المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج5

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
652 /
3

الجزء الخامس‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم [ (1)] دخلت سنة تسع و عشرين‏

فمن الحوادث فيها [عزل أبي موسى عن البصرة] [ (2)]

أن عثمان رضي اللَّه عنه عزل أبا موسى عن البصرة، و ولى عبد اللَّه بن عامر بن كرز و هو يومئذ ابن خمس و عشرين سنة.

أخبرنا محمد بن الحسين، و إسماعيل بن أحمد، قالا: أخبرنا ابن النقور، أخبرنا المخلص، أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه، أخبرنا السري بن يحيى، أخبرنا شعيب، حدّثنا سيف، عن محمد و طلحة، قالا [ (3)]:

لما ولي عثمان بن عفان أقر أبا موسى على البصرة ثلاث سنين، و عزله في الرابعة، و أمّر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، و على سجستان عبد اللَّه بن عمير الليثي، فأثخن فيها إلى كابل، و أثخن [عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها، و بعث إلى مكران عبيد اللَّه بن معمر التيمي، فأثخن‏] [ (4)] فيها حتى بلغ النهر. و بعث إلى كرمان عبد الرحمن بن غبيس، و بعث إلى فارس و الأهواز نفرا، و ضم سواد البصرة إلى الحصين بن [أبي‏] [ (5)] الحرّ، ثم عزل عبد اللَّه بن عمير، و استعمل عبد اللَّه بن عامر [ (6)] فأقره عليها سنة ثم عزله، و استعمل عاصم بن عمرو،

____________

[ (1)] من هنا ساقط من الأصل، ورقتان، أوردناهما من ت.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 264، و العنوان غير موجود في ت.

[ (3)] الخبر في تاريخ الطبري 4/ 264.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت، أوردناه من تاريخ الطبري 4/ 264.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت. و أوردناه من الطبري.

[ (6)] في أ: «بن عمير».

4

[و عزل عبد الرحمن بن غبيس‏] [ (1)]، و أعاد عدي بن سهيل بن عدي.

فلما كان في السنة الثالثة كفر أهل إيذج و الأكراد، فنادى أبو موسى في الناس، و حضهم و ندبهم، و ذكر من فضل الجهاد في الرّجلة [ (2)] حتى حمل رجال على دوابهم، و أجمعوا على أن يخرجوا رجّالا. و قال آخرون: لا و اللَّه لا نعجل بشي‏ء حتى ننظر ما صنيعه؟ فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما فعل أصحابنا.

فلما كان يوم خرج أخرج ثقلة من قصره على أربعين بغلا، فتعلقوا بعنانه، و قالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، و ارغب من الرجلة فيما رغبتنا فيه، فقنع القوم حتى تركوا دابته و مضوا، فأتوا عثمان بن عفان، فاستعفوه منه و قالوا: [ما كل ما نعلم نحب أن نقوله‏] [ (3)]، فأبدلنا به، فقال: من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشة: [ (4)] [في كل أحد عوض من هذا العبد الّذي قد أكل أرضنا، و أحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعري كان يعظم ملكه عن الأشعريين، و يستصغر ملك البصرة، و إذا أمرت علينا صغيرا كان فيه عوض منه، أو مهترا كان فيه عوض منه، و من بين ذلك من جميع الناس خير منه‏] [ (5)].

فدعا عبد اللَّه بن عامر، فأمره على البصرة، و صرف عبيد اللَّه بن معمر إلى فارس، و استعمل على عمله عمير بن عثمان بن سعد، فجاشت فارس، و انتقضت بعبيد اللَّه، فاجتمعوا له بإصطخر، فالتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد اللَّه و هزم جنده، و بلغ الخبر عبد اللَّه بن عامر، فاستنفر أهل البصرة، و خرج معه بالناس و على مقدمته عثمان بن أبي العاص، فالتقى هو و هم بإصطخر، فقتل منهم مقتلة لم يزالوا منها في ذل، و كتب بذلك إلى عثمان رضي اللَّه عنه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: أوردناه من الطبري، و مكانه في ت: «و استعمل عبد اللَّه بن عامر».

[ (2)] الرجلة بالضم: أن يسير المرء راجلا غير راكب.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت، و أوردناه من الطبري.

[ (4)] في ت: «قالوا: غيلان بن خرشة». و ما أوردناه من الطبري.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

5

و في هذه السنة

رجم عثمان امرأة من جهينة دخلت على زوجها فولدت له في ستة أشهر، فدخل عليه علي فقال: إن اللَّه يقول:

وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً

[ (1)]. فأرسل في أثرها فإذا قد رجمت‏

. قاله محمد بن حبيب‏

و في هذه السنة ضاق مسجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم على الناس، فوسعه عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه، و ابتدأ في بنائه في شهر ربيع الأول، و كانت القصّة [ (2)] تحمل إلى عثمان من بطن نخل، و بناه بالحجارة المنقوشة، و جعل عمده من حجارة فيها رصاص، و سقفه ساجا، و جعل طوله ستين و مائة ذراع، و عرضه خمسين و مائة ذراع، و جعل أبوابه على ما كانت على عهد عمر رضي اللَّه عنه ستة أبواب.

و رأيت لأبي ألوفا بن عقيل في ذكر مسجد الرسول صلّى اللَّه عليه و سلّم كلاما حسنا، قال في‏

قوله:

«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام»

قال:

هذا يتعلق بمسجد الرسول الّذي في زمانه لا بما زيد فيه بعد.

و في هذه السنة حج عثمان بالناس و ضرب بمنى فسطاطا، و أتم الصلاة بها و بعرفة، قال: إني اتخذت بمكة أهلا فصرت من أهلها.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

246- سلمان بن ربيعة الباهلي [ (3)]:

شهد يوم القادسية، و حدث عن عمر رضي اللَّه عنه، و ولاه قضاء المدائن، و هو

____________

[ (1)] سورة: الأحقاف، الآية: 15.

[ (2)] القصة: الحجارة من الجص.

[ (3)] تاريخ بغداد 9/ 206.

6

أول من ولي قضاء الكوفة ثم عزله عمر، فخرج غازيا للترك ثم انصرف فاستشهد بالجر من بلاد أرمينية في خلافة عثمان رضي اللَّه عنه في هذه السنة، و قيل في سنة ثلاثين، و قيل في سنة إحدى و ثلاثين.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي، أخبرنا محمد بن جعفر التميمي، حدّثنا أبو القاسم بن المهدي، حدّثنا أبو جعفر محمد بن زيد، حدّثنا إبراهيم بن محمد الثقفي، حدّثنا أبو إسماعيل حفص بن عمر البصري، حدّثنا صالح بن مسلم، عن أبي وائل، قال [ (1)]:

رأيت سلمان بن ربيعة جالسا بالمدائن على قضائها، و استقضاه عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه أربعين يوما، فما رأيت بين يديه رجلين يختصمان، فقلنا لأبي وائل: فمم ذاك؟ قال: من انتصاف الناس منهم‏

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ بغداد 9/ 26.

7

ثم دخلت سنة ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها:

أن قوما شهدوا على الوليد بن عقبة أنه شرب الخمر، فعزله عثمان رضي اللَّه عنه، و ولى سعيد بن العاص بن أبي أحيحة [ (1)].

و في هذه السنة: غزا سعيد بن العاص طبرستان [ (2)]:

و ذلك أنه خرج من الكوفة يريد خراسان و معه حذيفة بن اليمان و ناس من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و معه الحسن، و الحسين، و عبد اللَّه بن عباس، و عبد اللَّه بن عمر، و عمرو بن العاص، و عبد اللَّه بن الزبير. و خرج عبد اللَّه بن عامر من البصرة يريد خراسان، ففعل كل واحد منهما فعلا حسنا في البلاد من قتل و صلح.

و في هذه السنة: سقط خاتم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم من يد عثمان في بئر أريس [ (3)]:

و هي بئر على ميلين من المدينة، جلس عليها عثمان فجعل يعبث بالخاتم فوقع في البئر، و كانت من أقل الآبار ماء، فنزحت و لم يوجد.

و في هذه السنة:

زاد عثمان النداء الثالث على الزّوراء، و هي دار له بناها في عهد النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم و أبي‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 271.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 269.

[ (3)] تاريخ الطبري 4/ 281.

8

بكر و عمر رضي اللَّه عنهما، فلما كان في خلافته و كثر الناس أمر عثمان رضي اللَّه عنه يوم الجمعة بالآذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك.

فإن قيل: كيف صار ثلاثا؟ قلنا: بالإقامة [ (1)].

و في هذه السنة:

هرب يزدجرد من فارس إلى خراسان في قول بعض الرواة. قال: و ذلك أن ابن عامر خرج إلى فارس، فهرب يزدجرد، فوجه ابن عامر في أثره من تبعه إلى كرمان، فهرب إلى خراسان [ (2)].

و في هذه السنة:

حج بالناس عثمان رضي اللَّه عنه.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

247- أبي بن كعب بن قيس بن عبد المنذر [ (3)]:

شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، و شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و كان يكتب له الوحي، و هو أحد الذين حفظوا القرآن على عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و أمر اللَّه عز و جل نبيه أن يقرأ عليه القرآن، و قال عمر في حقه: هذا سيد المسلمين.

أخبرنا هبة اللَّه بن محمد، أخبرنا الحسين بن علي، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا محمد بن جعفر، أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لأبيّ بن كعب:

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 287.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 286.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 59، 2/ 2/ 103.

9

«إن اللَّه عز و جل أمرني أن أقرأ عليك:

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏

[ (1)] قال: و سماني لك؟ قال: «نعم»، فبكى.

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحسين بن الفهم، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأسدي، حدّثنا سفيان الثوري، عن ابن أبجر، عن الشعبي، عن مسروق، قال:

سألت أبي بن كعب رضي اللَّه عنه عن مسألة، فقال: أ كان هذا؟ قلت: لا، قال:

فأحمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.

248- أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، أخو حسان، و هو أبو شداد بن أوس [ (2)]:

شهد أوس العقبة مع السبعين، و بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم.

249- أوس بن خولي بن عبد اللَّه [ (3)]:

شهد بدرا و المشاهد كلها، و حضر وقت غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و توفي في خلافة عثمان رضي اللَّه عنه.

250- جبار بن صخر بن خنساء بن عبيد، أبو عبد اللَّه [ (4)]:

شهد العقبة مع السبعين، و بدرا و المشاهد كلها و توفي في هذه السنة.

251- حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، يكنى أبا محمد [ (5)]:

شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و بعثه [بكتاب‏] إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. قال حاطب: فأنزلني المقوقس و أقمت عند بابه ليالي ثم أرسل إلي فقال: إني أسألك فأجبني عني، قلت: هلم، قال: أخبرني عن صاحبك، أ ليس هو

____________

[ (1)] سورة: البينة، الآية: 1.

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 63.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 91.

[ (4)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 115.

[ (5)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 80.

10

نبيا؟ قلت: بلى قال: فما له لم يدع اللَّه على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟

قلت: فعيسى بن مريم عليه السلام أ تشهد أنه رسول اللَّه؟ قال: نعم، قلت: فما له أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه و لم يدع عليهم فيهلكوا حتى رفعه اللَّه إليه؟ فقال: أنت حكيم جاء من حكيم، هذه هدايا ابعث بها معك إلى محمد، و أرسل معك ببذرقة يبذرقونك [ (1)] إلى مأمنك، فأهدى إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم ثلاث جواري منهن مارية أم إبراهيم، و واحدة وهبها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لأبي جهم بن حذيفة، و واحدة وهبها لحسان بن ثابت.

و كان حاطب من الرماة المذكورين، و كان خفيف اللحية أجنأ، إلى القصر ما هو، شثن الأصابع، و توفي بالمدينة في هذه السنة و هو ابن خمس و ستين، و صلّى عليه عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه.

252- عبد اللَّه بن مظعون [بن حبيب‏] بن وهب [ (2)]:

أسلم قبل دخول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم دار الأرقم، و هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و توفي و هو ابن ثمانين سنة [ (3)].

253- عياض بن زهير بن [أبي‏] [ (4)] شداد بن ربيعة بن هلال، يكنى أبا سعد [ (5)]:

هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و ليس له عقب.

254- مسعود بن الربيع، و قيل: ابن ربيعة بن عمرو بن سعد حليف بني عبد مناف بن زهرة، يكنى أبا عمير [ (6)]:

____________

[ (1)] البذرقة: كلمة فارسية معربة، و هي الخفارة، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة. و قال الهروي: ان البذرقة يقال لها عصمة، أي يعتصم بها. (لسان العرب 238).

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 291، و ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول أوردناه من ابن سعد.

[ (3)] في طبقات ابن سعد: «ستين سنة».

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، أوردناه من ابن سعد.

[ (5)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 304.

[ (6)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 119.

11

أسلم قبل دخول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم دار الأرقم، و شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و مات في هذه السنة، و قد زاد على الستين، و ليس له عقب.

255- معمر بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال، يكنى أبا سعد [ (1)]:

و بعضهم يسميه عمرو، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم.

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 303.

12

ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها غزاة المسلمين الروم التي يقال لها غزاة الصواري [ (1)]

في قول الواقدي، و قال أبو معشر: كانت سنة أربع و ثلاثين.

شرح القصة

أن المسلمين لما أصابوا من الروم بإفريقية خرج الروم في جمع لم يجمع مثله قط، خرجوا في خمسمائة مركب عليهم قسطنطين بن هرقل، فباتوا يضربون النواقيس، و بات المسلمون يصلون و يدعون، ثم أصبحوا فقال المسلمون: إن شئتم فالساحل حتى يموت الأعجل منا و منكم، و إن شئتم فالبحر. قال: فنخروا نخرة واحدة و قالوا:

الماء. و السفن بعضها إلى بعض، و اقتتلوا أشد القتال، و وثب الرجال على الرجال يضربون بالسيوف على السفن، و يتواجئون بالخناجر حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، و طرحت الأمواج جثث الرجال ركاما حتى صارت كالخبال العظيم عند الساحل، و قتل من الفريقين خلق كثير، ثم نصر اللَّه المسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج منهم إلا الشريد، و انهزم قسطنطين. و أقام عبد اللَّه بذات الصواري أياما بعد هزيمة القوم، ثم أقبل راجعا.

و في هذه السنة [ (2)]:

تكلم قوم في عثمان رضي اللَّه عنه، و كان محمد بن أبي حذيفة يقول بعد غزاة

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 288.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 292.

13

الروم: و اللَّه لقد تركنا الجهاد خلفنا، فيقال له: و أي جهاد؟ فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا و كذا حتى أفسد الناس، فقدموا و قد أظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به، و تكلم معه محمد بن أبي بكر و ذكر ما خلف به أبا بكر و عمر رضي اللَّه عنهما، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن سعد، فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين.

و في هذه السنة:

فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة الفهري في قول الواقدي [ (1)].

و في هذه السنة: قتل يزدجرد ملك فارس [ (2)]:

و قيل قتل في سنة ثلاثين.

قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل مرزبانها مالا فمنعه، [فخافوا على أنفسهم‏] [ (3)]، فأرسلوا إلى الترك، فأتوه فبيتوه، فقتلوا أصحابه، و هرب حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحاء على شط المرغاب، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله.

و قال غيره [ (4)]: بيته أهل مرو و لم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابه، و خرج هاربا على رجليه معه منطقته و سيفه و تاجه، حتى أتى منزل نقار على شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد قتله النقار و أخذ متاعه و ألقى جسده في المرغاب، و أصبح أهل مرو فاتبعوا أثره، حتى خفي عليهم عند منزل النقار، فأخذوه، فأقر لهم بقتله و أخرج متاعه فقتلوا النقار و أهل بيته، و أخذوا متاعه و متاع يزدجرد، و أخرجوه من المرغاب، فجعلوه في تابوت من خشب.

فزعم بعضهم أنهم حملوه إلى إصطخر، فدفن بها في أول سنة إحدى و ثلاثين.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 292.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 293.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت، أوردناه من تاريخ الطبري.

[ (4)] تاريخ الطبري 4/ 293.

14

و قيل: عمل له بعض النصارى فاروشا بمرو، فحمل جثته فدفنها فيه.

و كان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، و ست عشرة في تعب من محاربة العرب إياه، و كان آخر ملك ملك من آل أردشير، وصفا الملك بعده للعرب.

فصل‏

و قد كان أول ملوك فارس دارا، ملك نحوا من مائتي سنة، ثم ملك بعده أردشير بن بابك، ثم سابور بن أردشير ثلاثين سنة، ثم هرمز بن سابور سنة و عشرة أيام، ثم بهرام أربعة أشهر، ثم فرسي بن بهرام تسع سنين، ثم هرمز بن نرسي سبع سنين، ثم سابور بن هرمز، و هو سابور ذو الأكتاف اثنتين و سبعين سنة، ثم أخوه أردشير بن هرمز أربع سنين، ثم سابور بن سابور خمس سنين، ثم بهرام بن سابور إحدى عشرة سنة، ثم يزدجرد بن سابور إحدى عشرة سنة و خمسة أشهر و أياما، ثم بهرام بن يزدجرد، و هو بهرام جور سنتين و عشرة أشهر، ثم يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة و أربعة أشهر و ثمانية عشر يوما، ثم فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة و قتل و كل من قتله مات على فراشه، ثم ملك بعده بلاش بن فيروز أربع سنين، ثم قباذ بن فيروز ثلاثا و أربعين سنة، ثم كسرى أنوشروان سبعا و أربعين سنة و ثمانية أشهر، ثم ابنه هرمز اثنتي عشرة سنة و قتل، ثم كسرى بن هرمز ثلاثين سنة و قتل، ثم ابنه شيرويه ثمانية أشهر، ثم ابنه أردشير سنة ثم قتل، ثم ملك بعده شهريار أربعين سنة ثم قتل، ثم بعده بوران بنت كسرى سنة و أربعة أشهر ثم قتلت، و بعدها آزر ميدخت أختها ستة أشهر و ماتت، ثم بعدها يزدجرد عشرين سنة، ثم بطل ملك فارس.

و قد كان يزدجرد [ (1)] هذا قد وطئ امرأة فولدت له غلاما ذاهب الشق- و ذلك بعد ما قتل يزدجرد- فسمي المخدّع، فولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين، فقيل له: إنهما من ولد المخدع، فبعث بهما- أو بإحداهما- إلى‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 293.

15

الحجاج بن يوسف، فبعث بهما إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص.

[شخوص عبد اللَّه بن عامر إلى خراسان‏] [ (1)]

و في هذه السنة:

أعني سنة إحدى و ثلاثين، خرج عبد اللَّه بن عامر إلى خراسان، ففتح طوس و غيرها حتى بلغ سرخس، و صالح أهل مرو على ألفي ألف و مائتي ألف.

و قد أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحاكم، قال: حدّثني علي بن أحمد الجرجاني، قال: أخبرني أحمد بن عمرو بن فضالة الكندي، قال: أخبرني عمي العباس بن مصعب بن بشر، قال: حدّثني‏] [ (2)]/ أبو حامد 3/ أ محمد بن إبراهيم، قال: حدّثني سليمان بن صالح الليثي، قال: أخبرني الهيثم بن سعد، عن المصعب بن أبي الزهراء:

أن كنازا صاحب نيسابور كتب إلى سعيد بن العاص و هو والي الكوفة، و إلى عبد اللَّه بن عامر بن كرز [ (3)] و هو والي البصرة في خلافة عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه يدعوهما إلى خراسان، و يخبرهما أن أهل مرو قتلوا يزدجرد، و انتدب سعيد بن العاص و عبد اللَّه بن عامر، و ابتدرا أيهما يسبق إليها، و في جند سعيد بن العاص الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهما مجاهدا، و عبد اللَّه بن الزبير، فأتى ابن عامر دهقان، فقال له: ما تجعل لي أن سبقت بك، قال: لك خراجك و خراج أهل بيتك إلى يوم القيامة، فأخذ به في الطريق الّذي أخذ فيه زياد بن زرارة أيام أبي مسلم، فأخذ به على قومس، فقدم جوين من نيسابور، و نزل أزاذوار [ (4)] فصالحوه، و قاتل أهل نيسابور تسعة أشهر ثم ثلمها و فتحها.

____________

[ (1)] العنوان ساقط من ت، أوردناه من تاريخ الطبري.

[ (2)] إلى هنا انتهى السقط من الأصل، و الّذي بدأ من أول هذا الجزء.

[ (3)] في الأصل: «عامر بن كريز».

[ (4)] اسم قرية من أعمال نيسابور معجم البلدان 1/ 167.

