المناقب و المثالب‏

- القاضي نعمان المغربي‏ المزيد...
471 /
3

[المقدمة]

المناقب و المثالب‏

تأليف القاضي أبي حنيفة النّعمان بن محمّد التّميمى المغربي المتوفى سنة 363 ه تحقيق حاجر بن أحمد العطيّة

4

الطّبعة الأولى جميع الحقوق محفوظة للناشر 423 ه- 2002 ه-

5

مقدمة التحقيق:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و الصلاة و السلام على خير خلق اللّه من الأولين و الآخرين محمد بن عبد اللّه الصادق الأمين، و على آله و صحبه و تابعيه بإحسان إلى قيام يوم الدين.

أمّا بعد، فقد برز عنوان (المثالب) و الذي أثار حساسية في بعض النفوس، لأنه قد يفهم من هذا العنوان أنها محاولة لإثارة الفتنة و الشقاق بين وحدة المسلمين، و إظهار أمور لا يجب أن تظهر لسبب أو لآخر.

و الحق أن هذا النوع من الفهم خاطئ و غير صحيح، لأن هذا العنوان أو ما يشابهه قد استعمله المتقدمون بكثرة، و أرادوا به تثبيت حقائق و إظهار حوادث و وقائع، كانت و لا زالت على نحو كبير من الأهمية، و خافية على كثير من المسلمين.

و لذلك أشار المصنف رحمه اللّه في مقدمته لهذا المعنى بقوله: و لو وجدنا بدّا من ذكرها لسترناها، فقد كان يقال: لا خير في ذكر العيوب إلّا من ضرورة، و ستر المساوئ في الواجب من الخيانة، و ليس هذا ممّا يعارض بالحديث المرفوع: «لا تسبّوا الأحياء بسب الأموات» إنما ذلك في الأموات الذين لا يجوز سبّهم، فأمّا من كان سبّهم فريضة، و نشر معايبه من أوجب الشريعة، فليس من معنى هذا الحديث.

و بعبارة أخرى، فإننا اليوم بحاجة ماسة لهذه المصادر القيّمة المحققة، لمعرفة منبع العقيدة المأخوذة عن هذا أو ذاك.

و الحق أن الذين كتبوا في هذا الميدان، قد أتحفوا المكتبة الإسلامية بتراث قيّم كبير، فيه وقائع و حوادث و شواهد و أمور لم يذكرها غيرهم بشكل مبسّط، و قد يكون ذكرها غيرهم على نحو الإشارة، أو حاولوا التستر عليها رغم اطلاعهم عليها.

6

و قد كتب المتقدمون و من بعدهم كتب كثيرة في المثالب، نذكر منهم على سبيل المثال:

كتاب مثالب العرب، و كتاب مثالب ثقيف، و كتاب مثالب بني أمية، كلها لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي، و كتاب افتراق هاشم و عبد شمس، لابن أبي رؤبة الدباس، و نقل عنه ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، و كتاب فضل هاشم على عبد شمس، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي البصري، و يسمّى أيضا بمفاخرة هاشم على عبد شمس، و لعله غيره، و ادرجه الشيخ الاربلي في مقدمة كتابه كشف الغمة، و نقله القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة حرفيا في الباب (52)، و نشرته مجلة لغة العرب 9/ 414- 420 بعنوان تفضيل بني هاشم على من سواهم. و كتاب المفاخرات للزبير بن بكار، و كتاب المعرفة في المناقب و المثالب لإبراهيم بن محمد الثقفي، و كتاب مثالب النواصب لأبي عبد اللّه محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، و غيرهم كثير أمثال: عبد الرحمن بن صالح الأزدي أحد المقربين لأحمد بن حنبل، و محمد بن الحسن بن زبالة الذي كتب في مثالب الأنساب، و معمر بن المثنى التيمي، و عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ، و ابن الرومي الذي كتب قصيدة في مثالب بني العباس.

أمّا الكتاب الماثل بين يديك أخي المسلم الكريم، فهو لا يختلف في جوهره عمّا ذكرنا من المصادر، و لكنه يختلف في مضمونه و تفصيله و اسلوبه لسرد الوقائع و الأحداث، و قال المؤلف في كتابه (شرح الأخبار: 2/ 98) واصفا هذا الكتاب:

(و قد ألفت كتابا سمّيته كتاب (المناقب و المثالب)، ذكرت فيه فضل هاشم و ولده، و ما له و لهم من المناقب في الجاهلية و الإسلام، و فضلهم في ذلك على عبد شمس و ولده، و مثالب عبد شمس و ولده في الجاهلية و الإسلام، على الموازنة رجلا برجل).

7

المؤلف و الكتاب:

هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون.

و قد اتفقت آراء المؤالف و المخالف في فضله و عمله و نبله و كثرة مؤلفاته و توليه القضاء، و قد ذكره أصحاب التراجم هو و أولاده الذين تولوا القضاء أيضا.

ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان: 5/ 415 قائلا: أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم ... كان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية.

و قال: قال ابن زولاق: كان النعمان في غاية الفضل، من أهل القرآن و العلم بمعانيه، عالما بوجوه الفقه و علم اختلاف الفقاء، و اللغة و الشعر، و المعرفة بأيام الناس من عقل و انصاف، و ألف لأهل البيت من الكتب آلاف الأوراق، بأحسن تأليف و أفصح سجع، و عمل في المناقب و المثالب كتابا حسنا.

و ذكره اليافعي في مرآة الجنان: 2/ 278 قائلا: كان من أوعية العلم و الفقه و الدين.

و قال الطهراني في الذريعة 9/ 748 عند ذكر ديوان علي بن النعمان المغربي:

و هو القاضي أبو الحسن علي ابن القاضي أبي حنيفة نعمان بن محمد بن منصور المغربي المصري، كان والده مؤلف (دعائم الإسلام) قاضي مصر من قبل المعز الفاطمي إلى أن توفى 363 فأقيم مقامه ولده أبو الحسن علي إلى أن توفى 364 فأقيم مقامه أخوه محمد بن النعمان إلى أن توفى هو أيضا 389، و بالجملة كان القضاء يدور في بيت النعمان إلى سنة 401 هجرية.

و قال أيضا في 22/ 336:

(المناقب) هذا موجود و قد رآه سيدنا أبي محمد الحسن صدر الدين كما حكاه لي شفاها و قال: إنه يزيد على عشرين كراسا، و نسخة عند الميرزا محمد الطهراني ناقص الآخر، و نسخة عتيقة تامة عند عيسى أفندي جميل زاده، و نسخة ناقصة عند شاكر أفندي الآلوسي، و أخرى عند الشيخ علي كاشف الغطاء. و ذكر نسخة في مكتبة

8

الإمام الحكيم رحمه اللّه في النجف، و نسخة في المكتبة الوطنية في لندن.

و وصفه الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء 16/ 150 ترجمة 106:

بأنه مارق، و أنه نبذ الدين وراء ظهره، و أنه ألف في المناقب و المثالب، ورد على أئمة الدين- يقصد بهم أئمته معاويه و حزبه- و انسلخ من الإسلام.

ثم قال: و له يد طولى في فنون العلوم و الفقه و الاختلاف، و نفس طويل في البحث. ثم ذكر مجموعة من مؤلفاته و قال: و كان وافر الحشمة و عظيم الحرمة، في أولاده قضاة كبار ثم ولي ابنه علي قضاء الممالك، و كان والده يعد من الأذكياء.

و كلمات الذم التي تفوّه بها الذهبي نقلها الزركلي في الأعلام متجاهلا المدح؟

و ذكر كتابه المناقب و المثالب.

و أنصف كحالة في ترجمته في معجم المؤلفين 13/ 106 حيث قال:

النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون المصري القيرواني الشيعي (أبو حنيفة)، فقيه، أديب، مؤرخ، ولد بالقيروان و نشأ بها، و كان مالكيا ثم تحول إلى مذهب الإمامية ... ثم ذكر مصنفاته.

و ترجم له ابن خلدون في تاريخه 4/ 56.

و ترجم له السيّد بحر العلوم في الفوائد الرجالية.

و قال العلامة المجلسي في بحاره عند ذكر الكتاب: كتاب لطيف مشتمل على فوائد جليلة.

و اتفق المؤرخون على أن وفاته كانت سنة 363 هجرية.

و ذكر الأستاذ المحقق السيّد السيّد الجلالي- في مقدمة تحقيق كتاب شرح الأخبار- الكتب الثابتة للمصنف 50 كتابا مع ذكر أماكن نسخ كل كتاب.

نسخ الكتاب:

و ذكر أيضا السيّد الجلالي حفظه اللّه في مقدمة تحقيق كتاب (شرح الأخبار) نسخ كتاب المناقب و المثالب قائلا:

9

و قد رأيت نسخة كاملة من هذا الكتاب في مكتبة الشيخ شير محمد الهمداني الجورقاني، و قد انتهى من نسخه في شوال 1370 هجرية عن نسخة وصفها بأنها جيدة عتيقة إلّا أوراقا من أوائلها.

و من نسخ الكتاب: نسخة مؤرخة سنة 852 في مكتبة طلعت بدار الكتب رقم 2068/ تاريخ، و هي في 124 ورقة، و مؤرخة 1128 في مكتبة فيض برقم 36 في 274 ورقة، و مؤرخة 1244 برقم 37 في 117 ورقة (كما في سزكين)، و مؤرخة 1256 في مكتبة كيخا، و مؤرخة 1332 في مكتبة قيوم، و مؤرخة 1266 و 1314 في مكتبة الوكيلي (كما في فهرس پونا) و مؤرخة 1232 في مكتبة المعهد الإسماعيلي بلندن برقم 543، و أيضا مؤرخة 1300 برقم 545، و أيضا مؤرخة 1348 برقم 544 (كما في فهرس المعهد) و عدّة نسخ غير مؤرخة في مكتبة السماوي بالنجف.

و نسخة مصورة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة برقم 11548 (كما في سزكين).

و النسخة التي اعتمدناها في التحقيق، نسخة مصورة من مكتبة السيّد الطباطبائي اليزدي رحمه اللّه، و هي نسخة جيدة و تقع في 372 صفحة، إلّا أن الصفحات الأربعة الأولى ساقطة، و أتممناها من نسخة السيّد المرعشي رحمه اللّه بمدينة قم في ايران، و جاء في آخر النسخة:

تم كتاب المناقب لأهل بيت رسول اللّه النجباء و المثالب لبني أمية اللعناء بعون اللّه الملك العلّام و مادة وليه في أرضه عليه السّلام في يوم الأحد في اليوم الحادي و العشرين من شهر صفر المظفر سنة 1348 ثمان و أربعين و ثلاثمائة من الألف من هجرة النبي المختار صلى اللّه عليه و على آله الأطهار ما أظلم الليل و أشرق النهار بخط أقل الأقلين محمد علي بن ملّا سلطان علي ...

