مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين(ع)

- حافظ رجب البرسي‏ المزيد...
475 /
5

[مقدمات التحقيق‏]

[مقدمة المحقق‏]

ترجمة المصنف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ كتاب مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي من الكتب التي جمعت مناقب و أسرار آل محمد صلوات المصلين عليهم ما طلع نجم، بل لنا أن نقول أنه تفرد في نقل بعض المناقب و الأسرار، مما واجهتنا مشكلة في تخريج تلك المناقب.

و مؤلف هذا الكتاب من الحفاظ المشهورين بالعلم و التقوى و العرفان، و شدة و ولائه لآل محمد (عليهم السلام)، و إبراز ما أخفوه عن بعض شيعتهم، حتى رماه من لا تحقيق له و لا اطلاع له على جلّ روايات أهل البيت (عليهم السلام) بالغلو.

و سوف تعرف من كلام العلامة الخبير الأميني حقيقة الحال:

* قال العلامة الأميني‏ (1):

الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي المعروف بالحافظ: من عرفاء علماء الإماميّة و فقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فنّ الحديث، و تقدّمه في الأدب و قرض الشعر و إجادته، و تضلّعه في علم الحروف و أسرارها و استخراج فوائدها، و بذلك كله تجد كتبه طافحة بالتحقيق و دقّة النظر، و له في العرفان و الحروف مسالك خاصّة، كما أنّ له في ولاء أئمة الدين (عليهم السلام) آراء و نظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، و لذلك رموه بالغلوّ و الارتفاع، غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم (عليهم السلام) من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ و غير درجة النبوّة، و قد جاء عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: إيّاكم و الغلوّ فينا.

قولوا: إنّا عبيد مربوبون. و قولوا في فضلنا ما شئتم‏ (2). و قال الإمام الصادق (عليه السلام): اجعلوا لنا

____________

(1) الغدير: 7/ 33- 68.

(2) عن الخصال لشيخنا الصدوق و سوف يأتي مع تخريجه.

6

ربّا نئوب إليه و قولوا فينا ما شئتم.

و قال (عليه السلام): اجعلونا مخلوقين و قولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا (1).

و أنّى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل و مآثر؟ و أنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم اللّه به من ملكات فاضلة، و نفسيّات نفيسة؛ و روحيّات قدسيّة، و خلائق كريمة، و مكارم و محامد؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات ضلّت العقول، و تاهت الحلوم، و حارت الألباب، و خسئت العيون، و تصاغرت العظماء، و تحيّرت الحكماء، و تقاصرت الحلماء، و حصرت الخطباء، و جهلت الألبّاء، و كلّت الشعراء، و عجزت الأدباء، و عييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، و فضيلة من فضائله، و أقرّت بالعجز و التقصير؛ و كيف يوصف بكلّه؟ أو ينعت بكنهه؟ أو يفهم شي‏ء من أمره؟ أو يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه؟ لا. كيف؟ و أنّى؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين و وصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ و أين العقول عن هذا؟ و أين يوجد مثل هذا؟ (2).

و لذلك تجد كثيرا من علمائنا المحقّقين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى (صلوات الله عليهم) كلّ هاتيك الشؤون و غيرها ممّا لا يتحمّله غيرهم، و كان في علماء قم من يرمي بالغلو كلّ من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم: إنّ أوّل مراتب الغلوّ نفي السهو عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). إلى أن جاء بعدهم المحقّقون و عرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا، و هذه بليّة مني بها كثيرون من أهل الحقائق و العرفان و منهم المترجم، و لم تزل الفئتان على طرفي نقيض، و قد تقوم الحرب بينهما على أشدّها، و الصلح خير.

و فذلكة المقام أنّ النفوس تتفاوت حسب جبلّاتها و استعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات و الأسرار، و منها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا و يمدّ لها

____________

(1) بصائر الدرجات للصفار و سوف يأتي.

(2) من قولنا: «فمن ذا الذي يبلغ» إلى هنا مأخوذ من حديث رواه شيخنا الكليني ثقة الإسلام في أصول الكافي 1/ 99 عن الإمام الرضا (صلوات الله عليه) (هامش الغدير).

7

باعا، و بطبع الحال أنّ الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما أنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة، و تحتدم الضغائن، و نحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة و سلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ و نقول:

على المرء أن يسعىبمقدار جهده‏ * * * و ليس عليه أن يكون موفّقا

ألا إنّ الناس لمعادن كمعادن الذهب و الفضة (1) و قد تواتر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا- أو حديثنا- صعب مستصعب لا يتحمّله إلّا نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان‏ (2).

إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين و لا نمسّ كرامة العارفين، و لا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها. و قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست أحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلّى اللّه عليه و آله) لخرجتم من عندي و أنتم تقولون: إنّ عليا من أكذب الكاذبين‏ (3).

و قال إمامنا السيّد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق‏ (4) وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏، وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً.

و إلى هذا يشير سيّدنا الإمام السجّاد زين العابدين (عليه السلام) بقوله:

إنّي لأكتم من علمي جواهره‏ * * * كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدّم في هذا أبو حسن‏ * * * إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا

فربّ جوهر علم لو أبوح به‏ * * * لقيل لي: أنت ممّن بعبد الوثنا

____________

(1) حديث ثابت عند الفريقين (هامش الغدير).

(2) بصائر الدرجات للصفار: 6، أصول الكافي: 1/ 216.

(3) منح المنّة للشعراني: 14.

(4) بصائر الدرجات للصفّار: 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأوّل و أصول الكافي لثقة الإسلام الكليني: 1/ 216.

8

و لاستحلّ رجال مسلمون دمي‏ * * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (1)

و لسيّدنا الأمين في أعيان الشيعة (31: 193- 205) في ترجمة الرجل كلمات لا تخرج عن حدود ما ذكرناه.

و ممّا نقم عليه به اعتماده على علم الحروف و الأعداد الذي لا تتمّ به برهنة و لا تقوم به حجّة، و نحن و إن وافقناه على ذلك إلّا أنّ للمترجم له و من حذا حذوه من العلماء كابن شهرآشوب و من بعده عذرا في سرد هاتيك المسائل فإنّها أشبه شي‏ء بالجدل تجاه من ارتكن إلى أمثالها في أبواب أخرى من علماء الحروف من العامّة كقول العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 155: قال بعض علماء الحروف: يؤخذ دوام ناموس آل الصدّيق و قيام عزّته إلى انتهاء الدنيا من سرّ قوله تعالى: فِي ذُرِّيَّتِي‏ فإنّ عدّتها بالجمل الكبير ألف و أربعمائة و عشرة و هي مظنّة تمام الدنيا كما ذكره بعضهم فلا يزالون ظاهرين بالعزّة و السيادة مدّة الدنيا، و قد استنبط تلك المدّة عمدة أهل التحقيق مصطفى لطف اللّه الرزنامجي بالديوان المصري من قوله تعالى: لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (2)، قال ما لفظه: إذا أسقطنا مكرّرات الحروف كان الباقي (ل ا ي ب ث و ن خ ف ك ق) أحد عشر حرفا عددهم بالجمل الكبير ألف و ثلاثمائة و تسعة و تسعين زدنا عليه عدد الحروف و هو أحد عشر صار المجموع و هو ألف و أربعمائة و عشرة و هو مطابق لقوله تعالى: ذُرِّيَّتِي‏.

و سمعت ختام الأعلام شيخنا الشيخ يوسف الفيشي (رحمه الله) يقول: قال محمّد البكري الكبير: يجلس عقبنا مع عيسى ابن مريم على سجّادة واحدة و هذا يقوي تصحيح ذلك الاستنباط. ه.

[تهويل ليس عليه تعويل‏]

و نحن لا ندري ما ذا يعني سيّدنا الأمين بقوله: «و في طبعه شذوذ و في مؤلّفاته خبط و خلط و شي‏ء من المغالاة لا موجب له و لا داعي إليه و فيه شي‏ء من الضرر و إن أمكن أن‏

____________

(1) تفسير الآلوسي: 6/ 190 و سوف يأتي مع مصادره.

(2) الإسراء: 76.

9

يكون له محل صحيح»؟ ليت السيّد يوعز إلى شي‏ء من شذوذ طبع شاعرنا الفحل حتى لا يبقى قوله دعوى مجرّدة. و بعد اعترافه بإمكان محمل صحيح لما أتى به المترجم له فأيّ داع إلى حمله على الخبط و الخلط، و نسيان حديث: ضع أمر أخيك على أحسنه؟ و أيّ ضرر فيه على ذلك التقدير؟ على أنّا سبرنا غير واحد من مؤلّفات البرسي فلم نجد فيه شاهدا على ما يقول، و ستوافيك نبذ ممتعة من شعره الرائق في مدائح أهل البيت (عليهم السلام) و مراثيهم و ليس فيها إلّا إشارة إلى فضائلهم المسلّمة بين الفريقين أو ثناء جميل عليهم هو دون مقامهم الأسمى، فأين يقع الارتفاع الذي رماه به بعضهم؟ و أين المغالاة التي رآها السيّد؟ و البرسي لا يحذو في كتبه إلّا حذو شعره المقبول، فأين مقيل الخبط و الضرر و الغلو التي حسبها سيّد الأعيان؟.

و أمّا ما نقم به عليه من اختراع الصّلوات و الزيارة بقوله: «و اختراع صلاة عليهم و زيارة لهم لا حاجة إليه بعد ما ورد ما يغني عنه و لو سلّم أنّه في غاية الفصاحة كما يقول صاحب الرياض» فإنّه لا مانع منه إلّا ما يوهم المخترع أنّها مأثورة، و أيّ وازع من إبداء كلّ أحد تحيّته بما يجريه اللّه تعالى على لسانه و هو لا يقصد وردا و لا يريد تشريعا؟ و قد فعله فطاحل العلماء من الفريقين ممّن هو قبل المترجم [له‏] و بعده، و لا تسمع اذن الدنيا الغمز عليهم بذلك من أيّ أحد من أعلام الأمّة.

و أمّا قول سيّدنا: «و إنّ مؤلفاته ليس فيها كثير نفع و في بعضها ضرر و للّه في خلقه شئون سامحه اللّه و إيّانا»، فإنّه من شظفة القلم صدر عن المشظف‏ (1) سامحه اللّه و إيّانا.

تآليفه القيّمة:

1- مشارق أنوار اليقين في حقايق أسرار أمير المؤمنين.

2- مشارق الأمان و لباب حقايق الإيمان. ألّفه سنة 813.

3- رسالة في الصّلوات على النبيّ و آله المعصومين.

4- رسالة في زيارة أمير المؤمنين طويلة. قال شيخنا صاحب الرياض: في نهاية الحسن‏

____________

(1) المشظف كمنبر: من يعرض بالكلام على غير القصد.

10

و الجزالة و اللطافة و الفصاحة معروفة.

5- رسالة اللمعة من أسرار الأسماء و الصفات و الحروف و الآيات و الدعوات. فيها فوائد لا تخلو من غرابة كما قاله شيخنا صاحب الرياض.

6- الدرّ الثمين في خمسمائة آية نزلت في مولانا أمير المؤمنين باتّفاق أكثر المفسّرين من أهل الدين، ينقل عنه المولى محمد تقي الزنجاني في كتابه: طريق النجاة.

7- أسرار النبيّ و فاطمة و الأئمّة (عليهم السلام).

8- لوامع أنوار التمجيد و جوامع أسرار التوحيد في أصول العقائد.

9- تفسير سورة الاخلاص.

10- رسالة مختصرة في التوحيد و الصّلوات على النبيّ و آله.

11- كتاب في مولد النبيّ و عليّ و فاطمة و فضائلهم.

12- كتاب في فضائل أمير المؤمنين غير المشارق.

13- كتاب الألفين في وصف سادة الكونين.

شعره الرائق:

أضاء بك الافق المشرق‏ * * * و دان لمنطقك المنطق‏

و كنت و لا آدم كائنا * * * لأنّك من كونه أسبق‏

و لو لاك لم تخلق الكائنات‏ * * * و لا بان غرب و لا مشرق‏

و له في العترة الطاهرة و سيّدهم (صلوات الله عليه و عليهم) قوله:

إذا رمت يوم البعث تنجومن اللظى‏ * * * و يقبل منك الدين و الفرض و السنن‏

فوال عليّا و الأئمة بعده‏ * * * نجوم الهدى تنجو من الضيق و المحن‏

فهم عترة قد فوّض اللّه أمره‏ * * * إليهم لما قد خصّهم منه بالمنن‏

أئمّة حقّ أوجب اللّه حقّهم‏ * * * و طاعتهم فرض بها الخلق تمتحن‏

نصحتك أن ترتاب فيهم فتنثني‏ * * * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من؟

فحبّ عليّ عدّة لوليّه‏ * * * يلاقيه عند الموت و القبر و الكفن‏

11

كذلك يوم البعث لم ينج قادم‏ * * * من النار إلّا من تولّى أبا الحسن‏

* و قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (1):

كان حيّا سنة 813 و توفي قريبا من هذا التاريخ.

(و البرسي) نسبة إلى برس في الرياض بضم الباء الموحدة و سكون الراء ثم السين المهملة، قال: و يظهر من القاموس أنه بضم الباء و فتحها و كسرها. في القاموس قرية بين الكوفة و الحلة و قيل برس جبل يسكن به أهله. و عن مجمع البحرين: قرية معروفة بالعراق، ذكر ذلك في ذيل قوله في الخبر أحلى من ماء برس، أي ماء الفرات لأنها واقعة على شفيره أو هو موضع بين البلدتين المذكورتين و ضبطه بكسر الباء، و كذا عن شرح المولى خليل القزويني على الكافي. أقول: الشائع على لسان أهل العراق اليوم بكسر الباء، و الظاهر أنه اسم قرية هي اليوم خراب كانت على ذلك الجبل، و هذا الجبل اليوم على يمين الذاهب من النجف إلى كربلاء و أهل العراق يسمّونه برس و يضربون به المثل للشخص الذي أينما ذهبت وجدته فيقولون فلان مثل برس. و هذا الجبل لعلوّه و عدم وجود جبل سواه في تلك السهول أينما كنت تراه. و أصل الشيخ رجب من تلك القرية ثم سكن الحلّة، و ليست النسبة إلى بروسا المدينة المعروفة في الأناضول لأنّ المترجم لم يرها. و في الرياض قد يتوهّم كون النسبة إليها. و حكى عن الصدر الكبير الميرزا رفيع الدين محمد في رد شرعة التسمية للسيّد الداماد أن كتاب مشارق أنوار اليقين في كشف أسرار حقايق أمير المؤمنين (عليه السلام) للشيخ الفاضل رضي الدين رجب بن محمد البروسي قال: و لا شك أن البروسي نسبة إلى بلدة بروسا ا ه. و كيف كان فكونه نسبة إلى بروسا غير صواب مع إمكان كون الواو من زيادة النسّاخ.

