نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - ج3

- محمد بن علي التنوخي المزيد...
337 /
5

الجزء الثالث‏

مقدمة

مقدمة المحقق‏

<ربّ أعن> أقدم لقراء العربية، هذا الجزء الذي اعتبرته جزءا ثالثا، من كتاب نشوار المحاضرة، و أخبار المذاكرة، للقاضي أبي عليّ المحسّن بن عليّ التنوخي.

و كان هذا الجزء من جملة المخطوطات التي اشتملت عليها مكتبة العلامة أحمد تيمور بالقاهرة، أوصلها إلى المجمع العلمي العربي بدمشق المستشرق المعروف الأستاذ مرجليوث، فنشرها المجمع تباعا في مجلته في السنة 1932 و اعتبرها الجزء الثاني من النشوار.

و لما كان الجزء الثاني من النشوار، قد تعيّن بظهوره في مخطوطة اصطنبول، وفقا لما فصّلت في مقدمة الجزء الأول، و قد أكملت تحقيقه و نشره منذ حين.

لذلك، فقد اعتبرت هذه المخطوطة، جزءا ثالثا من أجزاء النشوار، و أرجو أن أوفق في إصدار الأجزاء التالية له، وفقا لما وعدت به من قبل.

و من اللّه أسأل التأييد و الإعانة، و الحفظ و الصيانة، إنّه عزيز حميد، فعّال لما يريد.

بحمدون 5/11/1971 عبود الشالجي المحامي‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين قد قدّمت فيما قبل هذا الجزء من هذه الأخبار، عن سبب جمعي لها، و أفصحت عن معناي‏ (1) فيها، و كرّرت ذلك في رسالة كل جزء، و إن تغيّرت العبارة، إمّا تصريحا أو إشارة، و أعلمت قارئها، و مكرّر النظر فيها، أنّها نوع لم أسبق إلى كتبه، لأنها مقصورة في الأكثر، على أن يتذاكر بها، لاحتوائها على ضروب من الأحاديث السابقة و السالفة في زماننا، التي تظلم عندي بأن لا تكتب، و تعمّدت خلطها بفنون من طريف السير و الحكايات، و حديث الاتفاقات و المنامات، و غريب الرقى و الامتحانات، و أخبار ضروب الناس من أهل‏[الحرف‏]و المهن و الصناعات، و الملوك و الرؤساء و أهل [المروآت‏]، و غيرهم من الأخلاط و الأوساط، و عجيب‏[الأخبار] و المعاملات، و تلميعها بطريّ الشعر، و جديد[الملحة و النثر، ممّن‏]ضمّني و إياه دهر، دون أن يقارب‏[2]زماني زمانه، و اشتهر حذقه و إحسانه، و شرحت العلّة في ترك تبويبها، و استفادة خلطها دون ترتيبها، و نبّهت على الفوائد التي تتضمّن و تجمع، و اعتذرت مع ذلك، إلى من لعلّها لا تنفق عليه، أو تكسد و تبور لديه، بأن قلت: إنّها على كلّ حال، خير من مواضعها بياضا، و ذكرت

____________

(1) في الأصل: معنى.

8

أنّها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم، و اشتهى قراءة ما يدلّه على أخلاق أهل الأزمنة، و سننهم، و طرائقهم، و عاداتهم، و أن يقايس بين ما نحن فيه، و ما مضى، ليعلم كيف ماتت الدنيا، و انقلبت الأهواء، و انعكست الآراء، و فقدت المكارم، و كثرت المحن و المغارم، و هلك أهل الفضل و التفضّل، و تلف أهل الستر و التجمّل، و صغرت الهمم، و تلاشت النعم، و فقد الجمال، و عدم النبل و الجلال، في أكثر الخصال، و جمهور الرجال.

و حقّا أقول، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة، حتى يرى ما حصلنا عليه، و دفعنا إليه‏[3]، ما شكّ في قيام الساعة، أو أنّ الناس بدّلوا بهائم مهملة، أو جعلوا آلات غير مستعملة، لفقد الأحرار، و شدّة الإعسار، و بطول المكاسب، و تواتر النوائب، و حدوث السنن القبيحة، و العوائد المسبّبة الفضيحة، و نسأل اللّه العظيم، فرجا عاجلا، و صلاحا للعالم شاملا، إنّه سميع مجيب، رحيم ودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد، و هو تعالى حسبنا و نعم الوكيل و المعين.

9

1 الأمين لا يتهم‏

حدّثني أبو العبّاس محمد بن نصر الشاهد (1) ، قال:

كان أبو عبد اللّه جعفر بن القاسم الكرخيّ‏ (2) ، كتب إلى أبي جعفر بن معدان‏ (3) ، أن يختار له وكيلا، ينظر له في ضيعته بالأهواز، فاختار له عمر ابن محمد الأشجعيّ، صاحبه، فنظر في الضيعة سنين.

ثم ولي الكرخيّ الأهواز، و وردها، فطالب الأشجعيّ بالحساب، فرفعه، و تتبّعه كاتبه، فخرّجوا عليه فيه ستة آلاف دينار.

فأمر الكرخيّ، فلوزم الأشجعيّ‏[4]في دهليزه، و طولب بالمال، فكتب إلى ابن معدان بخبره.

قال: و كان رسم الكرخيّ، أن يستدعي أبا جعفر بن معدان، في كلّ يوم، إلى طعامه، فاستدعاه في ذلك اليوم، فتأخّر، و راسله، بأنّه من كان صاحبه، و ثقته، و اختياره، متّهما، مسلّطا عليه محالات الكتاب، معتقلا، لا يستدعى للمؤاكلة.

قال: فامتنع الكرخيّ من الأكل، و أنفذ إليه الأشجعي، مع كاتب له، و الحساب، و قال: و اللّه ما كنت بالذي أدع محالا يستمرّ على صاحبك، و ما أخرج عليه إلاّ شيئا صحيحا، و قد يجوز أن يكون ضيّع ذلك، و لم

____________

(1) أبو العباس محمد بن نصر بن أحمد بن محمد بن مكرم، ابن أخي مكرم بن أحمد القاضي:

ترجم له الخطيب في تاريخه 3/320.

(2) أبو عبد اللّه جعفر بن القاسم الكرخي: ترجمته في حاشية القصة 2/70 من النشوار.

(3) أبو جعفر محمد بن جعفر بن معدان الشاهد بالأهواز: كان يخلف القاضي أبا جعفر أحمد ابن إسحاق بن البهلول على الوقوف، راجع القصة 3/93 من النشوار.

10

يتناوله، و لعمري إنّ من يكون اختيارك، و ثقتك، لا يخون، و لم يك ملازما، و إنّما أجلسته انتظارا لك، لتجي‏ء فتدبّر أمره، و إذا كان ذلك قد شقّ عليك، فمالي لك، و هذا الرجل و الحساب، إن شئت أن تستوفي لي ذلك، أو بعضه، أو تدعه جميعه، فافعل، و لا تتأخّر عني، فلست آكل، أو تجي‏ء.