أمّا النسخة الثانية، و هي الموجودة في خزانة مكتبة السيّد المرعشي بمدينة قم في ايران برقم 653، و هي مصورة عن نسخة في مكتبة أنستيتوي إسماعيليان/ لندن‏

10

و تاريخ نسخها في القرن الثالث عشر الهجري، و تقع في 397 ورقة، و ذات سطور مختلفة و عليها بعض الحواشي و التصحيحات، و على الصفحة الأولى مكتوب: منه نسخة في دار الكتب المصرية كتبت سنة 852 طلعت 2068 تاريخ، و منه نسختان في مركز الإسماعيلية في كراتشي.

و بعد اطلاعنا عليها وجدناها لا تختلف كثيرا عن النسخة الأولى إلّا في بعض الموارد.

و قمنا بضبط النص و تقطيعه، و خرّجنا الآيات و الأحاديث و الأشعار و الأقوال و الأحداث المهمة قدر الإمكان، و حصرنا الألفاظ المضافة أو المعدّلة أو المبدّلة بلفظ آخر بين عضادتين مع الإشارة في الهامش إلى ما كان في الأصل، ترجمنا لما احتاج إلى ترجمة رجالية، و وضّحنا الغريب في اللغة، و توسعنا بعض الشي‏ء للموارد التي رأينا ذلك مناسبا لها، و غير ذلك من قواعد و أصول التحقيق، و ما التوفيق إلّا من عند اللّه.

و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد الهادي الأمين و على آله و صحبه الموالين، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

ماجد بن أحمد العطية

11

نموذج من النسخة الخطية

12

نموذج من النسخة الخطية

13

[مقدّمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه الأول الأزلي بغير غاية، و الآخر الأبدي الذي عنت الوجوه لعظيم قدرته، و خضعت له الرقاب لجلال هيبته و انحسرت الأبصار دون (...) (1)، و وجلت القلوب من خشيته، و ارتعدت الفرائص من فرقه، فالخلائق معا له عباد داخرون، و الملائكة المقربون، فلديه من مخافته [لا] يجادلون، و له آناء الليل و النهار يسبحون و يقدسون، و يخافون عذابه و ما يذنبون، و يسبح كل شي‏ء بحمده (و يستغفرون) (2).

و صلى اللّه على نبيّه محمد و عبده و صفيه من البرية، و رسوله إلى جميع الأمم الملية و الأمية، الصادع بما أرسل، و الناهض بأعباء ما جاء، و على عليّ وليه و أبي عترته، و وصيه و خليفته في أمته، و على الأئمة البررة الطاهرين من ذريته.

و الحمد للّه خالق الخلق لما أراد، و مستعمل العباد ليجزيهم يوم المعاد، الذي جعل بعضهم لبعض فتنة كما في كتابه ذكره، و فضل بعضهم على بعض كما فيه قد أخبره، و تعبد بعضهم لبعض بالطاعات و رفع بعضهم كما قال عزّ و جلّ: فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ* (3) و اصطفى عليهم منهم صفوة مرضيين فقال و هو أصدق القائلين: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ‏

____________

(1)- غير واضحة في المخطوط.

(2)- أثبتناه من هامش المخطوط.

(3)- سورة الانعام: 165.

14

سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1).

و لم يشمل بالصفوة ذراري النبيين على الكلية، و لا جعل الذرية كلها معا بالسوية، بل انتجب منها الواحد بعد الواحد بالرسالة و الإمامة، فأوجب لمن سلّم لأمره و أطاعه الفضيلة و الكرامة، و أبعد من عند عنه و نفاه كما قد نفى عن نوح من ولده من عصاه، و شرّف اللّه بقرب الفاضل منها من قرب منها، ممن أطاعه و لم يكن عند عنه و نفعه بقربه إليه و جعل له بذلك فضلا لديه، فقال و هو أصدق القائلين في كتابه المنزل المبين: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ‏ (2).

قال أهل التفسير في ذلك: هذا في المؤمن تكون له الدرجة يبلغها بعمله في الجنة، و تكون درجته لا تبلغ بأعمالها درجته تلك، فيرفعها اللّه عزّ و جلّ إليها ليقرّ بها عينه، فيكون اللّه عزّ و جلّ قد زادها في الفضل لمكانه و لم يلبث هو [مكانه‏] إذ ساوى بينها و بينه، لكنه زاده بذلك فضلا و شرفا (3).

قال بعضهم: و إذا كان ذلك للمؤمن فهو أحرى و أوجب أن يكون لرسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله الطيبين، فيكون للمؤمنين منهم المتبعون لأمره المسلمون للفاضل منهم في كل عصر من بعده، درجة في الجنة في درجته.

و ذرية النبي صلّى اللّه عليه و آله هم ولد علي و فاطمة صلوات اللّه عليهما ما تناسلوا لا ذرية غيرهم، و قد دفع بعض جهال الناس ذلك و قالوا: ليس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذرية، كقول الناصبين له بالعداوة من أهل الجاهلية الذين قالوا: إنه أبتر، أي لا ذرية له، فأنزل اللّه‏

____________

(1)- سورة آل ابراهيم: 32- 33.

(2)- سورة الطور: 21.

(3)- انظر: شواهد التنزيل: 2/ 273 ح 907- 909، تفسير الطبري: 27/ 33- 35، تفسير القرطبي: 17/ 66، زاد الميسر: 7/ 218- 219، تفسير ابن كثير: 4/ 259.

15

عزّ و جلّ تكذيبهم و الرد عليهم في كتابه حيث يقول: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إلى قوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1)، و سنذكر ذلك في موضعه إن شاء اللّه.

و قال الذين نفوا أن تكون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذريّة، و قد علموا مكان فاطمة و أنه لا عقب له من ولد غيرها، و لا ذريّة له إلّا منها: ليس من ولد فاطمة بذريّة لرسول اللّه، و إنما تكون ذريّة الرجل من ولده الذكور لصلبه، فأما ولد بناته و هم ذريّة آبائهم لا ذراري أجدادهم لأمهاتهم‏ (2).

و كتاب اللّه عزّ و جلّ يؤيّد ما قلناه و يبطل قول هؤلاء الجاهلين، لأنه يقول و هو أصدق القائلين: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (3).

فأدخل اللّه عزّ و جلّ عيسى عليه السّلام في جملة ذرية نوح و إبراهيم صلى اللّه عليهم و على محمد نبيه و على آله بنسب أمه، فمن دفع أن يكون ولد فاطمة ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أكذب كتاب اللّه عزّ و جلّ.

فلهم عليهم السّلام فضل ذرية النبوة الذي لا يدفعه إلّا من كابر الحق و عانده، و قد أمر اللّه جلّ ذكره نبيه صلّى اللّه عليه و آله بانذار الناس كافة في آي من كتابه و بإفراد عشيرته بالإنذار خاصة، اختصاصا لهم بالفضل و الكرامة فقال و هو أصدق القائلين: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ‏

____________

(1)- سورة الكوثر: 1- 3.

(2)- نسب هذا القول الى الحجاج بن يوسف، انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 160، مطالب السؤل: 1/ 25.

(3)- سورة الانعام: 83- 85.

16

الْأَقْرَبِينَ‏ (1)، و سنذكر كيف أنذرهم صلّى اللّه عليه و آله لمّا أمره اللّه عزّ و جلّ بإنذارهم، و ما دعاهم عند ذلك إليه، و من استحق الكرامة و الفضل منهم يومئذ له في موضعه لك إن شاء اللّه، فهو اختصاص للّه عزّ و جلّ لعشيرته بهذه الفضيلة و خوفه عليها من الاعجاب بأنفسهم، و الاتكال على قرابتهم منه و انتسابهم [إليه‏].

قال صلّى اللّه عليه و آله: «يا بني عبد المطلب لا يأتيني الناس بأعمالهم و تأتوني بأنسابكم» (2).

و أبان اللّه عزّ و جلّ الصفوة منهم الأدنين بافتراض المودة على كافة المؤمنين، دلالة على تصيير الإمامة فيهم، فقال و هو أصدق القائلين لكافة المؤمنين: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3) فجعل عزّ و جلّ مودتهم فرضا على جميع المسلمين، لمكانتهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ليدل بذلك على طاعتهم، و اعتقاد إمامة الأئمة منهم صلى اللّه عليهم أجمعين، و إكراما من اللّه عزّ و جلّ لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و إبانة لفضله على من سواه من رسله، إذ قد ذكر غيره من النبيين بمثل هذا في كتابه بقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً* و لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ‏ (4) و قد تأول هذا جماعة ممن ادعى علم التأويل من العامة، و اختلفوا فيه اختلافا كثيرا.

فقال بعضهم: قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ معناه:

و لا المودة في القربى.

و هذا من الإغراق في الجهل، و الغلو في العداوة لآل الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و لو جاز هذا

____________

(1)- سورة الشعراء: 214.

(2)- تفسير الكشاف: 1/ 194، ضمن تفسير آية رقم 134 من سورة البقرة، أحكام القرآن: 1021 و 3/ 460، و في المصادر: (يا بني هاشم) بدل (يا بني المطلب).

(3)- سورة الشورى: 23.

(4)- سورة هود: 29.

17

لجاز أن يكون ذلك في مثله ممّا استثناه اللّه عزّ و جلّ في كتابه و أوجبه في إيجابه، و هو أكثر من أن يذكر هاهنا أو يرى ممّا إذا وجّه على هذا الوجه الذي وجّهه هؤلاء، عاد الحلال به حراما و الحرام حلالا و العذاب رحمة و الرحمة عذابا و الصواب خطأ و الخطأ صوابا.

و يقال لهذا القائل: أ فترى أن اللّه عزّ و جلّ رخّص بهذا القول في عداوة القربى و بغضهم؟

فإن قال: لا، نقض قوله، و إن قال: نعم، سئل عمّا أوجب ذلك لهم لقرابتهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وجبت بغضهم و عداوتهم، و لا أحسب أحدا يقول ذلك، و هذا من أبعد تأويل و أضعف قول قيل.

و قال آخرون قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ قالوا: كانت للنبي صلّى اللّه عليه و آله قرابة في كل العرب فسألهم أن يودّوه لقرابته منهم‏ (1).

و هذا قول من لم يتدبر قول اللّه جلّ ذكره كما أمره به، فلم يقتصر اللّه عزّ و جلّ في هذا القول على العرب خاصة فيكون ما قاله هذا القائل، بل عمّ بذلك جميع المؤمنين من الناس كافة، لأنه إنما قال عزّ و جلّ: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ فدخل في هذه المخاطبة من المؤمنين جميع العرب و غيرهم، فدل ذلك على إبطال تأويل من تأول هذا التأويل الذي ذكرناه.

و قال آخرون: نسخ هذه الآية قوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ‏ (2).

____________

(1)- نسب إلى ابن عباس، انظر: تفسير الطبري: 25/ 31 ح 23686، الدر المنثور: 6/ 6.

