المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج7

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
563 /
3

[المجلد السابع‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

[تتمة سنة خمس و تسعين‏]

[تتمة ذكر من توفى في هذه السنة]

[تتمة 553- الحجاج بن يوسف‏]

ذكر وفاة الحجاج‏

قد ذكرنا أن عبد الملك بن مروان أوصى ولده الوليد بالحجاج، ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، و كان الوليد قد مرض فغشي عليه، فمكث عامة يومه يحسبونه ميتا، فقدمت البرد على الحجاج بذلك فاسترجع، و أمر بحبل فشد في يده ثم أوثق إلى أسطوانة، و قال: اللَّهمّ لا تسلط عليّ من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي قبل منيته، و جعل يدعو. فقدم البريد بإفاقته، فلما أفاق الوليد، قال: ما أحد أسرّ بعافيتي من الحجاج، فقال عمر: كأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر أنه لما بلغه برؤك خرّ ساجدا و أعتق كل مملوك له، فجاء الكتاب بذلك، و بقي الحجاج في إمرته [ (1)] على العراق تمام عشرين سنة، و كان مقدما على القتل و الظلم، و آخر من قتل سعيد بن جبير، فوقعت الأكلة في بطنه [ (2)]، فأخذ الطبيب لحما و جعله في خيط و أرسله في حلقه ثم استخرجه و قد لصق الدود به، فعلم أنه ليس بناج، فقال:

يا رب قد حلف الأعداء و اجتهدوا * * * أيمانهم أنني من ساكني النار

أ يحلفون على عمياء ويلهم‏ * * * ما علمهم بعظيم العفو غفار

أخبرنا محمد بن [أبي‏] [ (3)] القاسم، قال: حدّثنا حمد بن أحمد، قال: حدّثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدّثنا أبو حامد بن جبلة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال:

____________

[ (1)] في الأصل: «على إمرته». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في ت: «فأكلت الأكلة في بطنه».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

4

حدّثنا هارون بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا محمد بن مسلمة، قال: حدّثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن كاتب كان [ (1)] للحجاج يقال له يعلى، قال:

كنت أكتب للحجاج و أنا يومئذ غلام حديث السن، فدخلت عليه يوما بعد قتل سعيد بن جبير و هو في قبة لها أربعة أبواب، فدخلت مما يلي ظهره، فسمعته يقول: ما لي و لسعيد بن جبير، فخرجت رويدا و علمت أنه إن علم بي قتلني، [ثم لم يلبث الحجاج إلا يسيرا حتى مات‏] [ (2)].

و في رواية أخرى: أنه كان يقول: ما لي و لسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.

و مات في شوال هذه السنة. و قيل: لخمس بقين من رمضان، و هو ابن أربع و خمسين سنة. و قيل: ثلاث و خمسين سنة.

و قال أبو عمر الجرمي [ (3)]، قال يونس النحويّ: أنا أذكر عرس العراق، فقيل له:

و ما عرس العراق؟ قال: موت الحجاج سنة خمس و تسعين.

و لما مات ولى عليها الوليد بن عبد الملك مكانه يزيد بن أبي شبل [ (4)].

و ذكر أبو عمر أحمد بن عبد ربه في كتاب «العقد»: أن رجلا حلف بالطلاق أن الحجاج في النار، فسأل الحسن البصري، فقال: لا عليك يا ابن أخي فإن لم يكن الحجاج في النار فما ينفعك [ (5)] أن تكون مع امرأتك في زنا.

و قال يزيد الرقاشيّ: إني لأرجو للحجاج، فقال الحسن: إني لأرجو أن يخلف اللَّه رجاءك [ (6)].

و قيل لإبراهيم النخعي: ما ترى في لعن الحجاج؟ فقال: أ لم تسمع إلى قول اللَّه تعالى: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [ (7)]. و أشهد أن الحجاج كان منهم.

____________

[ (1)] «كان». ساقط من ت.

[ (2)] في الأصل: «فلم ينشب الحجاج يسيرا» و التصحيح من «ت».

[ (3)] في الأصل: «الحزمي». و ما أوردناه من ت، و هو الصحيح.

[ (4)] كذا في الأصلين، و في الطبري 6/ 493: «ابن أبي كبشة».

[ (5)] في الأصل: «فما ينفك». و في ت: «فما بضرك».

[ (6)] في الأصول: «رجاءك».

[ (7)] سورة: هود، الآية: 18.

5

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، و محمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سويد، قال: حدّثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائني، قال: قال عمر بن عبد العزيز:

إذا أتت قوم فارس بأكاسرتها، و الروم بقياصرتها أتينا بالحجاج فكان عدلا بهم [ (1)].

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن خيرون، قال:

أخبرنا [ (2)] محمد بن عبد الواحد بن رزمة، قال: أخبرنا أبو محمد علي بن عبد اللَّه [ (3)] بن المغيرة، قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي، قال: حدّثنا العباس بن فرح الرياشي [ (4)]، قال: حدّثنا ابن أبي سمية، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، قال:

قيل ليزيد بن أبي مسلم: أن الحجاج يسمع صياحه من قبره، قال: فانطلق في نفر من أصحابه إلى قبره فسمع الصياح، فقال: يرحمك اللَّه أبا محمد، ما تدع تهجدك حيا و لا ميتا.

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا محمد بن هبة اللَّه الطبري، قال: حدّثنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا الحسين بن صفوان، قال: حدّثنا أبو بكر عبد اللَّه بن محمد القرشي، قال: حدّثني أحمد بن جميل، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن زيد بن أسلم، قال:

أغمي على المسور بن مخرمة ثم أفاق، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، عبد الرحمن بن عوف في الرفيق الأعلى مع: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) [ (5)] و عبد الملك و الحجاج يجران أمعاءهما في النار.

____________

[ (1)] في ت: «عدلا لهم».

[ (2)] في ت: «حدّثنا».

[ (3)] في ت: «عبيد بن المغيرة».

[ (4)] «حدّثنا العباس بن فرح الرياشي» ساقط من ت.

[ (5)] سورة: النساء، الآية: 69.

6

534- سعيد بن جبير، يكنى أبا عبد اللَّه، مولى لبني والبة [ (1)] بن الحارث من بني أسد بن خزيمة:

[ (2)] روى عن علي، و أبي مسعود البدري، و ابن عمر، و ابن عمرو، و أبي موسى [الأشعري‏] [ (3)]، و عبد اللَّه بن المغفل، و عدي بن حاتم، و أبي هريرة، و أكثر عن ابن عباس. و كان عالما، و كان ابن عباس يقول له: حدّث و أنا حاضر.

و قال لأهل الكوفة: تسألوني و فيكم سعيد بن جبير.

و جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة، فقال له: ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني.

و كان سعيد يقص على أصحابه بعد الفجر و بعد العصر، و يختم القرآن كل ليلتين، و كان إذا وقف في الصلاة [ (4)] كأنه وتد. و كان يبكي [بالليل‏] [ (5)] حتى عمش.

و كان يخرج في كل سنة مرتين: مرة للحج، و مرة للعمرة.

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال:

أخبرنا محمد بن علي بن الفتح، قال: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الدقاق، قال: أخبرنا أبو الحسين بن صفوان، قال: حدّثنا أبو بكر القرشي، قال: حدّثنا عمر بن إسماعيل الهمدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن سعيد الأموي، عن معاوية بن إسحاق، قال: حدّثنا سعيد بن جبير عند الصباح فرأيته ثقيل اللسان، فقلت له: ما لي أراك ثقيل اللسان؟

فقال: قرأت القرآن البارحة مرتين و نصفا.

قال عمر: و حدّثنا أبو معاوية، عن موسى بن المغيرة، عن حماد: أن سعيد بن‏

____________

[ (1)] في الأصل: «لبني واثلة». خطأ. و ما أوردناه من ت.

[ (2)] طبقات ابن سعد 6/ 204، التاريخ الكبير 3/ 1533، و أخبار القضاة لوكيع 2/ 411، و الجرح و التعديل 4/ 29، و حلية الأولياء 4/ 272، و وفيات الأعيان 2/ 371، و تاريخ الإسلام 4/ 2، و سير أعلام النبلاء 4/ 321، و البداية و النهاية 9/ 96، و طبقات المفسرين 1/ 181.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] في ت: «وقف في الجماعة».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

7

جبير قرأ القرآن في ركعة واحدة في الكعبة، و قرأ في الثانية بقل هو اللَّه أحد.

ذكر مقتله [ (1)]

كان سعيد قد خرج مع القراء الذين خرجوا على الحجاج، و شهد دير الجماجم، فلما انهزم أصحاب ابن الأشعث هرب فلحق بمكة، فبقي زمانا طويلا. ثم ان خالد بن عبد اللَّه القسري- و كان واليا للوليد بن عبد الملك على مكة- أخذه فبعثه إلى الحجاج مع إسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له: ما الّذي أخرجك؟ قال: كانت لابن الأشعث بيعة في عنقي، و عزم عليّ، فقال: رأيت لعدو اللَّه عزمة لم ترها للَّه و لا لأمير المؤمنين، و اللَّه لا أرفع قدمي [ (2)] حتى أقتلك فأعجلك إلى النار سيف رعيب، فقام مسلم الأعور و معه سيف فضرب عنقه.

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، قال: حدّثنا أبو حامد بن جبلة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا أبو بكر بن عباس، عن أبي حصين، قال:

أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم- يعني خالد بن عبد اللَّه- و لا آمنه عليك فأطعني و اخرج، فقال: و اللَّه لقد فررت حتى استحييت من اللَّه، قلت:

و اللَّه إني لأراك كما سمتك أمك سعيدا.

قال: فقدم مكة فأرسل إليه فأخذه. قال: فأخبرني يزيد بن عبد اللَّه قال: أتينا سعيد بن جبير حين جي‏ء به، فإذا هو طيب النفس و بنيّة له في حجره فنظرت إلى القيد فبكت، قال: فشيعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفيك فإنا نخاف أن تغرق نفسك، قال: يزيد: فكنت فيمن كفل به.

قال محمد بن إسحاق: و حدّثنا محمد بن عبد العزيز الجزري [ (3)]، قال: حدّثنا يحيى بن حسان، قال: حدّثنا صالح بن عمر، عن داود بن أبي هند، قال:

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 6/ 487، البداية و النهاية 9/ 107.

[ (2)] في ت: «لا أرفع يدي».

[ (3)] في الأصل: «الحروي». و ما أوردناه من ت.

8

لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال: ما أراني إلا مقتولا و سأخبركم أني كنت أنا و صاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا اللَّه الشهادة، فكلا صاحبيّ رزقها [ (1)]، و أنا أنتظرها، قال: فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء.

أخبرنا إسماعيل بن أحمد، و محمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الأنباري، قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه محمد بن الفضل بن نظيف الفراء، قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازيّ، قال:

حدّثنا هارون بن عيسى، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن المقري [ (2)]، قال: حدّثنا حرملة بن عمران، قال: حدّثنا ابن ذكوان:

أن الحجاج بن يوسف بعث إلى سعيد بن جبير فأصابه الرسول بمكة، فلما سار به ثلاثة أيام رآه يصوم نهاره و يقوم ليله، فقال له الرسول: و اللَّه إني لأعلم أني أذهب بك إلى من يقتلك فاذهب أي الطرق شئت [ (3)]، فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج أنك قد أخذتني فإن خليت عني خفت أن يقتلك، و لكن اذهب بي إليه.

قال: فذهب به إليه، فلما أدخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل شقي بن كسير، قال: أمي سمتني [سعيدا] [ (4)]، قال: شقيت أنت و أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال له الحجاج: أما و اللَّه لأبدلنك من دنياك نارا تلظى، قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلها غيرك، ثم قال له الحجاج: ما تقول في رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم؟ قال: نبي مصطفى خير الباقين و خير الماضين، قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: ثاني اثنين إذ هما في الغار، أعز به الدين و جمع به بعد الفرقة، قال: و ما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: فاروق اللَّه و خيرته من خلقه [ (5)]، أحب اللَّه أن يعز الدين بأحد الرجلين، فكان أحقهما بالخيرة و الفضيلة، قال: فما تقول في عثمان؟ قال: مجهز جيش العسرة، و المشتري بيتا في الجنة، و المقتول ظلما، قال:

____________

[ (1)] في الأصل: «رزقاها». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في ت: «أبو عبد اللَّه المقري».

[ (3)] في ت: «أي الطريق شئت».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (5)] في ت: «فاروق و خيرة اللَّه من خلقه».