أقوال العلماء فيه:

في مسودة الكتاب: كان فقيها محدّثا حافظا أديبا شاعرا مصنّفا في الأخبار و غيرها.

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 465- 467.

12

و في أمل الآمل: الشيخ رجب الحافظ البرسي كان فاضلا شاعرا منشئا أديبا له كتاب مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) و له رسائل في التوحيد و غيره و في كتابه إفراط و ربما نسب إلى الغلو.

و في الرياض: الشيخ الحافظ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي مولدا و الحلّي محتدا الفقيه المحدّث الصوفي المعروف صاحب كتاب مشارق الأنوار المشهور و غيره، كان من متأخّري علماء الإمامية لكنّه متقدّم على الكفعمي صاحب المصباح و كان ماهرا في أكثر العلوم و له يد طولى في علم أسرار الحروف و الأعداد و نحوها كما يظهر من تتبّع مصنّفاته، و قد أبدع في كتبه حيث استخرج أسامي النبي و الأئمة (عليهم السلام) من الآيات و نحو ذلك من غرائب الفوائد و أسرار الحروف و دقائق الألفاظ و المعميات و لم أجد له إلى الآن مشايخ من أصحابنا و لم أعلم عند من قرأ (أقول) ستعرف أنه يروي عن شاذان بن جبرئيل القمي.

و قال المجلسي في مقدّمات البحار عند تعداد الكتب التي نقل منها: و كتاب مشارق الأنوار و كتاب الألفين للحافظ رجب البرسي و لا أعتمد على ما ينفرد بنقله لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط و الخلط و الارتفاع و إنّما أخرجنا منهما ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأصول المعتبرة. و في الرياض التأمّل في مؤلّفاته يورث ما أفاده الأستاذ المجلسي و المعاصر صاحب الأمل من الغلو و الارتفاع لكن لا إلى حدّ يوجب عدم صحّة الاعتقاد (1).

2/ شوال/ 1420 ه حرره علي عاشور الموافق 10/ 1/ 2000 م لبنان/ شقراء

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 466.

13

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ تمهيد الحمد للّه الواجد لا من قلّة، الموجود لا من علّة، و الصلاة على المبعوث لأشرف ملّة، و آله النجوم و الأهلة.

و بعد فيقول المخلوق من الماء المهين العبد الفقير المسكين المستكين المؤمن بوحدانية ربّ العالمين، المنزّه عن أقوال الظالمين، و شبه الظالمين، و ضلال المشبهين، و إلحاد المبطلين، و إبطال الملحدين، الشاهد بصدق الأنبياء و المرسلين، و عصمة الأولياء الصدّيقين، و الخلفاء الصادقين، المصدّق بيوم الدين، رجب الحافظ صان اللّه إيمانه، و أعطاه في الدارين أمانه، هذه رسالة في أصول الكتاب سمّيتها (لوامع أنوار التمجيد، و جوامع أسرار التوحيد) أودعتها ديني و اعتقادي، و جعلتها زادي ليوم معادي، قدّمتها لوجوب تقديم التوحيد، على سائر العلوم، و أتبعتها كتابا سمّيته (مشارق أنوار اليقين، في إظهار أسرار حقائق أمير المؤمنين) فكان هذا الكتاب الشريف جامعا لحقائق أسرار التوحيد، و النبوّة و الولاية، موصلا لمن تأمّله و أم له إلى الغاية و النهاية، و اللّه المعين و الهادي.

فأقول متوكّلا و متوسّلا: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، شهادة يوافق فيها السرّ الإعلان، و القلب اللسان، الحي القيوم، الموجود بغير أنية، المعروف بغير كيفية، سبحان اللّه العظيم في مجده، قيوم بذاته و صفاته، غني عن جميع مخلوقاته، وحده لا شريك له بعد فاقترب، و ظهر فاحتجب، فلا بعده بعد مسافة، و لا قربه قرب كثافة، قرب إلى الأسرار ببرّه و رحمته، و بعد عن الأبصار بأشعة جلال عظمته، نأى عن العيون بشدّة جماله؛ و اختفى عن العيان بكمال نوره، فظهر بغيبه، و غاب بظهوره، فهو ظاهر لا يرى، و باطن لا يخفى، يعرف بفطر القلوب، و هو في سواتر الغيوب، تجلّى بجمال صفاته من كل الجهات، فظهر و تجلّى‏

14

بكمال ذاته عن كل الجهات، فاستتر الفرد المجرّد عن المواد و الصور، فهو الرفيع في جلاله، البديع في جماله، وحده لا شريك له، وجوده وجود إيمان لا وجود عيان، دلّت عليه آياته، و شهدت بوحدانيته مصنوعاته، و أقرّت بربوبيته أرضه و سماواته، كل حادث دليل عليه، و مستند في وجوده إليه، و مشير بالعظمة و الكبرياء إليه، فمفهومه و معناه، تقدّس في عزّه و علاه، أنه ذات واحدة لا تحدّها فكرة، و لا تحاولها كثرة، لها الجلال و الإكرام، و البقاء و الدوام، و الملك المؤبد، و السلطان السرمد، و العزّ المنيع، و المجد الرفيع، فالحق عزّ اسمه و جل جلاله، واحد من جميع الجهات، فرد صمد بكل العبادات، قيوم أحد بأكمل الدلالات، ربّ وتر بالذات و الصفات، معبود حقّ بسائر اللغات، لا تحكيه العبارات، و لا تحويه الإشارات، فذاته الأزلية الأبدية القيومية الرحمانية، المقدّسة بالوحدة الحقيقية، المنزّهة عن الكثرة الصورية، مبدأ لسائر الموجودات، و منبع لسائر الكمالات، موصوفة بأكرم الصفات، مسلوب عن جمال كمالها النقائص و الحاجات، متعالية عن الأحياز و الجهات، منزّهة عن مشابهة المحدثات، مبراة عن المقولات، فسبحان القيوم، الذي لم يزل و لا يزال، الفرد المنزّه عن الحلول و الانتقال، وحده لا شريك له، كان و لم يزل كائنا، و لا سماء مبنية، و لا أرض مدحية، و لا خافق يخفق، و لا ناطق ينطق، و لا ليل داج، و لا صبح مشرق، كان اللّه و لا شي‏ء معه، و هو على ما كان لم يتكثر بخلقه أبدا، فسبحان من أيّن الأين، فلا أين يحويه، و كيّف الكيف فلا كيف يحكيه، و تعالى عن المكان و الزمان، فلا وقت يباريه، وحده لا شريك له، جل عن أجل معدود، و أمد ممدود، و تعالى عن وقت محدود، الحي الحميد المحمود، قدوس، سبوح، ربّ الملائكة و الروح، حي لا يموت.

فسبحانه من أزلي قديم، سبق العدم وجوده، و الأزل قدمه، و المكان كونه، و عزّ عن المزاوجة اسمه، وحده لا شريك له، ليس لقدمه رسم، و لا حدّ، و لا لملكه قبل و لا بعد، و لا لأمره دفع و لا ردّ، و لا لسلطانه ضدّ و لا ندّ، تقدّس القيوم في جلال عظمته، و دوام سلطنته، وحده لا شريك له، لا تدركه الحواس، فيوجد له شكل، و لا يشبه بالناس فيكون له مثل، امتنعت عن إدراك ذاته عيون العقول، و انقطعت دون وصف صفاته أسباب الوصول، حي قيوم، وجوده لذاته بذاته عن ذاته، لا لعلّة تقوّمه فيكون ممكنا، و لا لسبب يتقدّمه فيكون‏

15

محدثا، و لا لكثرة تزاحمه فيكون للحوادث محلّا، حي قبل كل حي، و حي بعد كل حي، واجب الحياة لكل حي، و حي لم يرث الحياة من حي، فهو المعبود الحق، و الإله المطلق، أحدي الذات، واحدي الصفات، أزلي اللاهوت، أبدي الملكوت، سرمدي العظمة، و الجلال و الجبروت، حي قيوم لا يموت، لا تحكيه الشواهد، و لا تحويه المشاهد، و لا تحجبه السواتر، و لا تبلغه النواظر، لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، وجهه حيث توجهت، و طريقه حيث استقمت، لا تجري عليه الحركة و السكون، فكيف يجري عليه ما هو أجراه، لا إله إلّا هو اللّه، فمن وصف اللّه سبحانه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد ثنّاه، و من ثناه فقد أبطله، إذ ليس في الأشياء؛ و إلّا لكان محدودا، و لا منها؛ و إلّا لكان معدودا، فهو بعيد عنها، دان إليها، قائم بها، قيوم عليها، لا يتجزى فيعد، و لا يتكثّر فيحدّ، ما وحّده من كيّفه، و لا حقيقته أصاب من مثله، و لا إيّاه عنى من شبّهه، و لا حمده من أشار إليه و توهّمه، الحكم العدل الذي لا يتوهم و لا يتهم، شهدت العقول و النفوس، و شاهدت العيون و المحسوس: أن العالم متغيّر، و كل متغيّر جسم، و كل جسم حادث، و كل حادث له محدث، و ذلك المحدث هو الخالق المقدر، و البارى‏ء المصوّر، و الجبّار المتكبّر، لافتقار الأثر إلى المؤثر، فهو الربّ القديم، العلي العظيم، الغني الكريم، الجواد الرحيم، الذي صدر العالم عنه و ابتدعه، و تعالى عنه، فهو المبتدئ الأوّل، الذي فاض عن وجود وجود كل موجود، و المبدأ الأوّل واجب لذاته، و الواجب لذاته حي قيوم، و الحي القيوم قديم أزلي، و القديم واجب الوجود و دائم الوجود، واحد من جميع الجهات، و الواحد الحق يستحيل أن يكون جسما، لأن الجسم يلزمه التركيب و الكثرة، و كل مركّب له أوّل، و ما له أوّل محدث، و القيوم الحق مجرّد عن كل مادة، منزّه عن كل صورة، مقدّس عن كل كثرة، مبرأ عن كل وصف، لا يشمله حدّ أو يبدأ له عدّ، أو يتناوله رسم، أو يكشفه اسم، لا تحويه الأقطار، و لا تبديه الأفكار، و لا تدركه الأبصار، و كيف تدركه الأبصار و هي خلقه؟ أو كيف تحويه الأقطار و هي صنعه؟ و الصنعة على نفسها تدل، و في مثلها تحل، فسبحانه قيوم حق، لا أوّل لوجوده، و لا نهاية لملكه وجوده، و العالم كله بالعدم مسبوق، و بالفناء ملحوق، فكلها سوى الحي القيوم محدث و مركب و مفتقر، و الحق عز اسمه فرد مجرّد، لا كثرة في ذاته و صفاته،

16

هو واحد لا ينقسم تقديرا و لا حدا، و احدا لا يقارب نظيرا و لا ضدّا، و احدا ذاتا و نعتا، و كلمة وعدا، فله الوحدة اللائقة بكرم وجهه، و عز جلاله، كالإلهية المحضة، و الإله المطلق هو اللّه سبحانه، كل الكل، و معبود الكل، و خالق الكل، و العالي على الكل، و المتعالي عن الكل، و العلي عن الكل، و المنزّه عن الكل، و البري‏ء عن الكل، و العالم بالكل، و المظل على الكل؛ و المطّلع على الكل، و الحافظ الكل، و الحفيظ على الكل، و القائم بالكل، و القيوم على الكل.

فالرب الأزل القديم واحد حقا، و صمد يبقى، و قيوم معبود صدقا؛ فسبحان من تفرّد بالوحدانية و الجلال، و تقدّس بالمجد و الجمال، و تعزّز بالبقاء و الكمال، و حكم على الخليقة بالفناء و الزوال، فكل شي‏ء هالك إلّا وجهه، فليس على الحقيقة معبود حق إلّا اللّه وحده لا إله إلّا اللّه، لا إله إلّا اللّه نفي و إثبات، و الحق ثابت لم يزل و لا يزال، و الضد جل عن الضدّ، عدم محض، ينفي الغير من وقع النفي و الإثبات، فمعنى كلمة التوحيد، و آية التجريد أنه لا إله في وجود، حي موجود، له الركوع و السجود، واحد لذاته، غني عن جميع مخلوقاته، قادر عالم، حي سميع، بصير مريد، كاره غني، واحد منزّه عن كل نقص، طاهر من كل عيب، ذاته و صفاته، مستحق للعبادة، لا إله إلّا اللّه اسمه، و الرحمن نعته، و الأحد ذاته، و الواحد صفاته، و اسمه اللّه، عز عن اسم، علم لذاته المقدّسة، جامع لجلال صفات الجلال و العظمة، مانع من الشركة في الحقيقة و التسمية الرحمن، و لا شبيه [له و لا] يسمّى أحد بأسمائه، و لا شريك له في ملكه و كبريائه، و لا شبه له في عظمته و آلائه، و لا منازع له في أمره و قضائه، و لا معبود سواه في أرضه و سمائه، ربّ قديم، و ملك عظيم، غني كريم، لا شريك له في الإلهية، و لا شبيه له في الماهية، جلّ عن الشبيه و المثيل، و تعالى عن التشبيه و التمثيل، عز عن ولد ينفعه، و تقدّس عن عدد يجمعه، الواحد الأحد، الذي لا يشبهه أحد، و لا يساويه أحد، له الجلال الباهر، و الجبروت القاهر، و الملكوت الزاهر، و السلطان الفاخر، هو الأوّل و الآخر، و الباطن و الظاهر، الأوّل بالذات، و الآخر بالصفات، و الظاهر بالآيات، و الباطن عن التوهمات، حارت في إدراك ملكات ملكوته مذاهب التفكير، و غارت عن الرسوخ في علمه جوامع التفسير، تاهت العقول في تيه عظمته، و هامت الأوهام في بيداء عزّته، حماها نور الأحدية، و غشاها جلال سبحات الربوبية، عن إدراك حقيقته الإلهية،

17

فرجع الطرف خاسئا حسيرا، و العقل مبهوتا مبهورا، و الفكر متحيّرا مذعورا، و الوهم مذموما مدحورا؛ فسبحان الملك الحق المتعالي عن الجهات و الأمكنة، الذي لا تأخذه نوم و لا سنة، و لا تصف جلال كمال عظمته الألسنة اللسنة، لا يحويه مكان، و لا يخلو منه مكان، و لا يصفه لسان، به كان الخلق لا بالخلق كان.

