المعيار و الموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)

- جعفر بن محمد الإسكافي‏ المزيد...
474 /
4

[المدخل‏]

قال البلخي: الإسكافي هو أبو جعفر محمد بن عبد اللّه. و أصله من سمرقند. و كان عجيب الشأن في العلم و الذكاء و المعرفة و صيانة النفس و نبل الهمة و النزاهة عن الأدناس. بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد من نظرائه. و كان المعتصم قد أعجب به إعجابا شديدا، فقدّمه و وسّع عليه. و بلغني أنه كان إذا تكلم أصغي إليه و سكت [جميع‏] من [كان‏] في المجلس فلم ينطقوا بحرف، حتى إذا فرغ نظر المعتصم إليهم و قال: من يذهب عن هذا الكلام و البيان؟ و كان يقول له يا محمد: اعرض هذا المذهب على الموالي، فمن أبى منهم فعرّفني خبره لأفعل به و أفعل.

و مات الإسكافي سنة أربعين، فلما بلغ محمد بن عيسى برغوث موته سجد فمات بعده بستة أشهر.

و كان الإسكافي أولا خياطا، و كان أبوه و أمّه يمنعانه من الاختلاف في طلب الكلام، و يأمرانه بلزوم الكسب، فضمّه جعفر بن حرب إليه، و كان يبعث إلى أمّه في كل شهر عشرين درهما بدلا من كسبه.

و له من الكتب: كتاب اللطيف، كتاب البدل. كتاب [الردّ] على النظام، في أن الطبعين المختلفين يفعل بهما فعلا واحدا. كتاب المقامات في تفضيل علي (عليه السلام).

كتاب إثبات خلق القرآن، كتاب الرد على المشبهة. كتاب المخلوق على المجبرة. كتاب بيان المشكل على برغوث. كتاب التمويه نقض كتاب حفص. كتاب النقض لكتاب [أبي‏] الحسين النجار. كتاب الرد على من أنكر خلق القرآن. كتاب الشرح لأقاويل المجبرة. كتاب إبطال قول من قال بتعذيب الأطفال. كتاب جمل قول أهل الحق.

كتاب النعيم. كتاب ما اختلف فيه المتكلمون. كتاب [الرد] على [أبي‏] حسين في الاستطاعة. كتاب فضائل عليّ (عليه السلام). كتاب الأشربة. كتاب العطب. كتاب [الرد] على هشام كتاب نقض كتاب ابن شبيب في الوعيد).

و أيضا ذكر ابن النعيم في عنوان ابن الاسكافي» من المقالة المشار إليها بعد ترجمة الإسكافي بلا فصل ما نصّه:

(ابن الإسكافي) هو أبو القاسم جعفر بن محمد الإسكافي. و كان كاتبا بليغا. و ردّ إليه المعتصم أحد دواوينه و تجاوز كثيرا من الكتّاب. و له من الكتب: كتاب المعيار و الموازنة في الإمامة).

5

المقدّمة في التنويه بشخصية المصنف و تعريف كتاب المعيار و الموازنة

أما المصنف فهو أبو جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي محامي العظمة العلوية في القرن الثالث و دولة المبطلين و شوكة المنحرفين عن عليّ و أهل بيته الطاهرين!!! و محامات هذا الرجل عن أعظم شخصية بعد رسول اللّه ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )و دفاعه عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في عصر اهتضام محبيه و شوكة معانديه من أفخر معاليه و أعلى مفاخره و جهات مجده و شخصيّته، إذ كل عاقل سلمت فطرته عن الانحراف، يدرك أن لجنس البشر و أبناء آدم محامد و معالي و أن من أجلّها التزامهم بالحق و الصواب و استقامتهم عليه، و انه كلما كان الالتزام بالحق و الاستقامة عليه و الدوران معه أصعب يكون شأن الملتزمين به و المستقيمين عليه أعظم و أشرف و أجلّ من غيرهم ممن يلازم الحق في دولة الحق أو فيما إذا كان المحقّون في فسحة و رخاء و حرية في سلوك طريق الحق و القيام بلوازمه. و لهذه الجهة و العلّة شرف و فضّل المهاجرون الأولون و البدريون من أصحاب رسول اللّه- الذين استقاموا على إيمانهم و لوازمه- على غيرهم ممن آمن برسول اللّه ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )بعدهم حينما حصلت لرسول اللّه ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )و للمسلمين قوة و شوكة و عزة و منعة و جمع و عتاد و عدّة و عدة.

و لا ريب أيضا أن التحلي بهذه الكرامة العظيمة من أجلّ معرفات الرجال و إليه أشار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكلام المشهور المنسوب إليه: و أما المحقون فيعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال.

فمن أراد أن يعرف الخبيث من البشر من طيّبه و الصحيح منهم من السقيم و الجيّد من الردي‏ء فليطلبها من هذا الطريق فإنه من أوضح سبلها و أسدّ محجّتها سواء كان المطلوب معرفته ممن يعاصر الطالب و يكون من الأحياء المرزوقين، أو كان من السلف الماضين ممن أباده الحدثان و لكن خلّف بنحو القطع و اليقين للمتأخرين الطالبين بعرفانه من محامد

6

السجايا و كرائم الأخلاق- أو أضدادهما- مما اكتسبت يداه أو ضمّت عليه جوانحه و حشاياه أقوالا و أعمالا و عقائدا و أنظارا.

و بما تقدم تجلى سهولة معرفة أبي جعفر الإسكافي و من كان على شاكلته ممن بقي منه بنحو القطع شي‏ء من نزعاته و معتقداته و حصيلة أعماله مما كان يدور عليه و يدافع عنه بتمام القوى و الطاقات و الإمكانيات فإن النواصب لأجل تركيز مكابراتهم في قلوب الناس و تسجيل أباطيلهم في نفوس السذّج و الغفلة من المسلمين- و هم السواد الأعظم منهم- و إن حالوا بين أبي جعفر الإسكافي و أمثاله و بين الحرية، و سلبوهم بمعونة أمراء الجور مواد الطاقات و الإمكانيات و سدّوا عليهم ساحات الفعالية و الكرّ و الفرّ، و سبل التحرك نحو الأهداف، و من أجلها لم يتمكن أمثال أبي جعفر ممن كان عنده لمحات من الحقائق و قبسات من لوامع العقائد أن يبلّغوا الناس و يبثّوا فيهم ما عندهم من أنوار الحق و الحقيقة، و أن يسعوا في تصفية الرشد من الغي و إذاعة الحقائق و نشرها بين الناس.

و لهذا حرم أكثر الناس عن أكثر الحقائق الموجودة عند أمثال أبي جعفر مما كان لا يلائم أهداف النواصب و أتباع الشجرة الملعونة في القرآن.

و كما حرم معاصروا أبي جعفر عن نيل الحقائق الموجودة عنده حرم المتأخرون عنهم أيضا منها، و كان حرمان المتأخرين أكثر من حرمان معاصري المصنف و ذلك للحصر الجدّي الذي فرضه النواصب و أعداء أهل البيت و أرباب السلطة على أبي جعفر و أمثاله و على صدّ الناس عنهم، و لشدة اهتمامهم على إتلاف آثار هؤلاء و تمزيقها و تحريقها و محوها عن صفحة الوجود.

و لكن اللّه تعالى لحكمته البالغة و ليحق الحق بكلماته و يبطل الباطل، و لإنجازه تعالى وعده في قوله تبارك و تعالى: «إن الله لا يضيع‏ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏» ما أراد أن تنمحي جميع آثار أبي جعفر و أمثاله عن صفحة الوجود، بل أراد أن تحفظ بعض آثاره و معرّفاته مكافاة له على ما قام به من الحق.

و من جملة ما أراد اللّه تعالى بقاءه من آثار أبي جعفر هو ردّه على عثمانية ممسوخ آل عثمان الجاحظ، و هذا الرد و إن لم يصل إلينا بكامله، و لكن هذا القدر الذي رواه ابن أبي الحديد عنه في شرح نهج البلاغة الذي يعدّ غرفة من نهر و قبسا من مشعل النور

7

يكفي لتوجه العقلاء إلى عظمة هذا الرجل و استقامته على ما عرفه من الحق و وصل إليه من الحقيقة.

و إذا لاحظنا عصر المؤلف و استفحال الانحراف عن أهل البيت فيه، و تكالب الناس على الدنيا و تقربهم إلى أرباب السلطة من ظلمة بني العباس يتجلى لنا سمو مقام المؤلف و أنه من نوادر الدهر حيث آثر الحق و الحقيقة على الدنيا و حظوظها و لم يجنح إلى أهل الدنيا و الزخارف الدنيوية، و لم يركن إلى أرباب السلطة و الذين استولوا على العباد و البلاد ظلما و زورا و نهبوا ثروة الناس و هضموا حقوق الضعفاء و المساكين، و قتلوا و حبسوا و شردوا المعترفين بالحق و الصواب.

و إذا تأملنا بالدقة حال أكثر المشايخ و الأدباء و أصناف العلماء في حال عصر المصنّف و تلونهم في دينهم و جعلهم الدين و التظاهر به وسيلة للتقرب إلى الظلمة و الطواغيت ينكشف لنا علوّ نفسيّة المؤلّف.

و من أراد أن يعرف جليا رفعة شخصية المصنف و جلالته من باب تعرف الأشياء بأضدادها و أشكالها يكفيه ملاحظة تكالب أكثر معاصري المؤلف على الدنيا و خسّة نزعتهم و توغلهم في اللؤم و الدّناءة، و اتّباعهم خطوات الشياطين.

و ليلاحظ حال ممسوخ آل عثمان عمرو بن بحر الجاحظ من معاصري المصنف فإنه لتوغله في إشباع غرائزه الشهوانية و أمنياته الشيطانية، و تقرّبه إلى فراعنة عصره و تراكضه في ميادين الضلالة مرّة يصنف كتاب العثمانية و مسائلها، و أخرى يكتب كتابا في إمامة المروانية و الشجرة الملعونة في القرآن.

و تارة يؤلف كتابا في إمامة ولد العباس، و هلمّ جرّا حول تأليفه في المتناقضات و انتصارة للمتباينات‏ (1).

____________

(1) و المحكي عن ابن قتيبة في كتاب تأويل مختلف الحديث ص 59 أنّه قال في شأن الجاحظ:

تجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، و مرة للزيدية على العثمانية و أهل السنّة. و مرة يفضّل عليا رضي اللّه عنه.

و مرة يؤخره و يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و يتبعه: قال الجماز. و قال إسماعيل بن غزوان:

كذا و كذا من الفواحش.

و يجلّ رسول اللّه ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )عن أن يذكر في كتاب ذكرا فيه فكيف في ورقة أو بعد سطر أو سطرين!! و يعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين. فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة كأنه إنما أراد

8

هذا طريق معرفة المصنف بمقايسته مع أشكاله و أضداده و بملاحظة بعض ما بقي من تأليفاته و آثاره و معونة ما علم منه من نزعته و استقامته عليها بلا تزحزح و تردد.

و قد قلنا: إن معرفة الأشخاص من هذا الطريق من أسدّ أنحاء المعرفة و أتقنها.

و أما معرفته من طريق كتب النسب و التراجم فلا تخلو من إجمال و غموض، و ذلك من أجل انقراض المعتزلة و أكثر آثارها من صفحة الوجود و عدم وجود كتاب كامل منهم في فن النسب و الرجال يشرح حال سلفها و يفصّل ترجمة رجالها و أكابرها.

و أما ما دونه الأشعريون في فن التراجم و النسب فغير مقنع و لا واف لمعرفة المصنّف و أمثاله، و ذلك لتحقق التنافر الشديد و العداوة الأكيدة بين المعتزلة و الأشعرية، و من الواضحات أنه قلما يوجد عدوّ يشرح حال عدوّه على ما هو عليه و يذكر محاسنه و مكارمه، على ما ينبغي إذ شأن العداوة و المعتاد من المتعاديين كراهتهم ذكر عدوّهم و أحيانا لو جرى بمناسبة ما ذكره على لسانهم يذكرونه بما يشوه منظره و يحطّ من شخصيّته، و بشتى الأكاذيب و الخزعبلات يدنّسون ساحته، فلا ينتظر من المعتاد من الناس الصدق و حسن القول في عدوّهم، غاية ما يتوقّع من العدو إذا كان رزينا و مقدّرا للصدق و مبغضا للكذب أن لا يفتري على عدوّه شيئا و لا ينسب إليه سوءا بالبهتان، و أما نشر محاسنه و بثّ محامده و كريم سجاياه فلا، إلا أن يكون اشتمال عدوّه على المكارم و تحلّيه بالعظمة و الجلال أمرا واضحا لا يشوبه ريب و لا يختلجه شك و شبهة بحيث إذا أنكره أحد أو تردّد فيه شخص يعدّ تردّده مكابرة و يؤول إنكاره إلى ضعفه و نقص ما يهدفه و يتطلّبه كما هو الشأن في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) المرويّة من طريق شيعة آل أبي سفيان.!!!

و كيفما كان؛ فيما أن ذكر ما قالوه في ترجمة المؤلف غير خال عن فوائد فنحن نذكر هاهنا ما ظفرنا عليه مما ذكروه في ترجمته فنقول:

____________

تنبيههم على ما لا يعرفون و تشكيك الضعفة من المسلمين.

و تجده يقصد في كتبه للمضاحيك و العبث. يريد بذلك استمالة الأحداث و شرّاب النبيذ.

و يستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت و قرن الشيطان. و ذكر الحجر الأسود و أنه كان أبيض فسوّده المشركون. و قد كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا.

و يذكر الصحيفة التي كان فيها المنزل فى الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها الشاة ...

و هو- مع هذا- من أكذب الأمة و أوضعهم لحديث و أنصرهم لباطل ...

9

قال الخطيب البغدادي في ترجمة المؤلف تحت الرقم: (2929) من تاريخ بغداد: ج 5 ص 416:

محمد بن عبد اللّه أبو جعفر المعروف بالإسكافي أحد المتكلمين من معتزلة البغداديين.

له تصانيف معروفة (1) و كان الحسين بن عليّ [بن يزيد] الكرابيسي [صاحب الشافعي‏] يتكلم معه و يناظره.

و بلغني أنه مات في سنة أربعين و مائتين.