9

فما تقول في علي [بن أبي طالب‏] [ (1)]؟ قال: أولهم إسلاما، تزوج بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم التي هي أحب بناته، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: كاتب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، قال: فما تقول في الخلفاء منذ كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم إلى الآن؟ قال: سيجزون بأعمالهم فمسرور و مثبور لست عليهم بوكيل، قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن محسنا فعند اللَّه ثواب إحسانه، و إن يكن مسيئا فلن يعجز اللَّه، قال: فما تقول فيّ؟

قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بثّ في علمك، قال: إذن أسوؤك و لا أسرك، قال: بث، قال: نعم ظهر منك جور في حد اللَّه و جرأة على معاصيه بقتلك أولياء اللَّه، قال: و اللَّه لأقطعنك قطعا، و لأفرقن أعضاءك عضوا عضوا، قال: إذن تفسد عليّ دنياي و أفسد عليك آخرتك، و القصاص أمامك، قال: الويل لك من اللَّه، قال: الويل لمن زحزح عن الجنة و أدخل النار، قال: اذهبوا به فاضربوا عنقه، قال سعيد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أستحفظكها [ (2)] حتى ألقاك يوم القيامة. و لما ذهبوا به ليقتل تبسم، فقال له الحجاج: مم ضحكت؟ قال: من جرأتك على اللَّه عز و جل، فقال الحجاج: أضجعوه للذبح، فأضجع فقال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ) [ (3)] فقال الحجاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة، فقرأ سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [ (4)] فقال: كبوه على وجهه، فقرأ سعيد: (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏) [ (5)] فذبح من قفاه.

قال: فبلغ ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري، فقال: اللَّهمّ يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثا حتى وقع الدود في بطنه فمات.

و في رواية أخرى: أنه عاش بعده خمسة عشر يوما.

أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد [ (6)] بن أحمد، قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه، قال: أخبرنا أبو حامد بن جبلة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «استحفظ بها». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] سورة: الأنعام، الآية: 79.

[ (4)] سورة: البقرة، الآية: 115.

[ (5)] سورة: طه، الآية: 55.

[ (6)] في الأصل: «أحمد بن أحمد». خطأ، و التصحيح من ت.

10

قال: حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، قال: حدّثنا سنيد [ (1)]، عن خلف بن خليفة، عن أبيه، قال:

شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا اللَّه، لا إله إلا اللَّه، ثم قال الثالثة [ (2)] فلم يتمها.

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحميدي، قال: أخبرنا القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب، قال: حدّثنا ابن دريد، قال: حدّثنا أبو عثمان، قال:

حدّثنا عبد اللَّه [ (3)]، قال: حدّثنا غسان بن مضر، قال: حدّثنا سعيد بن يزيد، قال:

كنا عند الحسن و هو متوار في بيت أبي خليفة، فجاءه رجل فقال له: يا أبا سعيد، قتل الحجاج سعيد بن جبير، فقال الحسن: لعنة اللَّه على الفاسق بن يوسف، ثم قال:

و اللَّه لو أن أهل المشرق و المغرب اجتمعوا على قتل سعيد لأدخلهم اللَّه النار.

و في مقدار عمر سعيد بن جبير ثلاثة أقوال: أحدها سبع و خمسون، و الثاني تسع و أربعون، و الثالث اثنان و أربعون.

535- عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، أبو معاوية التجيبي [ (4)]:

روى عن ابن عمر، و ابن عمرو، و أبي نضرة، و أبيه [ (5)] جمع له عبد العزيز بن مروان بين القضاء و الشرط بمصر [ (6)].

[و توفي في هذه السنة] [ (7)].

536- قيس بن أبي حازم، و اسمه حصين بن عوف، و يقال: اسمه عبد عوف بن الحارث، أبو عبد اللَّه الأحمسي: [ (8)]

أدرك الجاهلية، و قصد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم ليبايعه فوجده قد توفي.

____________

[ (1)] في الأصل: «سند». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في ت: «لا إله إلا اللَّه، ثم قال الثانية».

[ (3)] في الأصل: «عبيد اللَّه». و ما أوردناه من ت.

[ (4)] تقريب التهذيب 1/ 498، و تهذيب التهذيب 6/ 271، و الجرح و التعديل 5/ 284.

[ (5)] في الأصل: «و ابنه» و ما أوردناه من ت.

[ (6)] في الأصل: «عبد العزيز بن مروان بمصر القضاء و الشرط».

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (8)] تهذيب التهذيب 8/ 386، 387، و تقريب التهذيب 2/ 127، و الجرح و التعديل 7/ 102.

11

روى عن أبي بكر، و عمر، و عثمان، و علي، و طلحة، و الزبير، و سعد، و سعيد، و ابن مسعود، و بلال بن أبي رباح، و عمار، و خباب، و حذيفة، و جرير [في آخرين‏] [ (1)].

و قال أبو داود: روى عن تسعة من العشرة، [و لم يرو عن عبد الرحمن بن عوف، و قال غيره: روى عن العشرة] [ (2)].

قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ: ليس في التابعين من روى عن العشرة غيره.

و شهد النهروان مع علي رضي اللَّه عنه.

روى عنه أبو إسحاق، و إسماعيل بن خالد، و الأعمش و جاز المائة بسنين كثيرة فتغير. و توفي في هذه السنة، و قيل: في سنة ثمان و تسعين.

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

12

ثم دخلت سنة ست و تسعين‏

فمن الحوادث فيها أن قتيبة بن مسلم افتتح كاشغر، و غزا الصين [ (1)].

و فيها: أن الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان ليخلعه و يبايع لابنه عبد العزيز بعده.

و قد ذكرنا أن عبد الملك جعلهما وليي عهده، فأراد الوليد سليمان على ذلك فأبى، و عرض عليه أموالا كثيرة فأبى. فكتب إلى عماله أن يبايعوا عبد العزيز، و دعا الناس إلى ذلك فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج و قتيبة بن مسلم و خواص من الناس، فقال له عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا، و لو أجابوك لم آمن الغدر منهم بابنك، فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك فإن عليه طاعة فأرده على البيعة فإنه لا يقدر على الامتناع و هو عندك، و إن أبى كان الناس عليه.

فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم فأبطأ، فاعتزم الوليد على المسير إليه ليخلعه، فأمر الناس بالتأهب، فمرض فمات قبل أن يسير، فاستخلف سليمان.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 6/ 500، و البداية و النهاية 9/ 157، و الكامل لابن الأثير 4/ 289.

13

باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك [ (1)]

و يكنى أبا أيوب، بويع يوم موت أخيه الوليد، و كان بالرّملة، فوصل الخبر إليه بعد سبعة أيام، [فبويع‏]، و سار إلى دمشق، فورد على فاقة من الناس إليه لما كانوا فيه من جور الوليد و عسفه، فأحسن السيرة، و رد المظالم، و فك الأسرى، و أطلق أهل السجون، و اتخذ عمر بن عبد العزيز وزيرا، ثم عهد إليه.

و كان طويلا أسمرا أعرج أكولا [ (2)]، نشأ بالبادية عند أخواله، فلما قدم صعد المنبر، فخنقته العبرة، ثم قال:

ركب القلا به المطي فغافل‏ * * * عن سيره و مشمّر لم يغفل‏

لا بدّ أن يرد المقصر و الّذي‏ * * * حب النجاء محله لم تحلل‏

يا أيها الناس، رحم اللَّه من ذكر فاذّكر، فإن العظة تجلو العمى، إنكم أوطنتم أنفسكم دار الرحلة، و اطمأننتم إلى دار الغرور فألهاكم الأمل و غرتكم الأماني، فأنتم سفر و إن أقمتم، و مرتحلون و إن وطنتم، لا تشتكي مطاياكم ألم الكلال، و لا يتعبها دأب السير، ليل يدلج بكم و أنتم نائمون، و نهار يجد بكم و أنتم غافلون، لكم في كل يوم مشيع لا يستقبل، و مودع لا يؤوب. أ و لا ترون- رحمكم اللَّه- إلى ما أنتم فيه منافسون، و عليه مواظبون، و له مؤثرون، من كثير يفنى، و جديد يبلى، كيف أخذ به المخلفون له، و حوسبوا عليه [ (3)] دون المتنعم به، فأصبح كل منهم رهنا بما كسبت يداه. و ما اللَّه بظلام للعبيد.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 6/ 505، و البداية و النهاية 9/ 186.

[ (2)] ذكرت جميع المراجع أنه كان طويلا أبيض، و لم تذكر المراجع أنه أعرج.

[ (3)] في ت: «و حوسبوا به دون».

14

فيا أيها اللبيب المستبصر فيهم تذهب أيامك ضياعا؟ و عما قليل [ (1)] يقع محذورك، و ينزل بك ما اطرحته وراء ظهرك، فأسلمك عشيرك، و فرّ منك قريبك، فنبذت بالعراء، و انفضت عنك الدنيا.

فامهد لنفسك أيها المغرور، و اعمل قبل ركوب المضيق و سد الطريق، فكأني بك قد أدرجت في أطمارك، و أودعت ملحدك، و تصدع عنك أقربوك، و اقتسم مالك بنوك، و رجع القوم يرعون في زهرات موبق دنياك التي كدحت لها و ارتحلت عنها، فأنت كما قال الشاعر:

سترحل عن دنيا قليل بقاؤها * * * عليك، و إن تبقى فإنك فان‏

إن اللَّه عبادا فروا منه إليه فجالت فكرتهم في ملكوت العظمة، فعزفت عن الدنيا نفوسهم.

أيها الناس، أين الوليد و أبو الوليد وجد الوليد خلفاء اللَّه، و أمراء المؤمنين، و ساسة الرعية؟ أسمعهم الداعي، و قبض العارية معيرها، فاضمحل ما كان كأن لم يكن، و أتى ما كأنه لم يزل، و بلغوا الأمد، و انقضت بهم المدة، و رفضتهم الأيام و شمرتهم الحادثات، فسلبوا عن السلطنة، و نفضوا لدّة الملك، و ذهب عنهم طيب الحياة، فارقوا و اللَّه القصور و سكنوا القبور، و استبدلوا بلينة الوطاء خشونة الثرى، فهم رهائن التراب إلى يوم الحساب. فرحم اللَّه عبدا مهد لنفسه، و اجتهد لدينه، و أخذ بحظه، و عمل في حياته، و سعى لصلاحه، و عمل ليوم‏ (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [ (2)] أيها الناس، إن اللَّه عز و جل [ (3)] جعل الموت حتما سبق به حكمه، و نفذ به قدره، لئلا يطمع أحد في الخلود، و لا يطغي المعمر عمره، و ليعلم المخلف بعد المقدم أنه غير مخلد. و قد جعل اللَّه الدنيا دارا لا تقوم إلا بأئمة العدل، و دعاة الحق، و إن للَّه عبادا

____________

[ (1)] في الأصل: «و عن قليل يقع». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] سورة: آل عمران، الآية: 30.

[ (3)] في الأصل: «إن اللَّه جل و عز». و ما أوردناه من ت.

15

يملكهم أرضه، و يسوس بهم عباده، و يقيم بهم حدوده، و يجعلهم رعاة عباده، و قد أصبحت في هذا المقام الّذي أنا به غير راغب فيه، و لا منافس عليه، و لكنها إحدى الربق اعلقها الواهق مساغ المزدرد و مخرج النفس، و لو لا أن الخلافة تحفة من اللَّه كفر باللَّه [خلفها] [ (1)] لتمنيت أني كأحد المسلمين يضرب لي بسهمي.

فعلى رسلكم بني الوليد، فإنّي شبل عبد الملك، و ناب مروان، لا تظلعني حمل النائبة، و لا يفزعني صريف الأجفر. و قد وليت من أمركم ما كنت له مكفيا، و أصبحت خليفة و أميرا، و ما هو إلا العدل أو النار، و ليجدني الممارس لي [ (2)] أخشن من مضرس الكذاب، فمن سلك المحجة حذي نعل السلامة، و من عدل عن الطريق وقع في وادي الهلكة و الضلالة. ألا فإن اللَّه سائل كلا عن كل، فمن صحت نيته و لزم طاعته كان اللَّه له بصراط التوفيق، و برصد المعونة، و كتب له بسبيل الشكر و المكافأة، فاقبلوا العافية فقد رزقتموها، و الزموا السلامة فقد وجدتموها، فمن سلمنا منه سلم منا، و من تاركنا تاركناه، و من نازعنا نازعناه.

فارغبوا إلى اللَّه في صلاح نياتكم و قبول أعمالكم، و طاعة سلطانكم، فإنّي و اللَّه غير مبطل حدا، و لا تارك له حقا حتى أنكثها عثمانية عمرية، و قد عزلت كل أمير كرهته رعيته، و وليت أهل كل بلد من أجمع عليه خيارهم و اتفقت عليه كلمتهم، و قد جعلت الغزو أربعة أشهر، و فرضت لذرية الغازين سهم المقيمين، و أمرت بقسمة صدقة كل مصر في أهله إلّا سهم العامل عليها، و في سبيل اللَّه، و ابن السبيل، فإن ذلك لي و أنا أولى بالنظر فيه، فرحم اللَّه امرأ عرف منا سهو المغفل عن مفروض حق أو واجب فأعان برأي، و أنا أسأل اللَّه العون على صلاحكم فإنه مجيب السائلين، جعلنا اللَّه و إياكم ممن ينتفع بموعظته، و يوفي بعهده فإنه سميع الدعاء، و أستغفر اللَّه لي و لكم.