إن قلت: متى فقد سبق الكون كونه؛ أو قلت قبله فالقبل بعده؛ أو قلت أين؟ فقد تقدّم المكان وجوده؛ أو قلت كيف؟ فقد أصحت‏ (1) عن الوصف صفته؛ أو قلت مم؟ فقد باين الأشياء كلّها؛ أو قلت هو، فالهاء و الواو كلامه.

بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون، فسبحان من جوده آية وجوده، و أنوار عظمته مانعة من سهوده، لم يزل، و لا يزال، أزليا أبديا في الغيوب، ليس فيها أحد غيره و لا معبود سواه، لا يجوز عليه التشبيه الذي يرقبه فهمك، و لا التشكيك الذي ينتجه و همك، الجبّار الذي فتق و رتق ظلام العدم بقوّته و قهره، فأهلّ الوجود بلا إله إلّا اللّه، و أتقن نظام الموجودات بقدرته و أمره، فليس خالق إلّا اللّه خالق السّماوات، و بالعدل فطرها، و أجرى فيها شمسها و قمرها، فهي دائرة بقهره، طالعة لأمره، ملأها بالأنوار، و قدّسها بالأبرار، و حرسها بالشهب الثواقب من الأغيار، و حفظها من الأود و الانفطار، فهي عالم الملكوت، و قبة الجبروت، و سرادق العظمة و الجلال و الجبروت، سقفا مرفوعا، و سمكا محفوظا، بغير عمد يدعمها، و لا دسار يقبضها، لم يشيّدها سبحانه خوفا من سطوة سلطان، و لا خشية من نزول حدثان، بل جعلها دليلا للناظر، و علما للسائر، تدلّ آياتها على عظمته، و رفعتها على قدرته، و كمال لطفه و حكمته، فمن نظر في خلق السّماوات، و تعاقب حركات السيارات، و اختلاف الليل و النهار، و ما تضمن ذلك من الحكمة العجيبة، و القدرة الغريبة، بل في نفسه، و تركيب جسده، شاهد في كل لحظة، و عاين في كل لمحة، شاهد حق، و ناطق صدق، ينطق بأن صانعه حي قيوم قدير، و يشهد بأن موجده ربّ حكيم خبير.

سماء ذات أبراج، و أرض ذات فجاج، و بحار ذات أمواج، و قمر ذو إشراق، و سراج و هاج، و سحاب صاعد، و ماء فجاج، و أجسام ذات أعضاء، و أحياء و أمشاج، و الكل يدلّون‏

____________

(1) كذا بالأصل.

18

على الصانع القدير، فسبحان من فطر الخلائق على عظائم المختلفات، و أنطقهم بغرائب اللغات، و قدّر لهم الأعمار و الأرزاق و الأقوات، فهو الخالق العليم، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، و لا يغيب عن حفظه مكيال قطرة، فكيف يغيب عنه ما هو أبداه، و يخفى عليه ما هو أنشأه، لأن الخالق عالم بخلقه، محيط بصنعه، و مؤلف بين عناصره، شاهد بحقائقه و سرائره، مدرك بباطنه و ظاهره، فهو العالم بخفيات الغيوب، الشاهد لسرائر القلوب، فالأعضاء شهوده، و الجوارح جنوده، و الضمائر غيوبه، و السرائر عيانه، فلا يخفى عليه شي‏ء من خلقه، و لا يعزب عنه شي‏ء من صنعه، و كيف يغيب عنه ما هو أبداه، و يخفى عليه ما هو أنشأه، فسبحانه من قادر عليم؛ لم يزل على الأسرار رقيبا، و من الأرواح قريبا، و على الأعمال حسيبا، فهو الرقيب القريب، الشاهد الذي لا يغيب، فسبحان القيوم القدير، المتكلّم الخبير، السميع البصير، سمعه منزّه عن الأصمخة و الآذان، و بصره منزّه عن الحدقة و الأجفان، و كلامه جل عن الآلات و اللسان، فطر العقول فلا ضدّ حضره حين فطرها، و برأ النفوس فلا ندّ خبره حين اختبرها، وحده لا شريك له، الروح قطرة من قطرات بحار ملكوته، و النفس شعلة من شعلات جلال جبروته، و السّماوات السبع و الأرض و من فيهن ذرة من ذرات قدرته، و سبعون ألف عالم أثر من آثار حكمته، و العالم بأسره سرّ من أسرار صنعته، و الكل شاهد بأنه هو الذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له في جلال كبريائه و عظمته، أهل السّماوات يظنونه من الأرض، و أهل الأرض يظنونه في السماء، و هو الصمد الديان، المنزّه عن الأين و المين، الموجود في كل مكان، المتعالي عن الإدراك بالبصر و العين، العالي عن الحدوث و الحدثان، الواحد الفاضل عن الاثنين، المعبود في كل زمان.

خلق الإنسان فقدره، و أحسن خلقه و صوّره، و شقّ سمعه و بصره، خلقه من ماء مهين نطفة، و أنشأه من الحق شرعة و منهاجا، و فطره على التوحيد، و أوقد له من العقل سراجا، و حل له رباط الضريح‏ (1) بأنامل الفرج و الاعتبار، و أخرجه من مشيمة الرحم بيد المشية و الرحمة و الاقتدار، و دفع له دم الطمث في الصدر لبنا، و غذاه برزقه، و أخرجه إليه سهلا لينا و رباه بلطفه، و أنبته نباتا حسنا، و جعل له سمعا يسمع آياته، و عقلا يفهم كلماته، و يدرك‏

____________

(1) كذا بالأصل.

19

صفاته، و بصرا يرى قدرته، و فؤادا يعرف عظمته، و قلبا يعتقد توحيده، و لسانا ينشر تمجيده، و جعل جسده مدينته، و الروح منه خليفته، و قلبه كعبته و بيته، الذي أطاف به ملائكته، و كرّمه و فضّله، و فض له سوابغ النعماء، و أمره بمعرفته، ليشكره على عميم العطاء و النعماء، و أسكنه دار المحنة و الابتلاء، و أرسل عليه الرسل و نصب له الأدلّاء، و ساقه بسوط القهر إلى ميدان الفناء، و ساوى بالموت بين الملوك و الفقراء، ذلك لطف و عدل لنفوذ قلم القضاء، و الوصول إلى دار البقاء، و إعادتهم بعد الموت لطفا واجبا لإيصال العوض و الجزاء، فسبحان من فطر الخلائق، فلم يعي بخلقهم حين ابتدأهم، و لم يستأنس بهم حين أوجدهم و أنشأهم، و لم يستوحش لفقدهم إذ أماتهم و أفناهم، و لم يعجزه بعثهم إذ هو أهون عليه إذا دعاهم، للمحسنات و ناداهم، تبارك القوي القدير، علمه بهم قبل التكوين كعلمه بهم بعد الإيجاد و التبيين، فسبحان من ألهم، و من له الفضل و المنن.

آمنت بذي الملك و الملكوت، و أسلمت لذي العزّة و الجبروت، و توكّلت على الحي الذي لا يموت، الربّ المنفرد بالوحدانية و عدم القرين، الحي القوي، العلي الغني عن المعين، شهدت بواجب الوجود، و مفيض الكرم و الجود، بالأحدية التي لا تحد و الوحدانية التي لا تعد، و الصمدانية التي ليس لها قبل و لا بعد، و الإلهية البسيطة التي كل لها ملك و مملوك، و عبدت من سري و فؤادي و روحي و خيالي و سوادي، بأن اللّه هو الحق المبين وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد، الرب الفرد الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد.

شهدت لربي و مولاي مصور ذاتي، و مقدّر صفاتي، الذي له نسكي و صلاتي و محياي و مماتي، بأنه هو الذي لا إله إلّا هو ربّ كل شي‏ء، و خالق كل شي‏ء و معبود كل شي‏ء، و ملك كل شي‏ء، و مالك كلّ شي‏ء و بيده ملكوت كل شي‏ء، القيوم الأوّل، قبل وجود كل شي‏ء، و الحي الباقي بعد فناء كل شي‏ء، الواحد المسلوب عنه الشبيه و النظير، الأحد الذي لا كمثله شي‏ء، و هو السميع البصير، لا تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير، و أن هذه الصفات الإلهية، و المدائح الربانية، لا يستحقها أحد سواه، و لا يملكها و يستوجبها إلّا اللّه و أنه سبحانه حكم عدل لا جور في قضيته، و لا ظلم في مشيئته و أنه‏

20

تجري الأمور على ما يقضيه لا على ما يرتضيه، و أعتقد أنه من عرف بهذا الاعتقاد وحّده، و نزّهه عن مشاهدة المحدثات و عبده، و أعلن شكر الإله و حمده، فهو مؤمن مخلص قد شملته العناية و المنة، و وجبت له النجاة و الجنة، و ذلك كله بلطفه و عنايته و حوله و قوّته و منّه و هدايته و إرشاده و دلالته.

فسبحان من ابتدأ بالفضل، و كلف بالعدل، و مدح العلم و ذم الجهل، و أفاض اللطف، و أوضح السبيل، و نصب الدليل، و أرسل الرسل، و بعث الأنبياء (عليهم السلام) حكاما لإظهار أمره، و نشر عدله، و نصب الأوصياء (عليهم السلام) أعلاما لكمال دينه، و بيان فضله، بعثهم بالهدى و دين الحق، رسلا مبشّرين و منذرين، صادقين معصومين، إليه يدعون، و عنه يقولون، و بأمره يعملون، ثم جعلنا و له الحمد من أمّة خير الأنبياء (عليهم السلام)، و أطيب مخلوق من الطين و الماء، و أشرف مبعوث شرفت به الأرض و السماء، الجسد المطهر، و الروح المقدس المعطر، الذي تعطرت به البطحاء، البشير النذير، السراج المنير، أوّل الأنبياء بالنور، و آخرهم بالظهور، و سرهم في الأصلاب و الظهور، أكرمهم شيعة، و أعظمهم شريعة، و أفصحهم كلاما، و أرفعهم قدرا، و أشرفهم كتابا، و أعزّهم جنابا، أشرف من تشرّفت به الأعواد و الأعضاء (1) المنطق الالهي، أفصح من نطق بالضاد، النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، و الرءوف الرحيم، الأوّل، الآخر، الباطن، الظاهر، الفاتق، الراتق، الفاتح، الخاتم، العالم، الحاكم، الشاهد، القاسم، المؤيّد، المنصور، أبي القاسم محمد بن عبد اللّه، الحميد المحمود، الصادق الأمين، العزيز المبين، المنتجب من خاص الطين، المبعوث رحمة للعالمين، صفي اللّه و صفوته، و إمام أصفيائه يوم البعث و النشور، خاتم الأنبياء و المرسلين، و سيّد الأوّلين و الآخرين، (صلّى اللّه عليه و آله الطاهرين).

آمنّا باللّه و بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بما دعانا إليه، و اتبعنا النور الذي أنزل معه‏ (2)، و هدانا إليه، وصيّه الذي خصّ بالولاء و اللواء و الإخاء (3)، نص النبي عليه، أخاه و أمينه، و خليفته و قائد جيشه، و حامل رايته، و سلطان رسالته، و إمام أمّته، مفديه بروحه، و متساويه‏

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) و في الحديث أنه أمير المؤمنين (عليه السلام) راجع: تفسير نور الثقلين: 2/ 83 ح 300.

(3) إشارة إلى حديث المؤاخاة و حديث الغدير و حديث الراية في خيبر.

21

بمحنه، عضده المعاضد، و ساعده المساعد يوم شدّته، سيّد الوصيّين، و إمام المتّقين، و ديّان الدين، و صاحب اليمين، و علم المهتدين، و خليفة ربّ العالمين، و سرّ اللّه و حجّته، و آية اللّه و كلمته، في الأوّلين و الآخرين، القائم بالحق، الإمام المبين مولانا و سيّدنا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كمل بحبّه الدين، و قال بولايته أهل اليقين، و رجحت به الموازين، و بعده عترته الطاهرين، و ذريّته الأكرمين، و أبناءه المعصومين، و أوصياءه المنتجبين، و أسباطه المرضيين (عليهم السلام)، الهداة المهديين، خلفاء النبي الكريم، و أبناء الرءوف الرحيم، و امناء العلي العظيم، ورثة المرسلين، و بقية النبيين، و سادة الأوّلين و الآخرين، نواميس العصر، و أخيار الدهر، ذرية بعضها من بعض، و اللّه سميع عليم، و أشهد يا رب، و أعتقد أن قولك حق، و وعدك صدق، و أمرت بالبعث و النشور، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و أن الدين عند اللّه الإسلام، جزى اللّه محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) خير الجزاء، و حيّى اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالسلام.

اللّهم فلك الحمد على ما أنطقتني به من حمدك، و علمتني من مدحك، و لك الحمد على ما ألهمتني من شكرك، و أرشدتني إليك من ذكرك، و لك الحمد على أيسر ما كلفتني من طاعتك، و أوفر ما أنعمتني من نعمتك، اللهم فلك الحمد حمدا متواليا متعاليا مترادفا مباركا طيبا، أبدا سرمدا مجردا مؤبدا، باقيا لقيامك لا أمد له، حمدا يزيد على حمد الحامدين لك، حمدا لا يندرس في الأزمان و لا ينتقص في العرفان، و لا ينقص في الميزان، حمدا يزيد و لا يبيد، و يصعد و لا ينفد، و لك الحمد يا من لا تحصى محامده و مكارمه، و منحه، و صنائعه، و عواطفه و عوارفه، و لا تعد أياديه و مواهبه السوابغ السوائغ الدوائم، الدوائب الفوائض، الفواضل، و أياديه الجليلة الجميلة الجزيلة و كرمه الكبير الكثير و فضله الوافر الوافي، وجوده الباقي الهامر، و بره الباهر و شمسه الزاهي الزاهر.

