الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
5

المجلد الاول‏

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

خلافة ابى بكر

قال الشيخ الإمام العالم العلامة لوط أحمد بن محمد بن أعثم‏[ (1) ]الكوفي عفا اللّه عنه:

الحمد للّه ربّ العالمين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين، و صلى الله على سيدنا و نبينا محمد خاتم النبيين و المرسلين، و على آله و صحبه أجمعين. إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما توفي قام بالأمر بعده الإمام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، و كان قد بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات‏[ (2) ]فيه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بسقيفة بني ساعدة، و لذلك قصة عجيبة نذكرها بتمامها، و نذكر ما فتحه المسلمون في أيامه و أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما من الفتوحات، و قتال أهل [الردة][ (3) ]، و ذلك أن المسلمين اجتمعوا و بكوا على فقد رسول اللّه، فقال لهم أبو بكر: إن دمتم على هذه الحال فهو و اللّه الهلاك و البوار.

[ (1) ]في اسم المؤلف خلاف-و قد تطرقنا إلى مختلف الأقوال في ذلك في مقدمة التحقيق-و الأرجح أنه أحمد بن محمد بن علي المعروف بابن الأعثم الكوفي. و هو ما ورد في النسخة المطبوعة من الترجمة الفارسية لأحمد بن محمد المستوفي.

[ (2) ]قال خليفة في تاريخه: توفي رسول اللّه (ص) يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، و يقال لليلتين خلتا منه و دفن ليلة الأربعاء (ص) . انظر ص 94 و الطبري 3/200 و مروج الذهب 2/303 و البداية و النهاية 5/275 ابن الأثير 2/9 و نقل عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه (ص) توفي: يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة. و الأكثر على القول الأول.

[ (3) ]ما بين معكوفين سقطت من الأصل، استدركت للإيضاح.

6

ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة و ما كان من المهاجرين و الأنصار

قال: ثم أقبل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه على المسلمين فقال: أيها الناس!إنه من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، و من كان يعبد محمّدا فإنّ محمدا قد مات، و اللّه!لقد نعى اللّه نبيّه محمدا عليه السلام نفسه فقال تبارك و تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ (1) ]ثم قال‏ وَ مََا جَعَلْنََا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ اَلْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخََالِدُونَ*`كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ [ (2) ]ثم قال‏ وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ [ (3) ]ألا!و إن محمدا عليه السلام قد مضى لسبيله، و لا بدّ لهذا الأمر من قائم يقوم به، فدبّروا و انظروا و هاتوا رأيكم-رحمكم اللّه‏[ (4) ]. قال: فناداه الناس من كل جانب: نصبح و ننظر في ذلك إن شاء اللّه، و لاََ قُوَّةَ إِلاََّ بِاللََّهِ. قال: فانصرف الناس يومهم ذلك، فلما كان من غد انحازت طائفة من المهاجرين إلى أبي بكر رضي اللّه عنه، و انحازت طائفة من الأنصار إلى سعد بن عبادة الخزرجي في سقيفة بني ساعدة. قال: و جلس علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه في منزله مغموما بأمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و عنده نفر من بني هاشم و فيهم الزبير بن العوام. قال: فاجتمع الناس من جميع جنبات المدينة يستمعون ما يكون من كلام المهاجرين و الأنصار[ (5) ]، و كان أول من تكلم من الأنصار يومئذ خزيمة بن... [ (6) ]ذو [ (1) ]سورة الزمر: 30.

[ (2) ]سورة الأنبياء: 34-35.

[ (3) ]سورة آل عمران: 144.

[ (4) ]جاء كلام أبي بكر هذا بعد ما اختلف الصحابة فيما بينهم فمن قائل يقول: مات رسول اللّه (ص) ، و من قائل: لم يمت. و كان عمر بن الخطاب قد قام في الناس يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه (ص) توفي و أنه و اللّه ما مات و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، و اللّه ليرجعن رسول اللّه (ص) ، فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم زعموا أنه مات. و كان أبو بكر غائبا ببيته في السنح، فاستدعي سريعا فجاء، فقام في الناس و قال ما قال، و أزاح الجدل و أزال الإشكال.

(الطبري 3/202 البداية و النهاية 5/265 الكامل لابن الأثير 2/11) .

[ (5) ]قارن ما جرى يوم السقيفة مع الطبري 3/205 و ما بعدها و ابن الأثير 2/13 و البداية و النهاية 5/ 265.

[ (6) ]كذا بياض بالأصل. و هو خزيمة بن ثابت، ذو الشهادتين، ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن

7

الشهادتين و قال: يا معشر الأنصار!إنكم إذ قدمتم اليوم..... [ (1) ]إلى يوم القيامة، و أنتم الأنصار في كتاب اللّه تعالى، و إليكم كانت الهجرة و فيكم قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) ، فأجمعوا أمركم على رجل تهابه قريش و تأمنه الأنصار.

قال: فقالت الأنصار: صدقت يا خزيمة!إن القول لعلى ما تقول، قد رضينا بصاحبنا سعد بن عبادة. قال: فقلب المهاجرون و نظر بعضهم إلى بعض، ثم وثب أسيد بن حضير الأنصاري الأوسي‏[ (2) ]-و كان مقبول القول عند الأنصار و أهل الطاعة فيهم-فقال: يا معشر الأنصار!إنه قد عظمت نعم اللّه عليكم إذ سماكم «الأنصار» [ (3) ]و جعل إليكم الهجرة، و فيكم قبض الرسول محمد عليه السلام، فاجعلوا ذلك شكرا اللّه فإن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدّموه فقدّموه و من أخّروه فأخّروه. قال: فوثب إليه نفر من الأنصار فأغلظوا له في القول و سكّتوه فسكت، ثم وثب بشير بن سعد الأنصاري الأعور[ (4) ]-و كان أيضا من أفاضل الأنصار-فقال: يا معشر الأنصار!إنما أنتم بقريش و قريش بكم، و لو كان ما تدّعون حقا لما اعترض عليكم فيه، فإن قلتم بأنّا آوينا و نصرنا فما أعطاهم خير مما أعطيتم، فلا تكونوا كالذين‏ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دََارَ اَلْبَوََارِ. قال: ثم وثب عويم بن ساعدة الأنصاري-و هو من النفر الذين أنزل اللّه عز و جل فيهم هذه الآية في مسجد قباء فِيهِ رِجََالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُطَّهِّرِينَ [ (5) ]-فقال:

يا معشر الأنصار!إنكم أول من قاتل عن هذا الدين فلا تكونوا أول من قاتل أهله عليه، فإن الخلافة لا تكون إلاّ لأهل النبوة فاجعلوها حيث جعلها اللّه عز و جل، فإن [ () ]غيان بن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس جعل رسول الله (ص) شهادته بشهادة رجلين (أسد الغابة 2/114) .

[ (1) ]بياض بالأصل.

[ (2) ]كان سعد بن عبادة سيد الخزرج و كان أسيد بن حضير (أسيد بضم الهمزة، و حضير بضم أوله و آخره راء) من نقباء الأوس و قد خافوا من تأمير الأوس فقالوا لبعضهم البعض: و اللّه لئن وليتها الخزرج مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة و لا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا (الكامل لابن الأثير 2/14 الإمامة و السياسة 1/9) .

[ (3) ]كلمة «أنصار» وردت ثماني مرات في القرآن الكريم.

[ (4) ]كان بشير بن سعد من سادة الخزرج و رؤسائهم، و قد نفر من تأمير قومه سعد بن عبادة و حسده (الإمامة و السياسة 1/8) و قارن ما قاله مع الأصل (الطبري 3/221 ابن الأثير 2/14) .

[ (5) ]سورة التوبة: 108 و عويم من الأوس، مات على الصحيح في خلافة عمر بن الخطاب و له خمس أو ست و ستون سنة.

8

لهم دعوة إبراهيم عليه السلام، قال: ثم وثب معن بن عدي الأنصاري فقال:

يا معشر الأنصار!إن كان هذا الأمر لكم من دون قريش فخبروهم بذلك حتى يبايعوكم عليه، و إن كان لهم من دونكم فسلموا لهم، فواللّه!ما مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم و على آله) حتى صلّى بنا أبو بكر رضي اللّه عنه فعلمنا أنه قد رضيه لنا[ (1) ]، لأن الصلاة عماد الدين. قال: فبينا الأنصار كذلك في المحاورة إذ أقبل أبو بكر و عمر و عثمان و أبو عبيدة بن الجراح و جماعة من المهاجرين رضي اللّه عنهم فإذا هم بسعد بن عبادة[ (2) ]. [ (3) ]ينصره اللّه فهو مخذول، ألا!فاهتدوا بهدي اللّه ربكم و ما جاء به نبيكم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فإنه‏ مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ (4) ]، و قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام، و عمل بشرائعه اغترارا باللََّه عزّ و جلّ و جهالة بأمره و طاعة للشيطان، و اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمََا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ [ (5) ]و بعد!فقد وجهت إليكم خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين و الأنصار و أمرته أن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه إلى اللََّه عزّ و جلّ و يعذر إليه و ينذر، فمن دخل في الطاعة و سارع إلى الجماعة و رجع عن المعصية إلى ما كان يعرف من دين اللََّه ثم تاب إلى اللََّه و عمل صالحا قبل اللََّه منه ذلك و أعانه عليه، و من أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه خالد بن الوليد و يعذر إليه فقد أنذرته و أمرته أن يقاتله أشد القتال بنفسه و من معه من أنصار دين اللََّه و أعوانه، ثم لم يترك أحدا قدر عليه إلا أحرقه بالنار إحراقا، و يسبي الذراري و النساء، و يأخذ الأموال و قد أعذر من أنذر[ (6) ]، و السلام على عباد اللََّه المؤمنين، و لا قوة إلا باللََّه العلي العظيم. قال: ثم [ (1) ]إشارة إلى تأميره (ص) أبا بكر بالصلاة في الناس في مرض موته. انظر ما ذكر في ذلك دلائل البيهقي 7/189 و 7/194 و ما بعدها.

[ (2) ]كذا بالأصل. و لم يذكر المؤلف تتمة بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة.

[ (3) ]هذا من كتاب أبي بكر الصديق إلى قبائل العرب التي ارتدت، و قد سقط من الأصل أول الكتاب.

قال الطبري 3/250 أنه كتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابا واحدا. و في ابن الأثير 2/21 «نسخة واحدة» و بينهما و بين ما ذكر من الكتاب هنا بعض اختلاف.

[ (4) ]سورة الكهف: 17.

[ (5) ]سورة فاطر: 6.

[ (6) ]و في الكتاب: و قد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، و الداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم، و إن لم يؤذنوا عاجلوهم و إن أذنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، و إن أقروا قبل منهم، و حملهم على ما ينبغي لهم. (عن الطبري 3/251) .

9

طوى أبو بكر الكتاب و ختمه و دفعه إلى خالد بن الوليد و أمره أن يعمل بما فيه‏[ (1) ].

قال: فسارع خالد بن الوليد إلى أهل الردة بمن معه من المهاجرين و الأنصار يريد طليحة بن خويلد.

ذكر مسير خالد بن الوليد إلى أهل الردة

قال: فسار خالد و كان معه جماعة يومئذ من بني أسد من المؤمنين الذين لم يرتدّوا، و كتب رجل منهم يقال له ضرار بن الأزور إلى بني عمّه من بني أسد كتابا، قال: فلم يبق مع خالد بن الوليد رجل من بني أسد يعرف بالصلاح إلاّ كتب إلى قومه يحذرهم مقدم خالد بن الوليد عليهم و يعذلهم على ارتدادهم عن دين الإسلام، و آخر من كتب إليهم جعونة بن مرثد الأسدي.

ذكر الفجاءة بن عبد ياليل السلمي و ما فعل بالمسلمين و كيف أحرق بالنار

قال: و سار خالد بن الوليد يريد بني أسد فأقبل إلى أبي بكر الصديق رضي [ (1) ]يستفاد من الطبري و ابن الأثير و اليعقوبي أن أبا بكر أمّر أمراء و عقد لهم بالمسير لقتال المرتدين، و عقد لهم الألوية، فعقد أحد عشر لواء لأحد عشر أميرا، منهم خالد بن الوليد.

و قد كتب أبو بكر للأمراء عهودا بذلك-نسخة العهد كما وردت عند الطبري 3/251: بسم اللََّه الرحمن الرحيم. هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول اللََّه (ص) لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، و عهد إليه أن يتقي اللََّه ما استطاع في أمره كله سره و علانيته، و أمره بالجد في أمر اللََّه، و مجاهدة من تولى عنه، و رجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام!فإن أجابوه أمسك عنهم، و إن لم يجيبوه شأن غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم و الذي لهم، فيأخذ ما عليهم، و يعطيهم الذي لهم، لا ينظرهم، و لا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر اللََّه عزّ و جلّ و أقر له قبل ذلك منه و أعانه عليه بالمعروف. و إنما يقاتل من كفر باللََّه على الإقرار بما جاء من عند اللََّه، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، و كان اللََّه حسيبه بعد فيما استسر به، و من لم يجب داعية اللََّه قتل و قوتل حيث كان، و حيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه و أقر قبل منه و علمه، و من أبى قاتله، فإن أظهره اللََّه عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح و النيران، ثم قسم ما أفاء اللََّه عليه، إلا الخمس فإنه يبلغناه، و أن يمنع أصحابه العجلة و الفساد و ألا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم و يعلم ما هم لا يكونوا عيونا، و لئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، و أن يقتصد بالمسلمين و يرفق بهم في السير و المنزل و يتفقدهم، و لا يعجل بعضهم عن بعض، و يستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة و لين القول.

10

اللََّه عنه رجل من بني سليم يقال له الفجاءة[ (1) ]بن عبد ياليل فدخل عليه و سلم ثم قال:

يا خليفة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم!أنا رجل مسلم و على دين الإسلام مذ كنت ما غيّرت و لا بدّلت و قد رغبت في قتال أهل الردّة[ (2) ]و قد أحببت أن تعينني بقوة من خيل و سلاح حتى أفرقه في قومي و بني عمي من بني سليم، و ألحق بالقوم بخالد بن الوليد و أقاتل معه طليحة بن خويلد و أصحابه، قال: فدفع إليه أبو بكر رضي اللََّه عنه عشرة من الخيل و دفع إليه سلاحا كثيرا من سيوف و رماح و قسي و سهام، و وجّه معه بعشر نفر من المسلمين. قال: فخرج الفجاءة من المدينة كأنه يريد إلى خالد بن الوليد ثم ترك الطريق إلى خالد و عطف إلى دار بني سليم فأرسل إلى قوم منهم و دعاهم فأجابوه فعطف بهم على هؤلاء العشرة الذين وجه بهم معه أبو بكر رضي اللََّه عنه فقتلهم عن آخرهم، ثم أنه فرق تلك الخيل و ذلك السلاح الذي قد أعطاه أبو بكر رضي اللََّه عنه على من اتبعه من سفهاء قومه‏[ (3) ]، ثم سار فجعل يقتل الناس يمنة و يسرة فلا يبقي على قومه و لا غيرهم. قال: فجعل الفجاءة يفعل ما يفعل و يلتئم إليه الناس من أهل الدعارة و الفساد.

قال: و بلغ ذلك أبا بكر رضي اللََّه عنه فأعرضه على من كان عنده من بني سليم و غيرهم من قيس غيلان و خبرهم بما صنع الفجائة، قال: فاغتمّ لذلك بنو سليم خاصّة غمّا شديدا و قالوا: و اللََّه يا خليفة رسول اللََّه (صلّى اللََّه عليه و سلم و آله) !لقد حدثتنا أنفسنا ببعض ذلك و قد قلّدنا عدوّ اللََّه بفعاله عارا لا يغسل عنا أبدا. قال: ثم وثب الضحاك بن سفيان الكلابي‏[ (4) ]-و كان شيخ بني كلاب و فارسهم و عميدهم و شاعرهم و كانت له صحبة مع رسول اللََّه (صلّى اللََّه عليه و سلم و آله) -فقال: و اللََّه يا خليفة رسول اللََّه!لقد كان عدوّ اللََّه يريد الفساد، و ما كنت أظنّ أنّه يقدم على مثل هذا الفعال، و لقد كنت أحذر قومي من بني ذكوان أن يسمعوا منه، و يأخذوا برأيه [ (1) ]قيل اسمه: إياس بن عبد ياليل، و قيل: إياس بن عبد اللََّه بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف، من بني سليم. (الطبري 3/264-265 البداية و النهاية 6/351) .

[ (2) ]في الطبري: و قد أردت جهاد من ارتد من الكفار.

[ (3) ]كان معه نجبة (نخبة) بن أبي الميثاء من بني الشريد.

[ (4) ]هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، يكنى أبا سعيد. كان من الشجعان الأبطال ذكره العباس بن مرداس السلمي في شعره:

و كان النبي (ص) قد بعثه في سرية:

إن الذين وفوا بما عاهدتهم # جيش بعثت عليهم الضحاكا

ـ

11

فأبى اللّه تبارك و تعالى إلا ما أراد. قال: ثم كتب أبو بكر رضي اللّه عنه كتابا إلى خالد بن الوليد يخبره بما صنع الفجاءة و ما أخذ من الخيل و السلاح و ما قتل من المسلمين، و أمره أن يوجه إليه بقوم يطلبونه فيأتون به حيث ما كان، فلما ورد الكتاب ..... [ (1) ]يا سوداء[ (2) ]!من يقول هذا الشعر؟فقالت: و اللّه!ما أدري غير أني سمعت دويّا من هذا الغدير و قائلا يقول هذا الشعر. قال: فاغتمّ عيينة بن حصن و انكسر لذلك انكسارا شديدا، ثم أقبل على طليحة بن خويلد و هو جالس في بني عمه فقال له: أبا عامر!أتاك جبريل منذر نزلت هذا المنزل؟قال طليحة: لا، قال: فهل ترجو أن يأتيك؟قال: نعم، و لم سألت عن ذلك؟قال: إني سمعت هذه الأمة السوداء تزعم أنها سمعت من هذا الغدير كذا و كذا، قال: فضحك طليحة ثم قال: ترى أن سحر قريش وصل إلينا من المدينة. قال: ثم أقبل قرة بن هبيرة القشيري على بني عامر بن صعصعة فقال: يا بني عامر!هذا خالد بن الوليد قد أظلكم في المهاجرين و الأنصار و قد تقارب من أرضكم فلو صاح بخيله صيحة لصبحكم فاتّقوا اللّه ربكم و ارجعوا عن هذا الذي أنتم عليه فإنكم قتلتم بالأمس المنذر بن عمرو الساعدي‏[ (3) ]و كان من خيار أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم ثم إنكم حقرتم ذمة أبي بكر و رددتم عامر بن الطفيل عن دين الإسلام و إني خائف على طليحة بن خويلد أن..... [ (4) ]خالد غدا قد هلك و هلكنا معه. قال: فأبى قومه أ[ن يطيعوه-][ (5) ] [ (1) ]بياض بالأصل، سقطت معه تتمة الكلام على الفجاءة بن عبد ياليل. و في الطبري روايتان عن نهاية الفجاءة: عن سيف، عن سهل و أبي يعقوب قالا: و بلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له و أن يسير إليه، و بعث إليه عبد اللََّه بن قيس الجاسي عونا، ففعل، ثم نهضا إليه و طلباه، فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجواء، فاقتتلوا، فقتل نجبة و هرب الفجاءة، فلحقه طريقة فأسره، ثم بعث به إلى أبي بكر، فقدم به على أبي بكر، فأمر فأوقد له نارا في مصلى المدينة على حطب كثير، ثم رمى به فيها مقموطا (3/264 ابن الأثير 2/27 البداية و النهاية 6/351) .