ذكر طرف من أخباره و سيرته [ (3)]

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، و محمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] «لي»: ساقطة من ت.

[ (3)] في الأصل: «أخباره و سيره». و ما أوردناه من ت. و انظر ترجمته في: تاريخ الطبري 6/ 546، و الكامل 4/ 311، و مروج الذهب 3/ 184. و فوات الوفيات 2/ 14.

16

عبد الجبار، قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: أخبرنا ابن أبي سعيد، قال: حدّثني علي بن محمد بن سليمان الهاشمي، قال: حدّثني عبد اللَّه بن سليمان، عن سليمان بن عبد اللَّه، عن أبيه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث، قال:

كان سليمان بن عبد الملك أكولا، و كانت بينه و بين عبد اللَّه بن عبد اللَّه وصلة.

قال: قال لنا سليمان يوما: إني قد أمرت قيم بستان لي أن يحبس علي الفاكهة و لا يجني منها شيئا حتى يدرك، فاغدوا عليّ مع الفجر- يقول لأصحابه الذين كان يأنس بهم- لنأكل الفاكهة في برد النهار. فغدونا في ذلك الوقت، و صلى الصبح و صلينا، فدخلنا معه فإذا الفاكهة متهدلة على أغصانها، و إذا كل فاكهة مختارة قد أدركت كلها، فقال:

كلوا. ثم أقبل عليها و أكلنا بمقدار الطاقة، و أقبلنا نقول: يا أمير المؤمنين، هذا العنقود، فيخرطه في فيه، يا أمير المؤمنين هذه التفاحة، و كلما رأينا شيئا نضيجا أومأنا إليه فيأخذه فيأكله حتى ارتفع الضحى و ارتفع النهار ثم أقبل على قيم البستان، فقال:

ويحك يا فلان إني قد استجعت فهل عندك شي‏ء تطعمنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين عناق حولية حمراء، قال: آتني بها، و لا تأتني معها بخبز. فجاء بها على خوان لا قوائم له و قد ملأت الخوان، فأقبل يأخذ العضو فيجي‏ء معه فيخرطه في فيه و يلقي العظم حتى أتى عليها، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل فأكثر، ثم قال للقيم: ويحك ما عندك شي‏ء تطعمنيه؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين دجاجتان بحريتان قد عميتا شحما، قال: ائتني بهما، فأتى بهما ففعل بهما كما فعل بالعناق، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل مليا، ثم قال للقيم: هل عندك شي‏ء تطعمنيه فإنّي قد جعت؟ قال: عندي سويق [كأنه قطع الأوتار] [ (1)]، و سمن، و سكر. قال: أ فلا أعلمتني قبل هذا به، ائتني به و أكثر، فأتاه بقعب يقعد فيه الرجل و قد ملأه من السويق و قد خلطه بالسكر و صب عليه السمن، و أتى بجرّة من ماء بارد و كوز، فأخذ القعب على كفه و أقبل القيم يصب عليه الماء [فيحركه و يأكله- أو قال‏] [ (2)]- و يشربه حتى كفاه [ (3)] على وجهه فارغا، ثم عاد للفاكهة، فأكل مليا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «فصب عليه الماء و هو يشرب، لم يزل كذلك حتى ألقاه.

17

حتى علت الشمس [ (1)]، و دخل و أمرنا أن ندخل إلى مجلسه، فدخلنا و جلسنا، فما مكث أن خرج علينا، فلما جلس قام كبير الطباخين حياله يؤذنه بالغداء، فأومأ إليه أن ائت بالغداء، فأتاه به فوضع يده فأكل، فما فقدنا من أكله شيئا.

أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا ثابت بن بندار، و أحمد بن علي بن سوار، و أبو الفضل محمد بن عبد اللَّه الناقد، قالوا: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزقه، قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد اللَّه السيرافي، قال:

حدّثني محمد بن يحيى، عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال:

كان سليمان بن عبد الملك في نادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء، فجاءت به جارية له، فبينا هي تصب عليه إذ استمدها بيده و أشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر، فأمرها فتنحت و استمع هو الصوت، فإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى [إذا] [ (2)] فهم ما يغنى به من الشعر، ثم دعا جارية من جواريه غيرها، فتوضأ.

فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء و من كان يسمعه و لين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك في التليين و التحليل و التسهيل، و ذكروا من كان يسمعه من أهل المروءات و سروات [ (3)] الناس، ثم قال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقال رجل من القوم: عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، فقال:

أين منزلك من العسكر، فأومأ إلى الناحية التي كان فيها الغناء. فقال سليمان: يبعث إليهما، فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟

قال: سمير، قال: فسأله عن الغناء كيف هو فيه؟ قال: حاذق محكم، قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: و في أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحية التي سمع فيها الصوت، قال: فما غنيت؟ قال: فذكر الشعر الّذي سمع سليمان، فأقبل سليمان، يقول: هدر الجمل فضبعت [ (4)] الناقة، وهب التيس [ (5)] فشكرت الشاة، و هدر

____________

[ (1)] في الأصل: «غلبته الشمس». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «سرات». و ما أوردناه من ت.

[ (4)] في ت: «فصنعت».

[ (5)] في ت: «ونب التيس».

18

الحمام فرافت، [ (1)] و غنى الرجل فطربت المرأة. ثم أمر به فخصي. و سأل عن الغناء أين أصله، و أكثر ما يكون؟ قالوا: بالمدينة و هو في المخنثين و هم الحذاق به و الأئمة فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة و هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أخص [ (2)] من قبلك من المخنثين.

قال الزبير: و أخبرني محمد بن يحيى بن موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه مثله.

و كان ابن أبي عبلة و سليمان بن حرب يقصان عند سليمان بن عبد الملك.

و في هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من رمضان.

و كانت إمرته عليها ثلاث سنين. و قيل: سنتين إلا سبع ليال.

و فيها: عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق. [ (3)] [و أمر عليها يزيد بن المهلب.

و فيها: جعل سليمان صالح بن عبد الرحمن على الخراج‏] [ (4)] و أمره أن يقتل آل أبي عقيل و يبسط عليهم العذاب و كان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب.

و فيها قتل قتيبة بن مسلم بخراسان [ (5)] و سبب قتله أن الوليد لما أراد خلع سليمان وافقه قتيبة، فلما مات الوليد خاف قتيبة من سليمان، و حذر أن يولي يزيد بن المهلب خراسان، فكتب إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة، و يعزيه على الوليد [ (6)]، و يعلمه بلاءه‏

____________

[ (1)] في الأصل: «فزافت». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «أحضر». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] تاريخ الطبري 6/ 506.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: كتب على هامش الأصل هكذا: «و فيها جعل سليمان يزيد بن أبي مسلم على العراق». و التصحيح من ت، و الطبري 6/ 506.

[ (5)] تاريخ الطبري 6/ 506.

[ (6)] في الأصل: «و يعزيه بالوليد». و ما أوردناه من ت و الطبري.

19

و طاعته لعبد الملك و الوليد، و أنه له على مثل ما كان لهما من الطاعة و النصيحة، إن لم يعزله عن خراسان. ثم كتب كتابا يعلمه فيه فتوحه و عظم قدره عند ملوك العجم، و هيبته في صدورهم، و يذم المهلب و آل المهلب، و يحلف باللَّه عز و جل لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه. ثم كتب كتابا ثالثا [فيه خلعه، و بعث بالكتب الثلاثة] [ (1)] مع رجل من باهلة، و قال: ادفع هذا الكتاب إليه فإن قرأه و ألقاه إلى يزيد فادفع هذا الكتاب إليه، و إن قرأ الأول و لم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين.

فقدم الرسول فدخل على سليمان و عنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم رمى به إلى يزيد، ثم دفع إليه الكتاب الثاني فقرأه ثم رمى به إلى يزيد، فأعطاه الثالث فتمعر لونه [ (2)]، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده، ثم أمر بالرسول إلى دار الضيافة، فلما أمسى دعا به فأعطاه دنانير و قال: هذه جائزتك، و هذا عهد صاحبك على خراسان فسر، و هذا رسولي معك بعهده. فخرج فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة لسليمان، و كان قتيبة قد خلعه و دعا الناس إلى خلعه، فكره الناس خلع سليمان، فصعد قتيبة المنبر و سب الناس لكونهم لم يوافقوه، و اجتمعوا على خلافه و خلعه، ثم قتلوه.

و في هذه السنة عزل سليمان خالد بن عبد اللَّه القسري عن مكة و ولاها طلحة بن داود الحضرميّ [ (3)].

و فيها: غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الصائفة ففتح حصنا يقال له: حصن عوف.

و فيها: حج بالناس [ (4)] أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، و هو الأمير [ (5)]

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] أي: تغير لونه.

[ (3)] تاريخ الطبري 6/ 522.

[ (4)] في ت: «و حج بالناس في هذه السنة».

[ (5)] في ت: «و هو كان الأمير».

20

على المدينة، و كان على مكة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد. و على حرب العراق و صلاتها يزيد بن المهلب، و على خراجها صالح بن عبد الرحمن، و على البصرة سفيان بن عبد اللَّه الكندي من قبل يزيد بن المهلب، و على قضاء البصرة عبد الرحمن ابن أذينة، و على قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، و على حرب خراسان [ (1)] وكيع بن أبي بردة [ (2)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

537- إبراهيم بن يزيد بن الأسود، أبو عمران النخعي: [ (3)]

كان إماما في الفقه، يعظمه الأكابر، و كان سعيد بن جبير يقول: أ تستفتوني و فيكم إبراهيم.

و كان شديد الهيبة، يهاب كما يهاب الأمير، و كان يتخوف من الفتوى و يحتقر نفسه و يقول: احتيج إليّ. و يكره أن يستند إلى السارية، و لا يتكلم حتى يسأل و حمل الناس عنه العلم و هو ابن ثماني عشرة سنة. و كان يصوم يوما و يفطر يوما.

أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم، قال: سمعت أبا علي الحسين بن علي بن يزيد الحافظ، يقول: سمعت أبا عبد الرحمن محمد بن عبد اللَّه البيروتي، يقول: حدثنا محمد بن أحمد بن مطر بن العلاء، قال: حدّثني محمد بن أحمد بن يوسف بن بشير القرشي، قال: حدّثني الوليد بن محمد الموقّري [ (4)]، قال: سمعت محمد بن مسلم الزهري، يقول:

قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين [قدمت‏] [ (5)] يا زهري؟

____________

[ (1)] في ت: «على حربها».

[ (2)] كذا في الأصلين، و في الطبري و البداية: «وكيع بن أبي سود».

[ (3)] طبقات خليفة 157، و طبقات ابن سعد 6/ 270، و الجرح و التعديل 1/ 1/ 144، و التاريخ الكبير 1/ 1/ 333، و حلية الأولياء 4/ 219.

[ (4)] في ت: «الموقدي».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

21

قلت: من مكة، فقال: من خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال:

فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: و بم سادهم؟ قلت: بالديانة و الرواية، قال: إن أهل الديانة و الرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت:

طاوس بن كيسان، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: و بم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي. قال: فمن يسود أهل مصر؟

قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، [عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل‏] [ (1)]، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي [ (2)]، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسين بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، و اللَّه ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر و العرب تحتها، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر اللَّه و دينه، فمن حفظه ساد، و من ضيعه سقط.

أخبرنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النقور، قال:

حدّثنا أحمد بن محمد بن عمران، قال: حدّثنا البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار، قال: حدّثنا محمد بن طلحة، عن ميمون بن أبي حمزة، عن إبراهيم أنه قال:

قد تكلمت و لو وجدت بدّا ما تكلمت، و إن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء.

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن عثمان الصوفي [ (3)]، قال: حدّثنا أبو أحمد الأنباري، قال: حدّثنا أبي، قال:

حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الكتاني، قال: حدّثنا الفضل بن دكين، قال: حدّثنا الأعمش، قال:

خرجت أنا و إبراهيم النخعي و نحن نريد الجامع، فلما صرنا في خلال طرقات الكوفة قال لي: يا سليمان، قلت: لبيك، قال: هل لك أن تأخذ في خلال طرقات‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من هامش الأصل.