(2)- سورة سبأ: 47.

18

فحكموا بنسخ ما جعله اللّه عزّ و جلّ فضلا لرسوله، و أوجبه من مودة أولي القربى منه، و هذا تجاسر على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و على آله، و ليست من هاتين الآيتين بحمد اللّه ناسخة و لا منسوخة، بل كلاهما من المحكم و اللّه أعلم، و ليس ينبغي أن يقطع بالقول على إبطال شي‏ء من القرآن بتوهم متوهم و لا برأي ذي رأي، و إثبات ذلك يوجد السبيل إليه.

و قوله عزّ و جلّ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني في مودّة القربى فهو لكم، أي تؤجرون فيه و تثابون عليه، لا أنه لي، و أجري أنا على اللّه، هذا إن كانت هذه الآية نزلت بعدها.

و إن كانت قبلها، فالأول لا ينسخ الآخر مع أن اللّه عزّ و جلّ قد بيّن هذا الذي اختلفوا فيه من هذا التأويل، على لسان الرسول الذي تعبّده ببيان ما أنزل اللّه عليه، و ذلك ما يبطل قول كل متأول خالفه بلا اختلاف بين المسلمين فيه.

و يؤيد ما قدّمنا ذكره و ذهبنا إليه، قول من جامعنا من العامّة عليه، فقد قال قوم من العامة كقولنا: هي فريضة من اللّه عزّ و جلّ، يعنون مودة قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و قالوا:

إن الآية محكمة، و رووا عن عبد اللّه بن عباس، و ذكروه في التفسير عنه أن قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا نزلت هذه الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

____________

- و القائل بهذا القول هو الضحاك و مقاتل، انظر: معاني القرآن: 6/ 309، نواسخ القرآن لابن الجوزي: 220 و قال: و لا يتوجه على هذا نسخ أصلا، و أكد على ذلك أيضا في زاد الميسر: 7/ 79.

و قال الثعلبي: و كفى قبحا بقول من يقول: إن التقرب إلى اللّه بطاعته و مودة نبيه (ص) و أهل بيته منسوخ، و قد قال النبي (ص): (من مات على حب آل محمد مات شهيدا، و من مات على حب آل محمد جعل اللّه زوار قبره الملائكة و الرحمة، و من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة اللّه، و من مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي). انظر: تفسير القرطبي: 16/ 22- 23.

19

فقال الناس: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين أمرنا بمودتهم؟

فقال صلّى اللّه عليه و آله: «علي و فاطمة و ولدهما» (1).

و هذا التوقيف و البيان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذي لا يجب لأحد أن يتأوّل عليه و لا يعدوه إلى غيره.

و هذه رواية ابن عباس و شهادته على نفسه بالخروج من هذه الفضيلة، و إن كانت له من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قرابة قريبة.

و في هذا دليل على الإمامة، فجعل اللّه عزّ و جلّ قرابة النبوة فضيلة لا تدفع و حقا لا ينكر، لمن حافظ على ما قدمناه و عرف للأئمة ما قدّمنا ذكره و وصفناه.

و جعل اللّه عزّ و جلّ شرف الأبوّة للأبناء الحافظين لشرف آبائهم السالكين سبيلهم و حفظهم لهم من بعدهم، فقال عزّ و جلّ: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (2) فحفظ الغلامين لأبيهما و حائطهما بعد موته.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه ليحفظ العبد المؤمن في ولده- يعني الصالح- سبعين خريفا من بعده» (3) و هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ما أعطاه اللّه عزّ و جلّ من الفضل العظيم، و منحه من الفخر الجسيم يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم» (4) يفخر به صلّى اللّه عليه و آله و يعترف ببركة دعوته و يذكر مع ذلك كرم آبائه و طهارت أمهاته فيقول: «نقلت من كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، و خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح،

____________

(1)- شواهد التنزيل: 6/ 189 ح 822، معاني القرآن: 6/ 309، تفسير القرطبي: 16/ 22، زاد المسير: 7/ 79.

(2)- سورة الكهف: 82.

(3)- الدر المنثور: 4/ 235، سير أعلام النبلاء: 5/ 355.

(4)- شواهد التنزيل: 1/ 411 ح 435، مسند الشاميين: 2/ 341، تفسير الطبري: 1/ 773 ح 1707، الجامع الصغير للسيوطي: 1/ 414 ح 703.

20

و ما مسني عرق سفاح قط، و ما زلت أنقل من الأصلاب السليمة من الوصوم البرية من العيوب» (1).

ففي كل هذا ما دل على ما قصدنا إليه و بدأنا بذكره من تفضيل عترة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و استحقاقهم الفضل به، و وجوب الإمامة لهم بقربه.

و يؤيد ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الأئمة من قريش» (2) و بذلك احتج المهاجرون على الأنصار لمّا سموا إليها و أرادوا أن يتناولوها، و إذا كان ذلك كذلك و كان سبب الاقتصار بها على قريش بقربها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهي لأقربها منه بلا شك، و إنما أكثر من هلك من الأولين و الآخرين بإنكار المفضولين فضل الفاضلين، و دفعهم حقهم الذي افترض اللّه عزّ و جلّ لهم على العالمين، و تلك أول خطيئة كانت في السماء و الأرض من الإنس و الجن، خلّد اللّه عزّ و جلّ اللعنة على من أتاها، و معصية أوجب الخلود في النار لمن قد عصاها، و لم ينفعه معها ما سبق له من الفضل الكريم و الشرف العظيم، لأن منازعة الفضل أهله يسقط كل شرف سابق و يبطله، و ذلك أنه لمّا أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم عليه السّلام فاستكبر عليه إبليس اللعين و قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (3).

و لمّا قبل اللّه قربان ابن آدم دون أخيه فنافسه الفضل و حسده عليه، فلم يغن عن إبليس اللعين حسده، إن كان من الملائكة الكرام، و لا عن ابن آدم أبوه آدم عليه السّلام بل باءا بغضب من اللّه و لعنة، إذ نازعا الفضل من تعبدا بطاعته.

و على سبيل ذلك من أمر شرار السلف جري من بعدهم من سوء الخلق حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، و إنما ذكرنا من هذا ما ذكرناه و بسطنا في صدر كتابنا هذا

____________

(1)- شرح نهج البلاغة: 11/ 70.

(2)- مسند أحمد: 2/ 129 و 4/ 421، المستدرك: 4/ 76.

(3)- سورة الاعراف: 12.

21

منه ما بسطناه، لما نادى إلينا و سمعنا من دعوى بني أمية الفضل مع العترة الطاهرة آل الرسول، و عيوب بني أمية مع ذلك بادية مكشوفة، و فضائل آل الرسول ظاهرة معروفة، و طاعة الأئمة منهم عليهم السّلام لازمة لهم و حقوقهم عليهم واجبة، فاستكبروا كاستكبار إبليس، و عندوا عنوده، و ادعوا كما ادعى الفضل على من فضّله اللّه عزّ و جلّ عليه، فرأينا و باللّه التوفيق و به نستعين بسط كتابنا هذا في إبطال دعواهم و ذكر أسباب عداوتهم و ما جرى عليه منها من تقدم من أسلافهم من قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بعد مبعثه و وفاته، و من نصب له منهم العداوة في حياته تكذيبا لنبوته، و ما نال وصيه و ذريته منهم من بعد موته، و نذكر مثالبهم و مناقب آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله، لنوضّح الحق لمن أبصره من أولياءه، و يهدي اللّه بذلك إليه إن شاء من يحب أن يهديه و يمنّ بالتوفيق عليه، و لو لا أن ذكر المثالب و المساوئ هاهنا من الضرورة لما ذكرناها، و لو وجدنا بدّا من ذكرها لسترناها، فقد كان يقال: لا خير في ذكر العيوب إلّا من ضرورة، و ستر المساوئ في الواجب من الخيانة، و ليس هذا ممّا يعارض بالحديث المرفوع: «لا تسبّوا الأحياء بسب الأموات» (1) إنما ذلك في الأموات الذين لا يجوز سبّهم، فأمّا من كان سبّهم فريضة، و نشر معايبه من أوجب الشريعة، فليس من معنى هذا الحديث.

و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» (2) فهذا و اللّه و رسوله أعلم في العلم الذي يجب في الحق إظهاره و نشره، و لا يسع كتمانه كائنا ما كان، نحو هذا الذي قدمنا ذكره و ما هو في معناه، فكالشهادة و أشباه ذلك، فليس ذلك على العموم، فيكون على كل من علم شيئا أن يتكلم به‏

____________

(1)- تاريخ مدينة دمشق: 41/ 67، شرح نهج البلاغة: 11/ 68، ذخائر العقبى: 194، و في المصادر: (لا تؤذوا) بدل (لا تسبوا).

(2)- مسند أحمد: 2/ 499، مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 232 ح 175، المستدرك: 1/ 102.

22

و يذكره، بل ثم أشياء من الفرض يجب كتمانها و سترها و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه- يعني فيما يقطعها من الحق- فإن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (1).

و لا نعلم بدعة هي أضر بالمسلمين و الملة الحنيفية و الدين من بدعة تعاطى بها المفضول منزلة الفاضل، و جلس بها إمام البغي منزلة مجلس الإمام العادل، و لا ثواب إن شاء اللّه أجزل من ثواب قائل أبان الحق في ذلك، و نفى الشبهة عنه، و دمغ بقوله الباطل و أظهر عوار مدعيه،

نسأل اللّه بلوغ ذلك و العون عليه.

و لمّا نظرنا في عداوة بني أمية للعترة الطاهرة الزكية، رأيناها عداوة أصلية قديمة، و وجدنا أحقادهم عليهم أحقادا جاهلية و إسلامية، و ذحولهم ذحول قتلى منهم بدرية و أحدية، فاعتقدوا لهم الحمية، فأردنا كشف الأمر في ذلك لمن عسى أنه غاب عنه، و إيضاحه لمن لعله علم شيئا منه، فإنه بلغ من إيهامهم الأمة لمّا تغلّبوا و تشبيههم عليها، إذ تمكنوا ما ادعوا عندها قرابة رسول اللّه ليشرّفوا بنسبه، و زعموا أنه لا قرابة له غيرهم و لا أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سواهم، و قبل ذلك من كان قد تولاهم من طغام الشام، حتى لقد حلف جماعة من شيوخهم لبني العباس عند ظهورهم أنهم ما كانوا علموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قرابة غير بني أمية، بما أوهموهم من ذلك، فما الظن بقوم غلب باطلهم هذه الغلبة و أدخلوا على الأمة مثل هذه الشبهة.