أقول: و قريبا منه ذكره أيضا السمعاني في مادة: «الإسكاف» من كتاب الأنساب:

ج 1، ص 235 ط الهند.

و ذكره أيضا الياقوت الحموي في عنوان: «إسكاف» من كتاب معجم البلدان:

ج 1، ص 181، ط بيروت.

و المحكيّ عن قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي المترجم في الرسالة المستطرفة ص 120، و تحت الرقم () من تاريخ بغداد: ج 11، ص 13، انه قال في شأن المؤلف:

كان أبو جعفر فاضلا عالما و صنّف سبعين كتابا في علم الكلام‏ (2).

و قال ابن أبي الحديد في شرح المختار: (57) من نهج البلاغة: ج 4 ص 63 طبع الحديث بمصر، ما محصّله: كان شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه اللّه تعالى من المتحققين بموالاة عليّ (عليه السلام) و المبالغين في تفضيله: و إن كان القول بالتفضيل عامّا شائعا في البغداديين من أصحابنا كافة إلّا أن أبا جعفر أشدهم في ذلك قولا و أخلصهم فيه اعتقادا ...

و قريبا منه مع خصوصيات زائدة ذكره أيضا في شرح المختار: (54) من الباب‏

____________

(1) المستفاد من هذا التعبير أن كتب المصنف كانت معروفة في عصر الخطيب أي بعد وفاة المصنف بمأتي و عشرين سنة.

(2) صريح هذا الكلام أن السبعين من الكتب كله في علم الكلام، و هل له تأليف في غير علم الكلام من الفنون الإسلامية أم لا؟ كلام قاضي القضاة ساكت عنه، كما انه ساكت عن تسمية الكتب السبعين.

10

الثاني من نهج البلاغة: ج 17، ص 132، طبع الحديث بمصر؛ قال:

و أما أبو جعفر الإسكافي و هو شيخنا محمد بن عبد اللّه [فقد] عدّه قاضي القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة مع عبّاد بن سليمان الصيمري، و مع زرقان، و مع عيسى بن الهيثم الصوفي.

و جعل أول الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن، ثم أبا عثمان الجاحظ ثم أبا موسى عيسى بن صبيح المردار ثم أبا عمران يونس بن عمران، ثم محمد بن شبيب، ثم محمد ابن إسماعيل ابن العسكري، ثم عبد الكريم بن نوح العسكري، ثم أبا يعقوب يوسف ابن عبد اللّه الشحام، ثم أبا الحسين الصالحي، ثم جعفر بن جرير، و جعفر بن ميسّر، ثم أبا عمران بن النقاش، ثم أبا سعيد أحمد بن سعيد الأسدي، ثم عبّاد بن سليمان، ثم أبا جعفر الإسكافي هذا.

و قال [قاضي القضاة]: كان أبو جعفر فاضلا عالما و صنّف سبعين كتابا في علم الكلام.

و هو الذي نقض كتاب العثمانية على أبي عثمان الجاحظ في حياته، و دخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال: من هذا الغلام السوادي الذي بلغني أنه تعرض لنقض كتابي؟

و أبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم يره. و كان أبو جعفر يقول: بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد و يبالغ في ذلك، و كان علوي الرأي محققا منصفا قليل العصبية.

و قد ذكره أيضا المسعودي في عنوان: «ذكر الدولة العباسية و لمع من أخبار مروان [الحمار] و مقتله» من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 253 ط مصر في سنة 1384، عند تعرضه لمجون عمرو بن بحر الجاحظ و تصنيفه في المتناقضات و انتصاره للمتباينات ككتابه في إمامة ولد العباس و كتابه في إمامة المروانية و كتاب العثمانية و مسائل العثمانية، قال:

و قد نقضت عليه [أي على الجاحظ] ما ذكرنا من كتبه ككتاب العثمانية و غيره.

و قد نقضها [أيضا] جماعة من متكلمي الشيعة كأبي عيسى الوراق و الحسن بن‏

11

موسى النخعي‏ (1) و غيرهما من الشيعة ممن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعا و مفترقا.

و قد نقض على الجاحظ كتاب العثمانية أيضا رجل من شيوخ البغداديين و رؤسائهم و أهل الزهد و الديانة منهم- ممن يذهب إلى تفضيل عليّ و القول بإمامة المفضول- و هو أبو جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي، و كانت وفاته سنة أربعين و مائتين، و فيها مات أحمد بن حنبل.

أقول: هذا ما تيسّر لي عاجلا حول ترجمة المؤلف و شخصيته و أما كتاب المعيار و الموازنة هذا فإن أول ما فزت بمشاهدته كان في أواسط شهر شوال المكرم من سنة (1399) الهجرية عند ما زرت بعض الأجلّة و أنا كليل الفكر حسير البصر و قد وهن العظم مني و فترت الأعصاب؛ و لم أكن على عدّة و عدّة؛ أرى أبواب المضي في الخيرات مغلقة، و طرق سلوك المعالي و المكارم مسدودة، أرى نفسي عاجزة عن كل تدبير، و لكن بمجرد ما تصفحت و قرأت أوراقا من الكتاب كأن اللّه نفخ الروح في بدني و قوّى الفتير في عظامي و أعصابي فاستنسخته في طول أيام و ليالي ثم قابلت مخطوطي مع الأصل المأخوذ منه و أخذته معي إلى لبنان برجاء أن يفتح اللّه لنا بابا إلى نشره و طبعه.

و من أجل أني كنت حينئذ على جناح سفر ضروري، و كنت أرى بحسب الموازين العادية أني غير متمكن من نشر هذا الكتاب في زمن قريب لم أوفّق للبحث الكافي عن خصوصيات النسخة، ثم التفتيش في مظانه من التراجم و الكتب المدوّنة في أسماء الكتب و الفنون حول اسم الكتاب و نسبته إلى المؤلف.

و الذي أتذكر قطعيا من النسخة أنها كانت بخط نسخ جميل مشتملة على أغلاط إملائية كثيرة مع بلاغات مندرجة في هوامشها، و كان في آخر و ختامها توقيعات من‏

____________

(1) كذا.

12

أكابر اليمنيين الذين فازوا بمطالعتها.

و أما صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف و كونه من تأليف الإسكافي فإني أراه أمرا واقعيا نعم بيان كتاب نقض العثمانية و عباراته أعذب من عبارات هذا الكتاب، و لعلّ هذا الفرق ناشئ من جهة زمان تأليف الكتابين بأن يكون تأليف هذا الكتاب من أوائل تأليفات المصنف، و كتاب النقض من أواخر تأليفاته، أو من جهة كون هذا مسودة المؤلف و لم يبيّضه و كون كتاب النقض مبيضته؟!!!.

و لعلّ اللّه أن يوفقنا في الطبعة الثانية لإقامة شواهد أخر لصحة نسبة الكتاب إلى المؤلف.

مع أن إثبات هذا الامر و إقامة شواهد قطعية على كون الكتاب من تأليف الإسكافي لا يترتب عليه كثير فائدة، و عدم إثباته و تعذّر الحصول على قرائن مقنعة لصحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه لا يوجب فوات استنتاج كبير، و خسارة متطلبات و فيرة، إذ الكتاب في أكثر ما يتضمنه مشتمل على حقائق متخذة من القرآن الكريم و نصوص رسول اللّه ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )القطعية و سيرة الإمام أمير المؤمنين المتلألئة، ساقها مؤلف الكتاب على أسلوب رصين و بيان وجيز لإثبات أفضلية الإمام أمير المؤمنين على جميع البشر بعد الأنبياء و الرسل بحيث يستفيد منه العاميّ بعاميّته و صرافة طبيعته و سذاجة فكره كما يستفيد منه العالم بتعمّقه و مقاييسه العلمية، فهو كتاب يتكفّل بأسلوبه الحصين لإثبات حقائق و مزايا متشعشعة لأعظم شخصية بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و استفادة هذا المعنى البرهاني لا يتوقف على عرفان صاحب الكتاب، و الحكمة و الحقائق البرهانية مقبولة و مأخوذة و لو لم يعرف قائلها و سائقها كما نسب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: انظر إلى ما قال و لا تنظر إلى من قال.

و الكتاب يوقظ النائم من نومته، و ينبّه الغافل من ذهوله و غفلته، و يرشد الجاهل و يقيه عن متاهته، و يهدي الضال إلى منجاته، و يعاضد العالم في متطلباته و بغيته، فخذوه بقوة و كونوا من الشاكرين، و لا يزهدنّكم فيه ضعف القرينة القائمة على صحة نسبته إلى مؤلفه، فإن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها و حيثما ظفر بها أخذها، و الكتاب‏

13

في أكثر مطالبه حكم و حقائق رصينة فخذوها فإنها للمؤمنين.

و في ختام هذه المقدمة نوصي رافعي الأعلام العلويّة البيضاء و طالبي حقائق الإسلام و محققي حقوق خليفة رسول اللّه و باب علمه و عالم الإسلام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يفتّشوا عن كتب هذا الرجل و إحيائها فإنها من أهم المقدمات الموصلة إلى هذه الأهداف العالية.

و حيث ان لأسماء كتب المصنّف دخلا و ارتباطا للفحص عنها ثم اقتناؤها ثم نشرها فنحن نذكر أسماء ما وصل إلينا من كتبه عفوا في أثناء فحصي لغيرها من الأهداف فنقول:

من مشهورات كتبه كتاب نقض عثمانية الجاحظ، و به عرف المتأخرون بطولة الإسكافي و أنه من نوادر ما أنتجه الدهر، و هذا الكتاب قد أكثر النقل عنه ابن أبي الحديد في تضاعيف شرح نهج البلاغة، و في الواقع و نفس الأمر، بواسطته عرف الناس بعده نقض العثمانية و مؤلّفه، و لم نعهد من غيره أنه ينقل شيئا عن هذا الكتاب، و هو أيضا لم ينقل عنه المطالب حرفيا و متتابعا بل وزّع مطالبه في شرح النهج بحسب مناسبتها لشرح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد أشبع الكلام بالنقل عنه في شرح المختار: (57) من نهج البلاغة: ج 4 ص 63 و ما بعدها من طبع الحديث بمصر، و كذلك في أواخر شرح الخطبة القاصعة و هو المختار: (238) من نهج البلاغة: ج 13، ص 219- 296.

و استقصى محمد هارون المصري ما رواه عنه ابن أبي الحديد و فرقه في شرحه على نهج البلاغة فجمعه و طبعه في آخر كتاب العثمانية ط مصر، فجزاه اللّه خيرا بما صنع.

و من جملة كتبه كتاب «التفضيل» و قد نسب هذا الكتاب إلى المؤلف ابن أبي الحديد في شرح المختار: (57) من نهج البلاغة: ج 4 ص 73 طبع الجديد بمصر (1).

____________

(1) و احتمال اتحاد هذا أي كتاب التفضيل مع المعيار و الموازنة غير بعيد.

14

و من جملة كتبه كتاب المقامات في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ذكره و نسبه إلى المؤلف السيد الرضي رفع اللّه مقامه في صدر المختار: (54) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

هذا تمام ما عثرت عليه عاجلا من أسماء كتب المصنف فمن دلّني على مظان وجودها أو غيرها من بقية كتبه فله عليّ مائة تومان.

و من أهدى إليّ كتابا من كتب المؤلّف فله عليّ بإزاء كل صفحة تومان، إضافة إلى إهدائي إليه مجلّدا من تأليفاتي أو تحقيقاتى المنشورة و ما عند اللّه له من الأجر أعظم و أجزل و من صور لي كتابا من كتب المؤلّف يكون قريبا من مائتي صفحة و أهدى إليّ فله عليّ خمسمائة تومان و دورة كاملة من كتاب نهج السعادة في ثمان مجلّدات.

و من صور كتابا من مخطوطات المصنف و أهداه إليّ بحيث يكون قريبا من خمسمائة صحيفة فله عليّ ألف تومان و دورة كاملة من منشوراتي و هي عشرون مجلّدا من نفائس الكتب.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

15

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم/ 2/ و به ثقتي الحمد للّه رب العالمين [الذي‏] ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و على جميع المرسلين.

و بعد، فإن اللّه قد عظّم حق أوليائه و وصل محبّتهم بمحبته و ولايتهم بولايته فمحبّتهم علينا واجبة على قدر تفاضلهم في طاعته إذ جرى حكمه بأن الحب فيه من أفضل ما يتقرّب به إليه، فقد عظّم حرمة نبيّه و حرمة وصيّه و حرمة المؤمن من أعظم الحرم، إذ عظّم حرمة ماله‏ (1) و دمه و نفسه، و أمر [با] لاستغفار له و القيام بنصرته.

فمن وصل ذلك من اللّه بمعرفة أوليائه و [البراءة] من أعدائه، كملت معرفته و وجب له العصمة بإصابة الولاية من اللّه.

و من قطع ذلك من اللّه أقعدته جهالته و لم تتم معرفته و ثوته قلّة (2) عمله عن استكمال‏

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «من أعظم الحرمة إذ عظم حرم ماله ....

(2) كذا في ظاهر رسم الخط. فإن صحّ فمعناه أقامته أو عوّقته قلّة عمله عن استكمال طاعة اللّه.

و كلام المصنف هذا مقتبس من آثار كثيره من محكمات الشريعة؛ ألصقها بالمقام ما رواه السيد الرضي رحمه اللّه في المختار: (164) من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «و فضّل [اللّه‏] حرمة المسلم على الحرم كلّها و شدّ بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلا بالحق ...».

16

الطاعة، و دخل في حزب أهل الضلالة، و في ذلك يقول اللّه: قل‏ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ‏ [98/ البقرة: 2].

و قال: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ‏ [67/ الزخرف: 43].

و قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [10/ الحجرات: 49].

و قال: لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ‏ [13/ المجادلة 58] فرزقنا اللّه و إياكم الاعتصام بحبله و القيام بحقّه في ولاية أوليائه و معاداة أعدائه فإنه يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ الآية 22 [المجادلة: 58].

و نحن بعد الثناء على ربنا و الصلاة على نبيّنا مبتدئون فيما سألتم عنه من الجواب فيما وقع فيه الناس من الاختلاف في الصحابة و إبانة الحقّ و كشف [الصواب في‏] ما ذهبوا إليه بما فيه الشفاء و السلامة و القوة باللّه.