[ (2) ]كذا بالأصل، و يظهر أن هناك نقصا في الكلام، و يظهر أن القصة تتعلق بموضوع طليحة وردته.

[ (3) ]و كان رسول اللََّه (ص) قد أرسله في نفر من خيار المسلمين إلى نجد يدعونهم إلى الإسلام حتى نزلوا ببئر معونة و هي أرض بين بني عامر و حرة بني سليم، فقتلتهم قبائل سليم و ذلك في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد (تاريخ خليفة ص 76 و انظر حديث بئر معونة في سيرة ابن هشام 2/184 و صحيح البخاري 5/134) .

[ (4) ]بالأصل غير واضح.

[ (5) ]بالأصل مطموس. و ما أضفناه لاستقامة المعنى.

12

ثم قالوا: لا نعطي الدنية في ديننا أبدا و نحن أحق‏[ (1) ]من ابن أبي قحافة. قال: فقال لهم ابن سلمة...... [ (2) ]تعطوا الدنية في دينكم أن يسفكوا دماءكم بإجماعكم ..... [ (3) ]قال: فأبى القوم أن يطيعوه و لجّوا في طغيانهم. قال: و دنا خالد بن الوليد من أرض بني أسد ثم دعا ابن محصن الأسدي‏[ (4) ]و ثابت بن أرقم‏[ (5) ]الأنصاري و سعيد بن عمرو المخزومي فقال لهم: انطلقوا و تجسسوا إليّ الخبر عن طليحة بن خويلد و أصحابه و لا تبطلوا عليّ. قال: فمضى هؤلاء الثلاثة و جعلوا يتجسسون و يسألون عن طليحة و عن موضع عسكره. قال: فبينما هم كذلك إذ وقع عليهم نفر من أصحاب طليحة فقتلوهم‏[ (6) ]-رحمة اللََّه عليهم. قال: و خالد بن الوليد لا يعلم بشي‏ء من ذلك غير أنه انطوى عليه خبرهم كأنه أنكر أمرهم فركب في نفر من أصحابه و ساروا فإذا هم بالقوم قتلى، فاغتمّ خالد و المسلمون لذلك غمّا شديدا ثمّ أمر بهم فحملوا و دفنوا في عسكر المسلمين. قال: و بلغ بني أسد أن خالد بن الوليد قد دنا من أرضهم فأقبلوا على طليحة بن خويلد فقالوا: يا أبا عامر!إنا نظن أن هذا الرجل قد سار إلى ما قبلنا و ذلك أنا قتلنا ثلاثة نفر من أصحابه فلو بعثت من يتجسس لنا عن خبره. قال: قال طليحة: نعم، أرأيتم‏[إن‏][ (7) ]بعثتم بفارسين بطلين على فرسين عتيقين أدهمين أغرّين محجّلين من بني نصر بن قعين‏[ (8) ]أتياكم من القوم بعين، فقال له بعض أصحابه: أبا عامر!أشهد أنك نبي حقا فليس هذا الكلام إلا من كلام [ (1) ]بالأصل مطموس. «كلمة» و لعله: و نحن أحق بالخلافة.

[ (2) ]بالأصل غير واضح.

[ (3) ]بالأصل مطموس، و لم نصل إليه.

[ (4) ]هو عكاشة بن محصن الأسدي. (عكاشة بضم أوله و تشديد الكاف و تخفيفها أيضا: الإصابة) من السابقين الأولين، و شهد بدرا.

[ (5) ]كذا، و هو تحريف، و هو ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان، شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللََّه (ص) .

[ (6) ]في تاريخ خليفة ص 102: فانتهوا إلى قطن (ماء في أرض بني أسد من ناحية فيد-ياقوت) فصادفوا بها حبالا متوجها إلى طليحة (أخيه) بثقله، فقتلا حبالا و أخذا ما معه، فخرج طليحة و سلمة ابنا خويلد فلقيا عكاشة و ثابتا (إشارة هنا إلى أن خليفة و الطبري لم يذكرا سعيد بن عمرو المخزومي معهما) فقتلا عكاشة و ثابتا.

[ (7) ]زيادة ليستقيم المعنى. و في المطبوعة: إن شئتم.

[ (8) ]بنو نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة. و هم أولاد عم طليحة بن خويلد، و هو من بني نضلة بن الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو. و عمرو و نصر ابنا قعين.

(جمهرة النسب للكلبي ص 169-170) .

13

الأنبياء. قال: ثم بعث القوم..... [ (1) ]على وصف طليحة بن خويلد ليتجسسا الأخبار بخالد.... [ (2) ]رجعا يركضان و هما يقولان: هذا خالد بن الوليد أقبل ..... [ (2) ]و الأنصار، قال: فازداد القوم فتنة إلى فتنتهم..... [ (3) ]يشجّع أصحابه و يقول: يا معشر بني أسد!لا يهولنكم..... [ (2) ]إلى خالد بن الوليد من هذا الجيش فإنهم على باطل و غرور، و أخرى فإنهم قد لهجوا بهذه الصلاة فهم يظنّون أنهم محسنون، و لقد أتاني جبريل يخبرني عن ربي: أنّه ليس يحتاج إلى تعفّر وجوهكم، و فتح‏[ (4) ]أدباركم، و لا يريد منكم ركوعا و سجودا و إنما يريد منكم أن تذكروه قياما و قعودا، فانظروا أن تمنعوا القوم أموالكم كما منعتموها في جاهليتكم، و أما عيينة بن حصن فقد خبرني عنه جبريل أنه قد خاف من حرب القوم، و أيم اللََّه! لو كانت له نية صادقة لما خاف من أحد أبدا إذا كان على هذا الدين. قال: ثم تقدم إلى طليحة جماعة من أصحابه فقالوا: يا أبا عامر!إنه قد أضرّ بنا العطش فهل عندك من حيلة؟فقال طليحة: نعم اركبوا علالا، و اضربوا أميالا، و جاوزوا الرمالا، و شارفوا الجبالا، و يمموا التلالا، تجدوا هناك قلالا[ (5) ]. قال: فركب بعض بني أسد فرسا لطليحة يقال له: علال، ثم سار إلى ذلك الموضع الذي وصف طليحة فإذا هو بماء عذب زلال!فشرب منه و ملأ سقاء كان معه، ثم رجع إلى قومه فخبرهم بذلك، قال: فمضوا إلى ذلك الموضع فأسقوا و ازدادوا فتنة إلى فتنتهم بطليحة بن خويلد. قال: و جعل خالد بن الوليد يتأنى بطليحة و يرسل إليه الرسل و يحذره سفك دماء أصحابه‏[ (6) ]، و طليحة يأبى ذلك و لجّ في طغيانه، قال: فعندها عزم خالد على حرب القوم.

أول حرب أهل الردّة

قال: و زحف إليهم خالد حتى وافاهم بأرض يقال لها: بزاخة[ (7) ]، و إذا [ (1) ]كلمة غير واضحة بالأصل. و يتضح مما يلي أن الكلمة المطموسة: «رجلين أو فارسين» انظر الطبري 3/261.

[ (2) ]مطموس بالأصل قدر كلمتين.

[ (3) ]مطموس بالأصل، و يتضح مما يلي أنه «و راح طليحة» .

[ (4) ]كذا بالأصل. و في المطبوعة «و قبح» أصوب.

[ (5) ]القلال جمع قلّة و هي أعلى الجبل. و قلة كل شي‏ء: أعلاه. و القلة: مزادة كبيرة من الماء، و قد سميت قلال لأنها تقل (اللسان) .

[ (6) ]و كان ذلك-من خالد-وفقا لما جاء في عهد أبي بكر إليه، و قد مر قريبا نسخة عنه.

[ (7) ]بزاخة: ماء لبني أسد. و ما أثبتناه عن تاريخ خليفة، و بالأصل براحه.

14

طليحة قد عبّى أصحابه و عبّى خالد أصحابه، و كان على ميمنته عدي بن حاتم الطائي، و على ميسرته زيد الخيل، و على الجناح الزبرقان بن بدر التميمي، و دنا القوم بعضهم من بعض و اختلط القوم فاقتتلوا، فقتل من الفريقين جماعة، و جعلت بنو أسد و غطفان و فزارة يقاتلون بين يدي طليحة بن خويلد أشد القتال و هم ينادون: لا نبايع أبا الفصيل-يعنون أبا بكر الصديق رضي اللََّه عنه، و جعل عدي بن حاتم يحمل عليهم في أصحابه فيقاتلهم و هو يقول: و اللََّه!لنقاتلنكم أبدا أو تكنونه بالفحل الأكبر[ (1) ]. قال: و جعل عدي بن حاتم و زيد الخيل و قبائل طي‏ء يقاتلون بين يدي خالد بن الوليد قتالا لم يقاتلوا قبله في يوم من أيامهم التي سلفت، و مدحهم خالد بن الوليد. قال: و اشتدّ القتال و عظم الأمر و عظت‏[ (2) ]الحرب الفريقين جميعا، فأقبل عيينة بن حصن إلى طليحة بن خويلد و هو واقف على باب خيمة من شعر[ (3) ] و فرسه علال إلى جانبه و امرأته نوار جالسة بين يديه‏[ (4) ]فقال له عيينة: أبا عامر!هل أتاك جبريل؟قال طليحة: لا، فرجع عينية إلى الحرب فقاتل ساعة ثم رجع إليه فقال: هل أتاك جبريل بعد؟فقال: لا، فرجع فلم يزل يقاتل حتى بلغ منه الجهد و اشتدّ به الأمر ثم رجع إلى طليحة فقال: أبا عامر!هل أتاك جبريل؟قال: لا، قال عيينة: حتى متى ويحك!بلغ منا الجهد و اشتدّ بنا الأمر و أحجم الناس عن الحرب، ثم رجع فلم يزل يقاتل هو و بنو عمّه من فزارة حتى ضجّوا من الطعان و الضراب، ثم رجع فقال له: أبا عامر!هل أتاك جبريل بعد؟قال: نعم قد أتاني، قال عيينة: اللََّه أكبر!هات الآن ما عندك و ما الذي قال لك جبريل!قال طليحة: نعم قد قال جبريل عليه السلام: إن رجاء لا تقوم لرجاه و إن لك و له حديثا لا تنساه الناس أبدا[ (5) ]. قال: ثم أقبل عيينة على أهله و بني عمّه من فزارة فقال:

ويحكم يا بني عمّي!هذا و اللََّه رجل كذاب!و اللََّه صحّ عندي كذبه لتخليطه في كلامه!قال: ثم ولى عيينة بن حصن منهزما مع بني عمه من فزارة و انهزمت بنو أسد و غطفان و سيوف المسلمين في أقفيتهم كأنها الصواعق!فقال طليحة بن خويلد:

[ (1) ]في الطبري 3/255 أبا الفحل الأكبر.

[ (2) ]أي اشتدت، و كانت شديدة فيها عسف و عنف (اللسان) .

[ (3) ]في الطبري: و طليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر.

[ (4) ]زيد في الطبري: يتنبأ لهم، و الناس يقتتلون، فلما هزت عيينة الحرب، و ضرس القتال، كر على طليحة.

[ (5) ]في الطبري: «إن لك رحا كرحاه، و حديثا لا تنساه» .

15

ويحكم!ما بالكم منهزمين؟فقال رجل منهم: أنا أخبرك يا أبا عامر: لم لا ننهزم؟ نحن قوم نقاتل و نريد البقاء، و هؤلاء قوم يقاتلون و يحبون الفناء. قال: فقالت نوار امرأة طليحة: أما إنه لو كانت لكم نيّة صادقة لما انهزمتم عن نبيكم!فقال لها رجل منهم: يا نوار!لو كان زوجك هذا نبيا حقا لما خذله ربّه. قال: فلمّا سمع طليحة ذلك صاح بامرأته: ويلك يا نوار!اقتربي منّي فقد اتّضح الحقّ و زاح الباطل. قال:

ثم استوى طليحة على فرسه و أردف امرأته من ورائه و مرّ منهزما مع من انهزم‏[ (1) ]، و احتوى خالد و من معه من المسلمين على غنائم القوم و عامة نسلهم و أولادهم.

قال: فجمع خالد غنائم القوم فوكل نفرا من المسلمين يحفظونها، ثم خرج في طلب القوم يتبع آثارهم حتى وافاهم بباب الأجرب‏[ (2) ]فاقتتلوا قتالا شديدا، فأسر عيينة بن حصن الفزاري و أسر معه جماعة من بني عمّه، و أفلت طليحة بن خويلد فمرّ هاربا على وجهه نحو الشام حتى صار إلى بني جفنة[ (3) ]فلجأ إليهم و استجار بهم فأجاروه. قال: ثم جمع خالد الأسارى بأجمعهم من بني أسد و غطفان و فزارة و عزم أن يوجه بهم إلى أبي بكر رضي اللََّه عنه.

ذكر الأسارى الذين وجه بهم خالد بن الوليد إلى أبي بكر و ما كان من أمرهم‏

قال: ثم أمر خالد بالمجامع فوضعت في أعناق هؤلاء الأسارى‏[ (4) ]و وجه بهم مع الغنائم إلى المدينة، فلما أشرفت الغنائم على المدينة خرج الناس ينظرون إلى الأسارى، فإذا هم بعيينة بن حصن على بعير و يده مجموعة إلى عنقه‏[ (5) ]، فجعل المسلمون يشتمونه و يلعنونه و هو ساكت لا ينطق بشي‏ء، قال: و جعل أهل المدينة ينخسونه بالعسبان‏[ (6) ]و يقولون له: يا عدو اللََّه!أكفرت بعد إيمانك و قاتلت المسلمين؟قال: فأشرف عليهم من فوق البعير فقال: و اللََّه!ما آمن ذلك الرجل باللََّه [ (1) ]العبارة في الطبري: و قال (لأصحابه) : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت و ينجو بأهله فليفعل. ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشام و ارفضّ جمعه.

[ (2) ]الأجرب: اسم موضع يذكر مع الأشعر من منازل جهينة بناحية المدينة.

[ (3) ]في تاريخ اليعقوبي: لحق طليحة بالشام و جاور بني حنيفة.

[ (4) ]كانوا ثلاثين أسيرا و عيينة بن حصن (اليعقوبي 2/129) .

[ (5) ]عند اليعقوبي: و هو مكبل بالحديد.

[ (6) ]العسبان جمع عسيب و هو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها (اللسان) و في الطبري:

ينخسه غلمان المدينة بالجريد.

16

ساعة قط-يعني عن نفسه. قال: ثم أتي به حتى أدخل على أبي بكر رضي اللََّه عنه فأوقفه بين يديه، فقال له أبو بكر: يا عدوّ اللََّه!أسلمت و أقرأت القرآن ثم رجعت عن دين الإسلام كافرا!لأضربن عنقك صبرا، فقال عيينة: يا خليفة رسول اللََّه (صلّى اللََّه عليه و سلم و آله) !إن الجميل أجمل، و قد كان رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أعرف بي منك لم يخف عليه شي‏ء من أمري، و لقد خرج من الدنيا و إني لمقيم على النفاق‏[ (1) ]، غير أني تائب إلى اللََّه عزّ و جلّ و إليك في يومي هذا فاعف عني عفا اللََّه عنك!فعفا عنه أبو بكر رضي اللََّه عنه و صفح عن بني عمّه و أحسن إليهم و كساهم.

قال: ثم قدم قرّة بن سلمة[ (2) ]بن هبيرة القشيري حتى أوقف بين يدي أبي بكر رضي اللََّه عنه و يده مجموعة إلى عنقه، فقال أبو بكر رضي اللََّه عنه: اضربوا عنقه، فقال قرّة: يا خليفة رسول اللََّه!إني رجل مسلم يشهد لي بذلك عمرو بن العاص، و ذلك أنه مرّ بي منصرفا من عمّان‏[ (3) ]فقرّبته و أكرمته و دللته على الطريق، و هو عارف بإسلامي، قال: فدعا أبو بكر عمرو بن العاص، قال له: يا أبا عبد اللََّه!ما الذي عندك من الشهادة لقرة بن هبيرة؟فإنه يزعم أنك تشهد له بالإسلام!فقال عمرو بن العاص: نعم يا خليفة رسول اللََّه!عندي من الشهادة أني مررت به، و أنا منصرف من عمان فلما نزلت عليه سمعته يقول: و اللََّه!لئن لم يتجاف أبو بكر خليفة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم عن زكاة أموالنا فما له في أعناقنا طاعة، فقال قرّة بن هبيرة: لم يكن القول على ما تقول يا عمرو!فقال عمرو: بلى و اللََّه يا خليفة رسول اللََّه!لقد سمعته يقول هذا المقال‏[ (4) ]و علمت أنه قد عزم على العصيان و منع الزكاة، فهذا و اللََّه [ (1) ]كذا. و قد ورد فيه أنه أسلم قبل الفتح-و قيل بعده-و شهده و شهد حنينا و الطائف، و كان من المؤلفة قلوبهم، و كان من الأعراب الجفاة، فيه جفاء سكان البوادي. و لم نجد عند من ترجم ما يشير إلى ذلك و النبي حيا (أسد الغابة-الإصابة-الاستيعاب) فقط هناك إشارة في حديث قال عنه النبي (ص) : أحمق مطاع سيد قومه. و نعته ابن أخيه في مجلس عمر بن الخطاب أنه من الجاهلين.

[ (2) ]كذا ورد قرة بن سلمة بن هبيرة خطأ، و قد مر قريبا صوابا: قرة بن هبيرة. ترجم له في أسد الغابة و الإصابة.