قال: فأطلق الأشجعي إلى منزله‏[5]، و ركب هو إلى الكرخيّ، ثم لم يعاود أحدهما صاحبه في معنى الأشجعيّ بكلمة، و فاز بالدنانير.

و مضت القصة على ذلك.

2 يرى مناما فيمزق كتابا

حدّثني القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الرحمن بن أحمد بن مروان‏ (1) ، قال: حدّثني خالي محمد بن هارون، قال: قال لي بعض أصحابنا:

كنت في بعض اللّيالي، أنظر في كتاب التشريح لجالينوس، فغلبتني عيني، فرأيت هاتفا، يهتف بي، و يقرأ:

مََا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ، وَ لاََ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، وَ مََا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً (2) .

فاستيقظت، و مزّقت الكتاب‏ (3) .

____________

(1) أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللّه بن مروان: ترجم له الخطيب في تاريخه 2/320، و قال إنه سكن البصرة و أظنه بها مات.

(2) . 52 ك الكهف 18.

(3) وردت القصة في الورقة 79 من مخطوطة برلين‏ Wet 122.

11

3 القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه‏

و حدّثني القاضي أبو بكر (1) ، قال: حدثني مكرّم بن بكر (2) ، قال:

كنت في مجلس أبي خازم القاضي‏ (3) ، فتقدّم رجل شيخ، و معه غلام حدث، فاستدعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا.

فقال له: ما تقول؟. فأقرّ.

قال: فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه.

فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك‏[6]في أن تنقده البعض، و تسأله الإنظار؟ قال: لا.

فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه.

قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما، إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.

قال: فقلت لأبي خازم، و كانت بيننا مودّة و أنسة: لم أخّر القاضي حبسه؟ فقال: ويحك إنّي أعرف في أكثر الأحوال، في وجوه الخصوم،

____________

(1) أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللّه بن مروان.

(2) أبو بشر مكرم بن بكر بن محمود بن مكرم: ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه 13/221 و قال إن أحاديثه مستقيمة، راجع القصة 1/19 من النشوار.

(3) أبو خازم القاضي، عبد الحميد بن عبد العزيز: راجع القصص 1/38 و 1/126 و 8/5 و ترجمته في حاشية القصة 1/38 من النشوار.

12

وجه المحقّ من المبطل، و قد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، و قد وقع لي أنّ سماحة هذا بالإقرار، هي عن بليّة، و أمر يبعد عن الحقّ، و ليس في ملازمتهما بطلان حقّ، و لعله أن ينكشف لي من أمرهما شي‏ء، أكون معه في الحكم على ثقة، أ ما رأيت قلّة تغاضبهما في المناظرة؟و قلّة اختلافهما؟و سكون جأشهما، مع عظم المال، و ما جرت عادة الأحداث بفرط التورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا، عجلا، بمثل هذا المال.

قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبي‏[7]خازم، لبعض وجوه تجّار الكرخ، و مياسيرهم، فأذن له، فدخل، و سلّم عليه، و سبّب لكلامه، فأحسن، ثم قال:

قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان و البلاء، عند مقيّن‏ (1)

يعرف بفلان، -و أسماه-فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرّني إلى غرم له، و إن عذلته عن ذلك، و عدّدت حالي معه، طال، و أقربه اليوم، إنّه قد نصب المقيّن، ليطالبه بألف دينار عينا، و يجعل ذلك دينا حالا، و بلغني أنّه قد تقدّم إلى القاضي، فيطالبه، فيحبس، و أقع مع أمّه في بليّة و تنغيص عيش، إلى أن أؤدّي ذلك عنه إلى المقيّن، فإذا قبضه المقيّن، حاسبه به من الجذور (2) .

و لما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره اللّه تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب.

فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسّم، و قال لي: كيف رأيت؟

____________

(1) المقين: الذي يجمع القيان في داره، و يجتمع الناس عنده لاستماع غنائهن، و يجتعل على ذلك، و القيان يدعون الآن بالارتيستات.

(2) الجذر: أجر المغني.

13

قال: فقلت: هذا، و مثله، من فضل اللّه عزّ و جلّ، على‏[مولانا القاضي‏]و جعلت أدعو[8]له.

فقال: عليّ بالغلام و الشيخ، فأدخلا.

فأرهب أبو خازم الشيخ، و وعظ الغلام، فأقرّ الشيخ أنّ الصورة كما بلغت القاضي، و أن لا شي‏ء له عليه.

و أخذ الرجل بيد ابنه، و انصرفا.

4 أبو جدي كنية التيس‏

قال لي القاضي‏ (1) :

كان مكرم‏ (2) هذا، من فضلاء الرجال، و علمائهم، و كنت أرى رجلا يدعوه: أبا جدي‏ (3) .

فقلت له: ما غرضك؟ فقال: أ لست تعلم أنّ أبا الجدي، هو التيس‏ (4) .

____________

(1) القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللّه بن مروان: ترجمته في حاشية القصة 3/2 من النشوار.

(2) أبو بشر مكرم بن بكر بن محمود بن مكرم القاضي: ترجمته في حاشية القصة 3/3 من النشوار.

(3) الجدي: ولد المعز في السنة الأولى، و يسميه البغداديون: صخل، بفتح الصاد و الخاء.

(4) التيس: هو الذكر من المعز و الوعول.

14

5 لأبي علي الحاتمي في الأمير سيف الدولة

أنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفّر (1) الحاتميّ، قصيدة له في سيف الدولة (2) ، و هي:

دنوّ فراق خلّف الصبر نائيا # و وجد محبّ غادر الدمع جاريا

وقفت بمغنى الشوق أنشد أهله # فحاكى بلى جسمي هناك المغانيا

حكى نفسي فيها صباها و أدمعي # حياها و أعضاي الطلول البواليا

يذكر فيها[9]:

و كفّل أرواح العداة إلى الوغى # حساما مليّا بالذي رام وافيا

له صفحة تنبو على أنّ حدّه # يبيد أعاديه و يغني المواليا

كذا النار تهدي في الضلالة ساريا # و تحرق من عادت، و تنفع صاليا

جعلت الظبى كأسا تدير دم العدى # و وقع الظبى الألحان و الحرب ساقيا

فإن كان بيت المال أصبح عاطلا # لديك فقد أضحى بك المجد حاليا (3)

____________

(1) في الأصل: المطهر، و التصحيح من المنتظم 7/205 و الأنساب للسمعاني 149 و الأعلام للزركلي 6/312، هو محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أديب نقاد، من أهل بغداد، له مؤلفات في نقد شعر المتنبي و في الأدب، توفي سنة 388.

(2) الأمير سيف الدولة الحمداني: ترجمته في حاشية القصة 1/44 من النشوار.

(3) وردت القصة في الورقة 79 من مخطوطة برلين‏ Wet 122.