17

[كان سبب انحراف الناس عن عليّ هو الحقد و الضغينة، و العداوة الطائفية، و الحمية الجاهلية]

. ثم اعلموا- سلّمكم اللّه من الهلكة و أيّدكم بالاستقامة و الصواب في المقالة- انّ هذا باب قد كثر قول القائلين فيه و طال اختلافهم و تشعّبت أهواؤهم و توغّرت من أجله صدورهم و اختلفت فيه ائتلافهم‏ (1) و ذلك لأن أوله كان على الضغن و العداوة و العصبية و الحمية، و لم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجل شبهة دخلت أو لبس حدث فاتصلت أسبابه على ذلك و انشعبت فروعه على حسب ما ذكرنا [ه‏] من حدوث أصوله فزرعت في القلوب الهوى و الميل، فتكلم كل إنسان على قدر هواه و ميله و ما سبق إلى قلبه فنصر رأيه و ناظر في تقوية قوله، فتاهوا على طول الأيام و الفوا الخطأ و الضلال و تعدى ذلك إلى العوام من النساء و الرجال فعظم فيه الخطب و كثر القيل و القال و توارثوا تلك الأضغان و الأحقاد حتى ظلّ الراجع عن خطائه المبين لرشده منهم‏ (2) مشتوما قد نبذوه بالألقاب و رموه بالبدعة و الضلال! و حتى أن الجماعة قد [كانت‏] تجتمع فيتناظرون في أبواب الاختلاف و فنون من الكلام فيصغى المستمعون و يتكلم المتكلمون على سبيل إنصاف و طريق حسن حتى إذا شرعوا في الكلام في هذا الباب كثر شغبهم و تكلم ساكتهم و ارتفعت أصواتهم و عظم لغطهم، و انقلبوا عن طبعهم، و تجبروا في مقالهم، و أحالوا في أنفسهم مقالهم، لشدة ما دخلهم من الغضب و التعصب.

[و] هذا قد يكون [يقع‏] من أهل الأدب منهم و المتقدمين في الكلام و النظر.

و قد [كان‏] يجري ما وصفنا بين قوم ليس لهم أوّل يدعو إلى العصبيّة و لا لهم تقدّم يوجب الحميّة.

هذا مع قولهم: إن هذا الباب ليس الخلاف فيه بعظيم و لا الخطأ فيه بكبير و لا

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «اعتلافهم ...».

(2) الظاهر أنّ هذا هو الصواب، و في الأصل: «حتى ضلّ الراجع عن خطأته المبين لرشده منهم ....

18

القول فيه كالقول في العدل و التوحيد.

[و إنما مهّدنا ذلك‏] لتعلموا أن آفة القوم فيه واحدة، و أن العلة فيه قائمة.

فأما أهل الحشو/ 2/ من أصحاب الحديث‏ (1) و سائر العوام فعندهم من التعسّف في هذا الباب، و العناية به و الانكماش فيه على قدر جهلهم بأوّله و آخره و على حسب ما عندهم من قلة المعرفة بالنظر و التمييز [بين‏] السّنة و الفريضة و الشرع إلى التقليد و القول بما دعت إليه ملوك بني أميّة.

و ان ملوك بني أميّة و إن كانت قد بادت فإن عامّتها و شيعتها فينا اليوم ظاهرة متعلّقة بما ورثوه من ملوكهم الطاغية و أسلافهم الباغية (2).

____________

(1) قال في مادة: «حثى» من كتاب تاج العروس: ج 10، ص 90: الحشوية طائفة من المبتدعة.

(2) و هم بعد باقون إلى عصرنا هذا و هو العام (1400) من الهجرة النبوية، و هم يشكّلون السواد الأعظم من المسلمين!!! و مما يدل على قول أبي جعفر و يشهد بما قلناه شهادة قطعية أنه لما قال م مفخر ذرية رسول اللّه و العبقري من علماء علوم أهل البيت السيد الخميني أطال اللّه أيام بركاته ليحق الحق و يبطل الباطل و يزهق تخطيطات الطواغيت في الأجواء الإسلامية و بلاد المسلمين؛ التقى بعض المتعفلقين من طواغيت شيعة بني أمية بآخرين منهم- كما التقى أخوالهم المشركون في عصر النبي و تجمعوا في دار الندوة ليمكروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- فتشاوروا و تفاوضوا حول معارضة ابن رسول اللّه و إبادة أنصاره و أعوانه و القضاء على نظامه و دعوته إلى اللّه و رسوله و أنه لا قانون إلا قانون القرآن، و لا دين إلا دين الإسلام.

فاتفق المتعفلقون و المتأمركون من طواغيت بني أمية و تعاضدوا و تآزروا على محاربة الداعي إلى اللّه و رسوله و القائم بالحق من ذرية رسول اللّه السيد الخميني أعلى اللّه كلمته.

و بعد ما فرغ المجرمون من عهودهم و مواثيقهم على التعاون على الإثم و العدوان و الكفر و الطغيان، تحرك ابن اخت أبي جهل إلى مواطن أبطال الإسلام و أبناء أبي ذر و عمار و سلمان، فهجم عليه بخيله و رجله و هم غافلون برا و بحرا و جوا و قتلوا كثيرا من عجزة المؤمنين الأطهال و النساء و الشيبة و دمروا كثيرا من بيوتهم بالقنابل و الصواريخ و القذائف و المسلمون- إلا من عصمه اللّه- بين معاضد لهم و ساكت!؟!! و عمل هؤلاء و صنيعهم هذا من القرائن الملموسة على أن شيعة بني أمية و من على نزعتهم في كل بن نصر سعون في إطفاء الحق و استئصال المحقين و إحياء الباطل و تعزيز المبطلين؛ و أن معارضتهم للحق و الحقيقة ممتدة من عصر النبي ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم )إلى عصرنا هذا.

19

فبلغ من عنايتهم بخطئهم في هذا الباب أن أخذوا معلّميهم‏ (1) بتعليم الصبيان في الكتاتيب لينشئوا عليه صغيرهم و لا يخرج من قلب كبيرهم و جعلوا لذلك رسالة يتدارسونها بينهم و يكتب لهم مبتدأ الأئمة أبو بكر بن أبي قحافة (2) و عمر بن الخطاب و عثمان ابن عفان و معاوية بن أبي سفيان، حتى ان أكثر العامة منهم ما يعرف عليّ بن أبي طالب و لا نسبه، و لا يجري على لسان أحد منهم ذكره.

و مما يؤكد هذا ما يؤثر عن محمد بن الحنفية [عن‏] يوم الجمل، قال: حملت على رجل فلما غشيته برمحي، قال: أنا على دين عمر بن أبي طالب!!! قال: فعلمت أنه يريد عليا؟!!! فأمسكت عنه‏ (3).

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في الأصل: الذي أخذوا ...

(2) هذا هو الظاهر. و في الأصل: «أبي بكر بن أبي قحافة ....

(3) فمثل شيعة آل أبي سفيان في عرفان نسب عليّ (عليه السلام) في أكثر الأزمنة مثل شخص كان شهد بالكفر و نسب الزندقة إلى رجل عند جعفر بن سليمان. فقيل له بأيّ سبب. تحكم بكفره و تشهد بالزندقة عليه؟ فقال: إنّه خارجي معتزلي ناصي حروري جبري رافضي يشتم عليّ بن الخطاب و عمر بن أبي قحافة، و عثمان بن أبي طالب، و أبا بكر بن عفّان؟! و يشتم الحجّاج الذي كان والي الكوفة لأبي سفيان، و حارب الحسين بن معاوية يوم القطائف!!! فقال له جعفر بن سليمان: قاتلك اللّه ما أدري على أيّ شي‏ء أحسدك؟! أعلى علمك بالأنساب؟ أم بالأديان؟ أم بالمقالات؟!!.

20

[أرجحية القول بتفضيل عليّ‏

[أرجحية القول بتفضيل عليّ اتّباعا لروايات أكابر الصحابة، على القول بمفضولية عليّ تقليدا لابن عمر؛ ثم نقض رواية المنحرفين عن عليّ بعلة تكلم نذر يسير من ضعفاء الصحابة فيه، بمردودية قولهم بتقريض جمّ غفير من عظماء الصحابة إيّاه. ثم معارضتهم بأن من تكلم من أعاظم الصحابة في عثمان كان أكثر ممن تكلم في عليّ (عليه السلام) من أصاغر الصحابة فما بال المنحرفين لم يتأثروا بكلام أشراف الصحابة في عثمان، و تأثّروا بكلام الأنذال في عليّ (عليه السلام)؟!!!].

و مما يدلك [على‏] أن العامة مخدوعة متحيرة بفقد العلم و المعروفة، مغرورة في هذا الباب. أنهم جميعا يشهدون أن أبا بكر أفضل من عمر و يسندون تفضيل أبي بكر على عليّ إلى [حديث‏] عبد اللّه بن عمر (4) فيقلّدونه الخبر.

و قد جاءهم الإسناد في تفضيل عليّ و تقديمه [على كافة الناس‏] عن محمد بن أبي بكر و سلمان و عمار بن ياسر، و ما كان من شهرة قيامهم مع عليّ بن أبي طالب.

فلم يلتفتوا إلى ذلك.

فإن كانوا مالوا إلى تصديق عبد اللّه بن عمر لأنه أفضل و أعبد و أخير- و إن لم يكن عندنا على ذلك- فتقليد عليّ بن أبي طالب و من ذكرنا [ه‏] أولى لأنه خير من عبد اللّه بن عمر و أفضل لا يشكون في ذلك و لا يمترون.

____________

(4) و هو قوله: كنّا نقول على عهد رسول اللّه: خير الناس رسول اللّه ثمّ أبو بكر ثمّ عمر ...

و انظر الحديث و نقده تحت الرقم: (283) و تواليه من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 1. ص 243 ط 2.

21

و إن كانوا مالوا إلى عبد اللّه بن عمر لأن أباه كان إماما فاضلا، فالميل إلى محمد ابن أبي بكر أوجب لتقديمهم لأبي بكر على عمر و تفضيلهم إيّاه [عليه‏] و لا أجد لهم في ذلك علة يوجبها التميّز و النظر غير ما ذكرنا [ه‏] من الخديعة و تقليد الخبر.

و أبين من هذا في جهل الأنعام الضالّة و الحمر المستنفرة أن عائشة عندهم في أزواج النبيّ صلى اللّه عليه أشهر و هي عندهم أفضل من بنت أبي سفيان، و أكثر في الشهرة و المعرفة، فإذا ذكر [أحد] معاوية بسوء غضبوا و أنكروا و لعنوا [من ذكره بسوء] و علّتهم انّه خال المؤمنين!! و إذا ذكر محمد بن أبي بكر بسوء رضوا و أمسكوا و مالوا مع ذاكره؛ و خئولته ظاهرة بائنة.

و قد نفرت قلوبهم من عليّ بن أبي طالب لأنه حارب معاوية و قاتله، و سكنت قلوبهم عند قتل عمار و محمد بن أبي بكر و له حرمة الخؤلة، و هو أفضل من معاوية و أبوه خير من أبي معاوية.

[فتدبّروا فيما ذكرناه‏] لتعلموا أن علة القوم الخديعة و الجهالة و إلا فما بالهم لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر، و لا يذكرون خئولته للمؤمنين؟ قاتلهم اللّه أنى يؤفكون.

و قد مالوا عن إمامة عليّ بن أبي طالب و ضعّفوها، و بعضهم نفاها بما كان من خلاف عائشة و طلحة و الزبير، و قعود ابن عمر و محمد بن مسلمة و أسامة بن زيد، و هؤلاء النفر الذين أوجبوا الشك في عليّ عندهم و ضعّفوا إمامته بقولهم [هم‏]، الذين طعنوا على عثمان و ألّبوا عليه و ذكروه بالتبديل و الاستيثار، [و] أوّلهم [بادرة عليه كانت‏] عائشة [كانت‏] تخرج إليه قميص رسول اللّه و هو على المنبر و تقول: يا عثمان هذا قميص رسول اللّه صلى اللّه عليه لم يبل و قد أبليت سنّته‏ (1).

فو اللّه ما قدح الشك في قلوبهم في عثمان بقولهم و لا قصّروا عن تفضيله/ 4/ و تقديمه‏

____________

(1) تجد جمرات متوقّدة من صياح أمّ المؤمنين عائشة على عثمان في الغدير: ج 9 ص 78 و تواليها.

22

بطعنهم و لا أثّر ذلك في صدورهم!! و عللهم في استنكارهم على عثمان مأثورة مذكورة مشهورة.

فلما قعدوا عن عليّ جعلتم قعودهم حجّة و طعنهم علّة [ظ] في الشك و التنقيص و صرف الإمامة عنه، من غير أن يذكروا علّة تبديل و لا استيثار و لا تغيير أكثر من نكثهم و طعنهم.

و قد رويتم أن عثمان نفى أبا ذرّ، و قد عرفتم تقدم أبي ذرّ (1) و سابقته، و [أقررتم‏] ما صنع [عثمان‏] بابن مسعود و غيره من أكابر أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه )(2).

و لا تجدون أحدا مدّ عليّ بن أبي طالب إليه يده قبل أن يبدأه بالبغي و الخلاف، و لا ذكر عنه استيثار و لا خيانة و لا خطأ وجدوه عليه.

على أنّا نوجدكم لكل من ذكرتم معارضين في دعواهم مخطئين لهم في خلافهم و قعودهم.

أمّا عائشة فقد عارضتها أم سلمة بالخلاف عليها و التخطئة لها بحجج أوردتها لم تستطع إنكارها.

و أمّا عبد اللّه بن عمر فقد عارضه عبد اللّه بن عباس و هو أكبر منه علما و فضلا.

و أمّا طلحة و الزبير فقد أقرّا بالبيعة، و نكثا و هما أول من بايع [عليّا (عليه السلام)‏].

و أمّا محمد بن مسلمة فأكبر منه سلمان.

و أمّا أسامة بن زيد فأفضل منه عمّار بن ياسر.

فلم ملتم مع من ذكرنا و قد عارضهم من وصفنا؟

____________

(1) و القصّة من ضروريات فنّ التاريخ، و انظر الغدير: ج 8 ص 292 و تواليها من ط 3.