[ (3) ]و ذلك بعد وفاة رسول اللََّه (ص) . و كان رسول اللََّه (ص) قد استعمله على عمان و مات (ص) و هو أميرها. (الطبري-الإصابة) .

[ (4) ]عبارة الطبري 3/259 فلما أراد الرحلة، خلا به قرة، فقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم و تطيع، و إن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم. ـ

17

يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما كان من مقالتي و مقالته ثم إني رحلت عنه فلما قربت فرسي و ركبته سمعته يقول: إن أتيتنا-فعضّض على الأنامل‏[ (1) ]، قال قرة بن هبيرة: يا هذا! فإن كان هذا ذكرت فكم إلى كم هذا التحريض، قال: فسكت عمرو بن العاص و تكلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: سوءا لك يا عمرو!رجل نزلت عليه فأواك و أحسن ضيافتك و أطعمك و سقاك ثم تكلم بكلام بينك و بينه فأجبته على كلامه ثم رحلت عنه، فالآن لما نظرت إليه في مثل هذه الحالة أسيرا قد جمعت يداه إلى عنقه و ثبت قائما على قدميك تخطب عليه بجهدك!فاستحيا عمرو و ندم على ما تكلم، و التفت عمر إلى أبي بكر فقال: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!هذا رجل من سادات العرب و أشراف بني عامر و ما أولاك بالصفح عنه بعد إذ قدرت عليه!فقد كان منه ما كان من غيره فاعف عنه كما عفوت عن غيره‏[ (2) ]!قال أبو بكر: قد عفوت عنه، ثم أطلقه رضي اللّه عنه و كساه و أحسن إليه و أطلق من كان معه من بني عمه.

قال: و بلغ طليحة بن خويلد الأسدي أن عيينة بن حصن و قرة بن هبيرة قد حملا إلى المدينة و قد عفا عنهما أبو بكر رضي اللّه عنه، فندم على ما كان منه أشد الندامة، ثم إنّه وجّه إلى أبي بكر رضي اللّه عنه من الشام مع بعض النوادر[ (3) ]، قال: فلما انتهى إلى أبي بكر كتابه و قرئ عليه رقّ له أبو بكر رقّة شديدة و علم أنه قد ندم على ما كان منه. قال: و جعل طليحة بن خويلد يتقدم في الرجوع إلى دار الإسلام و يتأخر إلى أن توفي أبو بكر و مضى لسبيله رحمة اللّه عليه ثم استخلف بعده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقدم عليه طليحة بن خويلد مسلما تائبا، فلما رآه عمر قطب في وجهه ثم قال: يا طليحة!كيف ترجو النجاة من النار و قتلت مثل [ (1) ]و كان عمرو بن العاص-على رواية الطبري-قد قال لقرة: فواللّه لأوطئن عليك بالخيل.

[ (2) ]في الإصابة أن قرة بن هبيرة اعتذر إلى أبي بكر عن ارتداده بأنه كان له مال و ولد فخاف عليهم، و لم يرتد في الباطن.

[ (3) ]عند اليعقوبي 2/129 و بعث بشعر إلى أبي بكر يعتذر إليه، و يراجع الإسلام، يقول فيه:

فهل يقبل الصدّيق أني مراجع # و معط بما أحدثت من حدث يدي

و أني من بعد الضلالة شاهد # شهادة حق لست فيها بملحد

و في رواية عند الطبري 3/261 أنه راجع إسلامه بعد ما بلغه أن أسد و غطفان و عامرا قد أسلموا «ثم خرج نحو مكة معتمرا في إمارة أبي بكر و مر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة. فقال:

ما أصنع به!خلوا عنه، فقد هداه اللّه للإسلام» .

18

ثابت بن أرقم‏[ (1) ]الأنصاري و عكاشة بن محصن الأسدي؟قال طليحة: يا أمير المؤمنين!ذلك رجلان أكرمهما اللّه عز و جل بالجنة و ساق إليهما الشهادة على يدي و لم يقتلني‏[ (2) ]بأيديهما فأكون في النار!قال: فأعجب عمر مقالته فقرّبه و أدناه، و أقام طليحة عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أن تحركت الفرس بعد ذلك فوجهه عمر بن الخطاب مع سعد بن أبي وقاص، فقاتل بالعراق قتالا شديدا و قاتل أيضا بنهاوند، و لم يزل ناصرا لدين الإسلام حتى لحق باللّه. فهذا ما كان من كفر طليحة بن خويلد الأسدي و ارتداده و خروجه على أبي بكر و توبته.

ثم رجعنا إلى مسير خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة، قال: فلما فرغ خالد بن الوليد من حرب بني أسد و غطفان و فزارة و أمكنه اللّه منهم أقبل على من كان معه من المسلمين فقال لهم: إنكم تعلمون أن خليفة رسول اللّه (ص) قد كان أمرني بالبطاح‏[ (3) ]من أرض بني تميم إلى مالك بن نويرة و أصحابه و أنا سائر[ (4) ]، فما الذي عندكم من الرأي؟قال: فقالت له الأنصار: يا أبا سليمان!إنك لست عندنا بمتهم غير أن أبا بكر لم يعهد إلينا بشي‏ء في ذلك‏[ (5) ]عهدا فإن كان أمرك بالمسير إلى بني تميم فسر راشدا فإنا غير سائرين معك، قال خالد: لست أكرهكم على شي‏ء و أنا سائر بمن معي من المهاجرين حتى أنفذ أمر أبي بكر. قال: ثم سار خالد بمن معه من المهاجرين‏[ (6) ]يريد أرض بني تميم و أقامت الأنصار في مواضعها، حتى إذا سار خالد يومه كأنه اغتم على تخلف الأنصار عنه، قال: و تلاومت‏[ (7) ]الأنصار أيضا، ثم قال بعضهم لبعض: و اللّه، لئن كان غدا في هذا الجيش مصيبة فإنه لعار علينا!ليقولنّ الناس بأنكم خذلتم المهاجرين و أسلمتموهم لعدوّهم‏[ (8) ]، و لئن أصابوا [ (1) ]كذا بالأصل، و هو تحريف، و هو أقرم و قد تقدم.

[ (2) ]في الطبري: و لم يهني.

[ (3) ]البطاح بضم أوله-منزل لبني يربوع، و قيل: البطاح ماء في ديار بني أسد بن خزيمة، و هناك كانت الحرب بين المسلمين و أميرهم خالد بن الوليد و أهل الردة (معجم البلدان) .

[ (4) ]في تاريخ خليفة أنه بعد هزيمة غطفان و أسد ببزاخة قال خالد: و اللّه لا أنتهي حتى أناطح مسيلمة.

[ (5) ]في الطبري: إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة... أن نقيم حتى يكتب إلينا.

[ (6) ]زيد في الطبري: و التابعين بإحسان.

[ (7) ]في الطبري: و ندمت الأنصار، و تذامروا. و في الأغاني 15/300 و برمت الأنصار و تذامروا.

[ (8) ]في الطبري و الأغاني: و لئن أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس.

19

فتحا فإنه خير حرمتموه، و لكن سيروا فالحقوا بإخوانكم. قال: فسارت الأنصار حتى لحقت خالد بن الوليد فصار القوم جميعا واحدا، و توسط خالد بن الوليد أرض البطاح، و بالبطاح يومئذ رجل من أشراف بني تميم يقال له: الجفول‏[ (1) ]، لأنه جفل إبل الصدقة، و منع الزكاة و جعل يقول لقومه: يا بني تميم!إنكم قد علمتم بأن محمد بن عبد اللّه قد كان جعلني على صدقاتكم قبل موته‏[ (2) ]، و قد هلك محمد و مضى لسبيله، و لا بدّ لهذا الأمر من قائم يقوم به، فلا تطمعوا أحدا في مالكم فأنتم أحق بها من غيركم. قال: فلامه بعض قومه على ذلك و حمده بعضهم و سدد له رأيه بما قال‏[ (3) ]، فلما بلغ كلامه أبا بكر و المسلمين فازدادوا عليه حنقا و غيظا، و أما خالد بن الوليد فإنه حلف و عاهد اللّه عزّ و جلّ لئن قدر عليه ليقتلنه و ليجعلنّ رأسه أثفية للقدور.

قال: ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، و بثّ السرايا في البلاد يمنة و يسرة. قال: فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هو في حائط له و معه امرأته و جماعة من بني عمه‏[ (4) ]، قال: فلم يرع مالك إلا و الخيل قد أحدقت به فأخذوه أسيرا و أخذوا امرأته معه و كانت بها مسحة من جمال. قال: و أخذوا كل من كان من بني عمه فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوا بين يديه. قال: فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بديّا. قال: فقال القوم: إنا مسلمون فعلى ما ذا تأمر بقتلنا؟قال خالد: و اللّه!لأقتلنكم، فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلى للقبلة؟فقال خالد: بلى قد أمرنا بذلك و لكنكم لم تصلّوا ساعة قط، قال: فوثب أبو قتادة[ (5) ]إلى خالد بن الوليد فقال: أشهد أنك لا سبيل لك [ (1) ]عن الأغاني: و بالأصل: الحفول.

[ (2) ]كان مالك بن نويرة على بني يربوع-من بني حنظلة.

[ (3) ]كذا بالأصل، و في الطبري أن مالكا قد فرق (أصحابه) في أموالهم و نهاهم عن الاجتماع، و قال: يا بني يربوع إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلي هذا الدين، و بطأنا الناس عنه فلم نفلح و لم ننجح، و إني قد نظرت في هذا الأمر، فوجدت الأمر يتأنى لهم بغير سياسة، و إذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم و مناوأة قوم صنع لهم، فتفرقوا إلى دياركم و ادخلوا في هذا الأمر... و خرج مالك حتى رجع إلى منزله. و انظر الأغاني 15/301.

[ (4) ]من بني ثعلبة بن يربوع، من عاصم و عبيد و عرين و جعفر.

[ (5) ]هو الحارث بن ربعي و قيل اسمه النعمان أبو قتادة الأنصاري الخزرجي، ثم من بني سلمة. فارس رسول اللّه (ص) . (أسد الغابة-الإصابة) .

20

عليهم، قال خالد: و كيف ذلك؟قال: لأني كنت في السرية التي قد وافتهم فلما نظروا إلينا قالوا: من أين أنتم؟قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: و نحن المسلمون، ثم أذّنّا و صلّينا فصلّوا معنا، فقال خالد: صدقت يا[أبا-][ (1) ]قتادة إن كانوا قد صلوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم و لا بدّ من قتلهم. قال: فرفع شيخ منهم صوته و تكلّم فلم يلتفت خالد إليه و إلى مقالته فقدمهم فضرب أعناقهم عن آخرهم‏[ (2) ]. قال: و كان أبو قتادة قد عاهد اللّه أنه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهدا أبدا بعد ذلك اليوم.

قال: ثم قدّم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه فقال مالك: أ تقتلني و أنا مسلم أصلّي إلى القبلة!فقال له خالد: لو كنت مسلما لما منعت الزكاة و لا أمرت قومك بمنعها و اللّه!ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك. قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثم قال: يا خالد!بهذه قتلتني؟فقال خالد: بل اللّه قتلك برجوعك عن دين الإسلام و جفلك لإبل الصدقة و أمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال: ثم قدّمه خالد فضرب عنقه صبرا[ (3) ]. فيقال إن خالد بن الوليد تزوج بامرأة مالك‏[ (4) ]و دخل بها، و على ذلك أجمع أهل العلم.

[ (1) ]سقطت من الأصل.

[ (2) ]كذا بالأصل، و يفهم من رواية الطبري و الأغاني أن قتلهم لم يكن مقررا إنما كان لسوء فهم أمر أصدره خالد بقوله: أدفئوا أسراكم و كان في لغة كنانة إذا قالوا: دثروا الرجل فأدفئوه، دفئه أي اقتلوه من الدف‏ء. فظن القوم-و هي في لغتهم القتل-أنه أراد القتل، فقتلوهم. و قد عبر خالد عن أسفه بقوله: إذا أراد اللّه أمرا أصابه (3/278 الأغاني 15/301) .

[ (3) ]كذا بالأصل، و هو ما ذهب إليه اليعقوبي، و أما في الرواية المتقدمة عن الطبري و الأغاني أن ضرار بن الأزور هو الذي قتل مالكا. و يقول أخوه متمم بن نويرة يرثيه:

فعشنا بخير في الحياة و قبلنا # أصاب المنايا رهط كسرى و تبعا

و كنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني و مالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

في أبيات (الأغاني-الكامل لابن المبرد-أدب الكاتب و قال:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحت # خلف البيوت قتلت يا بن الأزور

أ دعوته باللّه ثم غدرته # لو هو دعاك بذمة لم يغدر

[ (4) ]هي أم تميم بنت المنهال بن عصمة الرياحي و هو الذي كفن مالكا-بثوبيه.

21

ذكر أمر مسيلمة الكذاب و ما كان من حروبه مع خالد بن الوليد و المسلمين‏

قال: و أقام خالد بن الوليد بالبطاح من أرض بني تميم بعد قتل مالك بن نويرة ينتظر أمر أبي بكر رضي اللّه عنه‏[ (1) ]. و جعل مسيلمة بن حبيب الكذاب يعلو أمره باليمامة يوما بعد يوم و يقول لقومه بني حنيفة: أريد أن تخبروني بما ذا صارت قريش أحق بالنبوة و الإمامة منكم، و اللّه!ما هم بأكثر منكم و لا أنجد، و إن بلادكم لأوسع من بلادهم، و أموالكم أكثر من أموالهم، و إن جبريل عليه السلام ليأتيني في كل يوم بالذي أريده من الأمور، و ينزل عليّ كما كان ينزل على محمد بن عبد اللّه من قبلي، و بعد فهذا الرحّال بن نهشل‏[ (2) ]و محكم بن الطفيل و هما من سادات أهل اليمامة فسلوهما هل يشهدان لي بأن محمد بن عبد اللّه قد أشركني في نبوته قبل وفاته‏[ (3) ]. قال: فأقبل قوم من أشراف بني حنيفة إلى الرحّال‏[ (2) ]بن نهشل و محكم بن الطفيل فقالوا لهما: إن مسيلمة بن حبيب قد ادّعى النبوة بين أظهرنا منذ كذا و كذا و قد زعم لنا أنكما تشهدان له بأن محمد بن عبد اللّه قد أشركه في نبوته قبل وفاته و أنتما عندنا شيخان صادقان فما الذي عندكما؟قال الرحّال‏[ (2) ]بن نهشل: صدق مسيلمة في قوله، أنا أشهد أن محمد بن عبد اللّه قد أشركه في نبوته قبل وفاته‏[ (3) ]، و قال محكم بن الطفيل: و أنا أشهد بذلك. قال: فعندها تسارع الناس إلى مسيلمة و آمنوا بنبوته إلا القليل منهم.

[ (1) ]في الطبري: أنه لما بلغ أبا بكر خبر مالك بن نويرة و ما أقدم عليه خالد بن الوليد كتب إليه أن يقدم عليه، ففعل، فأخبره خبره، فعذره و قبل منه، و عنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك. (3/278-279 و الأغاني 15/301-302) .

[ (2) ]كذا بالأصل، و هو الرجال بن عنفوة بن نهشل (و قيل هو الرحال بالحاء) و اسمه نهار (عن ابن الأثير) و كان قد أسلم في قومه بني حنيفة و هاجر إلى النبي (ص) و قرأ القرآن، و فقه في الدين، فبعثه معلما لأهل اليمامة و ليشغب على مسيلمة فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة.

[ (3) ]و كان مسيلمة قد تنبأ سنة عشر، و كان كتب إلى رسول اللّه إني أشركت معك، فلك نصف الأرض، ولي نصفها، و لكن قريش قوم لا يعدلون. فكتب إليه رسول اللّه (ص) : من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد ف إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلََّهِ يُورِثُهََا مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ، وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

22

ذكر سجاح بنت الحارث‏[ (1) ]التميمية لما زوجت نفسها من مسيلمة

قال: و ظهر أمر مسيلمة باليمامة و انتشر ذكره في الناس، و سمعت به سجاح بنت الحارث‏[ (1) ]التميمية و قد كانت ادّعت النبوة[ (2) ]و تبعها رجال من قومها غيلان بن خرشة[ (3) ]و الحارث‏[ (4) ]بن الأهتم و جماعة من بني تميم‏[ (5) ]. قال: و كان لها مؤذّن‏[ (6) ]يؤذّن بها و يقول: أشهد أن سجاح‏[ (1) ]نبية اللّه. قال: فسارت سجاح‏[ (1) ]هذه إلى مسيلمة الكذاب سلمت عليه بالنبوة و قالت: إنه بلغني أمرك و سمعت بنبوتك و قد أقبلت إليك و أحببت أن أتزوج بك، و لكن أخبرني ما الذي أنزل إليك من ربك؟فقال مسيلمة:

أنزل عليّ من ربي‏ : لاََ أُقْسِمُ بِهََذَا اَلْبَلَدِ، و لا تبرح هذا البلد، حتى تكون ذا مال و ولد، و وفر و صفد، و خيل و عدد، إلى آخر الأبد، على رغم من حسد. قال:

فقالت سجاح‏[ (1) ]: إنك نبي حقا، و قد رضيت بك و زوّجتك نفسي، و لكن أريد أن تجعل لي صداقا يشبهني، قال مسيلمة: فإني قد فعلت ذلك. قال: دعا مسيلمة بمؤذنه‏[ (7) ]فقال: ناد في قوم هذه المرأة: ألا!إن نبيكم مسيلمة قد رفع عنكم صلاتين‏[ (8) ]من الخمس التي جاء بها محمد بن عبد اللّه، و هي صلاة الفجر و صلاة العشاء الأخيرة، فقالت سجاح‏[ (1) ]: أشهد أنك لقد جئت بصواب.

قال: و ضج المسلمون إلى أبي بكر رضي اللّه عنه و قالوا: يا خليفة [ (1) ]بالأصل شجاح بنت المنذر، تحريف. و هي سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان.

[ (2) ]تنبأت بعد موت رسول اللّه (ص) بالجزيرة في بني تغلب، فاستجاب لها الهذيل، و ترك التنصر.

و تابعها جمع من عشيرتها.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل حرشنة.

[ (4) ]في الطبري: و عمرو.

[ (5) ]زيد في الطبري 3/274 و الزبرقان بن بدر، و عطارد بن حاجب و شبث بن ربعي.

[ (6) ]في تاريخ اليعقوبي 2/129 الأشعث بن قيس، و في الطبري و الكامل لابن الأثير: شبث بن ربعي الرياحي. و في المعارف لابن قتيبة ص 178: مؤذنها زهير بن عمرو من بني سليط بن يربوع، و يقال أن شبث بن ربعي أذن لها.