اللهمّ أنت ربّي و رب كل شي‏ء، لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكلت، و إليك أنبت، و إيّاك أعبد، و لذاتك و صفاتك المنزّهة أنزّه و أوحد، و باسمك العظيم أسبح و أقدّس، و أهلل و أمجد، و لجلال وجهك الكريم أركع و أسجد، و لفضلك القديم و برّك العميم أشكر و أحمد، و إلى أبواب كرمك و جودك الفياض و نعمك أسعى و أقصد، أسألك اللهم بجلال الوحدانية،

22

و القدرة الربّانية، و المحامد الإلهية، و المدائح الرحمانية، و الأنوار المحمدية، و الأسرار العلوية، و العصمة الفاطمية، و العزّة الزكية، الهادية، المهدية، مقاماتك، و آياتك، و علاماتك، و تجلياتك، لا فرق بينها و بينك، إلّا أنّهم عبادك و خلقك، أن تصلّي على محمد و آل محمد، الذين لأجلهم ثبتت السماء، و ثبتت الأرض على الماء، و اخترتهم على العالمين، و فرضت طاعتهم على الخلائق أجمعين، و أبقيتني على إيمانك، و التصديق بمحمد عبدك، و رسولك، و الولاية بخير الوصيين عليّ أمير المؤمنين، و التمسك بالهداة من عترته الطاهرين، سفينة النجاة و سادة الوصيين، و البراءة من أعدائهم الضالين، فإنّي رضيت بذلك يا رب العالمين، اللهم و هذا صراطك الحق، و دينك الصدق، الذي تحبّه و ترضاه، و تحبّ من دانك به، و تجيب دعاه، اللّهم صلّ على محمد و آل محمد، و ثبتني على هذا الدين القيّم، و اجعله ثابتا، و حازما و ناطقا به لساني، و مؤمنا و موقنا و مصدقا له سرّي و إعلاني، و منقادا و تابعا و عاملا به جوارحي، و أركاني، و نورا و إقبالا في لحدي و أكفاني، فقد تشبثت بأذيال الكرم و الرجاء، و قرعت بأنامل التصديق و التوفيق أبواب الإيمان و الولاء، فاجعله اللهم خالصا لوجهك، يا ديّان العباد، و زادا ليوم الحشر و التناد، إنّك الكريم الجواد، و أعظم من سئل فجاد، يا أرحم الراحمين.

23

[خطبة الكتاب‏]

مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) الحمد للّه المتفرّد بالأزل، و الأبد، و الصلاة على أول العدد، و خاتم الأمد، محمد و آله الذين لا يقاس بهم من الخلق أحد (1).

و بعد يقول الواثق بالفرد الصمد رجب الحافظ البرسي أعاذه اللّه من الحسد، و آمنه يوم يفرّ الوالد من الولد.

اعلم أن بعض الحاسدين، الذين ليس لهم حظ في الدين، من باب كاد الحسد أن يغلب القدر، لما بسطت لهم تجويد الكتاب المجيد، فكان مطويا عنهم أخذوا بطرفيه و أزاحوني، و لما نشرت لهم مطوي منثور الأخبار، و أبرزت إليهم بواطن الأسرار، من خدور الأفكار، حسدوني، و كذّبوني، و لاموني، و ملّوني، و ساموني، و سأموني؛ و كلّما وضعت لهم سرير التواضع، و مددت لمودتهم يمين الخاضع، جزموا بعامل الهجر بودّي و خفضوني، و أنكروني بعد أن عرفوني، و نكروني بعد أن عرفوني، و لا ذنب لي غير أني رويت زبد الأخبار، و وريت زند الأخيار، فذاع ندها، و نظم خيطها، و ذاع شذاها، فضمخ طيبا قبل منها العليل. و بل الغليل، و لما كان أكثرها من الأمر الخفي، و السرّ المخفي، الذي يضطرب لإيراده القلب السقيم اضطراب السليم، و يطرب لسماعه الفؤاد السليم، إذ لا حظّ للمزكوم و المشموم، عند ملاحظة طيب المشروب و المشموم، فهو كما قيل:

و من يك ذا فم مرّ مريض‏ * * * يجد مرّا به الماء الزلالا

فحمل بعض ما أوردت، جهلا بما أردت، قوم من القردة، إلى آخرين من الحسدة، و أداها من لا يعلم إلى من لا يفهم، و المرء عدوّ ما جهله، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فكانوا كما

____________

(1) كما في الروايات: راجع الاختصاص: 13، و ينابيع المودة: 1/ 301- 214، و بحار الأنوار: 26/ 12 و كنز العمال: 12/ 104 ح 34201 و قد أتينا على طرقها في كتابنا: الولاية التكوينية: 243.

24

قيل:

يعرفها من كان من جنسها * * * و سائر الناس لها منكر

أو كما قيل:

لو كنت تعلم كل ما علم الورى‏ * * * طرا لكنت صديق كل العالم‏

لكن جهلت فصرت تحسب كل من‏ * * * يهوى بغير هواك ليس بعالم‏

حتى أوصلوها بلسان البغضاء، إلى الإخوان من الفقهاء، و هم أهل المذهب المذهب، و المنهاج الذي ليس لهم منهاج، لكن لا يدرك غامض المعقول بالمنقول، فكيف بما وراء العقول، و لا يلزم من معرفة علم واحد الإحاطة بسائر العلوم، و ما منّا إلّا له مقام معلوم، و كل ميسر لما خلق له، و مبتهج بما فضله اللّه و فض له، و نعم اللّه السوابغ و السوائغ (التوابع) الشرائع الدوائم الدوائب، الفوائض الفواضل، السائرة إلى عباده، الواصلة إلى بلاده، لا تنقطع ركائبها، و لا تنقشع سحائبها، و باب الفيض مفتوح، و كل من الجواد الكريم ممنوح، و ليس وصول المواهب الربّانية، و العثور على الأسرار الإلهية، بأب و أم، بل اللّه يختص برحمته من يشاء، و إن تقطعت من الحاسد الأحشاء، و لما أوردوها لهم بلسان يحرّفون الكلم عن مواضعه، لم يلمحوا بالنظر الباطن زواهر جواهرها من أصداف أصدقائها (1)، و لم ينهوا عيون العقول عن زيغها و إصدافها، و لم يتحلوا بها فيتزيّنوا و لم يصغوا بأسماع العقول إلى استماع‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2) بل صدقوهم في الفتنة و الريبة، و صادقوهم في استماع النميمة و الغيبة، فجعلوا الكذب الشنيع، لسهام التشنيع غرضا، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (3) فنسبوه- إذ لم يفهموه- إلى قول الغلاة، و لا من أسرار الهداة (4)، فكانوا كما قال أمير المؤمنين علي: لقلنا غير مأمون على الدين، بصرت فيهم بما بصرت كما قيل:

أعادي على ما يوجب الحب للفتى‏ * * * و أهدأ و الأفكار فيّ تجول‏

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) الحجرات: 6.

(3) البقرة: 10.

(4) كذا بالأصل.

25

أو كما قيل:

حاسد يعنيه حالي‏ * * * و هو لا يجري ببالي‏

قلبه ملآن مني‏ * * * و فؤادي منه خالي‏

و غير ملومين في الإنكار لأنه صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا نبي مرسل أو ملك مقرّب، أو مؤمن قد امتحن اللّه قلبه للإيمان‏ (1)، و إذا ردّ المنافق أسرار علي (عليه السلام) لبغضه، و ردّها الموافق بجهله بعد ما نقل أنّه صعب مستصعب فإن كان يعلمه فما هو الصعب المستصعب، و إن لم يعرفه فكيف شهد على نفسه أنّه ليس بمؤمن ممتحن، فهلّا صمت فسلم، أو قال إن علم، فمن وجد فؤاده عند الامتحان، ورود نسمات أسرار ولي الرحمن، قد اشمأز و قشعر، و مال عن التصديق و أزور، فذاك بعيد عن الإيمان، قريب من الشيطان، لأن حبّ علي (عليه السلام) هو المحك بلا شك، فمن تخالجته الشكوك فيه فليسأل أمّه عن أبيه‏ (2)، من نقص جوهره عن العيار، فليس له مطهر إلّا النار، و إنّما دعاهم إلى الإنكار الجهل و الحسد، و حب الدنيا التي حبّها رأس كل خطيئة، و الميل مع النفس و الهوى، و من يتّبع الهوى فقد هوى، لأنّ هذه النفس الإنسانية هي التي تحب أن تعبد من دون اللّه و أن لا ترى الفخر و السؤدد إلّا لها، و أن ترى الكلّ عبيدا لها، لأنّها سلسلة الشيطان التي بها يتدلّى إلى هذا الحرم الربّاني، و إليها الإشارة بقوله و أجريته مجرى الدم منّي، و لذلك قال (عليه السلام) «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» (3) و في النقل أن اللّه تعالى لما خلق النفس ناداها من أنا؟ فقالت النفس: فمن أنا؟

فألقاها في بحر الرجوع الباطن حتى وصلت إلى الألف المبسوط و خلصت من رذائل دعوى الأنانية الأينية و رجعت إلى نشأتها، ثم ناداها: من أنا؟ فقالت: أنت الواحد القهّار (4)، و لهذا قال: «اقتلوا أنفسكم فإنّها لا تدرك مقاماتها إلّا بالقهر» (5).

____________

(1) كما في الأحاديث، راجع بحار الأنوار: 25/ 366 ح 7 و بصائر الدرجات: 26 ح 1 و ما بعده.

(2) روي أن مبغضه ابن زنا أو حيضة، راجع إرشاد القلوب: 2/ 433، و ترجمة علي من تاريخ دمشق: 2/ 224.

(3) بحار الأنوار: 70/ 36 ح 1 باب 44.

(4) مجموعة و رام: 59 باب العتاب.

(5) بحار الأنوار: 60/ 294 باب 39.

26

فصل [قصور الفهم عن إدراك مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام)‏]

و كيف أنكروه، و ما عرفوه، و بمجرّد السمع له ردّوه، و هو لعمري غرّة فخر الأنوار، و درّة بحر الأسرار و زبدة مخض الأسرار و معرفة أسرار الجبّار، لأنه النهج الأسلم، و الاسم الأعظم، و الترياق الأكبر، و الكبريت الأحمر، و لكن ذا المذاق الوثي، و الصدر الشجي، لا يفرق بين الحنظل و السكر.

و لمّا كانت الموهبة من الكلم‏ (1) المخزون أنكرتها العقول لقصورها عن ارتقاء عالي قصورها، و صعقت عند سماع نفخة صورها، فالغالي و القالي هلكا في بحر الإفراط و التفريط، و التالي و الموالي وقفا عند ظاهر التشكيك و التخليط. فالقالي حجبه عن نورهم العالي ظلمة الكبر و الحسد، و الغالي تاه في تيه أسرارهم فضلّ عن سبيل الرشد، و التالي قاسهم بالبشر فوقف عن أسرارهم و قعد، و العارف نظر إلى ما فضلوا به من المواهب الإلهية فعرف أنّهم سرّ الواحد الأحد، و أن ظاهرهم باطن الخلائق، و باطنهم عين الحقائق، و غيب الإله الخالق، فعلم من قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ (2)، فهم مفاتح غيب اللّه التي لا يعلم فضلها و سرّها إلّا اللّه، و إن رفيع شرفهم لا تنال أيدي العقول علاه، و خفي سرّهم لا تدرك الأفهام و الأوهام معناه، و لهذا قيل في الحكمة: لا تحدّث الناس بما يسبق إلى العقول إنكاره، و إن كان عندك اعتذاره، فليس كل من أسمعته نكرا يوسعك منه عذرا، و ليس كل ما يعلم يقال، و لا كل ما يقال تجد له رجال. و قال ابن عبّاس للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه أ أحدث بكل ما أسمع؟ فقال: نعم إلّا أن يكون حديثا لا تبلغه العقول، فيجد السامع منه ضلالة و فتنة.

____________

(1) الصعب المستصعب (خ. ل).

(2) الأنعام: 59.

27

و قال رجل للصادق (عليه السلام): أخبرني لما ذا رفع النبي عليّا على كتفه؟ قال: ليعرف الناس مقامه و رفعته. فقال: زدني يا ابن رسول اللّه. فقال: ليعلم الناس أنّه أحق بمقام رسول اللّه. فقال:

زدني. فقال: ليعلم الناس أنّه إمام بعده و العلم المرفوع. فقال: زدني. فقال: هيهات و اللّه لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عنّي و أنت تقول إنّ جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون.

و كيف يطلع على الأسرار غير الأبرار. و قال علي بن الحسين (عليهما السلام):

إني لأكتم من علمي جواهره‏ * * * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن‏ * * * إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا (1)

و لا غرو فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول للملإ من قريش: قولوا لا إله إلّا اللّه. فيقولون، ثم يقول: اشهدوا أنّي محمّد رسول اللّه، فيشهدون، ثم يقول: صلّوا إلى هذه البنية، فيصلّون، ثم يقول: صوموا رمضان في الهواجر، فيصومون، ثم يأمرهم بإخراج الزكاة فيخرجون، ثم يقول: حجّوا و اعتمروا، فيحجّون و يعتمرون، ثم يدعوهم إلى الجهاد و ترك الحلائل و الأولاد، فيجيبون. ثم يقول: إنّ عليا وليّكم بعدي، فيعرضون، و لا يسمعون، فيناديهم بلسان التوبيخ و هم لا يسمعون: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏ (2)، ثم يتلو عليهم مناديا و هم لا يشعرون: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ‏ (3).

و يؤيّد هذه القواعد: ما رواه الحسن بن محبوب عن جابر بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): يا علي أنت الذي احتجّ اللّه بك على الخلائق حين أقامهم أشباحا في ابتدائهم و قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى‏. فقال: و محمّد نبيّكم، قالوا: بلى.

قال: و علي إمامكم. قال: فأبى الخلائق جميعا عن ولايتك و الإقرار بفضلك و عتوا عنها استكبارا إلّا قليلا منهم و هم أصحاب اليمين و هم أقل القليل، و إن في السماء الرابعة ملكا يقول في تسبيحه: سبحان من دلّ هذا الخلق القليل من هذا العالم الكثير، على هذا الفضل‏

____________

(1) غرر البهاء الضوي: 318، و جامع الأسرار: 35 و الأصول الأصيلة: 167 و فيه زيادة:

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به‏ * * * لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

و لاستحلّ رجال مسلمون دمي‏ * * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا

(2) ص: 68.