15

6 ما قاله أحد ملوك الهند

أنشدني أحمد بن عبد اللّه المعروف بالبختريّ‏ (1) ، القاضي، البغدادي، لأبي العلاء صاعد بن ثابت‏ (2) ، قال أنشدني لنفسه:

ثنتان من همّتي ما ينقضي أسفي # عليهما أبدا من خيفة الفوت

لم أحب منتجع الدنيا بجملتها # و لا حميت الورى من صولة الموت‏[10]

فاجتمعت‏ (3) مع أبي العلاء صاعد، بعد ذلك، بواسط، في جمادى الأولى سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، فسألته عن البيتين، فقال: غلط عليّ، و ما أخبرته أنهما لي.

فقلت: فلمن هما؟.

فقال: كان أبو الحسن داود، كاتب الوقف بالبصرة، حدّثني، بإسناد ذهب عني: إنّ ملكا من ملوك الهند، حارب ملكا، فقتل في المعركة، فألفاه بعض أصحابه طريحا بين القتلى، و فيه بقيّة من الروح، فنزل إليه، فقال: هل لك حاجة؟فأنشده لنفسه شعرا، فسّر، و نقل، فكان هذان البيتان، في جملة الشعر.

____________

(1) أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إبراهيم بن البختري الداودي: كان موصوفا بالعلم و الفضل، ناب عن القضاة ببغداد (الوافي بالوفيات 7/81) ، راجع القصة 8/79 من النشوار.

(2) أبو العلاء صاعد بن ثابت النصراني: ترجمته في حاشية القصة 1/28 من النشوار.

(3) الضمير يعود للمؤلف.

16

7 من شعر أحد الكتاب في بيمارستان البصرة

أخبرني أبو القاسم حسين بن محمد بن نبيل، كهل كان من أولاد الجند ببغداد، فخرج إلى الأهواز، و أقام بها يكتب لعليّ بن أحمد الخراساني، حاجب معز الدولة، و كان أديبا سمّاعة لكتب أهل الأدب، و كان إماميّ المذهب، قال:

رأيت في بيمارستان البصرة، رجلا من الكتّاب محبوسا، يقول‏[11] الشعر، فأنشدني لنفسه:

أدافع نفسي بالتعلّل و الصبر # و أمنع نفسي بالحديث عن الفكر

و أرجو غدا حتى إذا جاءني غد # تزايد بي همّي فيسلمني‏ (1) صبري

فلا الهمّ يسليني و لا الغمّ ينقضي # و لا فرح يأتي سوى أدمع تجري

إلى اللّه أشكو ما ألاقي فإنّه # عليم بأنّي قد تحيّرت في أمري‏ (2)

قال: و أنشدني لنفسه أيضا:

أيّ شي‏ء يكون أقبح منّا # إن نقضنا عهد الإخاء و خنّا

إنّ في حرمة المودّة أن نغضي # جميعا على الخيانة منّا

و إذا ما أصابنا الدهر بالعين # رددناه بالتغافل عنّا

قال: و أنشدني لنفسه:

____________

(1) في مخطوطة برلين رقم‏ Wet 122: فيسلبني.

(2) وردت الأبيات مكررة في النشوار: راجع القصة 8/100 من النشوار، كما وردت في الورقة 79 من مخطوطة برلين‏ Wet 122.

17

ما بال دمعك، أين الدمع يا عيني # عسى أصابتك عين الدهر بالعين

إنّي لأجزع من فقد البكاء كما # قد كنت أجزع قبل البين للبين‏[12]

8 مدائح قيلت في أبي القاسم التنوخي والد المحسّن‏

كان يلزم أبي‏ (1) ، بالأهواز، شاعر يعرف بأبي الخير، صالح بن لبيب، فدخل إليه يوما، و أنا حاضر، فأعطاه رقعة صغيرة، فقرأها أبي، و تبسّم، و أمر له في الحال بدراهم، و انصرف.

فأخذت الرقعة، فإذا هي بخطّه، و فيها:

يا من أراق له السماح ندى # أضحى به الأحرار في رقّ

فضلا سبقت العالمين به # و الفضل مقصور على السبق

ألزمت نفسك غير لازمها # و عرفت لي حقّين لا حقّي‏

و دخل إليه يوما شاعر يعرف بالهمذاني، لا أعرف اسمه، و لا نسبه، فدفع إليه رقعة، فيها:

كفى القاضي رضاي بما ارتضاه # و لم أذمم رضاي و لا رضاه‏

فأمر له في الحال، بجائزة سنيّة.

____________

(1) أبو القاسم علي بن محمد التنوخي القاضي، والد المؤلف: ترجمته في حاشية القصة 2/74 من النشوار.

2 ن 3

18

9 من نظم عضد الدولة

أنشدني غير واحد، من الشيرازيّين، للأمير عضد الدولة، أبي شجاع ابن ركن الدولة، أبي علي‏[13]:

بهطّة (1) قصّر عن وصفها # من يدّعي الأوصاف بالزور

كأنّها في الجام مجلوّة # لآلئ في ماء كافور

و له أيضا:

رأيت بساطا للزبرجد ناضرا # قد ابرز أطرافا تعدّ قحافا

قحافا من البلور ملأى و فرّغا # و ممزوجة فيه رفعن سجافا

تدير رءوسا (2) للندامى كئوسها # و تترك أحلام الحليم سخافا

و قال أيضا:

نحرنا بيننا دنّا # فعاد الليل إصباحا

و داجا نحره مثل # الغرابين إذا صاحا (3)

____________

(1) البهطة: الأرز يطبخ باللبن و السمن بلا ماء، سندية.

(2) في الأصل: تحث كئوسا.

(3) أوردت في ترجمة عضد الدولة، إن نظمه بالعربية لا يرتقي إلى مرتبة الشعر، و أورد الآن رأي أحد ندمائه في شعره، منقولا من كتاب الهفوات النادرة ص 58، قال: كان النابغ و الهائم، بحضرة عضد الدولة يوما، يلعبان بالشطرنج، فغاصا في الفكر لدستهما، فأنشد أحدهما:

و أبو القاسم يروي شعرنا # حسن ذاك و يأتي بالخبر

و الشعر لعضد الدولة، أبي شجاع بن بويه، فقال له الآخر: أف منك و من هذا الشعر، فأعاد ذاك إنشاد البيت، على مذهب الشطرنجيين في مغايظة ملاعبيهم، و تكرار ما يثقل عليهم، فقال له: هذه شعرة، لا شعر، فردده، و كرر ذاك، السب للشعر و قائله، و عضد الدولة يسمعهما، إلى أن فرغا من دسهما، و نهض و استدعى أبا علي بن محمد أستاذ الدار، و تقدم إليه، بضربهما مائتي سوط، و أن يأمرهما بأن لا يتكلما بعد يومهما على الشطرنج بشي‏ء، ففعل ذلك، و عرفا ما كان منهما، و أنه السبب فيما جرى عليهما.

19

10 من رسالة لأبي القاسم التنوخي‏

حدّثني أبو العلاء صاعد بن ثابت‏ (1) ، قال:

كتب إليّ القاضي أبو القاسم عليّ بن محمد التنوخي‏ (2) ، جواب كتاب كتبته إليه:

وصل كتابك.