و رأينا و باللّه التوفيق أن نبتدئ بذكر هذه العداوة من حيث ابتدأت، و بذكر أصلها و من أين تأصلت، و تشعبها بعد و كيف تشعبت، إلى أن بلغت ما بلغت و انتهت حيث انتهت، و نذكر من شرف آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذين قد ذكرنا من فضلهم ما قد علمناه، و من ضعة من عاداهم من بني أمية و أسلافها ما نادى إلينا و ما رويناه، و نجمع من ذكر

____________

(1)- فيض القدير: 1/ 515، عن ابن عساكر و الديلمي.

23

كل واحد منهم و ذكر من كان في عصره ممّن قد ناواه، و نصف مناقب الفاضل و مثالب المفضول و نأتي على ذلك بالشاهد و الدليل، و نتبع ذلك بما بعده و نتلوه أولا فأولا إلى وقت تأليف كتابنا هذا باختصار من القول، و ايجاز لإيثار التخفيف فيه، و نذكر من ذلك ما هو مشهور معروف في كتب السير و الأنساب و الأخبار الصحيحة، و نترك الأسانيد و الإكثار، لإيثار التخفيف في ذلك و الاختصار، و من عسى أن نذكر مناقبه و فضله من آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقد ذكرنا ما قد ذكرهم به عليه السلام من الكرم و الطهارة و البراءة من الوصوم، و في ذلك غاية المدح لهم و قد كانوا متمسكين بكثير من شريعة أبيهم إبراهيم عليه السّلام و متدينين بها.

و سنذكر ذلك عنهم، و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لبعض من سأله بعد إسلامه ممّن كان في مثل حالهم: أنت على ما أسلمت من خير، في موضع ذلك، و حيث ينبغي ذكره فيه إن شاء اللّه تعالى، و هم و إن كانوا على ما كانوا عليه من انتحالهم، فقد شرّفوا على من سواهم ممّن كان في أزمانهم ممّن نازعهم الفضل من قرابتهم و غيرهم، و كان ينتحل ما ينتحلونه و يذهب إلى ما يذهبون إليه بأبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيهم و انتقاله في أصلابهم، و بما ذكره صلّى اللّه عليه و آله من فضلهم، و ما سنذكر من أفعالهم.

و إنما قصدنا بذكر فضلهم و شرفهم، لننبّه على من كان معهم قد ادّعاه و نازعهم إياه ممّن كان، لا على أنا أردنا الفخر بالجاهلية لمن دان بالإسلام، و لا على أنا نجمع بالفضل بينهم في مقام، و لكنّا جمعنا بين كل واحد منهم و مناوئيه في عصره و حاسده في فضله و فخره، و باللّه نستعين و نستوهبه توفيقا إلى ما يرضيه و يزكوا لديه و يزدلف به إليه.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

ذكر مناقب عبد مناف بن قصي و شرفه و نسبه و بأبيه من قبله‏

بدأنا بذكر عبد مناف بن قصي، و وصف شرفه و فضله بنفسه و بأبيه من قبله، لما كان بدأ التنازع في الفضل الذي قصدنا إلى ذكره، بين ولديه لصلبه اللذين تداعياه و تنازعا فيه.

و اسم عبد مناف: المغيرة (1)، و كان يدعى: القمر، لجماله، و السيّد، لشرفه و سؤدده‏ (2)، و ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فوجب له بذلك الفضل الذي قدمنا ذكره بأبوته، و استحق الكرم بشهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذلك له فيما قدمنا ذكره، و لم يكن صلّى اللّه عليه و آله ليوجب الكرم لمن لا تقوى له مع أن اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ (3) فلمّا كان الكرم معقودا بالتقوى لم يوجبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلّا لمن هو له أهل.

و قد جاء في الحديث: أن حجرا وجد بالحجر مكتوبا عليه: أنا المغيرة بن قصي آمر بتقوى اللّه و بر الرحم.

و لم يكن يأمر بتقوى اللّه، و هو لا يتقيه مع شرفه و الفضل الذي كان فيه، و لا كان ليرغب عمّا كان يأمر به و يدعوا إليه.

و هو المغيرة، و شهر: بعبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن‏

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 90، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 187.

(2)- عمدة الطالب: 25.

(3)- سورة الحجرات: 13.

26

نزار بن معد بن عدنان.

و أمه حبا بنت حليل بن حبيشة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارث ابن عمر بن عامر ابن خزاعة.

و قيل: إنّ أمه هي التي سمته عبد مناف، فغلب عليه‏ (1).

و مناف صنم كان مستقبل الركن الأسود، و الأسماء لا تنقص من سمّي بها من فاضل و لا شرف المفضول.

و قيل: إنّ معاوية قال لقريش: تعالوا نحيل أسماء آباءنا التي كانت تنسب لغير اللّه، فسمّى بني عبد مناف بني عبد اللّه و بني عبد الدار بني عبيد اللّه، و بني عبد العزى بني عبد الرحمن، فقال له عبد اللّه بن الزبير: دعنا من التلعب بأنسابنا، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقرها و تحيلها أنت.

و قيل: إن معاوية أيضا سأل أعرابيا عن اسمه، فقال: نعامة.

فضحك و قال له: ويحك ما وجد لك اسما غير هذا؟

فقال له الأعرابي: يا معاوية إنما هي علامة و ليست بكرامة، و لو كانت كرامة لاشترك الناس كلهم في اسم واحد.

و إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أحال بعض أسماء المسلمين، فقد قرّ أسماء المتقدمين. و كانت السقاية و الندوة لعبد مناف و فيه النبوة و الثروة، و فيه يقول ابن الزبعرى:

كانت قريش بيضة فتفلقت‏ * * * فالمخ خالصة لعبد مناف‏

الرائشون و ليس يوجد رائش‏ * * * و القائلون هلم للأضياف‏ (2)

و قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: كانت الرئاسة في بني عبد مناف فأرادوا

____________

(1)- عمدة الطالب: 25.

(2)- تاريخ الطبري: 2/ 14، شرح نهج البلاغة: 15/ 200، السيرة النبوية لابن كثير: 2/ 164.

27

أن يأخذوا اللواء و الحجابة من بني عبد الدار، فحالف بنو عبد الدار بني سهم ليمنعوهم من بني عبد مناف، فأخذت البيضاء التي يقال لها أم حكيم جفنة، فملأتها خلوقا فوضعتها في الحجر و قالت: من تطيب بها فهو منا. فتطيب بها بنو عبد مناف و أسد و زهرة و بنو تيم و بنو الحارث، فسموا المتطيبين.

فلمّا رأى ذلك بنو سهم نحروا جزورا و قالوا: من لعق من دمه فهو منا.

ففعل ذلك بنو سهم و بنو عدي و بنو عبد الدار و بنو جمح و بنو مخزوم فسموا الأحلاف، ثم لم يكن بينهم شي‏ء، و في ذلك قال الفضل بن عباس اللهبي:

و سمينا الأطائب من قريش‏ * * * على كرم فلا طبنا و طابا

و أي الخير لم نسبق إليه‏ * * * و لم نفتح به للناس بابا.

و لذلك قال عبد اللّه بن صفوان لعبد اللّه بن عباس: كيف رأيت أمرة الأحلاف، يعني خلافة عمر ليفتخر به.

فقال له عبد اللّه بن عباس: أمرة المتطيبين كانت أفضل، يعني أمرة أبي بكر.

و في عبد مناف يقول الشاعر:

ما ولدت والدة من ولد * * * أكرم من عبد مناف و حسبا.

فأمّا شرف عبد مناف بأبيه:

فأبوه قصي بن كلاب، و مات أبوه كلاب بن مرة و هو طفل صغير و أخوه زهرة أكبر منه، و أمهما فاطمة بنت سعد بن سليل، فقدم ربيعة بن حزام بن عذرة بن سعد بن زيد بن قضاعة إلى مكة فتزوج فاطمة و مضى بها إلى قومه بني عذرة و مضت معه بقصي و كان فطيما، و خلفت زهرة مع قومه و هو رجل، و كان اسم قصي زيدا فسمّته أمّه فاطمة قصيا، لمّا أقصي عن داره فشبّ في حجر ربيعة، لا ينتمي إلّا إليه و لا يعرف غيره و لا يرى إلّا أنه أبوه إلى أن كبر، فنازع بعض بني عذرة فقال له العذري:

الحق بقومك فإنك لست منّا.

فقال: و ممن أنا؟

28

فقال: سل أمك تخبرك. فأتاها فسألها، فقالت: أنت أكرم منهم نفسا و والدا و نسبا، أنت ابن كلاب بن مرة، و قومك آل اللّه في حرمه و عند بيته.

فكره قصي المقام دون مكة و أحب اللحوق بها، فقالت له أمه: أي بني، إني أخاف عليك، و لكن أقم حتى يجي‏ء الشهر الحرام فتخرج في حجاج قضاعة، ففعل، فلمّا صار إلى مكة أقام بها، و نشأ على الشرف و السؤدد و مكارم الأخلاق، و كان رجلا جلدا نهدا حليما عاقلا وقورا عفيفا كريما، قد فضّله اللّه بأبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جعل النبوة في ذريته، فأكمل له خصال الخير و الشرف، و خطب قصي إلى حليل بن حبشة بن سلول الخزاعي ابنته حبى بنت حليل، و كان حليل يومئذ يلي الكعبة و أمر مكة، فعرف حليل قدره و نسبه، فزوجه فولدت منه عبد الدار و عبد مناف و عبد العزى و عبدا بني قصي‏ (1) و كانوا سادة و أشرافا، و كان عبد مناف أفضلهم، لما اختصه اللّه به من أبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جعل النبوة في ذريته، و قد ذكرنا شرفه، و لبني قصي يقول الحرث بن ظالم:

إذا فارقت ثعلبة بن سعد * * * و إخوتهم نسبت إلى لؤي‏

إلى نسب كريم غير و غل‏ * * * و حيّهم أكارم كل حي‏

فلن يعصب بهم نسبي‏ * * * فمنهم قرابين الإله بنو قصي‏ (2)

فقيل: جعلهم قرابين الإله يتقرب إلى اللّه بهم، لأنهم قطين البيت و سكان الحرم و أهل اللّه و حجّاب بيته و أهل السقاية و الرفادة و السيادة و الرئاسة و اللواء و الندوة و مكارم مكة، و كانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم و إسماعيل عليهم السّلام من قرى الضيوف و رفد الحاج و المعتمر و تعظيم الحرم و منعه من الظلم و الإلحاد فيه و قمع الظالم و منح المظلوم.

____________

(1)- عمدة الطالب: 26.

(2)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 235.

29

و عظم أمر قصي بمكة و ساد من بها و ألقت مقاليدها إليه، فهو مالك كلبها، و غلب على أمر مكة، و حارب خزاعة و بني بكر و ثبتت معه قضاعة، و أعانه أخوه لأمه رزاح ابن ربيعة بقومه من قضاعة، و كان قد دعى قريشا لحرب خزاعة فخافتها و تثاقلت عليه، فلمّا استنصر بأخيه رزاح و جاءه بأخوته و من أطاعه من قضاعة، قامت معه قريش، و في ذلك يقول رزاح:

و لمّا أتى من قصي رسول‏ * * * فقال الرسول أجيبوا الخليلا

نهضنا إليه نقود الجياد * * * و نطرح عنّا الملول الثقيلا

نسير بها الليل حتى الصباح‏ * * * و نكمن حين النهار النزولا.

