الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
267

المجلد الثاني‏

كتاب الفتوح للعلاّمة أبي محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (المتوفى نحو سنة 314 هـ/926 م)

268

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

269

بسم اللّه الرحمن الرحيم

تتمة خلافة عمر

ذكر فتح البربر و ما كان من أخبارهم‏

قال: و كان البربر فيما مضى منازلهم بأرض فلسطين، و كان ملكهم جالوت بن جلهم‏[ (1) ]الذي قتله داود النبي عليه السلام، فلما قتل انجلت البربر من أرض فلسطين إلى أرض المغرب فنزلوها و تفرقوا فيها. قال: و البربر قبائل شتى، منهم:

زناتة و مغيلة و صرفند و لواتة و هوّارة و نفوسة و لبيبة سبع قبائل، قال: فصارت هذه القبائل إلى حد بأرض المغرب، و قد كانت هذه المدائن فيما مضى للروم منها لوبية[ (2) ]و مراقية[ (3) ] [ (1) ]عند ابن خلدون 7/3 عن ابن قتيبة: جالوت بن جالود و قيل: جالوت بن هريال بن جالود. و قال ابن خلدون: و الحق أن جالوت من بني فلسطين بن كسلوحيم بن مصرايم بن حام. أحد شعوب حام بن نوح و هم اخوة القبط و البربر و الحبشة و النوبة. و كان بين بني فلسطين هؤلاء و بين بني إسرائيل حروب كثيرة.

و في نسبهم خلاف كبير بين النسابة. انظر في ذلك ما ذكره ابن خلدون في تاريخه 6/93.

و في نزولهم أرض المغرب. قال ابن الكلبي اختلف الناس فيمن أخرج البربر من الشام. فقيل داود بالوحي. و قيل يوشع بن نون و قيل أفريقش و قيل بعض الملوك التبابعة.

قال ابن خلدون: و أما القول بأنهم من ولد جالوت أو العماليق و أنهم نقلوا من ديار الشام و انتقلوا فقول ساقط يكاد يكون من أحاديث خرافة إذ مثل هذه الأمة المشتملة على أمم و عوالم ملأت جانب الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر و قطر محصور. و البربر معروفون في بلادهم و أقاليمهم متحيزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام.

[ (2) ]لوبية: مدينة بين الإسكندرية و برقة. (معجم البلدان) .

[ (3) ]مراقية: بين الإسكندرية و لوبية. (معجم البلدان) .

270

و لبدة[ (1) ]و سبرة[ (2) ]. قال: و منهم من صار إلى برقة[ (3) ]، و منهم من صار إلى طرابلس المغرب، و منهم من بلغ إلى طنجة و أفراهنجة و إلى السوس الأدنى و إلى السوس الأقصى. قال فغلبت البربر على هذه المدائن فأجلوا الروم عنها و نزلوا فيها. قال: و صار أهل إفريقية و برقة و جميع البلاد يتقون من ناحية البربر و يخافونهم خوفا شديدا.

قال: فصار إليهم عمرو بن العاص في جيشه ذلك حتى نزل بأول مدينة من مدنهم، قال: و خرجت البربر إلى المسلمين فقاتلوهم، و أظهر اللّه تبارك و تعالى عليهم المسلمين فقتلوا منهم في يوم واحد نيفا على سبعمائة رجل.

فلما رأت البربر ذلك كرهوا حرب المسلمين فخضعوا و ذلوا و أذعنوا و طلبوا الصلح. قال: فصالحهم عمرو بن العاص على ثلاثمائة رأس من السبي و مثلها من الخيل و البغال و الحمير و مثلها من البقر و الغنم، فأخذ ذلك كله منهم.

ثم سار منها إلى مراقية و لبدة و سبرة و زويلة، فصالح أهل كل مدينة من هذه المدن على ما صالح عليه أهل المدينة الأولى.

ثم سار إلى برقة فلم يترك بساحتها حصناً حتى خرجوا إليه فحاربوه ساعة من النهار ثم إنهم انهزموا من بين أيدي المسلمين فزعين مرعوبين حتى دخلوا مدينتهم برقة و قد قتل منهم من قتل، ثم سألوا الصلح بعد ذلك، فأجابهم إليه عمرو بن العاص، فصالحهم على خمسمائة من السبي، ثلاثمائة غلام و مائتي جارية و مثل ذلك من الماشية[ (4) ]، فجمع ذلك كله ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بما فتح اللّه عزّ و جلّ على يده من البلاد و أنه مقيم على باب برقة[ (5) ]إلى أن يرد عليه [ (1) ]لبدة: مدينة بين برقة و إفريقية. (معجم البلدان) .

[ (2) ]سبرة: مدينة بإفريقيا، كانت سوق أطرابلس. (معجم البلدان) .

[ (3) ]برقة: صقع كبير بين الإسكندرية و إفريقيا يشتمل على مدن و قرى، و اسم مدينتها انطابلس.

[ (4) ]في فتوح البلدان ص 225 صالح أهلها على الجزية و هي ثلاثة عشرة ألف دينار يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه. (اليعقوبي 2/2156 معجم البلدان) و كان ذلك في سنة 22.

[ (5) ]في فتوح البلدان ص 217 أن عمرو بن العاص و صل إلى أطرابلس فكتب إلى عمر بن الخطاب: «إنا قد بلغنا أطرابلس و بينها و بين إفريقيا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها فعل.

فكتب إليه عمر ينهاه و يقول: ما هي بإفريقيا و لكنها مفرقة غادرة مغدور بها، و ذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئا فكانوا يغدرون به كثيرا» . و في تاريخ اليعقوبي 2/156: و لا يغزوها أحد ما بقيت.

271

كتاب أمير المؤمنين فينتهي إلى أمره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري‏

من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين‏إلى عبد اللّه بن قيس، سلام عليك!أما بعد فقد بلغني أن الأعاجم قد تحركت بأرض الأهواز[ (1) ]من تستر و السوس و مناذر و ما والى ذلك و قد جمعوا المسلمين جمعا، فإذا ورد عليك هذا الكتاب إن شاء اللّه فلا تضيعه من يدك حتى تضم إليك أصحابك و من أجابك من أهل البصرة و سائر المسلمين، ثم سر بهم على بركة اللّه عزّ و جلّ و طاعته و الرغبة فيما لديه، فمن أجابك منهم فهو أولى بماله و أهله و ولده، و ليس لك من ذلك إلا بلغة إن احتجت إلى ذلك، وعظ نفسك و أصحابك و لا تكثر عليهم الحرب في كل وقت فيملوها إلا أن يطلبوا ذلك منك، و ألن لهم جانبك و حطهم بنفسك، و اعلم بأن المسلمين في جوار اللّه عزّ و جلّ، و أن المسلم أعظم الخلق على اللّه عزّ و جلّ حرمة، فلا يطلبنك اللّه عزّ و جلّ بمظلمة أحد منهم، و احذر عليهم و احفظ قاصيهم، و أنصف مظلومهم، و خذ لضعيفهم من قويهم و أصلح ذات بينهم، و ألزمهم القرآن و خوفهم، و امنعهم من ذكر الجاهلية و ما كان فيها فإنه يورث الضغينة و يدعو إلى الدخول و القطيعة، و اعلم يا ابن قيس بأن اللّه تبارك و تعالى قد تكفل لأهل هذا الدين بما لا خلف له من النصر و الظفر، فاحذر أن يصرف اللّه عزّ و جلّ بوجهه إلى غيرك و أن يستبدل بك سواك من خلقه-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: فلما ورد كتاب عمر رضي اللّه عنه على أبي موسى الأشعري و قرأه قال: يرحم اللّه أمير المؤمنين كأن ملكا بين عينيه يسدده إلى الكلام، ثم نادى في الناس فجمعهم و عرضهم فكانوا يزيدون على عشرة آلاف من بين فارس و راجل، فقام فيهم خطيبا فحمد اللّه عزّ و جلّ و أثنى عليه، ثم وعظهم و أحسن الموعظة و قرأ عليهم كتاب عمر رضي اللّه عنه و أمرهم بالجهاز إلى أرض الفرس و ديارها و قال لهم فيما يقول: أيها الناس!إذا لقيتم العدو غدا فاصبروا على جهادهم و اجعلوا حصونكم الصفائح و الحجف و العوالي، فإن كلّت الرماح و الصفائح فاعترضوهم [ (1) ]الأهواز: كان اسمها أيام الفرس خوزستان، و الأهواز اسم الكورة بأسرها، و عند العامة هي سوق الأهواز، و هي سبع كور بين البصرة و فارس و هي: سوق الأهواز و رامهرمز و ايذج و عسكر و مكرم و تستر و جنديسابور و سوس و سرق و نهر تيري و مناذر.

272

بالسهام و الجندل، و انظروا لا يكونن شي‏ء مما خلق ربكم أهون عليكم من الدنيا فإنها دار الفتنة و سجن المؤمن، و لا يكونن شي‏ء أحب إليكم من لقاء ربكم فإن ما عند اللّه خير للأبرار، ألا!و إني سائر فسيروا إلى لقاء عدوكم غدا إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: ثم نزل عن المنبر و دعا عمران بن الحصين و استخلفه على البصرة.

و خرج أبو موسى بمن معه من الناس حتى نزل الأيلة[ (1) ]و تلاحق به الناس، فرحل من الأيلة[ (1) ]حتى دخل أرض الأهواز، فجعل يفتحها رستاقا رستاقا و نهرا نهرا، و الفرس يرتفعون بين يديه و يخلون له البلاد و أبو موسى في أثرهم يتبعهم فيخرب أرضهم و يغنم أموالهم، حتى فتح أرض الأهواز كلها إلا السوس و تستر و مناذر و رامهرمز هذه الأربعة[ (2) ].

ثم نزل على مناذر الكبرى و بها يومئذ خلق كثير من الفرس، فناوشهم أبو موسى القتال، و تقدم فتى من خيار المسلمين يقال له المهاجر بن زياد بن الديان‏[ (3) ] فجعل يقاتل قتالا شديدا و هو في ذلك صائم، فأقبل أخ له يقال له الربيع بن زياد إلى أبي موسى فقال: أيها الأمير!إن أخي مهاجر بن زياد قد شرى نفسه للّه في هذا اليوم و هو صائم، و أنا أعلم أنه قد بلغ منه العطش فلو أمرته أن يفطر و يحارب العدو! قال: فنادى أبو موسى في الناس‏[ (4) ]: ألا!أني أحرج على رجل قاتل في هذا اليوم و هو صائم. قال: فدعا المهاجر بن زياد بشربة من ماء فشرب، ثم قال: أيها الأمير!أ ترى هذه الشربة[من‏]الماء تحول بيني و بين دخول الجنة؟لا و اللّه لا كان ذلك أبدا إن شاء اللّه و أنا أريد الشهادة.

[ (1) ]كذا بالأصل، و هو بعيد، لعله «الأبلة» .

[ (2) ]و ذلك في سنة 17. و الخبر في الطبري 4/208 باختلاف و لم يأت فيه على ذكر أبي موسى. و قال فتوح البلدان ص 370 أن المغيرة بن شعبة غزا في ولايته سوق الأهواز و شخص عتبة من البصرة آخر سنة 15 أو أول سنة 16. و بعد نكث الهرمزان صلحه غزاها أبو موسى، و كان أبو موسى قد تولى البصرة بعد المغيرة و ذلك في سنة 17. و يؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر إلى أبي موسى «... فقد بلغني أن الأعاجم قد تحركت بأرض الأهواز من تستر و السوس و مناذر و ما والى ذلك... سر على بركة اللّه» (انظر نص كتاب عمر إلى أبي موسى في الصفحة السابقة) .

[ (3) ]عن فتوح البلدان ص 370 و بالأصل: عبد المدان.

[ (4) ]عبارة فتوح البلدان: عزمت على كل صائم أن يفطر أو لا يخرج إلى القتال.

273

قال: و تقدم المهاجر فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه. قال:

و أخذت الفرس رأس المهاجر بن زياد و كانت له ضفيرتان فعلق رأسه على سور المدينة بضفيرتيه، قال: و غضب أبو موسى الأشعري لذلك و حرض المسلمين على الحرب، فلم يزل يحارب أهل مناذر أشد حرب حتى فتحها قسرا، فلم يترك فيها محتلما حتى قتله و سبى أهلها و أخذ أموالها.

ذكر فتح السوس و ما كان من محاربة أهلها

قال: ثم سار أبو موسى إلى السوس‏[ (1) ]فنزل عليها و حاصر أهلها حصارا شديدا، قال: و بها يومئذ ملك من ملوك العجم يقال له سابور بن آذرماهان‏[ (2) ]، فلما نظر إلى خيل المسلمين و قد نزلت عليه و نظر أن أبا موسى قد حاصره و ضيق عليه دعا بوزير له يقال له كرد بن آذرمهر، فأرسله إلى أبي موسى يسأله أن يعطيه الأمان له و لعشرة[ (3) ]من أهل بيته و يسلم له قلعة السوس، فأجابه أبو موسى إلى ذلك و بعث إليه أن تسمي من أحببت أن يخرج في الأمان، قال: فسمى سابور من أراد أن يخرجه من القلعة و لم يسم نفسه فيهم، قال: فجعل أبو موسى يسمي من خرج من القلعة حتى سمى القوم بأسمائهم، ثم خرج سابور من بعد ذلك فقال له أبو موسى: أليس إنما كتبت إلي تسألني أن أعطي عشرة من أصحابك الأمان؟قال: بلى!قال: فهؤلاء عشرة كما ذكرت و ما أرى لك ههنا اسما، و إن في قتلك صلاحا، ثم قدمه أبو موسى فضرب عنقه صبرا، و احتوى على مدينة السوس فغنم ما فيهاو أخذ أموال سابور ملكها، و جعل يدور بالخزائن فيأخذ ما فيها، حتى أفضى إلى خزانة مقفلة و قد ختم قفلها بالرصاص، فقال أبو موسى لأهل السوس: ما في هذه الخزانة فإني أراها مختومة بالرصاص؟فقالوا: أيها الأمير!ليس فيها شي‏ء من حاجتك، فقال: لا بد لي من علم ما فيها.

خبر دانيال الحكيم‏

قال: فكسر القفل و فتح الباب و دخل أبو موسى إلى تلك الخزانة فنظر فإذا هو [ (1) ]السوس: بلدة بخوزستان.

[ (2) ]في الطبري 4/220 و ابن الأثير 2/162 و البداية و النهاية 7/101 شهريار أخو الهرمزان.

[ (3) ]في فتوح البلدان ص 371: لثمانين.

274

بحجر كبير محفور على مثال الحوض‏[ (1) ]و فيه رجل ميت و قد كفن في أكفان منسوجة بالذهب و رأسه مكشوف‏[ (2) ]، قال: فتعجب أبو موسى من ذلك و قال لأهل السوس:

و يحكم من هذا الرجل؟قالوا: هذا رجل كان بالعراق و كان أهل العراق إذا احتبس عنهم المطر يستسقون به فيسقون، فأصابنا من قحط المطر ما كان يصيب أهل العراق فأرسلنا إليهم و سألناهم أن يدفعوه إلينا حتى نستسقي به فأبوا علينا، فأرهناهم خمسين رجلا و حملناه إلى هذا المكان، ثم استسقينا فسقينا، و رأينا من الرأي أن لا نرده عليهم، فلم يزل مقيما عندنا إلى أن أدركته الوفاة فمات، فهذه قضيته و هذا حاله.

قال: فأقام أبو موسى الأشعري بالسوس و كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبره بما فتح اللّه عزّ و جلّ عليه من مناذر و ما والاها و مدينة السوس و يذكر في كتابه أمر دانيال. قال: فدعا عمر بأكابر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثم سألهم عن دانيال هذا، فلم يجد عندهم فيه خبرا،

فقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بلى هذا دانيال الحكيم و هو نبي غير مرسل، غير أنه في قديم الزمان مع بختنصر و من كان بعده من الملوك. قال: و جعل عليّ يحدث عمر بقضية دانيال من أولها إلى آخرها إلى وقت وفاته، ثم قال علي: اكتب إلى صاحبك أن يصلي عليه و يدفنه في موضع لا يقدر أهل السوس على قبره،

قال: فكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري بذلك‏[ (3) ]، فلما قرأ أبو موسى كتاب عمر أمر أهل السوس أن يقلبوا نهرهم إلى موضع آخر. ثم أمر بدانيال فكفن أيضا في أكفان فوق التي كانت عليه، ثم صلّى عليه هو و جميع أصحابه من المسلمين، ثم أمر بقبره، فحفر في وسط نهر السوس ثم دفنه و أجرى عليه الماء، فيقال إن دانيال مدفون في نهر السوس و الماء يجري عليه إلى يومنا هذا-و اللّه أعلم-[ (4) ].

[ (1) ]في كتاب الأموال لأبي عبيد: وجدوا دانيال في إبزن.

[ (2) ]زيد في كتاب الأموال لأبي عبيد: و إلى جانبه مال موضوع، و كتاب فيه: من شاء أتى فاستقرض منه إلى أجل، فإن أتى به إلى ذلك الأجل و إلاّ برص.

[ (3) ]نصه عن الوثائق السياسية وثيقة رقم 368/جس، جع:

كفنه و حنطه، و صلّ عليه، ثم ادفنه كما دفنت الأنبياء صلوات اللّه عليهم... و انظر ماله، فاجعله في بيت مال المسلمين.

[ (4) ]انظر خبر دانيال في الطبري 4/220 و فتوح البلدان ص 371 و معجم البلدان (السوس) ، و البداية و النهاية 7/102.