فما شككت و قد جاء الرسول به # أنّ الشباب أتاني بعد ما ذهبا (3)

[14]

____________

(1) أبو العلاء صاعد بن ثابت النصراني: ترجمته في حاشية القصة 1/28 من النشوار.

(2) والد مؤلف النشوار: ترجمته في حاشية القصة 2/74 من النشوار.

(3) راجع القصة 4/33 من النشوار، يتضح من أخبار أبي العلاء صاعد بن ثابت، أن علاقته بالقاضي أبي القاسم التنوخي، والد صاحب النشوار، قديمة العهد، لارتباطهما بالوزير المهلبي، إذ كان التنوخي نديمه (معجم الأدباء 5/333 و 334) و صاعد خليفته على الوزارة (القصة 1/28 من النشوار) و لما توفي التنوخي الأب، انتقلت الصلة إلى الابن (القصة 3/6 من النشوار) ، و زاد الصلة قوة، ان ابن بقية، وزير بختيار، طاردهما معا، فالتجأ التنوخي إلى البطيحة (الفرج بعد الشدة 1/48) و اعتقل صاعد (تجارب الأمم 2/366) و قرر الوزير قتله، و لكنه اعتقل قبل تنفيذ قراره، فأطلق صاعد (تجارب الأمم 2/374) و لعل فساد الصلة بينهما و بين ابن بقية، من جملة الأسباب التي قدمتهما عند عضد الدولة، راجع القصص 3/118 و 4/42 و 43 و 44 من النشوار.

20

11 كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة

حدّثني أبو يعلى محمّد بن يعقوب البريديّ الكاتب‏ (1) ، قال:

لمّا قصدت سيف الدولة (2) أكرمني، و أنس بي، و أنعم عليّ، و كنت أحضر ليلا في جملة من يحضر.

قال: فقال لي ليلة من الليالي: كان قتل أبيك، أبرك الأشياء عليّ.

فقلت: كيف ذاك، أطال اللّه بقاء مولانا؟ قال: لمّا رجعنا من بغداد (3) ، اقتصر بي أخي ناصر الدولة (4) ، على نصيبين‏ (5) ، فكنت مقيما فيها، و لم يكن ارتفاعها يكفيني، فكنت أدافع الأوقات، و أصبر على مضض من الإضاقة مدّة.

ثم بلغتني أخبار الشام، و خلوّها إلاّ من يأنس المؤنسي‏ (6) ، و كون ابن

____________

(1) أبو يعلى محمد بن أبي يوسف يعقوب بن محمد البريدي، و أبو يوسف أحد الإخوة الثلاثة الذين عاثوا في العراق فسادا، راجع ترجمة أبي يوسف في حاشية القصة 1/166 من النشوار.

(2) الأمير سيف الدولة الحمداني: ترجمته في حاشية القصة 1/44 من النشوار.

(3) كان ذلك سنة 331 (تجارب الأمم 2/39-45) .

(4) الأمير ناصر الدولة الحمداني: ترجمته في حاشية القصة 1/77 من النشوار.

(5) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل بين الموصل و الشام، قالوا إن فيها و في قراها أربعين ألف بستان، تبعد ستة أيام عن الموصل (معجم البلدان 4/787) راجع أخبار سيف الدولة 210، أقول: و هي الآن بليدة.

(6) يأنس المؤنسي: غلام مؤنس، قائد تركي، ولي الموصل سنة 321 ثم التحق بالاخشيد فانتدبه لحفظ البلاد الشامية، و في السنة 333 حارب سيف الدولة، فكسره سيف الدولة، و في السنة 334 حاصر سيف الدولة دمشق فاستأمن إليه يأنس و التحق به، ثم غدر به و ملك حلب و ظل فيها أشهرا، ثم طرده سيف الدولة فانحاز إلى الاخشيد مجددا (أخبار سيف الدولة 368 و 371 و 373 و 374 و الكامل 8/272) .

21

طغج‏ (1) بمصر بعيدا عنها، و رضاه بأن يجعل يأنس عليها، و يحمل إليه الشي‏ء اليسير منها، ففكّرت في جمع جيش، و قصدها، و أخذها، و طرد يأنس، و مدافعة ابن طغج، إن سار إليّ، بجهدي، فإن قدرت على ذلك، و إلاّ كنت قد تعجّلت من أموالها، ما تزول به إضاقتي مدّة، و وجدت جمع الجيش لا يمكن إلاّ بالمال‏[15]، و ليس لي مال، فقلت: أقصد أخي، و أسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه، يزيح هو علّتهم‏ (2) ، و يعطيني شيئا من المال، و أخرج بهم، فيكون عملي، زائدا في عمله، و عزّه.

قال: و كانت تأخذني حمى ربع‏ (3) ، فرحلت إلى الموصل‏ (4) على ما بي، و دخلت إلى أخي، و سلّمت عليه.

فقال: ما أقدمك؟ فقلت: أمر أذكره بعد.

فرحّب، و افترقنا.

فراسلته في هذا المعنى، و شرحته له، فأظهر من المنع القبيح، و الردّ الشديد، غير قليل.

ثم شافهته، فكان أشدّ امتناعا.

____________

(1) أبو بكر محمد بن طغج الاخشيد صاحب مصر، ولد ببغداد و تقلب في أعمال الدولة، و ولي مصر فاستولى عليها و على الشام، توفي سنة 334 (الأعلام 7/44) .

(2) يعتبر الجيش مزاح العلة، إذا كان أفراده قد أعطوا أرزاقهم، و سدت نفقاتهم، و عرضت دوابهم و بغالهم.

(3) حمى الربع: بكسر الراء: الحمى التي تجي‏ء كل رابع يوم.

(4) الموصل: إحدى قواعد بلاد الإسلام، قليلة النظير، كبرا، و عظما، و كثرة خلق، وسعة رقعة، و هي محط رحال الركبان، و منها يقصد إلى جميع البلدان، تقع على دجلة، و مقابلها نينوى (معجم البلدان 4/682) ، أقول: و من جملة أسمائها الآن، الحدباء، و أم الربيعين، و رأس العراق.

22

و طرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا، فردّهم.

قال: و كان لجوجا، إذا منع من الأوّل، شيئا يلتمس منه، أقام على المنع.

قال: و لم يبق في نفسي، من يجوز أن أطرحه عليه، و أقدّر انّه يجيبه، إلاّ امرأته الكرديّة، والدة أبي تغلب‏ (1) .

قال: فقصدتها، و خاطبتها في حاجتي، و سألتها مسألته.

فقالت: أنت تعلم خلقه، و قد ردّك، و إن سألته عقيب ذلك، ردّني أيضا، فأخرق جاهي عنده، و لم يقض‏[16]الحاجة، و لكن أقم أيّاما، حتى أظفر منه، في خلال ذلك، بنشاط، أو سبب أجعله طريقا للكلام، و المشورة عليه، و المسألة له.

قال: فعلمت صحّة قولها، فأقمت.

قال: فإنّي جالس بحضرته يوما، إذ جاءه برّاج‏ (2) ، بكتاب طائر، عرّفه سقوطه من بغداد.