16

و في رواية: أن عثمان كتب إلى عبد اللَّه بن عامر، و إلى سعيد بن العاص: أيكما سبق إلى خراسان فهو أمين عليها [ (1)]، فقدم ابن عامر نيسابور، و جاء سعيد حتى بلغ الريّ. و كانت فتوح خراسان على يدي ابن عامر، فقال له الناس: ما فتح اللَّه عز و جل لأحد ما فتح اللَّه عليك فارس و كرمان و سجستان و عامة خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري للَّه عز و جل أن أخرج من موضعي محرما، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه لامه على ما صنع و قال: ليتك تضبط من الوقت الّذي يحرم منه الناس.

و كناز المذكور كان ملك تلك الديار في زمان كسرى، و هو مجوسي من عبدة النار، و كأنه أحس بغلبة المسلمين فدعاهم إليه، فلما غلبوا تقبل البلدة منهم [و صالحهم على ما يؤديه.

و في هذه السنة:

حج بالناس عثمان رضي اللَّه عنه‏] [ (2)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

256- عويمر بن عامر بن زيد بن قيس بن عائشة بن أمية، أبو الدرداء [ (3)]:

كان آخر أهل داره إسلاما، و كان متمسكا بصنم له، و كان عبد اللَّه بن رواحة مؤاخيا له في الجاهلية، و أسلم ابن رواحة و دعاه فأبى و تجنبه. و جاءه يوما فلما خرج من 3/ ب بيته دخل ابن رواحة فضرب الصنم بقدومه فقطعه، فقالت زوجته:/ أهلكتني يا ابن رواحة. فخرج، و جاء أبو الدرداء فوجد المرأة تبكي خوفا منه، فقال: ما شأنك؟ قالت:

أخوك ابن رواحة دخل إلى الصنم فصنع به ما ترى، فغضب غضبا شديدا، ثم فكر في نفسه، فقال: لو كان عنده خير لدفع عن نفسه. فانطلق إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فأسلم.

____________

[ (1)] في الأصل: «أمير عليها».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] طبقات ابن سعد 7/ 2/ 117.

17

و اختلفوا: هل شهد أحدا أم لا؟ و قد شهد بعد ذلك مشاهد كثيرة.

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: حدّثنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن خثيمة، عن أبي الدرداء، قال [ (1)]:

كنت تاجرا قبل أن يبعث النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم، فلما بعث محمد زاولت التجارة و العبادة فلم تجتمعا، فاخترت العبادة و تركت التجارة.

قال محمد بن سعد: و أخبرنا موسى بن مسعود النهدي، قال: حدّثنا عكرمة بن عمار، عن أبي قدامة محمد بن عبيد الحنفي، عن أم الدرداء، قالت:

كان لأبي الدرداء ستون و ثلاثمائة خليل في اللَّه عز و جل يدعو لهم في الصلاة، قالت: فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه الغيب إلا وكل اللَّه به ملكين يقولان: فلك مثل ذلك، أ فلا أرغب أن تدعو لي الملائكة.

قال ابن سعد: و أخبرنا عفان، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال [ (2)]:

استعمل أبو الدرداء على القضاء فأصبح الناس يهنونه، فقال: أ تهنوني بالقضاء و قد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن، و لو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه و كراهية له، و لو يعلم الناس ما في الآذان لأخذوه بالدول رغبة فيه و حرصا عليه.

قال ابن سعد: و أخبرنا يحيى بن عباد، قال حدثنا فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي الدرداء:

أنه كان يشتري العصافير من الصبيان و يرسلهن،/ و يقول: اذهبن فعشن. 4/ أ قال ابن سعد: و أخبرنا عبد اللَّه بن نمير، قال: حدّثنا عمرو بن ميمون بن مهران،

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 2/ 117.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 2/ 117.

18

عن أبيه، قال: قالت أم الدرداء لأبي الدرداء: إن احتجت بعدك آكل الصدقة؟ قال: لا، اعملي و كلي، قالت: فإن ضعفت عن العمل؟ قال: التقطي السنبل و لا تأكلي الصدقة.

قال: و أخبرنا مسلمة بن إبراهيم، قال: حدّثنا الضحاك بن سيار، قال: حدّثنا أبو عثمان النهدي، أن أبا الدرداء كان يقول:

لو لا ثلاث لم أبال متى مت: لو لا أن أظمأ بالهواجر، و لو لا أن أعفر وجهي بالتراب، و لو لا أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر.

قال: و أخبرنا عفان، قال: حدّثنا أبو هلال، قال: حدثنا معاوية بن قرة [ (1)]:

أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه فقالوا: يا أبا الدرداء، ما تشتكي؟

قال: أشتكي ذنوبي، قالوا: و ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أ فلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو الّذي أضجعني.

توفي أبو الدرداء بالشام في هذه السنة.

و قيل: في سنة اثنتين و ثلاثين.

257- نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف من أشجع:

و هو الّذي خذل بين الأحزاب حتى تفرقوا، و هاجر و سكن المدينة، و كان يغزو مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إذا غزا، و بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم [لما أراد تبوكا ليتنصر الناس‏]، و توفي في زمان عثمان.

258- [يزدجرد [ (2)]:

و توفي يزدجرد الملك في هذه السنة [ (3)] على ما سبق شرحه‏].

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 2/ 118.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «قبل هذه السنة».

19

ثم دخلت سنة اثنتين و ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها: غزوة معاوية بن أبي سفيان [المضيق‏] [ (1)]:

مضيق القسطنطينية، و معه زوجته عاتكة بنت قرطة.

و فيها: غزا عبد الرحمن بن أبي ربيعة بلنجر [ (2)]:

فحصروها و نصبوا عليها [المجانيق و] [ (3)] العرادات [ (4)]، فجعل لا يدنو منها أحد إلا هلك، فقتل معضد في تلك الأيام، ثم اجتمع أهل بلنجر [ (5)] و الترك معهم، و أصيب عبد الرحمن، و أخذ القوم جسده، فجعلوه في سفط، فهم يستسقون/ به و يستنصرون، 4/ ب و انهزم المسلمون و فيهم سلمان الفارسيّ و أبو هريرة.

و فيها [ (6)]: فتح ابن عامر مروالروذ و جوزجان.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

259- الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف [ (7)]:

شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و توفي في هذه السنة.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 304، و ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول.

[ (2)] تاريخ الطبري 4/ 304.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] العرادات: من آلات الحرب، ترمي بالحجارة المرمى البعيد.

[ (5)] في الأصل: «بلنجة».

[ (6)] تاريخ الطبري 4/ 309.

[ (7)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 36، و في ت: «الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف».

20

260- سلمان الفارسيّ، يكنى أبا عبد اللَّه [ (1)]:

من أهل مدينة أصبهان. و يقال: من أهل رامهرمز، أسلم في السنة الأولى من الهجرة، و أول مشهد شهده مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم الخندق، و إنما منعه من حضور ما قبل ذلك أنه كان مسترقا لقوم من اليهود فكاتبوه و أدى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم كتابته و عتق، و لم يزل بالمدينة حتى غزا المسلمون العراق فخرج معهم و حضر فتح المدائن، و ولاه إياها عمر، فنزلها حتى مات بها، و قبره الآن ظاهر.

أخبرنا هبة اللَّه بن الحصين، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال:

حدّثنا يعقوب، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: حدّثني سلمان الفارسيّ، قال [ (2)]:

كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية [ (3)] يقال لها جيّ، و كان أبي دهقان قريته [ (4)]، و كنت أحب خلق اللَّه إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية [ (5)]، و اجتهدت [ (6)] في المجوسية حتى كنت قطن النار [ (7)] الّذي يوقدها، لا يتركها تخبو ساعة.

قال: و كان لأبي ضيعة عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني إني قد شغلت ببنائي هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، و أمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها 5/ أ و هم/ يصلون، و كنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم و سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون.

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 53، 6/ 1/ 9، 7/ 2/ 64.

[ (2)] الخبر في المسند 5/ 441- 444، و طبقات ابن سعد 4/ 1/ 53، و تاريخ بغداد 1/ 164.

[ (3)] في المسند: «من أهل قرية منها يقال لها».

[ (4)] في طبقات ابن سعد: «دهقان أرضه».

[ (5)] في المسند: «في بيته أي ملازم النار كما تحبس الجارية».

[ (6)] في المسند: «أجهدت».

[ (7)] في طبقات ابن سعد: «كنت قاطن النار».

21

قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم [ (1)] و رغبت في أمرهم و قلت: هذا و اللَّه خير من [الدين‏] [ (2)] الّذي نحن عليه، فو اللَّه ما تركتهم حتى غربت الشمس و تركت ضيعة أبي فلم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.

قال: ثم رجعت إلى أبي و قد بعث في طلبي و شغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ أ لم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبه، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو اللَّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني، ليس في ذلك الدين خير، دينك و دين آبائك خير منه. قلت: كلا و اللَّه إنه لخير من ديننا.

قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته. قال: و بعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم [ (3)]، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجارا من النصارى فأخبروني بهم، فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم و أرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم [أخبروني بهم‏] [ (4)] فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة.

قال: فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين و أحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك و أتعلم منك و أصلي معك. قال: فدخلت معه.

قال: و كان رجل سوء يأمرهم بالصدقة و يرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئا اكتنزه لنفسه و لم يعطه [ (5)] المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب [و ورق‏] [ (6)] قال:

و أبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة و يرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها

____________

[ (1)] في المسند: «أعجبني صلاتهم».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول و ابن سعد، و أوردناه من المسند.

[ (3)] في الأصل: «إذا قدم عليكم أحد من الشام من تجار النصارى فأخبروني بهم».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول و ابن سعد، و أوردناه من المسند.

[ (5)] من هنا ساقط من ت.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول و ابن سعد، و أوردناه من المسند.

22

5/ ب لنفسه و لم يعط/ المساكين منها شيئا [ (1)]. قالوا: و ما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه. قال: فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا، قال: فلما رأوها قالوا: و اللَّه لا ندفنه أبدا. قال: فصلبوه ثم رجموه بالحجارة.

ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه [و لا] [ (2)] أزهد في الدنيا و لا أرغب في الآخرة و لا أدأب ليلا و لا نهارا منه.

قال: فأحببته حبا لم أحبه أحدا [ (3)] من قبله، فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك و أحببتك حبا لم أحبه أحدا من قبلك، و قد حضرك ما ترى من أمر اللَّه، فإلى من توصي بي و ما تأمرني؟ قال: أي بني، و اللَّه ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس و بدلوا، و تركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل و هو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به.