275

ذكر فتح تستر و ما كان من محاربة المسلمين لأهلها

قال: ثم سار أبو موسى إلى تستر[ (1) ]بعد فراغه من أمر السوس فنزل عليها و بها يومئذ الهرمزدان أنو شروان‏[ (2) ]، فلما علم أن العرب قد نزلت بساحته جمع نواحيه و ضم أطرافه ثم كتب إلى يزدجرد ملك الفرس يخبره بأمر العرب و يسأله المدد، قال: و يزدجرد يومئذ مقيم بنهاوند في جمع عظيم من الفرس، فلما ورد عليه كتاب الهرمزدان يسأله المدد دعا برجل من وزرائه يقال له شاه بوذان فضم إليه عشرة آلاف، و أتبع له آخر يقال له دار بهان في عشرة آلاف، و أتبعه بوزير آخر يقال له دارنوش في عشرة آلاف، و بوزير آخر يقال له راحشين في عشرة آلاف، فذلك أربعون ألفا، و اجتمع إلى الهرمزدان أهل بلده في خمسة و عشرين ألفا، فصار في خمسة و ستين ألفا.

قال: و كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبره بذلك و يسأله المدد، قال: فكتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى جرير بن عبد اللّه البجلي و جرير يومئذ بحلوان، فأمره بالمسير إلى أبي موسى، ثم كتب أيضا إلى عمار بن ياسر و عمار بالكوفة، فأمره بالمسير إلى أبي موسى‏[ (3) ].

قال: فدعا جرير بابن عم له يقال له عروة بن قيس البجلي و استخلفه على حلوان في ألف رجل، و خرج جرير من حلوان في أربعة آلاف فارس يريد أبا موسى، قال: و سار جرير حتى قدم على أبي موسى.

و دعا عمار بن ياسر عبد اللّه بن مسعود فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يأمرني فيه بالمسير إلى أبي موسى الأشعري لنصرة إخواننا المؤمنين من أهل البصرة، فأنت خليفتي على أهل الكوفة إلى قدومي إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قال: ثم نادى عمار في أهل الكوفة فاستنهضهم إلى الجهاد، فأجابه الناس إلى ذلك سراعا، فخرج عمار من الكوفة في ستة آلاف فارس يريد إلى أبي موسى.

[ (1) ]تستر: من مدن خوزستان.

[ (2) ]في معجم البلدان و فتوح البلدان و البداية و النهاية: الهرمزان.

[ (3) ]كذا بالأصل و فتوح البلدان و معجم البلدان، و عند الطبري و ابن الأثير و ابن كثير: أن أمير الناس أبو سبرة بن أبي رهم.

276

قال: فجعل بشر بن منقذ الهمداني يذكر حروبهم المتقدمة بالخيلة في أيام مهران و ما كان من محاربتهم بين يدي المثنى بن حارثة الشيباني رحمه اللّه. قال:

و سار عمار بن ياسر حتى قدم على أبي موسى الأشعري، فصار أبو موسى على باب تستر في نيف على عشرين ألفا بين فارس و راجل، فعندها دعا بالنعمان بن مقرن المزني و جرير بن عبد اللّه البجلي فأمرهما بالمسير إلى رام هرمز[ (1) ]على أنهما يدعوان أهلها إلى الإسلام.

قال: فسار جرير حتى نزل على رام هرمز ثم إنه بعث بالنعمان بن مقرن ففتح قلعتين من قلاع رام هرمز و أصاب منها سبيا و خيرا كثيرا، قال: و فتح جرير بن عبد اللّه‏[ (2) ]مدينة رام هرمز بالسيف قسرا فاحتوى على أموالها و نسائها و ذريتها.

قال: و بلغ ذلك أبا موسى الأشعري فقال لأهل البصرة: و يحكم!إني كنت أعطيت أهل رام هرمز الأمان و أجلتهم ستة أشهر إلى أن يروا رأيهم‏[ (3) ]، فعجل جرير بن عبد اللّه و أهل الكوفة ففتحوا مدينتهم قسرا و قسموا السبايا، فهاتوا ما عندكم من الرأي!قال: فقال أهل البصرة: الرأي في ذلك عندنا أن تكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و تخبره بذلك إلى أن يرد عليك الخبر من عنده فتعمل بحسب ما يأمرك.

قال: فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يعلمه بالخبر على وجهه، فكتب عمر إلى صلحاء عسكر أبي موسى مثل حذيفة بن اليمان و البراء بن عازب و أنس بن مالك و سعيد بن عمرو الأنصاري و غيرهم أن ينظروا في ذلك، فإن كان أبو موسى قد أعطى رام هرمز من الأمان قبل ذلك كما زعم و أعطاهم عهدا و كتابا مكتوبا أن يرد الناس ما في أيديهم من السبي، و إن كانت امرأة حامل أن تحبس في موضع و يوكل عليها و يجرى لها النفقة حتى تضع ما في بطنها ثم تخير بعد ذلك بين الإسلام و المقام مع صاحبها، فإن اختارت الإسلام فذلك، و إن أبت ردت إلى بلادها، و أن تستحلفوا أبا موسى الأشعري أنه قد كان أعطى أهل رام هرمز عهدا [ (1) ]رام هرمز: مدينة مشهورة من نواحي خوزستان.

[ (2) ]في الطبري 4/212 و ابن الأثير 2/163 أن النعمان بن مقرن سار إلى رامهرمز و فتحها و كان بها الهرمزان فهرب منها و لحق بتستر.

[ (3) ]في فتوح البلدان ص 372 هادن أبو موسى أهل رامهرمز ثم انقضت مدتهم فوجه إليهم أبا مريم الحنفي فصالحهم على ثمانمائة ألف درهم. ـ

277

و أمانا و ضرب لهم أجلا ستة أشهر كما زعم، فإذا حلف بذلك فيرد السبي و لا سبيل عليهم إلى انقضاء المدة و الأجل.

قال: فاستحلف المسلمون أبا موسى فحلف أنه قد أعطى أهل رام هرمز أمانا و عهدا مؤكدا و ضرب لهم أجلا، و كانوا في موادعته ستة أشهر. فلما حلف أبو موسى بذلك رد المسلمون السبي إلا بلادهم، و وضعت الحوامل ما في بطونهن فخيرن بعد ذلك، فمنهن من اختارت الإسلام فأقامت مع صاحبها، و منهن من أبت فردت إلى بلادها.

قال: و كتب بعض أصحاب جرير بن عبد اللّه إلى عمر بن الخطاب أبياتا يذكر فعل جرير بأهل رام هرمز و أنه لم يفعل ما فعل إلا بأمر أبي موسى، و أن أبا موسى هو الذي أمرهم بالنزول عليهم و بمحاربتهم.

ثم رجعنا إلى أخبار تستر

قال: و عزم المسلمون على حرب أهل تسترفوثب أبو موسى يعبي أصحابه، فكان على ميمنته جرير بن عبد اللّه البجلي، و على ميسرته النعمان بن مقرن المزني، و على الجناح البراء بن عازب، و على أعنة الخيل عمار بن ياسر، و على رجالته حذيفة بن اليمان‏[ (1) ]، ثم إنه زحف بخيله و رجله نحو تستر، و رجل من المسلمين يقرأ هذه الآية: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [ (2) ].

قال: و خرج الهرمزدان‏[ (3) ]صاحب تستر إلى حرب المسلمين في الأساورة و المرازبة[ (4) ]و بين يديه قواد الأعاجم، و كذلك عن يمينه و شماله، فقال رجل من المسلمين‏[ (5) ]: اللهم!تعلم أني أحب لقاءك و أبغض أعداءك فانصرنا عليهم [ (1) ]انظر في تعبئته فتوح البلدان ص 373 و معجم البلدان (تستر) .

[ (2) ]سورة الأحزاب الآية 23.

[ (3) ]الهرمزان، و قد مرّ.

[ (4) ]أساورة جمع إسوار: القائد عند الفرس، و الجيد الرمي بالسهام (قاموس) .

المرازبة جمع مرزبان: الرئيس عند الفرس (قاموس) .

[ (5) ]لعله البراء بن مالك، و كان مجاب الدعوة (عن البداية و النهاية 7/99 و ابن الأثير 2/163) .

278

و اقبضني إليك، يا رب! إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ، قال: ثم إنه حمل على أهل تستر، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم وقف في ميدان الحرب، قال: ثم حمل ثانية على أهل تستر، فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة اللّه عليه.

قال: و اشتبك الحرب بين الفريقين فاقتتلوا ساعة من النهار، و حمل رجل من الفرس يقال له مراد شاه في زهاء ألف فارس من أبطال الفرس على ميسرة أهل الكوفة و فيهم يومئذ بنو بكر بن وائل و جماعة من كندة، قال: و انكشف الكوفيون بين يدي الفرس كشفة أطمعوهم في أنفسهم، ثم رجعوا عليهم فطردوهم بين أيديهم طردا و كدوهم بحملتهم عليهم كدا و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، قال: ثم وقعت الهزيمة على أهل تستر، فانهزموا و السيف يأخذهم حتى دخلوا مدينتهم.

فلما كان من غد عبى أبو موسى أصحابه كما عبأهم بالأمس ثم زحف بهم نحو باب تستر، قال: و خرج الهرمزدان صاحب تستر إلى قتال المسلمين و قد عبى أصحابه تعبية خلاف تعبيته بالأمس، و على ميمنته رجل من قواد يزدجرد يقال له مهريار في نيف من عشرة آلاف من الأساورة و على ميسرته رجل من الري يقال له شيرواهات في أربعة آلاف من الفرس، و بين يديه ملك من ملك الأهواز يقال له خرشيد بن بهرام في نيف عن عشرة آلاف فارس، ما يبين منهم شي‏ء سوى حوافر الخيل من كثرة السلاح و التجافيف، و الهرمزدان يومئذ في القلب في جماهير الأعاجم، عليه جوشن مذهب و بيضة مذهبة و سيف محلى بالذهب، و قد التحف بدرقة مذهبة و في يده طبرزين مذهب، و كل ذلك مما أتحفه به يزدجرد حين قاتل معه يوم جلولاء.

قال: و نظر أبو موسى الأشعري إلى جمع الهرمزدان و تعبيته و زينته فنادى بأعلى صوته: يا أهل الإسلام!و يا حملة القرآن!و يا أهل المعرفة و الإيمان!لا يغرنكم هذه الجيوش و لا تهابوا هذه التعبية، فهي كالجيوش و التعبية التي قد لقيتموها في كل موطن، و و اللّه!ما أحد يشك في كفر هؤلاء القوم و قتالهم إلا أدخله اللّه مدخلهم.

قال: و جعل أبو موسى يسير بين الصفين فيسوي أصحابه و يقف على شرذمة شرذمة فيوصيهم بالصبر و يعدهم النصر و الظفر.

279

خبر نصر بن الحجاج السلمي و ما كان من أمره و كيف صار إلى تستر و محاورته مع أبي موسى الأشعري‏

قال: فبينما أبو موسى كذلك إذ مر بفتى من بني سليم يقال له نصر بن الحجاج‏[ (1) ]، و كان من الفرسان الأبطال، و كان به مسحة من جمال، و هو الذي أخرجه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من المدينة.

و كان السبب في ذلك أن امرأة من أهل المدينة يقال لها الذلفاء هويت نصر بن الحجاج هذا فأرسلت إليه و دعته إلى نفسها، فزجرها و لم يواتئها إلى ما تريد. قال:

فبينا عمر ذات يوم مار[ (2) ]في سكك المدينة إذ سمع نشيد شعر من دار، فوقف يستمع فإذا الذلفاء، قال: فلما سمع عمر رضي اللّه عنه هذه الأبيات‏[ (3) ]منها أمر بالذلفاء، فأخرجت من منزلها، ثم أمر بها فحبست، قال: فعلمت الذلفاء أن عمر سمعها و هي تنشد تلك الأبيات، فكأنها اتقت على نفسها أن يعاقبها على ذلك فكتبت إليه من محبسها أبياتا[ (4) ]. قال: فلما نظر عمر رضي اللّه عنه في هذه الأبيات أمر [ (1) ]هو نصر بن حجاج بن علاط، السلمي، و هو من بني بهز بن امرئ القيس، أبوه من خيار الصحابة (الإصابة-جمهرة أنساب العرب) .

[ (2) ]في طبقات ابن سعد 3/285 بينما عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة.

[ (3) ]عند ابن سعد و عيون الأخبار 4/23.

هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج‏

ورد في تزيين الأسواق 2/29 بعده.

إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل # سهل المحيا كريم غير ملجاج

تنميه أعراق صدق حين تنسبه # أخي حفاظ عن المكروب فراج‏

فقالت لها امرأة معها: من نصر؟قالت: رجل أود لو كان معي طول ليلة ليس معنا أحد، فدعا بها عمر فخفقها بالدرة.

[ (4) ]في تزيين الأسواق:

قل للإمام الذي تخشى بوادره # مالي و للخمر أو نصر بن حجاج

إني غنيت أبا حفص بغيرهما # شرب الحليب و طرف غير ساجي

إن الهوى زمه التقوى فقيده # حتى أمر بإلجام و إسراج

أمنية لم أطر فيها بطائرة # و الناس من هالك فيها و من ناجي

لا تجعل الظن حقا أو تبينه # إن السبيل سبيل الخائف الراجي‏

280

بإخراجها من محبسها، فأخرجت.

ثم أرسل إلى نصر بن الحجاج أن أخرج‏[ (1) ]من المدينة و الحق بالبصرة فكن بها إلى أن يأتيك أمري. قال: فمضى نصر بن الحجاج إلى البصرة فنزلها ثم كتب إلى عمر أبياتا، قال: فلما وصلت الأبيات إلى عمر و نظر فيها كتب إلى أبي موسى الأشعري‏و أمره بالوصاءة به إن أحب أن يقيم بالبصرة و إن أحب الرجوع إلى المدينة فذاك إليه، فاختار الفتى الإقامة بالبصرة. فلم يزل مقيما بها إلى أن خرج أبو موسى الأشعري إلى محاربة أهل الأهواز، فخرج معه هذا الفتى نصر بن الحجاج في هذا الجيش، فلما كان يوم تستر مر به أبو موسى و هو على فرس له أشقر، فجعل يطيل النظر إلى الفرس، فقال له نصر بن الحجاج: ما لي أراك قد أطلت النظر إلى فرسي!فقال له أبو موسى مداعبا له: ليس فرسك هذا بشي‏ء و لكنه حسن القميص، فهل لك أن تبيعنيه؟قال: فغضب نصر بن الحجاج فقال: أيها الأمير!أنت بالبقر أبصر منك بالخيل، فقال له أبو موسى: صدقت يا ابن أخي و إني لأرى بقرتك هذه حديدة القرن، دقيقة الأذن، عريضة الجبهة، جيدة الجوف قريبة من الأرض، فاشدد يدك بها، فقال له نصر بن الحجاج: فلا عليك أيها الأمير أن تسابقني ببقرتك هذه التي تحتك، قال: و جعل نصر بن الحجاج يحدث أبا موسى بهذا الكلام و هو يستحي أن يرفع رأسه. قال: و التفت ابن عم لنصر بن الحجاج إلى أبي موسى فقال: أيها الأمير!إني أراك قد عبت فرس ابن عمي هذا و إن فرسك لأشبه شي‏ء بالبقر، لأنه عظيم الرأس، أخطل‏[ (2) ]الأذنين، مهلوب‏[ (3) ]الذنب، قصير الرجلين، قال: فضحك أبو موسى ثم قال: يا أخا بني سليم!إني لم أرد بكلامي ابن عمك إلا خيرا و إنما كانت مني إليه مداعبة، فذر عنك الغضب رحمك اللّه و عليك بالجهاد.

[ () ]قال: و كان عمر قد سأل عنها فوصفت له بالعفاف فأرسل إليها: قد بلغني عنك خير فقري.

[ (1) ]عند ابن سعد: فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من أحسن الناس شعرا و أصبحهم وجها، فأمره عمر أن يطم شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسنا. فأمره عمر أن يعتم ففعل، فازداد حسنا فقال عمر: لا و الذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه و سيره إلى البصرة (الطبقات 3/285) .

[ (2) ]أخطل الأذنين: الطويلة المضطربة المسترخية (اللسان) .

[ (3) ]مهلوب الذنب: المنتوف شعره.

281

ثم رجعنا إلى حديث الحرب‏

قال: و دنا المسلمون من الفرس و الفرس من المسلمين فتراموا بالنشاب و النبل ساعة، ثم إنهم تلاحموا فاختلطوا، و اشتبك الحرب بينهم من وقت بزوغ الشمس إلى قريب من الظهر. قال: و إذا رجل من عظماء الفرس من أهل تستر يقال له هرمك قد خرج فجعل يجول و يطلب البراز، فخرج إليه شيخ من باهلة من بني حلوه‏[ (1) ]يقال له أوس على فرس له عجفاء، فلما نظر إليه أبو موسى عرفه فناداه أن ارجع يا أخا باهلة!فلست من أهل هذا الفارسي لأنك شيخ بال و أنت على فرس بال، قال: فرجع الشيخ و لم يخرج، و جعل الفارسي يطلب البراز، فأحجم عنه الناس و خرج إليه الشيخ ثانية، فرده أبو موسى، فغضب الباهلي من ذلك و لم يلتفت إلى كلام أبي موسى و مضى نحو الفارسي، فالتقيا بطعنتين، طعنة الباهلي قتلته، ثم أقبل راجعا نحو المسلمين، قال: فقال له أبو موسى: يا أخا باهلة!إن الأشعري لم يرد بكلامه إياك بأسا، فقال الباهلي: و لا الباهلي أراد بأسا أيها الأمير! قال: و تقدم جرير بن عبد اللّه البجلي حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى صوته: أيها المسلمون!الجهاد ثوابه عظيم و خطره جسيم، و هذا يوم له ما بعده من الأيام، و قد دعاكم اللّه عزّ و جلّ إلى الجهاد و وعدكم عليه الثواب، و نهاكم عن التثاقل و حذركم العقاب، فاعملوا في يومكم هذا عملا يرضى به ربكم عنكم، ألا و إني حامل يا معشر بجيلة فاحملوا.

