الفتوح - ج4

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
353 /
195

المجلد الرابع‏

كتاب الفتوح للعلاّمة أبي محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (المتوفى نحو سنة 314 هـ/926 مـ) الجزء الرابع‏

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

بسم اللّه الرحمن الرحيم

تتمة خلافة على بن ابى طالب‏

تتمة وقعة صفين‏

ذكر الحكمين‏

قال: ثم اجتمع‏[ (1) ]قرّاء أهل العراق و قرّاء أهل الشام بين العسكرين و معهم المصحف، فنظروا فيه و تدارسوه و اجتمعوا على ما فيه أن يحيوا ما أحيا القرآن و أن يميتوا ما أمات القرآن، قال: فرضي الفريقان‏[ (2) ]جميعا بالحكمين، و جعلوا المدة فيما بين ذلك إلى سنة كاملة.

فقال‏[ (3) ]أهل الشام: قد رضينا بعمرو بن العاص.

و قال الأشعث بن قيس و الذين‏[ (4) ]صاروا خوارج بعد ذلك: فإننا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، فإنه وافد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى اليمن، و صاحب مقاسم أبي بكر و عامل عمر بن الخطاب.

فقال علي رضي اللّه عنه: و لكني لا أرضى أبا موسى و لا أوليه هذا الأمر. فقال الأشعث بن قيس و زيد بن حصن‏[ (5) ]و مسعر بن فدكي و عبد اللّه بن الكوّاء: فإننا لا نرضى إلا به، لأنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه. فقال علي رضي اللّه عنه: فإنه ليس لي برضا[ (6) ]و قد كان فارقني و خذل الناس عني، ثم [ (1) ]بالأصل: اجتمعوا.

[ (2) ]بالأصل: فرضيوا الفريقين.

[ (3) ]بالأصل: فقالوا.

[ (4) ]الطبري 6/28: و أولئك القوم الذين.

[ (5) ]في الطبري 6/28 و الإصابة: حصين. و هو زيد بن حصين الطائي و كان من أصحاب البرانس المجتهدين.

[ (6) ]الطبري: بثقة.

198

هرب حتى آمنته بعد أشهر، و لكن هذا عبد اللّه بن عباس قد جعلته حكما لي.

فقال‏[ (1) ]القوم: و اللّه لا نبالي أنت كنت أو ابن عباس، إلا أننا لا نريد رجلا هو منك و أنت منه‏[ (2) ]. فقال علي رضي اللّه عنه: فأنا أجعل الأشتر حكما، فقال الأشعث:

و هل سعر الأرض علينا إلا الأشتر[ (3) ]!فقال الأشعث: حكمه أن يضرب الناس بعضهم بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت و ما أراد.

فقال له الأشتر: أنت إنما تقول هذا القول لأن أمير المؤمنين عزلك عن الرئاسة و لم يرك أهلا لها. فقال الأشعث: و اللّه ما فرحت بتلك الرئاسة و لا حزنت لذلك العزل.

فقال علي رضي اللّه عنه: ويحكم!إن معاوية لم يكن ليختار لهذا[ (4) ]الأمر أحدا[ (4) ]هو أوثق برأيه و نظره إلا عمرو بن العاص، و إنه لا يصلح للقرشي‏[إلا مثله‏][ (5) ]، و هذا عبد اللّه بن عباس فارموه به، فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها، و لا يبرم أمرا إلا نقضه، و لا ينقض أمرا إلا أبرمه. فقال الأشعث و من معه: لا و اللّه لا يحكم فينا مضريان أبدا حتى تقوم الساعة!و لكن يكون رجل من مضر و رجل من اليمن، فقال علي رضي اللّه عنه: إني أخاف أن يخدع يمانيكم، فإن عمرو بن العاص ليس من اللّه في شي‏ء، فقال الأشعث: و اللّه لأن يحكما[ (6) ]ببعض ما نكره و أحدهما[ (7) ]من اليمن أحب إلينا من أن يكون ما نحب و هما مضريان. فقال علي رضي اللّه عنه: و قد أبيتم إلا أبا موسى؟قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم‏[ (8) ]، [ (1) ]بالأصل: قالوا.

[ (2) ]عبارة مروج الذهب 2/434: و اللّه لا يحكم فينا مضريان. يريد عمرو بن العاص و عبد اللّه بن عباس.

[ (3) ]في مروج الذهب: «و هل هاج هذا الأمر إلا الأشتر» . و يظهر أن بالأصل هنا سقط، فالمعنى لم يكتمل، و هذا ما يظهر من العبارة التالية. و تمام العبارة في الأخبار الطوال ص 192: و هل نحن إلا في حكم الأشتر؟قال علي: و ما حكمه؟

[ (4) ]عن وقعة صفين ص 500 و بالأصل: هذا الأمر أحد.

[ (5) ]عن كتاب وقعة صفين، سقطت من الأصل.

[ (6) ]عن وقعة صفين، و بالأصل، لئن يحكمون.

[ (7) ]بالأصل: واحدهم.

[ (8) ]في الأخبار الطوال ص 193: ما أحببتم. و في مروج الذهب 2/434: فاصنعوا الآن ما أردتم، و افعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه.

199

اللهم إني أبرأ إليك من صنيعهم!

قال: و أنشأ خريم‏[ (1) ]بن فاتك الأسدي في ذلك يقول:

لو كان للقوم رأي‏[ (2) ]يعصمون‏[ (3) ]به # عند الخطوب‏[ (4) ]رموكم بابن عباس

للّه در أبيه أيما رجل # ما مثله للقضا و الحكم في الناس‏[ (5) ]

لكن رموكم بشيخ‏[ (6) ]من ذوي يمن # لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس‏[ (7) ]

إن يخل عمرو به يقذفه في لجج # يهوي به البحر[ (8) ]تيسا بين أتياس

أبلغ لديك عليا غير عاتبه # قول امرئ لا يرى في الحق من بأس

ما الأشعري بمأمون أبا حسن # خذها إليك و ليس الفخذ كالرأس‏

[ (9) ] قال: فقال الأحنف بن قيس التميمي‏[ (10) ]: يا أمير المؤمنين!إن أبا موسى رجل من اليمن و عامة بني عمه مع معاوية، و قد رميت بعمرو بن العاص و هو داهية العرب، فاجعلني حكما فإني أرجو أن لا يعقد عمرو عقدة إلا حللتها، و لا يحل عقدة إلا عقدتها، و إلا فتابعت من شئت غير أبي موسى و ابعثني معه!

فقال علي رضي اللّه عنه: يا أحنف!إن القوم قد أبوا إلا أبا[ (11) ]موسى و اللّه بالغ في ذلك أمره.

قال: ثم بعث‏[ (12) ]القوم إلى أبي‏[ (11) ]موسى فدعوه، و قد كان معتزلا عن [ (1) ]في مروج الذهب 2/443 و الأخبار الطوال ص 193 و وقعة صفين ص 502 أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي.

[ (2) ]من المصادر.

[ (3) ]كذا بالأصل و مروج الذهب و وقعة صفين، و في الأخبار الطوال يهتدون.

[ (4) ]في الأخبار الطوال: بعد القضاء. و في وقعة صفين: من الضلال.

[ (5) ]وقعة صفين:

ما مثله لفصال الخطب في الناس.

[ (6) ]مروج الذهب: بوغد.

[ (7) ]تقول العرب لمن خاتل: ضرب أخماسا لأسداس، و هو مثل أصله أن شيخا كان في إبله و معه أولاده رجالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم، فقال لهم ذات يوم: ارعوا إبلكم بربعا، فرعوا ربعا نحو طريق أهلهم، فقالوا له: لو رعيناها خمسا، فزادوا يوما قبل أهلهم، فقالوا: لو رعيناها سدسا، ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم.

[ (8) ]في وقعة صفين: النجم.

[ (9) ]في وقعة صفين:

فاعلم هديت و ليس العجز كالرأس.

[ (10) ]الأخبار الطوال ص 193 الإمامة و السياسة 1/131 وقعة صفين 501 باختلاف بين النصوص و زيادة.

[ (11) ]بالأصل: «أبو» خطأ.

[ (12) ]بالأصل: بعثوا.

200

القتال‏[ (1) ]، فأقبل إليه مولى له فقال: إن القوم قد اصطلحوا. فقال: الحمد للّه رب العالمين!قال: فإنهم قد جعلوك حكما، فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ. ثم أقبل أبو موسى حتى دخل إلى عسكر علي.

و أقبل الأشتر إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!آتني‏[ (2) ]بعمرو بن العاص، فو اللّه الذي لا إله إلا هو لئن ملأت عيني منه لأقتلنه.

قال: و أقبل حريث الطائي و هو جريح مثقل حتى وقف على علي رضي اللّه عنه و هو لما به،

فبادره علي و رحب به، ثم قال له: كيف أنت يا أخا بني سنبس؟ فقال: جريح دنف كما تراني، و الذي بقي من عمري أقل مما مضى منه، و لكني أتيتك يا أمير المؤمنين في وقتي هذا لحق أقضيه، فقال علي: قل ما تشاء، فقال:

جعلني اللّه فداك!أحكم بعد حكم القرآن؟و أمر بعد أمر القرآن؟و أمر اللّه يصب دماءنا و دماءهم، و معنا حكم اللّه علينا و عليهم، فما الذي حملك على إجابة القوم على الحكم؟امض على أمر اللّه و لا يستخفنك الذين لا يوقنون. قال: فحثى قوم من أولئك القراء في وجهه التراب و هموا بقتله، فقال: كفوا عن الرجل!قال:

فتنحى من بين أيديهم و تفل فأحس بالموت، فأنشأ يقول:

يسائلني عليّ كيف حالي # و حالي أنني دنف جريح

و ما لي و الذين حذى مقرّي # سوى أني لسوءتها أصيح

و إني لا أقرّ بها و إني # لأهل الدين و الدنيا نصيح

أبا حسن هداك اللّه دعها # و متن أديمها منها صحيح

أ تطمع في معاوية بن حرب # و عمرو إن ذا منا قبيح

و قولهما و من حجت إليه # خفاف البزل في البيدا ربيح‏

قال: ثم لم يلبث أن مات رحمه اللّه، و بلغ عليا شعره فقال: رحم اللّه أخا طي‏ء و لا عرفه قبيحا من عمله.

[ (1) ]و كان أبو موسى قد اعتزل القتال بأرض من أرض الشام يقال لها «عرض» و هي بلد ما بين تدمر و الرصافة الشامية.

[ (2) ]في الطبري 6/28: ألزّني.

201

ذكر كتبة كتاب الصلح بينهم و ما جرى في ذلك‏

قال: ثم وضع‏[ (1) ]الناس السلاح و التقوا في المنصف بين العسكرين و دعوا بالكاتب، فجاء عبيد اللّه‏[ (2) ]بن أبي رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو كاتب علي و اجتمع الناس من أهل العراق و أهل الشام.

فقال علي رضي اللّه عنه لكاتبه: اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان» ، فقال معاوية: فإن كنت أمير المؤمنين كما زعمت فعلام أقاتلك؟فقال علي رضي اللّه عنه: اللّه أكبر!كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في يوم الحديبية حين صده المشركون عن مكة، ثم اتفق أمره و أمرهم على الصلح بعد ذلك فدعاني لأكتب، فقلت: ما أكتب يا رسول اللّه؟فقال: اكتب «هذا ما اصطلح عليه محمد رسول اللّه و أهل مكة» ، فقال أبو هذا أبو سفيان بن حرب‏[ (3) ]: يا محمد!إني لو أقررت أنك رسول اللّه لما قاتلتك، و لكن اكتب لنا صحيفتك باسمك و اسم أبيك، فكتبت ذلك‏[ (4) ]بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: يا علي!إن لك يوما مثل هذا، أنا أكتبها للآباء و تكتبها للأبناء[ (5) ]، و إني الآن أكتبه لمعاوية كما كتب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لأبي سفيان‏[ (6) ]، قال: فقال: عمرو بن العاص: يا سبحان اللّه!و نقاس‏[ (7) ]نحن إلى الكفار و نحن مؤمنون!فصاح به عليّ صيحة و قال: يا ابن النابغة!لو لم تكن للمشركين‏[ (8) ]وليا و للمؤمنين عدوا لم تكن في الضلالة رأسا و في الإسلام ذنبا، أو لست ممن قاتل محمدا عليه السلام و فتن أمته من [ (1) ]بالأصل: وضعوا.

[ (2) ]كذا في الإصابة و الوزراء و الكتاب للجهشياري ص 23، و بالأصل و تاريخ اليعقوبي 2/189 عبد اللّه.

[ (3) ]كذا بالأصل، و هو خطأ فادح، و المشهور أن الذي عارض النبي (ص) يوم الحديبية عن الكفار سهيل بن عمرو و ليس أبو سفيان.

انظر في صلح الحديبية الطبري 3/79 سيرة ابن هشام 2/180 تاريخ اليعقوبي 2/54.

[ (4) ]العبارة في الطبري 3/79: هذا ما صلح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو... و عبارة اليعقوبي 2/54: باسمك اللّهم، من محمد بن عبد اللّه...

[ (5) ]العبارة في وقعة صفين ص 508: فاليوم اكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول اللّه (ص) إلى آبائهم سنة و مثلا. و في الكامل للمبرد 3/1100: فقال يا علي: أما انك ستسام مثلها فتعطي.

[ (6) ]كذا، خطأ، انظر ما مرّ.

[ (7) ]وقعة صفين ص 508: و مثل هذا شبهتنا بالكفار و نحن مؤمنون؟ (الطبري 6/29) .

[ (8) ]الطبري: للفاسقين.

202

بعده؟أو لست الأبتر ابن الأبتر عدو اللّه و عدو رسوله و أهل بيت رسوله، قم من ههنا يا عدو اللّه فليس هذا بموضع يحضره مثلك.

قال: فوثب عمرو ساكتا[ (1) ]لا ينطق بشي‏ء حتى قعد ناحية.

قال: فقال عبد اللّه بن خباب‏[ (2) ]و كان من الفرسان الأبطال و كان له فضل، فقال: يا أمير المؤمنين!إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها منك بالتسليم منا لأمرك، و هذه من‏[ (3) ]تلك الأمور، و نحن اليوم أصحابك أمس، و أراك كارها لهذه القضية، و أيم اللّه ما المكثر المنكر بأعلم من المقتر المقل‏[ (4) ]، و قد كانت الحرب أخذت بأنفاس هؤلاء القوم، فلم يبق منهم إلاّ رجاء ضعيف و صبر مستكره، فاستغاثوا بالمصاحف و فزعوا إليها من حر أسنتنا و حد سيوفنا فأجبتهم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانا و آخرنا عهدا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و إلا فهذه سيوفنا[ (5) ]في رقابنا، و رماحنا في أكفنا و قلوبنا في أجوافنا، و قد أعطيناك تبعتنا غير مستكرهين، و الأمر إليك و السلام.

ثم وثب صعصعة بن صوحان العبدي فقال‏[ (6) ]: يا أمير المؤمنين!إنه قد شرحت الطاعة قلوبنا و نفدت في جهاد عدونا بصائرنا، و أنت الوالي المطاع، و نحن الرعية الأتباع، و أنت أعلمنا بربنا، و خيرنا في ديننا، و أعظمنا حقا فينا، و سيدنا بعد نبينا، و أقربنا منه قرابة، فصلى اللّه عليه و رضي عنك، فانفذ لرأيك نتبعه، و إن أبيت هذه القضية فلا ضيم عليك و لا خذل، و لو عصاك‏[ (7) ]الناس كلهم لأطعناك، فإن أجبت إلى ما دعيت إليه فنحن لك على السمع و الطاعة إلى ما أمرت، فاستخر اللّه و اعزم على ما عزم عليه رأيك-و السلام-.

قال‏فسر عليّ بقوله و أثنى عليه خيرا.

[ (1) ]عبارة الطبري: فقام، فقال: لا يجمع بيني و بينك مجلس أبدا بعد اليوم. فقال له علي: و إني لأرجو أن يطهر اللّه عزّ و جلّ مجلسي منك و من أشباهك.

[ (2) ]في الإمامة و السياسة 1/140 عبد اللّه بن حجل (العجلي) .

[ (3) ]الإمامة و السياسة: مثل.

[ (4) ]الإمامة و السياسة: المقل المعترف.

[ (5) ]الإمامة و السياسة: سيوفنا على أعناقنا، و قلوبنا بين جوانحنا.

[ (6) ]الإمامة و السياسة 1/142 باختلاف.

[ (7) ]الأصل: عصوك.

203

ثم تكلم المنذر بن الجارود العبدي فقال‏[ (1) ]: يا أمير المؤمنين!إننا قد سمعنا مقال معاوية و عمرو بن العاص، غير أنه إذا جاء أمر لا يدفع فامتثل الأمر فيه الرضا، و قد كنا نرى أن ما زادنا من هؤلاء القوم نفعهم و ما نفعنا ضرهم. و إن في ذلك أمرين تعجيل هوى أو تأخير مساءة إلى أن ترى غير ذلك، فإن رأيته ففينا من البقية ما تفلّ به الحد و ترد به الكلب، و ليس لنا معك إصدار و لا إيراد-و السلام-.