قال: فلما مات و غيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، و أخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي.

قال: فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إليك و أمرني باللحوق بك، و قد حضرك من أمر اللَّه ما ترى، فإلى من توصي بي و ما تأمرني؟ قال: أي بني، و اللَّه ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين، و هو فلان فالحق به.

قال: فلما مات و غيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئت فأخبرته خبري و ما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو اللَّه ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضره قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي إليك فإلى من توصي بي، و ما تأمرني؟ قال: أي بني، و اللَّه ما

____________

[ (1)] إلى هنا انتهى السقط من ت الّذي سبق الإشارة إليه.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من المسند.

[ (3)] «أحدا»: ساقطة من أ، و المسند.

23

أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فاته فإنه على أمرنا.

قال: فلما مات و غيب لحقت بصاحب عمّورية، و أخبرته خبري، فقال:/ أقم 6/ أ عندي، فأقمت عند رجل على هدى أصحابه و أمرهم، و اكتسبت حتى كانت لي بقرات و غنيمة، قال: ثم نزل به أمر اللَّه عز و جل، فلما احتضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان، و أوصى بي فلان إلى فلان، و أوصاني فلان إليك، فإلى من توصي بي و ما تأمرني؟ قال: أي بني، و اللَّه ما أعلم أنه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، و لكن قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.

قال: ثم مات و غيب، فمكثت بعمورية ما شاء اللَّه أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب و أعطيكم بقراتي هذه و غنمي هذه [ (1)]؟ قالوا: نعم، فاعطيتموها [ (2)] و حملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود، فكنت عنده، و رأيت النخل و رجوت أن تكون البلد الّذي وصف لي صاحبي و لم يحق لي في نفسي.

فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له بالمدينة من بني قريظة فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فو اللَّه ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، و بعث اللَّه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم. فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فو اللَّه إني لفي رأس غدق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، و سيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال له فلان: قاتل اللَّه بني قيلة، و اللَّه إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي [ (3)]. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، و نزلت من النخلة فجعلت أقول‏

____________

[ (1)] في المسند: «غنمتي هذه».

[ (2)] في الأصل: «فأعطيتهم إياها».

[ (3)] في المسند: «يزعمون أنه نبي».

24

لابن عمه: ما ذا تقول؟ ما ذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة ثم قال:

ما لك و لهذا أقبل على عملك، قلت: لا شي‏ء إنما أردت أن أستثبته [ (1)] عما قال.

و قد 6/ ب كان عندي شي‏ء قد جمعته، فلما/ أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح و معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، و هذا شي‏ء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لأصحابه: «كلوا»، و أمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، و تحول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، و هذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم منها و أمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.

قال: ثم جئت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان و هو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدبرت انظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الّذي وصف لي، [فأتيته و هو جالس‏] [ (2)]، فلما رآني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم استدبرته عرف أني استثبت في شي‏ء وصف لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله و أبكي، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «تحول» فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أن يسمع ذلك أصحابه- ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بدرا و أحدا.

قال: ثم قال: «كاتب يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير و بأربعين أوقية، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لأصحابه [ (3)]: «أعينوا أخاكم». فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وديّة، و الرجل بعشرين و الرجل بخمس عشرة و الرجل بعشرة، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة وديّة فقال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

«اذهب يا سلمان ففقّر لها فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي».

7/ أ قال: ففقرت/ لها و أعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إليها فجعلنا نقرب له الودي و يضعه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بيده، فو الّذي نفس‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أن أستبينه».

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (3)] «تحول. فتحولت فقصصت .. فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لأصحابه». ساقطة من ت.

25

سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل و بقي عليّ المال. فأتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: «ما فعل الفارسيّ المكاتب؟» قال: فدعيت له فقال: «خذ هذه فأدّبها [ (1)] ما عليك يا سلمان» قال: قلت:

و أين تقع هذه يا رسول اللَّه مما عليّ؟ قال: «خذها فإن اللَّه سيؤدي بها عنك».

قال: فأخذتها فوزنت لهم منها و الّذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم و عتقت. فشهدت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم الخندق، ثم لم يفتني [معه‏] [ (2)] مشهد.

أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدّثنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدّثنا الفضل بن غانم، قال: حدّثني سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل من عبد القيس، عن سلمان الفارسيّ رضي اللَّه عنه قال:

لما قلت: و أين تقع هذه من الّذي عليّ يا رسول اللَّه، [أخذها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فقلبها على لسانه ثم قال: «خذها فأوفهم منها»، فأوفيتهم منها حقهم‏].

و في الصحيح عن سلمان أنه قال: تداولني بضعة عشر من رب إلى رب لي كله أربعين أوقية.

و روى أنس، عن النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم أنه قال‏

: «سلمان سابق الفرس» [ (3)].

و لما خط الخندق قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون و الأنصار في سلمان، و كان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، و قالت الأنصار: لا بل منا،

فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

«سلمان منا أهل البيت».

قال الحسن البصري [ (4)]: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، و كان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، و كان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها و يلبس بعضها،

____________

[ (1)] في طبقات ابن سعد: «خذ هذه فأدها ما عليك».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و ابن سعد، و أوردناها من المسند.

[ (3)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 1/ 59.

[ (4)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 1/ 62.

26

فإذا خرج عطاؤه أمضاه، و يأكل من سفيف يديه.

7/ ب و قال عبادة بن نسيّ [ (1)]:/ كان لسلمان خباء من عباء [ (2)] و هو أمير الناس.

أخبرنا محمد بن ناصر [أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا أبو بكر بن نجيب، حدّثنا أبو جعفر بن ذريح، حدّثنا هناد، حدّثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق‏] [ (3)]، عن ميمون بن مهران، عن رجل من عبد القيس قال:

رأيت سلمان في سرية هو أميرها، على حمار عليه سراويل و قدماه تذبذبان، و الجند يقولون: قد جاء الأمير، فقال سلمان: إنما الخير و الشر بعد اليوم.

ذكر أولاد سلمان:

تزوج امرأة يقال لها بقيرة. و قال أبو بكر بن أبي داود: لسلمان ثلاث بنات، بنت بأصبهان، و ابنتان بمصر.

ذكر وفاته‏

: أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا البرمكي، قال: أخبرنا أبو بكر بن بخيت، قال: حدّثنا أبو جعفر بن ذريح، قال: حدّثنا هناد، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أشياخه، قال [ (4)]:

دخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده، فبكى سلمان فقال سعد: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو عنك راض، و ترد عليه الحوض [ (5)]، قال: فقال سلمان رضي اللَّه عنه: أما إني ما أبكي جزعا من الموت و لا حرصا على الدنيا، و لكن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم عهد إلينا فقال: «ليكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب» و حولي هذه الأساور. قال: و إنما حوله إجّانة و جفنة و مطهرة [ (6)]. قال: فقال له سعد: يا أبا عبد اللَّه،

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 1/ 63.

[ (2)] في ت: «كان سلمان يسكن خيا من عباء».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من ت، و في الأصل: «أخبرنا محمد بن ناصر بإسناد عن ميمون بن مهران».

[ (4)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 65.

[ (5)] في ابن سعد: «و هو عنك راض و تلقى أصحابك و ترد عليه الحوض».

[ (6)] في ابن سعد: «و حوله إجانة أو جفة أو مطهرة».

27

أعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك، فقال: يا سعد، اذكر اللَّه عند همك إذا هممت، و عند حكمك إذا حكمت، و عند يدك إذا قسمت.

و لما اشتد مرض سلمان و كان قد أصاب صرّة مسك يوم جلولاء، فقال لامرأته هاتها، فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن يجدون الريح و لا يأكلون الطعام، فلم يمكث إلا قليلا حتى مات.

عاش سلمان مائتين و خمسين سنة لا يشكون في هذا و بعضهم يقول: ثلاثمائة و خمسين.

و قيل انه أدرك وحي عيسى عليه السلام، و الظاهر أنه توفي في زمان عثمان في سنة اثنتين و ثلاثين، و قد قيل في سنة ست و ثلاثين، فعلى هذا تكون وفاته في زمان علي رضي اللَّه عنه، و الأول أصح.

261-/ صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو سفيان [ (1)]:

8/ أ لم يزل على الشرك يقود الجموع لقتال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى أن أسلم يوم فتح مكة، و كان الإيمان في قلبه متزلزلا، فعد في المؤلفة [قلوبهم‏]، ثم استقر إيمانه و قوي يقينه، و كان قد كف عن القتال بعد الخندق، و بعث إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم هدية من تمر عجوة، و كتب إليه يستهديه أدما، فقبل هديته و أهدى إليه.

أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي [الجوهري‏]، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال:

حدّثني عبد اللَّه بن جعفر، قال: سمعت يعقوب بن عتبة يخبر عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:

لما نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب: و اصباح قريش إن دخلها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم عنوة. قال العباس: فأخذت بغلة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم الشهباء و قلت:

____________

[ (1)] تهذيب الكمال 13/ 119، و طبقات خليفة 10، و تاريخ الدوري 2/ 268، و التاريخ الكبير للبخاريّ 4/ 2942.

28

ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قريش، فو اللَّه إني لفي الأراك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب، فقلت: يا أبا حنظلة، قال: لبيك أبا الفضل، و عرف صوتي، فقال: ما لك فداك أبي و أمي، قلت: ويلك هذا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في عشرة آلاف، فقال: بأبي و أمي ما تأمرني، هل من حيلة؟ قلت: نعم، تركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فإنه إن ظفر بك دونه قتلت، قال: و أنا و اللَّه أرى ذلك. ثم ركب خلفي و توجهت به إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فرآه عمر بن الخطاب فعرفه و أراد قتله و قال: يا رسول اللَّه، هذا أبو سفيان آخذ بلا عهد و لا عقد، قال: فقلت: إني قد أجرته، و جرى بين العباس و عمر 8/ ب في ذلك الكلام، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ويحك يا أبا سفيان، أ لم يأن لك أن/ تعلم أن لا إله إلا اللَّه» قال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك، قد كان يقع في نفسي أنه لو كان مع اللَّه إله لقد أغنى عني شيئا، قال: «يا أبا سفيان، أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول اللَّه؟» قال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك، أما هذا فو اللَّه إن في نفسي منها أشياء بعد، فقال العباس: ويحك اشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه قبل أن تقتل. قال: فشهد شهادة الحق و قال: اشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله [ (1)]. فقال العباس: يا نبي اللَّه إنك قد عرفت أبا سفيان و حبه للشرف و الفخر فاجعل له شيئا، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من أغلق داره فهو آمن».