في أبيات له، فحارب قصي بقريش و من نصره من قضاعة خزاعة فغلب عليها، ثم تداعوا للصلح و حكّموا بينهم يعمر بن عوف بن كعب بن كنانة، فقضى لقصي بالبيت و أمر مكة، و كانت خزاعة بمكة أكثر من قريش، فأحدثت في الحرم و استخفت به، فنفى قصي خزاعة عن البيت، و ولي أمره و أمر مكة و أمر الحجيج و كانت له السدانة و الرفادة و السقاية (1).

و لمّا صار إليه أمر مكة و حضر وقت الحج أطعم الحجيج و سقاهم، و أوسعهم نزلا و إكراما، فقال في ذلك بعضهم:

أب الحجيج طاعمين لحما * * * أوسعهم رفد قصي شحما

و لبنا محضا و خبزا هشما * * * يملأ من ذلك جفانا رذما (2)

ثم كان بعد ذلك قد ولي الرفادة، و كان يطعم الحجيج اللحم و الخبز و الزبيب و يسقيهم اللبن، و لمّا قضى يعمر بن عوف على خزاعة بما قضى، حسبوا القتلى‏

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 77، الطبقات الكبرى: 2/ 106، تاريخ الطبري: 2/ 16، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 99.

(2)- لسان العرب: 12/ 611، سبل الهدى: 1/ 275، تاج العروس: 9/ 105.

30

ففضل لهم عشرة فأبوا من تركهم، فقال لهم يعمر: فإني أشدخ رءوس قتلاكم برجلي هذه، فإن أبيتم فاعدوا على الحرب. فرضوا و سلموا، و لذلك سمّى يعمر الشداخ‏ (1).

و بقى البيت في يد قصي و بنى دار الندوة، و هي أول دار بنيت بمكة، فلم يكن يعقد أمر تجتمع فيه قريش إلّا فيها، و بقيت لولده من بعده.

قال محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: و كان قصي بن كلاب أول من أصاب ملكا من ولد كعب بن لؤي أطاع له به قومه، و كانت إليه الحجابة و الرفادة و الندوة و اللواء و السقاية و حكم مكة كله، و كان يعشر من دخل مكة من غير أهلها، و كان له شرف مكة كله، و اتخذ دار الندوة و جعل بابها إلى البيت، و قطع مكة رباعا بين قريش، فأنزل لكل قوم من قريش منازلهم من مكة، و سمّي مجمعا لما جمع أمر قريش، و تيمنت قريش به و شرفته و ملكته، فما ينكح رجل من قريش امرأة و لا يعقدون عقدا و لا يتشاورون في أمر و لا يعقدون لواء حرب، إلّا في دار الندوة بين يديه و هو يلي ذلك لهم، و لا تدرع جارية من قريش إلّا في داره، و لا تخرج عير لقريش إلّا من داره، و لا تنزل إذا قفلت إلّا بها، و كانت قريش في حياته و بعد موته تتبع أمره كالدين المتبع، و نفى خزاعة من مكة (2).

و لمّا قسّم مكة على قريش شكوا إليه كثرة الشجر بها، و أنهم تحرجوا من قطعها لما كان في الحرم، فنهاهم عن قطعه و قال: قد رأيتم صنع اللّه بخزاعة لمّا استخفت بالحرم، و لكن ابنوا فما مات منه في دوركم فلا عليكم في ذلك.

ففعلوا ذلك عن أمره و لم يتعدوا إلى غيره، و فيه يقول الشاعر:

____________

(1)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 238، تاريخ الطبري: 2/ 17، الاغاني: 18/ 322، تهذيب الكمال: 13/ 166.

(2)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 240، تاريخ ابن خلدون: 2/ 336.

31

أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * * * به جمع اللّه القبائل من فهر (1)

و كان أول سبب حرب قصي مع خزاعة: أن مفتاح الكعبة كان في يد أبي غبشان الخزاعي و كان يلي البيت، فاجتمع معه قصي بالطائف، فاشتراه منه بزق خمر و جاء به قومه من قريش فقال: هذا مفتاح أبيكم إسماعيل قد ردّه اللّه إليكم من غير غدر و لا ظلم.

و أقبلت خزاعة على أبي غبشان تذمه فأنكر البيع و قال: إنما رهنته إياه، فقال الناس: (اخسر صفقة من أبي غبشان) فذهبت مثلا، و وقعت الحرب بين قصي و أبي غبشان على ذلك فظهر عليه قصي، و في ذلك يقول الشاعر:

أبو غبشان أظلم من قصي‏ * * * و أظلم من بني فهر خزاعة

فلا تلحوا قصيا في شراءه‏ * * * و لوموا شيخكم إذ كان باعه‏ (2)

و قيل: إن قصيا اشترى مفتاح الكعبة من أبي غبشان بزق خمر و كبش‏ (3).

و قيل: إن ولاية الكعبة و مفتاحها كان بيد حليل بن حبيشة بن سلول، و تزوج قصي ابنته، و كان حليل قد كبر فجعل إليها مفتاح الكعبة فقالت: لا أقدر على فتح الباب و إغلاقه، فجعل ذلك إلى أبي غبشان- و اسمه سليم بن عمر- فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر و قعود، و قامت عليه خزاعة و قامت معه قضاعة، و نصره أخوه لأمه رزاح بن ربيعة بقومه بني عذرة فغلب على خزاعة، و كانوا قد استخفوا بالبيت و الحرم، فأجلاهم عنه و عظّمه و ولي أمر مكة، و ساد قريشا و ملك أمرها و دانت له‏

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 82، الطبقات الكبرى: 1/ 71، تاريخ الطبري: 2/ 16، تاريخ دمشق: 3/ 59.

(2)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 39، البداية و النهاية: 2/ 267.

(3)- تاريخ الطبري: 2/ 16، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 101.

32

بأسرها.

و كان عبد مناف شريفا بنفسه و بأبيه، لا يدفع شرفه و لا ينازع فيه، و كان عبد الدار أكبر ولد قصي و كان فيه ضعف، و كان عبد مناف أشرف ولد قصي قد شرف في حياة أبيه، فادعى من لم يشرف بنفسه من بنيه الفضل به مع من شرف بنفسه و بشرفه، و قد بينّا أن ذلك لا يصلح لمن ادعاه، و سنذكر من ادعى ذلك و فساد دعواه.

و قيل: إن قصيا لمّا كبر و رأى تخلف عبد الدار، و هو يكره علو عبد مناف عليه رق له و حمى فيه و أراد أن يجعل له شرفا، فأعطاه مفتاح الكعبة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و دار الندوة، و اللّه عزّ و جلّ يؤتي الفضل من يشاء من عباده، فجعل عزّ و جلّ الفضل و الشرف في عبد مناف، و نقل النبوة إلى صلبه و جعلها في عقبه إلى ما خصه به من مكارم الأخلاق التي وصفناها و الفضائل التي عددناها.

33

ذكر مناقب هاشم بن عبد مناف و مثالب عبد شمس بن عبد مناف و هو أخوه‏

و ولد لعبد مناف بن قصي هاشما، و اسمه عمرو، و قيل له: عمرو العلي، لشرفه، و سمي هاشما، لأنه أول من هشم الخبز و ثرده و أطعمه، فسمّي به هاشما و غلب ذلك عليه‏ (1).

و من فضله و شرفه أنه والد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاستحق من الفضل ما قدمنا ذكره، لقول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ (2) و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه: «نقلت من كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام» (3) دون أخوته عبد شمس و غيره.

و لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ما افترقت فرقتان إلّا و كنت من خيرهما» (4) و قوله صلّى اللّه عليه و آله:

«و بعثت من خير قريش» (5).

فدل ذلك على أن الفضل و الشرف فيمن هو منه صلّى اللّه عليه و آله دون من نازع ذلك ممّن بان عنه، و من ذلك الحديث المرفوع أنه صلّى اللّه عليه و آله أمر بلالا أن يؤذّن لصلاة الظهر يوما قبل وقتها، و ذلك في رجب لثلاث عشرة ليلة مضين منه، ففعل ذلك بلال و فزع الناس له‏

____________

(1)- الطبقات الكبرى: 1/ 75، تاريخ اليعقوبي: 1/ 241، الانساب للسمعاني: 5/ 624، عمدة الطالب: 25.

(2)- سورة الحجرات: 13.

(3)- سبق تخريجه.

(4)- شرح نهج البلاغة: 9/ 326، تاريخ دمشق: 3/ 47، الدر المنثور: 3/ 294.

(5)- شرح نهج البلاغة: 15/ 243.

34

و قالوا: قد حدث أمر.

و اجتمعوا إلى المسجد فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يمشي حتى انتهى إلى باب الشاميين، و هو باب من أبواب المسجد، فأخذ بعضادتيه و في المسجد مكان يسمّى السدة، فقال: «هل تسمعون يا أهل السدة؟».

فقالوا: سمعنا و أطعنا يا رسول اللّه.

فقال: «هل تبلغون؟».

قالوا: ضمنا يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه خلق الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ‏ (1) وَ أَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ‏ (2) فأنا من أصحاب اليمين و الباقون من أصحاب الشمال و أنا خير من أصحاب اليمين، و جعل القسمين أثلاثا فجعلني من خيرها ثلثا و ذلك قوله عزّ و جلّ: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏ (3) فأنا من السابقين و أنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، و ذلك قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا (4) فقبيلتي خير القبائل و أنا سيد ولد آدم و أتقاهم للّه و لا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا و ذلك قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ‏

____________

(1)- سورة الواقعة: 27.

(2)- سورة الواقعة: 41.

(3)- سورة الواقعة: 8- 11.

(4)- سورة الحجرات: 13.

35

تَطْهِيراً (1) ألا و إن اللّه اختارني في ثلاثة من أهل بيتي أنا سيد الثلاثة و أتقاهم للّه و لا فخر، اختارني من بين علي و حمزة و جعفر، و كنّا رقودا بالأبطح ليس منا إلّا مسجى بثوبه على وجهه، علي عن يميني و جعفر عن يساري و حمزة عند رجلي، فما نبهني عن رقدتي غير حفيق أجنحة الملائكة و برد ذراع علي على صدري، فانتبهت عن رقدتي و جبرئيل في ثلاثة أملاك يقول أحدهم: يا جبرئيل إلى أي الأربعة بعثت؟

فرفسني برجله و قال: إلى هذا.