فلما قرأه، اسودّ وجهه و استرجع، و أظهر قلقا و غمّا، و قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، يا قوم، المتعجرف، الأحمق، الجاهل، المبذّر، السخيف الرأي، الردي‏ء التدبير، الفقير، القليل الجيش، يقتل الحازم، المرتفق، العاقل، الوثيق الرأي، الضابط، الجيّد التدبير، الغنيّ، الكثير الجيش؟إنّ هذا لأمر عجيب.

قال: فقلت له: يا سيّدي ما الخبر؟ فرمى بالكتاب إليّ، و قال: قف عليه.

____________

(1) فاطمة بنت أحمد الكردية: كانت مالكة أمر ناصر الدولة، و هي أم أبي تغلب و أبي البركات و جميلة أولاد ناصر الدولة (الكامل 8/593) .

(2) البراج: الموكل ببرج الحمام الزاجل.

23

فإذا هو كتاب خليفته ببغداد، بتاريخ يومه‏ (1) ، يقول: في هذه الساعة، تناصرت الأخبار، و صحّت بقتل أبي عبد اللّه البريدي‏ (2) ، أخاه أبا يوسف و استيلائه على البصرة.

قال: فلما قرأت ذلك، مع ما سمعته من كلامه‏[17]، متّ جزعا و فزعا، و لم أشكّ أنّه يعتقدني كأبي عبد اللّه البريديّ، في الأخلاق التي وصفه بها، و يعتقد في نفسه أنّه كأبي يوسف، و قد جئته في أمر جيش و مال، و لم أشكّ أنّ ذلك سيولّد له أمرا في القبض عليّ، و حبسي، فأخذت أداريه، و أسكّن منه، و أطعن على أبي عبد اللّه البريديّ، و أزيد في الاستقباح لفعله، و تعجيز رأيه، إلى أن انقطع الكلام.

ثم أظهرت له، إنّه قد ظهرت الحمّى التي تجيئني، و إنّه وقتها، و قد جاءت، فقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه.

فركبت دابّتي، و حرّكت إلى معسكري، و قد كنت منذ وردت، و عسكري ظاهر البلد، و لم أنزل دارا.

قال: فحين دخلت إلى معسكري، و كان بالدير الأعلى‏ (3) ، لم أنزل، و قلت لغلماني: ارحلوا، الساعة، الساعة، و لا تضربوا بوقا، و اتبعوني.

و حرّكت وحدي، فلحقني نفر من غلماني، و كنت أركض على وجهي، خوفا من مبادرة ناصر الدولة إليّ بمكروه‏[18].

____________

(1) في الأصل: يومين.

(2) آل البريدي: راجع حاشية القصة 1/4 من النشوار.

(3) الدير الأعلى: بالموصل في أعلاها، على جبل مطل على دجلة، يضرب به المثل في رقة الهواء و تحته عيون كبريت تشفي من أمراض الجلد و المفاصل (معجم البلدان 2/644) .

24

قال: فما عقلت، حتى وصلت إلى بلد (1) ، في نفر قليل من أهل معسكري، و تبعني الباقون.

فحين وردوا، نهضت للرحيل، و لم أدعهم أن يراحوا، و خرجنا.

فلما صرنا على فرسخ من بلد، إذا بأعلام و جيش لاحقين بنا، فلم أشكّ أنّ أخي أنفذهم للقبض عليّ.

فقلت لمن معي: تأهّبوا للحرب، و لا تبدءوا، و حثّوا السير.

قال: فإذا بأعرابيّ، يركض وحده، حتى لحق بي، و قال: أيّها الأمير، ما هذا السير المحثّ؟خادمك دنحا، قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة، و يسألك أن تتوقّف عليه حتى يلحقك.

قال: فلما ذكر دنحا، قلت: لو كان شرّا، ما ورد دنحا فيه.

فنزلت، و قد كان السير كدّني، و الحمّى قد أخذتني، فطرحت نفسي لما بي، و لحقني دنحا، و أخذ يعاتبني على شدّة السير، فصدقته عمّا كان في نفسي.

فقال: اعلم انّ الذي ظننته انقلب، و قد تمكّنت لك في نفسه هيبة، بما جرى، و بعثني إليك برسالة، يقول لك: إنّك قد كنت جئتني تلتمس كيت‏[19]و كيت، فصادفت منّي ضجرا، و أجبتك بالردّ، ثم علمت أن الصواب معك، فكنت منتظرا أن تعاودني في المسألة، فأجيبك، فخرجت من غير معاودة و لا توديع، و الآن، إن شئت فأقم بسنجار (2) ، أو بنصيبين، فإنّي منفذ إليك ما التمست من المال و الرجال، لتسير إلى الشام.

____________

(1) بلد: مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بسبعة فراسخ (معجم البلدان 1/715) .

(2) سنجار: مدينة مشهورة من أراضي الجزيرة تبعد ثلاثة أيام عن الموصل و مثلها عن نصيبين (معجم البلدان 3/158) .

25

قال: فقلت لدنحا: تشكره، و تجزيه الخير، و تقول كذا و كذا، أشياء واقفته عليها، و تقول: إنّي خرجت من غير وداع، لخبر بلغني في الحال، من طروق الأعراب لعملي، فركبت لألحقهم، و تركت معاودة المسألة تخفيفا، فإذا كان قد رأى هذا، فأنا ولده، و إن تمّ لي شي‏ء، فهو له، و أنا مقيم بنصيبين، لأنتظر وعده.

قال: و سرت، و رجع دنحا، فما كان إلاّ أيّام يسيرة، حتى جاءني دنحا، و معه ألف رجل، قد أزيحت عللهم، و أعطوا أرزاقهم و نفقاتهم، و عرضت دوابّهم و بغالهم، و معهم خمسون ألف دينار، و قال: هؤلاء[20] الرجال، و هذا المال، فاستخر اللّه، و سر.

قال: فسرت إلى حلب، و ملكتها، و كانت وقائعي مع الإخشيديّة، بعد ذلك، المعروفة، و لم تزل بيني و بينهم الحرب، إلى أن استقرّت الحال بيننا، على أن أفرجوا لي عن هذه الأعمال‏ (1) ، و أفرجت لهم عن دمشق، و ما وراءها، و أمنت ناصر الدولة، و استغنيت عنه.

و كل ذلك، فسببه قتل عمك لأبيك‏ (2) .

____________

(1) راجع في أخبار سيف الدولة: ص 31، سبب رغبة الاخشيد في مصالحة سيف الدولة.

(2) نقل القصة صاحب كتاب أخبار سيف الدولة ص 404.

