدة الأخبار: العوالي ضيعة عامرة، بينها و بين المدينة ثلاثة أميال و ذلك أدناها، و قيل: أبعدها ثمانية أميال ... (4).

على طريق الهجرة: العوالي بالقرب من مسجد (قباء) على طريق هجرة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله). باب العوالي: و هو الباب الذي يسلك إلى نخيل العوالي. حيّ العوالي: و يقع على نفس الباب المتقدّم‏ (5).

و لا يخفى على المتأمّل: أنّ هذا التحديد ليس لنفس الحوائط السبعة أي الضياع السبعة فقط، و إنّما هو لحدود مساحة تلك المقاطعة الكبيرة أي مقاطعة العوالي بتربتها الكبيرة و أرضها الواسعة التي من جملتها الحوائط السبعة، فكانت الحوائط تقع على مبتدأ العوالي من جهة المسجد النبوي الشريف.

5- عمارة الحوائط السبعة:

لم تكن هذه الحوائط أو الضياع السبعة كباقي ضياع المدينة و حوائطها، و إنّما كانت من أكبر و أعظم ضياع المدينة، و أكبرها مساحة:

عمدّة الأخبار: العوالي ضيعة عامرة بينها و بين المدينة ثلاثة أميال و ذلك‏

____________

(1) لسان العرب: 15/ 87، مادّة (علا).

(2) معجم البلدان: 4/ 166.

(3) الروض المعطار في خبر الأقطار: 422- عوالي-.

(4) عمدة الأخبار: 306.

(5) على طريق الهجرة: 118.

45

أدناها، و قيل: أبعدها ثمانية أميال، قلت: و أتيتها و درت فيها و من فوقها، و على منتهاه منها، و هي محفوفة بالحدائق ذات النخيل و الآبار العذبة، كثيرة المياه، ترفّ بساتينها غضارة و نضارة، رونق الحضارة، تجري في أكثر النهار، مذانب تلك الأنهار، المنقادة بالسواقي من الآبار، في بساتينها الملتفّة النخيل و الأشجار، و حدائقها اليانعة الثمار.

و في العوالي منزل أبي بكر الصديق مع زوجته الأنصارية، و في العوالي منزل عمر بن الخطّاب مع زوجته الأنصارية، و في العوالي منزل سلمان الفارسي و كان بها قصّة إسلامه، و عتقه، و غرسه، و البستان الذي كان يغرس فيه النخل.

و غرس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بيده المباركة فجاء الثمر و التمر تلك السنّة كلّه في العوالي.

و مسجد مشربة أمّ إبراهيم، و مسجده و منزل أمّ إبراهيم مارية كان بالعوالي، و قريبا بهذا المكان جانب الشرق الحديقة المسماّة (بحسنة) من صدقات النبي، و بقربه منزل عبد اللّه بن سلام، و بالعوالي مسجد بني قريظة، و بالعوالي بئر العهن، و بالعوالي بئر غرس، و كلّ هذه الأماكن قد ذكرناها في أبوابها أوضح من هذا ... (1).

على طريق الهجرة: العوالي منطقة زراعية تقع شرق المدينة بين لأبتيها، يتخلّلها وادي بطحان‏ (2) الذي أصبح يسمّى بثلاثة أسماء: أعلاه (أمّ عشرة) ثمّ (قربان) في الوسط، ثمّ (أبا جيدة) إذا دخل المدينة، و هو الوادي الثالث الرئيسي في المدينة.

____________

(1) عمدة الأخبار في مدينة المختار: 375- 376.

(2) أحد الأودية الثلاثة في المدينة، و فيه كانت مساكن بني النضير، و كانت تصبّ فيه المياه إلى ضياع المدينة.

46

و منطقة العوالي خصبة التربة، غزيرة المياه، كثيرة المزارع، ملّاكها خليط من الأشراف، و حرب، و النخاولة (1).