[ (7) ]في الطبري و ابن الأثير: دعا مسيلمة بمؤذنها و قال له: ناد في أصحابك...

[ (8) ]في الأغاني 18/166 «قد وضعت عنكم صلاة العصر. فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها، و يقولون: هذا حق لنا، و مهر كريمة منا لا نرده» . ـ

23

رسول اللّه!قد انتشر من ذكر هذا الملعون الكذاب بأرض اليمامة. قال: فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: لا تعجلوا فإني أرجو أن اللّه تبارك و تعالى قد أذن في هلاكه‏.

ذكر كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه إلى خالد بن الوليد في أمر مسيلمة

قال: ثم كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد رضي اللّه عنهما و هو يومئذ مقيم بالبطاح‏[ (1) ]فكتب إليه‏[ (2) ]:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه (ص) إلى خالد بن الوليد و من معه من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان.

أما بعد يا خالد!فإني قد أمرتك بالجد في أمر اللّه، و المجاهدة لمن تولى عن سبيل اللّه إلى غيره و رجع عن دين الإسلام و الهدى إلى الضلالة و الردى، و عهدي إليك يا خالد أن تتقي اللّه وحده لا شريك له، و عليك بالرفق و التأني، [و إياك و نخوة بني المغيرة][ (3) ]، و سر نحو بني حنيفة و مسيلمة الكذاب، و اعلم بأنك لم تلق قوما قط يشبهون بني حنيفةفي البأس و الشدة، فإذا قدمت عليهم، فلا تبدأهم بقتال حتى تدعوهم إلى داعية الإسلام، و احرص على صلاحهم، فمن أجابك منهم، فاقبل ذلك منه، و من أبى فاستعمل فيه السيف.

و اعلم يا خالد بأنك إنما تقاتل قوما كفارا باللّه و بالرسول محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فإذا عزمت على الحرب فباشرها بنفسك، و لا تتكل على غيرك، و صف صفوفك، و احكم بعينك‏[ (4) ]و اجزم‏[ (5) ]على أمرك، و اجعل على ميمنتك رجلا ترضاه، و على ميسرتك مثله، و اجعل على خيلك رجلا عالما صابرا، و استشر من معك من أكابر[ (6) ] المسلمين أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن اللّه تبارك و تعالى موفّقك بمشورتهم.

[ (1) ]تقدم أن أبا بكر كان قد استدعى خالدا بعد قتله مالك بن يربوع فقدم عليه خالد و اعتذر إليه فعذره و قبل منه ثم وجهه إلى مسيلمة و أوعب معه الناس. (الطبري 3/281 الكامل لابن الأثير 2/35) .

[ (2) ]مجموعة الوثائق السياسية حميد اللّه ص 348 عن كتاب الردة للواقدي ص 71-72.

[ (3) ]ما بين معكوفتين سقط من مجموعة الوثائق.

[ (4) ]في مجموعة الوثائق: تعبئتك.

[ (5) ]في مجموعة الوثائق: و احزم.

[ (6) ]في مجموعة الوثائق: أكابر أصحاب.

24

و اعرف للمهاجرين و الأنصار حقهم و فضلهم، و لا تكسل و لا تفشل، و أعد السيف للسيف و الرمح للرمح، و السهم للسهم، و استوص بمن معك من المسلمين خيرا، و لين الكلام و أحسن الصحبة و احفظ وصية نبيك محمد صلّى اللّه عليه و سلّم في الأنصار خاصة.

أن‏[ (1) ]تحسن إلى محسنهم و تتجاوز عن مسيئهم، و قل: لا حول و لا قوة إلا باللّه» .

قال: فلما ورد الكتاب على خالد بن الوليد جميع أصحابه ثم قرأ عليهم الكتاب و قال: ما الذي ترون الآن من الرأي؟فقالوا: الرأي رأيك و ليس فينا أحد يخالفك.

قال: فعندها عزم خالد على المسير إلى مسيلمة و أصحابه‏[ (2) ]، و كتب حسان بن ثابت الأنصاري إلى محكم بن الطفيل وزير مسيلمة يهدده، قال: فلما وصل كتابه إلى محكم بن الطفيل هذا الذي هو وزير مسيلمة و قرأه أرسل إلى وجوه أهل اليمامة فجمعهم ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حنيفة!هذا خالد بن الوليد قد سار إليكم في جمع المهاجرين و الأنصار و إنكم تلقون غدا قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم. قال: فقالت بنو حنيفة: سيعلم خالد غدا إذا نحن التقينا أنا بخلاف من لقي من العرب، فقال محكم بن الطفيل: هذا الذي أريده منكم. قال: و بلغ بني حنيفة أن خالدا قد سار إليهم في الحد و الحديد و الخيل و الجنود فاجتمعوا إلى رجل واحد من أكابرهم يقال له ثمامة بن أثال‏[ (3) ]-و كان ذا عقل و فهم و رأي و كان مخالفا لمسيلمة على ما هو عليه-فقالوا له: يا أبا عامر!إنه قد سار هذا الرجل إلى مقاتلتنا يريد قتلنا و بوارنا و استئصالنا عن جدبة الأرض، فهذا مسيلمة بن حبيب بين أظهرنا و قد ادّعى ما قد علمت من النبوة، فهات الذي عندكم من الرأي‏[ (4) ].

[ (1) ]في مجموعة الوثائق: و أن.

[ (2) ]رواية الطبري 3/280 أنه لما وجهه أبو بكر إلى مسيلمة أوعب معه الناس... و تعجل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبطاح، و انتظر البعث الذي ضرب بالمدينة، فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة و بنو حنيفة يومئذ كثير.

[ (3) ]من الطبري و الإصابة. و بالأصل: تمامة بن أتال. و هو ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم. حاول و هو مشرك أن يقتل رسول اللّه (ص) فأخذ و أمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد ثم عفا عنه رسول اللّه (ص) و تركه ثم أسلم. قال ابن إسحاق: لما ارتد أهل اليمامة عن الإسلام لم يرتد ثمامة و ثبت على إسلامه هو و من اتبعه من قومه و كان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة و تصديقه و يقول: إياكم و أمرا مظلما لا نور فيه و أنه لشقاء. قتله بنو الحصم. (أسد الغابة) .

[ (4) ]قيل إن ثمامة كتب إلى مسيلمة ينصحه كتابا نسخته (عن مجموعة الوثائق حميد اللّه ص 349 عن كتاب

25

قال: فقال لهم ثمامة[ (1) ]: و يحكم يا بني حنيفة!اسمعوا قولي تهتدوا، و أطيعوا أمري ترشدوا، و اعلموا أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم كان نبيا مرسلا لا شك في نبوّته، و مسيلمة رجل كذاب لا تغتروا بكلامه و كذبه، فإنّكم قد سمعتم القرآن الذي أتى به محمد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) عن ربّه إذ يقول: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ `حم*`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ*`غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ شَدِيدِ اَلْعِقََابِ ذِي اَلطَّوْلِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ* [ (2) ]فأين هذا الكلام من كلام مسيلمة الكذاب!فانظروا في أموركم و لا يذهبن هذا عنكم، ألا!و إني خارج إلى خالد بن الوليد في ليلتي هذه طالبا منه الأمان على نفسي و مالي و أهلي و ولدي، فقال القوم:

نحن معك يا أبا عامر!فكن من ذلك على علم. ثمّ خرج ثمامة بن أثال في جوف الليل في نفر من بني حنيفة حتى صار إلى خالدفاستأمن إليه فأمنه خالد و أمن أصحابه.

قال: و سار خالد بمن معه من المهاجرين و الأنصار حتى إذا تقارب من أرض اليمامة نزل إلى جنب واد من أوديتها[ (3) ]، ثم بعث بجماعة من أصحابه يزيدون على مائتي فارس فقال لهم: سيروا في هذه البلاد فأتوني بكل من قدرتم عليه، فساروا فإذا هم برجل من أشراف بني حنيفة يقال له مجاعة بن مرارة و معه ثلاثة[ (4) ]و عشرون رجلا من بني حنيفة.

ذكر مجاعة بن مرارة و سارية بن عامر

قال: فدنا منهم المسلمون فقالوا: من أنتم؟قالوا: نحن قوم من بني حنيفة، قال المسلمون: فلا أنعم اللّه بكم عينا يا أعداء اللّه!ثم أحاطوا بهم [ () ] الردة للواقدي ص 76) : ارجع و لا تدّع، فإنك في الأمر لم تشرك. كذبت على اللّه في وحيه و كان هواك هوى. ألا و تدو مناك (؟و قد منّاك) و قومك أن يمنعوك. و إن باتهم خالد ينزل، فما لك في الجو من مصعد، و ما لك في الأرض من مسلك. سحبت الذيول إلى سوءة (؟) على من يقل مثله يهلك.

[ (1) ]بالأصل: تمامة.

[ (2) ]سورة غافر: 1-3.

[ (3) ]في الطبري: حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة.

[ (4) ]في تاريخ خليفة ص 107 في عشرين رجلا. و في الكامل 2/36 و البداية و النهاية 6/356 «أربعين و قيل ستين فارسا» و كانوا قد ذهبوا لأخذ ثأر لهم في بني تميم و بني عامر.

26

فأخذوهم و جاءوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوهم بين يديه، فقال لهم خالد:

يا بني حنيفة!ما تقولون في صاحبكم مسيلمة؟فقالوا: نقول إنه شريك محمد في نبوّته، فقال رجل يقال له سارية بن عامر[ (1) ]: يا أبا سليمان!و لكني لا أقول ذلك، قال خالد: يا مجاعة[ (2) ]!ما تقول فيما يقول أصحابك هؤلاء؟فقال مجاعة: أقول إني قدمت المدينة و بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) فآمنت به و صدقته أنا و صاحبي هذا سارية بن عامر، لا و اللّه ما غيّرنا و لا بدّلنا!غير أنه لم يكن لنا بدّ من مداراة مسيلمة خوفا على أنفسنا و أموالنا و أولادنا، فقال له خالد بن الوليد: فاعتزل أنت و صاحبك هذا ناحية من هؤلاء الكفار. ثم قدم خالد بقية القوم فضرب أعناقهم صبرا، ثم عمد إلى مجاعة فقال مجاعة: أيّها الأمير!إني لم أزل مسلما و أنا اليوم على ما كنت عليه أمس و قد عجلت على هؤلاء القوم بالقتل و أنا و اللّه خائف على نفسي منك!و لكن أيها الأمير إن كان رجل كذاب خرج بين أظهرنا فادّعى ما ادّعى فليس يجب عليك أن تأخذ البري‏ء بأمر السقيم فإنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ [ (3) ]، قال: فسكت عنه خالد و لم يكلمه بشي‏ء. قال: ثم أقبل عليه سارية بن عامر فقال: أيّها الأمير!من خاف سيفك رجا عدلك و من رجا عدلك رجا أمانا منعما، و خفتك و رجوتك و أنا بحمد اللّه على دين الإسلام، ما غيّرت و لا بدّلت، فإن أردتّ أن نسأل لك أمر بني حنيفة فاستبقني و استبق هذا الشيخ فإنه سيّد أهل اليمامة و لا تؤاخذونا بما كان منّا و من تخلّفنا عنك و السلام، قال خالد: فإني عفوت عنكما و لكن أقيما في عسكري و لا تبرحا حتى أنظر ما ينصرم أمري و أمر بني حنيفة. ثم أمر خالد بمجاعة و سارية فأطلقهما من حديدهما.

[ (1) ]في الإصابة: سارية بن عمرو الحنفي.

[ (2) ]هو مجاعة بن مرارة بن سلمى و قيل سليم بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة الحنفي اليمامي من رؤساء بني حنيفة. و فيه يقول شاعر بني حنيفة:

و مجاع اليمامة قد أتانا # يخبرنا بما قال الرسول

فأعطيناه المقادة و استقمنا # و كان المرء يسمع ما يقول‏

و قد أنشد مجاعة يعبر عن تخوفه من خالد بعد ما أسر:

أ ترى خالدا يقتلنا اليو # م بذنب الأصغر الكذاب

لم يدع ملة النبي و لا نحسن # رجعنا فيها على الأعقاب‏

قال المرزباني: و بقي إلى خلافة معاوية.

[ (3) ]سورة الأنعام: 164 و الإسراء: 15 و فاطر: 18 و الزمر: 7.

27

ذكر الوقعة بين مسيلمة و خالد بن الوليد و مقتل مسيلمة

قال: و سار خالد بن الوليد بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له عقرباء[ (1) ]من أرض اليمامة، فضرب عسكره هناك. و سار مسيلمة في جميع بني حنيفة حتى نزل حذاء خالد، فأقاموا يومهم ذلك ينظر بعضهم إلى بعض، فلمّا كان من غد وثب مسيلمة يعبّي أصحابه تعبية الحرب ميمنة و مسيرة و قلبا و جناحين‏[ (2) ]، و نظر خالد بن الوليد إلى ذلك فوثب يعبّي أصحابه فكان على ميمنته زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و على ميسرته أسامة بن زيد مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و على الجناح البراء بن مالك أخو أنس بن مالك‏[ (3) ]. قال: و سلّت بنو حنيفة سيوفها من أجفارها و أبرقوا بها، ثم إنهم ضجّوا ضجّة و نعروا نعرة منكرة، فقال خالد: أيها القوم أبشروا!فإن القوم مخذولون إن شاء اللّه تعالى، و إنما سلّوا هذه السيوف ليرهبوكم و لم يفعلوا ذلك إلا جزعا و فشلا، قال: فسمع رجل من بني حنيفة فقال‏[ (4) ]: هيهات و اللّه يا بن الوليد!لكن أبرزناها لكم من أغمادها لتعلموا أنها ليست كسيوفكم الخشنة الكليلة.

قال: و دنا القوم بعضهم من بعض و تقدم خالد بن الوليد في أول القوم ثم قاتل ساعة و رجع إلى أصحابه، و تقدم عمّار بن ياسر و في يده صحيفة له يمانية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، و حمل رجل من بني حنيفة فضربه فالتقاها عمار بحجفته فزاحت الضربة عن الحجفة و هوت إلى أذن عمار فرمت بها، فلمّا بقيت أذن عمار معلقة سقطت على عاتقة، قال: و داخله عمّار فضربه ضربة قتله.

قال: ثم تقدم الحارث بن هشام المخزومي أخو أبي جهل بن هشام فجعل يهدر كالفحل، ثم حمل و قاتل قتالا شديدا و رجع إلى موقفه، و تقدم زيد بن الخطاب ثم [ (1) ]عقرباء: منزل من أرض اليمامة في طريق النباج (معجم البلدان) .

[ (2) ]كان على مقدمته الرجال بن عنفوة بن نهشل. و في الطبري: جعل مسيلمة على مجنبتيه المحكم و الرجال.

[ (3) ]في الطبري 3/286 قدم خالد شرحبيل بن حسنة، و أمّر على المقدمة خالد بن فلان المخزومي و جعل على المجنبتين زيدا و أبا حذيفة. و في رواية أخرى 3/288 كانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، و راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس.

[ (4) ]في الطبري 3/289 هو مجاعة بن مرارة قال: كلا و اللّه و لكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها، فأبرزوها للشمس لتلين لهم.

28

حمل و ذلك في آخر النهار فلم يزل يقاتل حتى قتل خمسة من وجوه القوم و فرسانهم و قتل‏[ (1) ]-رحمة اللّه عليه-. قال: فتقدم ابن عمّ له يقال له عامر بن بكير العدوي حتى وقف بين الجمعين، قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-.

قال: و اشتبك الحرب بين الفريقين فقتل من المسلمين زهاء عن ثلاثمائة رجل، و قتل من بني حنيفة جماعة، فأمسى القوم فرجع بعضهم عن بعض و لم ينم منهم أحد تلك الليلة لما يخافون من البيات، فلمّا كان من الغد دنا بعضهم إلى بعض، و تقدم محكم بن الطفيل هذا-وزير مسيلمة و صاحب أمره-فتقدم حتى وقف أمام أصحابه شاهرا سيفه، ثم حمل على المسلمين فقاتل قتالا شديدا، و حمل عليه ثابت بن قيس الأنصاري فطعنه في خاصرته طعنة نكسه عن فرسه قتيلا[ (2) ]، ثم جال الأنصاري في ميدان الحرب جولة، ثم حمل هذا الأنصاري في جماعة من بني حنيفة فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-. قال: ثم تقدم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-.

ذكر البراء بن مالك أخي أنس بن مالك‏

قال: و كان البراء بن مالك فارسا بطلا لا يصطلى بناره، و كان إذا شهد الحرب و عاينها أخذته الرعدة[ (3) ]و ينتفض انتفاضا شديدا حتى كان ربما يعقل بالحبال و يضبطه الرجال فلا يزال كذلك ساعة حتى يفيق، و إذا أفاق يبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، ثم إنه يثب قائما مثل الأسد فيقاتل قتالا شديدا لا يقوم له أحد، قال: فلمّا كان ذلك اليوم و عاين البراء بن مالك من شدة الحرب ما عاين أخذته الرعدة و النفضة، فلمّا أفاق‏[ (4) ]وثب ثم حمل على جميع بني حنيفة فجعل تارة يضرب بسيفه و تارة يطعن فيهم برمحه حتى قتل منهم جماعة و رجع إلى موقفه. قال: و صاحت بنو حنيفة بعضها ببعض و حملوا على المسلمين حملة منكرة حتى أزالوهم عن موقفهم [ (1) ]قتله أبو مريم الحنفي (تاريخ خليفة ص 108) و قيل قتله: سلمة بن صبيح ابن عم أبي مريم (الاستيعاب) .

[ (2) ]في تاريخ خليفة ص 109 رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فقتله. زيد في الطبري 3/290 رماه بسهم فوضعه في نحره فقتله.

[ (3) ]في الطبري 3/290 «العروراء» و هي رعدة تصيب الإنسان، و هي في الأصل برد الحمى.

[ (4) ]في الطبري: فلما بال وثب. ـ

29

و قتلوا منهم نيفا على ثمانين رجلا. قال: ثم كبّر المسلمون و حملوا عليهم و كشفوهم كشفة قبيحة.