قال: ثم وثب الحارث بن مرة فقال: يا أمير المؤمنين!إننا منا من يقول ما لا يفعل، و منا من يهوى ما لا يستطيع، و ليس ينفعك إلا من فعل و استطاع، و قد و اللّه ذهب الفاعل و ضعف المستطيع، و لسنا نحرك من شي‏ء إن كنت قاتلت معاوية للّه و قاتلك للدنيا، فقد و اللّه بلغ أهل الدين من الدنيا حاجتهم، و إن كانوا بلغوا منا دون ما بلغنا منهم فإن كنت كرهت هذه القضية و أردت قتالهم فمن مضى بمن مضى و من بقي بمن بقي-و السلام-.

قال: فجعل كل إنسان يتكلم بما يحضره من الكلام، حتى قام شريك الأعور الهمداني و الأحنف بن قيس‏[ (2) ]و حارثة بن قدامة السعدي، فتكلموا و حرضوا، و خاف معاوية أن ينتقض عليه الأمر، غير أنه ينظر إلى وجوه القوم فيعرفهم بأعيانهم و هو في ذلك حنق عليهم، حتى قام عبد اللّه بن سوار[ (3) ]و هو الذي قتل عبيد اللّه بن عمر فسكن القوم و قال: اسكنوا حتى أتكلم مع أمير المؤمنين بما أريد.

ثم أقبل على علي فقال: يا أمير المؤمنين!و اللّه إننا لنعلم أنك ما أوردت و لا أصدرت إلا و معك من اللّه عزّ و جلّ برهان و حجة، و نحن ممن يأمر و لا يؤمر عليه، فإن كنت عزمت لم تفل، و إن كنت لم تعزم فالمشورة للّه رضا، و ليس أول أمر كآخره، لأنه قد نكدر صفونا و قل جدنا، و ذهب أهل البصيرة و الصبر منا، و بقي أهل الشك و العلل، و فينا أئمة جور و رجال هدى و هم قليل و الأمر إليك.

[ (1) ]الإمامة و السياسة: 1/142.

[ (2) ]و مما قاله الأحنف: يا أمير المؤمنين، إن الناس بين ماض و واقف، و قاتل و ساكت، و كل في موضعه حسن، و إنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، و لكنه حق يقضى، و لم نقاتل القوم لنا و لا لك، إنما قاتلناهم للّه، فإن حال أمر اللّه دوننا و دونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، و أحقنا بالتوفيق، و لا أرى إلا القتال.

(الإمامة و السياسة 1/143) .

[ (3) ]كذا، و قد مرّ التعليق حول الاختلاف فيمن قتل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب.

204

قال: فوثب الأشتر مغضبا ثم قال: يا ابن سوار!ما هذا الكلام الضعيف و الرأي السخيف؟اسكن و دعني أكلم أمير المؤمنين، إن معاوية لا خلف له من رجاله، و لك عند اللّه الخلف، و لو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك و لا نظرك‏[ (1) ]، [و قد بلغ الحق مقطعه، و ليس لنا معك رأي‏][ (2) ]، فإن أجبت إلى هذه القضيةفأنت الإمام الرشيد و البطل المجيد، و إن أبيت ذلك فاقرع‏[ (3) ]الحديد على الحديد و استعن باللّه العزيز الحميد.

قال: فقال له علي رضي اللّه عنه: اجلس! فقد قضيت ما عليك.

قال: و عجب‏[ (4) ]القوم من كلام الأشتر و من إيجازه.

قال: و معاوية و عمرو بن العاص و من معهما[ (5) ]من قريش و غيرهم من أهل الشام سكوت، ما فيهم أحد يتكلم عن معاوية و لا ينطق بشي‏ء. فقال علي رضي اللّه عنه لكاتبه: اكتب «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان» .

فقال أبو الأعور السلمي: نبدأ بمعاوية ثم علي، فقال له الأشتر: لا و لا كرامة لك و لا لمعاوية، بل نبدأ بعلي قبل معاوية، و نقدمه عليه و على غيره لأنه أسبق الناس إيمانا و هجرة و أدنى إلى العلية. فقال معاوية: يا أشتر!قدم من شئت و أخر من شئت.

قال: فكتب الكاتب‏[ (6) ].

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان، و أهل الحجاز و أهل العراق من شيعة علي و أهل الشام من شيعة معاوية، أنهم ينزلون على حكم كتاب اللّه، و أن كتاب اللّه بين علي و معاوية من فاتحته إلى خاتمته. و أن يحيوا ما أحيى القرآن و يميتوا ما أمات القرآن، و الحكمان عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص، و أن علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان [ (1) ]الإمامة و السياسة: 1/143 نصرتك. و في وقعة صفين ص 482: بصرك.

[ (2) ]ما بين معكوفتين نسب هذا الكلام في الإمامة و السياسة 1/143 إلى عمرو بن الحمق.

[ (3) ]الإمامة و السياسة: فافرج.

[ (4) ]بالأصل: و عجبوا.

[ (5) ]الأصل: معهم.

[ (6) ]انظر وثيقة التحكيم في الطبري 6/29-30 مروج الذهب 2/435 الأخبار الطوال ص 194-195 وقعة صفين ص 504، ابن الأثير 2/388 الإمامة و السياسة 1/152 تاريخ اليعقوبي 2/190 باختلاف و زيادة و نقصان بين النصوص. ـ

205

قد أخذا[ (1) ]على عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص عهد اللّه و ميثاقه أن يحكما[ (2) ]، بما أنزل اللّه في كتابه، فإن لم يجدا[ (3) ]في كتاب اللّه فبالسنة الجامعة غير المتفرقة، و أن عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص قد أمنا من الجندين جميعا على دمائهما و أموالهما، و أن الأمة لهما[ (4) ]أنصار على ما تقاضيا[ (5) ]عليه، و العهد و الميثاق على الفريقين جميعا أن يرضوا بما في هذه الصحيفة، و أن يرجع أهل العراق إلى عراقهم و أهل الشام إلى شامهم، و أن يكون المجتمع للحكم بدومة الجندل‏[ (6) ]، و المدة بين علي و معاوية سنة كاملة-و السلام» .

قال: و كتب أهل العراق بهذا كتابا لأهل الشام بخط عبيد اللّه‏[ (7) ]بن أبي رافع كاتب عليّ، و كتب أهل الشام بهذا كتابا لأهل العراق بخط عمار[ (8) ]بن عباد الكلبي كاتب معاوية، و شهد شهود أهل العراق على أهل الشام، و شهود أهل الشام على أهل العراق‏[ (9) ].

ذكر أول من يسرى من أصحاب علي بن أبي طالب بعد ذلك‏

قال: فلما كتب الكتابان‏[ (10) ]جميعا و ختمواوثب رجل من أصحاب علي رضي [ (1) ]بالأصل: أخذوا.

[ (2) ]بالأصل: يحكموا.

[ (3) ]بالأصل: يجدوا.

[ (4) ]بالأصل: لهم.

[ (5) ]بالأصل: تقاضوا.

[ (6) ]اختلفوا في مكان اجتماع الحكمين فقيل بدومة الجندل، و هو المنصف بين العراق و الشام. و قيل بغيرها بأذرح. انظر مروج الذهب 2/438 الطبري 6/31 معجم البلدان مادتي (دومة الجندل و اذرح) الأخبار الطوال ص 197 الإمامة و السياسة 1/152 تاريخ اليعقوبي 2/190.

[ (7) ]تاريخ اليعقوبي: عبد اللّه.

[ (8) ]الإمامة و السياسة: 1/153 عمرو بن عبادة. و في وقعة صفين ص 507 و كتب عمر، و في ص 511 و كتب عميرة. و لم يذكر الطبري في كتاب معاوية من اسمه عمار أو عمر بن عباد أو عبادة. و انظر كتاب الوزراء للجشهياري ص 24-25 و فيه ذكر لكتاب معاوية و ليس بينهم أيضا من اسمه عمر أو عمرو أو عمار.

[ (9) ]انظر في شهود أهل العراق و شهود أهل الشام الطبري 6/29 الأخبار الطوال ص 194 معجم البلدان 4/109 ذيل وثيقة التحكيم في وقعة صفين ص 506-507.

[ (10) ]بالأصل: الكتابين.

206

اللّه عنه من ربيعة من بني يشكر[ (1) ]و استوى على فرسه ثم قال: اسقوني ماء! فسقي، فلما شرب و روي جعل يرتجز و يقول:

أشرب من مائكم عليّ # قد كان رأيي نصرة الوصيّ

و الفارس الشهم مع النبيّ # حتّى رضى بأمره الدنيّ

في ذاك منه فرقة الوليّ‏

ثم حمل على أصحاب علي فقاتلهم ساعة و وقف و قال: اسقوني ماء! فسقي، فلما روي جعل يرتجز و يقول:

أشرب من مائكم معاوية # و كلكم مأواه نار حامية

و أمكم تهوي بكم في الهاوية # أرجو من اللّه جنانا عالية

فيها ظلال و قطوف دانية

ثم حمل، فكان مرة يحمل على أصحاب معاوية، و مرة يحمل على أصحاب علي و هو ينادي بأعلى صوته: ألا!إني قد خلعت عليا و معاوية، و برئت من حكمهما[ (2) ]و لا حكم إلا للّه و لو كره المشركون. ثم حمل على أصحاب علي فقاتل حتى قتل. قال: و كان هذا اليشكري أول من يتسرى، فأنشأ النجاشي‏[ (3) ]شاعر عليّ يقول في ذلك:

ما كان أغنى اليشكري عن التي # أقاد[ (4) ]بها جمرا من النار حاميا

غداة ينادي و الفوارس جمة[ (5) ] # خلعت عليّا مرة[ (6) ]و معاويا

و يطعن في أهل العراق برمحه # و تلك التي جرت عليه الدواهيا

و يثني على أهل الشام حتى كأنهم # بنات طيور الماء أبصرن بازيا

إذا شدّ نادى الحكم للّه وحده # و في الحكم أن تجنى عليه العواليا

[ (1) ]كذا بالأصل و الإمامة و السياسة 1/153 و في الأخبار الطوال ص 196 أن أول من حكم رجلان من عنزة اسمهما جعد و معدان قالا: لا حكم إلا للّه ثم شدا على أهل الشام فقاتلا حتى قتلا. و انظر الكامل للمبرد 3/1106 و روايته مختلفة و انظر البيان و التبيين 2/206 و مروج الذهب 2/436.

[ (2) ]بالأصل: حكمهم.

[ (3) ]في الكامل للمبرد-فقال شاعر من همدان و ذكر البيتان الأول و الثاني فيه. 3/1106-1107.

[ (4) ]في الكامل: تصلى.

[ (5) ]الكامل: و الرماح تنوشه.

[ (6) ]الكامل: باديا.

207

فما زال هذا دابه في نهاره # إلى أن رأيت الليل أسود داجيا

رأى شبهة فيها لقوم ضلالة # و دلاه أصحاب الغرور الأمانيا

فضل ضلالا لم ير الناس مثله # و أصبح يهوي في جهنم ثاويا

قال: فلما فرغ من الكتابين و ختما وثب الأشتر النخعي و عدي بن حاتم الطائي و عمرو بن الحمق الخزاعي و شريح بن هانئ المذحجي و زحر بن قيس الجعفي و الأحنف بن قيس التميمي و من أشبههم من فرسان علي فقالوا: يا معاوية!إياك أن تظن بنا ميل الحق، فإننا اليوم على ما كنا بالأمس، غير أنكم استغثتم بالمصاحف و دعوتمونا إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ فأجبناكم إلى ذلك، فإن حكم الحاكمان بالحق.

و إلا فنحن راجعون إلى حربنا أو لا يبقى منا و منكم واحد. فقال معاوية: افعلوا ما أحببتم.

قال: و نادى معاوية في أهل الشام أن يرجعوا إلى شامهم، و نادى علي في أهل العراق بالرحيل إلى العراق.

ذكر وصية القوم لأبي موسى بالاحتياط في أمره و الحذر من دهاء خصمه‏

قال: و أقبل أبو موسى الأشعري إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!إني لست آمن الغوائل فابعث معي قوما من أصحابك إلى دومة الجندل، قال: فبعث معه علي رضي اللّه عنه شريح بن هانئ في خمسمائة[ (1) ]رجل من أصحابه، فلما صار في بعض الطريق أقبل عليه شريح فقال له: أبا موسى!إنك قد نصبت لأمر[ (2) ]لا يجبر صدعه و لا يستقال عثرته‏[ (3) ]، فاعلم أنك قلت شيئا لك أم عليك، لزمك‏[ (4) ]حقه و زال عنك باطله، فاتق اللّه و انظر كيف تكون، فإنك قد [ (1) ]في الطبري 6/37 أربعمائة. و انظر مروج الذهب 2/438. و في الأخبار الطوال ص 197: في أربعة آلاف من خاصته.

[ (2) ]الإمامة و السياسة 1/153 لأمر عظيم.

[ (3) ]الإمامة و السياسة: لا تستقال فلتته. و في وقعة صفين ص 534: لا يستقال فتقه. و في نسخة: لا تستقال فتنته.

[ (4) ]في شرح النهج 1/195 يثبت حقه و يرى صحته و إن كان باطلا.

و في الإمامة و السياسة: يثبت حقه و يزيل باطله.

208

رميت بعمرو بن العاص و هو رجل لا دين له، لأنه باع دينه بدنياه، فإياك أن يخدعك فإنه خداع مكار-و السلام-.

قال: ثم أنشأ شريح بن هانئ يقول‏[ (1) ]:

أبا موسى رميت بشر خصم # فلا تدع‏[ (2) ]العراق فدتك نفسي

و لا تخدع بشي‏ء من مقال # فإن اليوم في الأغدا كأمس‏[ (3) ]

و إن غدا يجي‏ء بما عليه # يدور الأمر من سعد و نحس

فلا[ (4) ]يخدعك عمرو، إن عمرا # عدو اللّه، مطلع كل شمس

له خدع يحار العقل فيها # مموّهة مزخرفة بلبس

و لا[ (5) ]تجعل معاوية بن حرب # كشيخ في الحوادث غير نكس

هداه اللّه للإسلام فردا # سوى عرس‏[ (6) ]النبي و أيّ عرس‏

قال: فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يبعثوني‏[ (7) ]لكي أدفع عنهم باطلا، و اللّه اني لأرجو أن ينقضي هذا الأمر و أنا على رضى من الفريقين جميعا إن شاء اللّه.

قال: و سار أبو موسى في أصحابه، و كان شرحبيل بن السمط مع عمرو بن العاص في خيل عظيمة من خيول الشام، فسبقوا إلى دومة الجندل. و أقبل أبو موسى في أصحابه و معه أيضا قوم يشيعونه، فقال لهم: انصرفوا رحمكم اللّه فإني لست أبقي غاية في النصيحة لهذه الأمة إن شاء اللّه تعالى. قال: فودعه‏[ (8) ]الناس، و فيمن‏[ (9) ]ودعه يومئذ الأحنف بن قيس، فقال له الأحنف: اعرف خطر هذا [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 534.

[ (2) ]وقعة صفين: فلا تضع.

[ (3) ]البيت في وقعة صفين:

واعط الحق شامهم و خذه # فإن اليوم في مهل كأمس‏

[ (4) ]وقعة صفين: و لا.

[ (5) ]وقعة صفين: فلا.

[ (6) ]وقعة صفين: بنت.

[ (7) ]وقعة صفين: يرسلوني.

[ (8) ]بالأصل: ودعوه.

[ (9) ]في وقعة صفين ص 536: و كان آخر من ودع أبا موسى.

209

المسير[ (1) ]فإن له ما بعده، و اعلم بأنك إن ضيعت العراق فلا عراق، فاتق اللّه فإنه يجتمع لك أمر الدنيا و الآخرة، و انظر إذا لقيت عمرو بن العاص فلا تبدئه بالسلام حتى يكون هو الذي يبدؤك، و إن سألك أن تقعد معه على فراشه فلا تفعل فإن ذلك خديعة منه لك، و انظر لا يدخلك إلى بيت له مخدع و يكون قد عبى لك فيه رجالا يسمعون كلامك و يشهدون عليك و أنت لا تعلم، و إن لم يستقم لك عمرو على ما تريد فخيّره من شاء غيرك يكلمه و لا تكلمه أنت. فقال أبو موسى: إني قد سمعت كلامك و عرفت نصيحتك فارجع راشدا يرحمك اللّه! فرجع الأحنف إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!لقد بعثت رجلا ما ينكر[ (2) ]،

فقال علي: إن اللّه بالغ أمره.

قال: و كتب النجاشي‏[ (3) ]شاعر علي رضي اللّه عنه إلى أبي موسى بهذه الأبيات:

أبا موسى جزاك اللّه خيرا # عراقك إن حظك بالعراق‏[ (4) ]

و إن الشام قد نصبوا إماما # من الأحزاب معروف النفاق

و إنا لا نزال لهم عدوا # أبا موسى إلى يوم التلاق

فلا تجعل معاوية بن صخر[ (5) ] # إماما ما مشت قدم بساق

و لا يخدعك عمرو إن عمرا # أبا موسى لداهية الرفاق‏[ (6) ]

و كن منه على حذر و انهج # سبيلك‏[ (7) ]لا تزلّ بك المراقي

ستلقاه أبا موسى مليّا # بمرّ القول مسترخي الخناق

و لا تحكم بأن سوى علي # إماما إن هذا الشر باق‏

قال: و بلغ معاوية ما كتب به النجاشي إلى أبي موسى فكتب هو أيضا إلى [ (1) ]في الإمامة و السياسة 1/154 و وقعة صفين: اعرف خطب هذا الأمر.