(3) النحل: 83.

28

الجزيل‏ (1).

و يؤيّد ذلك: ما ورد في كتاب الوحدة عن ابن عبّاس أنّه قال: مبغض علي من يخرج من قبره و في عنقه طوق من نار، و على رأسه شياطين يلعنونه، حتى يرد الموقف‏ (2).

و عنه مرفوعا إليه من كتاب بصائر الدرجات عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: يا علي و الذي بعثني نبيّا بالحق، و اصطفاني على سائر الخلق، إنك لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبّك، و لو ضربت خيشوم المؤمن ما أبغضك، فلا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا كافر منافق‏ (3).

و عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: المخالف لعلي بعدي كافر و مشرك و غادر، و المحبّ له مؤمن صادق، و المبغض له منافق، و المحارب له مارق، و الراد عليه زاهق، و المقتفي لأثره لا حق‏ (4):

بحبّ علي تزول الشكوك‏ * * * و يعلو الولاء و يزكو النجار

فإما رأيت محبّا له‏ * * * فثم العلاء و ثم الفخار

و إما رأيت عدوا له‏ * * * ففي أصله نسب مستعار

فلا تعذلوه على بغضه‏ * * * فحيطان دار أبيه قصار

فوجب عليّ تنزيها للدين عن ظن الملحدين، و شك الجاحدين، و اعتذارا إلى المؤمنين، بحكم من صنف، فقد استهدف، أن أورد في هذه الرسالة لمعة من خفي الأسرار، و مكنون الآثار، و بواطن الأخيار، و أميط عن محياها سدف الخفاء، ليبدو للطالب شهاب الاقتداء، في سماء الليلة الليلاء.

فإذا اتضحت بذلك خفايا الأسرار، و فضحت عن دررها أصداف الآثار، و بان بيان البيان، لمن ينظر فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (5).

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 311 ح 77 و 25/ 25 ح 45.

(2) بحار الأنوار: 27/ 226 ح 21.

(3) بحار الأنوار: 39/ 280 ح 62.

(4) بحار الأنوار: 27/ 226 ح 22.

(5) الكهف: 29.

29

فصل [أسرار علم الحروف‏]

و لمّا كان سرّ اللّه مودعا في خزانة علم الحروف و هو علم مخزون، في كتاب مكنون، لا يمسّه إلّا المطهرون، و لا يناله إلّا المقرّبون، لأنّه منبع أسرار الجلال، و مجمع أسماء الكمال، افتتح اللّه به السور، و أودعه سرّ القضاء و القدر، و ذلك بأن اللّه تعالى لما أراد إخراج الوجود من عالم العدم إلى عالم الكون، أراد العلويات و السفليات باختلاف أطوار تعاقب الأدوار و أبرزها من مكامن التقدير، إلى قضاء التصوير، عبأ فيها أسرار الحروف التي هي معيار الأقرار، و مصدار الآثار؛ لأن الباري تعالى بالكلمة تجلّى لخلقه و بها احتجب ثم أوجد طينة آدم في العمل الذي هو عبارة عن الاختراع الأوّل، من غير مثال، و لا تعديل تمثال.

ثم ركز في جبلة العماء (1) نسبة من تلك الحروف و رتّبها حتى استشرق منها في عالم الإيجاد، بلطائف العقل لإشراق الظهور، ثم نقله بعد ذاك في أطوار الهباء الذي هو عبارة عن الاختراع الثاني، و رتّب فيه رتبة من الحروف التي ركزها في جبلة العماء حتى استشرقها في عالم الإيجاد بلطائف روحه في الاختراع الثاني، ثم نقله بأطوار الذر الذي هو عبارة عن الإبداع الثاني، و أوجد فيه نسبة من الحروف التي وضعها في جبلتها الفطرية، حتى استشرق بها في عالم الإيجاد بلطائف القلب في الإبداع الثاني، فالحروف معانيها في العقل، و لطائفها في الروح، و صورها في النفس، و انتقاشها في القلب، و قوّتها الناطقة في اللسان، و سرّها المشكل في الأسماع. و لما كان المخاطب الأوّل هو المخترع الأوّل، و هو العقل النوراني، كان خطاب الحق بما فيه من معاني الحروف، و مجموع هذه الحروف في سرّ العقل كان ألفا واحدا لأنّه بالقوّة الحقيقية مجموع الحروف، و هو الذي سمع أسرار العلوم بحقيقة هذه الحروف قبل سائر الأشياء، و العقل هو صاحب الرمز و الإشارة، و الحقيقة و الإيماء،

____________

(1) في الأصل: العملى و المثبت عن: خ. ل.

30

و الإدراك. و الحروف في لطيفة الروح شكل الضلعين من أضلاع المثلث المتساوي الأضلاع، ضلع قائم، و آخر مبسوط على هذه الصورة، و القائم ضلع الألف، و المبسوط ضلع الباء، و إنّما قلنا بأن الحروف في لطيفة الروح شكل ضلعين، لأنّ فيض الأنوار البسيطة التي في العقل بالفعل هي في الروح بالقوة فاتفقا في وجود الأسرار، و تباينا في اختلاف الأطوار، و من حيث إن الروح تستمد من العقل، و النفس تستمد من الروح، و جميع الأنوار العلوية تستمد من نور العرش، كذلك سائر الحروف تستمد من نور الألف، و رجوع السفلي و العلوي منها إليها، و كل حرف من الحروف قائم بسرّ الألف و الألف سرّ الكلمة، و ملائكة النور الحاملون للعرش من ذوات هذه الحروف، و الأوّل منها المتعلّق بالعقل اسمه الألف و الموحدون لحضرة الجلال أربعة: العقل، و الروح، و النفس، و القلب هو الموحد الرابع، و توحيده بسر الحروف التي أوجدها الحق في جبلته، لأنّ القلب لوح النقوش الربّانية، بل هو اللوح المحفوظ بعينه. و من هاهنا اختلفت الحروف باختلاف أوضاعها و نسبتها إلى أحوال آدم؛ فالدال يوم خلقه، و خط الجيم يوم تسويته، و خط الباء يوم نفخ الروح فيه، و خط الألف يوم السجود؛ فكان تركيب البنية الإنسانية بالحكمة الإلهية من شكل تربيعي، و تربيع طبيعي، و من عالمي الاختراع و الإبداع، فعلم أن العالم العلوي و السفلي بأجمعه داخلان تحت فلك الألف الذي هو عبارة عن الاختراع الأوّل، و العرش العظيم، و العقل النوراني، و الجبروت الأعلى، و سرّ الحقيقة و حضرة القدس و سدرة المنتهى، و ساير الحروف إجمالا و تفصيلا انبعثت عنه، و جميعها باختلاف أطوارها و تباين آثارها تستمد منه؛ و ترجع إلى الرب سبحانه.

خلق الخلق بسرّ هذه الحروف، و عالم الأمر كن فيكون، و كلامه سبحانه في حضرة قدسه إنّما سمع بهذه الحروف، و هي قائمة بذات الحق سبحانه، و أسماؤه المخزونة المكنونة مندرجة تحت سجل هذه الحروف، و الألف منها أوّل المخترعات، و منها سائر مراتب العالم، و جميع الحروف محتاجة إليه و هو غني عنها لأن سائر الأعداد لا تستغني عنه، و هو لا يحتاج إليها. و من عرف ظاهر الألف و باطنه، وصل إلى درجة الصدّيقين، و مرتبة المقرّبين، لأن له ظاهرا و بطونا، فظاهره (3): العرش، و اللوح، و القلم. و هو مركّب من (3)

31

نقط: الواحدة و الواحدة و الواحدة، و بحثها يأتي فيما بعد. و باطنه الأوّل (3) و هي: العقل، و الروح، و النفس. و باطنه الثاني (11) و هو عدد بسائط الاسم الأعظم فإذا أخذ منه (12) و هي موضوع الأسماء و الأعداد بقي (99) و هي عدد الأسماء الحسنى، و باطنه الثاني (71) و هو عدد اللام الفائض عنه، و هذا العدد مادّة الاسم الأعظم و حرف من ظاهر الاسم الأعظم، و باطنه الثالث (42) و هو فيض اللام، و هو الميم، و عدده (45) و عددان في الألف و اللام، و هذا العدد ظاهر الاسم الأعظم و باطنه، الرابع إن ضرب مفرداته في نفسها (9) و الفتق الفائض عنه في فتق الحروف أيضا (9) و هي ألف ل ف ألف م م ى م، و العرش، و اللوح، و القلم، مفرداتها أيضا (9) و هي ع ر ش ل و ح ق ل م، و العقل، و النفس، و الروح، أيضا كذلك ع ق ل ن ف س روح، فألف هي الكلمة التي تجلّى فيها الجبّار بخفي الأسرار.

فمن عرف ظاهره و باطنه، أدرك خفي الأسرار، و مكنون الأنوار، لأنّه حرف يستمد من قيومية الحق و الكل يستمد منه.

فصل‏

و أما الألف المبسوط و هو الباء فهي أوّل وحي نزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أوّل صحيفة آدم و نوح و إبراهيم و سرّها، من انبساط الألف فيها سرّ القيامة بقيام طرفه، و هو سرّ الاختراع و الأنوار، و الأسرار الحقيقية مرتبطة بنقطة الباء، و إليها الإشارة بقول أمير المؤمنين (علي):

«أنا النقطة التي تحت الباء المبسوطة» (1)، يشير إلى الألف القائم المنبسط في ذاتها، المحتجب فيها، و لذلك قال محي الدين الطائي: الباء حجاب الربوبية، و لو ارتفعت الباء لشهد الناس ربّهم تعالى‏ (2).

____________

(1) شرح دعاء السحر: 64 و جامع الأسرار: 563- 411 ح 1163- 823 و الأنوار النعمانية: 1/ 47.

(2) قال بعض العارفين: ما رأيت شيئا إلّا و رأيت الباء عليه مكتوبة. جامع الأسرار: 701، و قيل: بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميز العابد عن المعبود. جامع الأسرار: 563 ح 1163 و نسبه لابن عربي، و شرح دعاء السحر: 64.

32

فصل‏

و حرف القاف باطن القلم و سرّ الأمر. و المراد بسرّ الأمر، القدر. و القلم ببسائطه (3) أحرف و هو الكائن لأسرار القدر، و هو سر الاسم الأعظم، و القلم حرفه الأوّل القاف المحيط بالعالم ظاهرا، و بالعلم باطنا و عدده (181). فإذا أخذ منه عدد الاسم الأعظم، و هو (111) بقي (70) و هي مادة الاسم الأعظم، و حرف من حروفه، كما أن السين حرف من حروف ظاهر الاسم الأعظم، و من علم باطن السين علم الاسم الأعظم، و حرفه الثاني: ل، و الثالث:

م، و من هذه الحروف تتركّب العوالم بأسرها، و سائر الموجودات بأجمعها داخلة تحت (299) اسما، و الأسماء داخلة تحت الاسم الأعظم، و الاسم الأعظم هو المائة و القاف بحسابه العددي مائة.

فصل‏

و حرف: ط طيار في جميع العالم، و سرّه في المبادئ الأوليات، و تعححت‏ (1) نشأة الاختراعيات و سرّها في العلويات و السفليات، و لها أسرار في ظهورها، فظهرت في آخر اسم لوط، فكان من سرّها تدمير قومه، كما ظهرت الهاء في أوّل اسم هود، فكان من سرّها خسف الأرض بقومه و تدميرها، و ظهرتا معا في اسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله تعالى: طه‏ و هو محمّد بلغة طي.

فصل‏

و حرف الجيم (ج) حرف ملكوتي يتلقّى عن الباء، يشترك فيه جميع العوالم الملكوتية و هو حرف أظهره اللّه في أوّل أسماء الجلال، و العرش قائم بجلال الجيم، و القلم يستمد منه الكرسي أيضا في صفة الجمال قائم به، و هو المثلث الذي انبسط فيه سرّ الألف و الباء، و ظهر

____________

(1) كذا.

33

في أطوار الغضب، و مركز اللطف، فتجلّى في الجبّار و الجواد، فله الجبروت و الجود.

فصل‏

و حرف: ك حرف ظهر في آخر اسم الملك، و له العزيز و هو باطن العلم و باطن الأمر و باطن العرش و الكرسي، و باطن الصور السمائية و الأرضية.

فصل‏

و حرف: ع هو أوّل أسرار العرش، و العقل، و هو حامل أسرار العالم، لأن العرش حامل الكرسي، و القلم و اللوح و الأفلاك و الأرضين، و العقل حامل الروح، و الروح حامل النفس، و النفس حامل القلب، و القلب حامل الجسم، و القدرة حاملة للكل.

فصل‏

و حرف: ث حرف ظهر في الوارث و الباعث، و ظهوره في الوارث إشارة إلى فناء الموجودات، و في الباعث إشارة إلى القدرة على بعثهم بعد الممات، و جمعهم بعد الشتات.

فصل‏

و حرف الزاي حرف شريف، ظهر في العزيز، فالعزة للّه جميعا، و منه وصول العز إلى سائر العالم بالترتيب، فبعض العالم يستمد لعزّه من بعض فكره، التراب يستمد من الماء، و الماء من الهواء، و الهواء من النار، و النار من الفلك، و هكذا ترتيب العزّة في الأكوان، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ (1).

____________

(1) آل عمران: 26.

34

فصل‏

و حرف الواو، حرف من حروف العرش، سيار في أجزاء العالم، متعلّق بطرفي الخلق، و الأمر كن فيكون.

فصل‏

و لما كان هذا العلم الشريف، إشارات و رموزا، أوردت منه هاهنا ما فيه إشارة و تنبيه.

فصل‏

و أما علم النقط و الدوائر، فهو من أجلّ العلوم، و غوامض الأسرار، لأن منتهى الكلام إلى الحروف، و منتهى الحروف إلى الألف، و منتهى الألف إلى النقطة، و النقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، و من الابتداء بالانتهاء، يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها و لا إشارة.