فقال: و من هذا؟

فقال: هذا محمد سيد المرسلين، ثم أومى إلى علي فقال: هذا وصيه سيد الوصيين، و أومى إلى حمزة فقال: و هذا سيد الشهداء، و أومى إلى جعفر فقال: و هذا الطيار في الجنة يكون له فيها جناحان خضيبان يطير بهما» (2).

فهذا أوضح ما ذكرناه في أن الفضل في القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فمن نازع أهل الفضل في فضلهم أو ادعاه معهم أو دونهم، فقد ناصب اللّه عزّ و جلّ و أولياءه و باء بغضب من اللّه و رسوله.

و ولي هاشم بعد أبيه ما كان له من السقاية و الرفادة، دون أخوته عبد شمس و المطلب و نوفل و عبد أبي عمرو، و سلمت له ذلك قريش كلها، و قام به دونها و وليه، و كان يقوم خطيبا في قريش في أول يوم من ذي الحجة مسندا ظهره إلى باب الكعبة، فيحض قريشا على مكارم الأخلاق و يخطبها فيقول: معشر قريش أنتم سادة العرب أحسنها وجوها و أعظمها أحلاما و أوسط العرب أنسابا و أقرب العرب بالعرب‏

____________

(1)- سورة الأحزاب: 33.

(2)- شواهد التنزيل: 2/ 48 ح 696، و ورد مختصرا في المعجم الكبير: 3/ 57 ح 2674، الدر المنثور: 5/ 199، البداية و النهاية: 2/ 316.

36

أرحاما، يا معشر قريش إنكم جيران بيت اللّه عزّ و جلّ، أكرمكم اللّه بولايته و اختصكم بجواره دون بني إسماعيل، و حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جواره، فاكرموا ضيفه و زوار بيته، فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد، فو ربّ هذا البيت لو كان مالي يحمل ذلك لكفيتكموه، و لكني مخرج من طيب مالي و حلاله ما لم يقطع فيه رحم، و لم يؤخذ بظلم و لم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل من ذلك ما قدر عليه و أمكنه فعل، و أسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله، لكرامة زوار البيت و مئونتهم إلّا طيّبا لم يؤخذ ظلما و لم يقطع فيه رحم، و كانت بنو كعب بن لؤي تجتهد كلها في ذلك، فإذا أخرجوا ما يخرجونه من أموالهم أتوا به هاشم بن عبد مناف فوضعوه في داره دار الندوة، حتى أن أهل البيت ليرسلون بالشي‏ء اليسير على قدرهم، فيطعمون بذلك الحجيج‏ (1).

و كان هاشم يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، و ذلك قبل أن تحفر و ينقل الماء إليها فيشرب الحاج منها و يسقون، و كان يطعمهم بمكة قبل التروية و يوم التروية بمنى و عرفة و بجمع و المزدلفة، و كان يثرد لهم الخبز و يطعمهم اللحم و السمن و السويق و التمر، و يسقيهم اللبن و يحمل لهم الماء، إلى أن ينفر الناس إلى بلدانهم، يفعل ذلك كل عام، و لذلك سمّي هاشما، و سمّي القمر، لشرفه و جماله، و في ذلك يقول مطرود الخزاعي، و قد دعى إليه بعض من نازعه في خصومة:

إلى القمر الساري المقيم دعوته‏ * * * و مطعمهم في الأزل من قمع الجزر (2)

و فيه يقول آخر:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه‏ * * * و رجال مكة مسنّتون عجاف‏ (3)

____________

(1)- انظر: شرح نهج البلاغة: 15/ 211- 213.

(2)- شرح نهج البلاغة: 15/ 200، و فيه: (المنير) بدل (المقيم).

(3)- التاريخ الصغير للبخاري: 1/ 39، الطبقات الكبرى: 1/ 76، تاريخ الطبري: 2/ 12، و نسب-

37

و كان هاشم أول من أمّن سبل مكة، و ذلك أن قريشا كانوا تجارا، و لم تكن تجارتهم تجاوز مكة، و لا يخرجون منها حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فنزل بقيصر و كان يذبح كل يوم شاة و يضع جفنة ثريد، و يدعو من حوله فيأكلون، و كان من أحسن الناس غصنا و أجملهم، فذكروا أمره لقيصر فدعاه، فلمّا رآه أعجب به و خصّه و أدناه و حسنت منزلته عنده، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قوما و هم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لهم كتابا بالأمان تؤمنهم و تؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما تستطرفه من أدم الحجاز و ثيابه فيبيعونها عندك. فكتب له كتابا بالأمان لمن أتى منهم.

و أقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرّ بحي من أحياء العرب على طريق الشام، واقفهم على أن قريشا تحمل لهم البضائع، فيكفونهم حملها و يردون إليهم رءوس أموالهم و ربحهم، فذلك الإيلاف، و أخذ هاشم الإيلاف لمن بينه و بين الشام، حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شي‏ء ما أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة و خرج هاشم معهم يجوز بهم و يوفيهم الإيلاف الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم و بين العرب حتى ورد الشام، و مات في تلك السفرة بغزة من أرض الشام‏ (1).

ففي ذلك يقول مطرود الخزاعي و نظر إلى رجل كان نازلا في بني سهم ببنيات له و امرأة في مسغبة شديدة، فحولوه و أمروه أن ينتقل عنهم، فخرج يحمل متاعه و ولده و خرج بامرأته لا يأويه أحد، فقال مطرود:

يا أيها الرجل المحول رحله‏ * * * هلّا حللت بآل عبد مناف‏

____________

- إلى ابن الزبعرى.

(1)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 243، المنمق للبغدادي: 43، شرح نهج البلاغة: 15/ 211، سبل الهدى: 1/ 268.

38

هبلتك أمك لو حللت بدارهم‏ * * * ضمنوك من جوع و من إقراف‏

الآخذون العهد في آفاقها * * * و الراحلون لرحلة الإيلاف‏ (1)

و قيل: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مرّ و معه أبو بكر برجل يقول:

يا أيها الرجل المحول رحله‏ * * * هلّا حللت بآل عبد الدار.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأبي بكر: «هكذا قال الشاعر؟».

قال: لا يا رسول اللّه، و لكنه قال:

يا أيها الرجل المحول رحله‏ * * * هلا حللت بآل عبد مناف.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «نعم هكذا كنّا نسمعها» (2).

و قيل: إن الرجل المحول رحله أوس الأنماري، و كان قدم مكة فنزل على بعض بني جمح فنادم يوما بعضهم و كان فيمن نادمه أميّة بن خلف و أبي بن خلف، فانتشى أوس فقال للقوم: إنه و ربّ الكعبة لا يسألني اليوم واحد منكم شيئا إلّا أعطيته إياه.

فقال غلام من غلمان بني جمح: فإني أسألك أن تعطيني امرأتك.

فقال: نعم، فقام و أخذ بيده و قام به إلى منزله فقتله و حول رحله من بني جمح، فله يقول مطرود الخزاعي:

يا أيها الرجل المحول رحله‏ * * * هلا حللت بآل عبد مناف

بأبيات، و قال مطرود الخزاعي يرثي هاشما:

مات الندى بالشام يوم ثوى‏ * * * أودى بغزة هاشم لا يبعد

فجفانه رذم لمن بفنائه‏ * * * و النصر منه باللسان و باليد (3)

و كان هاشم و عبد شمس توأمين ولدا في بطن واحد، و هما أكبر ولد عبد مناف،

____________

(1)- سيرة ابن هشام: 1/ 115، تاريخ اليعقوبي: 1/ 244، تاريخ الطبري: 2/ 12، المنمق: 46.

(2)- أمالي المرتضى: 2/ 268، شرح نهج البلاغة: 7/ 64.

(3)- المنمق: 44، شرح نهج البلاغة: 15/ 212، معجم البلدان: 4/ 202.

39

و أمهما عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان.

و قد قيل عنها: إنها حسستهما في حين الولادة يتنازعان الخروج، و كان ذلك أول ما عرف من اختلاف ما بينهما، و لمّا نشأ هاشم و شبّ نشأه على طباع الكرم و السؤدد و الخير و الشرف، و أبانه اللّه عزّ و جلّ بذلك الفضل بأبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لأنه نقل إلى صلبه و حرم ذلك عبد شمس و غيره من ولد عبد مناف، دلالة على فضل أبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فنقل اللّه عزّ و جلّ ولادة النبوة إليه و وسع من الدنيا عليه، فحسده عبد شمس للفضل الذي جعله اللّه عزّ و جلّ فيه دونه.

و قيل: إن هاشما هو الأكبر بسبق الولادة، و استشهد القائل لذلك بقول آدم بن عبد العزيز:

يا أمين اللّه إني قائل‏ * * * قول ذي لب و دين و حسب‏

عبد شمس لا تهنها إنما * * * عبد شمس عم عبد المطلب‏

عبد شمس كان يتلو هاشما * * * و هما بعد لأم و لأب‏ (1)

و قال آخرون: عبد شمس هو الأكبر، قالوا: و إنما قال يتلو هاشما يعني في الفضل.

و إذا كان هذا فهو أفخر، و ليست السابقة في السن حجة في الفضل، و قد كان وصي آدم أصغر ولده و كان أفضلهم، و كان عبد اللّه أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل ولد عبد المطلب و كان أصغرهم سنا، و كان المطلب شقيق هاشم و عبد شمس، و كان يميل إلى هاشم، و مال نوفل إلى عبد شمس، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «نحن و بنو المطلب كهاتين- و جمع بين إصبعيه لم نفترق في جاهلية و لا في إسلام» (2).

و كان لهاشم من الفضائل ما ذكرناه و من المناقب ما عددناه، و لم تكن لعبد شمس‏

____________

(1)- تاريخ دمشق: 7/ 462، شرح نهج البلاغة: 15/ 210.

(2)- سنن أبي داود: 2/ 26 ح 2980، شرح نهج البلاغة: 15/ 284.

40

فضيلة بنفسه و لا منقبة و لا لولده، و إنما ذكر بأبيه و بولد ولده، و قد ذكرنا فيما تقدم ضعف الشرف بالأبوة إذا لم يكن للأبناء شرف بأنفسهم، و ذلك بالأبناء و أبناء الأبناء أضعف، و سيّما إذا كان الشرف المدعى بهم أقل من أن يوصف، و سنذكر فيما بعد حالهم و الشرف المدعى لهم إن شاء اللّه.

و من مثالب عبد شمس: منازعة الشرف أهله، و قد ذكرنا ما يدخل من النقص في ذلك على من فعله، و كان عبد شمس مقلا (1)، و كان يكثر السفر و الاختلاف إلى الشام، حسدا و اغتماما لما يراه من شرف هاشم و سؤدده، و هو عمّا يكسب ذلك معرض لم يشهر فيه باسمه، و لا عرف له فيه أثر.

____________

(1)- مقلا: أي ناظرا إلى غيره. لسان العرب: 11/ 627.