[ (2) ]عبارة كتاب الصفين ص 537: يا أمير المؤمنين، أخرج و اللّه أبو موسى زبدة سقائه في أول مخضه، لا أرانا إلا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك.

[ (3) ]في وقعة صفين ص 537: الشني. و ذكر الأبيات.

[ (4) ]وقعة صفين: في العراق.

[ (5) ]وقعة صفين: حرب.

[ (6) ]وقعة صفين:

أبا موسى تحاماه الرواقي.

[ (7) ]وقعة صفين: طريقك.

210

عمرو بن العاص هذه الأبيات:

يا عمرو انك قد وليت حكومة # فاحكم فإنك في الحكومة جائر

و اجعل مكيدتك التي تعنى بها الـ # ـعرب الخليفة ان حظك وافر

و ادفع أبا موسى بكفك دفعة # تذهب به اليمّ الخضمّ الزاخر

فيعزّ شامك أنها لك جنة # أو لا فإنك يا ابن عاص خاسر

ذكر غرور عمرو بن العاص صاحبه‏

قال: و التقت الناس بدومة الجندل، فأقبل أبو موسى، فلما رآه عمرو استقبله، فسلم عليه أبو موسى، و مد أبو موسى يده إلى عمرو فصافحه و حياه و ضمه إلى صدره، ثم قال: يا أخاه!طال عهدي بك فقبح اللّه أمرا فرق بيننا!قال: ثم أقعده عمرو على فراشه و أقبل عليه يحدثه ساعة، ثم دعا عمرو بالطعام فأكلا[ (1) ] جميعا، و انصرف أبو موسى إلى رحله. ثم‏[ (2) ]لم يزالا يجتمعان في كل يوم فيتحدثان و ينصرفان، فأقاما[ (3) ]على ذلك أياما كثيرة، حتى ارتابت الناس و غمهم ذلك‏[ (4) ].

قال: فوثب عدي بن حاتم الطائي فقال: أما و اللّه يا عمرو!إنك لغير مأمون بالعيب‏[ (5) ]، فأما أنت يا أبا موسى فغير مأمون الضعف. فقال له عمرو بن العاص:

و اللّه يا عدي!ما لك و لا لغيرك مع كتاب اللّه ورد و لا صدر، فأمسك عنك يا هذا.

قال: ثم أقبل عمرو على أبي موسى، فقال: و اللّه لقد كنت أحب أن لا يشهد هذا الأمر من يفسده علينا. قال: و خاض‏[ (6) ]الناس في أمر عمرو و أبي موسى، فقال بعضهم لبعض: إن أبا موسى خالع صاحبه عليا على ما ترى، فأنشأ رجل من أصحاب علي رضي اللّه عنه يقول‏[ (6) ]:

[ (1) ]بالأصل: فأكلوا.

[ (2) ]بالأصل: «ثم لم يزالوا يجتمعون في كل يوم فيتحدثون و ينصرفون، فأقاموا.. » .

[ (3) ]انظر الإمامة و السياسة: 1/155.

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/155: الغناء.

[ (5) ]بالأصل: خاضوا.

[ (6) ]في وقعة صفين ص 536: و بعث الصلتان العبدي، و هو بالكوفة بأبيات إلى دومة الجندل.

211

لعمرك لا ألقى مدى الدهر خالعا # عليا بقول الأشعري و لا عمرو[ (1) ]

و لسنا نقول الدهر ذاك إليكما[ (2) ] # و في ذاك لو قلناه قاصمة الظهر

و لكن نقول الأمر للّه وحده‏[ (3) ] # إليه و في كفيه عاقبة الأمر

و ما اليوم إلا مثل أمس و إننا # لفي رقرق‏[ (4) ]الضحضاح أو لجة البحر

قال: و بلغ معاوية أن عمرا يريد الأمر لنفسه، فضاق لذلك ذرعا و لم يدر ما يصنع، فدعا بالمغيرة بن شعبة[ (5) ]، و قد كان أتاه زائرا من الطائف، فقال له:

ويحك يا مغيرة!أشر عليّ فقد بلغني أن عمرا يريد الأمر لنفسه: فقال له المغيرة:

إنه لو وسعني أن أشير عليك أو آمرك‏لوسعني أن أنصرك على عليّ، و لكن عليّ أن آتيك بخبر الرجلين جميعا عمرو و أبي موسى.

قال: ثم خرج المغيرة من عند معاوية و سار حتى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى كأنه زائر له فحدثه ساعة ثم قال: يا أبا موسى!ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره هذه الدماء فلم يكن مع علي و لا معاوية؟فقال أبو موسى: أولئك و اللّه خيار الناس ممن قد خف‏[ (6) ]ظهره من مظالم العباد.

قال: ثم تركه المغيرة و أقبل حتى دخل على عمرو بن العاص، فحدثه ساعة ثم قال: أبا عبد اللّه!ما تقول فيمن اعتزل هذه الدماء و لم يدخل نفسه في شي‏ء من هذه الأمور؟فقال عمرو: أولئك من أشرار خلق اللّه لا يعرفون حقا و لا ينكرون باطلا.

قال: فخرج المغيرة إلى معاوية فقال: أما أبو موسى فإنه خالع صاحبه عليا، لا أشك في ذلك على ما سمعت في ذلك من كلامه، و أما عمرو[ (7) ]فإنني قد سمعت [ (1) ]بعده في وقعة صفين:

فإن يحكما بالحق نقبله منهما # و إلا أثرناها كراغية البكر

[ (2) ]وقعة صفين: إليهما.

[ (3) ]وقعة صفين: الأمر و النهي كله.

[ (4) ]وقعة صفين: وشل.

[ (5) ]خبر المغيرة بن شعبة مع معاوية-باختلاف-في الأخبار الطوال ص 198 و في وقعة صفين ص 540.

[ (6) ]الأخبار الطوال: خفت ظهورهم من دماء إخوانهم، و بطونهم من أموالهم.

[ (7) ]العبارة في الأخبار الطوال: فهو صاحبك الذي عرفته، و أحسب سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد اللّه، و لا

212

كلاما يدل على أنه يريد أمرا. قال: فاغتم معاوية لذلك ثم كتب إلى عمرو هذه الأبيات‏[ (1) ]:

بدا الأمر ما لا تبتلعه‏[ (2) ]الأضالع # و كل امرئ يوما إلى اللّه‏[ (3) ]راجع

فيا عمرو قد لاحت عيون كثيرة # فيا ليت شعري عمرو ما أنت صانع؟

و قال رجال إنّ عمرا يريدها # فقلت لهم: عمرو لي اليوم تابع‏[ (4) ]

و انك قد أبطأت فيها و بادرت # عليك‏[ (5) ]بتحقيق الظنون الأصابع

فأسرع بها أو ابط من غير ريبة # يكون بها في البيد و النقع ساطع

بك اليوم في عقد الخلافة ظالما # و من دون ما ظنوا بك اليوم مانع‏

قال: و صاح‏[ (6) ]الناس على أبي موسى و عمرو بن العاص، و قالوا: إنكما قد ابطأتما[ (7) ]بهذا الأمر و إننا نخاف انقطاع المدة و لم تصنعا[ (8) ]شيئا فتعود الحرب إلى ما كانت.

قال: فعندها أقبل عمرو حتى دخل على أبي موسى فقال له: أبا موسى!إنني قد علمت أنه ليس أهل العراق بأوثق من أهل الشام في دم عثمان، و قد عرفت حال معاوية و شرفه في بني أمية[ (9) ]و لكن هات ما عندك!فقال أبو موسى: أما عثمان فلو شاهدته يوم قتل لنصرته، و أما معاوية فليس بأشرف في بني أمية من علي في [ () ] أراه يظن أنك أحق بهذا الأمر منه. (انظر وقعة صفين ص 540) .

[ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 543.

[ (2) ]وقعة صفين:

نفى النوم ما لا تبتغيه.

[ (3) ]وقعة صفين: إلى الصدق.

[ (4) ]و قبله في وقعة صفين:

و يا ليت شعري عن حديث ضمنته # أ تحمله يا عمرو؟ما أنت ضالع‏

[ (5) ]في وقعة صفين:

فإن تك قد أبطأت حتى تبادرت # إليك............

[ (6) ]بالأصل: و صاحوا.

[ (7) ]بالأصل: انكم قد أبطأتم.

[ (8) ]بالأصل: لم يصنعوا.

[ (9) ]وقعة صفين ص 136: بني عبد مناف. و زيد فيه: و ابن هند، و ابن أبي سفيان.

و العبارة في الأخبار الطوال ص 199: بيته بعد في قريش ما قد علمت... و هو مع هذا أخو أم حبيبة زوج النبي (ص) ، و هو أحد أصحابه.

213

هاشم‏[ (1) ]، فقال عمرو: صدقت أبا موسى و لكن قد علم الناس أنك لست بأنصح لأهل العراق مني لأهل الشام، و لا بأنصح لعلي مني لمعاوية، فالحق لا يشبهه شي‏ء، فإن قال قائل بأن معاوية من الطلقاء و كان أبوه من الأحزاب فقد صدق، و إن قال قائل إن عليا أقر قتلة عثمان عنده و قتل أنصاره يوم الجمل فقد صدق، و لكن هل لك أن تخلع صاحبك عليا و أخلع أنا صاحبي معاوية و نجعل هذا الأمر في يد عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فإنه رجل زاهد عابد و لم يبسط في هذه الحروب لسانا و لا يدا؟فقال أبو موسى: أحسنت رحمك اللّه و جزاك بنصيحتك خيرا!فنعم ما رأيت‏[ (2) ]. قال عمرو: فمتى تحب أن يكون ذلك الأمر؟فقال أبو موسى: ذاك إليك، إن شئت الساعة و إن شئت غدا فإنه يوم الاثنين و هذا يوم مبارك. قال:

و انصرف عمرو إلى رحله.

فلما كان من الغد أقبل إلى أبي موسى و معه شهود قد أعدهم للذي يريد أن يصنع. قال: فدخل على أبي موسى و اجتمعت الناس لاستماع الكلام، فقال عمرو: أبا موسى!أنشدك اللّه من أحق بهذا الأمر؟من و فى أو من غدر؟فقال أبو موسى: لا بل من وفى. قال: فما تقول في عثمان أقتل ظالما أو مظلوما؟فقال أبو موسى: بل مظلوما. قال‏[ (3) ]: فما تقول في قاتله أ يقتل به أم لا؟فقال أبو موسى:

بل يقتل به. قال عمرو: فمن يقتله؟قال: يقتله أولياء عثمان، لأن اللّه عزّ و جلّ قال: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً [ (4) ]. قال عمرو: فهل تعلم أن [ (1) ]زيد في الإمامة و السياسة 1/156 و لو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية، كان أخوال ذي أصبح (انظر الأخبار الطوال ص 199 و وقعة صفين ص 541) .

[ (2) ]اتفقوا على أن الحكمين اتفقا على خلع علي و معاوية. و اختلفوا فيما جرى بعد ذلك. فقيل إن أبا موسى هو الذي أشار على عمرو بن العاص بخلع الرجلين و تولية عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و أن عمرو بن العاص أشار على أبي موسى إلى تولية ابنه عبد اللّه. فقال له أبو موسى: إن ابنك رجل صدق و لكنك غمسته في هذه الفتنة فرفض عمرو رأي أبي موسى، و اتفقا على خلع الرجلين (علي رض و معاوية) و جعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا و من أحبوا (انظر الطبري 6/ 39 الأخبار الطوال ص 200 مروج الذهب 2/441 وقعة صفين ص 544-545 الإمامة و السياسة 1/156) .

[ (3) ]في الإمامة و السياسة 1/156: فما الحكم فيمن قتل؟

[ (4) ]سورة الإسراء، الآية 33.

214

معاوية من أولياء عثمان؟فقال أبو موسى: نعم، هو من أولياء عثمان‏[ (1) ]. قال عمرو: أيها الناس!اشهدوا على مقالة أبي موسى. قال أبو موسى: نعم. فاشهدوا ثم اشهدوا على ما أقول إن معاوية من أولياء عثمان، قم يا عمرو!فاخلع صاحبك، فإننا على ما كنا عليه أمس. فقال عمرو: سبحان اللّه!أقوم أنا من قبلك‏[ (2) ]و قد قدمك اللّه عليّ في الإيمان و الهجرة[ (3) ]، لا بل قم أنت فتكلم بما أحببت، و أقوم أنا من بعدك.

قال: فوثب أبو موسى قائما و قد اجتمعت الناس‏[ (4) ]، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إن خير الناس خيرهم لنفسه، و إن شر الناس شرهم لنفسه، و قد علمتم ما كان من الحروب التي لم تبق على بر و لا تقي و لا محق و لا مبطل، ألا! و إني قد رأيت أن نخلع عليا و معاوية و نجعل هذا الأمر في عبد اللّه بن عمر بن الخطاب‏[ (5) ]، فإنه رجل لم يبسط في هذه الحروب لسانا و لا يدا، ألا!و إني قد خلعت عليا من الخلافة كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي-و السلام-.

و قام عمرو بن العاص فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أيها الناس!هذا [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 199: و أما قولك إن معاوية ولي عثمان، فأولى منه ابنه عمرو بن عثمان.

[ (2) ]و كان عمرو بن العاص-و منذ اللقاء الأول بأبي موسى-قد قدّمه إن في الكلام أو الجلوس، و كرّمه كثيرا، و قد عوده أن يقدمه في كل شي‏ء و قد اغتره بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي. و كان عمرو قد حاك خدعته بدقة و أحاط بأبي موسى من كل جانب، و الرجل غافل لا يدري كيف تجري الأمور، و ما يخطط عمرو و ما يرسم في ذهنه حتى أن معاوية نفسه شكك بنية عمرو و استرابه.

[ (3) ]زيد في الإمامة و السياسة 1/157: و أنت وافد أهل اليمن إلى رسول اللّه و وافد رسول اللّه إليهم.

و بك هداهم اللّه و عرفهم شرائع دينه، و سنة نبيه، و صاحب مغانم أبي بكر و عمر.

[ (4) ]عند ما قام أبو موسى ليتكلم، قام إليه عبد اللّه بن عباس و قال له يحذره: ويحك إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما اتفقتما على أمر فقدّمه قبلك، فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تتكلم أنت بعده، فإن عمرا رجل غدار، و لا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك و بينه، فإذا قمت به في الناس خالفك، فقال له أبو موسى: إنا قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف إن شاء اللّه.

(الطبري 5/70 تاريخ اليعقوبي 2/190 الأخبار الطوال ص 200 وقعة صفين لابن مزاحم ص 545) .

[ (5) ]كذا، و قد مرت الإشارة إلى أنهما اتفقا على أن يعيدا الأمر شورى بين المسلمين يختارون عليهم شخصا يتفقون عليه. (انظر الصفحة السابقة حاشية رقم 2) . ـ

215

عبد اللّه بن قيس أبو موسى الأشعري، وافد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. و عامل عمر بن الخطاب، و حكم أهل العراق و قد خلع صاحبه عليا من الخلافة كما زعم أنه خلع خاتمه من أصبعه، ألا!و إني قد أثبت معاوية في الخلافة كما أثبت خاتمي هذا في أصبعي-ثم قعد[ (1) ]-.

فقال أبو موسى: عليك غضب اللّه، فو اللّه ما أنت إلا كما قال اللّه تعالى كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ (2) ].

قال: و تشاتموا جميعا، و ضج‏[ (3) ]الناس و قالوا: هذه خديعة و نحن لا نرضى بهذا. و دخل عمرو من ساعته إلى رحله، و كتب إلى معاوية بهذه الأبيات‏[ (4) ]:

أتتك الخلافة في حذرها[ (5) ] # هنيئا مريئا تقرّ العيونا

تزفّ إليك زفاف‏[ (6) ]العروس # بأهون من طعنك الدارعينا

فما الأشعري بواري‏[ (7) ]الزناد # و لا خامل الذكر في الأشعرينا

و لكن أتيحت له حيلة[ (8) ] # يظل الشجاع لها مستكينا

فقالوا و قلت و كنت امرءا # أرى الرفق‏[ (9) ]بالخصم حتى يلينا

فخذها ابن هند على بأسها # فقد دافع اللّه ما تحذرونا

و قد دافع اللّه عن شامكم # عدوا شنيا و حربا زبونا

قال: و شتم و شمت أهل الشام بأهل العراق.

[ (1) ]انظر في مقالتيهما الطبري 6/40 الأخبار الطوال ص 201 مروج الذهب 2/442-443-تاريخ اليعقوبي 2/190 الإمامة و السياسة 1/157.

[ (2) ]سورة الأعراف الآية 176.

[ (3) ]الأصل: و ضجوا.

[ (4) ]الأبيات في وقعة صفين ص 547.

[ (5) ]وقعة صفين: مزفوفة.

[ (6) ]وقعة صفين: كزف.

[ (7) ]وقعة صفين: بصلد.