[ (2)] «قلت: من الموالي»: ساقطة من ت.

[ (3)] في ت: «الصيرفي».

22

الكوفة كي لا نمر بسفهائها فينظرون إلى أعور و أعمش فيغتابونا و يأثمون؟ قلت: يا أبا عمران، و ما عليك في أن نؤجر و يأثمون؟ قال: يا سبحان اللَّه، بل نسلم و يسلمون خير من أن نؤجر و يأثمون.

أخبرنا محمد بن عبد الباقي [ (1)]، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال:

حدّثنا أبو نعيم الأصفهاني، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: [حدّثنا] [ (2)] أحمد بن روح، قال: حدّثنا حماد بن المؤمل، قال: حدّثني إسحاق بن إسماعيل، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن عمران الخياط، قال:

دخلنا على إبراهيم النخعي نعوده و هو يبكي، فقلنا: ما يبكيك؟ قال: أنتظر ملك الموت، لا أدري يبشرني بالجنة أم بالنار.

أدرك إبراهيم النخعي أبا سعيد الخدريّ، و عائشة، و عامة ما يروي عن التابعين كعلقمة، و مسروق، و الأسود. و توفي هذه السنة و هو ابن تسع و أربعين سنة. و قيل: ابن نيف و خمسين سنة [ (3)].

و كان الشعبي يقول: و اللَّه ما ترك بعده مثله.

538- عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان:

أمه حفصة بنت عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، توفي بمصر في هذه السنة [ (4)].

و هذا الرجل تزوج إليه أربعة من الخلفاء، كان له بنت اسمها عبدة تزوجها الوليد بن عبد الملك، و بنت تكنى أم سعيد تزوجها يزيد بن عبد الملك، و رقية تزوجها هشام بن عبد الملك، و بنت اسمها عائشة تزوجها سليمان بن عبد الملك.

539- قتيبة بن مسلم، [أبو حفص‏] [ (5)]:

كان يروي عن أبي سعيد الخدريّ، و الشعبي. تولى خراسان سنة ست و ثمانين،

____________

[ (1)] في الأصل: «محمد بن عبد الباقي بن أحمد» خطأ.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] طبقات خليفة 259، و التاريخ الكبير للبخاريّ 5/ 466، و الجرح و التعديل 5/ 537، و تاريخ الإسلام 4/ 19، و تهذيب التهذيب 5/ 338.

[ (4)] «في هذه السنة»: سقطت من ت.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: جاءت في الأصل بعد «الشعبي» و ترجمته في: وفيات الأعيان 1/ 428، و تاريخ‏

23

و غزا بها غزوات إلى أن مات الحجاج، ثم قتله وكيع بن أبي الأسود الحنظليّ بفرغانة، و قد سبق خبره.

540- الوليد بن عبد الملك بن مروان [ (1)]:

توفي يوم السبت منتصف جمادى الآخرة [سنة ست و تسعين‏] [ (2)] بدير مران و حمل إلى دمشق فدفن بها في مقابر الفراديس، و صلى عليه عمر بن عبد العزيز، لأن أخاه سليمان الّذي كان وليّ عهده كان غائبا بالرملة. و عاش اثنتين و خمسين سنة. و قيل: اثنتين و أربعين. و قيل: خمسا و أربعين.

قال الزهري: كانت خلافته عشر سنين إلا شهرا.

و قال أبو معشر: تسع سنين و أربعة أشهر.

و قال الواقدي: و ثمانية أشهر.

و قال هشام بن محمد الكلبي: كانت خلافته- يعني الوليد- ثماني سنين و ثلاثة أشهر.

____________

[ ()] الطبري 6/ 506، و ابن خلدون 3/ 59، 66، و خزانة البغدادي 3/ 657، و رغبة الآمل 3/ 6، 6/ 118.

[ (1)] مروج الذهب 3/ 165، و تاريخ الطبري 6/ 495، و تاريخ الخميس 2/ 211، 314.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

24

ثم دخلت سنة سبع و تسعين‏

فمن الحوادث فيها تجهيز سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية، و استعمال ابنه داود على الصائفة.

و فيها: غزا مسلمة أرض الروم ففتح الحصن الّذي كان الوضاح افتتحه.

و فيها: غزا عمر بن هبيرة الفزاري أرض الروم، فشتى بها [ (1)].

و فيها: ولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان [ (2)]

و كان السبب في ذلك أن سليمان لما ولى يزيد بن المهلب حرب العراق و الصلاة و خراجها، فنظر يزيد فإذا الحجاج قد أخرب العراق، فقال في نفسه: متى أخذت الناس بالخراج و عذبتهم عليه صرت مثل الحجاج، و متى لم آت سليمان بمثل ما كان يأتي به الحجاج لم يقبل مني. فجاء يزيد إلى سليمان فقال: أدلك على رجل بصير بالخراج توليه؟ صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم، فقبل منه. فأقبل يزيد إلى العراق و قد قدم قبله عبد الرحمن، فنزل واسط، فخرج الناس يتلقون يزيد، و لم يخرج صالح حتى قرب يزيد، و كان صالح لا ينفذ أمر يزيد و يضيق عليه و يعاتبه [ (3)] في كثرة إنفاقه، و يقول: هذا لا يرضي أمير المؤمنين.

____________

[ (1)] كذا في الأصل و الطبري، و في ت: «فسبى بها».

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 253.

[ (3)] في الأصل: «و يعتبه». و في ت: «و يعيبه».

25

فبينا هو كذلك إذ جاء كتاب سليمان بتولية يزيد خراسان، و كان قد وليها وكيع بن أبي الأسود بعد قتل قتيبة تسعة أشهر أو عشرة، فقدمها يزيد واليا عليها، و كان جوادا.

و في هذه السنة حج بالناس [ (1)] سليمان بن عبد الملك، و حج الشعراء معه، فلما صدر من الحج عزل طلحة بن داود الحضرميّ عن مكة، و كان قد عمل عليها ستة أشهر، و ولي عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، و كان عمال الأمصار هم العمال في السنة التي قبلها، إلا خراسان فإن عاملها كان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة [ (2)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

541- طلحة بن عبد اللَّه بن عوف [ابن أخي عبد الرحمن بن عوف‏] يكنى أبا محمد: [ (3)]

ولي المدينة، و كان من سراة [ (4)] قريش و أجوادهم، و مدحه الفرزدق و مدح عشرة من أهل المدينة، فأعطاه طلحة ألف دينار، فلم يتجاسر أحد على نقيصة الفرزدق لئلا يتعرضوا للسانه فأتعب الناس.

و توفي طلحة في هذه السنة عن اثنتين و سبعين [ (5)] سنة.

____________

[ (1)] في ت: «و حج بالناس في هذه السنة».

[ (2)] «ابن أبي صفرة»: ساقطة من ت ..

[ (3)] طبقات ابن سعد 5/ 119، و التاريخ الكبير للبخاريّ 4/ 3074، و القضاة لوكيع 1/ 120، و الجرح و التعديل 4/ 2078، و سير أعلام النبلاء 4/ 174، و تاريخ الإسلام 4/ 6، و تهذيب التهذيب، و التقريب 1/ 379.

[ (4)] سراة، جمع سريّ و من السّرو و هو المروءة و الشرف.

[ (5)] في ت: «تسعين سنة». خطأ.

26

ثم دخلت سنة ثمان و تسعين‏

فمن الحوادث فيها غزو سليمان القسطنطينية

فنزل دابق و وجه أخاه مسلمة إليها و أمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره، فشتى بها و صاف. و لما دنا من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدّين [ (1)] من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، فأمر بالطعام فألقي ناحية مثل الجبال، ثم قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئا، أغيروا في أرضهم. و عمل بيوتا من خشب، فشتى فيها، و زرع الناس، و مكث ذلك الطعام [ (2)] في الصحراء لا يكنّه شي‏ء، و الناس يأكلون ما أصابوا من الغارات، ثم أكلوا من الزرع، و أقام مسلمة بالقسطنطينية قاهرا لأهلها، معه وجوه أهل الشام: خالد بن معدان، و عبد اللَّه بن أبي زكريا الخزاعي، و مجاهد بن جبير، حتى أتاه موت سليمان.

و في هذه السنة بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب [ (3)]

و جعله ولي عهده، و كان عبد الملك قد أخذ على الوليد و سليمان أن يبايعا لابن عاتكة، و لمروان بن عبد الملك من بعده، فمات مروان في خلافة سليمان في منصرفه‏

____________

[ (1)] المد: مكيال ضخم لأهل الشام و مصر.

[ (2)] في الأصل: «ذلك العام». و ما أوردناه من ت و الطبري.

[ (3)] تاريخ الطبري 6/ 531.

27

من مكة، فبايع سليمان حين مات لأيوب، و أمسك عن يزيد و تربص [به‏] [ (1)]، و رجا أن يهلك، فهلك و أيوب ولي عهده.

و فيها: فتحت مدينة الصقالبة.

و فيها: غزا الوليد بن هشام، فأصاب ناسا من نواحي الروم فأسر منهم خلقا كثيرا.

و فيها غزا يزيد بن المهلب جرجان و طبرستان [ (2)]

في مائة ألف مقاتل سوى الموالي و المتطوعين. و جاء فنزل بدهستان فحاصرها و منع عنهم المواد، فبعث إليه ملكهم: إني أريد أن أصالحك على أن تؤمنني على نفسي و أهل بيتي و مالي، و أدفع إليك المدينة و ما فيها و أهلها. فصالحه و وفى له و دخل المدينة، و أخذ ما كان فيها من الأموال و الكنوز، و من السبي ما لا يحصى، و قتل أربعة عشر ألف تركي صبرا، و كتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك، ثم خرج حتى أتى جرجان، و قد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف، و مائتي ألف، و ثلاثمائة ألف، و قد كانوا صالحوا سعيد بن العاص، ثم امتنعوا و كفروا، فلم يأت بعد سعيد إليهم أحد، و منعوا ذلك الطريق فلم يسلكه أحد إلا على وجل [و خوف‏] [ (3)] منهم.

فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح، فاستخلف رجلا. و دخل طبرستان، فعرض ملكها عليه الصلح [ (4)]، فصالحه على سبعمائة ألف درهم- أو أربعمائة ألف درهم- نقدا، و ثلاثمائة ألف مؤجلة، و أربعمائة ألف حمار موقرة زعفران، و أربعمائة رجل على رأس كل رجل برنس، و على البرنس [ (5)] طيلسان و جام من فضة و سرقة من حرير.

و كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفع إليه أنه أخذ خريطة فسأله عنها، فأتاه بها، فقال: هي لك، فقال: لا حاجة لي فيها، فقال القطامي: [ (6)]

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 532.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (4)] «فاستخلف رجلا ... عليه الصلح»: سقطت من ت.

[ (5)] في الأصل: «كل رجل ترس، و على الترس». و ما أوردناه من ت و الطبري.

[ (6)] في الطبري بعدها: «و يقال سنان بن مكحل النميري».

28

لقد باع شهر دينه بخريطة * * * فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر؟!

و كان فيما أصاب يزيد بن المهلب بجرجان تاج فيه جوهر، فقال: أ ترون أحدا يزهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع فقال: خذ هذا التاج فهو لك، قال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمت عليك إلا أخذته، فأخذه، و خرج فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به، فلقي سائلا فدفعه إليه، فأخذه الرجل السائل، فأتى به يزيد، فأخذ يزيد التاج و عوض السائل مالا.

و كان سليمان يقول ليزيد بن المهلب كلما رأى قتيبة يفتح حصنا: أما ترى ما يصنع اللَّه عز و جل على يدي قتيبة؟ فيقول يزيد: الشأن في جرجان. فلما ولي لم يكن له همة غير جرجان، فجاء فصالحوه على ما ذكرنا.

ثم إنهم غدروا بجنده، فقتلوا منهم، و نقضوا العهد، فأعطى اللَّه عهدا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف [ (1)] حتى يطحن بدمائهم و يختبز من ذلك الطحين و يأكل.

فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منهم على شي‏ء، و لا يعرف لها مأتى إلا من وجه واحد، فكانوا يخرجون فيقاتلونهم و يرجعون إلى حصنهم، فدله رجل على [طريق‏] [ (2)] آخر يشرف عليهم، فبعث معه جندا، و نهض هو لقتالهم [ (3)]، فركبهم المسلمون، فأعطوا بأيديهم و نزلوا على حكمه، فسبى ذراريهم و قتل مقاتليهم و صلبهم على الشجر عن يمين الطريق و يساره، و قاد منهم اثني عشر ألفا إلى الوادي فقتلوا فيه، فأجرى فيه دماءهم [ (4)] و أجرى فيه الماء و عليه أرحاء، فطحن و اختبز و أكل، و بنى مدينة جرجان، و لم تكن قبل ذلك مدينة، و استعمل عليهم جهم بن زحر الجعفيّ، و رجع إلى خراسان، و كتب يزيد إلى سليمان [ (5)]:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن اللَّه تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما، و صنع للمسلمين أحسن الصّنع، فلربنا الحمد [ (6)] على نعمه و إحسانه،

____________

[ (1)] في ت: «لا يرفع السيف عنهم».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «و نهض هو لنيلهم».