قال: ثم جعل جرير يرتجز، قال: ثم حمل جرير من الميمنة و حمل النعمان بن مقرن من الميسرة و اختلط الفريقان، و دارت بهما الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم صدقهم المسلمون القتال و الحملة و كبروا، و إذا الهرمزدان قد ولى بين يدي أصحابه فاتبعته الأعاجم، و وضع المسلمون فيهم السيف فقتلوا منهم في المعركة مقتلة عظيمة و أسروا منهم ستمائة رجل، و دخل الهرمزدان و أصحابه إلى تستر بأشر حالة تكون و عامة أصحابه جرحاء، و رجع المسلمون إلى معسكرهم، و قدم أبو موسى هؤلاء الأسراء فضرب أعناقهم عن آخرهم.

فلما كان من غد إذا برجل من الفرس من أهل تستر يقال له‏نسيبه بن دارنة قد [ (1) ]كذا، و ليست في جمهرة أنساب العرب لابن حزم و لا جمهرة ابن الكلبي.

282

أقبل إلى أبي موسى الأشعري من بعد صلاة العشاء الآخرة فقال: أيها الأمير! أ تعطيني الأمان على نفسي و مالي و ولدي و أهلي و أدفع إليك هذه المدينة؟فقال له أبو موسى: لك ذلك، فقال الفارسي: فابعث معي الساعة رجلا حتى أوقفه على الطريق الذي يتهيأ لكم أن تدخلوا المدينة منه، قال: فبعث معه أبو موسى برجل يقال له عوف بن مجزأة[ (1) ]فقال له: انطلق مع هذا الرجل حتى يوقفك على الطريق الذي يتهيأ لنا أن ندخل منه إلى مدينة تستر.

قال: فخرج عوف بن مجزأة مع نسيبه هذا الفارسي في جوف الليل حتى جاز به الفارسي نهر تستر فأوراه المخاضة من موضع عرفه، ثم مر به على عرق الجبل حتى أصعده السور. و على السور قوم نيام قد أوقفهم الهرمزدان في ذلك الموضع حرسا للمدينة، قال: فجاز به نسيبه رويدا رويدا حتى أنزله إلى مدينة تستر ثم جاء به إلى منزله فبات فيه، فلما أصبح نسيبه أخذ طيلسانا له فدفعه إلى عوف بن مجزأة فقال له: غط رأسك بهذا الطيلسان و اتبعني، قال: فخرج المسلم يتبع نسيبه حتى جاز به على باب الهرمزدان و الهرمزدان في وقته قد وضع الموائد على بابه يغدي قواده و أساورته، فقال نسيبه للمسلم: هذه دار الهرمزدان فأعرفها لتخبر أصحابك بذلك، قال: ثم جاء به حتى أوقفه على باب المدينة فعرفه إياه، و طاف به في مدينة تستر حتى عرفه جميع دورها و قصورها ثم رده إلى منزله، فلما كان الليل أخرجه و جاء به حتى أوقفه على الموضع الذي جاء به منه فقال: اعبر الآن هذا النهر و سر إلى صاحبك فخبره بما رأيت و قل له فليبعث معك بجماعة و ليتبعوك حتى تدخل المدينة كما أدخلتك إياها و ليحتالوا في قتل هؤلاء الحرس، فإذا كان وقت الصبح فلينزلوا إلى باب المدينة فليعالجوه حتى يفتحوه، و يكون صاحبك قد عبى أصحابه و أوقفهم على الباب، فإني أرجو أن يفتح اللّه هذه المدينة لكم، فإني قد أوقفتك على مدخلها و مخرجها فخبر أنت أصحابك بذلك و كن أنت الدليل لهم على فتحها.

قال: فخرج عوف بن مجزأة إلى أبي موسى فخبره بذلك، فلما كان في الليلة الثانية قال أبو موسى لأصحابه: أيها المسلمون من يهب نفسه للّه تعالى في هذه الليلة فليخرج مع عوف بن مجزأة حتى يدخل بهم مدينة تستر فيكونوا هم الذين يفتحون لنا [ (1) ]في الطبري 4/216 عامر بن عبد القيس و كعب بن سور و مجزأة بن ثور. و عند ابن الأثير 2/164 عامر بن عبد القيس. و في فتوح البلدان ص 373 أشرس بن عوف رجل من بني شيبان.

283

بابها من داخلها، فقد تعلمون أنه ليس لنا في تستر حيلة إلا أن تفتح لنا من داخلها لأجل هذا النهر الذي يدور حولها.

قال: فانتدب له سبعون‏[ (1) ]رجلا أو يزيدون من أهل البصرة و أهل الكوفة فتقلدوا بسيوفهم ثم مضوا نحو تستر و عوف بن مجزأة بين أيديهم، حتى جاز بهم النهر فخاضه من الموضع الذي قد عرفه، ثم أصعدهم على عرق الجبل حتى أوقفهم على السور و الحرس في وقتهم ذلك نيام لا يعقلون. قال: فنكى فيهم هؤلاء المسلمون فذبحوهم عن آخرهم، ثم قعدوا على السور ينتظرون الصبح، فلما كان وقت الصبح وثب المسلمون فصلوا بغلس‏[ (2) ]و ركبوا دوابهم و تقلدوا سيوفهم و تناولوا رماحهم و قصدوا نحو باب تستر و الباب مغلق، قال: و نزل هؤلاء السبعون الذين مضوا في أول الليل فساروا إلى باب تستر من داخل ليعالجوه فيفتحوه، و كان على الباب ثلاثة أقفال و مفاتيح الأقفال عند الهرمزدان، قال: و كبر المسلمون من خارج الباب و كبر المسلمون السبعون من داخل الباب، و سمعت الفرس بذلك فبادروا و خرجوا من دورهم و قصورهم و ركبوا، و ركب الهرمزدان في أساورته و مرازبته نحو الباب. قال: فجعل هؤلاء السبعون رجلا يقاتلون أهل تستر بأجمعهم، و كان قوم يعالجون فتح الباب و قوم يحاربون حتى كسروا قفلين و قتل عامة هؤلاء السبعين فما بقي منهم إلا نفر قليل. قال: و جعل المسلمون يكبرون من خارج المدينة و ليس لهم في أصحابهم حيلة، فلم يزالوا كذلك حتى قتل السبعون بأجمعهم غير ثلاثة نفر، ففتحوا القفل الثالث و اقتحم المسلمون مدينة تستر و هؤلاء الثلاثة أيضا داستهم الخيل فقتلتهم.

قال: و سار المسلمون بأجمعهم حتى صاروا في مدينة تستر فجعلوا يقتلون و ينهبون، و خرج الهرمزدان عن مدينة تستر هاربا حتى صار إلى قلعة له، و قد كان قدم أهله و ولده و عامة أمواله إلى تلك القلعة في نفر من أهل بيته و خدمه و حشمه فتحصن هنالك، و غنم أبو موسى و المسلمون جميع ما كان بتستر من أموالها و غنائمها، و مرت الفرس على وجوهها يمنة و يسرة و قد كانوا وجهوا بنسائهم و أولادهم و أموالهم ففرقوهم في البلاد خوفا من المسلمين.

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 373 ندب أبو موسى أربعين رجلا... و أتبعهم مائتي رجل.

[ (2) ]الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. (اللسان) .

284

قال: و جمع أبو موسى غنائم تستر فأخرج منها الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قسم باقي ذلك في المسلمين، فأعطى كل ذي حق حقه‏[ (1) ]، ثم سار في جميع أصحابه حتى نزل إلى قلعة الهرمزدان فحاصره بها أشد الحصار، فلما رأى الهرمزدان ما هو فيه بعث إلى أبي موسى يسأله أن يعطيه الأمان على أن يحمله إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مع أهله و ولده و حشمه و جميع أهل بيته، فأجابه أبو موسى إلى ذلك و كتب له أمانا منشورا فبعث به إليه، فنزل الهرمزدان من قلعته، فأخذوا جميع ما كان فيها.

قال: ثم دعا أبو موسى بالهرمزدان فقيده بقيد ثقيل و وجه به و أهله و ولده و جميع ما كان معه إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و وجه إليه أيضا بالخمس من غنائم المسلمين من تستر[ (2) ].

قال: و بلغ ذلك أهل المدينة فجعلوا ينظرون إلى الهرمزدان و من معه من أصحابه، قال: و دخل المسلمون المدينة و طلبوا عمر بن الخطاب في منزله فلم يصيبوه، فقال الهرمزدان: لمن تطلبون؟قالوا: نطلب أمير المؤمنين، قال الهرمزدان: أو ليس له من يقضي حوائجه؟قالوا: بلى و لكنه عون نفسه، قال:

فعجب الهرمزدان من ذلك.

ثم جاء المسلمون فإذا هم بعمر بن الخطاب و هو نائم في مشرفه من وراء المسجد فوقفوا عليه و سلموا، فاستيقظ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ثم استوى جالسا فنظر إلى الهرمزدان و إلى من معه فخرّ للّه ساجدا ثم قال‏[ (3) ]: الحمد للّه الذي جعله و أشباهه فيئا للمسلمين.

قال: ثم وثب عمر فدخل المسجد و اجتمع إليه المهاجرون و الأنصار، و أتي بالخمس حتى وضع بين يديه فنظر إليه عمر و حمد اللّه عزّ و جلّ على ذلك. ثم دعا بالهرمزدان فأوقفه بين يديه ثم قال: يا هرمزدان!كيف رأيت صنع اللّه عزّ و جلّ بك؟ [ (1) ]كان سهم الفارس ثلاثة آلاف و الرجل ألفا. (الطبري-ابن الأثير-ابن كثير) .

[ (2) ]في الطبري 4/217 أرسل الهرمزدان مع وفد فيهم أنس بن مالك و الأحنف بن قيس.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: الحمد للّه الذي أذل بالإسلام هذا و غيره أشباهه (في الطبري: هذا و أشياعه) . و زيد عنده: يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين و اهتدوا بهدي نبيكم و لا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة. ـ

285

فقال الهرمزدان: لست بأول من نزلت به هذه النازلة، المصائب قد تصيب الرجال.

فقال عمر: صدقت فقل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، فقال الهرمزدان: على هذه الحالة لا أقول، قال: عمر: فإني قاتلك، قال الهرمزدان: فإني عطشان فاسقني قبل أن تقتلني، قال عمر: ائتوه بماء حتى يشرب، قال: فأتي بماء في إناء من خشب أو غير ذلك، فقال الهرمزدان: إني لا أشرب في مثل هذا الإناء و لا أشرب إلا في جوهر، قال عمر رضي اللّه عنه: إنا لا نشرب في الجوهر و لا نرى ذلك،

فقال له علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه: فلا عليك ائته بماء في قوارير[ (1) ]فإنه جوهر أيضا، قال: فأتي بقدح فيه ماء فتناوله، فقال له عمر: اشرب!فقال الهرمزدان:

أخاف أن تقتلني قبل أن أشربه، قال عمر[ (2) ]: فلك اللّه عزّ و جلّ راع و كفيل لا أقتلك أو تشربه، قال: فرفع الهرمزدان القدح فضرب به الأرض فكسره، فقال عمر: أيها المسلمون ما ترون في هذا؟فسكت المسلمون، فقال علي‏[ (3) ]رضي اللّه عنه: إنك قد أعطيته الأمان و حلفت له أن لا تقتله أو يشرب الماء، فلم يشربه فليس لك أن تقتله، و لكن ضع عليه الجزية و ذره ليكونن بالمدينة.

فقال الهرمزدان: إنه لا توضع الجزية على مثلي و أنا ملك و ابن ملك غير إني داخل في دين الإسلام طائعا غير مكره و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمّدا رسول اللّه. قال: و أسلم الهرمزدان و أسلم كل من كان معه من أهل بيته و ولده و خدمه و حشمه، فأمر عمر رضي اللّه عنه بفك قيده و قربه و أدناه و فرح بإسلامه، و خلطه المسلمون بأنفسهم.

قال: و دخل رجل من المسلمين‏[ (4) ]ممن كان مع أبي موسى إلى قلعة الهرمزدان فجعل يدور فيها، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى تمثال من حجر و قد مد يده كذا نحو الأرض، قال: و كان هذا المسلم داهيا فقال: ما وضع هذا التمثال في هذا الموضع مادا يده إلى الأرض إلا و تحت يده كنز!ثم جاء إلى أبي موسى الأشعري فخبره بذلك، فأرسل أبو موسى بثقات من أصحابه و أمرهم، فحفروا تحت التمثال فإذا هم بسفط عظيم مقفل، فحملوه إلى أبي موسى، فأمر به ففتح فإذا دنانير كثيرة [ (1) ]إناء من فضة.

[ (2) ]في الطبري: لا بأس عليك حتى تشربه.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير و فتوح البلدان و البداية و النهاية: أنس بن مالك.

[ (4) ]هو السائب بن الأقرع كما في الإصابة و فيه أن السائب شهد فتح مهرجان و دخل دار الهرمزدان فرأى فيها ظبيا من حصن مادا يده... فنظر فإذا فيه خبيئة للهرمزدان فيها سفط من جوهر.

286

كسروية و حلى من قرطة و شنوف‏[ (1) ]و مخانق‏[ (2) ]و خلاخيل و أسورة و خواتيم و كل ذلك من الذهب مرصع بالدر و الجوهر. قال: فنظر أبو موسى و المسلمون إلى ذلك، قال: و نظر أبو موسى إلى فص ياقوت هناك فأخذه و لم يعلم قيمته، ثم قفل السفط و ختمه و أرسل به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و كتب إليه بحاله و قصته.

قال: فكتم عمر هذا السفط ثم بعث إلى الهرمزدان فدعاه ثم قال: يا هرمزدان!إني أسألك عن أموالك ما حالها؟فقال الهرمزدان: إن مالي و أموال غيري قد صارت إلى أبي موسى و قد قسمها في أصحابه و وجه إليك ما وجه، قال عمر: فهل بقي لك في قلعتك شي‏ء من المال؟قال: لا يا أمير المؤمنين!ما بقي لي هنالك شي‏ء إلا سفط مدفون في القلعة لا يقدر عليه أحد و قد عزمت على أن أوجه من يأتيني به، قال: فضحك عمر رضي اللّه عنه ثم دعا بالسفط فوضعه بين يديه، قال: هذا سفطك؟قال: هذا هو يا أمير المؤمنين!فمن أتاك بهذا؟قال: وجه به إلينا أبو موسى الأشعري و لكن افتحه و انظر هل تفقد منه شيئا، قال: ففتحه الهرمزدان و جعل ينظر و يميزها ثم قال: ما أفقد منه إلا فصا واحدا هو خير مما في هذا السفط، فقال عمر: فإن صاحبي كتب إليّ أن الفص صار إليه فاجعله له إن شئت، قال الهرمزدان: فإني قد جعلته له يا أمير المؤمنين و هو أعف رجل يكون إذ لم يكتمك أمر هذا الفص.

قال: و اختصم أهل البصرة و أهل الكوفة، فقال أهل البصرة: الفتح لنا[ (3) ]، و قال أهل الكوفة: بل الفتح لنا[ (3) ]، فاختصموا في ذلك حتى كاد أن يقع بينهم شي‏ء من المكروه ثم إنهم رضوا بعمر بن الخطاب و كتبوا إليه بذلك.

قال: فكتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: أما بعد فإن تستر من مغازي أهل البصرة[ (4) ]غير أنهم إنما نصروا بإخوانهم من أهل الكوفة، و كذلك أهل الكوفة لو أن عدوا غزاهم في ثغورهم ثم نصرهم أهل البصرة لم يكن بذلك بأس لأن النصر في [ (1) ]شنوف: جمع شنف. من حلى الأذن. و الشنف: الذي يلبس في أعلى الأذن، و قيل الشنف و القرط سواء (اللسان) .

[ (2) ]المخانق: جمع مخنقة القلادة (اللسان) .

[ (3) ]في معجم البلدان (تستر) : هي من أرضنا.

[ (4) ]في معجم البلدان: فجعلها عمر بن الخطاب من أرض البصرة لقربها منه.

287

كتاب اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ المؤمنين إخوة، و الفتح لأهل البصرة، و أهل الكوفة شركاؤهم في الأجر و الغنيمة، فإياكم و نزغات الشيطان! و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. قال: فرضي الفريقان بقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و رجع أهل الكوفة مع أميرهم عمار بن ياسر إلى الكوفة، و رجع أهل البصرة مع أبي موسى إلى البصرة، و رجع أهل حلوان مع جرير بن عبد اللّه و أصحابه إلى حلوان.