[ (8) ]وقعة صفين: حية.

[ (9) ]وقعة صفين: أجهجه.

216

ذكر ما قيل فيه بعد ذلك‏

قال: فقام سعيد بن قيس الهمذاني فقال: أما و اللّه إن لو اجتمعتما على الهدى لما زدتمانا[ (1) ]على ما نحن فيه، و إن ضلال عمرو بن العاص و أبي موسى ليس لنا بلازم‏[ (2) ]، و إننا اليوم على ما كنا بالأمس عليه.

قال: و تكلم‏[ (3) ]أصحاب علي رضي اللّه عنه مثل كلام سعيد بن قيس، و أما الأشعث بن قيس فإنه سكت و لم ينطق، فقال له الأشتر: أما و اللّه يا أشعث!إني لأعلم أنك راض بهذا الحكم، قال: فغضب الأشعث من ذلك ثم أنشأ يقول‏[ (4) ]:

ألا ليت من يرضى من الناس كلهم # بعمرو و عبد اللّه في لجة البحر

رضينا بحكم اللّه لا حكم غيره # و باللّه ربا و النبيين و النذر

و بالأصلع‏[ (5) ]الهادي عليّ إمامنا # رضينا بذاك الشيخ في العسر و اليسر

فمن قال لا قلنا بلى إن أمره # لأفضل ما يعطاه في ليلة القدر

و ما لابن هند بيعة في رقابنا # و ما بيننا غير المثقفة السمر

و ضرب يزيل الهام عن مستقره # و إني عليه آخر الدهر من عمري

رضينا به حيا و ميتا لأنه # إمام هدى في الوقف و النهي و الأمر

[ (6) ] قال: فوثب رجل من أصحاب معاوية يقال له شداد بن أسد البجلي‏[ (7) ]فقال:

يا أهل العراق!اتقوا اللّه ربكم. فإني أخاف أن نرجع إلى ما كنا عليه من الحرب، و قد علمتم أننا إن عدنا فهو و اللّه الفناء، و قد شخصت الأبصار إلى هذا الصلح [ (1) ]الأصل: زدتمونا.

[ (2) ]وقعة صفين: و ما ضلالكما بلا زمنا. و العبارة في شرح النهج 1/197: فقام سعد بن نصر الهمداني و قال: و اللّه لو اجتمعتما على الهدى ما زدتمانا على ما نحن الآن عليه، و ما ضلالكما بلازم لنا، و ما رجعتما إلا بما بدأنا به و انظر الإمامة و السياسة 1/157 و الأخبار الطوال ص 202.

[ (3) ]بالأصل: و تكلموا تحريف.

[ (4) ]الأبيات في وقعة صفين ص 548 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (5) ]في صفة علي (رض) أنه كان أصلع ليس في رأسه شعر إلاّ خفاف من خلفه.

[ (6) ]زيد في وقعة صفين:

أبت لي أشياخ الأراقم سبة # أسب بها حتى أغيّب في القبر

[ (7) ]في وقعة صفين ص 548: يزيد بن أسد القسري.

217

و أشرفت الأنفس على اللقاء[ (1) ]، و أصبح كل امرئ منكم و هنا يبكي على قتله‏[ (2) ]، فاتقوا اللّه و احقنوا دماءنا و دماءكم.

قال: و بلغ ذلك عليا،

فقال: أما أنا قد أخبرتكم الأمر قبل أن يكون، و قد جهدنا أن يكون الحكم غير أبي موسى‏، فأبيتم عليّ و جئتموني به مبرنسا[ (3) ]و قلتم: قد رضينا به فاتبعت رأيكم، و الآن فلا سبيل إلى حرب القوم إلى انقضاء المدة التي كانت بيننا و بينهم.

قال: فعندها رجعت أهل العراق إلى عراقهم و هم عازمون على معاودة الحرب إذا انقضت المدة، و رجع أهل الشام إلى شامهم و هم على ذلك من أهل العراق.

و صار أبو موسى الأشعري إلى مكة، فأقام بها حياء من علي بن أبي طالب.

ذكر ما سئل أمير المؤمنين من القضاء و القدر فيما جرى عليهم من الأمور

قال فوثب إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه رجل من أهل الكوفة، فقال‏[ (4) ]: يا أمير المؤمنين!أخبرني عن مسيرنا إلى أهل الشام و قتالنا إياهم أ كان بقضاء من اللّه و قدر؟

فقال علي: ويحك يا شيخ!و اللّه خالق الحبة و بارئ النسمة ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلا بقضاء من اللّه و قدر. فقال الرجل:

فعند اللّه أحتسب غناي يا أمير المؤمنين!فقال عليّ: و لم ذلك؟فقال: لأني ما أرى لي ههنا من الأجر شيئا. فقال علي رضي اللّه عنه: بلى يا شيخ!لقد أعظم اللّه لكم الأجر على ما سيركم و أنتم سائرون، و على منصرفكم و أنتم منصرفون، و على مقامكم و أنتم مقيمون. ثم قال علي رضي اللّه عنه: ويحك يا شيخ!لعلك تظن أن ذلك إنما كان قضاءلازما و قدرا حتما[ (5) ]؟قال: أظن يا أمير المؤمنين!فقال علي رضي اللّه عنه: ليس ذاك كما ظننت، إنه لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب، [ (1) ]وقعة صفين: الفناء.

[ (2) ]وقعة صفين: قتيل.

[ (3) ]مبرنسا: لابسا البرنس، و البرنس، قلنسوة طويلة أو جبة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.

[ (4) ]نهج البلاغة: قصار الحكم رقم 78.

[ (5) ]نهج البلاغة: حاتما.

218

و ذهب‏[ (1) ]الوعد و الوعيد[ (2) ]، و لم يكن يأتي من اللّه لائمة لمذنب، و لا محمدة لمحسن. فقال الرجل: كيف هذا يا أمير المؤمنين؟بينه لي حتى أعلم. فقال علي: ويحك!إن اللّه تبارك و تعالى أمر[ (3) ]تخبيرا و نهى تحذيرا و كلف يسيرا، لم يعص مغلوبا و لم يكلف تعنتا، و لم يرسل الأنبياء عبثا[ (4) ]، و لم ينزل الكتب لعبا[ (4) ]، و ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنََّارِ

[ (5) ]. قال: فوثب الرجل من بين يديه مستبشرا، ثم أنشأ يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته # يوم النشور من الرحمن رضوانا

أوضحت من ديننا ما كان مشتبها # جزاك ربك عنا فيه إحسانا

فليس معذرة في فعل فاحشة # ما كنت ذاكرها فسقا و عصيانا

لا لا و لا قائلا الرب أوقعه # فها عبدت إذا يا قوم شيطانا

و لا أراد و لا شاء الفسوق و لا # قلت الولي له ظلما و عدوانا

نفسي الفداء لخير الناس كلهم # بعد النبي عليّ الخير مولانا

أخي النبي و مولى المؤمنين معا # و أول الناس تصديقا و إيمانا

و بعل بنت نبي اللّه فاطمة # أكرم بها شرفا سرّا و إعلانا

ابتداء ذكر الغارات بعد صفين‏

حدثنا عبد اللّه بن محمد البلوي‏[ (6) ]، قال: حدثني إبراهيم بن عبد اللّه بن العلاء القرشي المدني قال: حدثني نصر بن خالد النحوي و محمد بن خالد الهاشمي عن أبيه، عن أبي مخنف بن يحيى بن سعيد الأزدي قال: لما كان من أمر صفين ما [ (1) ]نهج البلاغة: و سقط.

[ (2) ]قال محمد عبده في شرح النهج: القضاء علم اللّه السابق بحصول الأشياء على أحوالها في أوضاعها.

و القدر إيجاده لها عند وجود أسبابها، و لا شي‏ء منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله. فالعبد و ما يجد من نفسه من باعث على الخير و الشر، و لا يجد شخص إلا أن اختياره دافعه إلى ما يعمل، و اللّه يعلمه فاعلا باختياره إما شقيا به و إما سعيدا. و الدليل ما ذكره الإمام.

[ (3) ]نهج البلاغة: أمر عباده تخييرا، و نهاهم تحذيرا.

[ (4) ]نهج البلاغة: لعبا... عبثا. و زيد في النهج: و لا خلق السموات و الأرض و ما بينهما باطلا.

[ (5) ]سورة ص، الآية 27.

[ (6) ]عن ميزان الاعتدال، و بالأصل البكوي.

219

كان، و حكم‏[ (1) ]الحكمان ما حكما، و رجع‏[ (1) ]أهل الشام إلى الشام و أهل العراق إلى العراق، و استقر علي بن أبي طالب بالكوفة. و جاء معاوية برجل يقال له الضحاك بن قيس الفهري، و هو صاحب شرطة معاوية، فضم إليه خيلا عظيمة من خيل أهل الشام، و وجه به نحو أهل العراق و أمره أن يأخذ على طريق السماوة[ (2) ]من بلاد بني كلب بن وبرة حتى ينقض على الكوفة و سوادها فيغير على ما قدر عليه‏[ (3) ].

قال: فأقبل الضحاك في خيل أهل الشام حتى نزل الثعلبية[ (4) ]، ثم صار منها إلى القطقطانة[ (5) ]، و بلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه، فدعا برجل من أصحابه يقال له حجر بن عدي الكندي، فضم إليه ألف فارس‏[ (6) ]و أمره بالمسير إلى الضحاك (بن قيس) . فسار حجر بن عدي يريد الضحاك، و الضحاك في وقته ذلك قد أغار على البلاد و قتل رجلا من خيار أصحاب علي (رضي اللّه عنه) يقال له عمرو بن مسعود العلائي‏[ (7) ]و قد كان مقيما بالثعلبية[ (8) ]، فقتله الضحاك بن قيس، فلما بلغه أن حجر بن عدي-قد توجه إلى ما قبله أقبل على أصحابه، فقال: إنكم قد قتلتم رئيسا و قد نزلتم قريبا من بلادهم و ديارهم، فارتحلوا عنهم، فإن تبعوكم و أصبتم منه عشرة فذاك الذي تريدون، و إن تكن الأخرى و لم يتبعوكم رجعتم إلى بلادكم سالمين.

[ (1) ]بالأصل: «و حكموا الحكمين ما حكموا، و رجعوا» تحريف.

[ (2) ]السماوة: سميت بالسماوة لأنها أرض مستوية لا حجر بها. و هي التي بين الكوفة و الشام.

[ (3) ]و كان معاوية قد بلغه أن عليا تحمل إليه مقبلا فهاله أمره فخرج من دمشق معسكرا و بعث إلى كور الشام يستنفرهم و يأمرهم بالتجهز للحرب ثم جاءتهم عيونهم بأن عليا اختلف عليه أصحابه و أنه قد رجع عنكم إلى فئة أنكرت عليه أمر الحكومة. ثم جاءت معاوية أخبار أن عليا قد خرج عليه القراء و النساك فخرج إليهم يقاتلهم فعند ذلك دعا معاوية الضحاك و قال له: سر حتى تمر بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليهما، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى و لا تقيمن لخيل بلغك أنك قد سرحت إليها لتلقاها فتقاتلها، فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جريدة خيل (الغارات لابن هلال الثقفي ص 290 و ما بعدها-شرح النهج لابن أبي الحديد 1/353) .

[ (4) ]الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة. قد كانت قرية فخربت (مراصد الاطلاع) .

[ (5) ]القطقطانة بالضم ثم السكون: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطفّ.

[ (6) ]في الغارات للثقفي ص 293: أربعة آلاف.

[ (7) ]في تاريخ اليعقوبي 2/195: «ابن عميش» و في الغارات للثقفي ص 292: عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي و هو ابن أخ عبد اللّه بن مسعود.

[ (8) ]في الغارات للثقفي: قتله في طريق الحاج عند القطقطانة. (انظر الطبري 6/78) .

220

قال: فسار القوم راجعين يريدون الشام، و أتبعهم حجر بن عدي في خيل أهل الكوفة، فلحقهم في بلاد كلب‏[ (1) ]، فقاتلهم فقتل من أهل الكوفة أربعة نفر و قتل من أهل الشام سبعة نفر[ (2) ]، و انكشفوا منهزمين، فلم يتبعهم حجر لكنه رجع إلى عليّ بالكوفة فأخبره ذلك، و رجع الضحاك بن قيس إلى معاوية مغلولا مهزوما.

قال: ثم دعا معاوية أيضا برجل من سادات أهل الشام يقال له يزيد بن شجرة الرهاوي‏[ (3) ]فقال: يا يزيد!إني أريد أن أوجه بك إلى مكة لتقيم للناس الحج بها، و تبقي عامل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و تأخذ لي هنالك البيعة بالسمع و الطاعة و البراءة من علي. فقال يزيد بن شجرة: أفعل يا أمير المؤمنين!قال: فقال له معاوية: إني قد رضيت هديك و رأيك و مذهبك‏[ (4) ]، و لست أوجهك للحرب، إنما أوجهك لتقيم للناس الحج، فاتق اللّه في الحرم، إن قدرت أن تخرج عامل عليّ رضي اللّه عنه من الحرم بلا قتال فلا تقاتل، فقال له يزيد بن شجرة: ما كنت لأحيف يا أمير المؤمنين بلدا مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً [ (5) ].

قال: فضم إليه معاوية ثلاثة آلاف فارس من وجوه أهل الشام، ثم أوصاه أيضا فقال: يا يزيد!أوصيك و اعلم بأنك تأتي مكة، و مكة حرم اللّه و أمنه، و أهل مكة قومي و عشيرتي، و مكة هي بيضتي التي تفلّقت‏[ (6) ]عني، فاتق اللّه فيهم، فإني أحب [ (1) ]في الطبري 6/78 و الغارات للثقفي ص 294: بتدمر. (و هي مدينة مشهورة قديمة في برية الشام) .

[ (2) ]في الطبري و الغارات للثقفي: قتل من أصحاب حجر رجلان (عبد الرحمن و عبد اللّه الغامدي) و قتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا.

[ (3) ]الرهاوي نسبة إلى رهاء كسماء حي من مذحج (القاموس) ، قال في الإصابة: مختلف في صحبته، كان معاوية يستعمله على الجيوش، مات سنة 58 في أواخر خلافة معاوية.

[ (4) ]و كان يزيد بن شجرة الرهاوي قد قال لمعاوية: إني لا أسير لك في هذا الوجه حتى تسمع مقالتي و تشفعني بحاجتي. قال: فإن ذلك لك، فقل ما بدا لك، فقال: ... أما بعد فإنك وجهتني إلى قوم أرجو أن يجمعك اللّه، و مجمع الصالحين، فإن رضيت أن أسير إليهم فأعمل فيهم برأيي و بما أرجو أن يجمعك اللّه و إياهم سرت إليهم، و إن كان لا يرضيك عني إلا الغشم و تجريد السيف، و إخافة البري‏ء، ورد العذر، فلست بصاحب ما هناك، فاطلب لهذا الأمر غيري (الغارات لابن هلال الثقفي ص 345) .

[ (5) ]سورة آل عمران الآية 97.

[ (6) ]في الغارات: انفلقت.

221

إصلاحهم و بقاءهم، و أكره حربهم و قتالهم، فاحفظ فيهم وصيتي‏و سر على بركة اللّه و عونه.

قال: فقال يزيد بن شجرة: اللهم!إنك تعلم أني لست أعظم مجاهدة من سعى على خليفتك عثمان بن عفان و هتك حرمته، و لا منابذة من بغى عليه، اللّهم! فإن كنت قضيت بين هذا الجيش و بين أهل حرمك حربا فاكفني ذلك.

قال: و سار يزيد بن شجرة يريد مكة، و بمكة يومئذ قثم بن العباس بن عبد المطلب من قبل علي بن أبي طالب، فقام في أهل مكة خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!إنه قد أظلكم جيش من ظلمة أهل الشام الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون، يريدون الإلحاد في حرم اللّه، فتسالمون أم تحاربون؟قال: فسكت الناس و لم يجبه أحد منهم بشي‏ء، فقال قثم بن العباس:

إنكم قد أعلمتموني بما في أنفسكم، فأنا خارج عنكم إلى بعض هذه الشعاب فأكون هنالك إلى أن يقضي اللّه بما يحب و يرضى. قال: فقال له شيبة بن عثمان العبدري‏[ (2) ]-من بني عبد الدار بن قصي: يا هذا!أنت الأمير و نحن الرعية سامعون لك مطيعون، فإن قاتلت قاتلنا معك، و إن كففت كففنا معك‏[ (3) ]. قال: فقال قثم بن العباس: هيهات يا أهل مكة!المغرور من غررتموه، إن الجنود لا تهزم بالوعد، و لست أرى معك أحدا يدفع و لا يمنع، فأعتزل عنكم‏فأكون في بعض هذه الشعاب و أكتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، فإن جاءني من المدد ما أقوى به عليهم ناهضتهم، و إن تكن الأخرى لم أقاتل و صبرت لأمر اللّه عزّ و جلّ. فقال له أبو سعيد الخدري‏[ (4) ]: أيها الأمير!إن للحرم حرمة عظيمة، و القوم إن قدموا لم يعجلوا بالقتال، فأقم و لا تبرح من مكة، فإذا وافوك و رأيت قوة عليهم فاعمل برأيك، و إن لم ترقوة تنحيت من بين أيديهم إلى بعض هذه الشعاب، فتكون قد أعذرت و قضيت ما عليك.