ثم تراجعت بنو حنيفة و معهم صاحبهم مسيلمة حتى وقف أمام قومه، ثم حسر عن رأسه، ثم إنه حمل و حمل معه بنو حنيفة كحملة رجل واحد و انهزم المسلمون بين أيديهم و أسلموا سوادهم. قال: و صارت بنو حنيفة إلى فسطاط خالد فأحدقوا به‏[ (1) ]، و ثبت لهم خالد يومئذ وحده يضاربهم بالسيف، فإذا هو قد كشفهم عن فسطاطه و يلتفت إلى المسلمين فيناديهم: و يحكم يا قراء القرآن!أما تخافون غضب الرحمن و عذاب النيران؟ويحكم يا أهل دين محمد!أين الفرار ممن يزعم أنه شريك نبيّكم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم في نبوّته و رسالته؟أما تخافون اللّه أن يطلع عليكم فيجازيكم على سوء فعلتكم؟قال: فتاب الناس إليه من كان جانب حتى أحدقوا به، و دنت بنو حنيفة للقتال كأنهم الأسد الضارية، و اشتبك الحرب بين الفريقين، و تقدم أبو دجانة سماك بن خرشة[ (2) ]الأنصاري، ثم حمل أبو دجانة على بني حنيفة فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، قال: و حمل عليه رجل من سادات بني حنيفة ليضربه بالسيف فأخطأه و ضربه أبو دجانة ضربة فقطعه نصفين، و حمل على رجل آخر من بني حنيفة و ولى الحنفي من بين يديه و لحقه أبو دجانة فضربه فقطع ساقيه جميعا، ثم حمل على ميمنتهم فضرب فيهم ضربا وجيعا و حمل على ميسرتهم ففعل كذلك، و كان ربما حمل على الرجل فيعانقه ثم يضربه فيذبحه ثم يقف و ينادي بأعلى صوته: يا أهل الدين و الإسلام!إليّ إليّ فداكم أبي و أمي!فتاب إليه السوابق من أهل بدر و أحد و الأحزاب فكبروا و حملوا معه حملة عجيبة على مسيلمة و أصحابه فكشفوهم كشفة فاضحة و قتلوا منهم جماعة، ثم رجعوا إلى مواقفهم.

قال: و تقدم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري خطيب الأنصار و شيخهم [ (1) ]في الطبري: فزال خالد عن فسطاطه، و دخل ناس الفسطاط و فيه مجاعة[بن مرارة، و كان خالد قد أبقاه في فسطاطه مع امرأته أم تميم‏]عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف، فقال مجاعة: مه أنا لها جار، فنعمت الحرة!عليكم بالرجال 3/289.

[ (2) ]عن الاستيعاب 2/83 و بالأصل حرشنة. و هو سماك بن خرشة، و يقال: سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، مشهور بكنيته أحد الشجعان شهد بدرا.

30

فتقدم‏[ (1) ]و في يده راية صفراء ثمّ حمل على القوم فلم يزل يطاعن حتى قتل‏[ (2) ]-رحمة اللّه عليه-. قال: فتقدم ابن عمّ له يقال له بشير بن عبد اللّه من بني الحارث بن النجار حتى وقف بين الجمعين، قال: ثم حمل بشير بن عبد اللّه هذا فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه تعالى-.

قال رافع بن خديج الأنصاري: و اللّه!لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ (3) ]فلم نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر رضي اللّه عنه إلى قتال بني حنيفة، فلمّا قاتلناهم علمنا أنهم أولو بأس شديد، و ذلك أنهم هزمونا نيفا على عشرين هزيمة و قتلوا منا مقتلة عظيمة و كادوا أن يفضحونا مرارا غير أن اللّه عز و جل أحب أن يعز دينه.

قال: ثم إن المسلمين اجتمعت آراؤهم على أن يحملوا بأجمعهم على بني حنيفة.... [ (4) ]واحدة ثم إنهم لا يرجعون دون أن ينكوا فيهم. قال.... [ (5) ] على ذلك، ثم إنهم اجتمعوا في موضع واحد و كبروا تكبيرة واحدة و حملوا عليهم فكشفوهم حتى ألجئوهم إلى حديقة لهم، فلمّا أدخلوهم إلى جوفها و مسيلمة معهم أقبل المسلمون إلى الحديقة، فقال أبو دجانة الأنصاري‏[ (6) ]: ويحكم يا معشر الأنصار!احملوني حملا[و ألقوني‏][ (7) ]إليهم. قال: فحملوا أبا دجانة الأنصاري‏[ (6) ]على ترس.... [ (8) ]الأنصار ثم رفع بالرماح حتى القي في جوف الحديقة. قال.... [ (8) ]أبو دجانة[ (6) ]في وسط الحديقة ثم وثب كالليث [ (1) ]تقدم و هو يقول: بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين!اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء-يعني أهل اليمامة-و أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء-يعني المسلمين-.

[ (2) ]في البداية و النهاية 6/357: حفر ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، و هو حامل لواء الأنصار بعد ما تحفظ و تكفن فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك (و انظر الطبري 3/290 و تاريخ خليفة ص 107) .

[ (3) ]سورة الفتح: 16.

[ (4) ]بالأصل مطموس، و لعله «حملة واحدة» .

[ (5) ]بالأصل مطموس.

[ (6) ]في تاريخ خليفة و الطبري و ابن الأثير و البداية و النهاية: البراء بن مالك.

[ (7) ]زيادة عن تاريخ خليفة ص 109، الأصل مطموس.

[ (8) ]الأصل مطموس.

31

المغضب فلم يزل يقاتل في جوف الحديقة حتى قتل‏[ (1) ]-رحمة اللّه عليه-. قال:

و صاحب رجل من بني حنيفة بأصحابه: ويلكم يا معشر بني حنيفة!اعلموا أن هذه الحديقة حديقة الموت فقاتلوا أبدا حتى تموتوا كراما.

قال: و اقتحم خالد بن الوليد الحديقة بفرسه و بيده سيف لو ضرب به الحجر لقطعه، قال: فاستقبله رجل من بني حنيفة فقال له: أين تريد يا ابن كذا و كذا؟ فحمل عليه خالد و اعتنقه الحنفي فسقطا عن فرسيهما جميعا إلى الأرض، فسقط الحنفي تحت خالد فجعل يجرحه بخنجر كان معه، و خالد قد قبض على حلقه و الحنفي يجرحه من تحت حتى جرحه سبع جراحات، فوثب خالد و تركه و إذا فرس خالد قد غار عن الحديقة، فجعل خالد ظهره إلى باب الحديقة و جعل يقاتل حتى تخلص و هو لما به. قال: و أقبل عباد بن بشر[ (2) ]الأنصاري حتى وقف على باب الحديقة ثم نادى بأعلى صوته: يا معشر الأنصار!احطموا جفور[ (3) ]سيوفكم و اقتحموا.... [ (4) ]الحديقة عليهم فقاتلوهم أو يقتل مسيلمة الكذاب. قال: ثم كسر عباد بن بشر.... [ (5) ]سيفه و كسرت الأنصار جفار سيوفهم واقتحموا الحديقة ..... [ (6) ]و مائة رجل، فقاتلوا حتى ما بقي منهم إلا أربعة نفر فإنهم أقبلوا مجروحين لما بهم.

قال: و عظم الأمر على الفريقين جميعا، و التفت بنو حنيفة إلى مسيلمة فقالوا له: يا أبا ثمامة!ألا ترى إلى ما نحن فيه من قتال هؤلاء؟فقال مسيلمة: بهذا أتاني [ (1) ]كذا بالأصل و العبارة في الطبري 3/290: «فقال البراء: يا معشر المسلمين، القوني عليهم في الحديقة، فقال الناس: لا تفعل يا براء، فقال: و اللّه لتطرحني عليهم فيها، فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار، اقتحم فقاتلهم على باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين، و دخل المسلمون عليهم فيها» و قال خليفة ص 109: «... فقاتلهم حتى فتح الباب، و فيه بضع و ثمانون جراحة من بين رمية بسهم و ضربة فحمل إلى رحله يداوى فأقام عليه خالد شهرا» (انظر الاستيعاب 1/155) .

[ (2) ]من تاريخ خليفة ص 113 و بالأصل «بشير» تحريف.

[ (3) ]كذا جفور، و جفار يريد جمع جفرة. و جفرة كل شي‏ء وسطه و معظمه. و الجفير: الكنانة و الجعبة التي تجعل فيها السهام (اللسان) .

[ (4) ]بالأصل مطموس، لعله «جدار» .

[ (5) ]بالأصل مطموس: لعله «جفرة» .

[ (6) ]مطموس بالأصل، و في المطبوعة عن الترجمة الفارسية: و هم عشرون و مائة.

32

الوحي أن القوم يلجؤوكم إلى هذه الحديقة و يكون قتالكم معهم في جوفها، فقال له بعضهم: فأين ما وعدتنا من ربّك بأنّه ينصرنا على عدونا، و أن هذا الدين الذي نحن فيه هو الدين القيم؟فقال مسيلمة: أما الدين فلا دين لكم، و لكن قاتلوا عن أحسابكم. تظنون أنا إنما كنا نقاتل إلى...... [ (1) ]و نحن على الحق و هم على الباطل، إنه لو كان ما تظنون إذا لما..... [ (2) ]أحد جمعنا. قال: ثم جعل مسيلمة يرتجز. قال: فعند ذلك علم القوم أنهم كانوا في غرور و ضلال من استمساكهم بدين مسيلمة، و جعل رجل منهم يرتجز.

قال: فاقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة و أصحابه فقاتلوهم حتى احمرّت الأرض من الدماء. قال: و نظر وحشيّ‏[ (3) ]غلام جبير بن مطعم بن عدي إلى مسيلمة و قد ألجأه المسلمون إلى جانب الحديقة فقصده وحشيّ و قصده أيضا رجل من الأنصار يقال له: عبد اللّه بن يزيد[ (4) ]، و نظر إليهما مسيلمة و قد قصداه فحمل عليهما، ثم بدره الأنصاري بضربة على رأسه فأوهنه، و رماه وحشيّ بحربة كانت في يده فوقعت الحربة في خاصرته‏فسقط مسيلمة عدو الله عن فرسه قتيلا[ (5) ]. قال:

و تصايح الناس من كل جانب و قالوا: ألا!إن مسيلمة عدوّ الله قد قتله عبد أسود و هو وحشيّ غلام جبير بن مطعم. قال: و جعل وحشيّ ينادي: أيّها الناس!أنا وحشيّ غلام جبير بن مطعم!قتلت خير الناس و أنا كافر-يعني حمزة بن عبد المطلب رحمة اللّه عليه-و قتلت شر الناس و أنا مسلم-يعني مسيلمة الكذاب-، قال: ثم أنشأ الأنصاري‏[ (6) ]. قال: و دفع بنو حنيفة جانبا من حائط الحديقة فهدموه و خرجوا منها و السيف يأخذهم، و أقبل خالد بن الوليد حتى دخل الحديقة و معه جماعة من [ (1) ]بالأصل مطموس، و لعله: إلى إظهار هذا الدين.

[ (2) ]بالأصل مطموس: و لعله: إذا لما فرّق.

[ (3) ]هو وحشي بن حرب الحبشي، أبو دسمة و هو من سودان مكة مولى طعيمة بن عدي و قبل مولى جبير بن مطعم بن عدي قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه يوم أحد. كان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية و شر الناس في الإسلام (أسد الغابة) .

[ (4) ]في تاريخ خليفة: عبد اللّه بن زيد بن عاصم بن كعب من بني مازن بن النجار. و في البداية و النهاية 6/357: أبو دجانة الأنصاري سماك بن خرشة، ضربه بالسيف فسقط. و انظر تاريخ اليعقوبي 2/130.

[ (5) ]كان وحشي يقول: ربك أعلم أينا قتله! (و قد ضرباه سوية فلا يدرى ضربة من منهما أصابته أولا) .

[ (6) ]كذا، و قد سقط كلامه من الأصل.

33

المسلمين، فوقف على مسيلمة و هو مقتول و نظر إليه فإذا هو أصفر أحمش‏[ (1) ]ضعيف البدن، فقال خالد بن الوليد: أين مجاعة بن مرارة؟فقال: ها أنا ذا-أصلح اللّه الأمير-!فقال: هذا صاحبكم الذي وقعكم‏[ (2) ]!فقال مجاعة: نعم-أصلح اللّه الأمير-!هذا صاحبنا فلعنة اللّه عليه فلقد كان مشوما على نفسه و على بني حنيفة.

قال: ثم جعل مجاعة بن مرارة يقول‏[ (3) ]:

ذكر الصلح الذي جرى بين خالد بن الوليد و بين مجاعة بن مرارة

قال: ثم أقبل مجاعة على خالد فقال: أيها الأمير!هلمّ فصالحني على من ورائي من الناس، فإني أعلم أنه ما أتاك إلى الحرب إلا سرعان الخيل‏[ (4) ]، فقال خالد: ويلك ما تقول يا مجاعة!فقال: أقول إن الحصون مملوءة رجالا و سلاحا! قال: فظن خالد أنه كما يقول مجاعة، فجعل يقدّم و يؤخّر في الصلح.

قال: و أرسل مجاعة إلى الحصون فأمر النساء أن يلبسن..... [ (5) ]و المغافر و يتقلّدن و يقفن على أسوار الحصون حتى ينظر إليهن خالد. قال: ففعل النساء ما أمرهن به مجاعة و لبسن السلاح، فلما وقفن على حيطان الحصون و نظر إليهن خالد قال: ويحك يا مجاعة!إني أرى حصونكم مملوءة رجالا و سلاحا، فقال له مجاعة: قد خبرتك بذلك أيّها الأمير و لكنك أبيت أن تصالحني، قال خالد بن الوليد: فإني قد صالحتك. قال: فصالحه خالد على ما ظهر من الصفراء و البيضاء من الذهب و الفضة و على ثلث الكراع و ربع من السبي. و أقبل مجاعة نحو الحصون فإذا هو بامرأة من بني حنيفة قد رفعت صوتها و هي تقول: [ (6) ]، قال: فدنا منها [ (1) ]في تاريخ خليفة ص 110: «رويجل أصفر أحيمش» و الأحيمش: دقيق الساقين صغير الحجم. و في تاريخ الطبري 3/295: أخينس (تصغير أخنس) و الخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة.

[ (2) ]في الطبري: هذا صاحبكم قد فرغتم منه. و في تاريخ خليفة: هذا صاحبنا. فقال خالد: ويلك هذا فعل بكم ما فعل؟قال: قد كان ذلك.

[ (3) ]كذا، و سقط كلامه من الأصل.

[ (4) ]في الطبري: «سرعان الناس» و سرعان: بالتحريك و يخفف. أوائلهم المستبقون إلى الأمر.

[ (5) ]الأصل مطموس. و في مجموعة الوثائق السياسية ص 350: الدروع.

[ (6) ]كذا، و قد سقط من الأصل ما قالته.

34

مجاعة بن مرارة فقال لها: اسكتي-رضّ اللّه فاك!أنا مجاعة بن مرارة، و قد صالحت خالدا صلح مكر فلا تبرحن عن مواضعكن حتى يتم الصلح‏[ (1) ].

ذكر عدد القتلى الذين قتلوا من المسلمين، و الكتاب الذي ورد على خالد من المدينة

قال: و أحصي من قتل من المسلمين فكانوا ألفا و مائتي رجل‏[ (2) ]، [و]سبعمائة رجل كانوا حفاظ القرآن، و بلغ ذلك أبا بكر رضي اللّه عنه و من معه بالمدينة من المسلمين، و قامت النياحات بالمدينة على القتلى. قال: و كتب بعض المسلمين إلى خالد بهذه الأبيات..... [ (3) ]يحرضه على قتل من بقي من بني حنيفة..... [ (4) ]قال: فلمّا وصلت هذه الأبيات إلى خالد بن الوليد و نظر فيها قال: إنه لولا ما مضى من صلح القوم لفعلت ذلك فأما الآن فليس إلى قتلهم من سبيل.

[ (1) ]خرج مجاعة حتى أتى خالدا فقال: بعد شد ما رضوا، اكتب كتابك فكتب: (نص الصلح عن الطبري 3/297 و مجموعة الوثائق السياسية حتى 159) بسم اللّه الرحمن الرحيم (تفرد بها النويري و ليست في الطبري) .

هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد، مجاعة بن مرارة و سلمة بن عمير و فلانا و فلانا، قاضم على الصفراء و البيضاء، و نصف السبي و الحلقة و الكراع و حائط من كل قرية و مزرعة، على أن يسلموا.

ثم أنتم آمنون بأمان اللّه، و لكم ذمة خالد بن الوليد و ذمة أبي بكر خليفة رسول اللّه (ص) ، و ذمة المسلمين على الوفاء.

[ (2) ]كذا بالأصل و الطبري 3/300 و في رواية أخرى في الطبري 3/296: قتل من المهاجرين و الأنصار 360 و من المهاجرين من غير المدينة و التابعين بإحسان 300 من هؤلاء و 300 من هؤلاء. و في تاريخ خليفة ص 111: قتل من المهاجرين و الأنصار 140 و كان جميع القتلى 450 رجلا. و في رواية:

شهداء اليمامة 500، فيهم 50 أو 30 من حملة القرآن. و قد ذكر خليفة اسمائهم انظر ص 111 و ما بعدها.

[ (3) ]كذا، و لم تذكر الأبيات بالأصل. و في الطبري 3/297 أبيات قالها ضرار بن الأزور يوم اليمامة منها:

و لو سئلت عنا جنوب لأخبرت # عشية سالت عقرباء و ملهم‏

[ (4) ]بياض بالأصل. ـ

35

ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما بعد قتل مسيلمة و جواب الكتاب‏[ (1) ]

بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) من خالد بن الوليد، أما بعد فإن اللّه تبارك و تعالى لم يرد بأهل اليمامة إلا ما صاروا إليه، و قد صالحت القوم على‏[ (2) ]شي‏ء من الصفراء و البيضاء و على ثلث الكراع و ربع السبي، و لعل اللّه تبارك و تعالى أن يجعل عاقبة صلحهم خيرا-و السلام [عليك و رحمة اللّه و بركاته‏].

جواب الكتاب:

أما بعد فقد قرأت كتابك، و أما[ (3) ]ما ذكرت فيه من صلح القوم. فأتمم للقوم ما صالحتهم عليه، و لا تغدر بهم، و اجمع الغنائم و السبي، و ما أفاء اللّه به عليك من مال بني حنيفة. فأخرج من ذلك الخمس و وجه به إلينا ليقسم فيمن بحضرتنا[ (4) ]من المسلمين، و ادفع إلى كل ذي حق حقه-و السلام.