خرجت من باب العوالي شرقا وسط حيّ العوالي الذي أقيم حول الباب المعروف بهذا الاسم، فكان الطريق معبّدا مزدوجا، و كنت أرى النخل يتخلّل العمران، و بعد كيل واحد بدأ العمران يقلّ و النخيل يكثر، ثمّ تكاثف على جانبي الطريق حتّى حجب الرؤيا، و بعد كيلين انتهى ازدواج الطريق، و انتهى التعبيد فصار ترابا متعرّجا بين جدر من اللّبن، و بعد ثلاثة أكيال من باب العوالي و اجهتني حرّة تغشّاها بعض البنيان، فافترق الطريق، و افترقت حدائق النخل إلى شعبتين، يمنى إلى الجنوب، و يسرى إلى الشمال، فسلكت اليمنى فصارت الحوائط من جهة النخل حائطا واحدا متّصلا تتخلّله أبواب و هو مبني بالحجر و الطين، فكان النخل يميني و الحرّة يساري عليها بعض بيوت قليلة تعتبر في مجموعها قرية ...

و رأيت الخضرة ... و كذلك النخيل الذي تتبلّج عواهنه في رواء ظاهر، و التربة طينية من أجود أنواع التربة الزراعية ... (2).

معجم معالم الحجاز: العوالي جمع عالية، أعلى المدينة حيث يبدأ وادي بطحان الذي صار يسمّى اليوم (أبو جيدة):

أرض زراعية عامرة بالبساتين، فيها أنواع الأشجار و الخضارة، علاوة على النخيل الذي تشتهر به، سكّانها خليط من حرب و النخاولة الذين يسمّون النخليّة.

و شرق المسجد النبوي حيّ حديث على طريق العوالي يسمّى: (حيّ‏

____________

(1) الأشراف هم: السادة العلويون، و النخاولة هم شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

(2) على طريق الهجرة: 137- 140.

47

العوالي).

و أحد أبواب المدينة الذي يمرّ فيه طريق العوالي يسمّى: (باب العوالي)، و لأشراف المدينة أملاك كثيرة في ذلك الحيّز (1).

6- أسماؤها:

لقد ذكرت مصادر التاريخ أسماء هذه الحوائط السبعة باختلاف يسير في بعضها:

* العواف‏

: كذا ورد في وصيّة الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)(2).

و قال الحموي في معجمه: الأعواف‏ (3)، و كذا في أكثر الروايات‏ (4).

و في عمدة الأخبار: الأعواف صدقة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)(5)، و الأعواف جزع معروف بالصافية (6).

و فيها بئر يسمّى (بئر الأعواف) باركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بوضوئه منه.

و كذا عن ابن شبة النميري‏ (7).

____________

(1) معجم معالم الحجاز: 6/ 185- 186.

(2) الكافي: 7/ 48 و 7/ 49، من لا يحضره الفقيه: 4/ 244، التهذيب: 9/ 144، مستدرك الوسائل:

14/ 54، بحار الأنوار: 43/ 235 و 100/ 185، دعائم الإسلام: 2/ 343، الحدائق الناضرة: 22/ 137.

(3) معجم البلدان: 5/ 341.

(4) مستدرك الوسائل: 14/ 50، بحار الأنوار: 22/ 295 و 299، الطبقات: 1/ 502، الإصابة: 6/ 47.

(5) عمدة الأخبار: 237.

(6) المصدر: 440.

(7) تاريخ المدينة (لابن شبة): 1/ 159، سبل الهدى و الرشاد: 7/ 222.

48

قال أحمد الخياري في تاريخه معالم المدينة المنوّرة:

بئر الأعواف: أحد الصدقات النبوية، روى ابن شبة عن محمّد بن عبد اللّه ابن عمر و ابن عثمان: أنّه توضّأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على شفة بئر الأعواف صدقته، و سال الماء فيها و نبتت نابتة على أثر وضوئه و لم تزل فيها حتّى الآن.

و لابن زبالة عن عثمان بن كعب قال: طلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سارقا فهرب منه فنكبه الحجر الذي وضع بين الأعواف و بين الشطبية، قال ابن عتبة: فوقع السارق فأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ترك رسول اللّه الحجر و مسّه و دعا له‏ (1).

و في عمدة الأخبار: و بارك رسول اللّه في الحجر و مسّه، فهو الحجر الذي فيما بين الأعواف و الشطبية يطلع طرفه يمسّه الناس‏ (2).

* الدّلال‏

: هكذا في معجم البلدان‏ (3) و غيره‏ (4).

و أوردها الطريحي في (دلل) و عدّها من الحيطان السبعة.

و في أمالي ابن الشيخ: الكلا (5).