[ (1) ]انظر الكامل لابن الأثير 2/427 الغارات للثقفي ص 347. باختلاف النصوص.

[ (2) ]هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري نسبة إلى بني عبد الدار الحجبي نسبة إلى حجابة بيت اللّه الحرام، و هم جماعة من بني عبد الدار لهم حجابة الكعبة و مفتاحها. و كان شيبة من مسلمة الفتح.

توفي سنة 59 (الإصابة-تهذيب التهذيب) .

[ (3) ]انظر مقالته في الغارات للثقفي ص 347.

[ (4) ]انظر مقالة أبي سعيد الخدري لقثم في الكامل لابن الأثير 2/427 و الغارات للثقفي ص 347.

222

قال: فأقام قثم بن العباس بمكة، و بلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه و هو يومئذ بالكوفة،

فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!قد بلغني أن معاوية قد وجه إلى الموسم بجند من أهل الشام الغلف‏[ (2) ]القلوب، الصم الأسماع، الكمه الأبصار، الذين يلبسون‏[ (3) ]الحق بالباطل، و يطيعون المخلوق في معصية الخالق، أولياء الشيطان الرجيم، و وزراء الجبابرة المعتدين، فسارعوا رحمكم اللّه إلى جهادهم مع التقي الأمين معقل بن قيس، و احتسبوا في ذلك الأجر و صالح الذكر، فإنه لا يفوز بالخير إلا عامله. و لا يجزى جزاء السوء إلا فاعله، و لن يصلح اللّه عمل المفسدين.

قال: فانتدب له يومئذ ألف و سبعمائة رجل من فرسان العرب، و فيهم يومئذ الريان بن ضمرة بن هودة الحنفي‏[ (4) ]و أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني و من أشبههم من الناس.

قال: فخرج‏[ (5) ]القوم من الكوفة في أول يوم من ذي الحجة، و قد فات الوقت و قدم يزيد بن شجرة صاحب معاوية إلى الحرم قبل التروية بيومين، فنادى في الناس: أيها الناس!أنتم آمنون، فإننا لم نقدم ههنا لقتال، و إنما قدمنا للحج، فالناس كلهم في أمان إلا من قاتلنا و نازعنا و عرض في سلطاننا.

قال: و اتقى يزيد بن شجرة أن يكون بين الناس قتال، فقال لأصحابه: انظروا أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!فقيل له: أبو سعيد الخدري، فقال: عليّ به، فأتي به إلى يزيد بن شجرة، فسلم و جلس، فقال له يزيد: أبا سعيد!يرحمك اللّه إني إنما وجهت إليكم لأجمع‏[ (6) ]و لا أفرق، و لو شاء أن أفعل لفعلت، لأنه ما عند أميركم امتناع‏[ (7) ]و لا عند أهل البلد أيضا، و لو شئت أن آخذ أميركم أسيرا حتى أمضي به إلى الشام لفعلت، و لكني أكره الإلحاد في الحرم، فقولوا لأميركم أن [ (1) ]في نهج البلاغة أن هذا الكلام جاء ضمن رسالة بعثها علي (رض) إلى عامله على مكة انظر كتاب رقم 33. و فيه زيادة.

[ (2) ]نهج البلاغة: العمي القلوب.

[ (3) ]نهج البلاغة: يلتمسون.

[ (4) ]في الكامل لابن الأثير 2/427 الريان بن ضمرة بن هودة بن علي الحنفي.

[ (5) ]الأصل: فخرجوا.

[ (6) ]أي لأشهد صلاة الجمعة.

[ (7) ]في الكامل لابن الأثير: لما فيه أميركم من الضعف.

223

يعتزل الصلاة بالناس، فأعتزلها أنا أيضا، و يختار الناس رجلا يصلي بهم، فإننا نكره ما قد علمت، و اللّه يا أبا سعيد!ما[ (1) ]يدعوني إلى هذا الذي سمعته مني إلا التماس العافية. فقال له أبو سعيد: جزاك اللّه من رجل خيرا!فما رأيت‏[ (2) ]من أهل الشام رجلا أحسن منك نية و لا أفضل منك رأيا.

قال: ثم أقبل أبو سعيد إلى قثم بن العباس، فكلمه في أمر الصلاة، فقال قثم: قد فعلت ذلك. و تراضت الناس بشيبة بن عثمان العبدري، فصلى بأهل الموسم و أقام لهم الحج.

فلما قضى‏[ (3) ]الناس حجهم‏أقبل يزيد بن شجرة فقال: يا أهل الشام!اعلموا أن اللّه تبارك و تعالى قد رزقكم خيرا و صرف عنكم شرا، فأما الخير الذي رزقكم فطاعة إمامكم و حجكم و قضى نسككم، و أما الشر الذي صرفه عنكم فكف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم، فانصرفوا الآن مأجورين سامعين مطيعين.

قال: فصدرت أهل الشام عن مكة يريدون الشام، و أقبلت خيل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تقبل ميلا لمواقعة أهل الشام، فإذا قد لقيهم بعض الأعراب فأخبروهم بأن أهل الشام قد رحلوا عن مكة يريدون الشام، قال: فنزل معقل بن قيس الطريق إلى مكة و عارضهم في المسير، و أهل الشام قد نزلوا بواد يقال له وادي القرى‏[ (4) ].

فلما تقارب معقل بن قيس من وادي القرى قال: إن أهل الشام قد نزلوا على الماء بلا شك، فإذا رأيتموهم فشدوا عليهم، فإذا أنا قتلت فأميركم من بعدي أبو الطفيل عامر بن واثلة، فإن أصيب فالريان بن ضمرة، فإن أصيب فظبيان بن عمارة، فإن أصيب فأبو الرداح الشاكري.

قال: و سارت الخيل حتى وافوا وادي القرى، فإذا أهل الشام قد رحلوا، و قد بقي منهم عشرة نفر قد كانوا تخلفوا لحوائج لهم، فأخذهم أصحاب علي رضي اللّه [ (1) ]في الغارات للثقفي ص 350: و اللّه ما يحملني على ما تسمع إلا رضوان اللّه و التماسه و احترام الحرم، فإن ذلك أقرب للتقوى و خير في العاقبة.

[ (2) ]عند الثقفي: ما رأيت رجلا من المغرب أصوب مقالا و لا أحسن رأيا منك.

[ (3) ]بالأصل: قضوا.

[ (4) ]وادي القرى: بين الشام و المدينة، و هو بين تيماء و خيبر فيه قرى كثيرة و بها سمي وادي القرى.

224

عنه أسارى، و أخذوا أموالهم و أسلحتهم و دوابهم. قال: و بلغ ذلك أهل الشام فقالوا لأميرهم يزيد بن شجرة: أيها الأمير!ما ترى؟أ ترجع إلى إخواننا فتستنقذهم من أيدي أهل العراق؟فقال يزيد بن شجرة: لا أرى ذلك لكم رأيا، لأني لا أدري أ تكون لنا أم علينا. قال: فكاعت أهل الشام عن أهل العراق.

فأقبل معقل بن قيس راجعا إلى الكوفة، فأخبر عليا بما كان من أمر القوم،

فقال علي كرم اللّه وجهه لأصحابه: احبسوا هؤلاء الأسارى، فإن لنا في يد معاوية أسارى، فإذا أطلقهم أطلقنا نحن هؤلاء إن شاء اللّه.

قال: و سار يزيد بن شجرة إلى معاوية فأخبره بحاله و قصته، فقام إلى معاوية قوم من عشائر المحبسين بالكوفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين!إن إخواننا لو كانوا ماتوا أو قتلوا لاحتسبناهم، و لكنهم أسارى بالعراق في حبس علي رضي اللّه عنه فما الحيلة في ذلك؟فقال لهم معاوية: اسكتوا!فلستم بأحرص على تخليصهم مني و لا تعجلوا.

قال: ثم بعث أيضا معاوية برجل من أصحابه يقال له الحارث بن نمر[ (1) ] التنوخي في ألف رجل من حماة أهل الشام و أمره بالغارة على بلاد الجزيرة ممن هم في طاعة علي رضي اللّه عنه. قال: فأقبلت خيل أهل الشام حتى بلغت تخوم صفين و دارا[ (2) ]، فأغاروا على قوم من بني تغلب ممن كانوا في طاعة علي رضي اللّه عنه، فأسروا منهم ثمانية[ (3) ]نفر، و انصرفوا راجعين‏[ (4) ]إلى الشام، و قام رجل من أهل الجزيرة يقال له عتبة بن الوعل، فجمع قومه من بني تغلب، ثم صار إلى جسر منبج‏[ (5) ]، فعبر الفرات و أغار على أوائل الشام، فغنم غنائم كثيرة و رجع إلى بلاد الجزيرة، و أنشأ يقول:

[ (1) ]كذا بالأصل و ابن الأثير 2/428 و في الغارات للثقفي ص 346 نمير. و هو من فرسان أهل الشام.

و التنوخي نسبة إلى تنوخ، و تنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا قديما بالبحرين و تحالفوا على التوازر و التناصر فأقاموا هناك فسموا تنوخا. و التنوخ: الإقامة.

[ (2) ]دارا: بلدة من بلاد الجزيرة.

[ (3) ]في الكامل لابن الأثير: سبعة نفر.

[ (4) ]بالأصل: راجعون.

[ (5) ]منبج: بلد قديم. و هي مدينة واسعة كبيرة ذات خيرات كثيرة. بينها و بين الفرات ثلاثة فراسخ. ـ

225

ألا أبلغ معاوية بن صخر # فإني قد أغرت كما تغير

صبحنا منبجا بالخيل تردى # شوازب في أياطلها ضمير

بكل سميدع ماض جسور # على الأهوال في ضنك يسير

و كل مجرب بطل همام # لدى الهيجاء مطلبه عسير

و فتيان يرون الصبر مجدا # بأيديهم مهندة ذكور

قال: ثم كتب علي رضي اللّه عنه إلى معاوية[ (1) ]: أما بعد، يا معاوية!فإن اللّه عدل لا يجور. و عزيز لا يغلب، يجزي بالإحسان إحسانا، و هو بصير بما تعمل العباد، و اعلم بأنك لم تخلق للدنيا و الخلود فيها، بل أنت راجع إلى ربك فملاقيه، فاتق اللّه يا معاوية!و أنصف من نفسك و لا تطغينّك الأماني الباطلة و الغرور، فإني مؤل‏[ (2) ]باللّه أليّة صدق‏[ (3) ]لئن‏[ (4) ]جمعتني و إياك دارا لأزايلنك أبدا أو يفتح اللّه بيننا بالحق و هو خير الفاتحين، فأطلق من في يديك من إخواننا حتى نطلق من في أيدينا من أصحابك، فإني قد بعثت إليك في ذلك مولاي سعدا[ (5) ]-و السلام-.

قال: فلما وصل كتاب علي إلى معاوية أطلق من كان في يديه من أصحاب عليّ، و أطلق عليّ أيضا من كان في يديه من أصحاب معاوية.

قال: و ظن علي رضي اللّه عنه أن معاوية لا يغير عليه بعد ذلك، فلما كان بعد شهر أقل أو أكثر وجّه معاوية أيضا برجل من أصحاب الشام يقال له سفيان بن عوف الغامدي‏[ (6) ]في خيل عظيمة، و أمره بالمسير و الغارة على أداني العراق و القتل من قدر [ (1) ]الكتاب في نهج البلاغة باختلاف النص-كتاب رقم 55.

[ (2) ]نهج البلاغة: «أولي» أي أحلف باللّه حلفة غير حانثة.

[ (3) ]نهج البلاغة: ألية غير فاجرة.

[ (4) ]العبارة في النهج: لئن جمعتني و إياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.

[ (5) ]هو سعد بن الحارث الخزاعي له إدراك، كان على شرطة علي بالكوفة و كان مناديه في الناس و قد ولاه على أذربيجان ثم انضم إلى الحسن بن علي ثم تبع الحسين بن علي و قتل معه في كربلاء.

[ (6) ]عن فتوح البلدان ص 188 و بالأصل «العامري» تحريف. و انظر جمهرة أنساب العرب ص 473.

و انظر ترجمته في الإصابة. قال ابن حجر: صحب النبي (ص) و له بأس و سخاء. و استعمله معاوية على الصوائف و كان يعظمه. توفي سنة 2 أو 3 أو 54.

و انظر خبر غارته في الطبري 6/78 و الغارات لابن هلال الثقفي ص 320 و شرح النهج لابن أبي الحديد م 1/335 و انظر الكامل للمبرد 1/29 فيه بعض الرواية و تاريخ اليعقوبي 2/196.

226

عليه من شيعة علي‏[ (1) ].

قال: فسارت خيل الشام‏[ (2) ]حتى انتهت إلى بلد يقال له هيت‏[ (3) ]، و به يومئذ رجل من قبل علي رضي اللّه عنه يقال له كميل بن زياد النخعي، فلما بلغه أن خيل الشام قد تقاربت من هيت خلف عليها رجلا من أصحابه في خمسين فارسا و سار يريد خيل أهل الشام. قال: فلما أبعد كميل بن زياد عن مدينة هيت أقبل صاحب معاوية و هو سفيان بن عوف الغامدي‏[ (4) ]على هيت و أغار على أطرافها و لم يتبعه أحد[ (5) ].

ثم سار إلى الأنبار[ (6) ]و بها رجل من أصحاب علي يقال له أشرس بن حسان البكري‏[ (7) ]فلم يشعر إلا و سفيان بن عوف قد كبسه في أهل الشام فقتله و قتل جماعة من أصحابه‏[ (8) ]، ثم أغار على الأنبار و أخذ منها ما أخذ، و ولّى منصرفا إلى الشام.

قال: و بلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه فهمّ أن يسير إليه بنفسه، ثم إنه لم ير ذلك رأيا[ (9) ]، فدعا بسعيد بن قيس الهمذاني فضم إليه خيلا من فرسان الكوفة، و أمره أن يطلب القوم.

قال: فخرج سعيد بن قيس في طلب سفيان و أصحابه‏[ (10) ]حتى بلغ أرض عانات‏[ (11) ]فلم يقدر عليه، و بعث سعيد بن قيس رجلا من أصحابه يقال له هانئ بن الخطاب‏[ (12) ]في طلب القوم، فبلغت الخيل إلى أداني الشام حتى أشرفت على [ (1) ]انظر مقالة معاوية و وصيته لسفيان بن عوف في الغارات للثقفي ص 321 و الطبري 6/78.

[ (2) ]في الطبري 6/78: ستة آلاف.

[ (3) ]هيت: في مراصد الإطلاع: هيت بالكسر، سميت باسم بانيها هيت البندي و يقال البلندي على الفرات فوق الأنبار ذات نخل كثير و خيرات واسعة.

[ (4) ]بالأصل: «العامري» و قد مرّ.

[ (5) ]في الطبري: سار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحدا (و انظر الغارات للثقفي) .

[ (6) ]الأنبار: مدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ.

[ (7) ]في اسم عامل علي (رض) على الأنبار خلاف: قيل أشرس بن حسان البكري، و قيل حسان بن حسان. انظر المصادر السابقة (الصفحة السابقة حاشية رقم 5) .

[ (8) ]قتل مع ثلاثين رجلا من أصحابه (الطبري 6/78) .

[ (9) ]يفهم من عبارة الطبري و الغارات لابن هلال الثقفي أن الناس لم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله.

[ (10) ]في ثمانية آلاف (الغارات للثقفي ص 324) .

[ (11) ]عانات: قرى بالفرات و هي آلوس و سالوس و ناووس (مراصد الاطلاع) .

[ (12) ]مرّ ذكره فيمن نسب إليه قتل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب.

227

صفين، فلم يقدروا على سفيان، فانصرف سعيد بن قيس إلى عليّ فأخبره بذلك، فأنشأ رجل من أهل الكوفة يقول:

أرى ابن أبي سفيان مرخي جنوده # يغير علينا ضلة و تحامقا

و بين الفتى في الحرب يوما إذا سرت # بوارق خيلا يتبعن بوارقا

سيلقى رجالا من صحاب محمد # بأيديهم بيض يجن عقائقا

فتبغي نجاة يا معاوي منهم # و لست بناج أو تموت منافقا

قال: ثم كتب عليّ إلى كميل بن زياد يلومه على فعله و تضييعه مدينة هيت و خروجه عنها.

فلما كان بعد ذلك بأيام وجّه معاوية أيضا برجل من أهل الشام يقال له عبد الرحمن بن أشيم‏[ (1) ]في خيل من أهل الشام إلى بلاد الجزيرة، فأقبل عبد الرحمن بن أشيم هذا في خيله من أهل الشام يريد الجزيرة، و بالجزيرة يومئذ رجل يقال له شبيب بن عامر. قال: و شبيب هذا هو جد الكرماني‏[ (2) ]الذي كان بخراسان و كان بينه و بين نصر بن سيار ما كان، و كان هذا شبيب مقيما بنصيبين‏[ (3) ]في ستمائة رجل من أصحاب علي رضي اللّه عنه، فكتب إلى كميل بن زياد: أما بعد، فإني أخبرك أن عبد الرحمن بن أشيم قد وصل إليّ من الشام في خيل عظيمة، و لست أدري أين يريد، فكن على حذر-و السلام-.