(2) انظر بعض ما جرى بين عثمان و عبد اللّه بن مسعود و غيره من أكابر الصحابة من كتاب الغدير: ج 9 ص 3 و تواليها.

23

و زاد عليهم سبعون بدريا و سبع مائة من المهاجرين و الأنصار (1) منهم المقداد بن الأسود، و أبو أيّوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أبو الهيثم ابن التيهان، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و غيرهم من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم.

و كيف تمت بيعة أبي بكر عندكم بأبي عبيدة بن الجراح و عمر بن الخطاب مع خلاف سعد و امتناعه من البيعة، و خلاف الأنصار، و أبو بكر [هو] الساعي إليها و الداعي لها؟! و لم تتم بيعة عليّ بن أبي طالب بالمهاجرين و الأنصار و السابقين إلى الإيمان و هم الطالبون له و المجتمعون عليه و ليس له نظير في زمانه يشاكله و يعادله.

أف لهذا من مقال ما أبين تناقضه و أقل حياء الداين به!! فخلاف من لم يبايع [أبا بكر] حتى مات أكثر في تضعيف الإمامة من خلاف من نكث البيعة و ادّعى بعد الإقرار.

فإن قلتم: إن الأنصار اتّفقت بعد خلافها، لا يمكنكم ادعاء ذلك في سعد بن عبادة و ما تروونه من قول سلمان‏ (2).

و [لا يمكنكم إنكار] إقرار طلحة و الزبير [بالبيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ نكثهما بيعته بلا عذر مقبول في الدين بل و لا عند العقلاء المستقيمين ممن لا يتديّن بدين‏] و إن كان رجوعهما [عن بيعتهما] يدلّ [بزعمكم‏] على خطائهما في بدء الأمر (3).

____________

(1- 2- 3) كذا في الأصل و قال الحاكم في أواخر ترجمة عثمان من المستدرك: ج 3 ص 104:.

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الخضر بن أبان الهاشمي، حدّثنا عليّ بن قادم، حدثنا أبو إسرائيل، عن الحكم، قال:

شهد مع عليّ صفّين ثمانون بدريّا و خمسون و مائتان ممن بايع تحت الشجرة.

و قال في ترجمة من الإستيعاب: ج 2 ص 413. قال عبد الرحمن بن أبزي شهدنا مع عليّ صفّين في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاثة و ستون منهم عمار بن ياسر.

و رواه أيضا ابن حجر في الإصابة: ج 4 ص 149، قال: و أسند ابن السكن من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأبزي. قال: شهدنا مع عليّ (عليه السلام) ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثمان مائة نفس صفّين فقتل منّا ثلاث مائة و ستون.

24

و أكبر منه بكاء عائشة و ندامتها (1) و تلهّف ابن عمر على ذلك، حتى دعا ابن عمر ما استبان [له‏] من تقصيره إلى الغلوّ و الإفراط في مبايعة الحجاج بن يوسف و اعتل بأنه سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )يقول: من مات و لا إمام له مات ميتة جاهلية (2) فهذا يدلّ على أنّه قد اعتقد إمامة عليّ بن أبي طالب لأن من اعتقد إمامة الحجّاج لم يذهب عن إمامة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

فما رأيت خطا أعظم و لا تقصيرا أبين من فعل ابن عمر المغفّل مع روايتكم عنه أنه قال: ما آسي إلا على ثلاث: منها اني لم أكن قاتلت هذه الفئة الباغية (3).

____________

(1) سنعلم قريبا أن ندامتها كانت من أجل الفشل و المغلوبية لا من جهة ارتكاب المعصية.

(2- 3) الحديث من الحقائق الثابتة بين الشيعة و أهل السنة.

كذا في الأصل، غير أنّ لفظتا: «آسي- و- إلّا كانتا في الأصل مصحّفتان. و لم أجد الحديث بهذا السياق إلّا في هذا المورد، نعم إنّ الفقرة الأخيرة منه قد وردت عن مصادر ..

و قد رواها في أواخر ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب الإستيعاب بهامش الإصابة: ج 3 ص 53 قال:

و يروى من وجوه عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر أنّه قال: ما آسي على شي‏ء إلّا أنّي لم أقاتل مع عليّ الفئة الباغية.

ثمّ رواه بسند آخر.

و رواه أيضا البلاذري في الحديث: (209) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الأشراف: ج 2 ص 179.

قال:

حدثنا عمرو بن محمد، و الحسين بن الأسود. حدثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأنا كامل أبو العلاء:

عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسي على شي‏ء من الدنيا إلّا قتالي مع الفئة الباغية.

و قريبا منه رواه الحاكم في باب مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) من المستدرك: ج 3 ص 115.

و رواه أيضا ابن الأثير في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب أسد الغابة: ج 4 ص 33 ط 1، و قد علّقنا الأخيرين أيضا على الحديث: (1210) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 3 ص 174.

ط 1.

25

[المقايسة بين ما صنعه أمير المؤمنين من الصفح و الرجاحة، و ما أتى به من تقدّمه من الخفّة و الشراسة]

. و قد رويتم من توخّي أمير المؤمنين للحقّ و تركه لإعمال الهوى و صبره على كظم الغيظ ما لا خفاء به عن [كل‏] ذي عقل.

بلغ عثمان أن أبا ذرّ يتكلم في الشام فسيّره إلى المدينة، و تكلّم بالمدينة فنفاه إلى الربذة. و تكلم عمار فصنع به ما بلغكم، و [فعل‏] بابن مسعود ما رويتم، و تكلم سعد ابن عبادة، فقال عمر: اقتلوا سعدا قتله اللّه، حتى عارضه قيس بمثل ما تكلم فأمسك.

[ما دار بين أمير المؤمنين (عليه السلام) و بين من خالفه بعد مبايعتهم إيّاه، و ما جرى بين أم المؤمنين أم سلمة و عائشة].

و تكلم طلحة و الزبير بعد البيعة فبلغ ذلك عليا فدعا بهما فأنكرا فلم يعجّل عليهما و استأذناه إلى مكة فلم يحبسهما [و كان‏] يعمل المراقبة في أمرهما و لا يمضي على التهمة حتى ينكشف الغطاء، فلما خرجا جعلا لا يلقيان أحدا إلّا قالا له: ما له علينا طاعة و لا بايعناه/ 5/ إلا مكرهين.

و انتهى الخبر إلى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فتلا هذه الآية:

«إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه، يد اللّه فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه‏

26

[10/ الفتح: 48]. ثم قال: ما العمرة يريدان و لقد أتياني بوجهي فاجرين و خرجا من عندي بوجهي غادرين‏ (1) ناكثين [و اللّه‏] لا ألقاهما [بعد] إلّا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما، فما خفي أمرهما عليه، و لقد أصاب الرأي فيهما و أعمل الحق في تخليتهما حتى كشفا قناعهما، و أبرزا صفحتهما للحق.

فأما عائشة، فقد علمتم توبتها و رجوعها (2) و ذلك لأن اللّه أمرها بلزوم بيتها، و نهاها ألّا تتبرّج بقوله: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏» [33/ الأحزاب: 33] و قد وقّفتها أم سلمة على ما فيه رشدها و صلاحها، و ذكّرتها وصية النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لها، و أم سلمة لم تقل ما قالت في عليّ لقرابتها القريبة منه، و لا لهوى و ميل إليه بغير الحق، و قد كانت مخزومية غير أن الدين و التقوى و الورع و الرغبة في الحق دعاها إلى القول بفضل عليّ و الصدع به.

____________

(1) هذا هو الصواب الموافق لما رويناه في المختار: (68) من نهج السعادة: ج 1، ص 232 ط 1، و ما وضعناه بعد ذلك بين المعقوفات أيضا مأخوذ منه، و في الأصل: «بوجهين فاجرين و خرجا من عندي بوجهين غادرين ....

(2) القرائن حاكمة بعدم توبتها، و أنّ ندامتها كانت ندامة مغلوبة لا تائبة، منها قولها لمّا بلغها شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام):

فألقت عصاها و استقرّ بها النوا * * * كما قرّ عينا بالإياب المسافر

و انظر شرح القصّة مما ذكرناه في ذيل المختار: (65) من باب الوصايا من نهج السعادة: ج 8 ص 508 و منها منعها من دفن الإمام الحسن في حجرة جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

كما رواه ابن سعد في الحديث: (175) من ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من الطبقات الكبرى:

ج 8 ص ...

و رواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (357) من ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من تاريخ دمشق ص 224.

و رواه أيضا في الحديث: (71) من ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من أناب الأشراف: ج 3 ص 61 ط 1.

و رواه أيضا المدائني كما في شرح المختار: (31) من الباب الثاني من نهج البلاغة، من شرح ابن أبي الحديد: ج 16، ص 13، طبع الحديث بمصر.

و رواه أيضا أبو الفرج في آخر ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من مقاتل الطالبيين ص 74.

27

[ما خطّته أم المؤمنين عائشة و نقضته أم المؤمنين أم سلمة سلام اللّه عليها]

. و فيما يؤثر عنها: أن عائشة لما لقيتها بمكة قالت لها: يا بنت أبي أميّة كنت أوّل ضعينة هاجرت، و كنت كبيرة أمهات المؤمنين، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )يقسم لنا من بيتك، و كان جبريل أكثر شي‏ء تعبّدا في بيتك‏ (1).

قالت أم سلمة: يا بنت أبي بكر لأمر ما تقولين هذا القول؟! قالت عائشة: إنّ ابنيّ و ابن أختي‏ (2) أخبراني أن القوم استتابوا الرجل حتى إذا تاب قتلوه- يعني عثمان- و أخبراني: أن ابن عامر أخبرهم أن بالبصرة مائة ألف يغضبون لقتله و يطلبون بدمه و قد خشيت أن يكون بين الناس حربا و دما، فهل لك أن أسير أنا و أنت لعلّ اللّه أن يصلح هذا الأمر على أيدينا؟ قالت لها أم سلمة: يا بنت أبي بكر: أ بدم عثمان تطلبين؟ فو اللّه إن كنت لأشد الناس عليه و ما كنت تدعينه إلا نعثلا!! أم على عليّ ابن أبي طالب تنقمين و قد بايعه المهاجرون و الأنصار، أذكّرك اللّه و خمسا (3) سمعتهنّ أنا و أنت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم! قالت: و ما هنّ؟ قالت:

[أ تذكرين‏] يوم أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )و نحن معه حتى إذا هبط من «قديد» مال الناس ذات اليمين و ذات الشمال، فأقبل هو و عليّ بن أبي طالب يتناجيان، فأقبلت على جملك [عليهما] فنهيتك، و قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )مع ابن عمّه و لعلّ لهما حاجة؛ فعصيتيني، فهجمت عليهما فلم تلبثي أن رجعت تبكين، فقلت لك:

____________

(1) و في شرح نهج البلاغة: «و كان جبريل أكثر ما يكون في منزلك».

(2) و في شرح نهج البلاغة: «إن عبد اللّه أخبرني أنّ القوم».

(3) و في شرح نهج البلاغة: «فقالت أم سلمة إنّك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان و تقولين فيه أخبث القول، و ما كان اسمه عندك إلّا نعثلا، و إنّك لتعرفين منزلة عليّ بن أبي طالب، أ فأزدك؟ قالت: نعم ...».

28

قد نهيتك، فقلت: و اللّه ما جرأني على ذلك إلّا أنّه يومي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقلت لك: ما أبكاك؟ فقلت: هجمت عليهما فقلت: يا عليّ إنما لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه من تسعة أيام يوم، فلا تدعني و يومي؟ فأقبل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )غضبانا محمرّا وجهه، فقال: و اللّه لا يبغضه أحد من أهل بيتي و غيرهم إلّا خرج من الإيمان، و إنّه مع الحق و الحق معه! أ تذكرين هذا؟ قالت: نعم! قالت: و يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أنت تغسلين رأسه و أنا أحيس [له‏] حيسا (1) و كان يعجبه فرفع رأسه إليّ فقال: يا بنت أبي أميّة أعيذك باللّه أن تكوني منبحة كلاب الحوأب، و أنت يومئذ ناكبة عن الصراط. فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ باللّه و برسوله من ذلك. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إنّ إحداكنّ يفعل هذا (2) أ تذكرين هذا؟ قالت: نعم! قالت: و يوم كنا أزواج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )في بيت حفصة بنت عمر فتبذلنا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )و لبست كل امرأة منا ثياب صاحبتها فأقبل رسول اللّه/ 6/ (صلّى اللّه عليه و سلم )حتى جلس إلى جنبك و كنت تعجبينه فقال:- و ضرب بيده على ظهرك-: أ ترين يا حميراء أني لا أعرفك إن لأمّتي منك يوما مرّا. أ تذكرين هذا؟ قالت: نعم‏ (3).

قالت: و يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )في بعض أسفاره و كان عليّ يتعاهد ثياب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )و نعله، فإذا رأى ثوبه قد توسّخ‏

____________

(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في شرح النهج، و في الأصل: «و أنت تفلّين رأسه و أنا أحوس حيسا و كان يعجبه ...».

(2) و في شرح النهج: «قالت: و أذكرك أيضا كنت أنا و أنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و أنت تغسلين رأسه و أنا أحيس له حيسا، و كان الحيس يعجبه فرفع رأسه و قال: يا ليت شعري ايّتكنّ صاحبة الجمل الأذنب، تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط. فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ باللّه و برسوله من ذلك.

ثمّ ضرب على ظهرك و قال: إيّاك أن تكونيها. ثمّ قال: يا بنت أبي أميّة إيّاك أن تكونيها. يا حميراء أمّا أنا فقد أنذرتك».

(3) من قوله: «قالت و يوم كنّا أزواج رسول اللّه- إلى قولها-: نعم» غير موجود في شرح النهج طبع مصر بدار الكتب العربية.

29

غسله، و إذا رأى نعله قد نقبت أو رثّت خصفها، فأقبل عليّ يوما فأخذ نعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )فخصفها في ظلّ سمرة، فأقبل أبوك و عمر فاستأذنا فقمنا إلى الحجاب فدخلا ثم قالا: يا رسول اللّه إنا و اللّه ما ندري ما قدر ما تصحبنا، أ فلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا إليه؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أمّا إني قد أرى مكانه و لو فعلت لنفرتم عنه كما نفرت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران.