حديث العنزي‏[ (1) ]

قال: و أقبل رجل من أهل البصرة يقال له ضبة بن محصن العنزي إلى أبي موسى فقال له: يا هذا!إنك قد رأيت بلائي بين يديك في يوم تستر فإما أن تزيد لي في عطائي و إما أن توفدني إلى أمير المؤمنين، فقال له أبو موسى: يا أخا عنزة!أما ما ذكرت من بلائك بين يدي فكل المسلمين قد أبلوا، و إنما أرادوا بذلك ما عند اللّه عزّ و جلّ و الدار الآخرة، و إني متى زدتك في عطائك خفت أن يطلب غيرك ذلك و لست بفاعل، قال: فقال له العنزي: و اللّه!ما كان لك في هذا الفتح أمر و لا نهي و لا كان الحظ فيه إلا لجرير بن عبد اللّه البجلي و إخوانه من أهل الكوفة، و لو كان الأمر في ذلك إليك إذا لما قطعت فيه شعرة و لا فتت فيه بعرة. قال: فغضب أبو موسى الأشعري لذلك ثم كتب فيه إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فكتب عمر إلى أبي موسى أن يشخص هذا العنزي إليه فشخص، فلما دخل و سلم رد عليه السلام و هو لا يعرفه، ثم قال: من أين أنت؟قال أنا ضبة بن محصن العنزي، قال عمر: فلا مرحبا بك و لا أهلا!فقال العنزي: أما المرحب فمن اللّه و أما الأهل فلا أهل لي، ثم ولى من بين يديه مغضبا[ (2) ]، فقال عمر: ردوه، فردوه إليه، فلما وقف بين يديه أمره بالجلوس فجلس، ثم قال له: خبرني عنك في ما ذا انتقمت على أميرك أبي موسى و هجوته؟فقال: لأنه اختار ستين غلاما من أبناء الدهاقين فاتخذهم [ (1) ]خبره في الطبري 5/8 و الكامل لابن الأثير 2/207 و البداية و النهاية 7/149.

قال في الإصابة: ضبة بن محصن العنزي البصري، تابعي مشهور له إدراك.

قال ابن سعد: كان قليل الحديث، و ذكره ابن حبان في ثقات التابعين.

[ (2) ]عند الطبري: أنه اختلف إليه ثلاثا يقول له هذا و يرد عليه هذا حتى إذا كان في اليوم الرابع.

288

لنفسه، و له جارية يقال لها عقيلة يغديها بجفنة ملآنة عراقا[ (1) ]و يعشيها بمثل ذلك و ليس منا من يقدر على ذلك، و له خاتمان يختم بهما، و له قفيزان يكتال بأحدهما لنفسه و يكيل بالآخر لغيره، و قد استولى على أمره زياد بن عبيد بن علاج‏[ (2) ]من ثقيف، و إنه حلف يمينا كاذبة حسدا منه لأهل الكوفة لما أغنمهم اللّه عزّ و جلّ من أهل رامهرمز ما أغنمهم إن يكن ذلك لهم دون أهل البصرة[ (3) ]، و لا و اللّه يا أمير المؤمنين!ما أنا من أهل الكوفة فأقول هذا عصبة مني لهم و ما أنا إلا من أهل البصرة، و لو كان أبو موسى أعطى رامهرمز أمانا و عهدا مؤكدا و أجلا ستة أشهر كما زعم إذا لعرفنا ذلك و عرفه إخواننا المسلمون ممن لا يتهم بالكذب‏[ (4) ]و السلام.

قال: فأمر عمر رضي اللّه عنه العنزي، فكتب هذا كله بخطه، ثم بعث إلى أبي موسى فأشخصه إليه من البصرة، فلما قدم دعا به فأجلسه بين يديه، ثم دعا بالعنزي فقال له: اقرأ عليه ما كتبت!فقرأ عليه العنزي: أمر ستين غلاما الذين اختارهم لنفسه، فقال أبو موسى: نعم يا أمير المؤمنين!إني دللت على ستين غلاما من أبناء الدهاقين فأخذتهم ثم إني أتيت بفداء ففديتهم و قسمت ذلك المال بين المسلمين، فقال العنزي‏[ (5) ]: ما نعرف من هذا شيئا و أنا رجل من المسلمين، ما أصابني من ذلك المال قليلا و لا كثيرا. قال: ثم قرأ عليه العنزي أمر جاريته عقيلة، فسكت أبو موسى و لم يتكلم بشي‏ء. ثم قرأ عليه أمر الخاتمين و القفيزين، فقال أبو موسى: نعم يا أمير المؤمنين!خاتم لي خاصة يكون في يد قهرماني و أهلي يعرفونه، و خاتم أختم به للجند و العمال و هو في يدي، و لي قفيزان قفيز أقوت به عيالي و هو في منزلي، و قفيز للمسلمين به أعطيهم و به آخذ منهم، فقال العنزي: ما ندري هذا كما تقول أم لا. ثم قرأ عليه أمر زياد بن عبيد فقال: نعم يا أمير المؤمنين!وجدت عنده حفظا و أمانة و عقلا و تدبيرا فاستكفيته، فإن كرهه أمير المؤمنين عزلته. قال: ثم قرأ عليه أمر اليمين التي حلف بها، فقال: يا أمير [ (1) ]العراق: المفطام إذا لم يكن عليها شي‏ء من اللحم. فإذا كان عليه لحم فهو عرق (اللسان) .

[ (2) ]في الطبري زياد بن أبي سفيان.

[ (3) ]و ذلك لما افتتح جرير بن عبد اللّه رامهرمز، و كان أبو موسى قد أجلهم ستة أشهر ليروا رأيهم. و قد مرّ ذلك.

[ (4) ]زيد في الطبري: و أنه أجاز الحطيئة بألف.

[ (5) ]عند الطبري: و اللّه ما كذب و لا كذبت.

289

المؤمنين!ما حلفت إلا على حق و لقد كنت أعطيت أهل رامهرمز أمانا و عهدا مؤكدا و أجلا ستة أشهر. قال: فغضب عمر رضي اللّه عنه ثم قال: يا هذا!فإن كنت أعطيتهم أمانا كما تقول و عهدا و أجلا فلم وجهت إليهم الخيل حتى فعلوا بهم ما فعلوا؟يا هذا!إني قد ائتمنتك على ما هو أعظم من ذلك كله فأنت و ربك أعلم.

قال: ثم أمر عمر بإشخاص زياد بن عبيد و جارية أبي موسى إلى ما قبله، فأشخصا جميعا، فأما عقيلة[ (1) ]فأخذها منه عمر بثمنها و كانت عنده إلى أن قتل عنها، و أما زياد بن عبيد فإنه لما دخل على عمر رضي اللّه عنه سلم ورد عليه السلام، ثم إنه أجلسه بين يديه ثم قال له: كم عطاؤك؟قال: ألفان يا أمير المؤمنين!قال عمر: فما صنعت بأول عطاء خرج لك؟فقال‏[ (2) ]: اشتريت به أبي و كان عبدا مملوكا فاشتريته و أعتقته، قال عمر: نعم ما رأيت، قال: ثم سأله عمر عن القرآن و السنن و الفرائض فوجده كما أحب، فأمره بالرجوع إلى البصرة و أوصى أبا موسى بحفظه. قال: و أقام أبو موسى عند عمر بن الخطاب أياما ثم استأذن فأذن له فرجع إلى عمله بالبصرة.

ذكر فتح نهاوند و حروبها و اجتماع الفرس بها

قال: و تحركت الأعاجم بأرض نهاوند[ (3) ]و اجتمعوا بها، و كتب بعضهم إلى بعض أن يكون اجتماعهم بها، قال: فاجتمع أهل الري و سمنان و الدامغان و ما والاها بنهاوند في عشرين ألفا، و أهل ساوه و همذان في عشرة آلاف، و أهل نهاوند خاصة في عشرة آلاف، و أهل قم و قاشان في عشرين ألفا، و أهل أصفهان في عشرين ألفا، و أهل فارس و كرمان في أربعين ألفا، قال: ثم بعثوا إلى أذربيجان يستمدونهم إلى حرب العرب، فأقبل إليهم أهل أذربيجان في ثلاثين ألفا، فذلك خمسون ألفا و مائة ألف‏[ (4) ]ما بين فارس و راجل من المرازبة و الأساورة و الأبطال المعدودين المذكورين في كل بلد من أرض الفرس، ثم إنهم جمعوا نيفا و سبعين فيلا يريدون التهويل على خيول المسلمين، ثم أقبل بعضهم على بعض فقالوا: إن [ (1) ]الطبري: حبس عقيلة بالمدينة.

[ (2) ]الطبري: اشتريت والدتي فأعتقتها، و اشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته.

[ (3) ]نهاوند: مدينة عظيمة في قبة همذان بينهما ثلاثة أيام و هي أعتق مدينة في الجبل (معجم البلدان) .

[ (4) ]في فتوح البلدان ص 300: ستين ألفا، و يقال: مائة ألف.

290

ملك العرب الذي جاءهم بهذا الكتاب و أقام لهم هذا الدين قد هلك-يعنون بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-و إنه قد ملكهم من بعده رجل يكنى أبا بكر فملك ملكا يسيرا و هلك، و إنا نرى صاحبهم هذا عمر قد طال عمره و دام ملكه و علا أمره، قد اجتمعتم من كل بلد و ليس فيكم إلا رماة الحدق و أحلاس السيوف و الدرق، فتعالوا بنا حتى ننفي من بقربنا من جيوش العرب، ثم إنا نسير إليهم في ديارهم فنستأ[صلهم‏]عن جديد الأرض، فإنا إن لم نفعل ذلك ساروا إلينا فأخرجونا عن جميع بلادنا و أنزلوا بنا من الذل و الصغر ما أنزلوه بأهل القادسية و المدائن و جلولاء و خانقين و ما أنزلوه بأهل الأهواز و تستر و مناذر و رامهرمز و ما أنزلوه بأهل الشام قبل ذلك.

قال: فتعاقدوا على أمرهم و تعاهدوا و عزموا على جهاد المسلمين، و بلغ ذلك أهل الكوفة[ (1) ]، فاجتمعوا إلى أميرهم عمار بن ياسر فقالوا: أيها الأمير!هل بلغك ما كان من جموع هؤلاء الأعاجم بأرض نهاوند؟قال عمار: قد بلغني ذلك فهاتوا ما عندكم من الرأي!فقالوا: الرأي في ذلك أن نكتب إلى أمير المؤمنين و نعلمه بذلك قبل أن يسير عدونا إلى ما قبلنا، قال عمار: أفعل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما

بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر، سلام عليك!أما بعد فإن ذا السطوات و النقمات المنتقم من أعدائه المنعم على أوليائه هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار و الجحود من أهل عداوته، و مما حدث يا أمير المؤمنين أن أهل الري و سمنان و ساوه و همذان و نهاوند و أصفهان و قم و قاشان و راوند و اسفندهان‏[ (2) ]و فارس و كرمان و ضواحي أذربيجان قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين و مائة ألف من فارس و راجل من الكفار، و قد كانوا أمروا عليهم أربعةمن ملوك الأعاجم‏[ (3) ]منهم ذو الحاجب خرزاد بن هرمز و سنفاد بن حشروا [ (1) ]عند الطبري 5/237 و بلغ الخبر سعدا. و كان قد ثار به قوم و سعوا به و ألبوا عليه. فأخرج من الكوفة لمقابلة عمر، و استخلف عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان. (راجع ابن الأثير 2/179 و البداية و النهاية 7/120) .

[ (2) ]كذا، و في معجم البلدان اسفيذبان، من قرى أصبهان.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: الفيرزان، و في فتوح البلدان ص 300 مردان شاه ذو الحاجب. و في تاريخ

291

و خهانيل بن فيروز و شروميان بن إسفنديار، و أنهم قد تعاهدوا و تعاقدوا و تحالفوا و تكاتبوا و تواصوا و تواثقوا على أنهم يخرجوننا من أرضنا و يأتونكم من بعدنا، و هم جمع عتيد و بأس شديد و دواب فره و سلاح شاك و يد اللّه فوق أيديهم، فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم، و قد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم، و قد عزموا أن يقصدوا المدائن و يصيروا منها إلى الكوفة، و قد و اللّه هالنا ذلك و ما أتانا من أمرهم و خبرهم، و كتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا و على الأمور يدلنا، و اللّه الموفق الصانع بحوله و قوته، و هو حسبنا و نعم الوكيل، فرأي أمير المؤمنين أسعده اللّه فيما كتبته و السلام.

قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قرأه و فهم ما فيه وقعت عليه الرعدة و النفضة حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه، ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد و جعل ينادي: أين المهاجرون و الأنصار؟ألا!فاجتمعوا رحمكم اللّه و أعينوني أعانكم اللّه.

قال: فأقبل إليه الناس من كل جانب، حتى إذا علم أن الناس قد اجتمعوا و تكاملوا في المسجد وثب إلى منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) فاستوى عليه قائما و إنه ليرعد من شدة غضبه على الفرس، فحمد اللّه عزّ و جلّ و أثنى عليه و صلى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!هذا يوم غم و حزن فاستمعوا ما ورد عليّ من العراق، فقالوا: و ما ذاك يا أمير المؤمنين؟فقال: إن الفرس أمم مختلفة أسماؤها و ملوكها و أهواؤها و قد نفخهم الشيطان نفخة فتحزبوا علينا و قتلوا من في أرضهم من رجالنا، و هذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين و مائة ألف و قد سربوا عسكرهم إلى حلوان و خانقين و جلولاء، و ليست لهم همة إلا المدائن و الكوفة، و لئن وصلوا إلى ذلك فإنها بلية على الإسلام و ثلمة لا تسد أبدا، و هذا يوم له ما بعده من الأيام، فاللّه اللّه يا معشر المسلمين!أشيروا عليّ رحمكم اللّه، فإني قد رأيت رأيا غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم لأنكم شركائي في المحبوب و المكروه.

[ () ]اليعقوبي 2/156 «دوسر» و في مروج الذهب: ذو الجناحين.

[ (1) ]قارن مع الطبري 4/237.

292

ذكر ما أشار به المسلمون على عمر رضي اللّه عنه‏

قال‏[ (1) ]: و كان أول من وثب على عمر بن الخطاب و تكلم طلحة بن عبيد اللّه فقال: يا أمير المؤمنين!إنك بحمد اللّه رجل قد حنكته الدهور و أحكمته الأمور و راضته التجارب‏[ (2) ]في جميع المقانب، فلم ينكشف لك رأي إلا عن رضى، و أنت مبارك الأمر ميمون النقيبة، فنفذنا ننفذ و احملنا نركب و ادعنا نجب‏[ (3) ].

قال: ثم وثب الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين!إن اللّه تبارك و تعالى قد جعلك عزا للدين و كهفا للمسلمين، فليس منا أحد له مثل فضائلك و لا مثل مناقبك إلا من كان من قبلك، فمد اللّه في عمرك لأمة نبيك محمد صلّى اللّه عليه و سلّم!و بعد فأنت بالمشورة أبصر من كل من في المسجد، فاعمل برأيك فرأيك أفضل، و مرنا بأمرك فها نحن بين يديك.

فقال عمر: أريد غير هذين الرأيين، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف الزهري فقال: يا أمير المؤمنين!إن كل متكلم يتكلم برأيه، و رأيك أفضل من رأينا، لما قد فضلك اللّه عزّ و جلّ علينا، و أجرى على يديك من موعود ربنا، فاعمل برأيك و اعتمد على خالقك و توكل على رازقك و سر إلى أعداء اللّه بنفسك و نحن معك، فإن اللّه عزّ و جلّ ناصرك بعزه و سلطانه كما عودك من فضله و إحسانه.

فقال عمر: أريد غير هذا الرأي، فتكلم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال‏[ (4) ]: يا أمير المؤمنين!إنك قد علمت و علمنا أنا كنا بأجمعنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا اللّه منها بنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد اختارك لنا خليفة نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و قد رضيك الأخيار و خافك الكفار و تفر عنك الأشرار، و أنا أشير عليك أن تسير أنت بنفسك إلى هؤلاء الفجار بجميع من معك من المهاجرين و الأنصارفتحصد شوكتهم و تستأصل جرثومتهم، فقال عمر رضي اللّه عنه: و كيف أسير أنا بنفسي إلى عدوي و ليس بالمدينة خيل و لا رجل فإنما هم متفرقون في جميع الأمصار، فقال عثمان:

[ (1) ]الطبري 4/238 باختلاف و زيادة.

[ (2) ]عند الطبري: و احتنكتك التجارب.

[ (3) ]زيد عند الطبري: وفدنا نفد، و قد ننقد فإنك ولي هذا الأمر، و قد بلوت و جربت و اختبرت.

[ (4) ]الطبري 4/238 و ابن الأثير 2/180. ـ

293

صدقت يا أمير المؤمنين!و لكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم، و إلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم، ثم تسير بأهل الحرمين مكة و المدينة إلى أهل المصرين البصرة و الكوفة، فتكون في جمع كثير و جيش كبير، فتلقى عدوك بالحد و الحديد و الخيل و الجنود[ (1) ].

قال فقال عمر: هذا أيضا رأي ليس يأخذ بالقلب، أريد غير هذا الرأي،

قال: فسكت الناس و التفت عمر رضي اللّه عنه إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أبا الحسن!لم لا تشير بشي‏ء كما أشار غيرك؟[ (2) ].

ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه‏

قال : فقال علي‏[ (3) ]: يا أمير المؤمنين!إنك قد علمت أن اللّه تبارك و تعالى بعث نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم و ليس معه ثان و لا له في الأرض من ناصر و لا له من عدوه مانع، ثم لطف تبارك و تعالى بحوله و قوته و طوله فجعل له أعوانا أعز بهم دينه، و شد أزره، و شيد بهم أمره، و قصم بهم كل جبار عنيد و شيطان مريد، و أرى موازريه و ناصريه من الفتوح و الظهور على الأعداء ما دام به سرورهم و قرّت به أعينهم، و قد تكفل اللّه تبارك و تعالى لأهل هذا الدين بالنصر و الظفر و الإعزاز و الذي نصرهم مع نبيهم و هم قليلون هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون، و بعد فإنك أفضل أصحابك رأيا و أيمنهم نقيبة، و قد حملك اللّه عزّ و جلّ أمر رعيتك فهو الذي يوفقك للصواب و دين الحق‏ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ ، فأبشر بنصر اللّه عزّ و جلّ الذي وعدك، و كن على ثقة من ربك فإنه لا يخلف الميعاد، و بعد فقد رأيت قوما أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم و لم يأخذ بقلبك شي‏ء مما أشاروا به عليك، لأن كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله، و أعلمك يا أمير المؤمنين إن كتبت [ (1) ]زيد عند الطبري: ... إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام فاشهده برأيك و أعوانك و لا تغب عنه.

[ (2) ]عند الطبري 4/237 فقام عثمان بن عفان و طلحة بن عبيد اللّه و الزبير بن العوام و عبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي من أصحاب رسول اللّه (ص) فتكلموا كلاما فقالوا لا نرى ذلك (و كان عمر قد عرض عليهم أن يسير من المدينة و ينزل منزلا وسطا بين المصرين و يستنفر من هناك الناس إلى فارس) . الطبري 4/237 و فتوح البلدان ص 300 و لكن لا يغيبن عنهم رأيك و أثرك... و إنما استأذنوك و لم يستصرخوك فأذن لهم و اندب إليهم... و كان الذي ينتقد له الرأي إذا عرض عليه العباس رضي اللّه عنه.

[ (3) ]الطبري 4/238 ابن الأثير 2/181.

294

إلى الشام أن يقبلوا إليك من شامهم لم تأمن من أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم و يهدم مساجدهم و يقتل رجالهم و يأخذ أموالهم و يسبي نساءهم و ذريتهم، و إن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم أغارت الحبشة أيضا على ديارهم و نسائهم و أموالهم و أولادهم، و إن سرت بنفسك مع أهل مكة و المدينة إلى أهل البصرة و الكوفة ثم قصدت بهم قصد عدوك انتقضت عليك الأرض من أقطارها و أطرافها، حتى إنك تريد بأن يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما[ (1) ]تريد أن تقصده، و لا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم و لا كهف يلجؤون إليه، و ليس بعدك مرجع و لا موئل إذ كنت أنت الغاية و المفزع و الملجأ، فأقم بالمدينة و لا تبرحها فإنه أهيب لك في عدوك و أرعب لقلوبهم، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلة أتباعه و أنصاره، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك و على المسلمين، فأقم بمكانك الذي أنت فيه و ابعث من يكفيك هذا الأمر و السلام.

قال: فقال عمر رضي اللّه عنه: يا أبا الحسن!فما الحيلة في ذلك و قد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين و مائة ألف يريدون استئصال المسلمين؟

ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه ثانية

قال: فقال له علي بن أبي طالب عليه السّلام: الحيلة أن تبعث إليهم رجلا مجربا قد عرفته بالبأس و الشدة فإنك أبصر بجندك و أعرف برجالك و استعن باللّه و توكل عليه و استنصره للمسلمين، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدهم بها، فإن أظفر اللّه المسلمين فذلك الذي تحب و تريد، و إن يكن الأخرى، و أعوذ باللّه من ذلك أن تكون ردءا للمسلمين و كهفا لهم يلجؤون إليه و فئة ينحازون إليها،

قال فقال له عمر: نعم ما قلت يا أبا الحسن!و لكني أحببت أن يكون أهل البصرة و أهل الكوفة هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم فإنهم قد ذاقوا حربهم و جربوهم و مارسوهم في غير موطن.

[ (1) ]في الطبري: مما بين يديك من العورات و العيالات.

295

ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ثالثة

قال فقال له علي رضي اللّه عنه: إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرسا لهم يدفعون عن حريمهم، و الفرقة الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالأذان و الصلاة لكيلا يعطل الصلاة و يأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك، و الفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة، و يصنع أهل الكوفة أيضا كصنع أهل البصرة[ (1) ]ثم يجتمعون و يسيرون إلى عدوهم فإن اللّه عزّ و جلّ ناصرهم عليهم و مظفرهم بهم، فثق باللّه‏ وَ لاََ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ. قال: فلما سمع عمر مقالة علي كرم اللّه وجهه و مشورته أقبل على الناس و قال: ويحكم!عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن، و اللّه!لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي، ثم أقبل عليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: يا أبا الحسن!فأشر عليّ الآن برجل ترتضيه و يرتضيه المسلمون أجعله أميرا و أستكفيه من هؤلاء الفرس، فقال علي رضي اللّه عنه: قد أصبته، قال عمر: و من هو؟قال: النعمان بن مقرن المزني،

فقال عمر و جميع المسلمين: أصبت يا أبا الحسن!و ما لها من سواه.

قال: ثم نزل عمر رضي اللّه عنه عن المنبر و دعا بالسائب بن الأقرع بن عوف الثقفي‏[ (2) ]فقال: يا سائب!إني أريد أن أوجهك إلى العراق فإن نشطت لذلك فتهيأ، فقال له السائب: ما أنشطني لذلك يا أمير المؤمنين و أنا سائر إذا شئت، فقال له عمر: إن خروجك في هذا الوجه سعادة لك فإن قتلت فزت بالجنة، و اعلم بأني قد جعلتك على غنائم المسلمين فإن سلم اللّه عزّ و جلّ هذا الجيش و أنت على مقاسمة انظر أن تعطي كل ذي حق حقه و لا ترفعن إليّ باطلا و لا تمنعن أحدا من حق هو له، و إن تكن الأخرى و أصيب هذا الجيش فاذهب في عرض الأرض فلا تراني و لا أراك، فإني أخاف أني كلما رأيتك ذكرتك مصارع المسلمين، فقال السائب:

أفعل ذلك يا أمير المؤمنين و أنا أرجو أن ينصر اللّه عزّ و جلّ أهل الدين و القرآن على [ (1) ]في فتوح البلدان: كتب إلى أهل الكوفة يأمرهم أن يسير ثلثاهم و يبقى ثلثهم لحفظ بلدهم و ديارهم.

[ (2) ]عن الإصابة و هو السائب بن الأقرع بن عوف بن جابر بن سفيان بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم الثقفي، بعثه عمر مع النعمان بن مقرن لما وجهه إلى نهاوند قاسما.

296

عبدة الشمس و القمر و النيران.

ثم كتب عمر رضي اللّه عنه إلى النعمان بن مقرن المزني، و النعمان يومئذ بموضع من العراق يقال له كسكر[ (1) ]، قد كان ولاه سعد بن أبي وقاص قبل ذلك.

قال: و كتب إليه عمر[ (2) ]: أما بعد يا نعمان فإن كتاب أهل الكوفة ورد علي فقرأته و فهمت ما ذكر لي فيه من أمر الفرس، و قد علمت أن يد اللّه فوق أيديهم و سيمدّكم اللّه عزّ و جلّ بجند من الملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم، و يقذفون الرعب في قلوبهم و الزلازل في أقدامهم حتّى يهلكهم اللّه عزّ و جلّ هلاكا يكون فيه بوارهم و استئصالهم و دمارهم إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، و بعد فقد وجهت إليك السائب بن الأقرع التميمي و أمرته بأمري و أعوزت إليك أن يأمرك أن تعسكر بالقصر الأبيض حتى تجتمع إليك أهل البصرة و أهل الكوفة، فإذا اجتمعوا إليك و تكاملوا لديك فسر بهم إلى أعداء اللّه بأرض نهاوند، فقد ولّيتك هذا الجيش و أنا أعلم إن شاء اللّه أن اللّه ناصرك و خاذل عدوّك و أنه وعدنا ذلك إذ يقول تبارك و تعالى: وَ أُخْرى‏ََ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهََا قَدْ أَحََاطَ اَللََّهُ بِهََا [ (3) ]فهم الروم و الفرس، فثق بموعد اللّه عزّ و جلّ فإنّه لا يخلف الميعاد، فانظر يا نعمان!إذا لقيتم عدوّكم فقدموا الصبر أمامكم فإن اللّه تبارك و تعالى قد وعد الصابرين أنهم يؤتون أجرهم بغير حساب و العاقبة بعد ذلك للمتقين، ألا!فسيروا على بركة اللّه تعالى فإني قد استودعتكم من لا يضيع ودائعه-و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: ثم كتب عمر أيضا إلى أبي موسى الأشعري أن يمدّه من أهل البصرة [ (1) ]كسكر: كورة واسعة بين الكوفة و البصرة (معجم البلدان) و قيل كان النعمان و معه جمع من أهل الكوفة قد اقتحموا جنديسابور و السوس (ابن الأثير 2/181) و يقال بل كان بالمدينة فولاه عمر أمر هذا الجيش مشافهة، فشخص منها (البداية و النهاية 7/108 و فتوح البلدان ص 300 و مروج الذهب 2/354 و فيه أن عمر دخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن مقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك. قال: أما جابيا فلا، و لكن غازيا، قال فإنك غاز.

و قيل في توليته أمر نهاوند، أن النعمان كان قد كتب إلى عمر و هو على عسكر و سأله أن يعزله عنها و يوليه قتال أهل نهاوند، فلهذا أجابه إلى ذلك و عينه له (البداية و النهاية 7/122) .

[ (2) ]نسخة كتاب عمر في الطبري 4/232 و البداية و النهاية 7/123 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 330 صفحة 440.

[ (3) ]سورة الفتح: 41.

297

بالثلث و كذلك أهل الكوفة[ (1) ]، ففعل أبو موسى ذلك، و التأمت العساكر بالعراق.

و خرج النعمان بن مقرن حتّى نزل القصر الأبيض مما يلي المدائن كما أمرهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حتى اجتمع إليه الكوفيون و البصريون.

قال: فعرضهم النعمان بن المقرن و عدّهم و أحصاهم، فإذا هم يزيدون على ثلاثين ألفا من أهل البصرة و أهل الكوفة، فدعا النعمان بطليحة بن خويلة الأسدي فعقد له عقدا و ضم إليه أربعة آلاف فارس من أهل البصرة و أهل الكوفة و جعله مقدمة، فسار طليحة بن خويلد على مقدمة النعمان بن مقرن و جعل يذكر ما كان منه بالقادسية و غيرها من الحروب المتقدمة، ثم سار طليحة حتى نزل المدائن، و رحل النعمان بن مقرن بالمسلمين، حتى إذا تقارب من المدائن قال: و رحل طليحة في أصحابه على المقدمة حتى نزل الدسكرة و جاء النعمان بن مقرن فنزل المدائن و أقام بها ثلاثة أيام، ثم رحل منها يريد الدسكرة، و رحل طليحة على مقدمته حتى نزل بجلولاء، قال: و كان النعمان كلما رحل من موضع رحل طليحة على مقدمته، فلم يزل كذلك‏حتى صار إلى حلوان و بها يومئذ قائد من قوّاد كسرى يقال له شادوه بن آزاد مرد في نيف و عشرة آلاف من الفرس، فلمّا أحس بجنود المسلمين أنها قد استشرفت على حلوان خرج هاربا في جميع أصحابه حتى صار إلى قرماسين‏[ (2) ] فنزلها، و نزل طليحة بن خويلد حلوان في أربعة آلاف فارس، و أقبل النعمان في جيشه الأعظم حتى نزل بحلوان و أقام بها أياما حتى استراح المسلمون و أراحوا خيولهم.

قال: ثم دعا النعمان برجل من فرسان العرب ممن كان مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام يقال له قيس بن هبيرة المرادي، فقال له: يا قيس!أنت تعلم أن طليحة بن خويلد قد كان على مقدمة المسلمين من الكوفة إلى حلوان و قد أحببت أن تكون مقدمتي من ههنا إلى هذا البلد الذي يقال له قرماسين، فقال قيس بن هبيرة:

أفعل ذلك أيها الأمير.

قال: فضم إليه النعمان بن مقرن أربعة آلاف فارس من أشد عسكره، فسار قيس بن هبيرة من حلوان على مقدمة المسلمين و جعل يذكر ما كان منه بأرض الروم و القادسية و غير ذلك.

[ (1) ]مرّ أنه كتب إلى أهل الكوفة أن يسير ثلثاهم و يبقى ثلثهم (فتوح البلدان ص 300) .

[ (2) ]قرماسين: كذا بالأصل، و لعله قرميسين و هي بلد بين همذان و حلوان (معجم البلدان) .

298

قال: و سار قيس بن هبيرة على مقدمة المسلمين حتى وافى قرماسين و بها يومئذ قائدان عظيمان من قواد الأعاجم، أحدهما شادوه بن آزاد مرد الذي هرب من حلوان، و الآخر مهرويه بن خسروان فهما جميعا في عشرين ألفا من الفرس، فلما أن علما أن خيل المسلمين قد شارفت أرض قرماسين خرجا هاربين عنها حتى نزلا بموضع يقال له ماذران‏[ (1) ]، و دخل قيس بن هبيرة إلى قرماسين فنزلها، قال: و كانت قرماسين مصلحة للفرس و منتزها لكسرى‏[ (2) ]، قال: و سار النعمان بن مقرن من حلوان حتى نزل قرماسين، و بلغ ذلك الفرس ممن كان خارجا عن أرض نهاوند فامتلأت قلوبهم خوفا و رعبا، ثم إنهم تفلتوا من جميع المواضع حتى صاروا إلى نهاوند فاحتشدوا بها، ثم إنهم اجتمعوا و تحالفوا و تعاقدوا على أنهم لا يفرون أبدا دون أن يبيدوا العرب عن آخرهم.

قال: و سار النعمان بن مقرن في جميع المسلمين‏حتى نزل بأرض ماذران، ثم دعا بهذين الرجلين بكير بن شداخ الليثي و طليحة بن خويلد الأسدي‏[ (3) ]فأرسلهما جميعا نحو أرض نهاوند و أمرهما أن يتجسسا الأخبار عن الفرس، فمضيا جميعا، فأما بكير بن شداخ فإنه رجع إلى المسلمين، و أما طليحة بن خويلد فإنه مضى نحوه حتى تقارب من أرض نهاوند[ (4) ]و تعرف أخبار الفرس ثم رجع، فلمّا دخل العسكر كبّر المسلمون من كل ناحية، فقال طليحة: ما هذا التكبير؟فقالوا: إنك قد أبطأت علينا فظننا و اللّه أنك قد رغبت عن دين الإسلام و صرت إلى دين هؤلاء الأعاجم‏[ (5) ]، قال: فغضب طليحة بن خويلد من ذلك ثم قال: سبحان اللّه العظيم!أو يحسن هذا بمثلي؟و اللّه!أن لو لم يكن لي دين أعتمد عليه إلاّ أني عربي فقط لما كنت بالذي [ (1) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «ماردان» و بين ماذران و همذان مرحلة و بينها و بين الدينور أربعة فراسخ. و قد صححت أينما وقعت في الخبر.

[ (2) ]قال ياقوت في قرميسين: لم يجد (قباذ) فيما بين المدائن إلى بلخ بقعة على الجادة أنزه و لا أعذب ماء و لا نسيما من قرميسين، فأنشأ قرميسين و بنى لنفسه بها بناء معتمدا على ألف كرم و بها قصر شيرين و الطاق.

[ (3) ]في الطبري 4/232 و ابن الأثير 2/182 و البداية و النهاية 7/123 أرسل النعمان طليحة بن خويلد و عمرو بن معدي كرب و عمرو بن أبي سلمى و هو ابن ثنى.

[ (4) ]و كان بين موضع المسلمين الذي هم به و نهاوند بضعة و عشرون فرسخا.

[ (5) ]و كان طليحة ممن ارتد بعد وفاة رسول اللّه (ص) ، ثم راجع الإسلام و حسن إسلامه.

299

اختار هؤلاء الأعاجم على العرب، فكيف و قد هداني اللّه عزّ و جلّ إلى دين الإسلام و عرّفني فضله! قال: و سار المسلمون يريدون نهاوند، قال: و بلغ ذلك أهل نهاوند فأرسلوا الماء في أرضهم لكي يمنعوا بتلك المياه المسلمين، قال: فلم يغن ذلك من قضاء اللّه عزّ و جلّ فيهم شيئا، قال: و سار المسلمون حتى نزلوا في الموضع الذي يقال له قبور الشهداء[ (1) ]، فنزلوا هنالك و ضربوا عسكرهم، و بلغ ذلك الفرس فألقوا حسك الحديد حول نهاوند فحصنوها بتلك الحسك، قال: و دعا النعمان برجل من أشد أصحابه يقال له محمد بن زكار الخثعمي، فقال له: ويحك يا محمود!أحب منك أن تنطلق نحو حصن هؤلاء القوم فتنظر إليه و تأتيني بخبره، فقد بلغني أنه حصن حصين و أنه مشرف على قلعة لهم في الهواء، فقال محمود بن زكار: أيها الأمير!قد بلغني ذلك و هذا نهار فإذا كان الليل انطلقت فأتيتك بخبر القلعة إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: فلما كان الليل و اختلط الظلام عمد محمود بن زكار هذا إلى فرسه فأسرجه و ألجمه ثم صب عليه درعه و تقلد بسيفه و اعتم بعمامته و استوى على فرسه و تناول رمحه و مضى، فلم يزل يسير حتى إذا أشرف على قلعة نهاوند و قد جعل يسمع أصوات الحرس على سورها من كل ناحية و نيرانهم تأجج، قال: و إذا بفرسه قد قام و ليس يتقدم و لا يتأخر، فحركه فلم يتحرك فإذا قد علق يده و اتقى منها، قال: فنزل محمود بن زكار عن فرسه ثم ضرب بيده إلى الفرس فقلب حافره فإذا بحسكة حديد قد دخلت في حافره، فنزعها و ركب فرسه ثم رجع إلى النعمان بن مقرن فخبره بذلك، ثم قال: أيها الأمير!إن أرضهم كلها مفروشة بهذا الحسك يطرحونه في الليل و يرفعونه بالنهار، قال: و أصبح المسلمون فعبوا تعبيتهم.