قال: فكتب إليه كميل: أما بعد، فقد فهمت كتابك و أنا سائر إليك بمن معي من الخيل-و السلام-.

قال: ثم استخلف كميل بن زياد رجلا يقال له عبد اللّه بن وهب الراسبي، و خرج من هيت في أربعمائة[ (4) ]فارس كلهم أصحاب بيض و دروع، حتى صار إلى شبيب بنصيبين، و خرج شبيب من نصيبين في ستمائة رجل، فساروا جميعا في ألف فارس يريدون عبد الرحمن، و عبد الرحمن يومئذبمدينة يقال لها كفرتوثا[ (5) ]في [ (1) ]عند ابن الأثير 2/428 عبد الرحمن بن قباث بن أشيم.

[ (2) ]الكرماني هو علي بن جديع بن شبيب بن عامر الأزدي (يرد ذكره في حوادث سنة 130 هـ) .

[ (3) ]نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام.

[ (4) ]الكامل لابن الأثير: ستمائة فارس.

[ (5) ]كفرتوثا: قرية كبيرة من أعمال الجزيرة، بينها و بين دارا خمسة فراسخ.

228

جيش لجب من أهل الشام، فأشرفت خيل أهل العراق على خيل أهل الشام. قال:

و جعل كميل بن زياد يرتجز و يقول:

يا خير من جرّ له خير القدر # فاللّه ذو الآلاء أعلى و أبر

يخذل من شاء و من شاء نصر

قال: و جعل شبيب يرتجز و يقول:

تجنبوا شدات ليث ضيغم # جهم محيّا عقربان شدقم

يغادر القرن صريعا للفهم # بكل عضب صارم مصمم‏

قال: و اختلط[ (1) ]القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب كميل رجلان عبد اللّه بن قيس القابسي و مدرك بن بشر الغنوي، و من أصحاب شبيب أربعة نفر، و وقعت الهزيمة على أهل الشام فقتل منهم بشر كثير[ (2) ]، فولوا الأدبار منهزمين نحو الشام.

فقال كميل لأصحابه: لا تتبعوهم فقد أنكينا فيهم، و إن تبعناهم فلعلهم أن يرجعوا علينا، و لا ندري كيف يكون الأمر.

قال: ثم رجع شبيب بن عامر إلى نصيبين‏[ (3) ]، و رجع كميل بن زياد إلى هيت،

و بلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه، فكتب إلى كميل بن زياد: أما بعد، فالحمد للّه الذي يصنع للمرء كيف يشاء، و ينزل النصر على من يشاء إذا شاء، فنعم المولى ربنا و نعم النصير، و قد أحسنت النظر للمسلمين و نصحت إمامك، و قدما كان ظني بك ذلك فجربت و العصابة التي نهضت بهم إلى حرب عدوك خير ما جزي الصابرون و المجاهدون، فانظر لا تغزونّ غزوة و لا تجلون إلى حرب عدوك خطوة بعد هذا حتى تستأذنني في ذلك-كفانا اللّه و إياك تظاهر الظالمين، إنه عزيز حكيم، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

[ (1) ]بالأصل: و اختلطوا.

[ (2) ]زيد في الكامل لابن الأثير: و أمر (أي كميل بن زياد) أن لا يتبع مدبر و لا يجهز على جريح.

[ (3) ]قبل عودته إلى نصيبين عبر الفرات و بث خيله فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك، فوجه إليه معاوية حبيب بن مسلمة فلم يدركه، و رجع شبيب فأغار على نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها و لا خيلا و لا سلاحا إلا أخذه و عاد إلى نصيبين (الكامل لابن الأثير 2/428) .

229

قال: ثم كتب إلى شبيب بن عامر بمثل هذه النسخة ليس فيها زيادة غير هذه الكلمات: و اعلم يا شبيب أن اللّه ناصر من نصره و جاهد في سبيله-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

خبر أهل اليمن و تحريك شيعة عثمان بن عفان بها و خلافهم على عليّ بن أبي طالب‏

قال: و تحركت شيعة عثمان بن عفان و خالفوا عليا رضي اللّه عنه و أظهروا البراءة منه‏[ (1) ]، قال: و باليمن يومئذ عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب‏[ (2) ]من قبل علي بن أبي طالب و كان مقيما بصنعاء[ (3) ]، فأرسل إلى جماعة من هؤلاء الذين خالفوا عليا فدعاهم ثم قال: يا هؤلاء!ما هذا الذي أنتم فيه من السعي في الفساد؟و ما أنتم و الطلب بدم عثمان؟و إنما أنتم قوم رعية، و قد كنتم قبل اليوم لازمين بيوتكم، فلما سمعتم بذكر هذه الغارات رفعتم رؤوسكم و خالفتم علينا!قال فقالوا: يا أمير! إنا لم نزل نرى مجاهدة من سعى على أمير المؤمنين عثمان بن عفان.

قال: و أمر عبيد اللّه بن العباس بحبس رجال منهم فحبسوا. و بلغ ذلك قوما من أهل اليمن ممن كان يرى مخالفة علي رضي اللّه عنه، فكتبوا إلى عبيد اللّه بن عباس أن خلّ سبيل من في سجنك من إخواننا، و إلا فلا طاعة لك و لا لصاحبك علينا!قال: فأبى عبيد اللّه أن يخلّي سبيلهم.

قال: فاستعصى أهل اليمن و منعوا زكاة أموالهم و أظهروا العصيان، و كتب عبيد اللّه بن عباس بذلك إلى عليّ‏[ (4) ]و أخبره بما هم فيه أهل صنعاء من الخلاف [ (1) ]قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/279 أن قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظمون قتله، لم يكن لهم نظام و لا رأس، فبايعوا عليا على ما في أنفسهم، ... فلما اختلف الناس على علي بالعراق، و قتل محمد بن أبي بكر بمصر، و كثرت غارات أهل الشام تكلموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان و منعوا الصدقات و أظهروا الخلاف (انظر الغارات لابن هلال الثقفي ص 404) .

[ (2) ]كان أصغر من أخيه عبد اللّه بسنة، رأى النبي (ص) و سمع منه، و حفظ عنه.

[ (3) ]صنعاء: من مدن اليمن.

[ (4) ]في شرح نهج البلاغة 1/280 و كتاب الغارات للثقفي أن عبيد اللّه بن عباس و سعيد بن نمران عامل علي على الجند، و قد أخرجوه عنها، كتبا إلى علي (رض) يخبرانه بخبر أهل اليمن. و انظر نسخة الكتاب فيه و في كتاب الغارات للثقفي ص 405.

و انظر فيهما أيضا رد علي (رض) على كتابهما.

230

و العصيان.

فدعا عليّ بيزيد بن أنس‏[ (1) ]الأرحبي، فقال: ألا ترى إلى صنع قومك باليمن و مخالفتهم عليّ و على عاملي؟فقال يزيد بن أنس: و اللّه يا أمير المؤمنين!إن ظني بقومي لحسن طاعتك، و إن شئت سرت إليهم بنفسي، و إن شئت كتبت إليهم و نظرت ما يكون من جوابهم، فإن رجعوا إلى طاعتك، و إلا سرت إليهم فكفيتك أمرهم إن شاء اللّه. فقال علي: أكتب إليهم.

قال: ثم كتب علي رضي اللّه عنه‏[ (2) ]: أما بعد، فقد بلغني جرمكم و شقاقكم و اعتراضكم على عاملي‏[ (3) ]بعد الطاعة و البيعة، فاتقوا اللّه و ارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإني أصفح عن جاهلكم، و أحفظ قاصيكم؟و أقوم فيكم بالقسط، و إن لم تفعلوا فمن أحسن فلنفسه و من أساء فعليها، وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ

[ (4) ]. قال:

ثم بعث بكتابه هذا إليهم مع رجل من همذان يقال له الحر بن نوف بن عبيد.

قال: فأقبل الهمذاني بالكتاب إلى أهل اليمن، ثم صار إلى مدينة من مدنهم يقال لها الجند[ (5) ]، و أهل الجند قد كتبوا إلى معاوية و سألوه أن يوجه إليهم بأمير من قبله. قال: فقدم عليهم رسول عليّ فأقرأهم الكتاب ثم قال: اعلموا أن أمير المؤمنين عليا أراد أن يوجه إليكم يزيد بن أنس‏[ (6) ]في الخيل و الرجال، ثم إنه لم يحب أن يعجل عليكم، فاتقوا اللّه ربكم و لا تفسدوا في أرضكم و لا تقاتلوا إمامكم.

قال: فتكلم قوم من كبرائهم فقالوا: يا هذا!إنا قد سمعنا كلامك، فاذهب إلى عليّ رضي اللّه عنه فليبعث إلينا من شاء، فإنا على بيعة أمير المؤمنين عثمان بن عفان‏[ (7) ].

قال: ثم كتبوا إلى معاوية: أما بعد، يا أمير المؤمنين!فالعجل العجل!وجه [ (1) ]في كتاب الغارات ص 406 و الإصابة: يزيد بن قيس. و في الإصابة: له إدراك و كان رئيسا كبيرا...

كان مع علي في حروبه و ولاه شرطته ثم ولاه بعد ذلك أصبهان و الري و همدان.

[ (2) ]نسخته في كتاب الغارات للثقفي ص 407 و شرح النهج لابن أبي الحديد 1/280.

[ (3) ]في المصدرين: و اعراضكم عن دينكم، و توثبكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة.

[ (4) ]سورة فصلت من الآية 46.

[ (5) ]الجند: ولاية باليمن. و اليمن ثلاث ولايات: الجند و مخاليفها و صنعاء و مخاليفها و حضرموت و مخاليفها. و الجند مدينة منها (مراصد الاطلاع) .

[ (6) ]يزيد بن قيس. مر التعليق حوله.

[ (7) ]كذا و في كتاب الغارات ص 408 و شرح النهج لابن أبي حديد 1/281 فقالوا: نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا عبيد اللّه و سعيدا.

231

إلينا من قبلك لنبايعك على يديه و إلا كتبنا إلى علي فاعتذرنا إليه مما كان منا- و السلام‏[ (1) ]-.

خبر بسر بن‏[أبي‏]أرطاة الفهري‏[ (2) ]و ما قتل من شيعة علي بن أبي طالب بأرض اليمن‏

قال: فعندها دعا معاوية بسر بن‏[أبي‏]أرطاة الفهري و هو أحد فراعنة الشام، فعقد له عقداو ضم إليه أربعة[ (3) ]آلاف رجل من نجبة رجال أهل الشام، ثم قال له:

سر إلى اليمن سيرا عنيفا حتى تأخذ بيعة الناس، فإنهم قد خالفوا عليا، و انظر أن تجعل طريقك على مكة و المدينة، فلا تنزلن بلدا أهله في طاعة عليّ إلا بسطت لسانك عليهم حتى يظنوا أنك محيط بهم و أنه لا نجاة لهم منك، ثم اصفح عنهم بعد ذلك و ادعهم إلى البيعة[لي‏][ (4) ]فمن أبى عليك فاستعمل السيف، و اقتل كل من نابذك حتى تدخل أرض اليمن.

قال: فخرج بسر بن‏[أبي‏]أرطاة في أربعة آلاف فارس من دمشق يريد المدينة، و على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري من قبل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فلما أحس بخيل بسر أنها قد شارفت المدينة خرج منها هاربا خوفا على نفسه، قال: و خرج أهل المدينة إلى بسر يستقبلونه خوفا منه على أنفسهم، فلما نظر إليهم صاح بهم و انتهرهم، ثم قال: شاهت الوجوه!إن اللّه تعالى ضرب لكم مثلا قَرْيَةً كََانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهََا رِزْقُهََا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكََانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللََّهِ فَأَذََاقَهَا اَللََّهُ لِبََاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمََا كََانُوا يَصْنَعُونَ [ (5) ]فقد وقع بكم هذا المثل و أنتم أهل [ (1) ]زيد في كتاب الغارات: و فيه:

معاوي ألا تسرع السير نحونا # بايع عليا أو يزيد اليمانيا

(يريدون يزيد بن قيس الأرحبي) .

[ (2) ]هو بسر بن أبي أرطأة-أو ابن أرطأة-بن عويمر بن عمران بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.

انظر خبر مسيره إلى اليمن في الطبري 6/80 الكامل لابن الأثير 2/430 الغارات للثقفي ص 409 شرح النهج لابن أبي الحديد 1/273 تاريخ اليعقوبي 2/197.

[ (3) ]الطبري و اليعقوبي و ابن الأثير: ثلاثة آلاف.

[ (4) ]عن كتاب الغارات. و انظر وصية معاوية لبسر في تاريخ اليعقوبي 2/197 و كتاب الغارات ص 411 و شرح النهج لابن أبي الحديد 1/282.

[ (5) ]سورة النحل الآية 112.

232

لذلك لأن بلادكم هذه قد كانت مهاجر نبيكم صلّى اللّه عليه و سلّم و منازل الخلفاء من بعده، فلم تشكروا نعمة اللّه ربكم، و لم ترعوا حق أئمتكم حتى قتل خليفة اللّه بين أظهركم، فكنتم بين قاتل‏و خاذل و شاتم‏[ (1) ]و متربص، أما و اللّه لأفعلن بكم الأفاعيل و لأجعلنكم أحاديث كالأمم السالفة، يا أشرار الأنصار و حلفاء اليهود!و يا أسماء العبيد!إنما أنتم بنو النجار و بنو دينار و بنو سالم و بنو زريق و بنو طريف و بنو عجلان، أما و اللّه لأوقعن بكم وقعة تشفي صدور المؤمنين!قال: ثم دخل المدينة فصعد المنبر و تكلم بنظير ذلك الكلام، حتى خاف أهل المدينة أن يوقع بهم، فقال له حويطب بن عبد العزى‏[ (2) ]و هو على المنبر: أيها الأمير!عشيرتك و قومك و أنصار نبيك و ليسوا بقتلة عثمان، فاللّه اللّه إليهم!قال: فلم يكلمه بسر بن‏[أبي‏]أرطاة بشي‏ء غير أنه مكث و كف عن بعض الكلام، و أمر بدور قوم من الأنصار فحرقت‏[ (3) ]و هدمت، ثم دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه، ثم أرسل إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري ليأتيه فلم يفعل، و ذلك أنه كان شيخا كبيرا، فهمّ بقتله، حتى أرسلت إليه أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و سألته الأمان له، فقال بسر: لا و اللّه لا أؤمنه حتى يبايع معاوية، قال:

فبايع جابر بن عبد اللّه معاوية على الكره منه‏[ (4) ]، و أقام بسر بالمدينة أياما حتى أخذ البيعة لمعاوية، ثم نادى في الناس فجمعهم ثم قال: يا أهل المدينة!إني قد صفحت عنكم و ما أنتم لذلك أهل، لأنه ما من قوم قتل إمامهم بين أظهرهم فلم يدفعوا عنه بأهل أن يعفى عنهم، و إن نالتكم العقوبة في الدنيا فإني أرجو أن لا تنالكم رحمة اللّه عزّ و جلّ في الآخرة، ألا!و إني استخلفت عليكم أبا هريرة فاسمعوا له و أطيعوا، و إياكم و الخلاف!فو اللّه لئن عدتم لمعصية لأعودن عليكم بالهلاك و قطع النسل.

[ (1) ]كتاب الغارات و شرح ابن أبي الحديد: شامت.

[ (2) ]هو حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود العامري أسلم عام الفتح و شهد حنينا و كان من المؤلفة قلوبهم عاش 120 سنة و مات سنة 54 (الإصابة) .

[ (3) ]من الدور التي أحرقت: دار زرارة بن جرول أحد بني عمرو بن عوف، و دار رفاعة بن رافع الزرقي، و دار أبي أيوب الأنصاري (كتاب الغارات لابن هلال ص 414 شرح النهج لابن أبي الحديد 1/ 284) .

[ (4) ]و قد قال لأم سلمة لما قالت له أرى أن تبايع، قال: ما ذا ترين؟إن هذه بيعة ضلالة و قد خشيت أن أقتل (الطبري 6/80 و انظر تاريخ اليعقوبي 2/198 و كتاب الغارات ص 415) .

233

ثم سار من المدينة يريد مكة، و بها يومئذ قثم بن العباس‏[ (1) ]، فخرج عنها هاربا خوفا على نفسه، حتى إذا أشرف بسر بن‏[أبي‏]أرطاة على مكة خرج إليه أشراف أهلها، فلما نظر إليهم انتهرهم و شتمهم، ثم قال: أما و اللّه لو لا خلة واحدة أوصاني بها أمير المؤمنين معاوية لما تركت منكم أحدا يمشي على وجه الأرض.

قال: فقال له أشراف مكة: أيها الأمير!فإنا نذكرك اللّه في بيضتك و عشيرتك‏و أهل حرم اللّه و حرم رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم، قال: فسكت بسر و لم يتكلم بشي‏ء.