فلما أن خرجا، خرجت أنا و أنت فقلت له:- و كنت جريئة عليه-: يا رسول اللّه من كنت مستخلفا عليهم،؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: خاصف النعل؛ قال: فنظرت إلى عليّ بن أبي طالب فقلت: يا رسول اللّه ما أرى إلا عليّ بن أبي طالب.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: هو ذاك. أ تذكرين هذا؟ قالت: نعم‏ (1).

قالت: و يوم جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )أزواجه عند موته. فقال: يا نسائي! اتّقين اللّه و قرن في بيوتكنّ و لا يستفزّنكنّ أحد. أ تذكرين هذا؟ قالت: نعم.

فخرجت من عندها و قد ضعفت عزيمتها، و فترت عن الخروج، و أمرت مناديها فنادى بمكّة: ألا إن أم المؤمنين قد بدا لها من الخروج.

فاجتمع عليها طلحة و الزبير، و مروان بن الحكم و عبد اللّه بن الزبير، فقلّبوا رأيها و موّهوا الأمور عليها، و استغلطوها و استغفلوها، و قالوا لها: تخرجين و تصلحين بين الناس فلعلّ اللّه أن يدفع بك الفتنة فهو أعظم لأجرك؟!! فردّوا رأيها و قوّوا عزمها (2).

____________

(1) و في أواخر باب مناقب أهل البيت من اللآلي المصنوعة: ج 1. ص 211 ط 1. شاهد لما هاهنا.

(2) و رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (79) من نهج البلاغة- و هو قوله (عليه السلام): «معاشر الناس إنّ النساء نواقص الإيمان ...»-: ج 2 ص 77 ط مصر، و في ط الحديث بمصر: ج 6 ص 217 و رواه عنه العلامة الأميني في الغدير: ج 2 ص 319 ط 3.

30

[كتاب أم المؤمنين أم سلمة رضوان اللّه عليها إلى أمير المؤمنين عند مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة و إعلامها أمير المؤمنين بمسير القوم و بعثها ابنها عمر بن أبي سلمة لمعاضدة أمير المؤمنين (عليه السلام)‏]

. فلما ساروا إلى البصرة ذكروا أن أم سلمة كتبت إلى عليّ بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين! إنه و اللّه لو لا أن نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )أمرنا أن نقرّ في بيوتنا لخرجت معك، و لكنني باعثة معك سمعي و بصري عمر بن أبي سلمة ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو ابن أخيك فأغذه بالعلم و رشّحه بالمروءة، و احفظ منه ما تحفظ من ابنيّ الحسن و الحسين.

فلما زحف عليّ للمسير دعت أمّ سلمة ابنها، و كان له فضل و فقه و عبادة، فقالت له: يا بنيّ الحق بعليّ بن أبي طالب فإذا لقيت الخيل فاطعن و اضرب و اعلم أنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم )يقول: في عليّ قولا لا يحلّ لك [بعده‏] أن تتخلّف [عنه‏] و لا يحلّ لي أن أحبسك.

فمضى إلى عليّ حتى لحق به و قاتل معه.

31

[ذكر أصناف المخالفين و المعادين للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)‏]

و نحن راجعون إلى ذكر أصناف المخالفين، ثم نأتي إلى الردّ عليهم بما فيه إيضاح الحق و قمع الباطل، فاستمعوا لما نحن ذاكروه، و أحضرونا أفهامكم، و التمسوا الإنصاف بترك الميل يتبيّن لكم الحقّ بدلائله الواضحة و أسبابه الجلية.

قد علمتم أن أقوى الخطأ في هذا الباب- و الذي أشكل على أهل النظر- من علماء المرجئة و المعتزلة [هو جهلهم بأول هذا الأمر و آخره، و قلّة معرفتهم بالنظر و التمييز بين السنّة و الفريضة، و تشريعهم التقليد بما دعت إليه ملوك بني أمية] (1) فبعضهم قدّم أبا بكر على عليّ، و بعضهم أمسك و دان بالوقف.

و أفضح من هذا خطأ موازنة عليّ بطلحة و الزبير، و الوقوف عندهم، و هو ما تعلّقت به خاصّة العامّة.

و أعظم من هذا جهلا و عمى موازنة عليّ بمعاوية و هو ما ذهب إليه بعض العامّة المتحيّرة و طغام الحشوية البائنة.

فإذا بدأنا بالقول الأول و بيّنّا باطله، و أوضحنا خطأه وضح ما بعده و بان.

و لعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏ (2) عند اختلاف الناس فيه مثل من عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه و سلم، فاختلفت الأمّة/ 7/ في عليّ أصنافا كما اختلفت أمّة عيسى صلّى اللّه عليه فيه أصنافا، و أفرط فيه قوم فعبدوه، و قصّر فيه قوم فشتموه و قذفوه.

____________

(1) ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ مما تقدّم عن المصنّف في ص 4.

(2) و في هامش الأصل بخط مغاير لخط الأصل: «صلوات اللّه عليه ...».

32

فمنزلة النصارى في الإفراط، منزلة الروافض في الإفراط (1) و منزلة المرجئة في النصب و التقصير في عليّ منزلة اليهود في التقصير و شتم عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه.

و في ذلك ما يؤثر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )أنّه قال لعليّ: يهلك فيك رجلان محبّ مفرط، و مبغض مفرط (2).

و أوّل ما [يجب‏] في هذا الباب من التنبيه على الحق قبل التلخيص و التفسير: أنكم تعلمون أن بلدان النصب و المقصّرين عن فضل عليّ بن أبي طالب الشام و الريّ و البصرة.

و أمّا البصرة، فإن الأمور لما انكشفت و رجع الناس- بعد الذي كان- إلى النظر استبصروا و أبصروا و شيّعوا و زادوا، و كذلك أهل الشام و الريّ‏ (3).

[و] ليعلم أن أموره تنكشف على طول الأيام، و أن الحق يعلو عند النظر بما ترادف من قوارع الحجج، فيمل الناس الجهل و التعصب و الخطأ (4) ..

و أخرى أيضا انك لم تر شيعيا قط رجع القهقرى بل يزداد في الإفراط، و يغلو في القول و لا يرجع إلى التقصير حتى يصير بالإفراط رافضيا كبيرا!!! و لذلك قال بعض الناس: أرني شيعيا صغيرا أريك رافضيا كبيرا.

____________

(1) مراده من الروافض هم القائلون بربوبيّة عليّ بقرينة تنزيل منزلتهم منزلة النصارى.

(2) هذا هو الصواب، و في الأصل: «و مغط مفرط».

و للحديث مصادر كثيرة، و قد ذكره الحافظ الحسكاني في تفسير قوله تعالى: «و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدّون» [57/ الزخرف: 44].

و رواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (737) و ما حوله من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 2 ص 159 ط 2 و قد علّقناه أيضا عليهما من مصادر شتّى.

و رواه أيضا البحراني في الباب: (181) من كتاب غاية المرام ص 424.

و رواه أيضا في الحديث: (132- 135) في الباب: (35) من السمط الأول من فرائد السمطين:

ج 1. ص 172. ط 1.

(3) التشيّع في عموم أهل الشام غير معهود. نعم تركوا لعن أمير المؤمنين و شتمه في أيّام بني العباس. في الأماكن العامّة و على رءوس الأشهاد.

(4) لعلّ هذا هو الصواب، و ظاهر رسم الخط من الأصل المخطوط: «الخطباء».

33

و علّة ذلك انه إذا قال بالتشيّع اتّسعت عليه الفضائل و كثرت المناقب و ترد عليه عند النظر من فضائل صاحبه، و تقدمه دلائل تبهر و تلوح كالقمر الأزهر و كالنجوم المضيئة فيضيق عليه المخرج، فلا يكون عنده من الورع و حزم التوقي و لطافة النظر و العلم بالمخرج ما يمنعه من الغلوّ و يقعده من الإفراط و التقدم، فعندها ترفض.

و أفرط [قوم في بغضه و مقته فلعنه‏] و شتم و كفر (1).

و قال قوم بنبوّته. و قال آخرون فيه بمثل مقالة النصارى في عيسى بن مريم.

و لا تجد أحدا قال ذلك في أبي بكر و عمر. بل قد نجد القائلين بتقديم أبي بكر و عمر قد يرجعون إلى ترك المذهب، و يميلون إلى الاعتقاد الحسن، و الصواب في اعتقاد التشيّع.

و لسنا نجعل إفراط من أفرط و شتم من شتم حجّة في تقديم عليّ بن أبي طالب على أبي بكر و عمر، و إنما جعلنا ذلك تنبيها قبل النظر لتعلموا أن التمييز و المعرفة في تقديمه يحثّان على الفحص و النظر، و لأن قوما دعاهم التعصّب و الحمق إلى ان جعلوا إفراط من أفرط فيه، و خلاف من خالفه تنقّصا لأبي الحسن صلوات اللّه عليه، فأريناهم أن ذلك في الفضل أولى من النقص، و على التقديم أدلّ منه على التقصير كما قلنا في عيسى بن مريم.

[و بلغ التوهم إلى حد] حتى دعا قوما إلى أن زعموا أن كثرة الخلاف عليه في عسكره و ما حدث من نكث الناكثين عليه يدل على أنه لم يكن له نفاذ في التدبير و لا كان معه من حسن التأليف و رجاحة السياسة ما كان مع غيره على ما زعموا.

و هذا غاية ما يكون من التعدي في القول و الإفراط في ترك قلّة الإنصاف و ذلك بأنهم لم يوقفونا من سوء تدبيره و خطأ سياسته على أمر معروف و لا على حديث في ذلك مأثور و مشهور، و [إنما] أرادوا أن يوجّهوا ذلك بالقياس قصدا منهم إلى نصرة الخطأ و ميلا إلى العصبيّة و الحما.

____________

(1) ما بين المعقوفين قد سقط من الأصل، و لا بدّ منه أو مما هو في معناه.

34

و هيهات أن ينالوا في عليّ ما قصدوا إليه، و لو كان ما ذهبوا إليه صوابا قلنا (1):

فارتداد العرب قاطبة، و اجتماعها على الردّة في أيام أبي بكر أعظم و أدلّ على الخطأ في الرأي، و الغلط في السياسة، لأن الفتنة كانت أعظم في أيامه و كذلك فتنتهم أيام عثمان أشد، و اختلافهم [عليه‏] أكبر و أجلّ؛ فما قلتم/ 8/ على عثمان أوجب و من أبي حسن أبعد لأن الخلاف عليه كان هو سببه و علّته و ذلك مأثور مشهور في [كتب‏] العامّة فكيف في [كتب‏] الخاصة. و ذلك أنّ القوم خالفوه لما ظهر من ضعفه و عواره، و لما حدث عندهم من نهمته و دعوى من ادّعى عليه تبديل السنن و استيثار الفي‏ء، و إيواء الطريد (2) و رجوعه [عن رأيه‏] مرة بعد أخرى، و من شي‏ء بعد شي‏ء، و إخراج أبي ذرّ رضي اللّه عنه‏ (3).

فهذا عليكم في عثمان قد وجب، و في عليّ قد بطل،، فالحمد للّه على تعريفه بهت من كفر، و قمع من عاند.

و متى اعتلّ أهل الحيرة في تنقيص أبي حسن بما حدث في زمانه من الخلاف و الفتن، فذلك عليهم في أبي بكر أوجب و لعثمان ألزم.

و متى صوّبوا رأي عثمان في كفّه عن الحرب و خطّئوا عليا في إقدامه على القتال لزمهم تخطئة أبي بكر في محاربته لمن منع الزكاة أ [ن‏] يلزموه الضلال و الخطأ إذ زعم أنه يسفك الدماء و يقتل الأنفس من أجل عقال لو منعوه.

و منى صوّبوا أبا بكر في رأيه، خطّئوا عثمان في كفّه عن الدفع عن نفسه و دينه.

فأين المذهب و المفرّ و قد أحاطت بكم الحجج لو لا المعاندة و التعصب.

و أبين من هذا أن أسامة بن زيد لما سئل عن علّة قعوده‏ (4) عن نصرة أمير المؤمنين على أعدائه أنّه قال: حلفت أيّام النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )أن لا أقاتل من قال: لا

____________

(1) هذا هو الظاهر و في الأصل: «فإن قلنا: فارتداد العرب ...».

(2) و هو الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم الذي كان يستهزئ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

(3) و ما ذكره هاهنا من ضروريات التاريخ، راجع تاريخ الطبري و أنساب الأشراف، و الكامل لابن الأثير و غيرها.

(4) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «عن علّته و قعوده».

35

إله إلا اللّه. و ذلك إنه كان في سريّة في بعض محاربة المشركين فقتل رجلا بعد أن قال:

أشهد أن لا إله إلا اللّه. فقال رسول اللّه: قتلته و هو يشهد أن لا إله إلا اللّه؟ فعاهد [أسامة] رسول اللّه صلّى اللّه عليه أن لا يقاتل أحدا يشهد الشهادتين.

فأخطأ في أوّل مرّة في الحكم في قتل الكفرة، و غلط في حكم اللّه في محاربة أهل القبلة، لأن الكافر إنما وجبت محاربته لإنكاره الشهادة؛ و أهل الصلاة لم يجب قتالهم لإقرارهم‏ (1) و إنما وجب قتالهم لبغيهم، فالحكم في أهل الصلاة أن يكفّ عن قتلهم إذا رجعوا عن بغيهم، و فاءوا إلى أمر ربّهم كما أن الحكم في أهل الكفر أن لا يقاتلوا إذا رجعوا عن كفرهم.

فلم يسلم [أسامة] من الخطأ في إقدامه و لم يدرك الصواب في إمساكه، فغلط أسامة الضعيف في الحكمين [جميعا].

على أن هذا من قول أسامة يدل على تخطئة أبي بكر في رأيه؛ لأن أبا بكر قد رأى محاربة من أقرّ بالشهادة و صلّى القبلة.

و العجب أن الخلاف على أبي بكر كان في هذا الرأي أكثر، لأن عامّة أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )أسندوا رأيهم في خلاف أبي بكر إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )فقالوا: سمعنا النبيّ صلّى اللّه عليه يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها منعوا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقها و حسابهم على اللّه.