و في عمدة الأخبار: عن جعفر بن محمّد عن أبيه: كانت الدلال لامرأة من بني النضير، و كان لها سلمان الفارسي، فكاتبته على ثلاثمائة نخلة أحياها لها

____________

(1) تاريخ معالم المدينة المنوّرة: 195- 196.

(2) عمدة الأخبار: 238.

(3) معجم البلدان: 5/ 241.

(4) الكافي: 7/ 48، من لا يحضره الفقيه: 4/ 244، التهذيب: 9/ 144، وسائل الشيعة: 9/ 198، المستدرك: 14/ 50، البحار: 22/ 297 و 100/ 185، دعائم الإسلام: 2/ 341، دلائل الإمامة:

42.

(5) أمالي ابن الشيخ: 127.

49

بالفقير (1)، و أربعين أوقية ذهب، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأصحابه: أعينوا أخاكم بالنخل، حتّى اجتمع ثلاثمائة وديّة، فقال: اذهب يا سلمان ففقّر لها، قلت: الفقر اليوم يقولون له: الفقير بالتصغير، اسم لحديقة بالعالية (2).

* البرقة

: ضبطها الطريحي في مجمع البحرين بضمّ الباء و سكون الراء، و قال: أحد الحيطان السبعة الموقوفة على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة.

قال ياقوت الحموي: برقة بالضمّ: موضع بالمدينة من الأموال التي كانت صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعض نفقاته على أهله منها، و قيل: إنّ ذلك من أموال بني النضير، و قد رواه بعضهم بفتح أوّله‏ (3).

و قال أحمد بن عبد الحميد العبّاسي: البرقة بالضمّ: موضع بالمدينة، من الأموال التي كانت صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعض نفقته على أهله منها، و قيل: إنّ ذلك من أموال بني النضير، و عند بعضهم بفتح أوّله (برقة) (4).

و في النهاية: هو بضمّ الباء و سكون الراء، موضع بالمدينة به مال، كانت صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منها.

* الميثب‏

: كذا في معجم البلدان‏ (5)، و غيره، و قيل: المبيت‏ (6)، و قيل‏

____________

(1) الفقير مفرد فقر: الحفرة تغرس فيها فسيلة النخل، و لعلّه هنا اسم لحديقة بالعوالي.

(2) عمدة الأخبار: 440.

(3) معجم البلدان: 1/ 390، عنه معجم معالم الحجاز: 1/ 206.

(4) عمدة الأخبار في مدينة المختار: 223.

(5) الإصابة: 6/ 46، معجم البلدان: 5/ 291، فتوح البلدان: 1/ 18، الكافي: 7/ 48، بحار الأنوار:

22/ 295، و معجم معالم الحجاز: مادّة (ميثب).

(6) وسائل الشيعة: 19/ 198، بحار الأنوار: 16/ 107 و 43/ 235.

50

المثيب‏ (1).

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: ميثب بالكسر، و فتح الثاء الثالثة، و ياء موحّدة: قال اللغويون: الميثب الأرض السهلة، و ميثب: مال بالمدينة، إحدى صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و له فيها سبعة حيطان ... (2).

و في عمدة الأخبار: المئثب، مهموز و ثاء مثلّثة، و في اللغة: ما ارتفع من الأرض، و كذا الأرض السهلة، و هو اسم لأحد الصدقات النبوية (3).

و في معجم معالم الحجاز: موضع صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(4).

قال الصدوق (قدس سره): المسموع من ذكر الحوائط: الميثب، ولكنّي سمعت السيّد أبا عبد اللّه محمّد بن الحسن الموسوي (أدام اللّه) توفيقه يذكر أنّها تعرف عندهم بالميثم‏ (5).

* الحسنى‏

: بالفتح، كذا في معجم البلدان و غيره.

قال أحمد بن عبد الحميد العبّاسي في عمدة الأخبار: قلت: و (حسنى) أيضا أحد صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المتقدّمة، لكن ضبطها المراغي بالضمّ (حسنى) و كتبت بالياء أوّلا لأنّه رباعي‏ (6).

و قال السمهودي: حسنى، مقصورا بلا حرف التعريف، و في كتاب تحقيق النصرة: حسناء بالمدّ، و قال: كذا رأيته و لعلّه تصحيف من الحناء بالنون.