قال محمد بن سعد: و أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، قال: حدّثنا ثابت البناني، قال:

إنما قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم كان إذا أوذي و هو بمكة فدخل دار أبي سفيان أمن، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».

قال ابن سعد: و أخبرنا محمد بن عبيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن [أبي‏] خالد، عن أبي إسحاق السبيعي:

ان أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا، فقال في نفسه: لو جمعت‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و أن محمدا لرسوله».

29

لمحمد جمعا. قال: إنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم بين كتفيه و قال: «إذن أخزاك اللَّه» قال: فرفع رأسه فإذا النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم قائم على رأسه، فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة إن كنت لأحدث نفسي بذلك.

قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: و شهد أبو سفيان الطائف مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و رمي يومئذ فذهبت إحدى عينيه. و شهد يوم حنين و أعطاه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم من غنائم حنين مائة من الإبل و أربعين أوقية، و أعطى ابنيه يزيد و معاوية، فقال له أبو سفيان: و اللَّه إنك لكريم، فداك أبي و أمي لقد/ حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم 9/ أ أنت، فجزاك اللَّه خيرا. قال أنس بن مالك: ثم عمي أبو سفيان بعد ذلك.

قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن ابن المسيب، عن مبشر بن الحويرث، قال:

حضرت يوم اليرموك المعركة فلا أسمع للناس كلمة و لا صوتا إلا نقف الحديد بعضه بعضا، إلا أني قد سمعت صائحا يقول: يا معشر المسلمين، يوم من أيام اللَّه ابلوا للَّه فيه بلاء حسنا، و إذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد.

قال محمد بن عمر: نزل أبو سفيان المدينة في آخر عمره، و مات بها سنة اثنتين و ثلاثين في آخر خلافة عثمان، و هو يوم مات ابن ثمان و ثمانين سنة.

262- الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف [ (1)]:

شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و توفي في هذه السنة و هو ابن سبعين سنة.

263- عبد اللَّه بن مسعود بن غافل- و يقال: عاقل- بن حبيب بن شمخ، أبو عبد الرحمن [ (2)]:

ذكر محمد بن سعد نسبه فقال: ابن غافل بالغين و الفاء. و ذكره خليفة بن خياط، فقال: عاقل بالعين و القاف. و ذكره محمد بن إسحاق صاحب المغازي فقال:

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 35.

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 106.

30

عبد اللَّه بن مسعود بن الحارث بن شمخ، و لم يذكر ما بين ذلك من الأسماء.

و أمه أم عبد بنت عبد [ودّ بن سواء بن قريم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، و أمها هند بنت عبد بن‏] [ (1)] الحارث بن زهرة.

أسلم بمكة قبل دخول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم دار الأرقم.

أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، قال: حدثنا أبو محمد الجوهري، قال:

أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا عفان، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن ذر بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال [ (2)]:

كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم و أبو بكر و قد فرا من المشركين، فقالا: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ فقلت: إني مؤتمن و لست 9/ ب بسامتكما،/ فقال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم: «هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟» قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم ثم مسح الضّرع و دعا فجفّل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. قال: فأتيته بعد ذلك فقلت: علمني من هذا القول، قال: «إنك غلام فتعلّم»، فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد.

هاجر [ (3)] ابن مسعود إلى الحبشة الهجرتين، ثم إلى المدينة، و شهد بدرا، و ضرب عنق أبي جهل بعد أن أثبته ابنا عفراء، [و شهد] [ (4)] المشاهد كلها مع رسول اللّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و كان صاحب سرّه و وساده و سواكه و نعليه و طهوره في السفر، كان يلبس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم نعليه، ثم يمشي أمامه بالعصا حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه و أعطاه العصا، فإذا أراد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أن يقوم ألبسه نعليه ثم مشى بالعصا أمامه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من ابن سعد.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 1/ 106، 107.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 107.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من سعد.

31

و كان يستر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إذا اغتسل، و يوقظه إذا نام، و يمشي معه في الأرض،

و قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

«إذنك عليّ أن ترفع الحجاب و أن تسمع سوادي حتى أنهاك».

و كان يشبه برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في هديه و سمته، و كان خفيف اللحم قصيرا شديد الأدمة، و كان من أجود الناس ثوبا و أطيبهم ريحا، كان يعرف بالليل بريح الطيب، و قال فيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد».

و قال فيه عمر رضي اللَّه عنه: كنيف ملي‏ء علما.

و بعثه إلى أهل الكوفة ليقرئهم القرآن و يعلمهم الأحكام، و كتب إليه: إني و اللَّه الّذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي فخذوا منه، فبث فيهم الفقه.

و كان من كبار أصحابه: الأسود بن يزيد، و علقمة بن قيس، و الربيع بن خثيم، و زيد بن وهب/، و الحارث بن قيس، و أبو وائل، و زر بن حبيش و غيرهم. 10/ أ و كان أبو موسى يقول: لا تسألوني عن شي‏ء و هذا الخير فيكم. و ولي قضاء الكوفة و بيت مالها لعمر و صدرا من خلافة عثمان، رضي اللَّه عنهما، ثم صار إلى المدينة فمات بها في هذه السنة، و دفن بالبقيع.

أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني عبد اللَّه بن زيدان، قال: أخبرنا محمد بن طريف، قال: حدّثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال عبد اللَّه:

و الّذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب اللَّه إلا أنا أعلم أين نزلت و ألم فيما نزلت، و لو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب اللَّه تناله المطي لأتيته.

أخبرنا ابن عبد الباقي، [أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، حدّثنا ابن الفهم حدّثنا] [ (1)] محمد بن سعد، قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن عامر، عن مسروق، عن عبد اللَّه [ (2)] قال:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «أخبرنا ابن عبد الباقي بإسناد عن محمد بن سعد.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد.

32

حدث يوما حديثا، فقال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، ثم أرعد و أرعدت ثيابه، ثم قال: أو نحو ذا أو شبه ذا.

قال ابن سعد [ (1)]: و أخبرنا الفضل بن دكين، قال: أخبرنا قيس بن الربيع، عن عاصم، عن ذر، عن عبد اللَّه: أنه كان يصوم يوم الاثنين و الخميس.

قال الفضل [ (2)]: و حدّثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ما رأيت فقيها أقل صوما من عبد اللَّه، فقيل له: لم لا تصوم؟ فقال: إني أختار الصلاة عن الصوم، فإذا صمت ضعفت عن الصلاة.

قال المصنف [ (3)]: أوصى ابن مسعود إلى الزبير و ابنه عبد اللَّه أن يكفن في حلة بمائتي درهم، و قال: ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون، و توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و اختلفوا فيمن صلّى عليه على ثلاثة أقوال: أحدها: عثمان، و الثاني: عمار، ذكرهما الواقدي، و الثالث الزبير، ذكره خليفة بن خياط، و الأول أصح.

10/ ب‏

264- عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عديّ بن سهم السهمي، أخو/ خنيس [ (4)]:

قديم الإسلام بمكة، و هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بكتابه إلى كسرى، و أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ليدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فقرأه و حرقة.

و اختلفوا هل شهد بدرا أم لا، و شهد فتح مصر، و توفي بها، و قبره في مقبرتها.

265- عبد اللَّه بن نضلة، أبو برزة الأسلمي [ (5)]:

و قال قوم: نضلة بن عبد اللَّه. أسلم قديما و شهد مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فتح مكة، و قتل عبد اللَّه بن خطل، و لم يزل يغزو مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم حتى قبض، فتحول فنزل‏

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 109.

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 109.

[ (3)] في الأصل: «قال مؤلف الكتاب».

[ (4)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 139.

[ (5)] طبقات ابن سعد 4/ 2/ 34، 7/ 1/ 4، 7/ 2/ 100.

33

البصرة حين نزلها المسلمون، ثم غزا خراسان فمات بها رضي اللَّه عنه.

266- عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة [ (1)]:

و كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو [ (2)]، و قيل عبد الكعبة [ (3)]، فسماه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم حين أسلم عبد الرحمن، و يكنى أبا محمد، و أمه الشّفّاء بنت عوف بن عبد الحارث. ولد عبد الرحمن بعد الفيل بعشر سنين، و كان طويلا، حسن الوجه، رقيق البشرة، مشربا حمره، و أسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم دار الأرقم، و هاجر إلى الحبشة الهجرتين.

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا ابن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت و حميد، عن أنس بن مالك [ (4)]:

ان عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بينه و بين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه، و تحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك و مالك، دلّوني على السوق، فدلوه على السوق، فاشترى و باع و ربح، فجاء بشي‏ء من أقط و سمن، ثم لبث ما شاء اللَّه أن يلبث، فجاء و عليه ردع من زعفران، فقال/ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «مهيم»، فقال: يا رسول اللَّه، تزوجت امرأة، قال: «فما 11/ أ أصدقتها؟» قال: «وزن نواة من ذهب، قال: «أو لم و لو بشاة» قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني و لو رفعت حجرا رجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة.

قال محمد بن سعد [ (5)]: و أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 87.

[ (2)] في الأصل: «و اسمه في الجاهلية كان عبد عمرو».

[ (3)] «و قيل عبد الكعبة»: سقطت من ت.

[ (4)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 1/ 89.

[ (5)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 89.

34

ان عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار على ثلاثين ألفا.

قال علماء السير: شهد عبد الرحمن بدرا و المشاهد كلها، و بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى دومة الجندل، و عممه بيده.

و كان له من الولد عشرين ذكرا [ (1)]، و ثمان بنات، و

كان مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في غزاة تبوك فأم الناس، و جاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فلحق معه ركعة، ثم قضى الثانية، و قال: «ما قبض نبي قط حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته».

و كان عبد الرحمن كثير الصدقة فباع أرضا له بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك في فقراء بني زهرة، و في ذوي الحاجة من الناس، و في أمهات المؤمنين، فلما بعث إلى عائشة بنصيبها،

قالت إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم قال:

«لا يحنو عليكنّ بعدي إلا الصابرون» [ (2)]

سقى اللَّه ابن عوف من سلسبيل الجنة [ (3)].