41

ذكر مناقب عبد المطلب بن هاشم و مثالب أمية بن عبد شمس‏

[مناقب عبد المطلب بن هاشم‏]

فولد هاشم عبد المطلب جد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأبيه، و كان له من الفضل بأبوته بقدر قرب ميلاد النبوة فيه، و كان له من الشرف و السؤدد ما غلب له أمره على أهل مكة و كافة قريش، و اشتهر في سائر العرب.

و أمه: سلمى بنت عمر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.

و اسم النجار: تيم اللّه بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج‏ (1)

و كان هاشم مرّ بيثرب فنزل على عمرو بن زيد فرأى سلمى ابنته فخطبها إليه فزوجه بها، و شرط عليه أنها متى حملت أتى بها لتلد في دار قومها، و بنى هاشم بها بيثرب و مضى بها إلى مكة فحملت، فلمّا أثقلت أتى بها إلى يثرب في السفرة التي توجه فيها إلى الشام، فمات هناك و ولدت سلمى عبد المطلب بيثرب و اسمه شيبة، سمّي بذلك لشيبة كانت في رأسه ولد بها و شب بيثرب عند أمه، فمرّ به رجل من بني الحرث بن عبد مناف، و هو مع صبيان يتناضلون فرآه أجملهم و أحسنهم إصابة، و كلّما رمى فأصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء.

فأعجب الرجل ما رأى منه و دنا إليه فقال له: من أنت يا بني؟

فقال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف.

فقال: بارك اللّه فيك و كثّر فينا مثلك.

فقال: و من أنت يا عم؟

قال: رجل من قومك.

____________

(1)- الطبقات الكبرى: 1/ 64، تاريخ اليعقوبي: 2/ 118.

42

فقال: حيّاك اللّه و مرحبا بك، و سأله عن حاله و حاجته فرأى الرجل منه ما أعجبه.

فلمّا أتى مكة لم يبدأ بشي‏ء حتى أتى المطلب بن عبد مناف فأصابه جالسا في الحجر، فخلا به و أخبره خبر الغلام و ما رأى منه.

فقال المطلب: و اللّه لقد أغفلته و ما كنت بالذي أرجع إلى أهلي و لا مالي حتى أنتهي إليه.

و ركب قلوصا و لحق بالمدينة فقصد محلة بني النجار، فإذا هو بالغلام في غلمان منهم فلمّا رآه عرفه فأناخ له قلوصه، و قصد إليه فأخبره بنفسه و أنه جاء للذهاب به، فما كذب أن جلس على عجز الرجل و ركب المطلب القلوص و مضى به.

و قيل: بل كانت أمّه علمت بمجيئه و نازعته فيه، فقال المطلب:

يا سلمى يا أخت بني النجار * * * كفى حياء و دعي انتهاري‏

إني و ربّ البيت ذي الأستار * * * لو قد شددت العيس بالأكوار

لراح وسط النفر السنار * * * حتى يرى أبيات عبد الدار

و سار به حتى أتى مكة و هو خلفه، فلمّا رآه الناس قاموا إليه و سلموا عليه و قالوا:

من أين أقبلت؟

قال: من يثرب.

قالوا: و من هذا معك؟

قال: عبد ابتعته.

فلمّا أتى محله اشترى له حلّة فألبسه إياها و أتى به مجلس بني عبد مناف فقال:

هذا ابن أخيكم هاشم، و أخبرهم بخبره.

فقالوا: هو الذي قلت بالأمس إنه عبدك. فغلب عليه اسم عبد المطلب‏ (1).

و نشأ على مكارم الأخلاق و الفضل و السؤدد و الكرم، فسمّي بشيبة الحمد، و في‏

____________

(1)- عمدة الطالب: 24.

43

ذلك يقول حذافة بن غانم بن عوف بن عبيد اللّه بن عويج بن عدي بن كعب يمدح بني عبد المطلب:

على شيبة الحمد الذي كان وجهه‏ * * * يضي‏ء ظلام الليل كالقمر البدر

كهولهم خير الكهول و نسلهم‏ * * * كنسل الملوك لا تبور و لا تحري‏

و ساقي الحجيج ثم للخبز هاشم‏ * * * و عبد مناف السيد الغمر الفهري‏

متى تلق منهم خارجا في شبابه‏ * * * تجده على أجرار والده يجري‏

هم ملئ البطحاء مجدا و سؤددا * * * و هم نكلوا عنّا غواة بني بكر

و هم يغفرون الذنب ينقم مثله‏ * * * و هم تركوا رأي السفاهة و الهجر

أ خارج أما أهلكن فلا تزل‏ * * * لهم شاكرا حتى تغيب في القبر (1)

و روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه صلوات اللّه عليهم: أن سبب قول حذافة هذه الأبيات: أن ركبا من جذام خرجوا صادرين عن الحج من مكة، ففقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فتلقوا حذافة فأخذوه و ربطوه ثم انطلقوا به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف و قد كفّ بصره و معه ابنه أبو لهب يقود به، فلمّا رآه حذافة هتف به، فقال عبد المطلب لابنه أبي لهب: ويلك ما هذا؟

فقال: هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب.

قال: الحق بهم فاسألهم عن حاله.

فلحقهم فأخبروه بخبره، فرجع إلى عبد المطلب فأخبره بخبره.

فقال: و يحك هل معك شي‏ء تفديه به؟

فقال: لا و اللّه.

قال: فالحقهم لا أم لك فارهنهم رهنا به و افتكّه منهم.

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 113- 114، شرح نهج البلاغة: 15/ 201، سبل الهدى: 2661.

44

فلحقهم أبو لهب و قال: قد عرفتم تجارتي و مالي و أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية من ذهب و عشرا من الإبل و فرسا، و هذا ردائي رهنا على ذلك.

فقبلوه منه و أطلقوا حذافة فأقبل به، فلمّا سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: و أبي إنك لعاص، أمض لما أمرتك به.

فقال: يا أبت قد فعلت و هذا الرجل قد جئت به.

فناداه عبد المطلب: يا حذافة اسمعني صوتك.

فقال: نعم ها أنا ذا بأبي و أمي أنت يا ساقي الحجيج [اردفني‏].

فقال له عبد المطلب: ادن مني.

فدنا منه فأردفه حتى دخل به مكة، فقال حذيفة هذا الشعر:

بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه‏ * * * يضي‏ء ظلام الليل كالقمر البدر

و خارجه ابنه الذي قال له فيها:

أ خارج أما أهلكن فلا تزل‏ * * * لهم شاكرا حتى تغيب في القبر (1)

____________

(1)- شرح نهج البلاغة: 15/ 214، سبل الهدى: 1/ 266، عن البلاذري.

و ذكر في بداية القصيدة: (على شيبة الحمد) و هنا: (بنو شيبة الحمد) و كلاهما ورد في المصادر.

45

[عبد المطلب و حماية بيت اللّه‏]

و من حديث ابن شهاب: أن أول ما ذكر من شرف عبد المطلب و فضله أن قريشا خرجت فارة من أصحاب الفيل، و عبد المطلب يومئذ غلام شاب فقال: و اللّه لا أخرج من حرم اللّه أبغي العزة في غيره فجلس في البيت و أجلت قريش عنه فقال عبد المطلب:

لا هم أن المرء يمنع حلّه فامنع حلالك‏ * * * لا يغلبن صليبهم و محالهم عدو محالك

فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك اللّه أصحاب الفيل، فانصرفت قريش و قد عظم أمره عندها، بحسن رأيه و بصيرته و تعظيمه حرم ربّه‏ (1).

و لمّا وصل أصحاب الفيل إلى مكة أصابوا إبلا لعبد المطلب، و اتصل خبره و مقامه بالبيت و شرفه إلى أبرهة ملك الحبشة فأرسل إليه، فلمّا رآه و نظر إلى جماله و هيبته أجلسه إلى جانبه، و أقبل عليه و حدثه و بسطه، و سأله عن حاجة إن كانت له.

قال: نعم، إبل لي أصابها قومك فتأمر بردها إليّ.

فأعرض عنه أبرهة مليا ثم قال: قد سقطت من عيني و ما ظننت أنك تسألني لأترك هذا البيت الذي جئت لأهدمه و محله عندك محله، فتركت ذلك تسألني في إبل هينة القدر.

فقال عبد المطلب: إنما سألت مالي الذي أنا ربّه، و هذا البيت له ربّ سيمنعه منك إن شاء.

فعظم في عين أبرهة، و وقع كلامه منه موقعا عظيما، و أمر برد إبله عليه.

و صدق اللّه مقالة عبد المطلب و حمى بيته من أصحاب الفيل و أرسل عليهم‏

____________

(1)- المصنف للصنعاني: 5/ 313 ح 9718، تاريخ اليعقوبي: 2/ 11، شرح النهج: 15/ 215.

46

طيرا أبابيل‏ (1).

و تلك باهرة من بواهر النبوة فيه، و دليل بيّن ظاهر واضح من دلائلها منه، و قال عبد المطلب في ذلك:

صرمت و مالك لا تصرم‏ * * * و رأسك من كبر أشيم‏

تبد لك الشيب بعد للشباب‏ * * * فمالك في خلد مزعم‏

فدع عنك ذكرك أمر الوصال‏ * * * فإنك من ذكره أحلم‏

وعد القوافي ذات الصواب‏ * * * لجيش أتاك بها الأشرم‏

غداة أتوك بمثل البطاح‏ * * * كانا أناس لهم مغنم‏

بفيل يزجونه للوقاع‏ * * * إذا زمروه له همهم‏

به زحفوا نحو بيت الإله‏ * * * ليترك بنيانه يهدم‏

و بنيان من كان في دهره‏ * * * خليلا بخالقه يكرم‏

فردهم اللّه عن هدمه‏ * * * و أعياهم الفيل لا يقدم‏

بطير أبابيل ترميهم‏ * * * كان مناقيرها العندم‏

تبس الحجارة في هامهم‏ * * * كرمي ذوي الكتب من ترجم‏

فأضحى النسور بهم وقعا * * * عكوفا كما اعتكف المأتم‏

و أورثنا اللّه خير البلاد * * * بلاد بها حفرت زمزم‏

بنصر من اللّه رب العباد * * * على رغم من أنفه يرغم

و قال أيضا في ذلك:

منعت من ابرهة الحطيما * * * و النصب من مكة و الحريما

و كنت فيما ساره زعيما * * * قلت لقومي منطقا عظيما

____________

(1)- تاريخ ابن خلدون: 1/ 64، زاد المسير: 8/ 310.