ذكر وقعة الفرس و قتل النعمان‏

قال: و ساروا يريدون أرض نهاوند فإذا هم بأوائل خيل الفرس وافت و قد استقبلوهم بالعطعطة و النعير يقدم بعضهم بعضا، ثم إنهم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا و فشت الجراحات في المسلمين حتى وقعت الهزيمة على الفرس و تبعهم المسلمون [ (1) ]قال ياقوت هي قبور قوم من العرب استشهدوا في صدر الإسلام.

300

فقتلوا منهم بشرا كثيرا و قتل وزير من وزراء كسرى يقال له البحيرجان‏[ (1) ]فيمن قتل، و هزمهم المسلمون حتى بلغوا بهم إلى موضع عسكرهم و اشتبكت الحرب هنالك، فلم يزالوا كذلك يقتتلون إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين، فرجع المسلمون إلى موضع عسكرهم، فباتوا ليلتهم تلك و لهم أنين شديد من كثرة ما بهم من الجراحات، توقد لهم النيران و يعصبون بالزيت و الحراق‏[ (2) ]، و هم في ذلك يدعون اللّه عزّ و جلّ و يتضرعون إليه و يسألونه النصر على أعدائهم.

فلما أصبحوا قال فقال النعمان بن مقرن: أيها الناس!استمعوا كلامي و احفظوا وصيتي، فقالوا: قل أيها الأمير!نسمع كلامك و نحفظ وصيتك، فقال:

إن الفرس قد أخطروا لكم أخطارا و أخطرتم لهم أخطارا، فإن أنتم هزمتموهم ترجعون إلى نعمة و سرور، و إن هزموكم فلا بصرة و لا كوفة و لا مدينة، و اعلموا بأنكم قد أصبحتم بابا بين الإسلام و الشرك، و إن كسر هذا الباب دخل على الإسلام منه بلاء، فاللّه اللّه عباد اللّه الإسلام أن تخذلوه فإنكم عباد اللّه‏الذين توحدونه و تعبدونه، فإنما تقاتلون خلقا من خلقه يأكلون رزقه و يعبدون غيره، يعبدون الشمس و القمر و النار، و ينكحون الأمهات، و الأخوات و البنات و الخالات و العمات، فكل فاحشة يعملون بها و كل حرمة ينتهكونها، و قد ساقكم اللّه عزّ و جلّ إليهم و ساقهم إليكم هوانا لهم و كرامة لكم، فتقربوا إلى اللّه عزّ و جلّ بجهاد العادلين باللّه و ارغبوا في عظيم ثواب اللّه، ألا!فإني هازّ لكم رايتي هذه، فإذا رأيتموني قد هززتها فشدوا عمائمكم على بطونكم و شمروا عن سواعدكم، فإذا هززتها الثانية لكم فليضم كل رجل منكم ثيابه و ليتعاهد عنان فرسه و لينظر إلى حزامه و ثفره و لببه و ليتهيأ للحملة، فإذا هززتها لكم الثالثة فليضع كل رجل منكم رمحه بين أذني فرسه و لينظر إلى وجوه مقاتلة، و إني مكبر بعد ذلك فكبروا و شدوا على القوم شدة واحدة و قولوا: لا حول و لا قوة إلا باللّه.

قال: فناداه عمرو بن معديكرب: أيها الأمير!إنا قد سمعنا كلامك و حفظنا وصيتك، فإن أصبت-و أعوذ باللّه أن يكون ذلك-فمن يكون على الناس أميرا بعدك؟فقال: إن أصبت-و أنا أرجو أن يرزق اللّه عزّ و جلّ ابن مقرن الشهادة- [ (1) ]كذا بالأصل، و لعله النخيرجان (فتوح البلدان ص 302) .

[ (2) ]الحُرّاق: الملح الشديد الملوحة (اللسان) . ـ

301

فأميركم بعدي حذيفة بن اليمان، فإن أصيب فجرير بن عبد اللّه البجلي، فإن أصيب فالأشعث بن قيس الكندي، فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة الثقفي‏[ (1) ]، ثم رفع النعمان رأسه إلى السماء فقال: اللهم انصر ابن مقرن و ارزقه الشهادة! إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. قال: فناداه رجل من أصحابه فقال: أيها الأمير!إنك قد أمرتنا بأمر و نحن قابلوه منك، و لكن متى تأمرنا بالحملة على هؤلاء القوم في أول النهار أم في آخره؟ فقال: لا بل في آخره إذا زالت الشمس عن كبد السماء وهبت الرياح و حضرت مواقيت الصلاة[ (2) ]، و عسى أن يوافق دعاؤنا دعاء أهل المدينة، فعند ذلك نرجو النصر من السماء، و لا سيما هذا يوم الجمعة و هو يوم يستجاب فيه الدعاء.

قال: فبينا النعمان بن مقرن يكلم أصحابه بهذا الكلام و يوصيهم إذا هو بعساكر الفرس قد أقبلت يتلو بعضها بعضا على البراذين البخارية و قد زينت بالسروج المدبّجة و المراشح‏[ (3) ]المشعرة، و الفرس في أيديها الرايات المعلمة و الأعمدة المذهبة و الطبرزينات المحزقة و عليهم أقبية الحرير و صدر الديباج، و الفيلة عن أيمانهم و شمائلهم قد شهروها بأنواع الزينة، قال: فنظر المسلمون إلى جمع عظيم و عدة قوية فكأنهم جزعوا لذلك و خافوا أن يفشلوا، قال: فصاح رجل: يا أهل الإسلام! ألا ما أشبه هذا اليوم إلايوم الجسر الذي قتل فيه أبو عبيدة بن مسعود الثقفي و أصحابه، قال: ثم استعبر باكيا، قال فقال عبد اللّه بن... [ (4) ]لقد أذكرتني يوم الجسر فأين أنت عن قول أبي محجن الثقفي.

قال: فصاح عمرو بن معديكرب من القلب و قال: يا معشر المسلمين!ذرونا من مناشدة الأشعار و ارغبوا في مجاورة الملك الجبار و عليكم بالنظر إلى راية أميركم، [ (1) ]بالأصل، انظر الطبري 4/232 ابن الأثير 2/183 البداية و النهاية 7/123 فتوح البلدان ص 300.

[ (2) ]و هي أحب الساعات كانت إلى رسول اللّه (ص) أن يلقى العدو فيها (ابن الأثير 2/183، و قد مرت رواية أبي داود و الترمذي في ذلك) .

و جاءت شكاية الناس إلى النعمان بعد ما أقبل المشركون على المسلمين يرمونهم حتى أفشوا بينهم الجراح رغم استتار المسلمين بالحجف.

[ (3) ]المراشح جمع مرشحة و هي البطانة التي تحت لبد السرج، سميت بذلك لأنها تنشف الرشح، يعني العرق.

[ (4) ]كذا بياض بالأصل.

302

فوقفوا يراعون الراية ليس منهم أحد يزول عن موضعه، و الفرس في خلاف ذلك يضحكون و يعطعطون و ينعرون، و المسلمون سكوت لا ينطقون لكنهم قد علقوا المخالي على الخيل و هم يراعون الراية، حتى إذا زالت الشمس و حان وقت الصلاة هزّ النعمان رايته هزة، و نظر المسلمون إلى ذلك فبادروا إلى المخالي فأخذوها عن رؤوس الدواب، و جعل الرجل بعد الرجل يرمي بنفسه عن فرسه فيصلي ركعتين يبادر بهما ثم يستوي على فرسه، قال: ثم إن النعمان هز رايته ثانية، فشد المسلمون عمائمهم على بطونهم و قرطوا أعنة الخيل و شدوا الحزم و استوثقوا من الأثفار و الألباب و تهيئوا إلى الحملة، و جعل الرجل يوصي الرجل الذي إلى جنبه و يقول: يا هذا!إن منزلي بالبصرة أو بالكوفة في موضع كذا و كذا فانظر إن أصبت أنا و سلمت أنت فصر إلى منزلي فخبرهم بمصرعي، قال: و كان الكوفي يوصي الكوفي و البصري يوصي البصري، قال: و بكى الناس بعضهم بعضا مخافة أن تكون الغلبة للفرس على المسلمين، قال: و هز النعمان رايته ثالثة، فوضع كل واحد رمحه بين أذني فرسه و جعل يقول للذي إلى جنبه: أوسع لي فإني أريد أن أحمل، قال: ثم صوب النعمان رايته كأنها جناح طائر أبيض و كبر المسلمون و غشيهم التكبير من الهوى، فجعلت أقدام الفرس تخفق من ركبهم حتى أن الرجل منهم ليضع النشابة في كبد القوس فترعد كفاه حتى تسقط النشابة من يده.

قال: ثم حمل النعمان و حمل الناس معه فاختلطوا و اقتتلوا، و ذهب النعمان ليحمل على رجل من الأعاجم، فحمل عليه رجل منهم فطعنه طعنة في خاصرته، فسقط النعمان قتيلا[ (1) ]-رحمة اللّه عليه. قال: و جالت الخيل و نظر رجل من المسلمين إلى النعمان قتيلا إلى عمامة كانت على رأسه فأخذها فضرب بها على وجه النعمان لكيلا ينظر المسلمون إلى وجه النعمان فيفشلوا عن القتال.

قال: و تقدم معقل‏[ (2) ]أخو النعمان فرفع الراية للمسلمين ثم حمل، فلم يزل [ (1) ]في استشهاده أقوال: قيل زلق به فرسه فصرع (الطبري-ابن الأثير) و قيل رمي بسهم في خاصرته فقتله (ابن الأثير) و قيل انه بعد أن زلق به فرسه و وقع جاءه السهم في خاصرته فقتله (البداية و النهاية) .

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير «نعيم» و قد أخذ الراية و سلمها إلى حذيفة بن اليمان، و في البداية و النهاية: لم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، و قيل نعيم. و أمر حذيفة (عند ابن الأثير: المغيرة بن شعبة) بكتم موته حتى يتفضل الحال لئلا ينهزم الناس.

303

يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-.

قال: و تقدم أخوهما الأصغر و اسمه سويد بن مقرن، قال: و جعل سويد بن مقرن يقاتل حتى أثخن بالجراحات و لم يقتل، فرجع بالراية فدفعها إلى حذيفة بن اليمان رحمه اللّه، قال: فأخذها حذيفة فرفعها للمسلمين ثم قال: إني حامل، و حمل حذيفة و حمل الناس معه، فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك إلى أن جاء الليل فحجز بينهم و رجع الفريقان بعضهم عن بعض.

قال: فلما أصبح القوم زحف بعضهم إلى بعض‏و تقدم رجل من الأساورة على فرس له لا ينال من طوله حتى وقف بين الجمعين ثم نادى: يا معشر العرب!أنا بوذان بن أرديه فهلموا إلى البراز!قال: فلما سمعه الناس و هو يتكلم بالعربية كأنهم هابوه، فلم يخرج إليه أحد، قال: و نظر الفارسي أنه ليس يخرج إليه أحد فحمل على المسلمين حملة فشق الصفوف و خرج من الجانب الآخر، ثم كر راجعا على المسلمين فخالطهم و استلب منهم رجلا عن فرسه فجعل يركض به و الرجل معلق بيده حتى صار به إلى أصحابه فرمى به إليهم فقتل الرجل، ثم أقبل بوذان حتى صار إلى الموضع الذي كان فيه بديا، قال: فاغتم المسلمون لذلك و جعل عمرو بن معديكرب يرتجز، ثم حمل بوذان على المسلمين ليفعل كفعلته الأولية و حمل عليه عمرو بن معديكرب من ورائه فضربه بالصمصامة ضربة على بيضته فقد البيضة و الهامة و مرت الصمصامة تهوي حتى صارت إلى جوف بوذان فسقط قتيلا، فنزل إليه عمرو فسلبه ما كان عليه، فيقال إنه كان في وسط بوذان منطقة قومت بسبعة آلاف دينار.

قال: و دنت الفرس حتى تقاربت من صفوف المسلمين في خلق عظيم فجعلوا يرمون بالنشاب حتى جرحوا جماعة، و هم المسلمون بالحملة عليهم فقال حذيفة:

لا تعجلوا حتى آذن لكم، قال: فصبر المسلمون ساعة و الفرس في خلال ذلك لا يفترون من الرمي و ما يسقط منهم نشابة إلا في رجل من المسلمين، فلما رأوا ذلك و إن الجراحات قد فشت فيهم تركوا وصية حذيفة، ثم كبروا و حملوا على الفرس فكشفوهم، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم رجعوا إلى مراكزهم، قال: و رجعت إليهم الفرس كأنهم السباع الضارية في جموع لم يروا مثلها قبل ذلك، فصاح عمرو بن معديكرب: يا معاشر العرب و الموالي!و يا أهل الإسلام و الدين و القرآن! إنه لا ينبغي لكم أن يكون هؤلاء الأعاجم أصبر منكم على الحرب و لا أحرص منكم‏

304

على الموت، فتناسوا الأولاد و الأزواج، و لا تجزعوا من القتل فإنه موت الكرام و منايا الشهداء. قال: ثم نزل عمرو عن فرسه و نزل معه أبطال بني عمه، قال: و الأعاجم في الآلة و الأسلحة و بين أيديهم ثلاثون فيلا، على كل فيل منهم جماعة من أساورة الفرس، قال: و نظر عامة المسلمين إلى عمرو بن معديكرب و أصحابه و قد ترجلوا فنزل الناس و ترجلوا ثم تقدموا نحو الخيل و الفيلة، فلم يكن إلا ساعة من أول النهار حتى احمرت الأرض من دماء الفرس و قتلت الفيلة بأجمعها فما أفلت منها واحد.

قال: فتراجعت الفرس إلى ورائها، و إذا بفيلة أخرى من الفرس قد أقبلت في قريب من عشرة آلاف بمطاردها و أعلامها، و بين أيديهم رجل من قواد كسرى يقال له لرداود بن ادركرد و كان من أهل قاشان، قال فتقدم على فيل له مزين و على رأسه تاج له يلمع بالجوهر، و عن يمينه خمسة فيلة و عن يساره كذلك، على كل فيل منها جماعة من أساورة الفرس. قال: و نظر إليهم قيس بن هبيرة المرادي فلم يكذب أن حمل على ذلك الفيل المزين، فضرب خرطومه ضربة و قطعه، ثم تأخر عنه و طعنه في عينه طعنة، فإذا الفيل تقهقر إلى ورائه حتى أنه مر بساقية فيها ماء فعثر بها و سقط عنه لرداد بن ادركرد.

قال: ثم تقدم رجل من شجعان الفرس يقال له مهربنداد بن رادان بود في قريب من ألف فارس و مهربنداد يومئذ على فيل مزين و على رأسه تاج من الذهب مرصع بالجوهر، و في يده طبرزين محزق بالذهب و الفيلة عن يمنه و شماله، فلما وقف مهربنداد بين الجمعين في هذا الجيش ضج المسلمون من كل ناحية و جعل كل قوم يحبون المبارزة و الخروج إلى الحرب، قال: فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي فقال: يا معشر المسلمين!إنه ليست منكم قبيلة بحمد اللّه إلا و لها في هذه الوقعة أثر محمود، و قد أحببت أن تجعلوا قتال هؤلاء القوم في هذا الوقت إلينا، فقال عمرو بن معديكرب و المسلمون: فإنا قد أحببنا ذلك فاخرج عافاك اللّه و كلأك من ناره. قال:

فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي و تقدم معه نيف على ثلاثمائة رجل من بني عمه، حتى إذا دنا من الفرس حسر عن رأسه ثم كبر و حمل و حملت معه قبائل طي‏ء على مهربنداد و أصحابه، فكان مهربنداد أول من قتل، و وضع المسلمون السيف في أصحابه و كانوا ألف فارس، فأفلت منهم خمسون رجلا أو أقل من ذلك، قال: و وقع المسلمون في السلب فأخذوا متاعا كثيرا من دروع و جواشن و بيض و رماح و حجف‏

305

و أطواق و شنوف و قرطة و أسورة و مناطق، و حازوا ذلك كله، قال: و جاء الليل فحجز بين الفريقين.