[ (4)] في الأصل: «فأجرى فيهم» و ما أوردناه من ت و الطبري.

[ (5)] نص الكتاب في تاريخ الطبري 6/ 544.

[ (6)] في الأصل: «فلزمنا الحمد». و ما أوردناه من ت و الطبري.

29

و أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان و طبرستان، و قد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف، و كسرى بن قباد، و كسرى بن هرمز، و أعيا الفاروق عمر بن الخطاب، و ذا النورين و من بعدهما، حتى فتح اللَّه سبحانه ذلك لأمير المؤمنين، كرامة من اللَّه عز و جل له، و زيادة في نعمه عليه، و قد صار عندي من خمس ما أفاء اللَّه عز و جل على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حقّ حقه من الفي‏ء و الغنيمة سبعة [ (1)] آلاف ألف، و أنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء اللَّه.

و في هذه السنة كثرت الزلازل و دامت ستة أشهر. و فتح حصن المرأة مما يلي ملطية.

و فيها: حج بالناس [ (2)] عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، و هو يومئذ أمير على مكة. و كان عمال الأمصار هم الذين كانوا في السنة التي قبلها، غير أن عامل ابن المهلب على البصرة كان سفيان بن عبد اللَّه الكندي.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

542- عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، و يكنى أبا عبد اللَّه، و هو حليف بني زهرة بن كلاب: [ (3)]

روى عن أبي هريرة، و ابن عباس، و أبي طلحة، و سهل بن حنيف، و زيد بن خالد، و أبي سعيد الخدريّ، و عائشة.

و كان ثقة فقيها، و هو أحد الفقهاء السبعة و من أكابرهم، و هو مع ذلك شاعر فصيح. و جده عتبة بن مسعود أخو عبد اللَّه بن مسعود لأبويه، قديم الإسلام و لم يرو عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم شيئا، و مات في خلافة عمر. و أما ابنه عبد اللَّه فإنه نزل الكوفة و مات بها في خلافة عبد الملك. و مات عبيد اللَّه بالمدينة في سنة ثمان و تسعين. و قيل: في سنة تسع. و كان الزهري يسميه بحرا.

____________

[ (1)] كذا في الأصول، و في الطبري: «ستة ألف ألف».

[ (2)] في ت: «و حج بالناس في هذه السنة».

[ (3)] الأغاني 9/ 162، تذكرة الحفاظ 1/ 74، الوفيات 1/ 271، و تهذيب التهذيب 7/ 23، و صفة الصفوة 2/ 57، و حلية الأولياء 2/ 188.

30

قال عمر بن عبد العزيز: لو أدركني إذ وقعت فيما وقعت فيه. و كان عمر يقول: من لي بليلة من ليالي عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بألف دينار. و كان قد ذهب بصره، [و قال شعرا] [ (1)].

روى عبد الرحمن بن أبي الزناد [ (2)]، عن أبيه، قال [ (3)]: قدمت المدينة امرأة من هذيل، و كانت جميلة جدا، فرغب الناس فيها فخطبوها و كادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود:

أحبك حبا لا يحبك مثله‏ * * * قريب و لا في العاشقين بعيد

أحبّك حبا لو شعرت ببعضه‏ * * * لجدت و لم يصعب عليك شديد [ (4

و حبك يا أم الصبي مدلّهي‏ * * * شهيدي أبو بكر فنعم شهيد

و يعرف وجدي القاسم بن محمد * * * و عروة ما ألقى بكم و سعيد

و يعلم ما أخفي سليمان علمه [ (5)] * * * و خارجة يبدي بنا و يعيد

14/ أ/ متى تسألي عما أقول و تخبري‏ * * * فلله عندي طارف و تليد

فقال سعيد بن المسيب: أما أنت و اللَّه قد أمنت أن تسألنا و ما طمعت إن سألتنا أن نشهد لك بزور.

قال الزبير: هؤلاء الذين استشهدهم عبيد اللَّه و هو معهم فقهاء المدينة السبعة الذين أخذ عنهم الرأي.

توفي في هذه السنة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «عن عبد الرحمن». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] الخبر في الأغاني 9/ 173 (دار الكتب العلمية).

[ (4)] في الأغاني:

أحبك حبا لو علمت ببعضه‏ * * * لجدت و لم يصعب عليك شديد

و حبك يا أم الصبي مدلهي‏ * * * شهيدي أبو بكر و أي شهيد

و يعلم و جدي القاسم بن محمد * * * و عروة ما ألقى بكم و سعيد

و يعلم ما أخفي سليمان علمه‏ * * * و خارجة يبدي لنا و يعيد

متى تسألي عما أقول فتخبري‏ * * * فللحب عندي طارف و تليد

[ (5)] في الأصل: «سليمان خامسا»، و ما أوردناه من ت.

31

ثم دخلت سنة تسع و تسعين‏

فمن الحوادث فيها وفاة سليمان بن عبد الملك [ (1)] و خلافة عمر بن عبد العزيز.

باب ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز [ (2)]

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، و يكنى أبا حفص، و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.

روى عن ابن عمر، و أنس، و عبد اللَّه بن جعفر، و عمر بن أبي سلمة، و السائب بن يزيد. و أرسل الحديث عن جماعة من القدماء، و روى عن خلق [كثير] [ (3)] من التابعين، و كان عالما دينا.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 6/ 546، و الكامل 4/ 311.

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 550، 565، و مروج الذهب 3/ 192، و الكامل 4/ 312، 327، و البداية و النهاية 9/ 206، 214 و الأغاني 9/ 292.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

32

أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه، قال: أخبرنا سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدّثنا محمد بن سعد [قال: أخبرنا أحمد بن أبي إسحاق، قال: حدّثنا إبراهيم بن عياش، قال: حدّثني ضمرة] [ (1)]، قال: قال ابن شوذب:

لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي فإنّي أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح. فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.

و ما زال عمر يميل إلى الخير و الدين مع أنه ولي الإمارة، و كانوا يفزعون إليه في أحوالهم. و لما مرض سليمان كتب العهد لابنه أيوب، و لم يكن بالغا، فرده عن ذلك رجاء بن حيوة فقال له: فما ترى في ابني داود، فقال له: هو بقسطنطينية، و أنت لا تدري أ حي هو أم ميت، قال: فمن؟ فقال: رأيك يا أمير المؤمنين، قال: كيف ترى في عمر؟

فقال: أعلمه و اللَّه فاضلا خيرا [ (2)] مسلما، فقال: لئن وليته و لم أولّ أحدا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة، و لا يتركونه، فكتب له، و جعل من بعده يزيد، و ختم الكتاب، و أمر أن يجمع أهل بيته، و أمر رجاء بن حيوة أن يذهب بكتابه إليهم، و أمرهم أن يبايعوا من فيه [ (3)]، ففعلوا، ثم دخلوا على سليمان و الكتاب بيده، فقال: هذا عهدي فاسمعوا له و أطيعوا و بايعوا.

قال رجاء: فجاءني عمر بن عبد العزيز، فقال: يا رجاء، قد كانت لي بسليمان حرمة و أنا أخشى أن يكون قد أسند إليّ من هذا الأمر شيئا، فإن كان فأعلمني أستعفيه، فقال رجاء: و اللَّه لا أخبرك بحرف، فمضى [قال:] [ (4)] و جاءني هشام فقال: لي حرمة و عندي شكر فأعلمني، فقلت: لا و اللَّه لا أخبرك [ (5)] [بحرف‏] [ (6)]. فانصرف هشام و هو يضرب بيد على يد و يقول: فإلى من؟

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ابن سعد 5/ 243.

[ (2)] في الأصل: «خيارا». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «فليبايعوا لمن فيه». و ما أوردناه من ت.

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (5)] في الأصل: «لا أخبرتك». و ما أوردناه من ت.

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

33

فلما مات سليمان جددت البيعة قبل أن يخبر بموته، فبايعوا، ثم قرأ الكتاب، فلما ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام: و اللَّه لا نبايعه، فقال له رجاء: إذن و اللَّه أضرب عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه و يسترجع إذ خرج عنه الأمر، و عمر يسترجع إذ وقع فيه.

ثم جي‏ء بمراكب الخلافة، فقال عمر: قربوا لي بغلتي، ثم أنشد يقول: [ (1)]

و لو لا التّقى ثم النّهى خشية الردى‏ * * * لعاصيت في حب الهوى كل زاجر

قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى‏ * * * له صبوة أخرى الليالي الغوابر

ثم قال: إن شاء اللَّه، ثم خطب فقال: يا أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، و لا مشورة. و إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين و رضينا بك فلي أمرنا باليمن و البركة. فقال: أوصيكم بتقوى اللَّه، فإن تقوى اللَّه خلف من كل شي‏ء و ليس من تقوى اللَّه خلف، فاعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه اللَّه أمر دنياه، و أصلحوا سرائركم يصلح الكريم علانيتكم، و أكثروا ذكر الموت و أحسنوا الاستعداد له قبل أن ينزل بكم، و إن امرأ لا يذكر من آبائه فيما بينه و بين آدم أبا حيا لمعرق [ (2)] له في الموت.

ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت، و الثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت و أمر ببيعها و إدخال ثمنها في بيت المال ورد المظالم.

أخبرنا علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاوي، قال: أخبرنا عبد الملك [بن بشران‏] [ (3)]، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه بن مخلد، قال: حدّثني سهل بن عيسى المروزي، قال: حدّثني القاسم بن محمد بن الحارث المروزي، قال: حدّثني سهل بن يحيى بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال:

لما بلغ الخوارج سيرة عمر و ما رد من المظالم قالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 5/ 250.

[ (2)] أي: صار فيه عريقا و له به صلة.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

34

الرجل. و بلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه: إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، و عبت عليهم و سرت بغير سيرتهم بغضا لهم و سبى لمن بعدهم من أولادهم، قطعت ما أمر اللَّه به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم، فأدخلتها في بيت المال جورا و عدوانا، و لن تترك على هذا، فلما قرأ كتابه كتب إليه:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين و الحمد للَّه رب العالمين، أما بعد، فإنني بلغني كتابك و سأجيبك بنحو منه: أما أول شأنك ابن الوليد كما زعم فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص و تدخل في حوانيتها، ثم اللَّه أعلم بما اشتراها ذبيان من في‏ء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس المحمول و بئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، أ تزعم أني من الظالمين لما حرمتك و أهل بيتك في‏ء اللَّه عز و جل الّذي فيه حق القرابة و المساكين و الأرامل، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك، و لم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لك و ويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، و كيف ينجو أبوك من خصمائه.

و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعمل الحجاج بن يوسف يسفك الدم الحرام، و يأخذ المال الحرام. و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعمل قرة بن شريك أعرابيا جافيا على مصر أذن له في المعازف و اللهو و الشرب. و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من جعل لعالية البربرية سهما في خمس في‏ء العرب فرويدا يا ابن بنانة، فلو التقى خلقا البطان ورد الفي‏ء إلى أهله لتفرغت لك و لأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق و أخذتم في بنيات الطريق، و من وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك و قسم ثمنك بين اليتامى و المساكين و الأرامل فإن لكل فيك حقا، و السلام علينا و لا ينال سلام اللَّه الظالمين.

أخبرنا هبة اللَّه بن أحمد الحريري بإسناده عن عمرو بن مهاجر [ (1)] قهرمان عمر بن عبد العزيز، قال:

كان نقش خاتم عمر بن عبد العزيز «الوفاء عزيز».

____________

[ (1)] في ت: «و روى عن عمر بن مهاجر».

35

أخبرنا علي بن أبي عمر بإسناد له عن [ (1)] قبيصة، قال: سمعت سفيان الثوري يقول:

الخلفاء خمسة: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و علي، و عمر بن عبد العزيز [رضي اللَّه عنهم‏].