فكان هذا من قولهم أكبر في الخلاف، و أعظم في الشبهة مما رواه محمد بن مسلمة أنه سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )يقول: إذا رأيت فتنة فاتّخذ سيفا من خشب و اضرب بسيفك الحائط (2).

مع روايتكم الظاهرة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )قال: «عليّ مع الحق و الحق‏

____________

(1) كذا.

(2) و على أمثال هذا الخائن يوجّه و ينطبق قوله تعالى في الآية: (49) من سورة التوبة: (9)، ألا في الفتنة سقطوا و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين.

36

مع عليّ» (1) فكيف تكون فتنة [حرب‏] قائدها و دليلها عليّ بن أبي طالب؟!.

مع روايتكم المشهورة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم )أنه قال: إن وليتموها أبا بكر وجدتموه ضعيفا في بدنه قويا في دين اللّه، و إن وليتموها عمر وجدتموه قويا في بدنه قويا في دين اللّه، و إن ولّيتموها عليا يهدكم طريق الحق و يسلك بكم المحجّة البيضاء (2).

فقبلوا هذا الرأي من أبي بكر من غير أن يسنده لهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لا يستشهد عليه أحدا من طريق الأثر، و شكّوا في مثله، و لم يصوّبوا/ 9/ نظيره في [عليّ في‏] محاربته من بغى و نكث و شقّ العصا و استأثر بالفي‏ء (3) مع إسناد

____________

(1) رواه الترمذي في الحديث الثالث من باب مناقب عليّ (عليه السلام) من سننه: ج 12، ص 126.

و انظر ما رواه ابن عساكر في الحديث: (1162) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق.

ج 3 ص 120 ط 1.

و انظر أيضا الباب: (36) من السمط الأوّل من فرائد السمطين: ج 1، ص 176، ط 1.

و رواه أيضا في الباب: (45) من الفصل الأخير من كتاب غاية المرام ص 539 ط 1، عن مصادر.

و رواه أيضا العلامة الأميني في الغدير: ج 3 ص 179، ط 2 و رواه أيضا عن مصادر في كتاب ذيل إحقاق الحق: ج 5 ص 644.

(2) للحديث مع هذه الخصوصية أسانيد كلها ضعيفة، و لهذا أدرجه ابن الجوزي في الواهيات. كما في «ذيل الخلافة» من منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد: ج 2 ص 191، ط 1.

و قال الذهبي في تلخيص المستدرك: ج 3 ص 70: هذا الخبر منكر.

نعم ذيل الحديث: «إن ولّيتموها عليّا يهدكم طريق الحقّ و يسلك بكم المحجّة البيضاء» صحيح من أجل شهادة القرائن الخارجيّة على صدقه، و من جهة كونه مرويّا بأسانيد أخر معتبرة، و من جهة كونه مرويّا بروايات شيعة آل أبي سفيان، و بني العباس و معاداتهما لأهل البيت لا تقلّ عما بين إبراهيم و نمرود، و موسى و فرعون؟!!! فراجع ما علّقناه على الحديث: (97- 100) من شواهد التنزيل: ج 1، ص 61- 63 ط 1.

و راجع أيضا ما ذكرناه في تعليق الحديث: (1110) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 3 ص 68 و تواليها، ط 1.

و راجع أيضا ما فنّدنا به صدر الحديث تحت الرقم: (208) من السمط الأول من فرائد السمطين:

ج 1، ص 266 ط 1.

(3) لعلّ هذا هو الصواب، و في الأصل: «و استأثروا بعد ...».

37

عليّ [فعله‏] إلى أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم، و قوله: «إنه لعهد النبيّ صلّى اللّه‏ (5) عليه إليّ أن أقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين». و شهادة المهاجرين و الأنصار له بما قال [و] فيهم عمار بن ياسر، و أبو أيّوب الأنصاري، و أهل الفضل و السابقة [و إنما قدّمنا هذه المقدمة] لتعلموا أن شأن من ذهب عن فضل أمير المؤمنين [ليس إلا] المعاندة و اتّباع الهوى دون الحجّة.

____________

(5) و في الأصل كتب فوق قوله: «صلّى اللّه عليه» لفظتا: «(عليه السلام)».

ثمّ إنّ أمر النبيّ عليّا (عليه السلام) بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين من الأخبار المتواترة المقطوعة الصدور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم. و عدّه العلماء من أدلة صدق النبيّ و نبوّته لأنّه أخبر بهذا الأمر قبل تحقّقه فوقع على طبق ما أخبر به.

فممن ذكره في أعلام النبوّة هو أبو حاتم الرازي في الفصل: (5) من كتاب أعلام النبوّة ص 110، و منهم أبو نعيم و البيهقي في كتابيهما دلائل النبوّة.

و للحديث مصادر و أسانيد كثيرة، و شواهد جمّة تجدها تحت الرقم: (6 21) و تواليه في الباب: (53) من السمط الأول من فرائد السمطين: ج 1، ص 278 ط 1، و تحت الرقم: (1195) و تواليه من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 3 ص 158، ط 1.

38

[بيان بدء بيعة أبي بكر، و بيانه و إبانته عن نفسيته و شخصيته‏]

. فارجعوا الآن إلى النظر في بدء بيعة أبي بكر، و كيف كان السبب لتعلموا أن القوم لم يميلوا إليه تفضيلا له على عليّ بن أبي طالب، و لا جعلوا ذلك علّة للتقدمة.

و لسنا نحتجّ عليكم بما روته الرافضة من أن بيعته كانت على المغالبة و القهر دون الاجتماع و الرفق‏ (1) و الذي رويتم أن القوم لمّا بلغهم اجتماع الأنصار و تأميرهم سعدا، مضوا و بادروا بالبيعة عن غير شورى و لا اجتماع و لا نظر.

فالتمسنا طلب المخرج، و تأوّلنا ما رويتم تأويلا حسنا، فقلنا: إن القوم لمّا بلغهم اجتماع الأنصار، و ما بدءوا به من الخلاف بادروا بالبيعة لأبي بكر مخافة الانتشار و الاختلاف و فساد القوم‏ (2) و لذلك قال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقاه اللّه شرّها.

[و إنما أنطقه اللّه بذلك‏] لتعلموا أن القوم لم يميلوا إلى أبي بكر بالتقديم، و لا وجبت [له‏] الإمامة بالتفضيل، و لا ادّعى ذلك له أحد علمناه و إنما كانت علّتهم في ذلك دفع قول الأنصار [و بيان حق‏] القرابة من رسول اللّه صلى اللّه عليه [و] أن الإمامة في قريش محصورة، و على غيرهم محظورة.

____________

(1) هذا غير مختصّ بروايات الرافضة بل الناصبة من شيعة أبي بكر أيضا رووا ذلك مع شدّة كراهتهم عن رواية أمثاله مما يوهن أمر أبي بكر و أصحابه، و يفضحهم عند من له إنسانية و حرية ضمير، فراجع قضية السقيفة من أنساب الأشراف. و تاريخ الطبري و كتاب السقيفة للجوهري و تاريخ الكامل من أمثالها مما ألفه من له إنصاف، و ممن يراعي حق العلم و الأمانة مقدارا ما.

(2) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «لفساد القول ...».

39

و لسنا نحتجّ عليكم إلّا بسلاحكم، و لا نأخذكم إلا بما رويتم لتعلموا أن الحق قويّ، و أن الباطل وهيّ.

و مما يحقق ما قلنا و يصدّقه قول أبي بكر: «وليتكم و لست بخيركم» فقد أبان عن نفسه بخلاف ما قلتم، و كذّبكم نصا في مقالتكم‏ (1).

فإن زعم قوم أن قوله: «وليتكم و لست بخيركم» معناه: [لست بخيركم‏] نسبا. كان هذا من التأويل خطأ، لأن الخبر متى خرج مرسلا عامّا، و حمل على الخصوص بطلت حجيّة الأخبار؛ و سقط الاحتجاج بالآثار فلم ينتج‏ (2) علم أخبار اللّه في القرآن و سقطت المناظرة و تعلّق كل مبطل بمثل هذه العلّة و جعل العامّ خاصّا، و الخاص عامّا، و لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في الخبر، لو جاء عن أبي بكر: وليتكم و لست بخيركم‏ (3).

فإن قال قائل: لو قال هذا لم يكن للتاويل مساغ. قلنا: بلى. يقول: لست، بخيركم دينا فيما مضى و لست بخيركم دينا في نفس الولاية، فإنما كنت خيركم دينا بنفس السبق و الهجرة. و معنى قوله: لست بخيركم دينا، يريد أني لم أكن خيركم دينا من أجل ولايتكم.

و هذا أشد [خطأ] من الأوّل لأنّه ذكر الولاية في كلامه و لم يذكر النسب، و الكلام على عمومه يلزمكم مخرجه و ظاهره، فمن ادّعى الخصوص ادّعى أمرا معيّنا لا يوصل إلى علمه إلّا بأمر ظاهر أو خبر منصوص، و قائل هذا لم يذهب إلى معنى [يدل عليه ظاهر الكلام، أو خبر منصوص يبيّن المراد منه‏] غير أن ضيق الباطل يدعو صاحبه إلى مثل هذا التأويل.

و ذلك لأن نسب أبي بكر كان معروفا عند القوم غير مجهول، و لم يكن بينهم‏

____________

(1) كذا في الأصل، غير أن جملة: «و كذبكم نصّا في» كانت فيه مهملة.

(2) لعلّ هذا هو الصواب، و في الأصل: «و الآثار فلم كتب علم أخيار اللّه في القرآن ...».

(3) كذا.

40

مشاجرة في النسب، و لا شبهة فيحتاج أبو بكر إلى ذكره و نعته فهذا من قوله محال، و قد علموا جميعا أن أبا بكر ليس بخيرهم نسبا، و لا معنى لهذا التأويل أكثر من التلطف إلى الحيلة، و إنما قال أبو بكر ذلك عندنا على جهة الإبانة [عن نفسه‏].

فإن بعض الناس‏ (1) توهم أن الولاية كانت لأبي بكر على جهة التفضيل و التقدمة، فأبان عن نفسه، و نفى غلط الناس في ذلك و خطأهم و تعدّيهم و ردّهم إلى الحق، و وقفهم عليه لأن هذا كان طريقه و مذهبه/ 10/ أن يحمل الناس على الصواب فيه و في غيره، و يبيّن لهم الحق عند تركه و الذهاب عنه، فقال: ولّيتكم و لست بخيركم فلا تجعلوا ولايتي سببا لغلطكم و قولكم: أني أفضل و أحق من غيري.

و قد احتال قوم أيضا لهذه الكلمة حيلة أخرى، فقالوا: إنّما كان ذلك منه على حدّ التواضع و النصفة، و ترك التزكية، لأن المؤمن لا يمدح نفسه و لا يزكّيها على لسانه لقول اللّه تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏» [32/ النجم: 53].

و هذا في التأويل أوضح خطأ من الأول مع ما يلزم قائله من النقص و ذلك لأن التواضع لا يكون في الكذب و لا الإنصاف يكون على نفي مصير الحق، لأن هذا القول من غير أبي بكر كذب؛ و كيف يكون من غيره كذبا و منه تواضعا؟ و لا يجوز أن يقول المؤمن: «لست بمؤمن» تواضعا و قد علمتم أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان أكثر الخلق تواضعا و إنصافا، و لا يجوز أن يقول: «أرسلت إليكم و لست بخيركم» على التواضع و النصفة، و ليس من التواضع أن يقول الزكيّ: لست بزكيّ‏ (2) و المؤمن لست بمؤمن؛ و الصالح لست بصالح؛ و الفاضل لست بفاضل؛ و إنما التواضع يكون بالإمساك عن ذكر نفسه و مدحه لها و حسن المحاورة و المساواة، بحسن العشرة.

ثم نرجع إلى المقدّمين لأبي بكر على أبي حسن بالمسألة، فنقول‏ (3): ما حجّتكم‏

____________

(1) هذا هو الصواب، و في الأصل: «و إنّ بعض الناس ...».

(2) هذا هو الظاهر، و في الأصل لست: «لست بمؤمن ...».

(3) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «فيقال: ما حجّتكم ...».

41

في تفضيله على عليّ بن أبي طالب؟ فإن لجئوا إلى اجتماع الناس على أبي بكر و هي من أكبر عللهم قلنا لهم: إن تقديم الناس له قد شرحنا سببه، و إن اختيارهم له لا يوجب له الفضل على غيره، و إنما سألناكم عن إبانة فضله على غيره قبل الاختيار له، و إلا فإن لم يكن قبل الاختيار فاضلا مقدما على عليّ بن أبي طالب لم يكن لقولكم: «اختاروه لأنه أفضل معنى يثبت النسب؟

و إن زعمتم أن باختيارهم [له‏] كان فاضلا لفعل غيره، لأن اختيارهم له فعلهم. و [الجواب إنه لو كان باختيارهم فاضلا مقدما، لكان قبل الاختيار منقوصا مؤخرا، فأرونا فضله على عليّ و تقدمه عليه بفضيلة مشهورة [كي يكون‏] لاختيارهم بذلك مستحقا، و بالإمامة أولا، و إلا فلم نسلّم لكم ما ادّعيتم أبدا. فإن قالوا: قد كانت له فضائل لا يعرف عليها، و عليّ لا يعرفها، غير أنّا نعلم أن اختيارهم له [كان‏] عن تقديم و تفضيل. يقال لهم فما الفرق بينكم و بين من قال: أجمعوا على أبي بكر لعلّة لا أقف عليها، إلا إني أعلم انهم لم يجمعوا عليه لأنه كان أفضل، و لو كان قبل الاختيار أفضل من عليّ لبان ذلك و شهر، و لكان ظاهرا غير مكتم، و لو كان اختيارهم لعلة تفضيله و كانت إمامة المفضول غير جائزة لما جاز للأنصار أن يقولوا: منا أمير و منكم أمير، و لكان حراما على أبي بكر أن يمد يده إلى عمر و أبي عبيدة و يقول: أنا أبايع أيكم شاء فليمدّ يده. فإن قالوا: الدليل على ما قلنا: صلاته بالناس أيام حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و قول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لعائشة: مري أبا بكر يصلّي بالناس.