و سار حتى جاز بئر ميمون‏[ (2) ]جعل الناس يهربون بين يديه خوفا منهم على أنفسهم، قال: و نظر بسر إلى غلامين من أحسن الغلمان هيئة و جمالا و هما هاربان فقال: عليّ بهما!فأتي بهما حتى وقفا بين يديه، فقال لهما: من أنتما؟فقال أحدهما: أنا قثم و هذا أخي ابنا عبيد اللّه‏[ (3) ]بن عباس بن عبد المطلب، فقال بسر:

اللّه أكبر!أنتما ممن أتقرب بكما و بسفك دمائكما إلى اللّه تعالى!قال: ثم أمر بهما فذبحا ذبحا[ (4) ]، و بلغ ذلك أمهما[ (5) ]فجزعت عليهما طويلا ثم أنشأت تقول‏[ (6) ]:

ها من أحس بابني اللذين هما # قلبي و سمعي فقلبي اليوم مختطف

ها من أحس بابني اللذين هما # كالدرتين تشظى عنهما الصدف‏[ (7) ]

[ (1) ]مرت الإشارة إليه و انظر أسد الغابة.

[ (2) ]بئر ميمون: بمكة منسوب إلى ميمون بن الحضرمي حفرها بمكة في الجاهلية و عندها قبر أبي جعفر المنصور (معجم البلدان) .

[ (3) ]بالأصل: عبد اللّه خطأ.

[ (4) ]في اسميهما، و متى قتلا و المكان الذي قتلا به أقوال: قيل أحدهما عبد الرحمن و الآخر قثم. و قيل سليمان و داود و قيل كان قتلهما باليمن، و قيل كانا عند رجل من بني كنانة بالبادية و قيل إنه ذبحهما على درج صنعاء. و قيل عند بئر ميمون.

قارن مختلف هذه الأقوال في الطبري 6/80-81 الكامل لابن الأثير 2/431 شرح النهج لابن أبي الحديد 1/286-287 تاريخ ابن عساكر 3/23 تاريخ اليعقوبي 2/199 الاستيعاب 1/95 الغارات للثقفي ص 420.

[ (5) ]هي أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ، و قيل هي عائشة بنت عبد اللّه بن عبد المدان. (انظر المصادر السابقة) .

[ (6) ]الأبيات في تاريخ اليعقوبي 2/199 ابن الأثير 2/431 الغارات ص 420 شرح النهج لابن أبي الحديد 1/286 الاستيعاب 1/65 باختلاف بعض الألفاظ-قارن معها.

[ (7) ]تشظى: تطاير شظايا. و الصدف غشاء الدرة واحدها صدفة.

234

من دل والهة حرّى مدلهة # على جبينين ضلا إذ غدا السلف‏[ (1) ]

ها من أحس بابني اللذين هما # مخ العظام فمخي اليوم مزدهف‏[ (2) ]

نبئت بسرا و ما صدّقت ما زعموا # من إفكهم و من القول الذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابنيّ مرهفة[ (3) ] # من الشفار كذاك الإثم يقترف‏

قال: ثم دخل عدو اللّه إلى مكة فطاف بالبيت و صلى ركعتين و قام فقال:

الحمد للّه الذي جمع لنا أمرنا، و أعز دعوتنا، و كبت‏[ (4) ]عدونا بالقتل و التشريد، هذا علي بن أبي طالب بناحية من العراق في‏[ (5) ]قلة و ذلة، قد سلبه اليوم جزيل عطائه‏[ (5) ] و أسلمه اليوم بجريرته، و هذا معاوية بن أبي سفيان ولي الأمر و الطالب بدم الخليفة عثمان بن عفان، فبايعوه و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. قال: فبايع الناس معاوية بالكره منهم، و هم في ذلك ناقمون على بسر بن‏[أبي‏]أرطاة لوقعته في علي بن أبي طالب.

قال: و أقام بسر بن‏[أبي‏]أرطاة بمكة أياما، ثم عاد و دعا بشيبة بن عثمان العبدري‏[ (6) ]و استخلفه على أهل مكة، و قال: يا أهل مكة!اعلموا أني قد صفحت عنكم بعد أن كان رأيي استئصالكم، فإياكم و الخلاف!فو اللّه لئن خالفتم لأقتلن‏[ (7) ] الرجال منكم، و لأحوين الأموال، و لأخرين الديار، و لأفنين الصغار و الكبار.

قال: ثم سار يريد الطائف‏[ (8) ]، حتى إذا دنا منها خرج إليه المغيرة بن شعبة فاستقبله و كلمه في قومه، فقال: أيها الأمير!إنه لم يزل يبلغنا عنك منذ خرجت من الشام شدتك على عدو أمير المؤمنين عثمان بن عفان، و كنت في ذلك محمودا عندنا، و إنك أيها الأمير متى كان عدوك و وليك عندك في منزلة واحدة تأثم في ربك [ (1) ]الوله ذهاب العقل.

[ (2) ]مزدهف: أي قد ذهب به.

[ (3) ]مرهفة يقال أرهف السيف أي رققه فهو مرهف، قاطع.

[ (4) ]في كتاب الغارات: و أذلّ.

[ (5) ]في كتاب الغارات: في ضنك و ضيق، قد ابتلاه اللّه بخطيئته، و أسلمه..

[ (6) ]بالأصل: العبدي تحريف. و قد مرّ.

[ (7) ]في كتاب الغارات: لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل، و تحرب المال، و تخرب الديار.

[ (8) ]في شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد 1/285 و الغارات للثقفي ص 418 أن المغيرة كتب إلى بسر حين علم بخروجه من مكة إلى الطائف. و نسخته فيهما باختلاف يسير. ـ

235

و تعرى‏[ (1) ]الناس بك. قال: فأمسك بسر و لم يؤذ أحدا من أهل الطائف، ثم نزل و دعا برجل من أصحابه فأرسله إلى قبالة[ (2) ]و بها يومئذ قوم من شيعة علي رضي اللّه عنه، فأمر بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم‏[ (3) ].

قال: ثم سار بسر إلى نجران‏[ (4) ]و بها يومئذ رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يقال له عبد المدان فسماه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم عبد اللّه‏[ (5) ]، و كان من شيعة علي رضي اللّه عنه، فقتله بسر بن‏[أبي‏]أرطاة و قتل ابنا له يسمى مالكا، فأنشأ بعض بني عمه يقول‏[ (6) ]:

فلو لا أن أخاف صيال بسر # بكيت على بني عبد المدان‏

[ (7) ] قال: ثم جعل بسر يتهدد أهل نجران بالقتل و يقول لهم‏[ (8) ]: يا إخوان اليهود و النصارى!أما و اللّه لئن بلغني عنكم أمر أكرهه من ولايتكم علي بن أبي طالب لأرجعن عليكم بالخيل و الرجال ثم لأكثرن فيكم القتل، فانظروا لأنفسكم فقد أعذر من أنذر.

قال: ثم سار بسر بن‏[أبي‏]أرطاة إلى بلاد همذان و بها قوم من أرحب من شيعة علي بن أبي طالب، فقتلهم عن آخرهم.

[ (1) ]في كتاب الغارات: و تغري بك عدوك.

[ (2) ]كذا، و في الغارات و شرح النهج و معجم البلدان: تبالة، و هي موضع ببلاد اليمن. بينها و بين الطائف ستة أيام.

[ (3) ]كذا بالأصل، و يفهم من غارات ابن هلال أنهم أنقذوا في آخر لحظة و كانوا قد أخرجوا ليقتلوا فجاء كتاب بسر بالعفو عنهم ص 419 و انظر شرح النهج لابن أبي حديد 1/285.

[ (4) ]نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة (انظر مراصد الاطلاع) .

[ (5) ]في الطبري 6/80 عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي. و في كتاب الغارات ص 423: عبد اللّه الأصغر بن عبد المدان، و كان يقال له عبد الحجر.

(سمي بالأصغر لأن له أخا اسمه عبد اللّه و كلاهما من الصحابة) .

[ (6) ]في كتاب الغارات لابن هلال ص 423: «فبكاهما شاعر قريش» و في الإصابة ترجمة عبد اللّه بن عبد المدان ذكر الشاعر و هو عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب و كان صديقا لعبد اللّه.

[ (7) ]البيت في كتاب الغارات:

و لو لا أن تعنفني قريش # بكيت على بني عبد المدان‏

و بعده فيه:

لهم أبوان قد علمت معدّ # على أبنائهم متفضلان‏

[ (8) ]انظر مقالته في تاريخ اليعقوبي 2/199 و الغارات لابن هلال ص 423.

236

ثم سار إلى جيشان‏[ (1) ]و بها يومئذ خلق من شيعة علي رضي اللّه عنه، فقتلهم عن آخرهم.

ثم سار يريد صنعاء و بها يومئذ عبيد اللّه بن عباس من قبل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فلما بلغه خبر بسر دعا برجل يقال له عمرو بن أراكة[ (2) ]فاستخلفه على صنعاء و خرج عنها هاربا، و أقبل عدو اللّه حتى دخل صنعاء فأخذ عمرو بن أراكة فضرب عنقه صبرا، و جعل يتلقط من كان بصنعاء من شيعة عليّ فيقتلهم حتى لم يبق منهم أحد.

و خرج من صنعاء يريد حضرموت فلما دخلها جعل يسأل عن كل من يعرف أحدا من موالاة علي فيقتله حتى قتل خلقا كثيرا. قال: ثم أقبل إلى رجل من ملوكهم يقال له عبد اللّه بن ثوابة و هو في حصن له، فلم يزل يختدعه و يحلف له حتى استنزله من حصنه ثم أمر بقتله، فقال له ابن ثوابة: أيها الرجل!إني لا أعلم ذنبا لنفسي يوجب القتل فعلام تقتلني؟فقال له بسر: بقعودك عن بيعة معاوية و تفضيلك علي بن أبي طالب، فقال ابن ثوابة: فذرني حتى أصلي ركعتين أختم بهما عملي، فقال بسر: صلّ ما بدا لك فإني قاتلك. قال: فصلى عبد اللّه بن ثوابة ركعتين فعجل عن إتمامهما، و قطع بالسيف إربا إربا.

و بلغ ذلك علي بن أبي طالب‏[ (3) ]فاغتم لذلك غما شديدا، ثم إنه نادى الناس فجمعهم ثم خطبهم،

فحمد اللّه و أثنى عليه و قال‏[ (4) ]: أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى لا يخفى عليه ما العباد عاملون في ليلهم و نهارهم، فاتقوا اللّه عباد اللّه في أمره و نهيه، و بعد فإني أخبركم أن بسر بن‏[أبي‏]أرطاة عدو اللّه قد توجه إلى أرض اليمن من قبل معاوية، و قد سلك طريق الحجاز في جمع عظيم من أهل الظلم و العدوان، و فعل كذا و كذا و أحرق و هدم، و ما بسر برح اللّه بسرا فلقد باع الآخرة بالدنيا،

[ (1) ]جيشان: مخلاف باليمن شمالي لحج و غربي بلاد يافع.

[ (2) ]كذا بالأصل و كتاب الغارات ص 424 و شرح النهج لابن أبي حديد 1/287 و في الطبري 6/80 و ابن الأثير 2/431 و اليعقوبي 2/198 إن عبيد اللّه بن العباس استخلف عبد اللّه بن عبد المدان.

و انظر ترجمة لابن اراكة-أو ابن أبي اراكة في الاستيعاب و الإصابة.

[ (3) ]أبلغه الخبر ابن قيس بن زرارة الشاذي (الشاكري نسبة إلى بني شاكر فخذ من همذان) عن كتاب الغارات للثقفي ص 427.

[ (4) ]قارن مع تاريخ اليعقوبي 2/198 و كتاب الغارات ص 427 و ص 428.

237

فلينتدب له منكم أهل الجنة و الجهاد و طلاب الأجر و الثواب، فإن ترك المجاهدة المستحق للجهاد نقص في الدين مع الذل و الصغار. قال: فلم يجبه أحد منهم بشي‏ء، فقال لهم علي: ما لكم لا تردون جوابا و لا ترجعون قولا؟أدعوكم إلى جهاد عدوكم‏سرا و جهرا فلم يزدكم دعائي إلاّ فرارا، أ تتناشدون الأشعار و تتسلون عن الأسفار؟تربت يداكم لقد نسيتم الحرب و الاستعداد لها فأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها. قال: فلم يجبه أحد منهم بشي‏ء، فقال: أو ليس من العجب أن معاوية يأمر فيطاع و يدعو فيجاب، و آمركم فتخالفون و أدعوكم فلا تجيبون، ذهب و اللّه أولو النهى و الفضل و التقى الذين كانوا[ (1) ]يقولون فيصدقون و يدعون فيجيبون و يلقون عدوهم فيصبرون، و بقيت في حثالة قوم لا ينتفعون بموعظة و لا يفكرون في عاقبة، لقد هممت أن أشخص عنكم فلا أطلب نصركم ما اختلف الجديدان‏[ (2) ]، و إني لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و كأني بكم و قد ولاّكم من بعدي من يحرمكم عطاءكم و يسومكم سوء العذاب، و اللّه المستعان و عليه التكلان. فلما فرغ علي رضي اللّه عنه و نظر أنه ليس يجيبه أحد انصرف إلى منزله.

خطبة ثانية قال: فلما كان من الغد عاد إلى المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (3) ]:

أيها الناس!و اللّه لقد خشيت أن‏[ (4) ]يدال هؤلاء القوم منكم لمعصيتكم إمامكم في الحق و طاعتهم إمامهم في الباطل، و بأدائهم الأمانة و خيانتكم، و اجتماعهم على باطلهم‏و تفرقكم عن حقكم، استعملت فلانا ففعل ذلك، و لو ائتمنت أحدكم على قدح‏[ (5) ]لخشيت أن يذهب بعلاقته، أيها الناس!استعدوا للجهاد في عدوكم الذي قد شنّ عليكم الغارات في كل وجه ليلا و نهارا، و ذروا التثاقل و الصمم‏ إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللََّهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ [ (6) ].

قال: فما أجابه أحد منهم بشي‏ء، فقال علي كرم اللّه وجهه: إني قد كرهتهم‏

[ (1) ]في كتاب الغارات: كانوا يلقون فيصدقون، و يقولون فيعدلون، و يدعون فيجيبون.

[ (2) ]الجديدان: الليل و النهار.

[ (3) ]نهج البلاغة خطبة رقم 25.

[ (4) ]نهج البلاغة: ان هؤلاء القوم سيدالون منكم.

[ (5) ]نهج البلاغة: قعب.

[ (6) ]سورة الأنفال، الآية 22.

238

و كرهوني‏[ (1) ]، و مللتهم و ملوني، فأرحني منهم و أرحهم مني، اللّهم و ابدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني، اللهم‏[ (2) ]أمت قلوبهم ميت الثلج في الماء.

قال: فوثب إليه جارية[ (3) ]بن قدامة السعدي فقال: يا أمير المؤمنين!مرني بأمرك فإني لك حيث أحببت، فقال علي رضي اللّه عنه: لعمري أنت لها!فإنك ميمون النقيبة[ (4) ]مبارك الأثر حسن النية صادق‏[ (5) ]العشيرة. قال: ثم ضم إليه علي رضي اللّه عنه ألفي فارس و أمره بالمسير إلى بسر بن‏[أبي‏]أرطاة و أوصاه وصية و عهد إليه عهدا فقال: يا جارية[ (3) ]!عليك بتقوى اللّه عزّ و جلّ، و إذا صرت إلى بلاد اليمن و إلى الموضع الذي أمرتك بالمسير إليه فلا تحتقر مسلما و لا معاهدا، و لا تغصبن لأحد مالا و لا دابة، و صلّ الصلوات الخمس لوقتها و اذكر اللّه كثيرا.

قال: فخرج جارية[ (6) ]من العراق يريد مكة، و بلغ ذلك بسر بن‏[أبي‏] أرطاة، فخرج عن بلاد اليمن و صار إلى أرض اليمامة، فأخذ عليهم بيعة معاوية و أشخص معه جماعة من أهل الشام يريد الشام، و قد قتل من الناس بأرض اليمن و غيرها نيفا عن ثلاثين ألف من شيعة علي بن أبي طالب، و بلغ ذلك عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، فخرج في طلبه في زهاء ألف رجل من نجبة فرسان اليمن، فلحقه قبل أن يدخل الشام، فواقعه فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و قتله‏[ (7) ]فيمن قتل و أحرقه بالنار، و انهزم أصحابه هزيمة قبيحة حتى صاروا إلى [ (1) ]في نهج البلاغة: اللّهم إني قد مللتهم و ملوني، و سئمتهم و سئموني...

[ (2) ]في شرح النهج: اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء.

[ (3) ]عن الطبري 6/81 و تاريخ اليعقوبي 2/198 و شرح نهج البلاغة 1/288 و الغارات لابن هلال ص 427.

[ (4) ]بالأصل: التقية، و ما أثبتناه عن كتاب الغارات ص 427.

[ (5) ]في كتاب الغارات: صالح.

[ (6) ]بالأصل: حارثة.

[ (7) ]كذا بالأصل. و الرواية بيّنة الضعف، و خطأها فادح من وجوه:

أولها: أن بسر بن أبي أرطأة عاش إلى أيام الوليد بن عبد الملك و مات سنة 86 (تهذيب التهذيب) .

ثانيها: لم ترد هذه الرواية في أي من المصادر التي أرخت لمسير بسر إلى اليمن (الطبري-اليعقوبي- شرح نهج البلاغة) .