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا، قال: حدّثنا محمد المرزبان، قال:

حدّثنا أبو عبد الرحمن الجوهري، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن الضحاك، قال: حدّثنا الهيثم بن عدي، عن عوانة بن الحكم، قال [ (2)]:

لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء إليه [ (3)]، فأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم. فبينا هم كذلك و قد أزمعوا على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة- و كان من خطباء أهل الشام- فلما رآه جرير داخلا على عمر أنشأ يقول:

يا أيها الرجل المرخي عمامته‏ * * * هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا

قال: فدخل و لم يذكر من أمرهم شيئا، ثم مر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير [ (4)]:

يا أيّها الرّجل المرخي مطيته‏ * * * هذا زمانك إنّي قد مضى زمني [ (5)]

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه‏ * * * أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن‏

لا تنس حاجتنا لقّيت مغفرة * * * قد طال مكثي عن أهلي و عن وطني‏

قال: فدخل عدي على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك و سهامهم مسمومة و أقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي، ما لي و للشعراء، قال: أعز اللَّه أمير المؤمنين، إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم قد امتدح و أعطى، و لك في رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم أسوة، قال:

كيف؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه، قال:

____________

[ (1)] في ت: «بإسناده».

[ (2)] الخبر في البداية و النهاية 9/ 295.

[ (3)] في ت: «وفد الشعراء عليه».

[ (4)] ديوانه 588.

[ (5)] في الأصل: «المزجي مطيته» و في ت: «المزحي» و في الديوان: «المرخي عمامته».

36

أو تروي من قوله شيئا؟ قال: نعم، فأنشده يقول:

رأيتك يا خير البرية كلها * * * نشرت كتابا جاء بالحق معلما

[شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا * * * عن الحق لما أصبح الحق مظلما] [ (1

و نورت بالتبيان أمرا مدلسا * * * و أطفأت بالقرآن نارا تضرما

فمن مبلغ عني النبي محمدا * * * و كل امرئ يجزى بما كان قدما

أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه‏ * * * و كان قديما ركنه قد تهدما

تعالى علوا فوق عرش إلهنا * * * و كان مكان اللَّه أعلا و أعظما

قال: ويحك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن عبد اللَّه بن [أبي‏] [ (2)] ربيعة، قال: أ و ليس هو الّذي يقول:

ثم نبهنها فهبت كعابا * * * طفلة ما تبين رجع الكلام‏

ساعة ثم إنها بعد قالت‏ * * * ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام‏

أعلى غير موعد جئت تسري‏ * * * تتخطى إلى رءوس النيام‏

فلو كان عدو اللَّه إذ فجر كتم على نفسه، لا يدخل علي و اللَّه أبدا، [من‏] [ (3)] بالباب سواه؟ قال: همام بن غالب يعني الفرزدق- قال: أ ليس هو الّذي يقول:

هما دلياني من ثمانين قامة * * * كما انقض باز أقتم الريش كاسره‏

فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا * * * أ حيّ يرجّى أم مثيل نحاذره‏

لا يطأ و اللَّه بساطي، فمن سواه بالباب منهم؟ قال: الأخطل، قال: يا عدي، هو الّذي يقول:

و لست بصائم رمضان طوعا * * * و لست بآكل لحم الأضاحي‏

و لست بزاجر عيسا بكور * * * إلى بطحاء مكة للنجاح‏

و لست بزائر بيتا بعيدا * * * بمكة أبتغي فيه صلاحي‏

و لست بقائم كالعير أدعو * * * قبيل الصبح حيّ على الفلاح‏

____________

[ (1)] البيت ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

37

و لكني سأشربها شمولا * * * و أسجد عند منبلج الصباح‏

و اللَّه لا يدخل عليّ و هو كافر أبدا، فهل بالباب سوى من ذكرت؟ قال: نعم الأحوص، قال: أ ليس هو الّذي يقول:

اللَّه بيني و بين سيدها * * * يفر مني بها و أتبعه‏

فمن هاهنا أيضا؟ قال: جميل بن معمر، قال: يا عدي، هو الّذي يقول:

ألا ليتنا نحيا جميعا و إن أمت‏ * * * يوافق في الموتى ضريحي ضريحها

فما أنا في طول الحياة براغب‏ * * * إذا قيل قد سوي عليها صفيحها

فلو كان عدو اللَّه تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحا، و اللَّه لا يدخل عليّ أبدا، فهل سوى من ذكرت أحد؟ قال: نعم جرير بن عطية، قال: أما أنه الّذي يقول:

طرقتك صائدة القلوب فليس ذا * * * حين الزيارة فارجعي بسلام‏

فإن كان لا بد فهو، قال: فأذن لجرير، فدخل و هو يقول:

إن الّذي بعث النبي محمدا * * * جعل الخلافة للإمام العادل‏

وسع الخلائق عدله و وفاؤه‏ * * * حتى ارعوى فأقام ميل المائل‏

إني لأرجو منك خيرا عاجلا * * * و النفس مولعة بحب العاجل‏

فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير، اتّق اللَّه و لا تقل إلا حقا، فأنشأ جرير يقول [ (1)]:

أ أذكر الجهد و البلوى الّتي نزلت‏ * * * أم قد كفاني بما بلّغت من خبري‏

كم باليمامة من شعثاء أرملة * * * و من يتيم ضعيف الصّوت و النّظر

ممن يعدّك تكفي فقد والده‏ * * * كالفرخ في العشّ لم ينهض و لم يطر [ (2

يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به‏ * * * خبلا من الجنّ أو مسا من البشر [ (3

____________

[ (1)] ديوانه 374.

[ (2)] في ديوانه: «لم يدرج و لم يطر».

[ (3)] في ديوانه: «أو خيلا من النشر».

38

خليفة اللَّه ما ذا تأمرون بنا * * * لسنا إليكم و لا في دار منتظر

ما زلت بعدك في هم يؤرقني‏ * * * قد طال في الحيّ [ (1)] إصعادي و منحدري‏

لا ينفع الحاضر المجهود بادينا [ (2)] * * * و لا يعود لنا باد على حضر

إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا * * * من الخليفة ما نرجو من المطر

نال الخلافة إذ كانت له قدرا * * * كما أتى ربّه موسى على قدر

هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها * * * فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

الخير ما دمت حيا لا يفارقنا * * * بوركت يا عمر الخيران من عمر

فقال: يا جرير، ما أرى [لك‏] [ (3)] فيما ها هنا حقا، قال: بلى يا أمير المؤمنين أنا ابن سبيل و منقطع. فأعطاه من صلب ماله مائة درهم.

قال: و قد ذكر أنه قال له: ويحك يا جرير لقد ولينا هذا الأمر و ما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد اللَّه، و مائة أخذتها أم عبيد اللَّه، يا غلام أعطه المائة الباقية.

قال: فأخذها و قال: و اللَّه لهي أحب من كل ما اكتسبته.

قال: ثم خرج، فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسركم، خرجت من عند أمير المؤمنين و هو يعطي الفقراء و يعطي الشعراء، و إني عنه لراض [ (4)]، و أنشأ يقول:

رأيت رقى الشيطان لا يستفزه‏ * * * و قد كان شيطاني من الجن راقيا

و حكى ابن قتيبة عن حماد الراوية [ (5)]، قال: قال لي كثير: ألا أخبرك بما دعاني إلى ترك الشعر؟ قلت: خبرني، قال: شخصت أنا و الأحوص و نصيب إلى عمر بن عبد العزيز، و كل واحد منا يدل عليه بسابقة له أو خلة و نحن لا نشك في أنه سيشركنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصره لقينا مسلمة بن عبد الملك جائيا من عنده و هو يومئذ فتى العرب، فسلمنا عليه، فرد السلام، ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل‏

____________

[ (1)] في ديوانه: «بعدك في دار تعرفني قد عيّ بالحي».

[ (2)] في ديوانه: «بادية».

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] في ت: «و أنا عنه راضي».

[ (5)] في ت: «حماد الرواية»، و الخبر في الأغاني 9/ 295.

39

الشعر، قلت: ما وضح لنا حتى لقيناك. و وجمنا وجمة [ (1)] عرف ذلك فينا [ (2)]، قال: إن يكن ما تحبون و إلا فما ألبث حتى أرجع إليكم فأمنحكم ما أنتم أهله، فلما قدم كانت رحالنا هذه بأكرم منزل و أفضل منزول عليه، و أقمنا أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو و غيره، فلم يأذن لنا إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع: لو أني دنوت من عمر فسمعت كلامه فتحفظته كان ذلك رأيا، فكان مما تحفظته من كلامه يومئذ: لكل سفر لا محالة زاد، فتزودوا من الدنيا إلى الآخرة التقوى، و كونوا كمن عاين ما أعد اللَّه له من ثوابه و عقابه، فترغبوا و ترهبوا، و لا يطولن عليكم الأمر فتقسو قلوبكم و تنقادوا لعدوكم، في كلام كثير.

ثم قال: أعوذ باللَّه، أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي و تظهر عيبتي، و تبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق و الصدق. ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، و ارتج المسجد بالبكاء و العويل، فرجعت إلى أصحابي فقلت: خذوا في شرح من الشعر غير ما [كنا] [ (3)] نقول لعمه و آبائه، فإن الرجل أخروي و ليس بدنيوي إلى أن استأذن لنا مسلمة يوم جمعة، فأذن لنا بعد ما أذن للعامة، فلما دخلت سلمت، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثواء و قلت الفائدة، و تحدثت بجفائك إيانا وفود العرب، فقال: يا كثير، (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ) [ (4)] أ في واحد من هؤلاء أنت؟ فقلت:

ابن سبيل [ (5)] منقطع [به‏] [ (6)] و أنا صاحبك، قال: أ و لست ضيف أبي سعيد؟ قلت: بلى، [قال:] [ (7)] ما أرى من كان ضيفه منقطعا به، قلت: أ فتأذن لي في الإنشاد يا أمير المؤمنين؟ قال: [قل‏] و لا تقل إلا حقا، فقلت:

____________

[ (1)] في ت: «و رحمنا رحمة».

[ (2)] في الأصل: «منا». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] سورة: التوبة، الآية: 60.

[ (5)] في ت: «ابن السبيل».

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (7)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

40

و ليت فلم تشتم عليا و لم تخف‏ * * * بريّا و لم تقبل إشارة مجرم [ (1)]

و صدقت بالفعل المقال مع الّذي‏ * * * أتيت فأمسى راضيا كل مسلم [ (2)]

و قد لبست لبس الهلوك [ (3)] ثيابها * * * تراءى لك الدنيا بوجه و معصم [ (4

و تومض أحيانا بعين مريضة * * * و تبسم عن مثل الجمان المنظم [ (5

فأعرضت عنها مشمئزا كأنما * * * سقتك مذوقا من سمام و علقم‏

و قد كنت من أجبالها في ممنع‏ * * * و من بحرها في مزبد الموج مفعم [ (6

فلما أتاك الملك عفوا [ (7)] و لم يكن‏ * * * لطالب دنيا بعده [ (8)] من تكلم‏

تركت الّذي يفنى و إن كان مونقا * * * و آثرت ما يبقى برأي مصمم [ (9

سما لك همّ في الفؤاد مؤرق‏ * * * بلغت به أعلى البناء المقدم [ (10)]

فما بين شرق الأرض و الغرب كلها * * * مناد ينادي من فصيح و أعجم‏

يقول: أمير المؤمنين ظلمتني‏ * * * بأخذ لدينار و لا أخذ درهم‏

و لا بسط كف بإمرئ غير مجرم‏ * * * و لا السفك منه ظالما مل‏ء محجم [ (11

____________

[ (1)] في الأغاني: «و لم تتبع مقالة مجرم».

[ (2)] في الأغاني:

و قلت فصدقت الّذي قلت بالذي‏ * * * فعلت فأضحى راضيا كل مسلم‏

[ (3)] في الأصلين: «الملوك» و ما أوردناه من الأغاني.

و الهلوك من النساء: الفاجرة المتساقطة على الرجال.

[ (4)] في الأغاني: «و أبدت لك الدنيا بكف و معصم».

[ (5)] في الأصل: «الجمان المعظم». و ما أوردناه من ت و الأغاني.

[ (6)] البيت الّذي بعده في الأغاني.

و ما زلت سباقا إلى كل غاية * * * صعدت بها أعلى البناء المقدم‏

[ (7)] في الأصل: «عصوا». و في ت: «عضا». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (8)] في الأصلين: «بعدها». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (9)] البيت الّذي بعده في الأغاني.

فأضررت بالفاني و شمرت للذي‏ * * * أمامك في يوم من الهول مظلم‏

و ما لك أن الخليفة مانع‏ * * * سوى اللَّه من مال رغيب و لا دم‏

[ (10)] الشطر الثاني في الأغاني: «صعدت به أعلى المعالي «بسلّم».

[ (11)] في الأصل: «و لا السفك منه طالما بك محجم». و التصحيح من الأغاني.