قال: و بلغ خالد بن الوليد أن مجاعة بن مرارة قد خدعه و أوقف النساء على حيطان الحصون و ألبسهم السلاح و أنه صالح خالدا صلح مكر. قال: فدعا به خالد و سأله عن ذلك، فقال: نعم أيها الأمير!إني لم أجد بدا مما فعلت و ذلك أنهم قومي و عشيرتي و خشيت عليهم الفناء، و أرجو أن نكون بعد هذا اليوم أعوانا لك على من ناوأك. قال: فسكت عنه خالد و لم يحب أن ينقض الصلح الذي كان بينه و بين مجاعة، فانصرف مجاعة إلى منزله و أنشأ يقول..... [ (5) ].

قال: ثم رجع خالد إلى الغنائم فأخرج منها الخمس و قسم باقي ذلك في المسلمين و بعث الخمس إلى المدينة، و انتخب خمسين من وجوه أهل اليمامة فوجه بهم وفدا[ (6) ]إلى أبي بكر رضي اللّه عنه حتى قدم هؤلاء القوم على أبي بكر مع [ (1) ]انظر مجموعة الوثائق: السياسية ص 350 نقلا عن كتاب الردة للواقدي ص 92-95.

[ (2) ]في مجموعة الوثائق: على ما وجد.

[ (3) ]في مجموعة الوثائق: و ما ذكرت فيه من صلح القوم بأنهم صالحوك.

[ (4) ]مجموعة الوثائق: يحضرنا.

[ (5) ]كذا بالأصل، و لم نجد الأبيات.

[ (6) ]انظر الطبري: 3/300.

36

الخمس، فلما دخلوا إليه سلّموا عليه و ردّ عليهم السلام، ثم قال: يا بني حنيفة! ما هذا الذي كنتم أزمعتم عليه من أمر مسيلمة؟قال: فتكلم رجل منهم يقال له:

عمرو بن شهم بن عبد العزيز بن سحيم فقال: يا خليفة رسول اللّه!خرج بيننا و كان رجلا مشؤوما أصابته فتنة من حديث النفس و أماني الشيطان دعا إليه قوما مثله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه فلم يبارك اللّه عزّ و جلّ له في قومه و لا لقومه فيه، و قد كان منّا ما كان من غيرنا ممن ارتدّ من قبائل العرب و أنت أولى بالعفو و الصفح الجميل- و السلام، ثم أنشأ يقول شعرا...... [ (1) ]فلمّا فرغ عمرو بن شهم هذا من شعره أقبل أبو بكر عليه-رضي اللّه عنه-قال: ذاك بما قدّمت يداك و ما اللّه بظلاّم للعبيد، قال: ثم رضي عنهم أبو بكر و أمرهم بالرجوع إلى بلدهم باليمامة.

ذكر تزوج خالد بن الوليد رضي اللّه عنه إلى مجاعة بن مرارة بابنته بأرض اليمامة

قال: و خطب خالد إلى مجاعة ابنته فزوّجها إياه و دخل خالد بها هنالك بأرض اليمامة، فكان إذا جاءه المهاجرون و الأنصار فسلّموا عليه يرد عليهم السلام و يأمرهم بالجلوس فيجلس الرجل منهم حيث ما لحق، و إذا جاء أعمام هذه الجارية التي قد تزوجها يرفع مجالسهم و يقضي حوائجهم، قال: فغضب المسلمون لذلك و اشتدّ عليهم ما يفعله بهم خالد، فكتب حسان بن ثابت إلى أبي بكر رضي اللّه عنه أبياتا ..... [ (2) ]قال: فلما وردت هذه الأبيات إلى أبي بكر رضي اللّه عنه غضب لذلك [ (1) ]كذا بياض بالأصل.

[ (2) ]بياض بالأصل. و نقل في مجموعة الوثائق السياسية ص 351 عن كتاب الردة للواقدي ص 98-100 أبيات حسان-و هي ليست في ديوانه المطبوع: يقول:

ألا أبلغ الصدّيق قولا كأنه # إذا بث بين المسلمين....

أ ترضى بأنا لا تجف دماؤنا # و هذا عروس باليمامة خالد؟

يبيت يناجي عرسه في فراشه # و هام لنا مطروحة و سواعد

إذا نحن جئنا صدّ عنا بوجهه # و ثنى لأعمام العروس الوسائد

و قد كانت النصار منه قريبة # فلما رأوه قد تباعد، باعدوا

و ما كان في صهر اليمامي رغبة # و لم يرضه إلا من الناس واحد

فكيف بألف قد أصيبوا و نيف # على الماء بين اليوم أو زاد زايد

فإن ترض هذا، فالرضى ما رضيته # و إلا فأيقظ إن من تحت راقد

37

ثم أقبل على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: يا أبا حفص!ما ترى إلى خالد بن الوليد و حرصه على الزواج و قلة اكتراثه بمن قتل من المسلمين؟فقال عمر:

أما و اللّه لا يزال يأتينا من قبل خالد في كل حين ما تضيق به الصدور[ (1) ].

قال: ثم كتب إليه أبو بكر[ (2) ]: أما بعد يا ابن الوليد فإنك فارغ القلب حسن‏[ (3) ] العزاء عن المسلمين، إذ قد اعتكفت على النساء، و بفناء بيتك ألف و مائتا رجل من المسلمين منهم سبعمائة رجل من حملة القرآن. إن لم يخدعك مجاعة بن مرارة عن رأيك أن صالحك صلح مكر، و قد أمكن اللّه منهم، أما و اللّه يا خالد ما هي منكر ينكر؟و إنها لشبيهة بفعلك الأول بمالك بن نويرة، فسوأة لك و لأفعالك!هذه القبيحة التي شانتك‏[ (4) ]في بني مخزوم-و السلام.

قال: فلمّا وصل كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه إلى خالد بن الوليد و قرأه تبسّم ضاحكا ثم قال: يرحم اللّه أبا بكر!و اللّه ما أعرف في هذا الكتاب من كلامه شيئا! و لا هذا إلا من كلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏[ (5) ]، و قد كان الذي كان، و ليس إلى ردة خالد في تزويجه ابنة مجاعة، و أنشأ منهم رجل‏[ (6) ]:

ذكر ارتداد أهل البحرين و محاربة المسلمين إياهم‏

قال: فلمّا فرغ خالد بن الوليد من أمر اليمامة و بني حنيفة و قتل مسيلمة أقام بأرض اليمامة ينتظر أمر أبي بكر. قال: و عزم أبو بكر رضي اللّه عنه على أن يوجّه بجيش من المسلمين إلى محاربة أهل البحرين.

قال: و كان من سبب أهل البحرين و ارتدادهم عن دين الإسلام أن نفرا من بكر بن وائل كانوا يعادون قبائل عبد القيس، و عبد القيس يومئذ بالبحرين متمسكون بدين الإسلام، لم يرتدوا مع من ارتدّ[ (7) ]، قال: و جعل هؤلاء الذين ارتدوا من [ (1) ]يعرض بفعلته هذه، و بقتله مالك بن نويرة.

[ (2) ]مجموعة الوثائق السياسية ص 352، الطبري باختصار 3/300.

[ (3) ]في مجموعة الوثائق: خشن.

[ (4) ]مجموعة الوثائق: ساقك.

[ (5) ]في الطبري: هذا عمل الأعيسر-يعني عمر بن الخطاب.

[ (6) ]كذا بالأصل.

[ (7) ]و كان الذي ثنى عبد القيس عن الردة الجارود بن عمرو بن حنش بن معلى. (انظر الطبري 3/ 302) .

38

بكر بن وائل‏[ (1) ]يقول بعضهم لبعض: تعالوا حتى نرد الملك في دار النعمان بن المنذر[ (2) ]فإنه أحقّ بهذا الأمر من ابن أبي قحافة، قال: فعزموا على ذلك، ثم خرج نفر من رؤسائهم و أهل الشرف فيهم حتى قدموا على كسرى ملك الفرس فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه و حيّوه بتحيّة الملوك، فقال كسرى: ما الذي أقدمكم يا معشر العرب؟فقالوا: أيّها الملك!إنه قد مضى ذلك الرجل العربي الذي كانت قريش و سائر مضر يعتزون به-يعنون بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) -و قد قام من بعده خليفة له ضعيف البدن ضعيف الرأي، قد انصرف عامله إلى صاحبه‏[ (3) ]، و بلاد البحرين اليوم ضائعة ليس بها أحد ممن هو على دين الإسلام إلا شرذمة من عبد القيس، و ليس هم عندنا بشي‏ء و نحن أكثر منهم خيلا و رجلا، فلو بعثت إلى البحرين رجلا يأخذها لم يكن أحد يمانعه عليها. قال: فقال لهم كسرى: فمن تحبون أن أوجّه معكم إلى البحرين؟فقالوا: من أحبّ الملك، قال: فما تقولون في المنذر بن النعمان بن المنذر؟فقالوا: أيها الملك!هو لنا رضا و ما نريد بدلا. قال: فأرسل كسرى إلى المنذر بن النعمان، فدعاه و هو يومئذ غلام حدث السن حين بقل وجهه، فخلع عليه خلعا و توجّه بتاج و حمله على مائة من الخيل و ضمّ إليه سبعة آلاف فارس و راجل، و عزم على أن يوجّه به مع بكر بن وائل إلى البحرين.

قال: و تجهز المنذر بن النعمان ليخرج مع القوم و ندم كسرى على ما فعل و جعل يقول لوزرائه: إني لم أصنع شيئا عمدت إلى غلام حدث‏[ (4) ]لا معرفة له بالأمور فجعلته رأسا للعرب، و ما عسى أن يكون مثله، و بلغ ذلك المنذر بن النعمان فأقبل حتى دخل على كسرى فحيّاه بتحية الملوك و وقف بين يديه ثم أقبل على من بحضرته من العرب ثم قال: انظروا أن تفسروا ما أقول. قال: فلما فسرت هذه الأبيات‏[ (5) ]لكسرى و فهمها أمره بالمسير إلى البحرين مع بكر بن وائل فكان معهم [ (1) ]و هم ربيعة و قد خرج بهم على الردة الحطم بن ضبيعة.

[ (2) ]في الطبري: 3/303 و الأغاني 15/256: فقالوا: نرد الملك في آل المنذر، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، و كان يسمى الغرور.

[ (3) ]هو المنذر بن ساوى، و قد مات بعد متوفى رسول اللّه (ص) .

[ (4) ]حدث أي شاب.

[ (5) ]كذا بالأصل. و قد سقطت الأبيات من الأصل.

39

الحطم بن ضبيعة[ (1) ]و ظبيان بن عمرو، و مشمع بن مالك، قال: فكتب إليهم المثنى بن حارثة يعذلهم على فعالهم و ينهاهم عمّا قد أزمعوا عليه من حربهم لإخوتهم عبد القيس، و يهددهم بالمهاجرين و الأنصار و أنشأ يقول في كتابه إليهم أبياتا ..... [ (2) ]، فلما وصلت هذه الأبيات إلى بكر بن وائل جعل يقول بعضهم لبعض: حسدنا المثنى بن حارثة على ثلاث خصال: على ملك المنذر بن النعمان و على صلحنا لكسرى، و على التوسع في البحرين، و اللّه!لا قبلنا منه ما أشار به علينا. قال: ثم سار القوم نحو البحرين و أنشأ رجل منهم‏[ (3) ]:

قال: و توسط بنو بكر بن وائل أرض البحرين، و اجتمعت عبد القيس إلى رأس من رؤسائهم يقال له الجارود بن المعلى العبدي في أربعة آلاف من عبد القيس و أحلافهم و عبيدهم و مواليهم، قال: و دنت منهم بنو بكر بن وائل في تسعة آلاف من الفرس و ثلاثة آلاف من العرب‏[ (4) ]، فاقتتل القوم قتالا شديدا، فكانت الدائرة على عبد القيس فانتصف بعضهم من بعض و دام الحرب بينهم أياما كثيرةحتى قتل منهم مقتلة عظيمة، و استأمن عامة عبد القيس إلى بكر بن وائل فانهزموا بين أيديهم حتى صاروا إلى حصن لهم بأرض هجر يقال له جواثا[ (5) ]فدخلوا، و أقبلت بنو بكر بن وائل و الفرس حتى نزلوا على الحصن فأحدقوا به و حاصروا عبد القيس حصارا شديدا و منعوهم من الطعام، فقال رجل منهم يقال له عبد اللّه بن حذف‏[ (6) ]العبدي هذه الأبيات و وجه بها إلى أبي بكر رضي اللّه عنه بالمدينة[ (7) ].

[ (1) ]عن الطبري و الأغاني، و بالأصل: أبو ضبعة الحطيم بن زيد.

[ (2) ]كذا بياض بالأصل.

[ (3) ]كذا بالأصل.

[ (4) ]في الطبري: 3/304 خرج الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة.... و من غير المرتدين ممن لم يزل كافرا... و من الزط و السيابجة.

[ (5) ]جواثا: (جواثاء: بالضم، و بين الألفين ثاء مثلثة، يمد و يقصر) حصن لعبد القيس فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام أبي بكر (رض) سنة 12 (ياقوت) .

[ (6) ]عن الأغاني: 15/257 و معجم البلدان، و الطبري 3/304 و بالأصل: «عوف» تحريف.

[ (7) ]لم تذكر الأبيات، و هي في الطبري 3/304 و الأغاني 15/256 معجم البلدان (جواثا) .

40

ذكر مسير العلاء بن الحضرمي إلى البحرين و محاربة الكفار الذين بها

قال: فلما نظر أبو بكر رضي اللّه عنه في هذه الأبيات اغتمّ فيه غمّا شديدا لما فيه من ذكر عبد القيس و ما قد اجتمع عليهم من كفار الفرس و بني بكر بن وائل، فدعا برجل من المسلمين يقال له العلاء بن الحضرمي‏[ (1) ]فعقد له علما و ضمّ إليه ألفي رجل من المهاجرين و الأنصار و أمره بالمسير إلى البحرين إلى نصرة عبد القيس ثم قال له: انظر يا علاء إلا تمرّن بحيّ من أحياء العرب إلا استنهضتهم إلى محاربة بني بكر بن وائل فإنهم قد أتوا بالمنذر بن النعمان بن المنذر من عند كسرى ملك الفرس و قد عقدوا التاج على رأسه، و قد عزموا على إطفاء نور اللّه و قتل أولياء اللّه. فسر و قل: لا حول و لا قوّة إلا باللّه.

قال: فسار العلاء بن الحضرمي حتى صار بأرض اليمامة فاستقبله ثمامة بن أثال الحنفي و كان مسلما تقيا فسلّم عليه ثم قال: أين تريد يا علاء؟فإني أرى معك جيشا كثيفا!فقال: و اللّه!أريد بني بكر بن وائل، فإنهم قد أتوا بالمنذر بن النعمان من عند كسرى، و قد ارتدّوا عن دين الإسلام و قد اجتمعوا على عبد القيس يريدون قتلهم و بوارهم، و قد أمرني الصديق أن استنهض كل من لقيني من المسلمين إلى حربهم، فهل لك أن تكون أول من أجاب إلى هذه الدعوة؟قال: فقال ثمامة:

و يحك يا علاء!أنت تعلم أن قومي قريبو عهد بالردّة مع مسيلمة الكذّاب و ما أظنهم يجيبوا إلى ذلك. و لكن ارقب عليّ قليلا حتى أذوق القوم و انظر ما عندهم، ثم أرسل ثمامة بن أثال إلى جماعة من بني حنيفة فدعاهم، فلما اجتمعوا عنده أقبل عليهم فقال لهم: يا بني حنيفة!هل لكم أن يرفع اللّه عزّ و جلّ رؤسكم ممّا كان منكم مع مسيلمة؟فقالوا: و ما ذاك؟فقال: تسيرون مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين فتقاتلون على الحق، فقالوا: و لمن نقاتل؟فقال: تقاتلون قوما لو أدعوكم إلى قتالهم لقاتلوكم على الباطل، فقال له رجل من قومه: يا ثمامة!حسبنا ما كان منا من الخروج مع مسيلمة حتى فنيت رجالنا و ذهبت أموالنا و سبيت أولادنا و نساؤنا.

[ (1) ]و هو العلاء بن عبد اللّه بن عباد...... بن مالك بن الخزرج. و قيل غير ذلك في نسبة. ولاه النبي (ص) البحرين ثم أقره أبو بكر و عمر. توفي سنة 14 و قيل سنة 21. (أسد الغابة) .

41

فلا تلمنا على القعود فحسبنا ما نزل بنا من الأمر، ثم أنشأ[ (1) ].

فقال لهم ثمامة بن أثال: ويحكم يا معشر بني حنيفة!ليس الأمر فيما ذكرتم من هتك حريمكم و سفك دمائكم و ذهاب أموالكم، فذلك بما كان من كفركم و رجوعكم عن دين الإسلام و خروجكم مع مسيلمة الكذاب تضربون وجوه المهاجرين و الأنصار!فأنزل بكم خالد بن الوليد من الذل و الصغار، و العلاء بن الحضرمي في وقته هذا إنما يدعوكم إلى نصرة الإسلام، و ليس القياس فيما ذكرتم بسواء، و أنا و اللّه ماض معه غير راغب بنفسي عنه، و اللّه يفعل في ذلك ما يحبّ و يرضى، ثم أنشأ ثمامة بن أثال‏[ (2) ]:

قال: و سار ثمامة بن أثال مع العلاء بن الحضرمي في نفر من بني عمّه‏[ (3) ]، حتى إذا صار العلاء إلى أرض بني تميم لقيه ابن عاصم‏[ (4) ]المنقري التميمي فسلّم عليه و رحّب به، فقال له العلاء: ويحك!إن قومك من بني تميم أبطؤوا عن الإسلام و تأخّروا عنه فلما دخلوا فيه ردّتهم عنه امرأة[ (5) ]و قد كان ما علمت من تأخرك عن أبي بكر فهل لك أن تسير معي إلى أرض البحرين فنقاتل هؤلاء المرتدين عن دين الإسلام، فقال له قيس بن عاصم: أما قولك بأن قومي تأخّروا عن دين الإسلام فلمّا دخلوا فيه ردّهم امرأة فقد كان ذلك كما ذكرت، و قومك من اليمن أيضا قد ملكتهم امرأة و ليس هذا بعجب، و الكلام كثير، و إن زدت زدنا، فإني إنما آتيك الآن لأحفزك و أسير معك حتى تخرج من أرض بني سعد فأكون قد قضيت حق مسيرك، و ليس لي حاجة إلى قتال أهل البحرين إلا أن أرى في ذلك رأيي.

قال: فسار العلاء بن الحضرمي و معه قيس بن عاصم في عشرين فارسا من بني تميم، فكان لا ينتهي إلى ماء من مياه بني سعد إلا تلقوه بالقري و الإنزال و العلوفة، و قد ذكر بعض ذلك بنو تميم حيث يقول‏[ (6) ]: قال: و سار العلاء بن الحضرمي و معه [ (1) ]كذا.