قال محمد بن سعد: و حدّثنا محمد بن كثير العبديّ، قال: حدّثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال:

أغمي على عبد الرحمن بن عوف ثم أفاق فقال: إنه أتاني ملكان أو رجلان فيهما فظاظة و غلظة، فانطلقا بي، ثم أتاني رجلان أو ملكان هما أرفق منهما و أرحم، فقالا:

أين تريدان به؟ قالا: نريد به العزيز الأمين، قالا: خليا عنه فإنه ممن كتب له السعادة و هو في بطن أمه.

توفي عبد الرحمن في هذه السنة و هو ابن خمس و سبعين سنة. و خلف ألف بعير 11/ ب و ثلاثة آلاف شاة/ و مائة فرس، و ترك ذهبا قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، و ترك أربع نسوة، فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفا، و أوصى في السبيل بخمسين ألف دينار.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:

____________

[ (1)] في الأصل: «عشرون ذكرا».

[ (2)] كذا في الأصل و ابن سعد، و في أ: «الصالحون».

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 94.

35

أخبرنا الحسين بن الحسن العالي، قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن أيوب المخزومي، قال: حدّثنا سلمة بن حفص السعدي، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا مسعر.

و أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، [أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، حدّثنا أبو علي الحسين بن محمد بن الفهم‏] [ (1)]، حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا شعبة، كلاهما عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال [ (2)]:

رأيت سعد بن مالك عند قائمتي سرير عبد الرحمن بن عوف و هو يقول:

وا خلّاه.

267- عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه، أبو محمد [ (3)]:

شهد العقبة مع السبعين، و بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و كانت معه راية بني الحارث بن الخزرج في غزاة الفتح، و هو الّذي رأى الآذان.

توفي بالمدينة في هذه السنة و هو ابن أربع و تسعين سنة، و صلّى عليه عثمان رضي اللَّه عنه.

268- العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل [ (4)]:

و اسم أمه نتيلة بنت جناب بن كليب. ولد قبل ولادة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بثلاث سنين، و كان له من الولد الفضل و هو أكبر ولده، و عبد اللَّه و هو الحبر، و عبيد اللَّه الجواد، و عبد الرحمن، و قثم، و معبد، و أم حبيبة، و أم الكل لبابة بنت الحارث، و كان له من غيرها كثير، و تمام، و الحارث. و كان يضرب المثل بعبد اللَّه في العلم، و بعبيد اللَّه في الجود.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «و أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار بإسناده عن محمد بن سعد.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 1/ 96.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 87.

[ (4)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 1.

36

أنبأنا يحيى بن الحسن، قال: أخبرنا ابن المسلمة، قال: حدّثنا المخلص، قال: حدّثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني عبد اللَّه بن إبراهيم الجمحيّ، عن أبيه، قال:

12/ أ دخل أعرابي دار العباس بن/ عبد المطلب رضي اللَّه عنه و في جانبها عبد اللَّه بن عباس يفتي و لا يرجع في شي‏ء يسأل عنه، و في الجانب الآخر عبيد اللَّه يطعم كل من دخل، فقال الأعرابي: من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بدار العباس، هذا يفتي و يفقه الناس، و هذا يطعم الطعام. و كان يضرب المثل ببعد ما بين قبور بني العباس، فإن عبد اللَّه دفن بالطائف، و عبيد اللَّه بالمدينة، و الفضل بالشام، و قثم بسمرقند، و معبد بإفريقية.

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا علي بن عيسى بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن عمه إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبيه عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب [ (1)]:

ان قريشا لما نفروا [ (2)] إلى بدر فكانوا بمر الظهران هب أبو جهل من نومه، فقال:

يا معشر قريش، ألا تبا لرأيكم [ (3)] ما ذا صنعتم، خلفتم بني هاشم وراءكم، فإن ظفر بكم محمد كانوا من ذلك بنجوة [ (4)]، و إن ظفرتم بمحمد أخذوا ثأره منكم من قريب من أولادكم و أهليكم، فلا تذروهم في بيضتكم و نسائكم [ (5)]، و لكن أخرجوهم معكم و إن لم يكن عندهم غناء، فرجعوا إليهم فأخرجوا العباس بن عبد المطلب و نوفلا و طالبا و عقيلا كرها.

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 1/ 4.

[ (2)] في طبقات ابن سعد: «لما تفرقوا».

[ (3)] في الأصل: «ألا تبا لأبيكم».

[ (4)] في ابن سعد: «من ذلك بنحوه».

[ (5)] في ابن سعد: «في بيضتكم ففاتكم».

37

قال ابن سعد: و أخبرنا رويم بن يزيد المقرئ، قال: حدّثنا هارون بن أبي عيسى الشامي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني حسن بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، عن عكرمة، قال: قال أبو رافع مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه، و كان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، و أسلمت أم الفضل، و كان العباس يهاب قومه و يكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، و كان ذا مال/ متفرق في قومه، فخرج معهم إلى بدر، و هو على 12/ ب ذلك.

قال ابن إسحاق: و حدّثني بعض أصحابنا، عن القاسم، عن ابن عباس، قال:

كان الّذي أسر العباس أبو اليسر، و كان رجلا مجموعا، و كان العباس جسيما، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «كيف أسرته»؟ فقال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل و لا بعد، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «لقد أعانك عليه ملك كريم».

قال ابن سعد: و أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدّثنا جعفر بن برقان، قال: حدّثنا يزيد بن الأصم، قال [ (1)]:

لما كانت أسارى بدر كان فيهم العباس رضي اللَّه عنه، فسهر النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم ليلته، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك يا نبي اللَّه؟ قال: «أنين العباس». فقام رجل فأرخى وثاقه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ما لي لا أسمع أنين العباس؟» فقال رجل: إني أرخيت من وثاقه شيئا، قال: «فافعل ذلك بالأسارى كلهم».

أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان الطوسي، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني محمد بن الفضالة، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال:

لقد جاء اللَّه بالإسلام و إن جفنة العباس لتدور على فقراء بني هاشم، و إن سوطه و قيده لمعد لسفهائهم.

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 1/ 7.

38

قال: و كان أبو بكر و عمر رضي اللَّه عنهما في ولايتهما لا يلقى العباس واحد منهما و هو راكب إلا نزل عن دابته و قادها و مشى مع العباس حتى يبلغ منزله أو مجلسه فيفارقه.

توفي العباس يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رجب هذه السنة، و هو ابن ثمان و ثمانين سنة، و غسله علي بن أبي طالب، و صلّى عليه عثمان، و دفن بالبقيع.

269- قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد، أبو زيد [ (1)]:

شهد العقبتين، و ذكر في الستة الذين أسلموا أول من أسلم من الأنصار، و كان من 13/ أ الرماة المذكورين. و شهد بدرا، و رمى حجرا بين الصفين، ثم قال: لا أفر حتى يفر/ هذا الحجر.

و شهد أحدا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و كانت معه راية بني سلمة في غزوة الفتح، و جرح يوم أحد تسع جراحات، و بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في عشرين رجلا إلى حي من خثعم، فقاتلوه و غنم.

توفي قطبة في هذه السنة، و لم يعقب.

270- كعب الأحبار بن ماتع، أبو إسحاق [ (2)]:

كان يهوديا فأسلم و قدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص، فتوفي بها في هذه السنة. و قد أسند الحديث إلى عمرو، و صهيب، و عائشة.

271- معيقيب بن أبي فاطمة الدوسيّ، من الأزد [ (3)]:

أسلم بمكة قديما، و هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو بخيبر فشهدها، و كان عمر رضي اللَّه عنه يأكل معه و يقول: لو كان غيرك ما آكلني في صحفة، و لكان بيني و بينه قدر رمح. و كان إذا شرب من الإناء وضع عمر فمه موضع فمه فيشرب، و كان قد أسرع فيه الجذام، و كان عمر يطلب له الطب، فقدم رجلان من أهل اليمن، فقال لهما: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح؟ فقالا: ما شي‏ء يذهبه و لا

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 117.

[ (2)] طبقات ابن سعد 7/ 2/ 156.

[ (3)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 86.

39

يقدر عليه، و لكنا سنداويه دواء يوقفه، فقال عمر: عافية عظيمة أن يقف، قالا: هل ينبت بأرضك الحنظل؟ قال: نعم، قالا: فاجمع لنا منه، فجمع منه مكتلان، فعمدا إلى كل حنظلة فشقاها شقين، ثم أضجعا معيقيبا، ثم أخذ كل رجل منهما بإحدى قدميه، ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظلة حتى إذا أمحقت أخذا الأخرى، و جعل معيقيبا يتنخم أخضر مرا، ثم أرسلاه، فقالا لعمر: لا يزيد وجعه. فما زال متماسكا حتى مات رضي اللَّه عنه.

272- معضد بن يزيد، أبو زياد العجليّ [ (1)]:

كان كثير التعبد، و استشهد في غزاة بلنجر في هذه السنة [ (2)].

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 111.

[ (2)] تم المجلد السادس في نسخة ترخانة.

40

ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها [ (1)]:

غزوة معاوية حصن المرأة من أرض الروم من ناحية ملطية، في قول الواقدي.

13/ ب/ و فيها [ (2)].

غزوة عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح إفريقية الثانية حين نقض أهلها العهد.

و فيها [ (3)]:

قدم عبد اللَّه بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان حين انتقض أهلها، و نبعه ابن عامر، و فتح عليهم.

و فيها سير عثمان رضي اللَّه عنه من أهل العراق من سير إلى الشام [ (4)]

فسير جماعة من أهل الكوفة كانوا يذكرون عثمان و يسبون سعدا، فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه ابعثهم إلى معاوية، فلما ذهبوا إليه رأى منهم ما لا يصلح، فأبعدهم عنه، فرجعوا إلى الكوفة، فضج أهل الكوفة منهم فسيروا إلى حمص، و من القوم مالك بن الحارث الأشتر، و ثابت بن قيس النخعي، و كميل بن زياد، و زيد بن صوحان، و جندب بن زهير، و عروة بن الجعد، و عمرو بن الحمق.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 317.

[ (2)] نفس المرجع و الموضع.

[ (3)] نفس المرجع و الموضع.

[ (4)] نفس المرجع و الموضع.

41

و سير جماعة من أهل البصرة إلى الشام أيضا، منهم حمران بن أبان، و كان قد تزوج امرأة في عدتها، فنكل به عثمان و فرق بينهما و سيره إلى أهل البصرة.