فصل‏

و لمّا كان الألف، قائما بسر العقل، و العقل قائم به، و تمام الحروف في سر الألف، لكن بينهما تباين في الرتبة، فألف العقل قائم، و ألف الروح مبسوط، و هذا العلم الشريف لو كشف للناس منه سرّ ما بين الألف و اللام و الميم التي هي جوامع الأمر الحكيم، لاضطرب كل سليم، و جهل كل عليم، كما ورد عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: يا محمد إنّ في سورة الأحزاب آيا محكما، لو قدرنا أن ننطق به، لنطقنا، و لكفر الناس إذا و جحدوا و ضلّوا، و لكن كما قيل:

و مستخبر عن سر ليلى أجبته‏ * * * بعمياء عن ليلى بغير يقين‏

يقولون خبرنا فأنت أمينها * * * و ما أنا إن خبرتهم بأمين‏

35

فصل‏

و سر اللّه مودع في كتبه، و سر الكتب في القرآن، لأنّه الجامع المانع، و فيه تبيان كل شي‏ء، و سر القرآن في الحروف المقطعة في أوائل السور، و علم الحروف في لام ألف، و هو الألف المعطوف المحتوي على سرّ الظاهر و الباطن، و علم اللام ألف في الألف، و علم الألف في النقطة، و علم النقطة في المعرفة الأصلية، و سرّ القرآن في الفاتحة، و سر الفاتحة في مفتاحها، و هي بسم اللّه، و سر البسملة في الباء، و سر الباء في النقطة.

فصل‏

و الفاتحة هي سورة الحمد، و أمّ الكتاب، و قد شرّفها اللّه تعالى في الذكر فأفردها، و أضاف القرآن إليها فقال عزّ اسمه: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ (1). فذكرها إجمالا و إفرادا و ذلك لشرفها، و هذا مثل قوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ (2) أدخلها إجمالا، و أفردها إجلالا، و الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب ظاهرا، و في وقت أدائها تفتح أبواب السماء، و يجب التعجيل بها لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «عجلوا بالمغرب».

و أما في الباطن و الرمز، فهي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لأن الصلوات الخمس بالحقيقة هم: السادة الخمسة الذين إذا لم يعرفوا و لم يذكروا، فلا صلاة؛ فالظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من ثم بدا النور أوّل ما خلق اللّه نوره‏ (3) أوّل ما خلق اللّه اللوح‏ (4)، أوّل ما خلق اللّه القلم‏ (5)، فالعقل نور محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(6)، و اللوح و القلم علي و فاطمة، و إليه الإشارة بقوله تعالى: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما

____________

(1) الحجر: 87.

(2) البقرة: 238.

(3) كما يأتي.

(4) نظم المتناثر: 185.

(5) تاريخ ابن كثير: 1/ 39.

(6) العقل الأوّل نور خاتم النبوّة. راجع نبراس الضياء: 102.

36

يَسْطُرُونَ‏ (1) و فريضة العصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، و المغرب الزهراء، أمرهم اللّه تعالى بالمحافظة على حبّها و حبّ عترتها، فصغروا قدرها، و حقروا عظيم أمرها، لما غربت عنها شمس النبوّة، و حبّها الفرض، و تمام الفرض، و قبول الفرض، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حصر رضاه في رضاها فقال: «و اللّه يا فاطمة لا يرضى اللّه حتى ترضي، و لا أرضى حتّى ترضي» (2).

و معنى هذا الرمز أن فاطمة (عليها السلام) ينبوع الأسرار و شمس العصمة، و مقرّ الحكمة، لأنّها بضعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حبيبة الولي، و معدن السرّ الإلهي، فمن غضبت عليه أمّ الأبرار، فقد غضب عليه نبيّه و وليّه، و من غضب عليه النبي و الولي، فهو الشقي كل الشقي.

و صلاة العشاء الحسن (عليه السلام) حيث احتجب عنه نور النبي و الولي، و الصبح الحسين (عليه السلام) لأنه بذل نفسه في مرضاة اللّه تعالى، حتى أخرج نور الحق في دجنة الباطل، و لولاه لعمّ الظلام إلى يوم القيامة.

فصل‏

و مثل هذا الباب من الحديث القدسي بقول اللّه سبحانه «ولاية علي حصني، فمن دخل حصني، أمن عذابي» (3). فحصر الأمان من العذاب في ولاية علي، لأنّ الإقرار بالولاية يستلزم الإقرار بالنبوّة، و الإقرار بالنبوّة، يستلزم الإقرار بالتوحيد، فالموالي هو القائل بالعدل، و القائل بالإمامة، و العدل مع التوحيد هو المؤمن، و المؤمن من آمن. فالموالي لعلي هو المؤمن الآمن، و إلّا فهو المنافق الراهق من غير عكس.

و مثال هذا من قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا مدينة العلم و علي بابها» (4)، و المدينة لا تؤتى إلّا بالباب، فحصر أخذ العلم بعده في علي و عترته، فعلم أن كل من أخذ علمه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من غير علي و عترته (عليهم السلام) فهو بدعة و ضلال، و في هذا الحديث إشارة لطيفة، و ذلك أن كل‏

____________

(1) القلم: 1.

(2) الصراط المستقيم: 2/ 93.

(3) شواهد التنزيل: 1/ 170.

(4) ينابيع المودّة: 1/ 75- 81 و اسد الغابة: 4/ 24.

37

وحي يأتي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من حضرة الربّ العلي فإنّه لا يصل به إلّا الملك حتى يمرّ به على الباب، و يدخل به من الباب، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي إن اللّه أطلعني على ما شاء من غيبه و حيا و تنزيلا و أطلعك عليه إلهاما (1)، و هذا إشارة إلى ما خصّ به نبيّه ليلة المعراج خطابا، فإن ذلك خصّ به وليّه إلهاما.

و أما قوله: إنّك ترى ما أرى، و تسمع ما أسمع‏ (2)، فإنّه إشارة إلى نزول الملائكة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالتحف الإلهية، فانّ اللّه خص وليّه بأن يسمع بعضها و يراه، و أمر نبيّه بإيصال باقيه إليه لأنّه الخازن لأسرار النبوّة، الولي في علو مقامه، تلميذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و وزيره لأنّ سائر البحار داخلة تحت البحر المحيط.

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/ 197.

(2) بحار الأنوار: 37/ 270 ح 40.

38

فصل [باطن فاتحة الصلاة]

و سورة الحمد فيها اسم اللّه الأعظم عن يقين، و عدد آياتها «7» و هي العدد الكامل، و من العدد الكامل يظهر جذر العشرة، و هو ضرب السنة في أيام الأسبوع و مبلغه (2520) و هو عدد له نصف، و ثلث، و ربع، و خمس، و سدس، و سبع، و ثمن، و تسع، و عشر. و عدد كلمات أمّ الكتاب مع البسملة (29) كلمة، و عدد السور المتوّجة بالحروف المقطعة (29) سورة، و عدد أيام الشهر (29) يوما فإذا أخذ منها الألف، كانت «28» بعدد منازل القمر و إذا قسّمت كان منها للأفلاك «9» و للبروج «12» و للعناصر «4» و للمواليد «3» فهذه ثمانية و عشرون بعدد حروف المعجم، و عدد حروف الفاتحة «324» و أعداد حروفها «9361» و ساير أعدادها تنقسم إلى الفردانية، و تشير إليها و تنقسم بأعداد الاسم الأعظم قسمين ظاهر و باطن، فالظاهر «86» مرّة، و الباطن «993» مرّة تأويلا، و عدد بساط حروفها (942) و أعداد بسائط حروفها (18) ألفا، و الفردانية تدور معها حيث دارت.

فصل [حروف المعجم‏]

و حروف المعجم (28) حرفا كما مرّ، و عددها بالهجاء يعني بسائطها (12) حرفا و عدد الحروف المقطعة [في‏] سور القرآن (12) حرفا، و تحت هجاء بسائط الحروف اسم العزيز الفتاح «19» مرة و في بسائطها الاسم الأعظم (66) مرة، و الاسمان معا «2» مرتين، و إذا أخذ المكرور الدني من هذه الحروف في «14» حرفا و هي الحروف النورانية و هي مقطعة في‏

39

سورة الحمد و هي هذه: ا ل ر ح ي م‏ (1) ن ك س ه ص ق ط و أعدادها (699) و من هذه الحروف النورانية تستخرج أسماء اللّه الحسنى، و اسم اللّه الأعظم؛ و علم الأدوار و الأسرار، صريحا و ظاهرا و باطنا جملة و أفرادا، لأن اسم اللّه الأعظم قد يكون في حرف واحد، و قد يكون في عدد واحد، و قد يكون في حروف و في أعداد و كلمات حسب الإرادة الإلهية و الحكمة الربّانية، و هو في الحروف على هذا المثال:

ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط

1 3 2 7 8 10 4 5 2 6 5 9 1 9

و هذه «110» و هذا رمز آخر من السر المكتوم قد أبرزته مكشوفا، و معرفته مدفونة على من كان له حظ من علم الحروف و أعدادها الظاهرة و الباطنة هي هذه:

ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط

1 3 2 7 8 10 4 5 2 6 5 9 1 9

فهذه «99» بعدد الأسماء الحسنى، و هذا الوجه الثالث من هذا السرّ و هو:

ا ل م ر ك ه ي ع ص ط س ن ح ق‏

1 3 4 2 2 5 10 7 9 9 6 5 8 1

و هذه «112» و هذا وجه آخر: ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط «72» فإذا أخذنا من هذه الحروف صريح الاسم الأعظم، و هي «3» حروف و «3» أعداد بقي منها «11» حرفا و هي العدد الخفي، و السرّ المخفي، ا ر ح م ن ك س ه ص ق ط و هذه «11» عددا و هي مادة الاسم الأعظم.

فصل [حروف الاسم الأعظم‏]

و حروف الاسم الأعظم الأكبر مع المكرّر (72) و هي هذه: ا ل م ا ل ن ه ا ل ر ا ل م ا ل ر ح م ا ل ر ح م ا ل ك ا ل م ك ه ر ع ا ع س ق ا ى ا ك ا ل ه ا ل م م ص ط س ط ه ع ل ى ا ل ن م و ا

____________

(1) في رسالة الماجد لجابر بن حيان «بول كراوس» الميم حرف ظلماني.

40

ل ر ص ه

و أعداد هذه الحروف (264) و هذه الحروف الاسم الأعظم و أعدادها، فإذا أراد النبي أو الإمام ألفها و دعا بها.

فصل‏

و هذا العدد من أعداد الاسم الأعظم (124) و مضاعفتها (1331) و هذه تكتب لكل ألم فيشفى، أو تعلّق أو تسقى و تعلّق، فهي شفاء من كل داء، و إن أراد كتب موضعها حروفا من العنصر الحار المطلق «ه ط»، و من البارد اليابس المطلق «ي»، و من الحار الرطب «ك»، و من البارد الرطب «ل»، على هذا المثال «11، 7، 111» و الباقي على هذا المثال.

فصل [خواص الفاتحة]

و من خواص الفاتحة أنه من قرأها مع صوم و قطع حيوان «7» أيام في كل يوم (1511) مرّة و صلّى على محمد و آله هذا العدد لا يطلب شيئا إلّا وجد فيها، قد تجاسرت و أوردت في هذه الرسالة لمعة من حقائق الأسرار، تسر المؤمن التقي، و تضرّ المنافق الشقي، (و سمّيتها مشارق أنوار اليقين) في حقايق أسرار أمير المؤمنين، فجاءت كالسيف المنتضى، في كشف أسرار علي المرتضى، و اللّه ولي الإنعام و الإحسان و الرضى، و رتبتها على فصول فأقول: إن أعلى مطالب الكمال، و أعلى مراتب الجلال للإنسان، العلم الذي ينال به الحياة الأبدية و السعادة السرمدية، و أجلّ العلوم ما يبحث فيها عن أجلّ المعلومات، و أجلّ العلوم ما يبحث فيه عن حقيقة الوجود و الموجود.

41

فصل [الوجود المطلق و المقيّد]

الوجود قسمان: خاص، و عام، و جنس الوجود معول عليه، و فصل الإمكان و الوجوب فارق بينهما و مميّز لهما فالوجود المطلق وجود الحق سبحانه الذي وجوده عين ذاته، و نفس حقيقته، فهو لم يزل، و لا يزال، أحدا أبدا. و وجود ما عداه منه و به و عنه، فهو الوجود المقيّد، و ذات الحق سبحانه غير معلومة للبشر، و إلّا لأحاط الممكن بالواجب، و هو محال، و أين التراب و ربّ الأرباب، فلم يبق إلّا معرفة الوجود المقيّد، و حقيقته هي النقطة التي تبيناها و إليها معرفة العارفين، و سلوك السالكين، و هو عين اليقين، و حق اليقين، و لها اعتبارات: فهي النقطة، و هي الفيض الأوّل، و هي العقل، و هي النور الأوّل، و هي علّة الموجودات، و حقيقة الكائنات، و مصدر الحادثات، دليل ذلك من القدسيات، قوله: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف» (1).

فيا عجبا ممّن كان خفاؤه و لا شي‏ء معه. فقوله: كنت كنزا مخفيا، أي في سواتر الغيوب؛ إذ ليس هناك خلق يعرفه، و ذاك إشارة إلى وحدة الذات، كان اللّه و لا معه شي‏ء.

و قوله: «فأحببت أن أعرف» إشارة إلى ظهور الصفات. قوله: «فخلقت الخلق لأعرف» إشارة إلى ظهور الأفعال، و انتشار الموجودات، التي كانتا رتقا في صحراء ففتقناهما.

قوله: «و هو الآن على ما كان» إشارة إلى أنّه أحد أبد، لم يتكثّر بخلقه، لأنّه هو هو، فكما تجلّت ذاته المقدّسة في صفة من صفات الألوهية مدحت بها، و للأفعال وجود بين عدمين، و الوجود بين العدمين في حيّز العدم إن كان من وجود فليس إلّا اللّه وحده، و لذلك قال الحلاج: من لا حظ الأزلية و الأبدية، و غمض عينيه عمّا بينهما، فقد أثبت التوحيد، و من غمض عينه عن الأزلية و الأبدية و لا حظ بينهما، فقد أتى بالعبادة، و من أعرض عن البين‏

____________

(1) بحار الأنوار: 87/ 199 ح 6.

42

و الطرفين، فقد تمسّك بعروة الحقيقة.