فلما كان من غد و ذلك في اليوم الرابع من حروبهم ثار القوم بعضهم إلى بعض، و زحف أهل نهاوند في جمع عظيم حتى صافّوا المسلمين، قال: وصف المسلمون صفوفهم كما كانوا يصفونها من قبل، و دنت الخيل من الخيل و الرجال من الرجال فتناوشوا ساعة، و تقدم مرزبان من مرازبتهم يقال له النوشجان بن بادان على فيل له و قد شهره بالتجافيف المذهبة و صفرة الذهب تلمع على سواد الفيل حتى وقف بين الجمعين، قال: و نظر إليه عمرو بن معديكرب فتهيأ للحملة عليه، ثم أقبل على بني عمه من زبيد فقال: ألا تسمعون؟فقالوا: قل يا أبا ثور!نسمع قولك و ننتهي إلى أمرك، فقال: إني حامل على هذا الفيل و قاصد إليه، فإن قطعت خرطومه فقد هلك و ذاك الذي أريد، و إن أخطأته و رأيتم الفرس قد حملوا عليّ و تكاثروا فأعينوني، فقالوا: نفعل أبا ثور!فاستخر اللّه عزّ و جلّ و تقدم. قال: فتقدم عمرو نحو الفيل الذي على ظهره النوشجان، قال: و جعل النوشجان يرميه بالنشاب من فوق الفيل حتى جرحه جراحات كثيرة، و نظر إليه من كان من بني عمه فخرجوا إليه ليعينوه، و صاح النوشجان بالفرس فحملوا على عمرو و أصحابه، فاقتتل القوم و حمل عمرو من بين أيديهم فضرب خرطوم الفيل فقطعه، و ولى الفيل منهزما ثم سقط ميتا، و وضع المسلمون السيف في النوشجان و أصحابه، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و قتل النوشجان فيمن قتل و انهزم الباقون بشر حالة تكون.

قال: و تقدم قائد من قواد نهاوند يقال له هرمزد بن داران في نيف على خمسة آلاف فارس من نخبة الأعاجم حتى وقف بين الجمعين، فأقبل حذيفة بن اليمان على الناس فقال: أيها المسلمون!إن هؤلاء الأعاجم ليست معهم نصفة أن يخرج منهم رجل إلى رجل، و ذلك أنه إذا خرج منهم قائد يجد بدا من أن يخرج معه كل أصحابه، و هذا عسكر لجب قد برز إليكم في مثل هذه التعبية من الخيل و الجنود و الفيلة، فثقوا بربكم و قاتلوا عن دينكم و صلوا على نبيكم، قال: فكان أول من خرج إلى هرمزد و أصحابه رجلان من قيس عيلان من بني مضر يقال لأحدهما بكير و الآخر مالك، فخرجا على فرسين لهما ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال له: يا أخي!اعلم أني حامل على هذا الجيش و لست أطلب منهم إلا عميدهم و كبيرهم هرمزد بن داران، فما الذي ترى؟فقال أخوه: أرى أني معك أحمل إذا حملت،

306

و معك أقتل إن قتلت، و معك أرجع إن رجعت، قال: فخرجا جميعا نحو هرمزد و أصحابه فطعنا في الخيل ساعة حتى فروا هائمين يمنة و يسرة، ثم إنهما حملا على هرمزد بن داران، هذا عن يمينه و هذا عن يساره، فطعناه فسقط إلى الأرض قتيلا، قال: و تكاثرت الفرس من كل ناحية على هذين الفتيين بكير و مالك فقتلا جميعا- رحمة اللّه عليهما-.

قال: فارتفع العجاج فخرج أخ لهذين الفتيين ليخرق العجاج و ينظر إلى أخويه، فإذا لقيه رجل يقال له بسطام بن عمرو فقال له: ويحك يا بسطام!هل حسست أخوي حسا؟فقال: نعم، أعظم اللّه أجرك في أخويك!فقد قتلا كريمين، فقال ناشرة: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، ثم حمل على الفرس فقاتل ساعة ثم وقف ثم حمل ناشرة بن صالح، و نادى عمرو بن معدي كرب قال: يا معاشر المسلمين!إني ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم القادسية، فيا معشر بني مذحج! و يا فتيان بني زبيد!و يا معشر النخع!اعلموا أن الذكر غدا بالمدينة لمن صبر اليوم، ألا!فاحملوا و لا تفشلوا رحمكم اللّه.

قال: فما بقي أحد من بني مذحج و لا من النخع و لا من بني زبيد إلا و حمل، و نظر إليهم عمرو و قد حملوا فحمل معهم، فاقتتلوا ساعة حتى أزالوا الفرس عن أماكنهم، و قتلوا منهم بشر كثير.

قال: ثم أقبل جرير بن عبد اللّه البجلي على الناس فقال: يا معشر المسلمين!إنكم قد علمتم بأن أميرنا النعمان بن مقرن قد قتل منذ ثلاثة أيام و هذا الرابع، و هؤلاء الأعاجم كلما كسرنا لهم جيشا زحفوا إلينا بجيش هو أعظم منه، و قد تعلمون أن يزدجرد ملك الأعاجم قاطبة قد صار إلى أصفهان و لست آمن أن يبعث إليكم بجيش عظيم فيكون فيه البوار، و هذه الشمس قد زالت كما ترون، فاعلموا أنها لا تغيب إلا و نحن في جوف قلعة نهاوند إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: فقال طليحة بن خويلد الأسدي: و اللّه ما الرأي إلا ما رأيت يا أبا عمرو! و لقد قلت قولا و يجب أن نجعلها واحدة، لنا أم علينا، فإنا لا نطيق كثرة هؤلاء القوم.

قال: فقال عمرو بن معديكرب: ويحك يا طليحة!لا تقل علينا فإني أرجو أن تكون لنا و قلبي يشهد بذلك كما أنه يشهد أني مقتول في هذا اليوم، ألا!و إني‏

307

حامل فاحملوا معي رحمكم اللّه، فواللّه لأجهدن أني لا أرجع دون أن أفتح أو أقتل.

قال: ثم نزل عمرو عن فرسه و جعل يستوثق من حزامه و ثفره و لببه، ثم استوى عليه و ضرب بيده إلى الصمصامة فجعل يهزّها، قال: ثم كبّر عمرو و حمل، و حمل معه فرسان بني مذحج على جموع الأعاجم، فلما خالطهم عمرو عثر به فرسه فسقط إلى الأرض و غار فرسه و أحاطت به الفرس من كل جانب، فلم يزل يقاتل حتى انكسرت الصمصامة في يده، ثم ضرب بيده إلى السيف ذي النون فلم يزل يضرب به حتى انكسر في يده، فعند ذلك علم أنه مقتول، قال: و جعل المسلمون يحملون على الفرس فيقاتلون و ليست لهم بهم طاقة لكثرة جمعهم، و حمل رجل من الفرس يقال له بهرزاد على عمرو بن معديكرب فضربه على يافوخه، فخر عمرو صريعا و تكاثرت عليه الفرس بالسيوف فقطعوه إربا إربا-رحمة اللّه و رضوانه عليه-.

ثم إنهم حملوا على المسلمين حملة فكشفوهم عن معسكرهم و عن موضع سوادهم، قال: و كان سارية بن زنيم الكناني يومئذ على جناح المسلمين فوقعت في أذنه صيحة و هو يقول: يا سارية!الجبل الجبل!مرتين، قال: فحمل سارية و من معه من المسلمين على قوم من الفرس وراء الجبل و قد كانوا عزموا أن يخرجوا على المسلمين كمينا. فكشفهم سارية عن مواضعهم و حمل المسلمون من الميمنة و الميسرة و القلب، فاحتكموا الأعاجم جملةحتى قلعوهم عن أرض نهاوند و بنائها و اتبعوهم فرسخين أو أكثر من ذلك يقتلونهم عند كل حجر و شجر، ثم رجعوا إلى نهاوند في وقت المغرب فباتوا ليلتهم تلك يحرس بعضهم بعضا خوفا من أن يكون في الفرس رجعة عليهم، و الفرس قد ألقى اللّه عزّ و جلّ الرعب في قلوبهم، فبعضهم يؤمّ أصفهان و بعضهم يؤم ماسبذان و بعضهم يؤم قم و قاشان مشردين في البلاد، فأصبح المسلمون فجعلوا يجمعون غنائم نهاوند إلى معسكرهم حتى نظروا إليها كأنها الإكام، ثم إنهم دفنوا قتلاهم فبعضهم دفن في الموضع الذي أصيب فيه، و بعضهم دفن في الموضع الذي يعرف بقبور الشهداء إلى يومنا هذا.

قال: و أقبل إلى السائب بن الأقرع رجل من أهل نهاوند[ (1) ]فقال له: أيها العربي!أنت صاحب غنائم العرب؟فقال: نعم، أنا على غنائمهم، فقال: هل [ (1) ]هو الهربذ صاحب بيت النار (الطبري 4/243 و فيه أنه جاء إلى حذيفة بن اليمان) . و في فتوح البلدان ص 302 ذو العوينتين.

308

لك أن تؤمنني على نفسي و أهلي و ولدي و مالي و أهل بيتي و أدلك على كنز النخيرجان‏[ (1) ]؟فقال له السائب: أيها الرجل!انك تطلب مني الأمان على أمة من الأمم و لست أدري كنز النخيرجان ما هو؟فقال الفارسي: إذا أخبرك أيها الأمير!

خبر النخيرجان و قصته‏

قال: و جعل الفارسي يحدث السائب بن الأقرع فقال: أيها الأمير!إن النخيرجان كان وزيرا ليزدجرد، و كانت له امرأة حسناء و كان يزدجرد يختلف إليها، قال: فقال غلمان النخيرجان للنخيرجان: أيها الوزير!إن الملك يختلف إلى امرأتك فأحببنا أن نعلمك بذلك، قال: فاتقى النخيرجان على نفسه من أن يقتله يزدجرد و يأخذ امرأته، فجفا النخيرجان امرأته فلم يقربها، فخبرت المرأة يزدجرد بذلك، قال: فدعا يزدجرد بالنخيرجان ذات يوم فأقعده بين يديه ثم خلا به فقال له:

يا نخيرجان!بلغني أن لك عينا عذبة و أنك لا تشرب منها فلم ذلك؟فقال النخيرجان: أيها الملك!إني كنت أشرب منها و لكني وجدت عندها أثر الأسد فاتقيته على نفسي، قال: فعلم يزدجرد أن النخيرجان قد علم بأمره و أمر امرأته فأمره بمفارقتها، ففارقها و زوّجه يزدجرد غيرها من النساء و وصله بمال جليل و تاج من الذهب‏[ (2) ]، ثم قال ذلك الفارسي للسائب بن الأقرع: و أنا أعرف موضع هذا المال و هذا التاج فتعطيني الأمان كما سألتك و يكون هذا المال لك من دون أصحابك، قال: فأعطاه السائب الأمان كما أراد و دله الفارسي على الكنز، فأخذه و كتمه عن المسلمين، ثم أخرج الخمس من غنائم نهاوند فعزله ليوجه به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قسم الباقي في المسلمين فأعطى كل ذي حق حقه و حمل الخمس مع ذلك السفط إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

فلما نظر إليه عمر من بعيد قال له: ويحك يا سائب!ما وراءك؟فلقد بت البارحة بليلة، اللّه بها عليم من غمي بأمور المسلمين، فقال له السائب بن الأقرع:

[ (1) ]بالأصل، «البحيرجان» و قد مرّ، فتوح البلدان ص 302 ابن الأثير 2/185 الطبري 4/243 و في الأخبار الطوال ص 137 النخارجان.

[ (2) ]كذا، و عند الطبري أن النخيرجان وضع ذخيرة لكسرى عند الهربذ، و كان كسرى قد أعدها لنوائب الزمان. و في فتوح البلدان: كنز النخيرجان هو سفطان من الجوهر لم ير مثلهما. و عند ابن الأثير:

سفطين فيهما اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت. ـ

309

أبشر يا أمير المؤمنين!فقد فتح اللّه عزّ و جلّ على المسلمين و أذل المشركين، و قد قسمت على كل ذي حق حقه و حملت إليك خمس غنائم المسلمين من أهل نهاوند.

قال: فجعل عمر يسأله عن المسلمين و من قتل منهم هنالك و السائب يخبره بقتل كل رجل، حتى سأله عن عمرو بن معديكرب فقال: قتل يا أمير المؤمنين و و اللّه ما عرفناه من كثرة الضربات التي أصابته إلا بثناياه، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال: رحم اللّه أبا ثور!يرحم اللّه النعمان بن مقرن!رحم اللّه فلانا و فلانا- و جعل يترحم على رجل بعد رجل حتى ترحم على جميع من قتل. ثم قال: ويحك يا سائب!فما صنع المسلمون بعد ذلك؟قال: قفلت يا أمير المؤمنين‏[و]دفعت إلى كل ذي حق حقه و أتيتك بهذا الخمس‏و قد رجع أهل البصرة إلى بصرتهم و أهل الكوفة إلى كوفتهم.

قال: فما برح عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من المسجد حتى قسم الخمس من غنائم نهاوند على المسلمين، و همّ عمر أن يقوم من موضعه فتقدم إليه السائب بن الأقرع فكلمه سرا و خبره بكنز النخيرجان، فقال عمر: ائتني به، فجاء به حتى وضعه بين يديه و فتحه و جعل ينظر إلى ذلك السفط و ما فيه من الذهب و الجوهر، ثم دعا بعثمان بن عفان و علي بن أبي طالب و طلحة و الزبير و من هنالك من المسلمين رضي اللّه عنهم أجمعين، فقال لهم: اختموا بخواتيمكم على هذا السفط، فإني لست آمن نفسي عليه، قال: و ختم القوم بخواتيمهم على ذلك السفط، ثم أمر فوضع في بيت المال و انصرف عمر إلى منزله. فلما كان الليل وجه عمر إلى السائب بن الأقرع فدعاه‏[ (1) ]ثم قال: ويحك يا سائب!مالي و لك؟أردت أن تدخلني النار نار جهنم!قال: و كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال: إني كنت نائما فرأيت هذا السفط الذي جئتني به و هو يشتعل نارا و النار ترتفع إلى وجهي و أنا أتأخر عنها خوفا من أن تحرقني و سمعت هاتفا يهتف بي و هو يقول: يا ابن الخطاب!أردد هذا السفط على من أفاء اللّه به عليه. فاحمل الآن هذا السفط إن شئت إلى البصرة أو إلى الكوفة فبعه و ادفع إلى كل ذي حق حقه و ائتني بالخمس حتى أقسمه في المسلمين. قال: فحمل السائب بن الأقرع ذلك السفط إلى الكوفة ثم وضعه في [ (1) ]و قيل إن السائب و بعد تسليمه الخمس و السفطين إلى الخليفة خرج مسرعا إلى الكوفة، و قد أصبح عمر فبعث رسولا إلى السائب فلم يجده فأرسل بعثا إليه أدركه بالكوفة، فاستدعاه على عجل إلى عمر (ابن الأثير 2/185 البداية و النهاية 7/127) .

310

المسجد الأعظم و دعا بالناس إلى شرائه، فاشتراه عمرو بن حريث المخزومي بمال جزيل‏[ (1) ]، و ربح فيه مثل ثمنه، فيقال إن ذلك المال أول مال اعتقله عمرو بن حريث بالكوفة. قال: فأخرج السائب بن الأقرع من ذلك المال الخمس فحمله إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قسم باقي ذلك المال فيمن شهد فتح نهاوند من أهل البصرة و أهل الكوفة، فهذا ما كان من فتح نهاوند و اللّه أعلم و هو حسبنا و نعم الوكيل.

ذكر فتح مدينة الري‏[ (2) ]و الدستبى و ما يليهما

قال: فلما فتح اللّه عزّ و جلّ نهاوند على المسلمين و أمكن منهم و قسم غنائمهم كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بعد ذلك إلى عمار بن ياسر: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عمار بن ياسر، أما بعد فالحمد اللّه الذي أنجز وعده و هزم الكفار وحده، فاحمدوا اللّه عباد اللّه على ما رزقكم من غنائم عدوكم و اعتصموا به، فنعم المولى و نعم النصير، و بعد فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين و بشرهم بالنصر من عند خير الناصرين، ثم اعرض أجناد أهل الكوفة فانتخب منهم عشرة آلاف رجل من أخلاط القبائل فاضممهم إلى عروة بن زيد الخيل الطائي و مره فليسر بهم نحو الري و الدستبي فعسى اللّه عزّ و جلّ أن يفتح ذلك على يده بمنه و طوله و حوله و قوته‏ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ- و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: فلما ورد الكتاب على عمار بن ياسر نادى في المسجد، فاجتمعوا إليه فأقرأهم الكتاب و ندبهم إلى الجهاد، فأجابه الناس إلى ذلك فرحين مسرورين، فجعل ينتخب الرجال من جميع القبائل، حتى إذا علم أنهم تكاملوا عشرة آلاف رجل دعا عروة بن زيد الخيل و أمره بالمسير إلى الري‏[ (3) ]، فسار عروة بالمسلمين سيرا حثيثا [ (1) ]في ابن الأثير 2/186 و البداية و النهاية 7/127 بألفي ألف درهم.

قال في فتوح البلدان ص 302: ثم انطلق بإحداهما إلى الحيرة فباعه بما اشتراهما به، و فضل الآخر. و عند ابن الأثير: باعهما بأربعة آلاف ألف.

[ (2) ]الري: مدينة مشهورة بينها و بين نيسابور 160 فرسخا.

دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري و همذان.

[ (3) ]كذا بالأصل و معجم البلدان و فتوح البلدان ص 312 و فيه أنه انتدب في ثمانية آلاف.

و قيل إن فتح الري كان على يد نعيم بن مقرن (الطبري 4/253 ابن الأثير 2/192 البداية و النهاية 7/137) ، و قيل إن من تولى فتحها قرظة بن كعب الأنصاري (اليعقوبي 2/157) .