أخبرنا محمد بن الحسين، و إسماعيل، قالا: أخبرنا ابن النقور، قال: أخبرنا المخلص، قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا السري بن يحيى، قال: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن محمد، و طلحة [ (1)]:

أن عثمان سير حمران بن أبان حين تزوج امرأة في عدتها و فرق بينهما و ضربه و سيره إلى البصرة ثم أذن له فقدم عليه المدينة، و قدم معه قوم سعوا بعامر بن عبد قيس، أنه لا يرى التزويج، و لا يأكل اللحم، و لا يشهد الجمعة، و كان عامر منقبضا، و عمله كله مستعبر، فكتب إلى عبد اللَّه بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية. فلما قدم عليه وافقه و عنده ثريدة [ (2)]، فأكل أكلا غريبا، فعرف أن الرجل مكذوب عليه، فقال: يا هذا، هل تدري فيما أخرجت؟ قال: لا، قال: أبلغ الخليفة أنك لا تأكل اللحم و قد عرفت أنك مكذوب عليك، و أنك لا ترى التزويج و لا تشهد الجمعة. قال: أما الجمعة فإنّي أشهدها في مؤخر المسجد ثم أرجع في أوائل/ الناس، و أما التزويج، فإنّي خرجت و أنا 14/ أ يخطب عليّ، و أما اللحم فقد رأيت، و لكني كنت امرأ لا آكل ذبائح القصابين منذ رأيت قصابا يجر شاة إلى مذبحها، ثم وضع السكين على حلقها، و ما زال يقول: النّفاق النّفاق حتى وجبت [ (3)]. قال: فارجع، قال: لا أرجع إلى بلد استحل أهله مني ما استحلوا، و لكني أقيم بهذا البلد الّذي اختاره اللَّه لي. و كان يكون في السواحل، و كان يلقى معاوية فيقول له: حاجتك؟ فيقول: لا حاجة لي، فلما أكثر عليه قال: ترد عليّ من حرّ البصرة لعل الصوم أن يشتد عليّ شيئا، فإنه يخفّ عليّ في بلادكم.

و في هذه السنة:

حج عثمان بالناس، و ولد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه.

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ الطبري 4/ 327.

[ (2)] «الثريد»: كسر الخبز المبلول بالماء.

[ (3)] أي: تم بيعها و نفذ.

42

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

273- الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم [ (1)]:

أسلم عند إسلام أبيه، و صحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و روى عنه، و استعمله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و ولاه أبو بكر و عمر و عثمان رضي اللَّه عنهم مكة، و انتقل إلى البصرة و نزلها و توفي بها.

274- المقداد بن الأسود، و اسم أبيه عمرو بن ثعلبة بن مالك، أبو معبد [ (2)]:

كان حليفا للأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية، فتبناه، و كان يقال له المقداد بن الأسود إلى أن نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ‏ [ (3)] [فقيل: المقداد بن عمرو].

و كان طويلا، أدم، ذا بطن، كثير شعر الرأس، [يصفّر لحيته، مقرون الحواجب أقنأ].

و هاجر المقداد إلى الحبشة الهجرة الثانية في قول ابن إسحاق و الواقدي، و لم يذكره موسى بن عقبة، و لا أبو معشر، و شهد مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بدرا و المشاهد كلها.

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أخبرنا أبو الحسن بن معروف، أخبرنا الحسين بن الفهم، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عبيد، و الفضل بن دكين، قالا: حدّثنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال [ (4)]:

أول من عدا به فرسه في سبيل اللَّه عز و جل المقداد بن الأسود.

14/ ب قال محمد بن سعد [ (5)]: و أخبرنا/ عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق، عن عبد اللَّه، قال:

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 38.

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 114.

[ (3)] سورة: الأحزاب، الآية: 5.

[ (4)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 1/ 114.

[ (5)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 1/ 115.

43

شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إليّ مما عدل به، إنه أتى النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم و هو يدعو على المشركين، فقال: يا رسول اللَّه، إنا و اللَّه لا نقول لك كما قال قوم موسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ‏ [ (1)]، و لكنا نقاتل عن يمينك و عن يسارك و بين يديك و من خلفك، فرأيت النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يشرق لذلك وجهه و سره ذلك.

شرب المقداد دهن الخروع فمات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة، فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالبقيع بالمدينة، و صلّى عليه عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه، و كان ابن سبعين سنة أو نحوها.

____________

[ (1)] سورة: المائدة، الآية: 24.

44

ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها [اجتماع المنحرفين على عثمان‏] [ (1)]

أن المنحرفين عن عثمان [ (2)] تكاتبوا للاجتماع لمناظرته فيما نقموا عليه، و تذاكر قوم أعمال عثمان، فأجمعوا رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه و يخبره بأحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبد قيس، فدخل عليه، فقال: إن ناسا من المسلمين اجتمعوا و نظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق اللَّه و انزع عنها، فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، و إلى عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، و إلى سعيد بن العاص، و عمرو بن العاص، و عبد اللَّه بن عامر، فجمعهم فشاورهم في أمره، فقال عبد اللَّه بن عامر: إني أرى أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، فلا يهم أحدهم إلا نفسه.

و قال ابن أبي سرح: أعطهم المال تعطف عليك قلوبهم. و قال معاوية: تأمر أجنادك يكفيك كل منهم من قبله. و قال عمرو بن العاص: اعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم 15/ أ عزما و امض قدما، فردهم عثمان إلى أعمالهم،/ و أمرهم بالتضييق على من قبلهم، و تجمير الناس في البعوث، ورد سعيد بن العاص أميرا على الكوفة، فخرج أهل [ (3)] الكوفة فردوه، و هم يزيد بن قيس، و الأشتر، و ذلك يوم الجرعة، و الجرعة مكان مشرف قرب القادسية، و هناك تلقاه أهل الكوفة. فرجع إلى عثمان، و ضرب الأشتر عنق غلام‏

____________

[ (1)] العنوان غير موجود بالأصول، و أوردناه من الطبري.

[ (2)] في الأصل: «إن المنحرفون على عثمان».

[ (3)] في الأصل: «فخرجوا أهل».

45

كان مع سعيد، فقال عثمان لسعيد: ما يريدون؟ قال: البدل، قال: فمن يريدون؟ قال:

أبا موسى، فجعله عليهم.

و روى الواقدي عن أشياخه [ (1)]

: أن جماعة اجتمعوا فكلموا علي بن أبي طالب في أمر عثمان، فدخل عليه و قال: الناس من ورائي و قد كلموني فيك، و ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلك على أمر لا تعرفه، و قد صحبت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و نلت صهره، و ما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، و لا ابن الخطاب. و أنت أقرب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم رحما، و قد نلت من صهره ما لم ينالا. فقال عثمان: و اللَّه لو كنت مكاني ما عنفتك و لا عبت عليك إن وصلت رحما، و سددت خلّة، أنشدك اللَّه يا علي، أ تعلم أن عمر ولى المغيرة أو ليس ذلك؟ قال: بلى، قال: فلم تلومني إن وليت ابن عامر في رحمه و قرابته؟

قال: سأخبرك، إن عمر كان كل من ولي فإنما يطأ على صماخه، إن بلغه عنه حرف [جلبه ثم بلغ به أقصى غاية] [ (2)]، و أنت لا تفعل رفقة بأقربائك، قال عثمان: فهل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟ قال: نعم، قال علي: فهل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من غلامه يرفأ؟ قال: نعم فهو يقطع الأمور دونك و أنت تعلمها، فيبلغك و لا تغير عليه.

ثم خرج علي، فخرج عثمان فجلس على المنبر، ثم قال: لقد عبتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، و لكنه وطئكم برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم و كرهتم، و لنت لكم، و أوطأت لكم كنفي، و كففت يدي و لساني عنكم، فاجترأتم عليّ، فكفوا عليكم ألسنتكم، و طعنكم على ولاتكم، و ما لي لا أصنع في فضل المال ما أريد، فلم كنت إماما.

فقام مروان بن الحكم، فقال: إن شئتم حكمنا/ بيننا و بينكم السيف. فقال 15/ ب عثمان: اسكت لا سكتّ، دعني و أصحابي، ثم نزل عثمان.

و في هذه السنة:

حج بالناس عثمان، و حج أزواج النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم معه كما فعل عمر رضي اللَّه عنهما.

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ الطبري 4/ 336، 337.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناه من الطبري.

46

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

275- زيد بن سهل بن الأسود، أبو طلحة الأنصاري [ (1)]:

شهد العقبة مع السبعين، و المشاهد كلها مع النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم.

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس [ (2)]:

أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم أحد، و النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم خلفه يتترس به، و كان راميا، و كان إذا ما رفع رأسه ينظر أين يقع سهمه فيرفع أبو طلحة رأسه و يقول:

هكذا بأبي أنت و أمي لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك.

قال [ (3)]: و سرد الصوم بعد وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أربعين سنة لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى أو في مرض.

و قرأ هذه الآية: انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا [ (4)] فقال: جهزوني، فقال بنوه: قد غزوت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و مع أبي بكر و عمر رضي اللَّه عنهما و نحن نغزو عنك، فقال:

جهزوني. فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه بها و لم يتغير.

و قيل: مات بالمدينة. و صلّى عليه عثمان و هو ابن سبعين سنة.

276- سويد بن شعبة اليربوعي، من بني تميم:

أخبرنا عبد الوهاب [بن المبارك الأنماطي، أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار، أخبره أحمد بن علي التوزي، أخبره عمر بن ثابت، أخبرنا علي بن أبي قيس، حدّثنا أبو

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 64.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 3/ 2/ 65.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 65.

[ (4)] سورة: التوبة، الآية: 41.

47

بكر بن عبيد، حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا الهيثم بن جميل، و أحمد بن يونس يزيد أحدهما على صاحبه، عن ابن شهاب‏] [ (1)]، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، قال:

دخلت على سويد بن شعبة، و كان من أصحاب الخطط الذين خط لهم عمر بالكوفة، فإذ هو منكب على وجهه مسجى بثوب، فلو لا أن امرأته قالت: أهلي فداؤك، ما نطعمك، ما نسقيك، ما ظننت أن تحت الثوب شيئا./ فلما رآني قال: يا ابن أخي 16/ أ دبرت الحراقف و الصلب، فما من ضجعة غير ما ترى، و اللَّه ما أحب أني نقصت منه قلامة ظفر.

قال الأصمعي: الحرقفة، مجتمع رأس الورك و رأس الفخذين.