[ (2) ]كذا.

[ (3) ]في الطبري: 3/304 لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفة من بني سحيم و من أهل القرى من سائر بني حنيفة.

[ (4) ]هو قيس بن عاصم المنقري.

[ (5) ]يريد سجاح التميمية.

[ (6) ]كذا. ـ

42

ألف رجل من المهاجرين و الأنصار و معه ثمامة بن أثال و قيس بن عاصم المنقري‏[ (1) ]في جماعة من بني تميم و بني حنيفة حتى توسط أهل البحرين.

قال: و بنو بكر بن وائل و الفرس نزول على حصن جواثا قد حاصروا المسلمين من عبد القيس. قال: و جعل العلاء بن الحضرمي يستشير أصحابه في محاربة القوم، و بلغ من كان في حصن جواثا من المسلمين أن العلاء بن الحضرمي قد وافى في المهاجرين و الأنصار معونة لهم فرحوا بذلك و اشتدت بهم ظهورهم.

قال: و كتب إليه رجل من المسلمين من الحصن يعلمه أن القوم ليس لهم إلا البيات فإن يأتهم و كسر عسكرهم فقد قتلهم و كسر شوكتهم، و أثبت في كتابه إلى العلاء بن الحضرمي أبياتا. قال: فلما انتهت هذه الأبيات إلى العلاء بن الحضرمي علم أنه أمر ببيات القوم، فعزم على ذلك، ثم بعث إلى أولئك المحاصرين في الحصن أن يكونوا على أهبة الحرب فإذا علمتم أني كبستهم و سمعتهم المعمعة فاخرجوا عليهم فإني أرجوا أن يمكن اللّه عزّ و جل منهم.

قال: و بات العلاء بن الحضرمي ليلته تلك يشجّع قومه و يقوّي عزمهم و ينهاهم عن الجزع و الفشل‏[ (2) ]. قال: ثم إنه دعا برجل من أصحابه‏[ (3) ]و قال له: امض و تجسس لي الخبر من القوم، قال: فمضى ذلك الرجل، فلما كان انفجار الصبح إذا الرجل وافاه فقال: أيها الأمير!قم فإن اللّه أمكن منهم و ذلك أني أشرفت على معسكرهم‏[ (4) ]فلم أسمع لهم حركة و القوم عندي سكارى ما يعقلون. قال: فعندها نادى العلاء بن الحضرمي في أصحابه، فركب و سار نحوهم رويدا رويدا، حتى إذا عاين عسكرهم أكبّ عليهم الخيل، فلم تشعر الفرس و من معهم من العرب إلا [ (1) ]و كان قيس بن عاصم قد قسم الصدقات التي اجتمعت إليه بعد موت النبي (ص) . و لما رأى ما صنعت الرباب و عمرو من تلقيهم للعلاء ندم قيس على ما كان فرط منه و نزع عن أمره الذي كان همّ به، و عمل على إعداد ما كان قسم من الصدقات. و خرج مع العلاء لقتال أهل البحرين. (الطبري 3/305 ابن الأثير 2/40) .

[ (2) ]و كانت الإبل-بعد نزولهم في بحبوحة الدهناء-قد نفرت في جوف الليل، فما بقي بعير و لا زاد و لا مزاد و لا ماء، فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا اللّه. فدعاهم العلاء و جمعهم و قال: لن تراعوا، أنتم المسلمون، و في سبيل اللّه و أنصار اللّه، فابشروا فو اللّه لن تخذلوا. (الطبري-ابن الأثير) .

[ (3) ]هو عبد اللّه بن حذف (الطبري 3/308) .

[ (4) ]انظر ما ذكره الطبري بشأنه.

43

و حوافر الخيل تطأهم فاستيقظوا فزعين فأخذتهم السيوف.

قال: و فتح أولئك القوم المحاصرون باب الحصن و خرجوا من ورائهم فاقتتل القوم قتالا شديدا في جوف الليل، فقتل من المسلمين نفر قليل‏و قتل من الكفار بشر كثيرا، و أضاء الصبح و انهزم الكفار إلى موضع يقال له الردم‏[ (1) ]، و احتوى المسلمون على ما قدروا عليه من غنائمهم.

قال: و اجتمعت عبد القيس إلى العلاء بن الحضرمي من جميع نواحي البحرين حتى صار في نيف من ستة آلاف من أصحابه الذين قدموا عليه و ممن انحاز إليهم، فأقبل عليهم العلاء بن الحضرمي فقال: يا عشر عبد القيس!اعلموا أنكم في جهاد هؤلاء كجهاد من جاهد بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ليس بين هؤلاء و أولئك فرق، و اعلموا أن القتيل منكم في الحياة و الرزق عند اللّه، و للحي منكم الغنم و السرور، و قد ذلّت لكم بنو بكر بن وائل الرقاب بقدومي عليكم فأبشروا بالنصر على أعدائكم و لتصدق نياتكم في الجهاد. قال: فقال المنذر بن الجارود العبدي:

صدقت أيها الأمير!لقد كان قدومك علينا فرجا لنا و ثوابا عظيما لنا و لك في جهاد عدونا، فلو لم تأتنا لكان اللّه عزّ و جل ينصرنا على عدونا و لم يكن يخذلنا، لكن أيها الأمير ههنا جزيرة[ (2) ]فيها قوم كفار أشد علينا من جميع أعدائنا و ليس لها إلا طريق واحد، فسر بنا إليهم فعسى اللّه عزّ و جلّ أن يمكننا منهم، فإذا فرغت منهم سر بنا إلى عدونا و عدوك من هؤلاء الفرس و غيرهم من الكفار.

قال: فسار العلاء بن الحضرمي في جوف الليل و ليس لها إلا طريق واحد و على طريقها قوم يحرسونها فلم يشعر الحرس إلا و خيل المسلمين قد وافتهم فقتلوا عن آخرهم، و دخلت الخيل إلى الجزيرة، فما تركوا فيها ذكرا إلا قتلوه إلا من كان من صغار الذرية، و احتوى المسلمون على جميع ما كان في جزيرة دارين من النساء [ (1) ]الردم: قرية لبني عامر بن الحارث العبقسيين بالبحرين. (معجم البلدان) .

[ (2) ]و هي جزيرة دارين، فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند، و النسبة إليها داري. قال ياقوت:

إن المسلمين اقتحموا إلى دارين البحر مع العلاء بن الحضرمي فأجازوا ذلك الخليج بإذن اللّه جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، و إن ما بين الساحل و دارين مسيرة يوم و ليلة لسفر البحر، فالتقوا و قتلوا و سبوا فبلغ منهم الفارس ستة آلاف و الراجل ألفين (معجم البلدان) و انظر الطبري 3/311.

44

و الذرية و الأموال، و انصرفوا إلى عسكرهم، فأنشأ بعض المسلمين يقول في ذلك‏[ (1) ].

قال: ثم سار العلاء بن الحضرمي حتى وافى الكفار في موضع يقال له الردم، و دنا القوم بعضهم من بعض و اختلطوا فاقتتلوا ساعة و حمل رجل من الكفار يقال له أبجر بن بجير على قيس بن عاصم فضربه على رأسه و انهزم بين يديه فضربه قيس ضربة أثخنه‏[ (2) ]، ثم أنشأ قيس بن عاصم في ذلك يقول‏[ (3) ].

قال: و انهزم الكفار بين يدي المسلمين و أخذتهم السيوف و قد كان رائس لهم يقال له الحطم بن ضبيعة[ (4) ]نزل عن فرسه لقضاء حاجة قبل أن تقع الهزيمة. فلما انهزم القوم و ثب مسرعا، فلما وضع رجله في الركاب ليركب و كان ثقيل البدن مال به السرج فوقف قائما لا يدري ما يصنع فضربه رجل من المسلمين ضربة فقتله‏[ (5) ]ثم جعل يقول شعرا[ (6) ]. قال: ثم مضى حتى لحق بالمسلمين فخبرهم أنه قتل الحطم بن ضبيعة[ (7) ]ثم أنشأ في ذلك يقول شعرا[ (6) ].

قال: و انهزمت بنو بكر بن وائل فلحقوا بالبراري و الفلوات هائمين من سيوف المسلمين و المهاجرين و الأنصار، و هرب‏[ (8) ]المنذر بن النعمان حتى صار إلى أهل جفنة فاستجار فأجاروه، و انهزم الفرس فصار بعضهم إلى موضع يقال له الزرارة و القطيف‏[ (9) ]، و مضى بعضهم حتى لحق بكسرى فخبروه بما كان منهم، فاغتمّ [ (1) ]كذا بالأصل، و لعله يريد ما قاله عفيف بن المنذر:

ألم تر أن اللّه ذلك بحره # و أنزل بالكفار إحدى الجلائل

دعونا الذي شق البحار فجاءنا # بأعجب من فلق البحار الأوائل‏

(الطبري-معجم البلدان-البداية و النهاية) .

[ (2) ]في الطبري: طعنه في العرقوب، فقطع العصب، و سلم النسا، فكانت رادة.

[ (3) ]كذا، و في الطبري-3/309: و قال عفيف بن المنذر، و ذكر بيتين له.

[ (4) ]بالأصل «زيد» : و قد تقدمت الإشارة إليه.

[ (5) ]قتله قيس بن عاصم. و كان قبله قد ضربه عفيف بن المنذر على فخذه فقطعها و تركه. الطبري 3/ 309 الأغاني 15/260.

[ (6) ]كذا، و لم ترد في الأصل و لا في الطبري أو الكامل أو الأغاني.

[ (7) ]بالأصل: زيد تحريف.

[ (8) ]كذا، و في الطبري و الأغاني: أنه أسره عفيف بن المنذر ثم أجاره و أسلم و بقي بهجر.

[ (9) ]الزارة و القطيف من قرى البحرين.

45

كسرى بذلك غمّا شديدا، و استأمن أيضا قوم من الفرس إلى العلاء بن الحضرمي فآمنهم فصاروا بالبحرين حراثين و زراعين.

و جمع العلاء بن الحضرمي ما كان عنده من الغنائم فأخرج منه الخمس و وجّه به إلى أبي بكر رضي اللّه عنه و كتب إليه يخبره بما فتح اللّه عزّ و جلّ عليه من البحرين، فكتب إليه أبو بكر رضي اللّه عنه بالجواب‏[ (1) ]، و أقره على البلاد. قال:

و ندم المنذر بن النعمان بن المنذر على ما كان منه أشد الندامة ثم كتب إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه من الشام هذه الأبيات‏[ (2) ].

ذكر ارتداد أهل حضرموت من كندة و محاربة المسلمين إياهم‏

قال: فلما فرغ أبو بكر رضي اللّه عنه من حرب أهل البحرين عزم على محاربة أهل حضرموت من كندة، و ذلك أن عاملهم زياد بن لبيد الأنصاري‏[ (3) ]كان ولاه عليهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) كان مقيما بحضرموت يصلي بهم و يأخذ منهم ما يجب عليهم من زكاة أموالهم، فلم يزل كذلك إلى أن مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) لسبيله و صار الأمر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا!إنا قد سمعنا كلامك و دعائك إلى هذا الرجل فإذا اجتمع الناس إليه اجتمعنا، قال له زياد بن لبيد: يا هذا!إنه قد اجتمع المهاجرون و الأنصار، فقال له الأشعث: إنك لا تدري كيف يكون الأمر بعد ذلك. قال: فسكت زياد بن لبيد و لم يقل شيئا، ثم قام إلى الأشعث بن قيس ابن عم له يقال له امرؤ القيس بن عابس من كندة فقال له: يا أشعث!أنشدك باللّه و بإيمانك و بقدومك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) ان نكصت أو رجعت عن دين الإسلام، فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، و إن هذا الأمر لا بدّ له من قائم يقوم به فيقتل من خالف عليه، فاتق اللّه في نفسك، فقد علمت ما نزل بمن خالف أبا بكر و منعه الزكاة، فقال له الأشعث بن قيس: إن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم قد مضى لسبيله و إن العرب قد رجعت إلى ما كانت تعبده، فقال له: نحن أقصى العرب دارافيبعث إلينا أبو بكر جيشا كما بعث إلى غيرنا، [ (1) ]كتاب العلاء و جواب أبي بكر في الطبري: 3/313.

[ (2) ]كذا بالأصل.

[ (3) ]في الطبري: 3/330 زياد بن لبيد البياضي. و في الكامل 2/47 زياد بن أبي لبيد الأنصاري.

46

و أخرى فإن زياد بن لبيد بين أظهرنا و هو عامل علينا و لا يدعك أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان. قال: فضحك الأشعث ثم قال: أو لا يرضى زياد أن يخبره فيكون بين أظهرنا!قال: فقال له إمرؤ القيس: يا أشعث!انظر ما يكون بعد هذا. قال: ثم انصرف امرؤ القيس إلى منزله و أنشد شعرا[ (1) ]. قال: و افترق القوم فريقين: فرقة أقاموا على دين الإسلام فلم يرجعوا و عزموا على إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و فرقة عزموا على منع الزكاة و العصيان.

قال: و انصرف زياد بن لبيد يومه ذلك مغموما إلى منزله، فلما كان بعد أيام نادى في أهل حضرموت فجمعهم ثم قال: اجمعوا صدقاتهم فإني أريد أن أوجه بها إلى أبي بكر الصديق لأن الناس قد اجتمعوا عليه و قد أهلك اللّه أهل الردّة و أمكن منهم المسلمين. قال: فجعل قوم يعطونه الزكاة و هم طائعون، و قوم يعطونه إياها كارهين، و زياد بن لبيد يجمع الصدقات و لا يريهم من نفسه إلا الصّرامة، غير أنه أخذ يوما من الأيام ناقة من إبل الصدقة فوسمها و سرحها مع الإبل التي يريد أنّ يوجّه بها إلى أبي بكر رضي اللّه عنه و كانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري‏[ (2) ]من بني قشير، فأقبل ذلك الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة فقال: يا بن عم!إن زياد بن لبيد قد أخذ ناقة لي فوسمها و جعلها مع إبل الصدقة و أنا مشغوف بها فإن رأيت أن تكلّمه فيها فلعلّه أن يطلقها و يأخذ غيرها من إبلي فإني لست أمتنع عليه!قال: فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد و قال له: إن رأيت أن تردّ ناقة هذا الفتى عليه و تأخذ غيرها فعلت منعما!فقال له زياد بن لبيد: إنّها قد دخلت في حقّ اللّه و قد وضع عليها ميسم الصدقة و لا أحبّ أن آخذ غيرها، فغضب حارثة بن سراقة من ذلك ثم قال: أطلقها و أنت كريم و إلا طلقتها و أنت لئيم‏[ (3) ]. قال: فغضب زياد من ذلك، ثم قال‏[ (4) ]: لا أطلقها حتى أنظر من يحول بيني و بينها أو يمنعها!قال: فتبسّم حارثة بن سراقة ثم جعل يقول أبياتا من جملتها:

[ (1) ]كذا و ليست الأبيات بالأصل.

[ (2) ]في الطبري: 3/332 شيطان بن حجر، و قيل بل هي لأخيه العداء بن حجر. و هو من بني عمرو بن معاوية.

[ (3) ]في معجم البلدان (حضرموت) : أطلقها أيها الرجل طائعا قبل أن تطلقها و أنت كاره.

[ (4) ]في المعجم: لا و اللّه لا أطلقها و لا نعمة عين.

47

يمنعها شيخ بخدّيه الشيب # يلمّع‏[ (1) ]كما يلمّع الثوب‏

قال: ثم أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة فأخرج الناقة بعينها ثم قال لصاحبها: خذ ناقتك إليك فإن كلمك أحد فاحطم أنفه بالسيف!نحن إنما أطعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذ كان حيّا، و لو قام رجل من أهل بيته لأطعناه، و أمّا ابن أبي قحافة فلا و اللّه ما له في رقابنا طاعة و لا بيعة!ثم أنشأ حارثة بن سراقة يقول أبياتا من جملتها:

أطعنا رسول اللّه إذ كان بيننا # فيا عجبا ممن يطيع أبا بكر

قال: فلما سمع زياد بن لبيد هذه الأبيات كأنه اتقى على ما جمع من إبل الصدقة أن تؤخذ[ (2) ]فخرج ليلته يريد المسير إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه و معه نفر من أصحابه، فلمّا سار على مسيرة يومين من القوم كتب إلى حارثة بن سراقة و أصحابه بهذه الأبيات من جملتها:

نقاتلهم في اللّه و اللّه غالب # على أمره حتى تطيعوا أبا بكر

قال: فلمّا وردت هذه الأبيات من زياد بن لبيد غضبت أحياء كندة لذلك غضبا شديدا فأتت الأشعث بن قيس، فقال: خبروني عنكم يا معشر كندة إذ كنتم بايعتم على منع الزكاة و حرب أبي بكر فهلا قتلتم زياد بن لبيد فكان يكون الأمر في ذلك واحدا كائنا ما كان، و لكنّكم أمسكتم عنه حتى أخذ زكاة أموالكم ثم رحل عنكم إلى صاحبه، و كتب إليكم يهدّدكم بالقتل، فقال له رجل من بني عمّه: صدقت و اللّه يا أشعث!ما كان الرأي إلا قتل زياد بن لبيد و ارتجاع ما دفع إليه من إبل الصدقة، و اللّه ما نحن إلا كعبيد لقريش!مرة يوجهون إلينا أمية[ (3) ]فيأخذون من أموالنا ما يريدون و مرة يولون علينا مثل زياد بن لبيد فيأخذ من أموالنا و يهدّدنا بالقتل، و اللّه لا طمعت قريش في أموالنا أبدا!ثم أنشأ يقول أبياتا من جملتها:

[ (1) ]في الطبري: 3/332 ملمع.

[ (2) ]في الطبري ذكر أنه بعد أن أطلقت الناقة: «فأمر به زياد شبابا من حضرموت و السكون، فمغثوه و توطئوه و كتفوه و كتفوا أصحابه و ارتهنوهم و أخذوا البكرة فعقلوها كما كانت و قال زياد في ذلك:

لم يمنع الشذرة أركوب # و الشيخ قد يثنيه أرجوب‏

[ (3) ]كذا، لعله يريد المهاجر بن أبي أمية.

48

إذا نحن أعطينا المصدّق سؤله # فنحن له فيما يريد عبيد

قال: ثم تكلم مثل كلام الأوّل و حرض بني عمّه على العصيان و منع الزكاة.