41

فأربح بها من صفقة لمتابع‏ * * * و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم‏

فقال لي: يا كثير، إنك تسأل عما قلت. ثم تقدم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد، فقال: قل و لا تقل إلا حقا، فقال:

و ما الشعر إلا خطبة من مؤلف‏ * * * بمنطق حق أو بمنطق باطل‏

فلا تقبلن إلا الّذي وافق الرضا * * * و لا ترجعنّا كالنساء الأرامل‏

رأيناك لم تعدل عن الحق يمنة * * * و لا شامة [ (1)] فعل الظلوم المجادل‏

و لكن أخذت القصد جهدك كله‏ * * * تقفو مثال الصالحين الأوائل [ (2)]

فقلنا و لم نكذب بما قد بدا لنا * * * و من ذا يرد الحق من قول قائل [ (3)]

و من ذا يرد السهم بعد مضائه [ (4)] * * * على فوقة إن عار [ (5)] من نزع نابل‏

و لو لا الّذي قد عودتنا خلائف‏ * * * غطاريف كانت [ (6)] كالليوث البواسل‏

لما وخدت شهرا برجلي رسله [ (7)] * * * تغل متون البيد [ (8)] بين الرواحل‏

فإن لم يكن للشعر عندك موضع‏ * * * و إن كان مثل الدر من قول قائل [ (9)]

فإن لنا قربى و محض مودة * * * و ميراث آباء مشوا بالمناصل‏

فذادوا عمود الشرك [ (10)] عن عقر دارهم‏ * * * و أرسوا عمود الدين بعد التمايل‏

و قبلك ما أعطى هنيدة جلة * * * على الشعر كعبا من سديس و بازل‏

رسول الإله المستضاء بنوره [ (11)] * * * عليه سلام بالضحى و الأصائل‏

____________

[ (1)] في الأغاني: «و لا يسرة».

[ (2)] في الأصل: «تقدمناك الصالحين الأوائل». و ما أوردناه من ت و الأغاني.

[ (3)] في الأغاني: «قول عاذل».

[ (4)] في الأغاني: «بعد مروقه».

[ (5)] في الأصل: «إذ عار». و ما أوردناه من ت و الأغاني.

[ (6)] في الأصلين: «غطارف كانوا». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (7)] في الأصل: «ترجل رسله». و ما أوردناه من ت، و في الأغاني: «برجلي جسرة».

[ (8)] في الأصلين: «بقد متان البيد بين». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (9)] في الأصلين: «من قيل قائل». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (10)] في الأغاني: «فذادوا عدو السلم».

[ (11)] في الأغاني: «رسول الإله المصطفى بنبوة».

42

فكل الّذي عددت يكفيك بعضه‏ * * * و نيلك [ (1)] خير من بحور سوائل‏

فقال: يا أحوص، إنك تسأل عما قلت. و تقدم نصيب فاستأذنه في الإنشاد فلم يأذن له و أمره بالغزو إلى دابق، فخرج و هو محموم. و أمر لي بثلاثمائة درهم، و للأحوص بمثلها، و لنصيب بخمسين درهما [ (2)].

قال المصنف: و ما زال عمر بن عبد العزيز منذ ولي يجتهد في العدل و محو الظلم و ترك الهوى، و كان يقول للناس: ارحلوا إلى بلادكم [ (3)] فإنّي أنساكم ها هنا و أذكركم في بلادكم. و من ظلمه عامله فلا إذن له عليّ.

و خير جواريه لما ولي، فقال: قد جاء أمر شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه أعتقته، و من أراد أن أمسكه أمسكته و لم يكن مني إليها شي‏ء، قالت زوجته فاطمة: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة و لا من احتلام منذ ولي إلى أن مات.

و قيل لها: اغسلي قميصه، فقالت: و اللَّه ما يملك غيره.

أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، قال: أخبرنا علي بن محمد العلاف، قال:

أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو الفضل الربعي، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، عن الهيثم بن عدي، قال:

كانت لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان- زوجة عمر- جارية ذات جمال فائق، و كان عمر معجبا بها قبل أن تفضي إليه الخلافة، فطلبها منها و حرص، فغارت من ذلك، فلم تزل في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت ثم حليت، فكانت حديثا في حسنها و جمالها، ثم دخلت فاطمة بالجارية على عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنت بفلانة معجبا، و سألتنيها فأبيت ذلك عليك، و إن نفسي قد طابت لك بها اليوم، فدونكها، فلما قالت ذلك استبانت الفرح في وجهه، ثم قال: ابعثي بها إليّ، ففعلت، فلما دخلت عليه نظر إلى شي‏ء أعجبه فازداد بها عجبا، فقال لها: ألقي‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و فلك». و ما أوردناه من الأغاني.

[ (2)] في ت: و أمر لي بثلاثمائة درهم ثم أمر للأحوص بمثل ما أمر لكثير من الدراهم و لنصيب بخمسين درهما.

و في الأغاني: «و أمر لي و للأحوص لكل واحد بمائة و خمسين درهما».

[ (3)] في ت: «الحقوا ببلادكم».

43

ثوبك، فلما همت أن تفعل قال: على رسلك، اقعدي، أخبريني لمن كنت؟ و من أين أنت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا، و كنت في رقيق ذلك العامل فاستصفاني عنه مع رقيق له و أموال، فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان و أنا يومئذ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة. قال: و ما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك، قال: و ما ترك ولدا؟ قالت: بلى، قال: و ما حالهم؟ قالت:

بشرّ، قال: شدي عليك ثوبك.

ثم كتب إلى عبد الحميد عامله على بلدهم: أن سرح إليّ فلان بن فلان على البريد، فلما قدم قال: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، فلما أخذ بيدها قال: إياك و إياها فإنك حديث السن و لعل أباك أن يكون قد وطئها، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، قال: فابتعها مني، قال: لست إذا ممن ينهى النفس عن الهوى. فمضى بها الفتى فقالت له الجارية: فأين موجدتك بي [ (1)] يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها لعلى حالها و لقد ازدادت، فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات.

أخبرنا هبة اللَّه بن أحمد الجريريّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال:

أخبرنا أبو بكر بن عبد اللَّه بن خلف، قال: حدّثنا أحمد بن مطرف، قال: حدّثنا أحمد بن المغلس الجماني، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدّثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن أبي حازم، قال:

قدمت على عمر بن عبد العزيز و قد ولي الخلافة، فلما نظر إليّ عرفني و لم أعرفه، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فقلت: أنت أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فقلت:

أ لم تكن عندنا بالمدينة أميرا، فكان مركبك وطيا، و ثوبك نقيا و وجهك بهيا، و طعامك شهيا، و خدمك كثير، فما الّذي غيرك و أنت أمير المؤمنين؟ فبكى و قال: يا أبا حازم، كيف لو رأيتني بعد ثلاث في قبري و قد سالت حدقتاي على وجنتي، ثم جف لساني، و انشقت بطني و جرت الديدان في بدني لكنت لي أشد إنكارا، أعد عليّ الحديث الّذي حدثتني بالمدينة، قلت: يا أمير المؤمنين،

سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبي صلى اللَّه عليه و سلّم يقول:

«إن بين أيديكم عقبة كؤودا مضرسة لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول».

____________

[ (1)] في الأصل: «موجدتك فيّ». و ما أوردناه من ت.

44

قال: فبكى بكاء طويلا ثم قال لي: يا أبا حازم، أما ينبغي لي أن أضمر نفسي لتلك العقبة فعسى أن أنجو منها يومئذ [ (1)]، و ما أظن أني مع هذا البلاء الّذي ابتليت به من أمور الناس بناج. ثم رقد ثم تكلم الناس، فقلت: أقلوا الكلام [ (2)] فما فعل به ما ترون إلا سهر الليل، ثم تصبب عرقا في يوم اللَّه أعلم كيف كان، ثم بكى حتى علا نحيبه، ثم تبسم، فسبقت الناس إلى كلامه، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت منك عجبا، إنك لما رقدت تصببت عرقا حتى ابتل ما حولك، ثم بكيت حتى علا نحيبك ثم تبسمت، فقال لي:

و قد رأيت [ (3)] ذلك؟ قلت: نعم و من كان حولك من الناس رآه، فقال لي: يا أبا حازم، إني لما وضعت رأسي فرقدت، رأيت كأن القيامة قد قامت و اجتمع الناس، فقيل: انهم عشرون و مائة صف فملئوا الأفق، أمة محمد من ذلك ثمانون صفا [ (4)] مهطعين إلى الداعي [ (5)] ينتظرون متى يدعون إلى الحساب، إذ نودي: أين عبد اللَّه بن عثمان أبو بكر الصديق؟ فأجاب فأخذته الملائكة فأوقفوه أمام ربه عز و جل، فحوسب ثم نجا [و أخذ به ذات اليمين، ثم نودي بعمر فقربته الملائكة، فوقفوه أمام ربه، فحوسب ثم نجا] [ (6)] و أمر به و بصاحبه إلى الجنة. ثم نودي بعثمان، فأجاب، فحوسب يسيرا، ثم أمر به إلى الجنة، ثم نودي بعلي بن أبي طالب، فحوسب ثم أمر به إلى الجنة [ (7)]. فلما قرب الأمر مني أسقط في يدي، ثم جعل يؤتى بقوم لا أدري ما حالهم، ثم نودي: أين عمر بن عبد العزيز؟ فتصببت عرقا، ثم سئلت عن الفتيل و النقير و القطمير و عن كل قضية قضيت بها [ (8)]، ثم غفر لي، فمررت بجيفة ملقاة، فقلت للملائكة: من هذا؟ فقالوا: إنك لو كلمته كلمك، فوكزته برجلي فرفع رأسه إليّ و فتح عينيه، فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال: ما فعل اللَّه بك؟ قلت: تفضّل عليّ و فعل بي ما فعل بالخلفاء الأربعة الذين غفر لهم، و أما الباقون فما أدري ما فعل بهم،

____________

[ (1)] في ت: «أنجو منها يوم القيامة».

[ (2)] في ت: «اطووا الكلام».

[ (3)] في ت: «و رأيت».

[ (4)] «صفا»: سقطت من ت.

[ (5)] «إلى الداعي». سقط من ت.

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (7)] «ثم نودي بعلي ... ثم أمر به إلى الجنة»: ساقطة من ت.

[ (8)] في الأصل: «قضيتها بها». و ما أوردناه من ت.

45

فقال لي: هنيئا لك ما صرت إليه. قلت له: من أنت؟ قال: أنا الحجاج، قدمت على اللَّه عز و جل فوجدته شديد العقاب فقتلني بكل قتلة قتلة، و ها أنا موقوف بين يدي اللَّه عز و جل أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم، إما إلى الجنة و إما إلى النار.

قال أبو حازم: فعاهدت اللَّه عز و جل بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز ألا أقطع [ (1)] على أحد بالنار ممن يموت و هو يقول لا إله إلا اللَّه.

و في هذه السنة وجه عمر إلى مسلمة بن عبد الملك و هو بأرض الروم فأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين [ (2)]

أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم، قال: حدّثنا محمد بن يعقوب، قال: حدّثنا محمد بن النعمان بن بشير النيسابورىّ، قال: حدّثنا نعيم بن حماد، قال: حدّثني نوح بن أبي مريم، عن حجاج بن أرطاة، قال:

كتب ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الهند الّذي في مربطه [ (3)] ألف فيل، و الّذي تحته ألف ملك، و الّذي له نهران ينبتان العود و الكافور، إلى ملك العرب الّذي لا يشرك باللَّه شيئا، أما بعد .. فإنّي قد [ (4)] أهديت لك هدية و ما هي بهدية و لكنها تحية [ (5)]، و أحببت أن تبعث إليّ رجلا يعلمني و يفهمني الإسلام.

و في هذه السنة أغارت الترك على آذربيجان فقتلوا جماعة من المسلمين، فوجه عمر من قتلهم فلم يفلت منهم إلا اليسير، و قدم عليه منهم بخمسين أسيرا.

و فيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق و حبسه، و وجه على البصرة و أرضها عدي‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أني لا أقطع». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 553.

[ (3)] في الأصل: «الّذي على مربطه». و ما أوردناه من ت.

[ (4)] في الأصل: «فقد أهديت». و ما أوردناه من ت.

[ (5)] في الأصل: «و لكنها تحفة». و ما أوردناه من ت.

46

ابن أرطاة الفزاري، و وجه على الكوفة [ (1)] و أرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي، و ضم إليه أبا الزناد، فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد.

و فيها: حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، و كان عامل عمر على المدينة. و كان عامله على مكة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، [و على الكوفة و أرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن، و على البصرة و أرضها عدي بن أرطاة] [ (2)] و على خراسان الجراح بن عبد اللَّه، و على قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني.

[و كان‏] [ (3)] الواقدي يقول: كان على قضاء الكوفة من قبل عبد الحميد الشعبي، و على قضاء البصرة من قبل عدي بن أرطاة الحسن البصري، ثم إن الحسن استعفى عديا فأعفاه و ولى إياسا.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

543- إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي [ (4)]:

كان شريفا كريما، و يسمى أسد قريش و أسد الحجاز، و كان أعرج، و هو أخو عبد اللَّه بن حسن [بن حسن‏] [ (5)] بن علي لأمه فاطمة بنت الحسين.