فصل‏

و العالم أعراض و أجسام، و الأجسام مركّبة من الخط و السطح خطا ثم سطحا ثم جسما، و مدار الكل على النقطة، و مرجعه إليها، و الكلام أيضا على الحروف، و الحروف على الألف، و الألف على النقطة، و كذلك بني آدم فإنّ كثرتهم منحصرة في وحدة آدم، دليله قوله تعالى:

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (1)؛ أي من صورة واحدة، و مادة واحدة، و ذلك تنبيها للغافلين، و إيجازا للعارفين، و كثرة آدم راجعة في بستان الوحدة إلى النقطة، و كذلك الأعداد فإنّ مرجعها إلى الواحد، و منبعها منه.

فصل [معنى الواحد و الألف‏]

و اعلم أنّ سرّ العدد في النفوس مطابق لصور الموجودات، و هو عنصر الحكمة، و مبدأ المعارف و الإكسير الأوّل، و الكيمياء الأكبر و العهد المأخوذ، و أوّل الابتداع، ابتدعه الربّ و جعله أصلا لخلقه، و قبلة لعباده و وجهه، و أطلعه من سرّه المكنون، و علمه المخزون، على ما كان و ما يكون، و هو واحد العدد، خلقه من نور جلاله، و هو الإبداع المحض، و الأحد الذي ليس قبله شي‏ء من العدد، و هو أول موجود، و الواحد المبدع و الأحد، بإثبات الألف هو المبدع لأن الألف يتقدّم الحروف ففي الأحد هي الأحدية، و في الواحد هي الوحدانية، و الأحد لا حدّ له و لا يوصف بإشارة أبنية فهو الأحد المطلق و الواحد الحق؛ هو الذي تنبعث منه الآحاد و هو ينبوع الأزواج و الأفراد، فعلم العدد أوّل فيض العقل على النفس، و لذلك صار مركوزا في قوّة النفس، أول فيض العقل على النفس و العدد لسان ينطق بالتوحيد لأنّ لفظ الواحد متقدّم على الاثنين فالسبق للواحد، و في تقدّم أحد الاثنين على الآخر تأخّر

____________

(1) الزمر: 6.

43

الثاني، فصح بذلك التوحيد، و لهذا قيل: من عرف طبيعة العدد عرف إتقان الحكمة، و أمّا إبطال الاثنين و الثلاثة فإنّ الواحد الحق لا يتجزّأ إذ لو تجزأ لا نقسم، و المنقسم ليس بإله، و أما الواحد الذي فاض عن الأحد المشار إليه بالعظمة الذي هو مبدأ كل موجود فهو العقل الأوّل، فعلم العدد الدال على معرفة الواحد الأحد هو أصل العلوم و مبدأ المعارف، و تقدّمه على سائر العلوم، كتقدّم العقل على سائر الموجودات، و كما أن جميع الأشياء موجودة في العقل بالقوّة فكذلك كل العلوم موجودة في العدد، و صورتها مطابقة لصور الموجودات، فله صورة البسائط بالقوة، و صورة المركبات بالفعل، فلذلك كان علم العدد من الإشارات العقلية لأنه يقود النفس إلى علم التوحيد و الإقرار بالمبدع الأوّل فهو العقل الذي نزعت منه المقولات، و هو شجرة اليقين، و مبدأ الشرع و الدين، عليه ثبتت الصلاة، و منه عرفت العبادات، و به تعرف أدوار الزمان، و هو هلال العارفين و مبدأ كل مقال؛ أوّله مطابق لآخره، و آخره مطابق لأوّله، فأوّله الواحد الذي لا أوّل له فيعرف، و آخره الواحد الذي لا نهاية له فيوصف.

فصل [حقيقة النقطة و أنّها الفيض الأوّل‏]

و كذلك الأسماء الإلهية فإنّ مرجعها إلى الاسم المقدّس، فهو جامع لشملها، و شامل لجمعها، متجلّ في أحدها؛ و نهاية الحروف النقطة فتناهت الأشياء بأسرها إلى النقطة و دلّت عليها، و دلّت النقطة على الذات، و هذه النقطة هي الفيض الأوّل الصادر عن ذي الجلال المسمّى في أفق العظمة و الجمال بالعقل الفعّال، و ذاك هو الحضرة المحمدية؛ فالنقطة هي نور الأنوار، و سرّ الأسرار، كما قال أهل الفلسفة: النقطة هي الأصل و الجسم حجابه، و الصورة حجاب الجسم، و الحجاب غير الجسد الناسوتي. دليله من صريح الآيات قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ‏ (1)، معناه منوّر السّماوات، فاللّه اسم للذات و النور من صفات الذات، و الحضرة المحمدية صفة اللّه و صفوته، صفته في عالم النور، و صفوته في عالم الظهور، فهي‏

____________

(1) النور: 35.

44

النور الأوّل، الاسم البديع الفتاح، قوله الحق: «أوّل ما خلق اللّه نوري» (1)، و قوله: «أنا من اللّه و الكلّ منّي». و قوله ممّا رواه أحمد بن حنبل: «كنت و علي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربع عشرة سنة» (2).

فمحمد و علي حجاب الحضرة الإلهية و نوابها و خزّان أسرار الربوبية و بابها.

أمّا الحجاب فلأنّهم اسم اللّه الأعظم و الكلمة التي تجلّى فيها الرب لسائر العالم لأن بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون، سبحان من تجلّى لخلقه بخلقه حتى عرفوه، و دلّ بأفعاله على صفاته حتى وحّدوه، و دلّ بصفاته على ذاته حتى عبدوه.

و أما الولاية، فلأنّهم لسان اللّه في خلقه، نطقت فيهم كلمته، و ظهرت عنهم مشيئته، فهم خاصّة اللّه و خالصته.

و أما الباب، فلأنّهم أبواب المدينة الإلهية التي أودعها مبدعها نقوش الخلائق، و أسرار الحقائق، فهم كعبة الجلال التي تطوف بها المخلوقات، و نقطة الكمال التي ينتهي إليها الموجودات، و البيت المحرم الذي تتوجّه إليه سائر البريات لأنّهم أوّل بيت وضع للناس فهم الباب، و الحجاب، و النوّاب، و أمّ الكتاب، و فصل الخطاب، و إليهم يوم المآب، و يوم الحساب، فهم لا هوت الحجاب، و نوّاب الجبروت، و أبواب الملكوت، و وجه الحي الذي لا يموت.

فصل‏

و إن قلت: معنى قوله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (3) يعني منوّر السّماوات و الأرض، و هادي أهل السّماوات و الأرض،

قلت: نعم هم الهداة و الدعاة إلى اللّه عز و جل، و النور المشرق من حضرة الأزل و لم يزل،

____________

(1) نظم المتناثر: 185 ح 194، و أخبار الدول: 4، و بحار الأنوار: 15/ 24، و ينابيع المودة: 1/ 10.

(2) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 2/ 663 ح 1130 و فيه: قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام.

(3) النور: 35.

45

و الاسم الفتاح الذي أخرج بنوره الوجود من العدم، فبهم بدا و بهم هدى، و بهم ختم، و هم المعاذ في المعاد للعباد عند زلّة القدم، فهم مصابيح الظّلم، و مفاتيح النّعم.

فصل‏

فإذا استقرينا الموجودات، فإنّها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي هي صفة الذات و علّة الموجودات، و لها في التسمية عبارات، فهي العقل من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أوّل ما خلق اللّه العقل» (1)، و هي الحضرة المحمّدية من قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري» (2). و من حيث إنّها أوّل الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بغير واسطة سمّيت العقل الأوّل، و من حيث إن الأشياء تجد منه قوّة التعقيل سمّي العقل الفعّال، و من حيث إنّ العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء سمّي عقل الكل، فعلم بواضح البرهان أن الحضرة المحمدية هي نقطة النور و أوّل الظهور، و حقيقة الكائنات، و مبدأ الموجودات، و قطب الدائرات، فظاهرها صفة اللّه، و باطنها غيب اللّه، فهي ظاهر الاسم الأعظم، و صورة سائر العالم، و عليها مدار من كفر و أسلم، فروحه (صلّى اللّه عليه و آله) نسخة الأحدية في اللاهوت، و جسده صورة معاني الملك و الملكوت، و قلبه خزانة الحي الذي لا يموت، و ذلك لأن اللّه تعالى تكلّم في الأوّل بكلمة فصارت نورا، ثم تكلّم بكلمة فصارت روحا، و أدخلها ذلك النور و جعلها حجابا فهي كلمته و نوره و روحه و حجابه، و سريانها في العالم كسريان النقطة في الحروف و الأجسام، و سريان الواحد في الأعداد و سريان الألف في الكلام، و سريان الاسم المقدّس في الأسماء، فهي مبدأ الكل و حقيقة الكل، فكل ناطق بلسان الحال و المقال، فإنّه شاهد للّه بالوحدانية الأوّلية، و لمحمد و علي بالأبوّة و الملكية، دليله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا و علي أبوا هذه الامّة» (3)؛ و إذا كانا أبوي هذه الامّة دل بالتزام أن يكونا أبوي سائر الأمم لدلالة الخاص على العام، و الأعلى على الأدنى من غير عكس، فلولاهما لم يكن خلق أبدا لاختصاصه ب

____________

(1) تقدّم الحديث.

(2) تقدّم تخريجه.

(3) كمال الدين: 1/ 261، و البحار: 36/ 254.

46

«لولاك لما خلقت الأفلاك» (1) فعلم أن صدور الأفعال عن الصفات، و صدور الصفات عن الذات، و الصفة التي هي إمام الصفات في ظهور الموجودات، هي الحضرة المحمّدية فهي عين الوجود و شرف الموجود و هي النقطة الواحدة التي هي صفة الأحد و الجمال، الصادرة عن الجلال، و النور المبتدع من سحاب العظمة المشعشع من فيض قدس الرحمة و هي عرش النور و الكتاب المسطور و اللوح المحفوظ و أوّل الظهور، و ختم الأيام و الدهور.

يؤيّد ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سئل: هل رأيت في الدنيا رجلا؟ فقال:

رأيت رجلا و أنا إلى الآن أسأل عنه. فقلت له: من أنت؟

فقال: أنا الطين. فقلت: من أين؟

فقال: من الطين. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى الطين. فقلت: من أنا؟

فقال: أبو تراب. فقلت: أنا أنت. فقال: حاشاك، حاشاك، هذا من الدين في الدين، أنا أنا، و أنا أنا، أنا ذات الذوات، و الذات في الذوات الذات، فقال: عرفت. فقلت نعم. فقال:

فامسك.

فأقول: في حل هذا الرمز الشريف إشارة إلى خطاب عالم اللاهوت مع عالم الناسوت، و هو الروح للجسد ليبيّن للناس الفرق بين هيكل قدسه و سرّ نفسه، فقوله: رأيت رجلا، و أنا أسأل إلى الآن عنه. و ذلك لأن الروح لم تزل لها تعلّق بالجسد و نظر إليه لأنه بيت غربتها، و مسكن كربتها، و مركب سيرها، و سرير تحصيلها، و الثاني أن العارف أبدا يجب عليه أن يعرف الفرق بين مقام التراب و سرّ ربّ الأرباب، لأنّه إذا عرف نفسه عرف ربّه، لأنّه إذا عرف نفسه بالحدوث، و الفقر، و المسكنة؛ عرف ربّه بالعزّة و الكبرياء، و العظمة. و قوله: أنا الطين، إشارة إلى أن العارف، لم يزل في مقام الفقر و الإقرار بالحدوث و العجز. و قوله: من أنا؟ لما أقر الجسد بالمعرفة، و الحدوث و الإمكان، و الموت، و الرجوع إلى عنصره و معدنه، و تلاشيه و تحلله بعد تركيبه.

و قوله: أنت أبو تراب، يشير به إلى معنيين: خاص، و عام. فالأوّل معناه أن المراد من الأب المربّي و المرشد، و الروح قيم هذا الجسد و مربيه؛ و الثاني أن أبا تراب هو الماء، و المراد به:

____________

(1) الفوائد المجموعة: 326، و جامع الأسرار: 381 ح 758.

47

أنت أبو الأشياء و مبدأها و حقيقتها و معناها، لأنّ الكلمة الكبرى عنها برزت الموجودات، و هي سرّ سائر الكائنات.

و قوله: فقلت له: أنا أنت. يعني أنا مثلك ميّت و مركّب. فقال: حاشاك، حاشاك، أنا أنا، و أنا أنا، يعني ابن التراب و النور.

و قوله: أنا ذات الذوات، و الذات في الذوات للذات، صرّح بإظهار السرّ المكنون، و الكلمة المتعلّقة بطرفي «كن فيكون»، و ذلك أنه اسم اللّه الأعظم و حقيقة كل كائن و أنه ذات كل موجود لذات واجب الوجود لأنّه سرّه و كلمته و أمره و وليّه على كلّ شي‏ء، و ذلك أمر خصّه اللّه به؛ لأنّه هو هو، بل إنه كلمة اللّه و آيته و سرّه.

فبان بحل هذا المبهم كفر الغالي و القالي، و سلوك التالي و الموالي، و وصول العارف العالي، فعلي سرّ اللّه في الكل و وليه على الكل، لأن الربّ سبحانه سلم ما أوجده بإرادته، و خلقه بقدرته و مشيئته، إلى وليّه و كلمته، فقد سلم ما صدر منه إليه لأن المولى الولي مقامه في الخلق مقام الربّ العلي و إليه الإشارة بقوله: «لا فرق بينهم و بينك إلّا انّهم عبادك و خلقك» (1).

و قوله في الدعاء: «جئت بك إليك» يعني جئت بصفاتك إلى ذاتك، و بعدلك إلى عفوك.

و قوله له: فقال: عرفت، فقلت نعم، فقال: فامسك.

هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا عرف أن عليّا هو السرّ الخفي، وجب عليه الإمساك لقبول‏ (2) العقول عن هذا الإدراك.

____________

(1) الإنسان الكامل: 128، و الرسائل الثمانية: 88.

(2) لنبو- خ ل.