47

يا قوم ابلوا مشهدا كريما * * * قد قال من يستجهل الحليما

ابرهة الناذر أن يقوما * * * على رجاء بيتكم مهدوما

فسار يزجي فيله الملموما * * * يدعوا إلى ما نابه يكسوما

و الحبش من سواده الصميما * * * و سرت لا و خلا و لا سؤما

حتى التقينا موقفا معلوما * * * بين ثنايا ترجم الهموما

و كان ذو العرش بنا رحيما * * * أيدنا و أهلك الظلوما

بالطير ترميهم جثوما * * * بمرسلات سومت تسويما

قذف اليهود العاهر المرجوما * * * فأصبحوا و فيلهم رميما

تخالهم في الملتقى هشيما * * * وفيت لا مود و لا مذموما

قد فلجت حجتي الخصوما

و قال في ذلك أيضا:

لمّا سمعت الأشرم الضئيلا * * * لنا يزجي خيله و الفيلا

و جحفلا كالليل مستجيلا * * * يملأ حزن الأرض و السهولا

تخال صوت الضرب و الصهيلا * * * صوت دوي النحل أو عويلا

من يرهم في مجمع نزولا * * * يفزع و ينظر منظرا جليلا

دعوت ربّي دعوة هؤلاء * * * دعوة من قد خاف أن يزولا

و اللّه في الجيش أجاب القيلا * * * و لم يكن ناصره مخذولا

هو الذي إذ ركبوا الجليلا * * * صب على أبرهة السجيلا

و الطير من فوقهم مثولا * * * فامطرتهم مطرا وبيلا

فوقعوا صعر الرءوس ميلا * * * كالزرع يلفي رأسه مأكولا

و قال عبد المطلب في ذلك أيضا:

الحمد للّه الأجل الأعظم‏ * * * أيدنا اليوم زحوف الأشرم‏

بالنصر و الريح و طير حوم‏ * * * ترميهم بالجندل المسوم

48

[حفر زمزم‏]

و قيل: إن عبد المطلب رأى في المنام آتيا أتاه فقال: احفر زمزم خبية الشيخ الأعظم‏ (1).

فاستيقظ فقال: اللهم بيّن لي.

ثم نام فأتاه فقال: احفر زمزم لا تنزف و لا تذم.

فانتبه فقال: اللهم بيّن لي.

فقيل له: احفر زمزم تروي الحجيج الأعظم.

فقال: اللهم بيّن لي.

فقيل له: احفر المضنونة ضن بها عن الناس إلا عنك.

فقال: اللهم بيّن لي.

فقيل له: احفر زمزم بين الفرث و الدم، في مبحث الغراب على قرية النمل، مستقبل الأنصاب الحمر فقام.

فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما قيل له، فبينا هو كذلك إذ أقبلت بقرة نحوها قوم، فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها، فهجمت في المسجد الحرام و سقطت في موضع زمزم، و أدركها الجازر فأجهز عليها مكانها و سلخها و احتمل لحمها، و أقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث فيه عن قرية نمل، فقام عبد المطلب فاحتفر هنالك، فجاءته قريش فقالت: ما هذا الصنيع تحفر في مسجدنا و ما

____________

(1)- لعل مراده بالشيخ الاعظم هو مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي، فانه هو الذي دفن غزالين من ذهب، و أسيافا قلعية في بئر زمزم التي نضب ماؤها حين أحدثت جرهم في الحرم ما أحدثت، حتى خبئ مكان البئر و درس، فقام مضاض بن عمرو و بعض ولده في ليلة مظلمة فحفر زمزم و أعمق ثم دفن فيه الاسياف. انظر: أخبار مكة: 51- 53، و اشار الى هذا المعنى ابن هشام في سيرته: 1/ 95، و في بعض المصادر: الحجيج الاعظم.

49

نظنك بالجهل.

فقال عبد المطلب: أنا حافر هاهنا بئرا و مجاهد من صدني عنها.

فكفّوا عنه لما يعلمون من فضله و اجتهاده في دينه، فلم يزل يحفر حتى أدرك سيوفا و دروعا دفنت في زمزم لمّا دفنت، فلمّا رأت قريش ذلك قالت له: أجدنا ممّا وجدت.

قال: هي لبيت اللّه.

ثم حفر حتى انبط الماء، ثم بحرها لئلا تنزف، و بنى عليها حوضا (1).

و كانت زمزم بئر إسماعيل، فلمّا رحلت جرهم عن مكة دفنت فيها ما دفنت و ردمتها و أخفت مكانها، فلمّا علمت قريش أنها بئر أبيهم إسماعيل عليه السّلام و أن عبد المطلب هدي إليها و فضل باستخراجها و ما استخرج منها، زادت في تعظيمه و زمزم هي بئر اسماعيل عليه السّلام التي أسقاه اللّه إياها حين ظمئ و هو صغير، فلمّا احتفرها عبد المطلب عطلت قريش كل سقاية كانت بمكة، و أقبلوا عليها التماس بركتها يشربون و يغسلون منها في حوضها، فأخربوه و ثلموه، فأري عبد المطلب في المنام فقيل له:

قل اللهم لا أحلها لمغتسل و لكن هي لشارب حل و بل. فقال ذلك فلم يغتسل منه أحد بعد ذلك إلّا رمي جسده بداء، فلمّا رأوا ذلك تركوه‏ (2).

و في احتفار عبد المطلب زمزم يقول خويلد بن أسد بن عبد العزى:

أقول و ما قولي عليهم بسبة * * * إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم‏

حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر * * * و ركضة جبرئيل على عهد آدم‏ (3)

____________

(1)- سيرة ابن هشام: 1/ 93، المنمق: 333، شرح نهج البلاغة: 15/ 216، سيرة ابن كثير: 3032.

(2)- المنمق: 335، شرح نهج البلاغة: 15/ 261، الدر المنثور: 3/ 220.

(3)- شرح نهج البلاغة: 15/ 217، سبل الهدى: 1/ 191، معجم البلدان: 3/ 149.

50

و قيل: إن عبد المطلب أصاب في زمزم غزالا مصوغا من ذهب‏ (1). و قيل: غزالين و حليا كثيرا فطلبت ذلك منه قريش، فضرب عليه بالسهام لهم و للبيت، فخرج سهم البيت فحلاه به، و كان أول حلي حليت به الكعبة (2).

و جاء عن علي صلوات اللّه عليه: «أن قريشا لمّا رأت ما استخرجه عبد المطلب من زمزم، اجتمعوا إليه فقالوا: يا عبد المطلب هذه بئر أبينا إسماعيل عليه السّلام و أن لنا فيها حقا فأشركنا فيها و فيما أصبت منها.

فقال: ما أنا بفاعل ذلك إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم.

فأبوا عليه إلّا أن يعطيهم و قالوا: حاكمنا في ذلك.

و دعوه إلى كاهنة بني سعد بن هذيم، فخرج معهم و خرج من كل قبيلة من قريش نفر، و كانت الأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام فني ماء عبد المطلب و من معه من أصحابه، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم و قالوا: إنا بمفازة و نحن نخشى على أنفسنا ما أصابكم.

فلمّا رأوا ذلك نزلوا و احتفر كل واحد منهم حفيرا جلس فيها و قالوا: من مات منّا دفنه من بقي.

ثم إن عبد المطلب قال: و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض و لا نبتغي لأنفسنا لعجز.

ثم قام إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفيها عين من ماء عذب فكبّر عبد المطلب فكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب و شربوا و استسقوا و ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل الذين كانوا معه من قريش و قال: هلموا إلى الماء فقد سقانا اللّه.

____________

(1)- المنمق: 334، شرح نهج البلاغة: 15/ 218.

(2)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 96، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 171.

51

فشربوا و أسقوا و استسقوا ثم قالوا: و اللّه لقد قضى اللّه لك علينا يا عبد المطلب، و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، و أن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.

فرجع و رجعوا معه و خلوا بينه و بينها» (1).

و قيل: إن الذي رأى عبد المطلب في منامه، قائل يقول له حين أمر بحفر زمزم:

قم فادع بالماء الروي غير الكدر * * * لكنه ماء حياء ماء غمر

يسقي حجيج اللّه في كل مبر * * * ليس يخاف منه ماء بخمر

فخرج عبد المطلب فأعلم قريشا بما رأى [و قال: تعلموا أني قد أمرت أن أحفر لكم زمزم‏].

قالوا: هل بيّن لك مكانها؟

قال: لا.

قالوا: فارجع إلى مضجعك، فإن تكن الرؤيا من اللّه بيّن لك و إن تكن من الشيطان فلن يعود إليك.

فرجع إلى مضجعه فنام فقيل له:

عبد مناف أحفر حفير زمزم‏ * * * إنك إن حفرتها لم تندم‏

و هي تراث من أبيك الأعظم‏ * * * لا تنزف الدهر و لا تذمم‏

سقيا الحجيج المحرمين الأعظم‏ * * * مثل نعام جافل لم يقسم‏

ينذر فيها ناذر لمنعم‏ * * * تكون ميراثا و عقدا محكم‏

ليست كبعض الأمر ما لم تعلم‏ * * * و هي حفير من بين فرث و دم

قال: و أين هي؟

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 94، الطبقات الكبرى: 1/ 84، شرح النهج: 15/ 229، البداية و النهاية: 2/ 304.

52

قال: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا (1).

و قيل: إن قريشا لمّا سألت عبد المطلب ممّا أصاب في زمزم قال لهم: هل لكم أن نضرب عليها بالقداح لي و لكم و للكعبة، فرضوا بذلك فجعل قد حين أصفرين للكعبة و قد حين أسودين له و قد حين أبيضين لقريش، ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، فقام عبد المطلب يدعوا و يقول:

اللهم أنت الملك المحمود * * * ربّي و أنت المبدئ و المعيد

من عندك الطارف و التليد * * * إن شئت الهمت لما تريد

فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، و الأسودان على الأسياف و الأدرع لعبد المطلب، و تخلّف قدحا قريش، فصيّر عبد المطلب كل شي‏ء للكعبة (2).

و هذا قد يجوز أن يكون كان بعضه، و يجوز أن يكون كان كله في مقام بعد مقام، و اللّه أعلم.

و قيل: إن عبد المطلب لمّا احتفر زمزم نذر أن ينحر عند تمامها أحد ولده‏ (3).

و قيل: بل نذر ذلك لمّا أرادت قريش صدّه عن حفر زمزم، و لم يكن له ولد يومئذ غير الحارث، فنذر إن ولد له عشرة من الولد يمتنع بهم أن ينحر أحدهم، و سنذكر هذه الرواية بتمامها في موضعها إن شاء اللّه.

و قيل: بل كان قد ولد له تسعة فنذر إن ولد له عاشر أن ينحره، و هذه الرواية أصح، و جاءت عن أهل البيت عليهم السّلام‏ (4).

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 95، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 170، سبل الهدى: 1881، بتفاوت يسير في بعض الأبيات، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر.

(2)- تاريخ اليعقوبي: 1/ 247، البداية و النهاية: 2/ 304.

(3)- تاريخ الطبري: 1/ 185، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 174.

(4)- انظر: الخصال: 157/ ح 198.