26

12 لأبي علي الحاتمي يمدح‏

أنشدني أبو عليّ الحاتميّ‏ (1) ، فصلا من رسالة عملها إلى بعض الرؤساء في صفته:

أفكاره همم إيعاده نقم # و عوده قسم تأميله عصم

ألفاظه حكم أوطانه حرم # ألحاظه نعم آلاؤه ديم

تبغي الخلائق أن يحصوا فضائله # و دون ذلك ما تستنفذ الكلم

و لو أرادوا جميعا كتم معجزه # أبى له اللّه ما يأتون و الكرم‏[21]

تبغي مجاراته في فعله بشر # قد قصّرت منهم عن كعبه القمم

و كيف يسطاع فعل أو يرام علا # ما ليس تدركه الأوهام و الفهم‏

____________

(1) أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي: ترجمته في حاشية القصة 3/5 من النشوار.

27

13 يعطي و يمنع لا بخلا و لا كرما

حدّثني بعض الأهوازيين، قال:

رأيت أبا الحسن المنبريّ، الشاميّ، الطائيّ، الشاعر، بالأهواز، على باب الحسن بن علي المنجم‏ (1) ، و هو عاملها، يتردّد مدّة، و كان قد امتدحه.

قال: فتذاكرنا شدّة تلوّن أخلاق المنجّم، و جنونه، و نواميسه في وقت، و عدوله عن ذلك في وقت آخر.

ثم قلت له: فأين أنت منه؟ فقال: ما آيس من ردّه، و لا أطمع في وعده.

قلت أنا: و هذا كأنّه مأخوذ من الأبيات التي هجي بها الحسن بن رجاء، و هي مشهورة، فلذلك لم أوردها على جملتها.

و الأخير من الأبيات هو:

لكنّها خطرات من وساوسه # يعطي و يمنع لا بخلا و لا كرما[22]

____________

(1) الحسن بن علي بن زيد المنجم، غلام أبي نافع: كان يخدم القاسم بن دينار عامل الأهواز، ثم التحق بخدمة القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي، والد صاحب النشوار، و توكل له في داره و ضيعته بالأهواز، ثم اتصل بالأمير معز الدولة، فرقاه، حتى نصبه عاملا على الأهواز، و كان محله عنده كمحل وزرائه، راجع القصة 1/4 من النشوار.

28

14 بحث في معرفة السارق‏

حكي لي عن بعض الصالحين، في إخراج السّرق، قال:

تأخذ قدحا فيه ماء، و تأخذ خاتما، فتشدّه فيه بشعرة، و تدليه في القدح، و تكتب خمس رقاع، فيها أسماء المتّهمين بالسّرقة، و تكتب: السارق، في القدح، و تضع رقعة، تكتب فيها اسم من تتّهمه، على حرف القدح، و تقرأ عليه: وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ، خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1) .

فإذا ضرب الخاتم القدح، نظرت في الرقعة (2) ، فإنّ السارق، هو صاحب الاسم، و إن لم يضرب القدح، فتضع أخرى، فإن السارق هو، إذا ضرب.

____________

(1) . 171 ك الأعراف 7.

(2) في الأصل: الرقاع.

29

15 آيات لإعادة الآبق‏

و قال لي في الآبق‏ (1) :

تكتب فاتحة الكتاب مدوّرة، و يكتب في وسطها، كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ، ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ، إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا، وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً. فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ (2) ، اللّهم اجعل الأرض علوها، و سفلها، و سهلها، و جبلها[23]، و برّها، و بحرها، في قلب فلان بن فلان، أضيق من مسك‏ (3) شاة، حتى يرجع.

____________

(1) الآبق: المملوك الفار من سيده.

(2) . 40 م النور 24.

(3) المسك و جمعه مسك و مسوك: الجلد.

30

16 السرج و اللجام في جهاز كل عروس‏

تذاكرنا في مجلس ببغداد، حضره أبو عليّ محمد بن منصور الشاهد، المعروف بابن كردي، حديث غلبة النساء على الرجال، إلا النفر من الرجال.

فقال لي أبو علي: كان لنا شيخ فاضل، من أهل القطيعة (1) ، كان يضرب لنا في هذا مثلا، فيقول:

إنّ في جهاز العروس إلى زوجها، سرجا و لجاما (2) ، فإذا انقضت أيّام العرس، إن سبق الرجل إلى السرج، فأسرج المرأة، و وضع اللجام في رأسها، و ركبها، ملك عليها أمرها، و إن تراخى لحظة، وضعت هي السرج على قفاه، و اللّجام في فيه، و ركبته، فلم تنزل عنه، إلاّ بطلاق أو موت.

____________

(1) القطيعة: راجع حاشية القصة 2/68 من النشوار.

(2) لم يصل إلينا هذا التقليد، و قد أدركت الناس ببغداد منذ أكثر من خمسين سنة و هم يبعثون مع جهاز العروس، بدلة كاملة مما يلبس الزوج، يخيطها خياطه، و يؤدي أهل الزوجة ثمنها، و تكون ضمن جهاز العروس، و ما يزال هذا التقليد جاريا.

31

17 الوزير عبيد اللّه بن سليمان و الجهبذ اليهودي سهل بن نظير

حدّثني أبو الفضل محمد بن عبد اللّه بن المرزبان الكاتب الشيرازيّ‏ (1) ، قال:

حدّثني سهل بن نظير اليهوديّ الجهبذ (2) ، قال: حدّثني جدّي سهل بن نظير، و كان يتجهبذ للوزير على قديم السنين‏[24]، منذ أيّام الفتنة، و إلى أن مات، قال:

لما نكب عبيد اللّه بن سليمان‏ (3) ، بعد كتبته للموفّق، النكبة العظيمة، كنت أتوسّم فيه الرفعة، و علوّ الحال، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر مائة دينار، و هو في الحبس، ثم أطلق، فكنت أحملها إليه، إلى أن وليّ الوزارة، فعرف لي ذلك، و بلغ بي كلّ مبلغ، و شكرني عليه أتمّ شكر.

قال: ثم إنّ عبيد اللّه، نكب جرادة الكاتب، و كانت قد جرت له عليّ الرئاسة، و على الناس و الرؤساء، و كان له إحسان سالف إليّ كثير، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر، مائة دينار، و أحدر به إلى البصرة.

قال: فبلغ ذلك عبيد اللّه بن سليمان، و أنا لا أعلم، فدخلت إليه يوما، فقال لي: يا سهل، بارك اللّه لك في عداوتنا.

قال: فقلت له: أيّها الوزير، من أنا حتى أعاديك، و أنا أخسّ كلب ببابك؟

____________

(1) أبو الفضل محمد بن عبد اللّه بن المرزبان الشيرازي الكاتب: ترجمته في حاشية القصة 2/62 من النشوار.

(2) الجهبذ: راجع حاشية القصة 1/13 من النشوار.

(3) الوزير أبو القاسم عبيد اللّه بن سليمان بن وهب: ترجمته في حاشية القصة 1/32 من النشوار.

32

قال: و أكثرت التنصّل، و التهيّب، و بكيت، و قلت: يا سيّدي، ما هذا الكلام؟إن كان شي‏ء رقى إلى الوزير[25]أيّده اللّه، عنّي، واقفني عليه، و لعلّ عندي فيه، حجّة، أو برهانا، على بطلانه.

قال: فقال لي: تحمل إلى عيال جرادة، في كل شهر مائة دينار.