277- [عبد الرحمن بن جبر بن عمرو، أبو عبس:

كان هو و أبو بردة بن نيار حين أسلما يكسران أصنام بني حارثة. و شهد أبو عبس بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و كان فيمن قتل كعب بن الأشرف، و كان عمر و عثمان يبعثانه يصدق الناس.

و توفي في هذه السنة بالمدينة، و صلّى عليه عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه، و دفن بالبقيع و هو ابن سبعين سنة] [ (2)].

278- عبادة بن الصامت [ (3)]:

أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدّثني أبي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يسمي النقباء، فسمى عبادة بن الصامت فيهم.

قال سفيان: عبادة عقبي، أحدي، بدري، شجري، و هو نقيب، توفي بالرملة بالشام في هذه السنة، و هو ابن اثنتين و سبعين سنة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من ت، و في الأصل: «بإسناد عن أبي حيان التيمي».

[ (2)] طبقات ابن سعد 3/ 2/ 23، و الترجمة كلها ساقطة من الأصل، أوردناها من ت.

[ (3)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 93، 3/ 2/ 148، 7/ 2/ 113.

48

279- عوف بن أثاثة بن عبادة بن المطلب بن عبد مناف، و يكنى أبا عباد، و يلقب مسطحا [ (1)]:

شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و توفي في هذه السنة و هو ابن ست و خمسين سنة.

280- كلثوم بن الحصين، أبو رهم الغفاريّ [ (2)]:

أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا ابن معروف، قال: أخبرنا ابن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال:

أسلم أبو رهم بعد قدوم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم المدينة، و شهد معه أحدا، فرمي يومئذ بسهم فوقع في نحره، فجاء إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فبصق عليه فبرأ، و كان يسمى المنحور.

قال: و قال محمد بن عمرو:

بينا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يسير من الطائف إلى الجعرانة و أبو رهم إلى جنبه على ناقة له، و في رجليه نعلان غليظان إذ زحمت ناقته ناقة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم قال أبو رهم: فوقع حرف نعلي على ساقه فأوجعه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم:

«أوجعتني أخر رجلك» و قرع رجلي بالسوط، فأخذني ما تقدم من أمري و ما تأخر، 16/ ب و خشيت أن ينزل فيّ قرآن عظيم مما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة/ خرجت أرعى الظهر و ما هو يومي فرقا أن يأتي للنّبيّ صلّى اللَّه عليه و سلّم [رسول‏] [ (3)] يطلبني، فلما روحت الركاب سألت، فقالوا: طلبك النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقلت: إحداهن و اللَّه، فجئته و أنا أترقب، فقال:

«إنك أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط و أوجعتك فخذ هذه الغنم عوضا من ضربتي» قال: فرضاه عني كان أحب إليّ من الدنيا و ما فيها. قال: و بعثه النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى قومه يستنفرهم حين أراد تبوكا.

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 1/ 36. و فيه «مسطح بن أثاثة».

[ (2)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 179.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من هامش ت.

49

ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين‏

فمن الحوادث فيها خروج أهل مصر و من وافقهم على عثمان رضي اللَّه عنه [ (1)]

أخبرنا محمد بن الحسين، و إسماعيل بن أحمد قالا: أخبرنا ابن النقور، قال:

أخبرنا المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا السري بن يحيى، قال: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسيّ، قال [ (2)]:

كان ابن سبإ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام، فلم يقدر على ما يريد، فأخرجوه حتى أتى مصر، فغمز عثمان بن عفان، و أظهر الأمر بالمعروف، و كان عمار بمصر فاستماله ابن السوداء و أصحابه، و دعوه إلى خلع عثمان، فقدم المدينة.

و حدّثنا سيف عن مبشر بن الفضيل، و سهل بن يوسف، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال:

قدم عمار من مصر و أبي شاك فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فلما دخل على سعد، قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الّذي بلغني من سعيك في‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 4/ 340.

[ (2)] الخبر في تاريخ الطبري 4/ 340.

50

فساد بين المسلمين و التأليب [ (1)] على أمير المؤمنين، أ معك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته و غضب فنزعها و قال: خلعت عثمان كما خلعت هذه، فقال سعد: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، ويحك حين كبر سنك ورق عظمك و نفد عمرك، خلعت ربقة 17/ أ الإسلام من عنقك، فقام عمار مغضبا و أقبل سعد يبكي له، و قال: من يأمن/ الفتنة يا بني لا يخرجن منك ما سمعت منه.

و حدّثنا سيف عن عطية، عن يزيد الفقعسيّ، قال [ (2)]:

جعل أهل مصر يكتبون إلى الأمصار، قال سيف: كاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، و أظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، و يسألون عثمان عن أشياء، فاجتمع المصريون و الكوفيون بالمدينة، فخطبهم عثمان و قال: إن هؤلاء قالوا: أتم الصلاة في السفر، و كانت لا تتم، ألا و إني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت، قالوا: و حميت حمى، و إني و اللَّه ما حميت إلا ما حمي قبلي. و قالوا: إني رددت الحكم و قد سيره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى الطائف ثم رده. و قالوا: استعملت الأحداث و لم أستعمل إلا مجتمعا مرضيا، و قد قيل لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في أسامة أشد ما قيل لي.

و قالوا: أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء اللَّه عليه، و إني إنما نفلته خمس الخمس، و قد أنفذ مثل ذلك أبو بكر و عمر، فلما كره الجند ذلك رددته، و قالوا: إني أحب أهل بيتي و أعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معي على جور، و إنما أعطيهم من مالي و لا أستحل أموال المسلمين لنفسي و لا لأحد من الناس و ما تبلغت من مال اللَّه عز و جل بفلس فما فوقه.

و حدّثنا سيف عن محمد و طلحة و أبي عثمان و أبي حارثة، قالوا [ (3)]:

لما كان شوال سنة خمس و ثلاثين خرج أهل مصر في أربعة رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول: ستمائة، و المكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البكري، و كنانة بن بشر [التجيبي، و عروة بن شبيم‏] [ (4)] الليثي، [و أبو عمرو بن‏

____________

[ (1)] في ت: «الثلب على أمير المؤمنين».

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 4/ 346.

[ (3)] الخبر في تاريخ الطبري 4/ 348.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناه من الطبري.

51

بديل بن ورقاء الخزاعي، و سواد بن رومان الأصبحي، و زرع بن يشكر اليافعي‏] [ (1)]، و قتيرة السكونيّ، و سودان بن حمران السكونيّ. و على القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، و لم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، و إنما خرجوا كالحجّاج، و معهم ابن السوداء. و خرج أهل الكوفة في أربعة رفاق، و على الرفاق زيد بن صوحان العبديّ، و الأشتر النخعي، و زياد بن النضر الحارثي، و عبد اللَّه بن الأصم و عليهم جميعا عمرو بن الأصم، و عددهم كعدد أهل مصر، و خرج أهل البصرة في أربعة رفاق، و على الرفاق حكيم بن/ جبلة العبديّ، و ذريح بن عباد العبديّ، و بشر بن شريح بن 17/ ب الحطم القيسي، و ابن محرش بن عبد عمرو الحنفي، و عددهم كعدد أهل مصر، و أميرهم جميعا حرقوص بن زهير السعديّ، سوى من تلاحق بهم من الناس فأما أهل مصر فإنّهم كانوا يشتهون عليا، و أما أهل البصرة فإنّهم كانوا يشتهون طلحة، و أما أهل الكوفة فإنّهم كانوا يشتهون الزبير.

فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم أناس من أهل البصرة، [فنزلوا ذا خشب، و أناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، و جاءهم أناس من أهل مصر] [ (2)] و تركوا عامتهم بذي المروة. و مشى فيما بين أهل مصر و أهل البصرة زياد بن النضر و عبد اللَّه بن الأصم، و قالا: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة و نرتاد.

فدخل الرجلان، فلقيا أزواج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و طلحة و الزبير و عليا، و قالا: إنما نؤم هذا البيت، و نستعفي من هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، فاستأذنوهم للناس في الدخول، فكلهم أبى و نهى، فرجعا فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا رضي اللَّه عنه، و من البصرة نفر فأتوا طلحة، و من أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، و قال كل فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا و إلا كدناهم و فرقنا جماعتهم، ثم نبغتهم. فأتى المصريون عليا رضي اللَّه عنه و قد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع عند عثمان، فعرضوا له، فصاح بهم [فطردهم‏] [ (2)]، و قال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة و ذي خشب و الأعوص ملعونون على لسان محمد صلّى اللَّه عليه و سلّم، فارجعوا لا صحبكم اللَّه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناه من الطبري.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من أ.

52

و أتى البصريون طلحة و قد أرسل بنيه إلى عثمان، فعرضوا له، فصاح بهم و طردهم و قال مثل قول علي.

و أتى الكوفيون الزبير و قد سرح ابنه عبد اللَّه إلى عثمان، فعرضوا له فصاح بهم و طردهم، و قال مثل طلحة.

فخرج القوم و أروهم أنهم يرجعون، فانفشوا عن ذي خشب و الأعوص حتى أتوا إلى عساكرهم، و هي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة، ثم يكرون فافترق أهل المدينة لخروجهم، فكروا فلم يفجأ أهل المدينة إلا و التكبير في نواحي المدينة، فأحاطوا بعثمان و قالوا: من كف يده فهو آمن.

18/ أ و أتاهم الناس فكلموهم و فيهم علي، فقال علي: ما ردكم بعد ذهابكم؟/ فقالوا:

أخذنا مع بريد [ (1)] كتابا بقتلنا هذا و عثمان يصلي بالناس و هم يصلون خلفه و يقولون: لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا.

و كتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم، فخرجوا على الصعب و الذلول [ (2)]، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، و بعث عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح معاوية بن خديج، و خرج من الكوفة القعقاع بن عمرو. و لما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجد النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم خرج عثمان رضي اللَّه عنه فصلّى بالناس، ثم قام على المنبر، فقال: يا هؤلاء، إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلّى اللَّه عليه و سلّم فامحوا الخطايا بالصواب [ (3)].

فقام محمد بن مسلمة: إنا نشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب [ (4)]، فثار إليه محمد بن أبي قثيرة فأقعده، و ثار القوم بأجمعهم، فحصبوهم حتى أخرجوهم من المسجد، و حصبوا عثمان حتى صرع‏

____________

[ (1)] في الأصل: «وجدنا مع بريد».

[ (2)] في الطبري: «على الصعبة و الزلول».

[ (3)] في الأصل: «فامحوا الخطايا بالصلاة».

[ (4)] أي: أحضر لي الكتاب.