قلنا: هذا خبر جاء عن عائشة لم تقم حجّته و لم تلقّه الأمّة بالقبول، على أنا متى سلمنا لكم الحديث لم يجب به تقدمة لأبي بكر على عليّ، و متى نظرنا في آخر الحديث احتجنا إلى أن نطلب للحديث مخرجا من النقص و التقصير و ذلك ان في آخره: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لمّا وجد إفاقة و أحسّ بقوّة خرج حتى أتى المسجد، و تقدم فأخذ بيد أبي بكر فنحّاه عن مقامه و قام في موضعه.

فقالت الرافضة: هذا من فعله يدلّ على أن ذلك لم يكن عن أمره و دليل على تهمة

42

الخبر بل يوجب اليقين و العلم بأن الأمر له بالصلاة لو كان تلقيا (1) عن الرسول صلى اللّه عليه لم يخرج بالمبادرة مع الضعف/ 11/ و العلّة حتى نحّاه و صار في موضعه، و لو كان ذلك عن أمره لتركه و صلّى خلفه كما صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف.

و قد شهدتم جميعا أن صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف لا توجب له تقديما على عليّ بن أبي طالب. مع ما يدخل حديثكم من الوهن و الضعف و الشذوذ.

و قد عارضتكم الرافضة في حديثكم، فقالت: كيف قبلتم قول عائشة في الصلاة و جعلتموها حجّة، و لم تقبلوا قول فاطمة في فدك، و شهادة أم أيمن لها و عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و قد شهد لها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بالجنّة.

فإن قلتم: إن الحكم في الأصول لا تجب بشهادة امرأة! قلنا لكم: و كذلك الحجّة في الدين لا يثبت بقول امرأة، و لئن كانت صلاة أبي بكر بالناس توجب له التقدم على من صلّى خلفه، فصلاة عمرو بن العاص بأبي بكر و عمر توجب له التقدم عليهما، و لعمرو مع الصلاة الولاية الجامعة للصلاة و غيرها و هذا الخبر مجمع عليه، فلم يكن عند أحد منهم علّة يدّعيها في تقديم أبي بكر على عليّ رضي اللّه عنه.

فلجأ بعض أهل النظر إلى القياس، فقال: لو جاز أن يولّى المفضول على الفاضل لجاز أن يرسل مفضول إلى فاضل، و لو جاز ذلك لجاز أن يكون في زمن الرسل من هو أفضل منهم، فرجع هذا بعد إلى فعل الناس فجعله حجّة من طريق القياس.

فقلنا له: إن جوابك هذا قد انتقض من وجوه:

أوّلها: إن الإمامة لا تشبه النبوّة، و هي بالإمارة أشبه‏ (2) لأن الإمام لا يشهد على‏

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «تلعبا ...».

(2) هذا سهو عظيم من المؤلّف و من على مزعمته، إذ الإمامة أخت النبوّة، و العلّة الماسّة إلى بعث الرسول، هي العلّة الماسّة إلى تعيين الرسول خليفته في أمّته كي يحافظ على ما جاءه به من عند اللّه من كتاب اللّه تعالى، و مما سنّ لأمّته مما لا يوجد في كتاب اللّه، أو مما لا يمكن لغير المؤيّد من عند اللّه، و غير المتعلّم من رسول اللّه أن يفهمه من كتاب اللّه تعالى، و إلّا لغيّر الجاهلون و المبطلون من الأمّة الدين عن مجراه الأصيل و منهجه القويم، و قضوا

43

غيبه، و قد يجوز عليه التبديل و التغيير، و النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قد يشهد على غيبه و يؤمن تبديله و تغييره، فهل يجوز لقائل أن يقول: لو جاز أن يولّى إمام لا يشهد على غيبه لجاز أن يرسل رسولا يشهد على نفسه‏ (1).

و لو أمكن أن يكون إمام لا يؤمن تبديله و تغييره، أمكن أن يرسل اللّه رسولا لا يؤمن تبديله و تغييره، فهذا عندهم قياس منتقض فاسد، و الإمامة لا تقاس بالنبوّة، و قياس الإمامة الإمارة لأن الإمام ليس له أن يتعدى حكم اللّه و عليه الاتّباع، و تلك منزلة الأمير و الأمير لا يشهد على نفسه كما لا يشهد على غيبه [ظ] الإمام، و الإمام قد يولّى و يعزل و يصلي و تلك منزلة الأمير.

قلنا: فهل يجوز تولية المفضول على الفاضل؟ و ذلك في الدين جائز صحيح و من اختيار الأمّة غير فاسد على حسب ما كان من اختيار النبيّ صلى اللّه عليه و سلم عمرو ابن العاص و توليته على أبي بكر و عمر في غزوة ذات السلاسل، و لم يوجب تجويزه بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مفضولا إلى من هو أفضل منه، قياسا على إمارة المفضول على الفاضل، و لو كان ما قلتم جائزا لكان هذا لكم ألزم لأن اختيار النبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلى اختيار اللّه أقرب و أولى من اختيار الناس باختيار اللّه.

فإن قالوا: فعل ذلك النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لأن عمرو بن العاص متى بدّل و غيّر رجع أمره إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و ذلك بعد موته غير جائز.

قلنا: تولية الإمام المفضول جائزة من اختيار الأمّة لأنه متى بدّل و غيّر رجع أمره إلى الأمّة في عزله و تولية غيره، و لو كانت تولية المفضول جائزة أيّام النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لأنه متى غيّر المولى رجع أمره إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم إذ كان حيّا لكان هذا في إرسال اللّه نبيا إلى الفاضل أوكد، لأنه متى عصى و غيّر رجع أمره إلى اللّه إذ كان حيا لا يموت.

انقضى القول في إمامة المفضول.

____________

على الدين و أهله في أقصر مدّة كما صنعه من يدّعي اتّباع موسى و عيسى (عليهما السلام)، فإذا لا بدّ من وصيّ الرسول و خليفته أن يكون كالرسول إلّا في النبوّة. و تلقّى الوحي من اللّه بلا واسطة.

(1) كذا.

44

[طريقة انعقاد الإمامة بنظر المؤلف، و وصف بيعة الناس لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و انها كانت أقوى بيعة أركانا و أعظمها حجّة و أوضحها سنة و أوكدها سببا و أقومها طريقة]

. و نحن/ 12/ واصفون‏ (1) إمامة عليّ و [أنها] كيف كان سببها لتعلموا أن إمامته كانت أقوى إمامة سببا و أثبتها قوّة و أقواها أركانا، و أوضحها سنّة، و أعدلها سبيلا، و أعظمها حجّة.

إن سبيل الإمامة و سببها أن تكون برأي أهل الفضل و السابقة و من بمثلهم يزول التهمة و الريبة، و تثبت الحيطة و النصيحة.

و سنّة الإمامة أن تكون شورى بين أهل الفضل و العدالة و العلم و المعرفة بحكم الكتاب و السنّة لقول اللّه تبارك و تعالى: «وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ» [38/ الشورى: 42].

و سنّة الإمامة أن لا يكون الناظرون فيها يظهر كل إنسان منهم لنفسه الطلب لها و الرغبة فيها لأن هذا المعنى يدعو إلى الاختلاف و يوجب الظنّة و التهمة، و يكون سببا للانتشار و الفتنة.

و من سببها أن يكون متى بدأ بعقدها لرجل و تولّاها جماعة موصوفون بالستر و العدالة معروفون بالخير غير متّهمين أن يسلّم الباقون إلّا أن يكون عندهم حجّة في أن المولّى لا يستحقها، و أن غيره أولى بها، فمتى لم يظهر منهم طعن عليه [و لم‏] تتبيّن حجّة أو

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «و نحن واضعون ...».

45

دليل واضح كان عليهم الرضا و التسليم.

فانظر [وا] هذه الشرائط فيمن اجتمعت لتعلموا صحّة ما نقول.

و قد وصفنا لكم بيعة أبي بكر و كيف كان سببها و انها كانت على العجلة دون الانتظار و المشورة، و أن الذي تولّى عقدها رجلان في البدء: عمر و أبو عبيدة، و أنهم سعوا فيها و طلبوها بعد أن كان العقد للأنصار و ما كان من خلاف سعد و يمينه‏ (1) و قول سلمان و غيره‏ (2).

و روي أن عليّ بن أبي طالب لم يبايع أشهرا من غير أن يظهر إنكارا و لا سخطا (3).

____________

(1) و هو قوله لعمر- لمّا قال: اقتلوه قتله اللّه-: أما و اللّه لو أنّ بي قوّة أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها و سككها زئيرا يحنجرك و أصحابك، أما و اللّه إذا لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ... و أيم اللّه لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم ...

(2) كحباب بن المنذر و قيس بن سعد بن عبادة و الزبير بن العوام، و الصدّيقة الطاهرة فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليهما، و الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

و القوم لشدّة كراهتهم عن ذكر أمثاله لم يذكروه على سبيل التفصيل و مجموع الأطراف. نعم أجرى اللّه قلمهم بذكر جمل وافية منها تتمّ بها الحجّة كما تجدها في تاريخ الطبري و الكامل و أنساب الأشراف و سقيفة الجوهري و غيرها.

(3) و المروي في كتاب المصنف: لعبد الرزاق: ج 5 ص 442 و صحيح البخاري و حوادث سنة (11) من الهجرة من تاريخ الطبري: ج 3 ص 202. و تاريخ الكامل: ج 2 ص 220 ط بيروت إنّه (عليه السلام) مع كافة بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر حتى توفي بضعة رسول اللّه فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليهما بعد ستة أشهر من وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، فعند ذلك صرف وجوه الناس عنه بالكلّيّة فاضطرّ إلى بيعة أبي بكر.

ثمّ إنّ قول المصنف: «من غير أن يظهر إنكارا و لا سخطا» من أبدع العجائب؛ و من المصنف طريف جدا، فإنّه (عليه السلام) أنكر تقدّمهم عليه فعلا و قولا، أمّا إنكاره عليهم فعلا فكفى إمساكه عن بيعته لهم طول حياة فاطمة صلوات اللّه عليها. و كفى لضلالهم و كون رئاستهم ظلما و زورا أن يتخلّف عنهم عليّ الذي يدور معه الحقّ حيثما دار، و الذي يكون مع القرآن و القرآن معه لا يفترقان حتى يردا على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم حوضه كما في حديث الثّقلين الذي ورد بنحو التواتر عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و رواه شيعة آل أبي سفيان في صحاحهم و كتبهم المعتبرة بشتّى الأسانيد. و كذلك قوله صلى اللّه عليه و آله‏

46

____________

و سلم: «عليّ مع الحق و الحقّ معه حيثما دار». و قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «عليّ مع القرآن و القرآن معه». فراجع الحديثين في الباب: (36) من فرائد السمطين: ج 1، ص 176، ط 1، و تحت الرقم:

(1160) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 3 ص 117، ط 1، و في الباب: (45) من الفصل الأخير من غاية المرام ص 539 و الغدير: ج 3 ص 179، ط 3، و إحقاق الحقّ: ج 5 ص 644.

و أمّا إنكاره (عليه السلام) قولا على المتقدّمين عليه و إظهاره السخط عليهم شفاها فيكفي لمن له حريّة الضمير ما رواه البلاذري في الحديث: (359) من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب أنساب الأشراف:

ج 1/ الورق 366. و في ط 1: ج 2 ص 281.

و رواه أيضا ابن عبد ربّه في العقد الفريد: ج 3 ص 108، ط 2،.

و رواه أيضا الخوارزمي في آخر الفصل: (3) من الفصل: (16) من مناقبه ص 175، من أن عليا (عليه السلام) كتب في جواب معاوية:

و ذكرت حسدي الخلفاء، و إبطائي عنهم و بغيي عليهم، فأمّا البغي فمعاذ اللّه أن يكون. و أمّا الإبطاء و الكراهية لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس ...

و راجع أيضا المختار: (12) من نهج السعادة: ج 1. ص 44 ط 1. فإنّك تجد فيه و في تعليقه شواهد في شكايته عنهم.

سبحان اللّه هل يمكن لأحد أن يعبّر عن سخطه بمثل ما عبّر به (عليه السلام) في الخطبة الشقشقيّة، و هو قوله: «فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى!!! أرى تراثي نهبا حتى مضى الأوّل لسبيله- إلى إن قال-: فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ...».

فراجع تمام الخطبة تحت الرقم: (3) من نهج البلاغة. و الرقم: (302) من نهج السعادة: ج 2 ص 498.

وا عجبا!! هل يتصوّر إنكار قولي مثل قوله (عليه السلام): فنظرت فإذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى، و شربت على الشجى، و صبرت على أخذ الكظم، و على أمرّ من طعم العلقم!!! هكذا رواه السيد الرّضي رحمه اللّه في المختار: (25) من نهج البلاغة، و أظهر منه ما رواه أيضا في المختار: (220) من نهج البلاغة قال:

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش فإنّهم قطعوا رحمي، و أكفئوا إنائي، و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري، و قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه و في الحقّ أن تمنعه!! فاصبر مغموما أو متّ متأسّفا!! فنظرت، فإذا ليس لي رافد و لا ذابّ و لا مساعد. إلّا أهل بيتي!! فضننت بهم عن المنيّة، فأغضيت على القذى، و جرعت ريقي على الشجى. و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، و آلم للقلب من حزّ الشفار!!!.

و انظر أيضا قوله (عليه السلام) في المختار: (64) منه: «احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة».

و قوله (عليه السلام) في المختار: (167) منه: «أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام- و نحن الأعلون نسبا

47

[في أن عقد الخلافة لعمر إنما كان من أبي بكر خاصّة، كما كان عمر عقدها لأبي بكر في يوم السقيفة، فجلبها كل واحد منهما للآخر تداولا و تشاطرا]

. ثم كانت بعده بيعة عمر فعقدها [له‏] أبو بكر، كما عقدها هو لأبي بكر- و في هذا مقال يسبق إلى القلب يدفع بلطيف الحجج و المخرج‏ (1)- فأظهر المسلمون الإنكار لذلك و التسخّط و قالوا: ولّيت علنا فظّا غليظا!! فقال: ولّيتهم يا رب خير أهلك.