روى عن أبي هريرة، و ابن عمر، و ابن عباس. و استعمله عبد اللَّه بن الزبير على خراج الكوفة. توفي بمنى ليلة جمع محرما، و دفن أسفل العقبة.

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا علي بن أحمد بن البسري، عن أبي عبد اللَّه بن بطة العكبريّ، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن كردي، قال:

أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز قال:

لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل ابن الزبير أشخص إبراهيم بن‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و بعث على الكوفة». و ما أوردناه من ت و الطبري.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] الجرح و التعديل 1/ 1/ 124، و تهذيب التهذيب 1/ 154، و التاريخ الكبير 1/ 1/ 316، و البرصان و العرجان للجاحظ 137، و المعارف 232.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

47

محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه و قربه في المنزلة، فلم يزل كذلك عنده [ (1)] حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان زائرا له، فخرج معادلا له لا يترك توشيحه و تعظيمه، فلما حضر باب عبد الملك حضر معه [ (2)]، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشي‏ء بعد التسليم أولى من أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع و اللَّه له فيها [ (3)] نظيرا في كمال المروءة و الأدب و حسن المذهب و الطاعة و النصيحة مع القرابة و وجوب الحق و فضل الأبوة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه و قد أحضرته بابك أسهل عليه أذنك، و تلقاه ببشرك، و تفعل به ما تفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه. فقال عبد الملك: ذكرتنا حقا واجبا و رحما قريبة، يا غلام ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة. فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له: يا ابن طلحة، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل و الأدب و حسن المذهب مع قرابة الرحم و وجوب الحق، فلا تدعن حاجة في خاص من أمرك و لا عام إلا ذكرتها، قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن يفتتح به الحوائج و ترجى به الزلف ما كان للَّه عز و جل رضى، و لحق نبيه محمد صلى اللَّه عليه و سلّم أداء، و لك و لجماعة المسلمين نصيحة، و إن عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها، و لا يكون البوح بها إلا و أنت خال، فأخلني حتى ترد عليك نصيحتي، قال: دون أبا محمد؟ قال: دون أبا محمد، قال: قم يا حجاج، فلما جاز حد الستر قال: قل يا أبا طلحة نصيحتك، قال: يا أمير المؤمنين، إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه [ (4)] و تعجرفه و بعده من الحق و ركونه إلى الباطل فوليته الحرمين و بهما من بهما، و فيهما من فيهما من المهاجرين و الأنصار و الموالي و الأخيار أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم و أبناء الصحابة يسومهم الخسف، و يطؤهم بالعسف، و يحكم بينهم بغير السنة، و يطؤهم بطغام من أهل الشام، و زعازع لا روية لهم في إقامة حق و لا إزاحة باطل، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك و بين اللَّه راهق، و فيما بينك و بين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم إذا جاثاك لخصومته إياك في أمته، أما و اللَّه لا تنجو هنالك إلا بحجة تضمن لك النجاة، فاربع على نفسك أودع. فقال: كذبت و منت و ظن بك الحجاج ما لم نجده عندك،

____________

[ (1)] في ت: «فلم تزل تلك حاله عنده».

[ (2)] في الأصل: «حضرته معه». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] في ت الأصل: «لم أدع له و اللَّه فيها». و ما أوردناه من ت.

[ (4)] في الأصل: «في تغترسه». و ما أوردناه من ت.

48

فلربما ظنّ الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن، قال: فقمت و ما أبصر طريقا، فلما خلفت الستر لحقني لا حق من قبله فقال للحاجب: احبس هذا، ادخل يا أبا محمد.

قال: فدخل الحجاج فلبث مليا لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج الإذن: قم يا أبا طلحة ادخل، فقمت فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج و هو خارج و أنا داخل، فاعتنقني و قبل ما بين عيني ثم قال: إذا ما جزى اللَّه المتواخين [ (1)] بفضل تواصلهم جزاك [ (2)] اللَّه أفضل ما جزى أخا عن أخيه، فو اللَّه لئن سلمت لأرفعن ناطرك، و لأعلين كفك و لأتبعن الرجال غبار قدمك. قال: قلت: تهزأ بي. فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال: يا ابن طلحة، لعل أحدا من الناس شاركك في نصيحتك، قلت: لا و اللَّه و لا أعلم أحدا كان أظهر عندي معروفا و لا أوضح يدا من الحجاج، و لو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو، و لكني آثرت اللَّه عز و جل و رسوله صلى اللَّه عليه و سلّم و المسلمين و أنت عليه. قال: قد علمت أنك آثرت اللَّه، و لو أردت الدنيا كان لك في الحجاج كفاية، و قد أزحت الحجاج عن الحرمين [و أعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغارا لهما عنه‏] [ (3)] و وليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، و أعلمته أنك استدعيتني إلى التولية عليهما استزادة له ليلزمه من نصيحتك [ (4)] ما يؤدي به عني إليك [الحق‏] [ (5)]، و تصير معه إلى الّذي تستحقه، فاخرج معه فإنك غير ذام صحبته.

544- سعيد بن أبي الحسن، أخو الحسن البصري: [ (6)]

روى محمد بن سعد [ (7)]، قال: حدّثنا عارم [بن الفضل‏] [ (8)]، قال: حدّثنا

____________

[ (1)] في الأصل: «أما جزى اللَّه المتواخين».

[ (2)] في الأصل: «فجزاك». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و ما أوردناه من ت.

[ (4)] في الأصل: «ليكرمه من صحبتك»، و ما أوردناه من ت.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (6)] طبقات ابن سعد 7/ 1/ 129، و طبقات خليفة 210، و التاريخ الكبير 3/ 1538، و الجرح و التعديل 4/ 306، و تاريخ الإسلام 4/ 7، 119، و تهذيب التهذيب 4/ 16.

[ (7)] في الأصل: «عن محمد بن سعد». و ما أوردناه من ت.

[ (8)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

49

حماد بن زيد، عن يونس بن عبيد [ (1)]، قال:

لما مات سعيد بن أبي الحسن حزن عليه الحسن حزنا شديدا، فأمسك عن الكلام حتى عرف ذلك في مجلسه و حديثه، فكلم في ذلك، فقال: الحمد للَّه الّذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب، ثم قال: بئست الدار المفرقة [ (2)].

و قال ابن عون [ (3)]: دفع إليّ الحسن برنسا كان لأخيه سعيد لأبيعه، فقلت: أشتريه أنا، فقال: أنت أعلم، و لكني لا أحب أن أراه عليك.

545- سليمان بن عبد الملك بن مروان [ (4)]:

لبس يوما حلة خضراء و عمامة خضراء، و نظر في المرآة، فقال: أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا.

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن البيع، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه بن عرفة، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، أنه سمع عبد اللَّه بن محمد التيمي يقول:

كان سليمان بن عبد الملك [يوما] [ (5)] جالسا، فنظر في المرآة إلى وجهه، و كان حسن الوجه، فأعجبه ما رأى من جماله، و كان على رأسه وصيفة، فقال: أنا الملك الشاب، فرأى شفتي جاريته تتحركان، فقال لها: ما قلت؟ قالت: خيرا. قال: لتخبريني، قالت: قلت:

أنت نعم [ (6)] المتاع لو كنت تبقى‏ * * * غير أن لا بقاء للإنسان‏

و زاد غيره في الشعر بيتا آخر، فقال:

أنت خلو من العيوب و مما * * * يكره الناس غير أنك فاني [ (7

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 1/ 129.

[ (2)] في الأصل: «ثم قال: أ لست الدار المفرقة». و ما أوردناه من ت و ابن سعد.

[ (3)] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 1/ 130.

[ (4)] مروج الذهب 3/ 184، و البداية و النهاية 9/ 198، و تاريخ الطبري 6/ 546، و اليعقوبي 3/ 36، و ابن خلدون 3/ 74.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (6)] في الطبري 6/ 547: «خير المتاع».

[ (7)] البيت في الطبري:

ليس فيما علمته فيك عيب‏ * * * كان في الناس غير أنك فاني‏

50

ثم خرج إلى المسجد يخطب، فسمع أقصى من في المسجد صوته، ثم لم يزل يضعف، و انصرف محموما حمى موصولة بمنيته، فكانت وفاته سنة تسع و تسعين، و هو ابن أربعين سنة.

توفي بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين- و قيل مضين- من صفر. و كانت ولايته سنتين و ثمانية أشهر و خمسة أيام.

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو علي التميمي، قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال:

حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن يونس، عن سيار أبي الحكم [ (1)]، قال:

لما دخل سليمان بن عبد الملك قبره أدخله عمر بن عبد العزيز و ابن سليمان فاضطرب على أيديهما، فقال ابنه: عاش و اللَّه [أبي‏] [ (2)]، فقال: لا و اللَّه و لكن عوجل أبوك.

546- عبد اللَّه بن مطر، أبو ريحانة [ (3)]:

روى عن ابن عمر، و سفينة.

أخبرنا عبد اللَّه بن علي المقري، قال: أخبرنا طراد بن محمد، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: حدّثنا الحسين بن صفوان، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبيد اللَّه، قال: حدّثني محمد بن الحسين، قال: حدّثني موسى بن عيسى العابد، قال: حدّثنا ضمرة، عن فروة الأعمى، قال:

ركب أبو ريحانة البحر، و كان يخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر، فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت حتى أخذها.

قال: و اشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبد حبشي، فسكن حتى صار كالزيت.

____________

[ (1)] في الأصل: «سيار بن الحكم» و التصحيح من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] تقريب التهذيب 1/ 451، و الجرح و التعديل 5/ 168.

51

547- عبد اللَّه بن خارجة بن حبيب بن قيس بن عمرو بن حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان [ (1)]:

شاعر من أهل الكوفة [ (2)]، متعصب لبني أمية، و هو الأعشى، أعشى بني ربيعة.

دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده يقول [ (3)]:

و ما أنا في أمري و لا في خصومتي‏ * * * بمهتضم حقي و لا قارع قرني‏

و لا مسلم مولاي عند جناية * * * و لا خائف مولاي من شر ما أجني‏

و إن فؤادي بين جنبي عالم‏ * * * بما أبصرت عيني و ما سمعت أذني‏

و فضلني في الشعر و اللب أنني‏ * * * أقول على علم و أعرف من أعني‏

فأصبحت إذ فضلت مروان و ابنه‏ * * * على الناس قد فضلت خير أب و ابن‏

فقال عبد الملك من يلومني على هذا، و أمر له بعشرة آلاف درهم، و عشرة تخوت من ثياب، و عشر قلائص من الإبل، و أقطعه ألف جريب [ (4)].

و دخل عليه يوما فأنشده يقول: [ (5)]

رأيتك أمس خير بني معد * * * و أنت اليوم خير منك أمس‏

و أنت غدا تزيد الضعف ضعفا * * * كذاك تزيد سادة عبد شمس‏

548- القاسم بن مخيمرة الهمدانيّ [ (6)]:

كوفي الأصل، ثم نزل الشام. روى عن عبد اللَّه بن عمر، و عن خلق كثير من التابعين.

أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن الأوزاعي، عن القاسم، أنه كره صيد الطير أيام فراخه.

____________

[ (1)] الأغاني 18/ 136 (دار الكتب العلمية).

[ (2)] في ت: «شاعر من أهل مكة». خطأ

[ (3)] الخبر في الأغاني 18/ 136، 137.

[ (4)] الجريب من الأرض: ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع، و قيل: عشرة آلاف ذراع.

[ (5)] الأغاني 18/ 140.

[ (6)] تقريب التهذيب 2/ 120. و تهذيب التهذيب 8/ 337.

52

و روى سعيد [ (1)] بن عبد العزيز، عن القاسم بن مخيمرة، قال: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام، و لا غلقت بابي ولي خلفه هم، و أتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين دينارا، و حملني على بغلة و فرض لي في خمسين فقلت: أغنيتني عن التجارة، فسألني عن حديث، فقلت [ (2)]: هبني يا أمير المؤمنين، كأنه كره أن يحدثه بعد لأجل العطاء.

549- محمود بن الربيع بن الحارث بن الخزرج [ (3)]:

رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، و عقل مجة مجها في وجهه و هو ابن خمس سنين.

و توفي في هذه السنة و هو ابن ثلاث و تسعين سنة. و قيل: أربع و تسعين سنة.

____________

[ (1)] في الأصل: «عن سعيد». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «فقال». و ما أوردناه من ت.

[ (3)] تهذيب التهذيب 10/ 63.