____________

(1) عمدة الأخبار: 440.

(2) معجم البلدان: 5/ 241، عنه معجم معالم الحجاز: 8/ 308- 309.

(3) عمدة الأخبار: 425.

(4) معجم معالم الحجاز: 8/ 309.

(5) من لا يحضره الفقيه: 4/ 244، عنه البحار: 22/ 297.

(6) عمدة الأخبار: 403 و 440، و كذلك ضبطها ابن شبّة في تاريخ المدينة المنوّرة: 175.

51

* الصافية

: كذا ذكره الصدوق، و أورده الطريحي في مجمع البحرين مادّة (صفا)، و قال: الصافية أحد الحيطان السبعة لفاطمة (عليها السلام)، و كذا في معجم البلدان.

و الصافية أقرب الحوائط إلى المسجد النبوي، حتّى أنّ حدودها ملاصقة لبقيع الغرقد و هي اليوم أحد أشهر الأحياء المعروفة و المسكونة العامرة بالسكّان- راجع قسم الخرائط-.

* مشربة أمّ إبراهيم‏

: كذا في معجم البلدان و غيره.

قال السمهودي: و إنّما سمّيت مشربة أمّ إبراهيم لأنّ أمّ إبراهيم‏ (1) ابن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ولدته فيها، و تعلّقت حيث ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك المشربة اليوم معروفة.

قال الشنقيطي في (الدرّ الثمين): مشربة أمّ إبراهيم: بستان كانت مارية القبطية تسكنه، و ضربها المخاض فيه بإبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و به ولدته.

و قد صلّى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في مشربه أمّ إبراهيم في بعض زياراته‏ (2) لجاريته‏

____________

(1) أمّ إبراهيم: جارية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إسمها مارية القبطية، أهداها له المقوقس ملك الاسكندرية فأسكنها في أحد الحيطان السبعة فسمّي ذلك الحائط باسمها (مشربة أمّ إبراهيم) و المشربة البستان، فولدت فيه إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كان ذلك في شهر ذي الحجّة سنة 8 للهجرة، فتوفّي بعد ستّة أشهر أو ثمانية عشر شهرا، و دفنه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالبقيع، و توفيت مارية سنة 16 ه.

و كان السبب الذي دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأن يسكنها في المشربة: ما رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب، و السمهودي، قالا: و روت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية، و أنّها كانت جميلة، قالت- عائشة-: و أعجب بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان أنزلها أوّل ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، و كانت جارتنا، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عامّة النهار عندها، حتّى قذعنا لها- و القذع الشتم- فحوّلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى العالية، و كان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ، ثمّ رزقها اللّه الولد و حرمناه منه، وفاء الوفاء: 2/ 826، الطبقات الكبرى: 8/ 212، الأعلام: 5/ 255، مجمع البحرين: 2/ 495.

(2) تاريخ المدينة: 1/ 68، المنتخب للطبري: 108.

52

و سريته و أمّ ولده مارية القبطية، و بني في مكان صلاته مسجد في أيّام عمر بن عبد العزيز واليا على المدينة، و يقع مسجد المشربة شمالي مسجد بني قريظة بالقرب من الحرّة الشرقية، أمّا طريق المشربة في أيّامنا هذه: فهي طريق العوالي حتّى مستوصف الزهراء ثمّ الطريق اليساري، و على مسافة كيلومتر من مستوصف الزهراء ترى حائطا على يسارك مغلقا بداخله مبنى مسجد قديم و مكان مشربة أمّ إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي ولدته فيها، و كانت هذه المشربة أحد بساتين مخيريق بني النضير التي أوصى بها للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين أسلم و ذهب و استشهد في معركة أحد (1).

و في عمدة الأخبار: روى ابن شبة و غيره: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى في مشربة أمّ إبراهيم، و هي من صدقاته.

قال ابن شهاب، بعد ذكر الصدقات: و أنّها من أموال مخيريق، و أمّا مشربة أمّ إبراهيم فإذا خلّفت بيت مدارس اليهود، فجئت إلى مال أبي عبيدة فمشربة أمّ إبراهيم إلى جنبه.

و المشربة لغة: الغرفة، فكان ذلك المكان يسمّى باسمها، و إنّما سمّيت مشربة أمّ إبراهيم لأنّ أمّ إبراهيم بن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ولدته فيها، و تعلّقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة.