و عليّ في ذلك الوقت ساكت، و لو كان ممن يرغب في الإمامة على غير طريقها، و بغير حقها (2) و [كان‏] يحب- كما قال الجاهلون- الفتنة لكان لهذا الموضع‏

____________

و الأشدّون برسول اللّه نوطا- فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين؟! و الحكم اللّه و المعود إليه القيامة».

و قوله في المختار: (177): «اللّهمّ إنّي أستعينك على قريش و من أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، و صغّروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي، أمرا هو لي ...».

و قوله (عليه السلام) في المختار: (206): «و ستنّبئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها فاحفها السؤال ...».

و قوله (عليه السلام) في المختار: (44): من الباب الثاني منه: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل كل ما أظلّتها السماء فشحّت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه ...».

أقول: و له (عليه السلام) كلم آخر في الموضوع بمساق الكلم المذكورة كل واحد منها بانفراده يحكي بأوضح دلالة و أبلغ مفاد على أنّ الخصام و المعادات بين عليّ و من تقدّم عليه كان بلغ آخر حدّه و أقصى مرتبته، فإن لم يكن هذا الكلام من أكمل أنحاء بيان السخط و الإنكار لم يوجد في دار الوجود سخط و لا إنكار حتّى بين اللّه و بين إبليس، و بين الأنبياء و الفراعنة و بقيّة النماردة!!! ..

(1) عفى اللّه عنك يا أبا جعفر ما هذا التسامح في التعبير و الكشف عن الواقع؟

(2) عفى اللّه عنك يا أبا جعفر قل لنا بحقّ العلم و الإنصاف متى كانت الإمامة و الخلافة لغير عليّ أو تليق لغيره،

48

بعينه، و لكان [يظهر منه‏] ما كان [ظهر] من الأنصار من محبته [لها و التصدي لطلبها] فلم يكفّ عن ذلك إلا طلب السلامة و انتظارا لرجوع القوم إلى الحق و مجتمع الكلمة (1).

ثم جعلها عمر شورى بين ستة فوجّهت إلى عثمان بما قد عرفتم.

فهذا موضع الكلام و الشبه، و موضع النكت الغامضة، لا ما تعلّقتم به من التفضيل و التقدمة.

____________

و لا تليق به حتى يكون تطرّقه إليها و طلبه إيّاها على غير طريقها و بغير حقّها؟! أ فلا يسمع أبو جعفر دويّ شكاية عليّ و طنين تظلّمه في الدنيا، و صدى قوله: أما و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة و هو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى ... حتى إذا مضى إلى سبيله فأدلى بها إلى فلان بعده!!! فيا عجبا!!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها!!! فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها، و يخشن مسّها و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها!!! و أمّا قول أبي جعفر: «و عليّ في ذلك الوقت ساكت ...» فإن كان مراده من السكوت السكوت القولي و عدم تكلّمه و تلفّظه بكون الولاية و الخلافة مخصوصة له، و لا حظّ فيها لمن تقمّصها بعد صاحبه، فهذا غير مسلّم، بل كان (عليه السلام) دائما متى تسنح له الفرصة، و يرى المصلحة، يعلن التبرّم من صنيعهم، و يظهر الشكوى عنهم و أنّهم تقمّصوا قميصه ظلما ...!! ..

و لو سلّمنا جدلا أنّه (عليه السلام) سكت و لم يتكلّم حول اغتصاب عمر الخلافة منه، يكفينا و يكفي كلّ منصف إعلانه (عليه السلام) ببطلان خلافة أبي بكر و انّه ظلما و عدوانا تردّا برداء الخلافة التي كانت تخصّ عليّا، و لا حظّ لأبي بكر و غيره فيها، و إذا تكلّم على بطلان خلافة أبي بكر فقد أعلن ببطلان خلافة عمر لأنّها فرع خلافة أبي بكر.

و إن أراد أبو جعفر من السكوت السكوت العملي و عدم التحرّك لتصدّي الخلافة و تبعيد عمر و أشكاله عن عليا ساحتها، فهذا مسلّم و علّة هذا السكون و عدم التحرّك هو كون المسلمين حديثي عهد بالإسلام، و فيهم من يتشبّث بكل الوسائل لانهدام الإسلام. و الثانية تكثّر الجنّ الذين قتلوا سعد بن عبادة!!!

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «و انتظار القوم لرجوع الحقّ و انتظار الكلمة ...».

49

[إسراع الناس بعد قتل عثمان إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، و تداكّهم عليه و إلحاحهم به لأن يبسط يده ليبايعوه، و تقريضهم إيّاه بتعيّنه للإمامة و الخلافة، و إبائه عن ذلك، ثم ازدحام الناس عليه، ثم إتمامه الحجّة على طلحة و الزبير، ثم شرطه على الناس أن يبايعوه في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، ثم مبايعة الناس إياه في المسجد].

و هو رضي اللّه عنه [كان‏] على طريقة واحدة في الكف و الرضا عند اجتماع الكلمة.

فلما قتل عثمان و قد كان عليّ قبل ذلك معتزلا له لما كان منه في أبي ذرّ و غيره- كأنّه رضي اللّه عنه مطبوع على الصواب، مؤيّد بملك يجنّبه طرق الخطأ و [يثبّته على‏] لزوم الاستقامة و الصحة لا يقدر أحد أن يرينا في فضله تناقضا، و لا في قوله اختلافا، فبيّض اللّه وجهه و أعلى في الآخرة درجته-.

فلما قتل عثمان تداكّ الناس على عليّ بن أبي طالب بالرغبة و الطلب له بعد أن أتوا مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (1).

____________

(1) انظر إلى كلامه (عليه السلام) في وصف بيعته في المختار: (3) من نهج البلاغة: «فما راعني إلّا و الناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب. حتى لقد وطى‏ء الحسنان، و شقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم ...».

و قوله (عليه السلام) في المختار: (51) منه: «فتداكّوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم وردها، قد أرسلها راعيها، و خلعت مثانيها، حتى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي ...».

و قوله (عليه السلام) في المختار: (230): «و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها. ثمّ تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل و سقطت الرداء و وطئ الضعيف.

و بلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن أبتهج بها الصغير و هدج إليها الكبير، و تحامل نحوها العليل، و حسرت إليها الكعاب.

50

و حضر المهاجرون و الأنصار و أجمع رأيهم على عليّ بن أبي طالب بالإجماع منهم أنّه أولى بها من غيره، و أنه لا نظير له في زمانه فقاموا إليه حتى استخرجوه من منزله.

و مضى عليّ بن أبي طالب إلى طلحة بن عبيد اللّه، فقال له: إن الناس قد اجتمعوا على أن يبايعوا لي و لا حاجة لي في بيعتهم، فابسط يدك يبايعك الناس على كتاب اللّه و سنّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فقال له طلحة: أنت أولى بذاك منّي، و أحق به لفضلك و سابقتك و قرابتك، و قد استجمع لك من هؤلاء الناس ما قد تفرّق عليّ/ 13/ قال له عليّ: إني أخاف أن تغدر بي و تنكث بيعتي، قال: لا تخافنّ ذلك فو اللّه لا تؤتى من قبلي بشي‏ء تكرهه، قال: اللّه عليك بذلك كفيل؟ قال: اللّه عليّ به كفيل.

فأتى الزبير، فقال له مثل ذلك، و ردّ عليه مثل طلحة.

فمضى عليّ بن أبي طالب إلى منزله إرادة التأنيّ و التوكيد.

فرجع الناس إليه و هم متوافرون مجتمعون فاستخرجوه من داره، و قالوا له:

ابسط يدك نبايعك؟ فقبضها و مدّوها، و لما رأى تداكّهم عليه، و اجتماعهم، قال:

لا أبايعكم إلا في مسجد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم ظاهرا، فإن كرهني قوم لم أبايع.

فأتى المسجد و خرج الناس إلى المسجد، و نادى مناديه.

فيروى عن ابن عباس أنه قال: إني و اللّه لمتخوّف أن يتكلّم بعض السفهاء، أو من قتل عليّ أباه أو أخاه في مغازي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فيقول: لا حاجة لنا بعليّ بن أبي طالب فيمتنع من البيعة.

قال: فلم يتكلم أحد إلا بالتسليم و الرضا.

ثم قال في بعض كلامه رضي اللّه عنه:

كنت و اللّه كارها للحكومة بين أمّة محمد صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) حتى أكرهتموني‏

____________

(1) و ذلك لأجل اعتيادهم بالترفه و الأثرة في أيام السابقين، و انحرافهم عن محجّة العدالة الإسلامية، و رغبتهم إلى الأثرة و الاستبداد بالمصالح الشخصية و النزعات الطائفية، و نسيانهم ما كان النبيّ صلى اللّه عليه و سلم يسلك بهم من الإيثار و تقوية نزعة السماح و الجود و الكرم، و اجتثاث جذور البخل و الحرص و مذامّ الشّيم.

51

عليها، و دخلت منزلي فاستخرجتموني، و قبضت يدي و بسطتموها، و تداككتم عليّ كتداكّ الإبل عند ورودها، حتى خشيت أن يقتل بعضكم بعضا، و خفت أن لا يسعني عند اللّه ردّكم حين اجتمع إليّ ملأكم، فبايعتموني طائعين غير مكرهين، ثم خالفني منكم مخالفون، و نكث ناكثون، على غير حدث أحدثته، و قد سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول: ما من وال ولي من أمر أمّتي شيئا إلا جاء يوم القيامة حتى يوقف به على حدّ الصراط، ثم ينشر كتابه فتقرأه الملائكة، فإن كان عادلا نجا، و إن كان جائرا هوى، ثم ينتفض به الصراط انتفاضة إلى الدرك الأسفل من النار.

فإن أنتم معاشر أمّة محمد صلى اللّه عليه و سلم سمعتم قولي و أطعتم أمري، أقمتم على المحجّة البيضاء، و إن أبيتم عاقبتكم بسيفي هذا حتى يحكم اللّه بيني و بينكم و هو خير الحاكمين‏ (1).

فأول من بايعه طلحة و الزبير، ثم المهاجرون و الأنصار، ثم قام فخطب الخطبة المعروفة بالفضل على الخطب و الكلام الذي لا يعرف مثله لأحد (2) فلما فرغ [أمير المؤمنين‏] من خطبته، قام خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم قال:

أيها الناس: إنّا قد تشاورنا و اخترنا لديننا و دنيانا رجلا اختاره لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فبايعناه، و لو استوى عباد اللّه ذهب النعم، و لو اتّبع الهوى ذهبت الشورى و لو جاز التنازع ذهب التسليم، إن المدينة دار الإيمان و الهجرة، و بها الحكّام على الناس و لسنا من أمر عثمان في شي‏ء.

و قام أبو الهيثم ابن التيهان‏ (3)- و كان عقبيا بدريّا- فقال: قد عرفتم‏

____________

(1) ببالي أن الخطبة رويناها عن مصدر- أو مصادر- و لكن لم تكن مسودّاتي عندي حين تحقيق ما هاهنا.

(2) ليت المصنّف ذكر الخطبة بتمامها أو فقرات منها حتّى ينسدّ باب الاحتمال و التشكيك، و المظنون أن المراد منها ما ذكرناه في المختار: (54) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 188، ط 1.

(3) هذا هو الظاهر، و في الأصل: «و قال أبو الهيثم ابن التيهان ...».

و قوله: عقبيّا بدريّا» يعني أنّه كان ممن حضر العقبة و بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فيمن بايعه فيها، و كان حضر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم في حرب بدر، و حارب الكفّار فيها.

52

رأيي لكم و نصحي إيّاكم، و مكاني [الذي‏] كان [لي‏] من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و قد جعلنا هذا الأمر إلى أولاكم برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أقدمكم إسلاما، و أكثركم علما، و أفقهكم في دين اللّه، و أنصحكم للأمّة، و أعرفكم بالسنّة، و عسى اللّه أن يجمع به الألفة، و يحقن به الدماء، و يصلح به ذات البين، و يظهر به ما درس الظالمون. فقالوا جميعا: قد أجبنا إليه و عرفنا فضله.

فلمّا بلغه خبر من تخلّف عن بيعته، قال: إنهم لم يعرفوا الحق فيسارعوا إليه، و لم يعرفوا الباطل فيخذلوا من آتاه‏ (1).

فخلّى سبيلهم و لم يكره أحدا على بيعته.

____________

(1) كذا في الأصل، و في المختار: (17) من الباب الثالث من نهج البلاغة: « [إنهم‏] خذلوا الحقّ و لم ينصروا الباطل ...».

و في المختار: (262) منه: «إنّ سعدا و عبد اللّه بن عمر لم ينصرا الحق و لم يخذلا الباطل».

و انظر المختار: (92) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 298.

53

[خطبة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لما بلغه مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة و إخباره عن نفسيتهم و مآل أمرهم و قصة نباح كلاب الحوأب على عائشة و اضطرابها]

فلما بلغه رضي اللّه عنه و عن جميع المؤمنين مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على/ 14/ محمد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال:

قد سارت عائشة و الزبير و طلحة، و كل يدّعي الأمر دون صاحبه، يطلبه طلحة لأنّه ابن عمّ عائشة، و لا يرى الزبير إلّا أنه أحقّ بالخلافة لأنه ختن عائشة!! فو اللّه لئن ظفروا بما يريدون- و لا يرون ذلك أبدا- ليضربنّ طلحة عنق الزبير، و الزبير عنق طلحة!! تنازعا (1) شديدا على الملك!! و اللّه إن راكبة الجمل لا تصعد عقبة (2) و لا تنزل منزلا إلّا إلى معصية اللّه و سخطه حتى تورد نفسها و من معها متالف الهلكة، يقتل ثلثهم‏ (3) و يهزم ثلثهم، و يتوب ثلثهم،

____________

(1) و هذا مما أظهره عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو من الأخبار الغيبية التي أخبر بها قبل وقوعها فوقع الخبر على طبق ما أخبر به (عليه السلام).

(2) لعلّ هذا هو الصواب، و في الأصل: «و اللّه إنّما الراكبة الجمل لا يستد عقبة ...».

و انظر المختار: (71) من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 238.

(3) هذا هو الصواب الذي ذكره في هامش الأصل عن نسخة من الكتاب، و في متن الأصل المخطوط: «يقتل ثلاثتهم».