48

فصل [الصفات الإلهية]

و ذلك لأنّ الصفات الإلهية «7» الحي و هو إمام الأئمة و العليم، و المريد و القادر و المتكلّم و الجواد و المقسط؛ و لهذه الأسماء مظاهر فمظهر ركن الحياة إسرافيل، و مظهر ركن العلم جبرئيل، و مظهر ركن الإرادة ميكائيل، و مظهر ركن القدرة عزرائيل؛ و لهذه الاصول سبع مظاهر كوكبية تسمّى النيرات السبع، و كل كوكب منها خدم لاسم من هذه الأسماء، فمظهر تجلّي الحياة الشمس، و مظهر تجلّي العلم المشتري، و مظهر تجلّي القدرة المريخ، و مظهر تجلّي الإرادة الزهرة، و مظهر تجلّي الكلام القمر، و مظهر تجلّي الإقساط عطارد، و مظهر تجلّي الجود زحل؛ و الأسماء هي المؤثرة فيما تحتها من العوالم لكن بواسطة هذه المظاهر كما تقتضيه الحكمة الأزلية من ترتيب الأسباب على المسببات، و إليه الإشارة بقوله:

وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها (1).

فصل [الأنبياء مظاهر أسماء اللّه‏]

و كذلك الأنبياء فإنّهم مظاهر أسماء اللّه فمن كان منهم مظهر اسم كلّي، كانت شريعته كلية؛ و جميع الأسماء ترجع إلى الاسم الجامع الذي هو اللّه، و جميع الرسل و الأنبياء ترجع إلى هذه الأسماء السبعة: آدم و إدريس و إبراهيم و يوسف و موسى و هارون و عيسى (عليهم السلام) و مرجع هذه السبعة إلى الاسم الجامع الواحد و هو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فآدم مظهر الاسم الناطق و للخالق فيه أثر تام، و محله فلك القمر و هو بيت العزّة، و فيه جوامع الكلم الطيب.

____________

(1) فصلت: 12.

49

«و إدريس» مظهر الاسم الحي و فلكه الشمس التي هي منبع الحياة الحيوانية و النباتية، و من ثم أعطي العلم بأسرار المعادن و النبات.

«و إبراهيم» مظهر الاسم الجواد و للإله فيه أثر تام و فلكه زحل و هو أوّل من أطعم الضيف.

«و يوسف» مظهر الاسم المريد و للجميل فيه اثر عظيم و فلكه فلك الزهرة.

«و موسى» مظهر الاسم القادر و للقوي و للشديد فيه أثر، و فلكه فلك المريخ.

«و هارون» مظهر الاسم العليم و الآمر و الناهي و فلكه فلك المشترى.

«و عيسى» مظهر الاسم المقسط و للحكيم فيه أثر و لذلك أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى و فلكه فلك العطارد.

و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) له جملة هذه الأفلاك أو الأسماء و الأعداد، و هو مظهر الاسم الجامع و فلكه قاب قوسين أو أدنى، و هو جامع الأسرار، و مظهر الأنوار، و جامع الكلم فهو كل الكل و جملة الجمال و خلاصة الأكوان، و خاصة الرحمن و هو كما قيل:

فما أعجز الأفكار عن كنه وصفه‏ * * * و ما أقصر التفسير عن كل معناه‏

و عدد اسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) «132» لأنه م ح م د و فيه ميم مدغمة و اسمه أمين، و اشتقاق لفظ الأمين من الأمن، و عدده خطا لا رسما (92) و هو عدد يشير إلى اسمه م ل ك و امان ا م ان و هو «92» كما قيل:

لاسم خير الرسل فضل‏ * * * عند ذي الفضل متين‏

فهو في الخط أمان‏ * * * و هو في اللفظ أمين‏

50

فصل [أسرار حروف اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)‏]

و من أسرار اسمه الشريف و عدده «132» أنه يشير إلى اسمه تعالى و ا ل م ل ك و هذا العدد الشريف من الأنماط الالهية اسمان جليلان و هما ح ي ع د ل، و هذا العدد الشريف إذا قسّمت أجزاؤه فإنّه ينقسم بخمسة أقسام نصف و هو «26» و ربع و هو «33» و ثلث و هو «44» و سدس و هو «11» و هو عدد الاسم الأعظم باطنا، و كل عدد فوقه فإنه يؤخذ منه و راجع إليه، و هذه الأعداد مجموعها «166» فقد زادت على الأصل «44» و هذه الزيادة له من الأسماء الأحد (ا ل ا ح د) فدل على أنه أحد الكونين و واحدها، و أحمدها و محمدها و أمانها و أمينها و مولاها و سيّدها، النبي الكريم، الرءوف الرحيم، الحبيب النجيب، القريب المجيب، البشير النذير، السراج المنير، العزيز الخبير، الصادق الأمين، طه و ياسين، الأوّل الآخر، الباطن الظاهر، الفاتق الراتق، الفاتح الخاتم، العالم الحاكم، الشافع الراحم، الهيكل العاصم، الشاهد القاسم، المؤيّد المنصور، أبي القاسم فهو كما قيل:

فإن من جودك الدنيا و ضرتها * * * و من علومك علم اللوح و القلم‏

فهو الدليل المبين.

فصل‏

و أما أسرار حروفه، فأوّلها «م» و هو حرف ناري علوي صامت من حروف الدائرة و له عالمان لأنه م ي م و ميمه الأول ميم الملك و الآخر ميم الملكوت و عدده «40» و هذا العدد افتتاح كل مغلق و لهذا افتتح باسمه الجود و الوجود، و إذا فصلت حروفه كانت «50» و إذا اضيفت إليها عدده و هو «40» كانت «90» و هي حقايق اسم الميم و يظهر عنها بالضرب من الأسماء الإلهية (ا ل م ل ك ا ل س ي د ا ل س ل ا م انا ه و م ح م د).

51

الثاني من حروف اسمه (ح) و هي حرف مائي نوراني علوي و محل الحاء الكرسي و هو الثامن لأنّ حقيقتها الثمانية و هي من حملة العرش.

الرابع من حروفه (د) و هو حرف مائي مظلم و له حقيقة الدوام و عنه ظهر اسمه الدائم و له دوام الملك و النور.

فصل [باطن الأسماء الإلهية]

و اعلم أن لكل اسم من الأسماء الإلهية صورة باطنة في العالم تسمّى الصورة العينية، و لكل اسم من الأسماء رب هي مربوبة له، و الحقيقة المحمدية هي صورة الاسم الجامع الإلهي الذي منه استمرار جميع الأشياء. تلك الحقيقة هي التي ترب صور العالم بالرب الظاهر فيها و هو رب الأرباب لأنّها هي الظاهرة في تلك المظاهر، فبصورتها الظاهرة التي هي مظهر الاسم الأعظم المتناسبة لصور العالم ترب العالم، و بباطنها ترب باطن العالم لأنه صاحب الاسم الأعظم و له الربوبية المطلقة.

فعلم بهذا الكشف التام من هو روح العالم و ممن يستمد الحياة، و لذلك قال و قوله الحق:

«خصصت بفاتحة الكتاب و خواتيم البقرة و اعطيت جوامع الكلم» (1)؛ و هي مصدرة بقوله:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

و هذا مجمع الأرواح و الأجساد و العوالم فعلم من هذا الكشف الظاهر أنه هو روح العالم لأنّ الروح الظاهر يسري في الصور كضوء الشمس في جسم الهواء. فمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هو سرّ الوجود ظاهرا و باطنا، فسبحان من دلّ على ذاته بتجليه في صفاته.

____________

(1) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 170 باب 3 فصل 1 بتفاوت، و الفضائل لابن شاذان: 5.

52

فصل [نشوء الحروف من الألف‏]

و اعلم أن الكلام تناهى إلى الحروف، و الحروف إلى النقطة، و هي الألف المفقود و ينشأ عنه «28» حرفا كما مرّ و هي الصورة الإلهية القائمة بذات اللّه، و هي قسمان جلال و جمال، و حروف الجلال قسم واحد و هي الحروف النارية، و حروف الجمال ثلاثة أقسام و ليس في الحروف حرف إلّا و هو صادر عن الألف و هو شهادة الوجود و الموجود بوحدانية الربّ المعبود، و هي محيطة بكل شي‏ء و هو بكل شي‏ء محيط كما قيل:

ففي كل شي‏ء له آية * * * تدلّ على أنّه واحد

فصل [تركيب الأسماء من سرّ الحروف‏]

و من سرّ الحروف تتركّب الأسماء، و لكل كلمة ظاهر و باطن، و الظاهر لأهل التقليد، و الباطن لأهل التحقيق و التجريد، لأنّ الظاهر جسم الروح و قشوره، و الباطن روح الجسم و لبابه، و الناس على أربعة أقسام: قسم لهم حظّ من الظاهر و الباطن، و هم الراسخون في العلم، و قسم ليس لهم حظّ في الظاهر و الباطن و هم الكفّار، و قسم ليس لهم حظ في الظاهر دون الباطن و هم المحجوبون في الظلمة المقرون بالنبوّة دون الإمامة، و قسم ليس لهم حظ من الباطن دون الظاهر و هم عقلاء المجانين.

و روى ابن عباس في قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (1) قال: معناه شرحناه شرحا بيّنا بحساب الجمل فهم من فهم و هذا هو العلم الذي أسرّه اللّه إلى نبيّه ليلة المعراج‏

____________

(1) الاسراء: 12.

53

و جعله عند أمير المؤمنين (عليه السلام) في عقبه إلى آخر الدهر و هي «8» كلمات و «28» حرفا و كل حرف منها يتضمّن اسم محمد و علي ظاهرا و باطنا يخرجه من له وقوف على أسرار علم الحروف و أعدادها.

فصل [معاني القرآن في أربعة أحرف‏]

و بهذه الحروف نزل القرآن، و هي ترجمان ذات الرب سبحانه، و القرآن له ظاهر و باطن، و معانيه منحصرة في أربعة أقسام، و هي أربعة أحرف و عنها ظهر باقي الكلام و هي (ا ل ل ه) و الألف و اللام منه آلة التعريف، فإذا وضعت على الأشياء عرفتها أنّها منه و له، و إذا أخذ منه الألف بقي للّه، و للّه كل شي‏ء. و إذا أخذ منه ل بقى إله و هو إله كل شي‏ء، و إذا اخذ منه ألف و اللام بقي له و له كل شي‏ء، و إذا أخذ منه الألف و اللامان بقي هو، و هو هو وحده لا شريك له، و العارفون يشهدون من الألف و يهيمون من اللام و يصلون من الها.

و الألف من هذا الاسم إشارة إلى الهوية التي لا شي‏ء قبلها و لا بعدها، و له الروح و اللام وسطا، و هو إشارة إلى أن الخلق منه و به و إليه و عنه، و له العقل. و هو الأوّل و الآخر، و ذلك لأنّ الألف صورة واحدة في الخط و في الهجاء. فالعدد إما زوج أو فرد ضرورة فهذه ثلاثة، و هي في الضرب تسعة، و هي العدد المكتوم، و الثلاثة هي مواد سائر الأعداد و موضوعاتها، و التسعة هي العدد الطيار كما مرّ المنقسم بالأفراد و فيها مجمع الأزواج و الأفراد و حرفها الطاء، و هي الحرف الاكال و إذا اعيد إلى التسعة الزوج الآل ظهر الاسم الخفي و السرّ الذاتي و هو (ه و و ه و ه و) به سائر الموجودات، فظهرت الهاء الخفية و أصلها الضمة و هي الواو و إذا ضربت (11) في الهاء و هي خمسة كان العدد خمسة و خمسين فظهر اسمه تعالى م ج ي ب، و لما كان أصل الهاء الضمة و هو الواو و لها الجهات الستة و إذا ضربت الستة في (11) كان العدد (66) و هو الاسم المقدّس اللّه جل جلاله و هو اسم الذات و صفة الصفات، و موضوع الأسماء؛ و إذا ضربت ستة و ستون في ستة كان العدد ثلاثمائة و ستة و تسعين، و إذا ضربت ستة و ستون في إحدى عشر كان العدد سبعمائة و ستة و عشرين، و إن ضربت ست‏

54

و ستون في خمسة كان العدد ثلاثمائة و ثلاثين، و منبع الأسرار الهاء المضمومة التي هي قيوم الحروف و الطبيعة الخامسة الفعالة و الهاء باطن كل موجود و حقيقة كل شهود، فإذا قدح زناد الهاء بصوان الألف خرجت الطاء الاكالة، و إذا ضربت الهاء في نفسها كان العدد خمسا و عشرين، فهي لا تظهر إلّا نفسها لأنّ خمسة و عشرين خمس خمسات، و إذا ضربت خمس و عشرون في نفسها كان العدد ستمائة و خمسا و عشرين، و الهاء من حروف المريخ، و من عرف كيف النطق بها أهلك عدوّه و لكن ذاك مودع في الصدور لا في السطور، و نطقها على سبيل الرمز هايابيل أو هو يا هو مذل يا منتقم يا فعال أنت هو.

فصل [شرف لفظة:- هو- و دلالتها]

(1) اعلم أن الاسم إما مشتق، أو علم، أو إشارة؛ و الاسم المشتق كلّي لا يمنع من وقوع الشركة فيه، و الاسم العلم قائم مقام الإشارة فهو فرع عليها، و الإشارة أصل و الأصل أعظم من الفرع، فقولك: هو أشرف الأسماء كلّها يعني:

(2) أن الحق سبحانه فرد مجرّد لا يمكن نعته بصفة زائدة و إلّا لانتفت الفردانية، و الإخبار عنه بعين ذاته محال، فجميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الإنباء عن ذاته المقدّسة. و أما لفظ هو فإنه ينبى‏ء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأ عن جميع جهات الكثرة، فاسم هو لوصوله إلى كنه الصمدية أشرف الأسماء.

(3) أن الصفات المشتقة لا تعرف إلّا دالة على الصفات، و الصفات لا تعرف إلّا بالإضافة إلى المخلوقات، و أما لفظ هو فإنّه يدل عليه من حيث هو هو، و هذا الاسم يوصل إلى الحق و يقطع عن الخلق.

(4) أن الأسماء المشتقة دالّة على الصفات، و لفظ هو دال على الموصوف، و الموصوف أشرف من الصفة، و ذلك لأن ذات الباري سبحانه ما كملت بالصفات بل هي لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال؛ فلفظ هو يوصل إلى ينبوع العزّة.

(5) أن لفظ هو مركّب من حرفين (ه و) و الهاء أصل الواو فهو حرف واحد يدل على‏