قال: ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال: يا معشر كندة!إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة و الزموا بلادكم و حوطوا حريمكم و امنعوا زكاة أموالكم، فإني أعلم أن العرب لا تقر بطاعة بني تميم بن مرة و تدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره، فإنها لنا أجود، و نحن لها أجرى و أصلح من غيرنا لأنا ملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض قريشي‏[ (1) ]و لا أبطحي.

قال: ثم إنّ زياد بن لبيد رأى من الرأي لا يعجل بالمسير إلى أبي بكر فوجّه بما عنده من إبل الصدقة إلى المدينة مع ثقة و أمره أن لا يخبر أبا بكر بشي‏ء من أمره و أمر القوم. قال: ثم إنه سار إلى حيّ من أحياء كندة يقال لهم بنو ذهل‏[ (2) ]بن معاوية فخبرهم بما كان من...... [ (3) ]إليه و دعاهم إلى السمع و الطاعة، فأقبل إليه رجل من سادات بني تميم يقال له الحارث بن معاوية فقال لزياد: إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا و لا إليكم فيه عهد، فقال له زياد بن لبيد: يا هذا صدقت!فإنه لم يعهد إلينا و لا إليكم فيه عهد، و لكنّا اخترناه لهذا الأمر، فقال له الحارث:

أخبرني‏لم نحيتم عنها أهل بيته و هم أحقّ الناس بها لأنّ اللّه عز و جل يقول:

وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ [ (4) ]؟فقال له زياد بن لبيد: إنّ المهاجرين و الأنصار أنظر لأنفسهم منك، فقال له الحارث بن معاوية: لا و اللّه!ما أزلتموها عن أهلها إلا حسدا منكم لهم و ما يستقرّ في قلبي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) خرج من الدنيا و لم ينصب للناس علما يتبعونه فارحل عنّا ايها الرجل فإنك [ (1) ]كذا بالأصل. قريشي: قال صاحب اللسان في مادة قرش: قريش غير مصروف إذا أردت القبيلة، و النسب إليه قرشي نادر، و قريشي على القياس. قال:

بكل قريشي عليه مهابة # سريع إلى داعي الندى و التكرم‏

قال ابن بري بإثبات الياء في النسب إلى قريش.

و قال في التهذيب، إذا نسبوا إلى قريش قالوا: قرشي بحذف الزيادة، و للشاعر إذا اضطر أن يقول قريشي.

[ (2) ]كذا بالأصل، و لم نجده في كتب النسب.

[ (3) ]كذا بالأصل.

[ (4) ]الأنفال: 75.

49

تدعو إلى غير رضا، ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول:

كان الرسول هو المطاع فقد مضى # صلّى عليه اللّه لم يستخلف‏

قال: فوثب عرفجة بن عبد اللّه الذهلي فقال: صدق و اللّه الحارث بن معاوية! أخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه بأهل للخلافة و لا يستحقها بوجه من الوجوه، و ما المهاجرون و الأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيها محمّد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) .

قال: ثم وثب رجل من كندة يقال له عدي بن عوف فقال: يا قوم!لا تسمعوا قول عرفجة بن عبد اللّه و لا تطيعوا أمره، فإنّه يدعوكم إلى الكفر و يصدّكم عن الحقّ، اقبلوا من زياد بن لبيد ما يدعوكم إليه و ارضوا بما رضي به المهاجرون و الأنصار، فإنّهم أنظر لأنفسهم منكم، قال: ثم أنشأ يقول في ذلك أبياتا من جملتها:

يا قوم إني ناصح لا ترجعوا # في الكفر و اتبعوا مقال الناصح‏

قال: فوثب إليه نفر من بني عمّه فضربوه حتى أدموه و شتموه أقبح الشتم، ثم وثبوا إلى زياد بن لبيد فأخرجوه من ديارهم و همّوا بقتله.

قال: فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة فيدعوهم إلى الطاعة إلاّ ردّوا عليه ما يكره، فلمّا رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فخبره بما كان من القوم و أعلمه أن قبائل كندة قد أزمعت على الارتداد و العصيان، فاغتمّ أبو بكر رضي اللّه عنه لذلك غمّا شديدا، فقال له بعض المسلمين: يا خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) !هذا خالد بن الوليد مقيم بأرض اليمامة، و قد تعلم أنه ...... [ (1) ]فوجه به إليهم، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: إن خالدا كما وصفتم و لكن أميرهم الذي أخرجوه عنها هو أحق بحربهم من غيره، ثم جمع أبو بكر جيشا ضمّه إلى زياد بن لبيد و أمره بالمسير إلى القوم، فسار زياد من المدينة في أربعة آلاف من المهاجرين و الأنصار يريد حضرموت.

قال: و اتصل الخبر بقبائل كندة فكأنهم ندموا على ما كان منهم، ثم وثب [ (1) ]كذا، بالأصل مطموس. ـ

50

رجل من أبناء ملوكهم‏[ (1) ]يقال له أبضعة بن مالك فقال: يا معشر كندة!إنّا أضرمنا على أنفسنا نارا لا أظنّ أنها تطفأ أو تحرق منا بشرا كثيرا، و الرأي عندي أن نتدارك ما فعلنا و نسكن هذه الثائرة التي هاجت علينا و نكتب إلى‏[أبي‏][ (2) ]بكر الصديق فنخبره بطاعتنا و أن نؤدي إليه زكاتنا طائعين غير مكرهين و أنا قد رضينا به خليفة و إماما، مع أني أقول هذه المقالة و لست بخارج من رأيكم غير أني أعلم إلى ما يؤول أمركم غدا! ثم أنشأ يقول أبياتا من جملتها:

أرى أمرا لكم فيه سرور # و آخره لكم فيه ندامة

قال: فلمّا سمعت قبائل كندة هذا الشعر كأنهم انكسروا لذلك و جعل بعضهم يوثب بعضا، فقال قوم: نرجع عمّا فعلنا و نؤدّي الزكاة، و قال قوم: لا بل نمنع الزكاة و نقاتل من يأتينا من عند أبي بكر.

قال: فلما سمعت قبائل كندة الأبيات من حارثة بن سراقة وثبوا إليه من كل جانب و قالوا: و اللّه!ما ألقانا فيما نحن فيه سواك و ما زلت مشؤوما في كل حال!ثم وثب إليه الأشعث بن قيس فقال: و اللّه يا ابن سراقة!لأسلمنك غدا برمّتك إلى زياد بن لبيد يقضي فيك ما يقضي فإن ذلك خير لكندة من نصب الحرب لمثل أبي بكر في سبب ناقة لا أقل و لا أكثر. قال: فقال حارثة بن سراقة: يا أشعث!إنّ كلامك هذا يدلّ على أنك فاضح قومك غدا إذا وافاهم جيش أبي بكر. قال: فقال الأشعث: و اللّه ما أبرأ إليك من ذلك يا حارثة!فكن مما قلته على يقين.

قال: و اتصل الخبر بزياد بن لبيد و من معه من المسلمين بأن الأشعث بن قيس قد ندم على ما كان منه فجزوه خيرا، و كتب إليه بعض بني عمه ممن كان مع زياد بن لبيد أبياتا من جملتها يقول:

إن تمس كندة ناكثين عهودهم # فاللّه يعلم أننا لم ننكث‏

قال: ثم وثب رجل من كندة يقال له عفيف بن معديكرب‏[ (3) ]و كان من رؤسائهم [ (1) ]و كانوا أربعة ملوك و هم: مخوص و مشرح و جمد و أبضعة و أختهم العمردة بنو معدي كرب بن وليعة.

[ (2) ]سقطت من الأصل.

[ (3) ]و يقال عفيف بن قيس الكندي، و يقال عفيف بن قيس بن معدي كرب.

قال ابن مندة: هو أخو الأشعث بن قيس لأمه و ابن عمه. (أسد الغابة) .

51

و ذي أنسابهم فقال: يا معشر بني كندة!إنكم قد علمتم الذي بينكم و بين مذحج من العداوة و الشحناء و هذه خيل أبي بكر قد سارت إلى مقابلتكم فخبروني الآن أي الخيلين تدفعون عنكم: خيل أبي بكر أم خيل مذحج؟أما و اللّه ما أقول لكم إلا و أنا رجل منكم، و لكن كأن ملوككم و ساداتكم قد أهلكتهم هذه الحروب التي تتوقد، و قد و اللّه!وقعنا في أمر ما لنا منه مخلص إلا السمع و الطاعة-و السلام.

قال: و تقارب خيل المسلمين من بلاد حضرموت و ديار كندة و حصونهم، فوثب رجل منهم يقال له ثور بن مالك و كان قديم العهد في الإسلام و ذلك أنه أسلم في أيام معاذ بن جبل حين بعث به النبي (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) إلى أرض اليمن، قال: و كان ثور بن مالك هذا ممن أسلم يومئذ فأقبل على قومه فقأ: يا معشر كندة! أراكم مجمعين على حرب المسلمين و أرى فيكم نخوة ذلك و قد علمتم أن الذي تدّعونه من الملك قد محقه اللّه تبارك و تعالى بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) ، و أن السيوف التي قتل اللّه بها أهل الردة هي السيوف التي تقاتلكم غدا!فتداركوا ليومكم فهذه خيل أبي بكر قد تقاربت منكم. قال: فوثبت كندة من كل ناحية فقالوا: يا ابن مالك ما أنت و الكلام بين أيدي الملوك و لست هنالك!قم من ههنا فالتراب بفيك!قال: فوثب ثور بن مالك من بين يدي القوم و قد نزل به منهم ما نزل.

قال: و أشرفت خيل أبي بكر المسلمين‏[ (1) ]على ديار كندة و إذا أربعة إخوة من ملوك كندة أحدهم يقال له مخوص‏[ (2) ]و مشرح و جمد و أبضعة فإذا هم على شراب لهم و المعازف بين أيديهم فلم يشعروا إلا و خيل المسلمين على رؤوسهم فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم و قتلوا أختا لهم يقال لها العمرّدة[ (3) ]، و احتووا على أموالهم و قليلهم و كثيرهم.

[ (1) ]كذا.

[ (2) ]عن الطبري: 3/334 و تاريخ اليعقوبي 2/131 و بالأصل محضوض. و قد تقدمت الإشارة إليه.

[ (3) ]في الطبري 3/334 فأكبوا على بني عمرو بن معاوية، و هم عدد القوم و شوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحا و مخصوصا و جمدا و أبضعة و أختهم العمردة، و قتلوا فأكثروا. و في معجم البلدان (حضرموت) : و جاء عبد له (لزياد) فأخبره أن ملوكهم الأربعة.... قد ثملوا من الشراب، فكبسهم و أخذهم و ذبحهم ذبحا. و قال زياد فى ذلك:

نحن قتلنا الأملاك الأربعة # جمدا و مخوسا و مشرحا و أبضعة

52

قال: و اتصل هذا الخبر بالسكاسك و السكون و هما قبيلتان من قبائل كندة فإنهم اتقوا على أنفسهم فركبوا في جوف الليل، و صاروا إلى زياد بن لبيد فاستأمنوا إليه و عزموا على نصرته. قال: و صار زياد إلي حيّ من أحياء كندة يقال لهم بنو هند و كبسهم و قاتلهم، و وقعت الهزيمة عليهم، فقتل منهم جماعة و ولوا الأدبار، و احتوى المسلمون على نسائهم و ذراريهم و أموالهم‏[ (1) ].

قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو العاقل‏[ (2) ] فوافاهم غافلين، فلمّا أشرفت الخيل عليهم تضايجت النساء و خرج الرجال إلى الحرب فاقتتلوا ساعة و وقعت الهزيمة عليهم فانهزموا و أسلموا ديارهم و نساءهم و أموالهم، و احتوى المسلمون على جميع ذلك. قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو حجر و هم يومئذ جمرات كندة و فرسانهم فلم يشعروا إلا و الخيل قد كبستهم في جوف الليل، فاقتتل القوم ساعة، و قتل من بني حجر مائتا رجل و أسر خمسون رجلا و ولّى الباقون الأدبار، و احتوى المسلمون على قليلهم و كثيرهم.

قال: ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو حمير[ (3) ]و هم فرسان و أبطال، فالتقى للقتال فقتل من المسلمين عشرون رجلا و قتل من بني حمير[ (3) ] قريب من ذلك، و وقعت الهزيمة عليهم فولوا الأدبار و أسلموا الديار، و احتوى المسلمون على النساء و الأولاد.

قال: و بلغ الأشعث بن قيس ما فعله زياد بن لبيد ببني هند و بني عاقل‏[ (4) ]و بني حجر و بني حمير[ (3) ]فغضب لذلك ثم قال: لا كرامة لزياد أن يقتل قومي و بني عمي و يسبي النساء و الذراري و يحوي الأموال و أقعد عنه!قال: ثم نادى الأشعث في بني عمه من بني مرة و بني عدي و بني جبلة، و سار يريد زياد بن لبيد و معه ألف رجل من فرسان قومه، و زياد بن لبيد يومئذ في أربعة آلاف من المهاجرين و الأنصار و خمسمائة رجل من السكاسك و السكون، فالتقى القوم قريبا من مدينة من مدن حضرموت يقال [ (1) ]في الطبري: 3/336 قتل من بقرى بني هند إلى برهوت.

[ (2) ]في مجموعة الوثائق عن كتاب الردة للواقدي: بنو العاتك.

[ (3) ]في مجموعة الوثائق السياسية ص 353: «بنو جمر» .

[ (4) ]بنو عاتك (كتاب الردة للواقدي) .

53

لها يريم‏[ (1) ]فاقتتلوا هنالك ساعة و وقعت الهزيمة على زياد و من معه من المسلمين، فقتل منهم نيف على ثلاثمائة رجل و انهزموا هزيمة قبيحة حتى دخلوا تلك المدينة، و احتوى الأشعث على تلك الأموال و الغنائم و الذراري فردها على أهلها. قال: و أقبل الأشعث بن قيس و أصحابه حتى نزل على مدينة يريم‏[ (1) ]فحاصر زياد بن لبيد و من معه من المسلمين حصارا شديدا.

قال: و كتب زياد بن لبيد إلى المهاجر بن‏[أبي‏][ (2) ]أمية المخزومي‏[ (3) ]، فلمّا بلغه ما فيه زياد سار إليه فيمن معه و هم ألف فارس من ثغر لهم، و بلغ ذلك الأشعث فأمر أصحابه فتنحوا عن باب تريم، و أقبل المهاجر بن‏[أبي‏][ (4) ]أمية في ألف فارس حتى دخل المدينة إلى زياد بن لبيد فصار معه، و رجع الأشعث حتى جلس على الباب و أرسل إلى جميع قبائل كندة، [فأجابه‏][ (4) ]رجل يقال له الجبر بن قشعم في قومه من بني الأرقم، و أجابه أبو قرة الكندي في قومه من بني حجر، و أجابه أبو شمر الكندي في قومه من بني حمير[ (5) ]، و أجابه الخنفشيش بن عمرو في قومه من بني هند، قال: فاجتمع الأشعث بن قيس في خلق كثير من قبائل كندة فنزل بهم على باب المدينة فحاصروا زياد بن لبيد و المهاجر بن‏[أبي‏][ (4) ]أمية و من معهما من المسلمين حصارا شديدا و ضيقوا عليهم.

قال: و كتب زياد بن لبيد إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه يخبره بذلك، و علمت قبائل كندة أن زيادا كتب إلى أبي بكر كتابا فأنشأ رجل منهم يقول أبياتا من جملتها:

أبلغ زيادا أن كندة أجمعت # طرا عليك فكيف ذلك تصنع‏

قال: فلما ورد كتاب زياد إلى أبي بكر رضي اللّه عنه بخبر كندة و ما قد اجتمعت عليه من حرب المسلمين اغتم لذلك و اغتم المسلمون أيضا، و لم يجد أبو بكر بدا من الكتاب إلى الأشعث بن قيس بالرضا.

[ (1) ]كذا بالأصل و مجموعة الوثائق السياسية. و في معجم البلدان: تريم: اسم إحدى مدينتي حضرموت.

[ (2) ]سقطت من الأصل.

[ (3) ]كذا، و لم يرو نص الكتاب، و في الطبري أن أبا بكر بعث المهاجر إلى اليمن و بعد ما قضى مهمته بها أرسل إلى أبي بكر يعلمه، فأرسل إليه أبو بكر يأمره أن يسير إلى حضرموت (3/330-331) .

[ (4) ]سقطت من الأصل.

[ (5) ]كذا، و في مجموعة الوثائق: جمر.

54

ذكر كتاب أبي بكر إلى الأشعث بن قيس و من معه من قبائل كندة

قال: فكتب إليه أبو بكر رضي اللّه عنه‏[ (1) ]: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و على آله) إلى الأشعث بن قيس و من معه من قبائل كندة.

أما بعد فإن اللّه تبارك و تعالى يقول في كتابه المنزل على نبيه عليه السلام:

اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ (2) ]. و أنا آمركم بتقوى اللّه وحده، و أنهاكم أن لا[ (3) ]تنقضوا عهده و أن لا[ (3) ]ترجعوا عن دينه إلى غيره، فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل اللّه، و إن كان إنما حملكم على الرجوع عن دين الإسلام و منع الزكاة ما فعله بكم عاملي زياد بن لبيد فإني أعزله عنكم، و أولّي عليكم من تحبون، و قد أمرت حامل‏[ (4) ]كتابي هذا إن أنتم قبلتم الحق أن يأمر زيادا بالانصراف عنكم. فراجعوا و توبوا من قريب-وفقنا اللّه و إياكم لكلّ ما كان فيه رضا! و السلام» .

قال: و كتب حسان بن ثابت الأنصاري إليهم في آخر الكتاب‏[ (5) ].

قال: ثم طوى الكتاب و عنونه و ختمه و دفعه إلى رجل من قيس عيلان يقال له مسلم بن عبد اللّه.

فلما وصل الكتاب إلى الأشعث و قرأه أقبل على الرسول فقال: إن صاحبك أبا بكر هذا يلزمنا الكفر بمخالفتنا له و لا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي و بني عمي!فقال له الرسول: نعم يا أشعث!يلزمك الكفر لأن اللّه تبارك و تعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين، قال: فوثب إلى الرسول غلام من بني مرة ابن عم الأشعث بن قيس فضربه بسيفه ضربة فلق هامته، قال: فسقط الرسول ميتا، فقال له الأشعث: أحسنت اللّه أبوك!و لقد قصرت العتاب و أسرعت الجواب، قال: فوثب [ (1) ]نسخة الكتاب في مجموعة الوثائق السياسية ص 354 عن كتاب الردة للواقدي.

[ (2) ]آل عمران: 102.

[ (3) ]سقطت في الموضعين من مجموعة الوثائق.

[ (4) ]في مجموعة الوثائق: صاحب.

[ (5) ]كذا.