قال: فقلت: أيّها الوزير، أنا ما فعلت هذا، و لا تجاسرت عليه، إنّما فعله الرجل الذي كان يحمل إلى عيال الوزير-أيّده اللّه-مائة دينار في كل شهر رعاية لحقّ إحسانه إليه، فرعى لجرادة أيضا إحسانا له إليه أيضا، فحمل إليه، مثل ما كان يحمل، إلى عيال الوزير-أيّده اللّه-.

فاحمرّ وجهه خجلا، و أطرق، و سكت مليّا، ثم تصبّب وجهه بالعرق، و قلت: قبض و اللّه عليّ، و نكبني.

قال: فأسقطت‏ (1) .

فرفع رأسه، و قال: أحسنت يا سهل، ما ترى بعد هذا منّي إنكارا (2) ، و لا بقي في نفسي عليك شي‏ء، فأجرهم على رسمهم، و لا يوحشك ما خاطبتك به.

____________

(1) كذا في الأصل، يريد: أسقط في يدي.

(2) في الأصل: منكرا، و الإنكار: الاعتراض.

33

18 عاقبة الظلم‏

حدّثني عبيد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه الأهوازيّ، قال: حدّثني أبو الفضل البلخي‏ (1) الفقيه، قال: حدّثني الخليل‏[26]بن أحمد السجستانيّ‏ (2) ، قاضيها قال:

قدم علينا صاحب جيش خراسان‏ (3) ، من قبل نصر بن أحمد (4) ، و معه خلق عظيم من الجيش، فملك سجستان، و أكثر أصحابه الفساد في البلد، و امتدّت أيديهم إلى النساء في الطرقات قهرا.

قال: فاجتمع الناس إليّ، و إلى فلان الفقيه، و قد ذكره البلخيّ و أنسيته أنا، و شكوا الحال، فمضينا معهم إلى صاحب الجيش، فدخلت إليه،

____________

(1) بلخ: مدينة من أجل مدن خراسان و أكثرها خيرا، و أوسعها غلة تحمل غلتها إلى خراسان و خوارزم (معجم البلدان 1/713) أقول: إن مدينة بلخ زالت من الوجود منذ زمن طويل، و قد أبصرت منذ سنين صورة جوية لموقع مدينة بلخ، و قد أصبحت مجموعة من طعوس الرمل، و في وسطها بقايا سور مثلم الجوانب كتب تحته إنه بقايا سور جامع مدينة بلخ، و أهل بغداد يقولون: بلخي، كناية عن العي الأبله. و ليس كذلك أهل بلخ، و لكن البلخي يجي‏ء إلى بغداد من بلد بعيد، فيدخلها في حال تعب، و هو لا يحسن العربية، و لا يعرف أحدا، فيظهر بالمظهر الذي استدعى هذه الكناية.

(2) سجستان: انظر حاشية القصة 3/60 من النشوار.

(3) خراسان: بلاد واسعة قصبتها مرو و تشمل نيسابور و هراة و بلخ و طالقان و نسا و أبيورد و سرخس (معجم البلدان 2/409) .

(4) نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني: أبو الحسن، الملقب بالسعيد، صاحب خراسان، و ما وراء النهر، و جرجان و الري، ترجمته في حاشية القصة 2/83 من النشوار.

3 ن 3

34

أنا و الفقيه، و جماعة من رؤساء البلد، و كان المبتدئ بالخطاب، الفقيه، فوعظه، و عرّفه ما يجري.

قال: فقال له: يا شيخ، ما ظننتك بهذا الجهل، معي ثلاثون ألف رجل، نساؤهم ببخارى‏ (1) ، فإذا قامت أيورهم، كيف يصنعون؟ينفذونها بسفاتج‏ (2) إلى حرمهم؟لا بدّ لهم أن يضعوها فيمن هاهنا كيف استوى لهم، هذا أمر لا يمكنني إفساد قلوب الجيش بنهيهم عنه، فانصرف.

قال: فخرجنا.

فقالت لنا العامّة: أيش قال الأمير؟ قال: و أعاد[27]عليهم الفقيه الكلام بعينه.

فقالوا: هذا القول منه فسق، و أمر بالفسق، و مكاشفة بمعصية اللّه تعالى، فهل يحلّ لنا عندك قتاله بهذا القول؟ فقال لهم الفقيه: نعم، قد حلّ لكم قتاله.

قالوا: فتأذن؟ قال: نعم.

قال: فبادرت العامّة، و انسللنا من الفتنة، فلم نصلّ المغرب من تلك الليلة، و في البلد أحد من الخراسانيّة.

قال: لأنّه اجتمع من العامّة، من لا يضبط عدده، فقتلوا خلقا عظيما من الخراسانيّة، و استحرّ القتل فيهم، و نهبت دار الأمير، و طلبوه ليقتلوه، فأفلت على فرسه، و معه كلّ من قدر على الهرب، و مضوا على وجوههم.

فما جاءنا بعدهم جيش من خراسان، أصلا.

____________

(1) بخارى: من أعظم مدن ما وراء النهر و أجلها، كانت قاعدة ملك السامانية، بينها و بين سمرقند سبعة أيام (معجم البلدان 1/517) .

(2) السفتجة: الحوالة التجارية.

35

19 خراج الأهواز في سنة خمس و ثلاثمائة

حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مهرويه، المعروف بابن أبي علان، قال: حدثني أبي أبو القاسم‏ (1) ، قال:

كنت أكتب لعبيد اللّه بن الحسن بن يوسف‏ (2) على كور الأهواز (3) ، فكتب عليّ بن عيسى‏ (4) يطالبنا بالحساب‏[28]، فتقدم إليّ أبو أحمد عبيد اللّه بن الحسن، بعمله، و بالخروج للموافقة عليه، و ذلك في سنة ست و ثلاثمائة.

قال: فجمعت الحساب، و عملت جماعة (5) لسنة خمس و ثلاثمائة، بارتفاع مال الخراج بالأهواز، و كورها، سوى الضياع، فكان مبلغ ذلك، ستة عشر ألف ألف و ثمانمائة ألف درهم و كسر، و كلها قد صحّ في الاستخراج، و لم يبق للسلطان إلاّ نيّف و أربعين ألف درهم.

قال: و كان مال الضياع، يقارب هذا، إلاّ إنّه لم يكن في حسابنا.

____________

(1) أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن مهرويه، خال والد المؤلف، راجع القصة 1/119/و 1/120 من النشوار.

(2) سماه التنوخي في القصة 1/120 أبا أحمد بن الحسين بن يوسف.

(3) كور الأهواز: راجع حاشية القصة 1/124 من النشوار.

(4) علي بن عيسى: أبو الحسن وزير المقتدر، ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(5) الجماعة: حساب جامع يرفعه العامل عند فراغه من العمل (مفاتيح العلوم 38) .