311

حتى صار إلى حلوان، و بها يومئذ جرير بن عبد اللّه البجلي في قريب من ثمانية آلاف من المسلمين غير أنه متمسك بحلوان فلا يقدر أن يجوزها إلى غيرها، فأقبل عروة حتى نزل عنده ثم ودعه و خرج يريد همذان، و بها يومئذ رجل من عظماء الأعاجم يقال له كفتار في جمع يسير من الفرس، فلما أحس بخيل المسلمين أنها قد وافته رحل من همذان حتى صار إلى قم فنزلها، و دخل المسلمون إلى حصن همذان فاحتووا عليه و على ما قدروا عليه من الأطعمة و العلوفة و غير ذلك، و أقاموا بهمذان أياما ثم رحلوا منها يريدون الري، و بساوة[ (1) ]يومئذ رجل من ملوك الأعاجم يقال له داور بن أزدهان في عشرة آلاف فارس من أهل بلده و أهل الرستاق من الدستبى، فلما بلغه مسير المسلمين إلى ما قبله نادى في أصحابه و خرج عن ساوة هاربا حتى صار إلى الري و نزل المسلمون بساوة.

و بلغ ذلك ملك الري فرخنداد بن يزدامهر الأكبر[ (2) ]فاغتم بمسير المسلمين و استنهض أهل الري فأجابوه في عشرين ألفا، قال: و اجتمع إليه الديلم‏[ (3) ]في مثل ذلك، فسار فرخنداد في قريب من أربعين ألفا، و بلغ ذلك المسلمين و هم نزول بساوه في عشرة آلاف كأنهم جزعوا من عساكر الديلم و أهل الري، فجعل أميرهم عروة بن زيد الخيل يشجّعهم و ينهاهم عن الفشل و يحثهم على الجهاد لعدوّهم.

قال: ثم إنه نادى بالرحيل نحو الري، فسار المسلمون يوما و ثانيا و ثالثا حتى نزلوا على ثلاثة فراسخ من الري، و بلغ ذلك ملك الري فخرج إلى المسلمين في زهاء أربعين ألفا، و دنا القوم بعضهم من بعض، و عبى عروة بن زيد الخيل أصحابه، فجعل على ميمنته أخاه حنظلة بن زيد الخيل، و على ميسرته سماك بن عبيد[ (4) ]العبسي، و على الجناح سويد بن مقرن المزني، قال: و تقدم عروة بن زيد الخيل حتى وقف على القلب في جماهير المسلمين و أبطال العرب ثم قال: أيها الناس!إنه ليس ينبغي لمن علم أن الجنة مأوى المتقين و أن النار مثوى الكافرين أن يجزع من كثرة هؤلاء الأعاجم، فواللّه!إنكم لأنتم الذين فتحتم القادسية و المدائن [ (1) ]ساوة: مدينة بين الري و همدان.

[ (2) ]في الطبري 4/253 و ابن الأثير 2/192 سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين. و في البداية و النهاية 7/136 أبو الفرخان.

[ (3) ]كان على الديلم: موتا (البداية و النهاية) .

[ (4) ]عن فتوح البلدان ص 303 و بالأصل «هلال» تحريف.

312

و جلولاء و حلوان. و أنتم الذين فتحتم أرض الأهواز بأجمعها قلعة قلعة و نهرا نهرا، و أنتم أصحاب نهاوند بالأمس و قد اجتمع بها أضعاف هؤلاء، فقد عرفتم حرب القوم، إنما لهم ساعة واحدة ما دامت سهامهم في كنائنهم، فإذا نفدت فقد أهلكهم اللّه عزّ و جلّ و بدد شملهم.

قال: فبينا عروة بن زيد الخيل يحرض أصحابه على الجهاد و يرغبهم فيما عند اللّه عزّ و جلّ إذا برجل من عظماء أهل الري يقال له داد بن فرناذقد برز من بين صفوف الأعاجم فجعل يجول و يطلب البراز، فخرج إليه شبل بن معبد البجلي، فجاوله ساعة ثم التقيا بطعنتين طعنه البجلي‏[و]جدله قتيلا، ثم حمل في جميع أهل الري فطعن فيهم طعنا وجيعا جرح منهم جماعة، ثم رجع إلى صفوف المسلمين فوقف.

ثم تقدم عروة بن زيد الخيل حتى وقف أمام المسلمين على برذون له أصفر، فجعل ينادي: يا معشر طي‏ء!إنه لا عطر بعد عروس‏[ (1) ]، و لست أريدكم لبعد اليوم و أنشدكم اللّه عزّ و جلّ أن تفضحوني أو تشمتوا بي عدوي، قال: فنادته قبائل طي‏ء من كل ناحية: أيها الأمير!احمل رحمك اللّه حتى ترى منا ما يسرك إن شاء اللّه، قال: فعندها جعل عروة بن زيد الخيل يرتجز، قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة، و حمل المسلمون بأجمعهم على أهل الري و الديلم فقتلوا منهم في المعركة زهاء سبعمائة، و ولى الباقون أدبارهم يتبعون صاحبهم فرخنداد بن يزدامهر حتى دخلوا المدينة مفلولين، و احتوى المسلمون على غنائمهم و أسلابهم.

قال: ثم بعث ملك الري إلى عروة بن زيد الخيل يسأله الصلح على أنه يقره في بلده و يؤدي الجزية إليه في كل سنة ثلاثين ألف درهم و يعجل إليه بمائتي ألف درهم. قال: فرضي منه عروة بن زيد بذلك ثم كتب‏[ (2) ]إلى عمر بن الخطاب رضي [ (1) ]في فتوح البلدان ص 314 صالحه ابن الزينبي على أن يكونوا ذمة يؤدون الجزية و الخراج، و أعطاه عن أهل الري و قومس خمسمائة ألف على أن لا يقتل أحدا و لا يسبيه و لا يهدم لهم بيت ناري.

و خبر فتح الري مختلف تماما في الطبري، و أن الصلح مع أهلها عقده نعيم بن مقرن و كتب لهم بذلك كتابا (ج 4/253) .

[ (2) ]كذا بالأصل، و في فتوح البلدان ص 313 أن عروة بن زيد خلف أخاه حنظلة بن زيد على الري و قدم على عمار و توجه-بعد إذن عمار-إلى عمر يخبره بنفسه خبر فتح الري.

313

اللّه عنه بما قد فتح اللّه عزّ و جلّ على يديه من الري و غيرها.

و كتب إليه عمر يأمره أن يخلف على الري رجلا من المسلمين يأخذ منهم الجزية و يسرع المسير إلى قم‏[ (1) ]و قاشان‏[ (2) ].

قال: فلما ورد كتاب عمر رضي اللّه عنه على عروة بن زيد و قرأه دعا برجل من عبد القيس يقال له زكاة بن مصعب فولاه على جزية الري، و ضم إليه ثلاثمائة فارس من فرسان أهل الكوفة ثم سار بالمسلمين يريد إلى قم و قاشان.

قال: و بلغ ذلك صاحب قم و اسمه و سنان، فخرج عن قم هاربا حتى صار إلى قاشان فأقام بها ساعة من النهار ثم رحل منها حتى صار إلى أصفهان، و بها يومئذ يزدجرد ملك الفرس، فدخل عليه و سنان فقال: أيها الملك!إنه قد أخذت العرب همذان و الري و قد توجهوا إلى قم و قاشان و كأنك بهم و قد وافوك، فاعمل على رأيك، قال: فاغتمّ يزدجرد لذلك غمّا شديدا، و سار المسلمون إلى قم فنزلوها و احتووها و على قاشان‏[ (2) ].

و بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فكتب إلى جرير بن عبد اللّه و هو يومئذ بحلوان فأمره بالتقدم إلى همذان، فسار جرير بمن معه إلى همذان و أرض الماهين و احتووا عليها، قال: فكان جرير مقيما بهمذان و الماهين، و عروة بن زيد مقيما بقم و قاشان‏[ (2) ]، و خليفته بالري.

قال: و بلغ ذلك يزدجرد ملك الفرس، فدعا برجل من المرازبة يقال له الفاذوسفان فولاه أصفهان، ثم خرج منها هاربا حتى صار إلى أرض فارس فنزل مدينة إصطخر[ (3) ]، و بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فكتب إلى عروة بن زيد الخيل يأمره أن لا يبرح من قم و قاشان إلى أن يأتيه أمره، ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري و هو مقيم بالبصرة و قد فتح من أرض الأهواز ما فتح، فكتب إليه يأمره [ (1) ]قم: مدينة بين أصبهان و ساوة. و بينها و بين قاشان 12 فرسخا.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 308 و معجم البلدان أن أبا موسى الأشعري افتتح قم و أقام عليها أياما. و وجه أبو موسى الأحنف بن قيس إلى قاشان فافتتحها عنوة.

[ (3) ]إصطخر: مدينة من خراسان بينها و بين شيراز 12 فرسخا.

314

بالمسير إلى أصفهان و أن يعجل المسير إليها[ (1) ].

ذكر فتح أصفهان على يدي أبي موسى الأشعري‏

قال: فلما ورد كتاب عمر رضي اللّه عنه على أبي موسى نادى في أهل البصرة و أقرأهم كتاب عمر و ندبهم إلى المسير إلى أصفهان و أمرهم بالأهبة و الجهاد، ففعلوا ذلك و أجابوه سراعا راغبين في الجهاد، قال: و دعا أبو موسى برجل من بكر بن وائل يقال له همام بن متمم‏[ (2) ]فولاه على أهل البصرة، ثم نادى في الناس بالرحيل إلى أصفهان، و خرج الناس معه حتى نزلوا بالأهواز، ثم رحل منها يريد أصفهان حتى إذا تقارب منها دعا برجل من خزاعة يقال له عبد اللّه بن بديل بن ورقاء[ (3) ]فضم إليه ألفي راجل و فارس من جند أهل البصرة و قدمه أمامه نحو أصفهان، و بلغ ذلك الفاذوسفان صاحب أصفهان، فدعا بفرس فاستوى عليه و خرج عن المدينة في ثلاثين فارسا هاربا على وجهه يريد إلى يزدجرد، و بلغ ذلك عبد اللّه بن بديل بن ورقاء فأسرع في المسير في طلبه فلم يقدر عليه و مضى الفاذوسفان حتى لحق بيزدجرد[ (4) ]. و أقبل عبد اللّه بن بديل إلى باب أصفهان فنزل عليه في ألفي فارس، فأرسل إليه أهل أصفهان يسألونه الصلح، فأجابهم أبو موسى إلى ذلك و صالحهم‏[ (5) ]على مائة ألف درهم عاجلة [ (1) ]في الطبري 4/246 و معجم البلدان: أن عمر بن الخطاب-رضي اللّه عنه-بعث عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان و أمده بأبي موسى.

[ (2) ]عند الطبري 4/246 عمر بن سراقة.

[ (3) ]كذا بالأصل و فتوح البلدان ص 308 و تاريخ اليعقوبي 2/157 و تاريخ خليفة ص 161 إلا أنه قال إنه كان على مقدمة ابن عامر. و في معجم البلدان أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان توجه إلى أصبهان و على مقدمته عبد اللّه بن ورقاء الرياحي و على مجنبته عبد اللّه بن ورقاء الأسدي. و الذين لا يعلمون يرون أن أحدهما عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي لذكر ورقاء فظنوا أنه نسب إلى جده، و كان عبد اللّه بن بديل بن ورقاء قتل بصفين و هو ابن أربع و عشرين سنة، فهو أيام عمر صبي.

[ (4) ]كذا بالأصل. و في رواية فتوح البلدان ص 309 أن ابن بديل لحقه قبل وصوله إلى يزدجرد و عاد معه إلى أصبهان و صالحه.

و في معجم البلدان و الطبري 4/248 أن ذلك كان بين الفاذوسفان و عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان.

[ (5) ]في فتوح البلدان أن ابن بديل تمم الصلح مع الفاذوسفان، و عند الطبري و ابن الأثير و معجم البلدان أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان هو الذي قرر الصلح مع الفاذوسفان و كتب له و لأهل أصبهان كتاب الصلح.

انظر نسخته في الطبري 4/248 و معجم البلدان (أصبهان) و الوثائق السياسية وثيقة رقم 333 صفحة 442.

315

و الجزية بعد ذلك على من أقام على دين المجوسية. قال: ثم دخل أبو موسى مدينة أصفهان بلا قتال و لا مناوشة كانت بينه و بين أهل أصفهان قبل ذلك بموضع يقال له ميدان، فأقبل قبل الصلح.

قال: و كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبره بما فتح اللّه عزّ و جلّ على يديه من أصفهان و أنه مقيم بها، قال: فلما قرأ عمر كتاب أبي موسى قال: الحمد للّه الذي يعز من يشاء و يذل من يشاء، لا معطي لما يمنع و لا مانع لما أعطى.

قال: و بلغ أهل فارس أن العرب قد أخذت أصفهان و ما يليها فاغتموا لذلك و هالهم أمر العرب جدا، قال: و دعا يزدجرد برجل من أبناء ملوك العجم يقال له شهرك بن‏ماهك، فقال: ويحك يا شهرك!إني أرى هؤلاء العرب ما يطلبون أحدا غيري، و ذلك أني كلما رحلت إلى بلدة رحلوا في أثري، غير أني رأيت من الرأي أرجع عن جميع أرض فارس و أصير إلى كرمان‏[ (1) ]، و لكن انظر كيف تقاتل عن دينك و تناضل عن حرمك و دار ملكك، قال: ثم رحل يزدجرد عن مدينة إصطخر و مضى حتى صار إلى كرمان، فنزل في قصر ملك من ملوكها يقال له هزارمرد، و لم يكن بكرمان أجل منه.

ذكر فتح فارس‏[ (2) ]على يد أبي موسى الأشعري‏

قال: و اجتمع أهل إصطخر[ (3) ]إلى رجل منهم يقال له الموبذان، قال: و كان الموبذان هذا قاضي القضاة عند الأعاجم و هو الذي يقتدون برأيه و ينتهون إلى أمره، فقالوا: أيها الموبذان!إنك قد علمت بأن نجم العرب قد طلع طلوع سعد، قد غاب عنه النحس، و ذلك أنهم قد أخذوا جميع البلاد الذي كانت للفرس حتى وصلوا إلى أصفهان فأخذوها، و هذا الفاذوسفان ابن ساسب صاحب أصفهان قد أقبل منهزما بين أيديهم، و قد علمت يا موبذان أن إصطخر هي التاج، فإن ذهبت منه ريشه لم [ (1) ]كرمان: ولاية مشهورة و ناحية كبيرة معمورة ذات بلاد و قرى و مدن واسعة بين فارس و مكران و سجستان و خراسان.

[ (2) ]فارس: ولاية واسعة و إقليم فسيح. فيها من أمهات المدن المشهورة غير قليل. و كورها المشهورة خمس أوسطها إصطخر.

[ (3) ]قارن مع رواية الطبري 5/3 و ابن الأثير 2/203-204 و فتوح البلدان ص 379.

316

يكن للعجم نظام، فلم لا تكلم الملك شهرك بن ماهك في ذلك حتى يحتال بحيلة، ثم إنه يدفع هؤلاء و يجمع الجموع. فيلقى هؤلاء العرب من قبل مصيرهم إلى ما قبلنا.

قال: فعندها أقبل الموبذان قاضي الفرس حتى دخل على شهرك بن ماهك، فكلمه في ذلك و ذكر له مقالة الأعاجم. فقال له شهرك: و من هؤلاء العرب إلا كلاب حتى انكم تريدون، تخافون من نباحتهم لعلكم نظرتم إلى جزع يزدجرد و خروجه عن بلد فارس فاتقيتم على أنفسكم. ثم قال شهرك: اخرج أيها الموبذان فناد في جميع الأعاجم أن يجتمعوا لهؤلاء العرب‏[و]ألا يخرج إلى حربهم أحد إلا و معه حبل حتى نقرنهم في الحبال.

قال: فخرج الموبذان إلى الفرس فخبرهم بمقالة شهرك، فجعل الناس يجتمعون إلى شهرك حتى صار في عشرين و مائة ألف رجل من الفرس.

قال: و بلغ ذلك أبا موسى الأشعري‏[ (1) ]، و أبو موسى يومئذ مقيم بأصفهان، فنادى في المسلمين فاجتمعوا إليه فعرضهم فكانوا سبعة عشر ألفا ما بين فارس و راجل، فوضع لهم الأرزاق و أعطاهم و وعدهم و مناهم ثم سار بهم يريد مدينة إصطخر حتى إذا أشرف عليها و نظر جموع الفرس أمر المسلمين بأن يكبروا، فلما كبر المسلمون بأجمعهم وقع الرعب في قلب شهرك، فالتفت إلى أصحابه و هو في تلك الخلق العظيم فجعل يقول بالفارسية: چون كنم و كجا شوم، فجعل وزيره يشجعه و يقول: أيها الملك اثبت و لا تخف، فإن هؤلاء العرب قليلون و نحن في جمع عظيم، فلا عليك أن تقف حتى تنظر إليك أصحابك و يقاتلون بين يديك، قال: فوقف شهرك أمام أصحابه و ليس معه شي‏ء من عقله.

قال: و دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة من النهار، و أمر أبو موسى أصحابه بالتكبير ثانية. فلما كبروا انخلعت قلوب الفرس فأعطوا بأيديهم و ولوا الأدبار منهزمين، و ولى معهم شهرك لا يقف و لا يلوي على شي‏ء، قال: و لحقه رجل من [ (1) ]في رواية فتوح البلدان أن عمر كتب إلى عثمان بن أبي العاص في إتيان فارس... و كتب عمر إلى أبي موسى و هو بالبصرة يأمره أن يكانف عثمان.

و في رواية أخرى ص 381 ان عبد اللّه بن عامر بن كريز سار من البصرة إلى إصطخر من قبل عثمان بن عفان سنة 28. (لعلها هذه هي الغزوة الثانية لاصطخر انظر خليفة ص 152 و ص 161) . ـ