ثالثها: أن عبيد اللّه بن العباس و سعيد بن نمران و بعد فرارهما أمام بسر خرجا يطلبان الكوفة حيث قدما على علي (رض) (الغارات لابن هلال) .

رابعها: أن المصادر تحدثت عن مسير جارية بن قدامة لملاقاة بسر بن أبي أرطأة باليمن و أنه أغذّ السير

239

معاويةفخبّروه الخبر. قال: و خرج جارية[ (1) ]بن قدامة من العراق يقتل الخيل قتلا و هو يرجو أن يدرك بسر بن‏[أبي‏]أرطاة، حتى إذا صار في بعض الطريق بلغه ما قد نزل ببسر فحمد اللّه على ذلك، ثم إنه سار حتى صار إلى مكة فدخلها مغضبا، فقال: يا أهل مكة!أخاف أن تكونوا من الذين‏ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ (2) ]قال: ثم أخذ بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏[ (3) ].

ثم سار من مكة إلى الطائف‏[ (4) ]فلم يرد أحدا من أهلها و لم يظلمه، لكنه أخذ البيعة و جددها لعلي كرم اللّه وجهه، فلم يزل كذلك حتى سكن الناس و أمنهم و وعدهم و مناهم، فلم يعاقب أحداو لا قتل أحدا إلا قوما من اليهود قد كانوا أسلموا ثم ارتدوا عن الإسلام، فقتلهم و أحرقهم بالنار بعد القتل، فأنشأ الجون بن قتادة يقول:

تهوّد أقوام بصنعاء بعد ما # أقرّوا بآيات الكتاب و أسلموا

فسرنا إليهم في الحديد يقودنا # أخو ثقة ماضي الخيار مصمم

قتلناهم بالسيف صبرا و بعده # شببنا لهم نارا عليهم تضرّم

حفرنا لهم لما طغوا و تمرّدوا # أخاديد فيها للأراذل مجثم‏

قال: ثم رجع جارية بن قدامة من اليمن إلى مكة، فأقام بها ثلاثة أيام حتى أخذ البيعة ثانية لعلي بن أبي طالب. ثم أقبل إلى المدينة، فلما دخلها استقبله الناس يدعون له، فقال: يا أهل يثرب!أما أنا أعلم أن فيكم الشامت بما فعله [ () ] حتى يلحق به حتى انتهى إلى بلاد اليمن، و بلغ بسرا الخبر فأخذ طريقه على الجوف. و اتبعه جارية حتى أخرجه من اليمن كلها و واقعه في أرض الحجاز. و أقام بعد ذلك جارية بجرش نحو شهر يستريح، و تابع بسر سيره حتى وصل إلى معاوية.

خامسها: ما ورد عن المدائني أن عبيد اللّه بن عباس التقى مع بسر في مجلس معاوية و تشاتما و تسابا (شرح النهج 1/289) .

[ (1) ]بالأصل حارثة خطأ.

[ (2) ]سورة البقرة الآية 14.

[ (3) ]كذا، و يستفاد من رواية اليعقوبي أن جارية قدم مكة و قد قتل عليّ (رض) فأخذ البيعة للحسن بن علي (2/199 و انظر الطبري 6/87) .

[ (4) ]كذا، و في الطبري و تاريخ اليعقوبي: ثم سار حتى أتى المدينة... قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي فبايعوه، و أقام يومه ثم خرج منصرفا إلى الكوفة.

240

بسر بن‏[أبي‏]أرطاة و أيم اللّه لو أني أعلم الشامت منكم بذلك لبدأت به كائنا من كان. قال: ثم رجع جارية[ (1) ]إلى الكوفة حتى دخل على علي‏[ (2) ]رضي اللّه عنه فخبره بما كان منه بأرض اليمن و مكة و المدينة.

خبر عبد اللّه بن عباس و زياد بن أبيه و أبي الأسود الدؤلي و ما جرى بينهم‏

قال: ثم بعث علي إلى عبد اللّه بن العباس و هو عامله على البصرة يأمره أن يخرج إلى الموسم فيقيم الحج للناس. قال: فدعا عبد اللّه بن عباس بأبي الأسود الدؤلي‏[ (3) ]فاستخلفه على صلاة البصرة، و دعا بزياد بن أبيه فجعله على الخراج، و تجهز عبد اللّه بن عباس و خرج إلى الموسم.

قال: و جرت بين أبي الأسود و زياد بن أبيه منافرة، فهجاه أبو الأسود و قال فيه هذه الأبيات:

ألا بلغا عني زيادا رسالة # يحثّ إليه حيث كان من الأرض

فما لك من ورد إذا ما لقيتني # يقطّع دوني طرف عيني كالمغضي

و ما لي إذا ما أخلف الودّ بيننا # أمرّ القوى منه (و) تعمل في النقض

ألم تر أني لا أكوّن شيمتي # يكوّن غول الأرض في الطول و العرض‏

قال: ثم بلغ أبا الأسود بعد ذلك‏[أن‏]زيادا يشتمه و يقول فيه القبيح، فأنشأ يقول‏[ (4) ]:

نبئت أن زيادا ظل يشتمني # و القول يكتب عند اللّه و العمل

قد[ (5) ]لقيت زيادا ثم قلت له # من قبل ذلك ما جاءت به الرسل‏[ (6) ]

[ (1) ]بالأصل: حارثة.

[ (2) ]انظر ما مرّ قريبا.

[ (3) ]هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس... بن الياس بن مضر بن نزار. من وجوه التابعين و فقهائهم و محدثيهم (انظر الأغاني 12/297) .

[ (4) ]الأبيات في الأغاني 12/312.

[ (5) ]الأغاني: و قد.

[ (6) ]الأغاني:

و قبل ذلك ما خبّت به الرسل.

241

حتّام تذكرني في كل مجتمع # عرضا و أنت إذا ما شئت تنتقل‏[ (1) ]

حتّام تشتمني حتّام تذكرني # و قد ظلمت و تستعفى و تنتصل

ثم تعود و تنسى ما يوافقني # و العذر يندم (و) النسيان و العجل‏

قال: و قدم عبد اللّه بن العباس من الحج، فأقبل إليه زياد بن أبيه فشكا إليه أبا الأسود الدؤلي و ذكر أنه قد هجاه، فأرسل إليه ابن عباس فدعاه فقال: أما و اللّه لو كنت من البهائم لكنت جملا، و لو كنت للجمل راعيا لما بلغت به المرعى و لا أحسنت القيام عليه في الماء، ما لك و للأحرار!تهجوهم و تقول فيهم القبيح و تذكر أعراضهم بما لا يجب، اخرج عني، فعل اللّه بك و فعل‏[ (2) ]! قال: فخرج أبو الأسود من عند ابن عباس مغضبا، ثم كتب إلى علي بن أبي طالب‏[ (3) ]: أما بعد، فإن اللّه تبارك و تعالى قد جعلك يا أمير المؤمنين واليا مؤتمنا و راعيا مسؤولا[ (4) ]، و لقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحا للرعية، توفر عليهم حقوقهم‏[ (5) ]و تزجر نفسك عن دنياهم، و لا تأكل أموالهم و لا ترتشي في أموالهم‏[ (6) ]، و ان ابن عمك هذا قد أكل مال اللّه بغير حق، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك اللّه فيما ههنا و اكتب إليّ برأيك فيما أحببت من ذلك-إن شاء اللّه-.

قال: فكتب إليه علي رضي اللّه عنه‏[ (7) ]:

أما بعد، فمثلك‏نصح الإمام و الأمة و دل على الحق، و قد كتبت إلى صاحبك فيما ذكرت من أمره و لم أعلمه بكتابك إليّ، فلا تدعن إعلامي بما يكون بحضرتك ما فيه النظر لأمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فإنه واجب عليك في دينك-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

[ (1) ]البيت في الأغاني:

حتام تسرقني في كل مجمعة # عرضي، و أنت إذا ما شئت منتفل‏

[ (2) ]انظر رواية الطبري 6/81 و ابن الأثير 2/432 باختلاف.

[ (3) ]كتاب أبي الأسود إلى علي (رض) في الطبري 6/81 و ابن الأثير 2/433 العقد الفريد 4/ 354.

[ (4) ]الطبري و ابن الأثير: راعيا مستوليا.

[ (5) ]الطبري: فيئهم، و تظلف نفسك.. و عند ابن الأثير: و تكف نفسك.

[ (6) ]الطبري و ابن الأثير: أحكامهم.

[ (7) ]الطبري 6/82 ابن الأثير 2/433 و العقد الفريد 4/355.

242

قال: ثم كتب علي إلى عبد اللّه بن العباس‏[ (1) ]:

أما بعد، يا ابن العباس! فقد بلغني عنك أمور اللّه أعلم بها، فإن تكن حقا فلست أرضاها لك، و إن تكن باطلا فإثمها على من اقترفها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعلمني في جوابه ما أخذت من مال البصرة، من أين أخذته، و فيم وضعته.

قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد علمت الذي بلغك عني، و إن الذي أبلغك الباطل، و إني لما تحت يدي لضابط و حافظ، فلا تصدق أقوال الوشاة ما لم يكن، و أما تعظيمك مرزأة ما رزأته‏[ (2) ]من هذه البلدة[ (3) ]، فو اللّه لئن ألقى اللّه عزّ و جلّ بما في الأرض‏[من‏]لجينها و عقيانها و على ظهرها من طلاعها أحب إليّ من أن ألقاه و قد أرقت دماء الأمة، فابعث إلى عملك من أحببت فإني معتزل عنه- و السلام-.

قال: ثم اعتزل ابن عباس عمل البصرة و قعد في منزله، فكتب إليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بكتاب يعذله فيه على غضبه و يكذب من سعى به إليه و أعاده إلى عمله.

خبر الخريت‏[ (4) ]بن راشد و خروجه على علي بن أبي طالب و خلافه عليه‏

قالوا: كان علي رضي اللّه عنه استخلف رجلا يقال له الخريت بن راشد على بلاد الأهواز قبل خروجه إلى صفين‏[ (5) ]، فلما كان بعد رجوع علي من صفين خالف [ (1) ]نهج البلاغة كتاب رقم 41، ص 580 إلى بعض عماله. باختلاف النص.

[ (2) ]رزأ المال: إذا أصاب منه شيئا.

[ (3) ]و جاء كتاب ابن عباس جوابا لكتاب أرسله إليه علي (رض) يقول فيه (العقد 4/331 من تحقيقنا) :

أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية، من أين أخذته؟و ما وضعت منها:

أين وضعته؟فاتق اللّه فيما ائتمنتك عليه و استرعيتك إياه، فإن المتاع بما أنت رازمه قليل، و تباعته وبيلة لا تبيد، و السلام. و انظر نهج البلاغة كتاب رقم 41 و الطبري 6/82 و ابن الأثير 2/433.

[ (4) ]عن الطبري 6/65 و ابن الأثير 2/417 و بالأصل «الحريث» و قد صحح في كل مواضع الخبر.

و في مروج الذهب 2/453 الحارث بن راشد الناجي. ارتد و أصحابه إلى دين النصرانية.

[ (5) ]في الطبري 6/65 أن الخريت بن راشد و ثلاثمائة من بني ناجية كانوا مقيمين مع علي بالكوفة و قد قدموا معه من البصرة-و قد شهدوا معه الجمل-ثم شهدوا صفين و النهروان.

و كان خلافه على علي بعد تحكيم الحكمين، و قد قابل عليا و قال له: لن أطيع أمرك و لا أصلي خلفك لأنك حكمت و ضعفت عن الحق و ركنت إلى القوم الذين ظلموا.

243

عليه هذا الخريت و جعل يجمع الجنود و يدعو إلى خلع علي و البراءة منه، حتى أجابه إلى ذلك خلق كثير، ثم إنه احتوى على البلاد و جبى الأموال، و بلغ ذلك عليا فدعا رجلا من خيار أصحابه يقال له: معقل بن قيس‏الرياحي، فضم إليه أربعة آلاف رجل و وجهه إلى الخريت.

قال: فسار الخريت في عشرة آلاف رجل من أهل الأهواز و من بني ناجية و مواليهم‏[ (1) ].

قال: و دنا القوم بعضهم من بعض، فقال معقل بن قيس: أيها الناس!أين الخريت بن راشد؟فليخرج إليّ فإني أريد كلامه، قال: فخرج إليه الخريت حتى واقفه، ثم قال: أنا الخريت فهات ما الذي تريد!فقال له معقل: ويحك لم خرجت على أمير المؤمنين و دعوت الناس إلى خلعه و البراءة منه و قد كنت من خيار أصحابه و أوثق الناس عنده؟فقال: لأنه حكم في حق هو له، فقال له معقل:

ويحك!أمن أهل الإسلام أنت؟قال: نعم، أنا من أهل الإسلام، فقل ما بدا لك.

فقال له معقل: خبرني لو أنك خرجت حاجا فقتلت شيئا من الصيد مما قد نهى اللّه عزّ و جلّ عنه، ثم أتيت عليا فاستفتيته في ذلك فأفتاك، هل كان عندك رضى؟ فقال: بلى، لعمري إنه عندي لرضى،

و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: أقضاكم عليّ،

فقال له معقل بن قيس: فكيف ترضى به في علمه و لا ترضى فيما حكم؟فقال: لأني لا أعلم أحدا من الناس حكم في شي‏ء هو له. فقال: يا هذا!إن الذي لا تعلمه أنت هو أكثر من الذي علمته، إنا وجدنا عليا يحكم في جميع ما اختلفنا فيه و قد رضينا بحكمه، فاتق اللّه و إياك و شق العصا!و ارجع إلى ما كنت عليه من السمع و الطاعة، فأمير المؤمنين أعلم بما يأتي و يذر، فقال الخريت: لا و اللّه لا يكون ذلك و لا تحدثت العرب به أبدا، و ما لكم عندي و لصاحبكم إلا السيف.

قال: ثم صاح بأصحابه و حمل على معقل بن قيس، و حمل عليهم معقل في أصحابه و اختلط القوم بعضهم من بعض، فقصده معقل من بين أصحابه، فضربه [ () ] انظر تفاصيل حول خلافه الطبري 6/65-66 الغارات لابن هلال ص 220 و ما بعدها، شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1/590.

[ (1) ]في الطبري 6/71 اجتمع إليه علوج من أهل الأهواز كثير أرادوا كسر الخراج و لصوص كثيرة و طائفة أخرى من العرب ترى رأيه.

244

ضربة على أم رأسه فجدله قتيلا[ (1) ]. قال: و حمل أهل الكوفة على أهل الأهواز من بني ناجية، فقتل منهم من قتل و هرب من هرب و أسر من أسر من بني ناجية، و أمر معقل بن قيس بهؤلاء الأسارى فجمعوا ثم أمر برأس الخريت بن راشد فأخذ و احتوى على أمواله، و سار إلى علي رضي اللّه عنه بالأسارى و الأموال.

خبر مصقلة بن هبيرة الشيباني و ما كان منه إلى علي و هربه إلى معاوية

قالوا: كان مصقلة بن هبيرة الشيباني أيضا عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد من بلاد الأهواز[ (2) ]، فنظر إلى هؤلاء الأسارى‏[ (3) ]الذين قد أتى بهم معقل بن قيس، كأنه اتقى عليهم أن يقتلوا، فقال لمعقل: ويحك يا معقل!هل لك أن تبيعني هؤلاء الأسارى و لا تمضي بهم إلى أمير المؤمنين؟فإني خائف أن يعجل عليهم بالقتل.

قال معقل: قد فعلت فاشترهم مني إذا حتى أبيعك. قال له مصقلة: قد اشتريتهم منك بخمسمائة ألف درهم‏[ (4) ]، قال: قد بعتك فهات المال!فقال مصقلة: غدا أعطيك المال. فسلم إليه معقل بن قيس الأسارى، فأعتقهم مصقلة بأجمعهم، فمضوا حتى لحقوا ببلادهم.

فلما كان الليل هرب مصقلة إلى البصرة إلى عبد اللّه بن العباس، قال: و كتب معقل بن قيس إلى عبد اللّه بن عباس يخبره بخبر مصقلة و ما فعل. قال: فدعا ابن عباس مصقلة فقال: هات المال!فقال: نعم و كرامة، إن معقل بن قيس أراد أن يأخذ المال مني‏و أنا فلم أحب أن أعطيه ذلك، و لكن ادفع هذا المال إليك لأنك ابن عم أمير المؤمنين و عامله على البلاد، قال ابن عباس: فقد أحسنت إذا و أصبت فهات المال.

قال: و انصرف مصقلة إلى منزله، فلما كان الليل هرب إلى الكوفة إلى [ (1) ]في الطبري 6/74 قتله النعمان بن صهبان الراسبي.

[ (2) ]كان على أردشير خره (و هي من أجل كور فارس) (الطبري 6/75) .

[ (3) ]و كانوا خمسمئة إنسان.

[ (4) ]في مروج الذهب 2/453 اشتراهم بثلاثمائة ألف درهم و أعتقهم، و أدى من المال مائتي ألف و هرب إلى معاوية. و في الطبري 6/75: بألف ألف درهم. و في كتاب الغارات ص 246 و شرح ابن أبي الحديد 1/601 فكالأصل بخمسمائة ألف. ـ