قال المجد: و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أسكن مارية هناك.

و قال الزبير بن بكّار: إنّ مارية ولدت إبراهيم (عليه السلام) بالعالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة أمّ إبراهيم.

قال محمّد أمين (محقّق كتاب تاريخ معالم المدينة المنوّرة): و قد أزيلت معالم هذه المشربة حاليا، و تقع على يسار الذاهب إلى مستشفى الزهراء إلى المستشفى‏

____________

(1) الدرّ الثمين في معالم دار الرسول الأمين: 149- 150.

53

الوطني في منتصف الطريق تقريبا داخلا عن الشارع العام بمسافة مائة متر تقريبا (1).

و احتفظت مشربة أمّ إبراهيم بأثرين تاريخيين، و هما:

1- مسجد مشربة أمّ إبراهيم:

و ذلك أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في أثناء زيارته لجاريته أمّ إبراهيم (مارية) صلّى في المشربة مرارا، فبني مكانه مسجد في أيّام ولاية عمر ابن عبد العزيز على المدينة، و أصبح هذا المسجد من المساجد المعروفة و المشهورة، الأثرية، في المدينة المنوّرة، و يقع هذا المسجد في منطقة قباء شمالي مسجد بني قريظة قريبا من الحرّة الشرقية في موضع يعرف بالدّشت‏ (2) تحوطه عرصة صغيرة بين النخيل.

قال الحرّ العاملي في (الوسائل) و الكليني في (فروع الكافي): و هي مسكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مصلّاه‏ (3).

و روى ابن زبالة و يحيى من طريقه، و ابن شبة من طريق أبي غسّان: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى في مشربة أمّ إبراهيم، و سبب تسميته بهذا الاسم هو: أنّ السيّدة مارية القبطية ولدت سيّدنا إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه.

و كانت صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا المكان سببا لتقديسه و جلالته و خلود أثره و التبرّك به.

فقد وردت عدّة روايات من الأئمّة الطاهرين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، في تقديس مشربة أمّ إبراهيم لكونها مسكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مصلّاه، و كان‏

____________

(1) تاريخ معالم المدينة المنوّرة: 121.

(2) الدّشت: لغة فارسية، و معناها: الأرض المستوية الكثيرة العشب و الكلأ.

(3) الكافي: 4/ 560، التهذيب: 6/ 17، وسائل الشيعة: 14/ 353، تذكرة الفقهاء: 1/ 403.

54

هذا سببا لجعله أحد المساجد المنسوبة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد ورد الحثّ على استحباب الصلاة فيه بل الإكثار منها.

ففي الكافي: عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد اللّه ابن هلال، عن عقبة بن خالد، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أنّا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيّها أبدأ؟

فقال: ابدأ بقباء، فصلّ فيه و أكثر، فإنّه أوّل مسجد صلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في هذه العرصة، ثمّ ائت مشربة أمّ إبراهيم فصلّ فيها، و هي مسكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مصلّاه‏ (1).

و لم يزل أثر هذا المسجد باقيا إلى اليوم، و كان المسلمون يأتونه أيّام الحجّ كباقي المساجد الأثرية الإسلامية يصلّون فيه و يتبرّكون به.

قال الخيّاري: و هذا المسجد و المشربة اليوم محاطة بسور من الاسمنت‏ (2) و قد أغلق أخيرا.

قال الشنقيطي- معلّلا إغلاقه-: أمّا سبب اغلاقها- أي المشربة- فالظاهر أنّه من ارتكاب شيعة إيران البدع و المنكرات هناك، ممّا جعل المسؤولين يأمرون بإغلاق هذا المكان بسور عظيم، فحبّذا لو عملت أمانة المدينة على بقاء هذا المعلم الأثري الذي قوي احتمال أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى فيه أثناء زيارته لأمّ ولده مارية القبطية، و أثناء زيارته لابنه إبراهيم‏ (3).

و لا أدري؟ ما هي تلك المنكرات و البدع التي زعم هذا الكاتب أنّ- شيعة

____________

(1) الكافي: 4/ 560.

(2) تاريخ معالم المدينة المنوّرة: 122.

(3) الدرّ الثمين في معالم دار الرسول الأمين: 149- 150.