36

20 خضاب يسود الشعر

حدّثني عبد اللّه بن عمر الحارثيّ‏ (1) ، قال:

عجّل علي المشيب، فغمّني ذلك، و فكّرت في أن أخضب لحيتي، فنمت، فرأيت في النوم، كأنّي أشاور طبيبا في خضاب، فقال لي: لا تحتاج إلى خضاب، و لكن أصف لك شيئا يسوّد الشعر و يحفظ لونه، و يمنع من السواد أن يبيضّ، خذ من دهن النارجيل‏ (2) العتيق، وزن خمسة دراهم، و من الإهليلج‏ (3) الأصفر، وزن‏[29]نصف درهم، و من النوشاذر (4) ، وزن دانق‏ (5) ، و اسحق الجميع، و دفه بالدهن حتى يختلط، و اطل به الشعر، فإنه يسودّ.

فانتبهت، و قد حفظت ذلك، فعملته، فاسودّ شعري، و تأخّر الشيب عنّي دهرا طويلا.

____________

(1) أبو أحمد عبد اللّه بن عمر بن الحارث السراج الواسطي المعروف بالحارثي.

(2) النارجيل: جوز الهند.

(3) الإهليلج: شجر هندي تستعمل ثماره لتنظيف جهاز الهضم مسهلة فقابضة (لسان العرب) .

(4) النوشاذر: فارسية: نوشادر، مادة صلبة ذات طعم حامض حاد (الألفاظ الفارسية 153) .

(5) الدانق: سدس الدرهم، و الدرهم يعادل دراخمة يونانية واحدة بوزن ستين غراما (لسان العرب) .

37

21 طلاء يمنع الحبل‏

و حدّثني‏ (1) ، قال:

كنت في شبابي، أتمتّع بالجواري و المماليك، فكان العزل يثقل عليّ جدّا، فاشتريت جارية، بدنانير كثيرة، و كنت أخاف أن تحبل، فيذهب ثمنها، فنمت مشغول القلب بذلك، فأريت قائلا يقول: إذا أحببت أن لا تحمل المرأة، فخذ بنجا، و اسحقه، و اعجنه بلبن فرس، و جفّفه، و اجعله في كيمخت، و علّقه على المرأة، فإنّها لا تحبل.

فقلت له: ما سمعت هذا من طبيب.

فقال: إن أحببت أن تمتحن صحّة ذاك، فخذ هذا الدواء، و اجعله في قارورة ما، و اجعلها على النار، و أوقد تحتها، فإنّه لا يغلي، و لو مكث سنة.

قال: و انتبهت، و جرّبت ذلك، فوجدته صحيحا.

____________

(1) أبو أحمد عبد اللّه بن عمر بن الحارث السراج الواسطي المعروف بالحارثي.

38

22 الخليفة المعتضد يشهد على نفسه العدول‏

و حدّثني أيضا الحارثي‏ (1) [30]، قال: حدّثني أبي، و كان يخدم في دار الموفق، و المعتضد بعده:

إنّ المعتضد أراد أن يشهد على نفسه العدول، في كتاب، صدره:

هذا ما شهد عليه العدول جميعا، انّ أمير المؤمنين، عبد اللّه، أبا العباس المعتضد باللّه، أشهدهم على نفسه، في صحة منه، و جواز أمر.

و عرضت النسخة، على عبيد اللّه بن سليمان، فضرب عليها، و قال:

هذا لا يحسن كتبه عن الخليفة، أكتبوا: في سلامة من جسمه، و إصابة من رأيه.

____________

(1) أبو أحمد عبد اللّه بن عمر بن الحارث السراج الواسطي المعروف بالحارثي: راجع القصة 2/171 من النشوار.

39

23 الحارثي يستهدي النبيذ

قال لي الحارثي‏ (1) :

استهديت من صديق لي نبيذا (2) ، فأنفذ إليّ نبيذا حامضا، فرددته عليه، و كتبت إليه:

الجيران، أحقّ بهذا من الإخوان‏ (3) .

24 صفة نبيذ لا يسكر

و وصف لنا (4) مرة، نبيذا طريّا شربه، فقال:

«هو دواء الفهم، عمل من ثمر البلاذر» (5) .

أي هو لا يسكر، لضعف فعله.

____________

(1) أبو أحمد عبد اللّه بن عمر بن الحارث السراج الواسطي المعروف بالحارثي.

(2) النبيذ: الخمر المعتصر من التمر أو العنب.

(3) يعني انه خل.

(4) أبو أحمد عبد اللّه بن عمر بن الحارث السراج الواسطي المعروف بالحارثي.

(5) البلاذر: ثمرة شبيهة بنوى التمر و لبها مثل لب الجوز، قال ابن سينا في القانون 1/267، إن البلاذر ينفع من فساد الذكر، لكنه يهيج الوسواس و الماليخوليا، و قال ابن البيطار في الجامع 1/113، إنه جيد لفساد الذهن، نافع من النسيان، و ذهاب الحفظ، اقول:

و حب البلاذر معروف بين طلاب العلم في ذلك العصر، يستعملونه لتقوية الذاكرة و القدرة على السهر و المطالعة، و يقولون إن من أسرف في تناوله جن.

40

25 الكاتب ابن جبير يفاضل بين الوزير ابن الفرات و الوزير علي بن عيسى‏

حدّثنا أبو الفتح عبد اللّه بن محمد المروزي‏ (1) الكاتب، قال: حدّثني بعض شيوخ الكتّاب، قال‏[31]:

قال ابن الفرات‏ (2) ، لأبي منصور بن جبير، كاتبه‏ (3) ، أيّما أكفأ، أنا، أو عليّ بن عيسى‏ (4) ؟ فقال: الوزير أكفأ و أضبط.

قال: دعني من هذا.

قال: تؤمنني؟ قال: قد أمنتك.

قال: عليّ بن عيسى، إذا حضر بين يدي الخليفة، فأراد أن يكتب سرّا له، لم يحتج إلى غيره، و كتب هو، و سحا (5) ، و ختم‏ (6) ،

____________

(1) في الأصل: البرودي، و التصحيح من كتاب الوزراء 72.

(2) الوزير ابن الفرات، أبو الحسن علي بن محمد: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(3) أبو منصور عبد اللّه بن جبير النصراني: كاتب الوزير أبي الحسن بن الفرات، كان متحققا به مدلا عليه (وزراء 134) و كان من النخبة الذين رسم الوزير بأن يتغدون على مائدته كل يوم (وزراء 261) و ذكر أن الوزير أوصل إليه ما مجموعه مائة ألف دينار (وزراء 158) و عند ما قبض على ابن الفرات على أثر عزله من وزارته الأولى (وزراء 34) و الثالثة (وزراء 60) كان أبو منصور من جملة المقبوض عليهم معه.

(4) أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(5) سحا الكتاب: ربطه بالسحاة، و هي عصابة رقيقة تلف على الكتاب، ثم يلصق طرفاها لتحول دون فتح الكتاب، راجع القصة 2/79 من النشوار.

(6) ختم الكتاب يتم بوضع شي‏ء من الشمع أو الطين على طرفي السحاة الملصقين، ثم يوضع الختم على الشمع، ليبين أثره واضحا فيما إذا عبث أحد بالسحاة.

41

و خرط (1) بيده و أنفذ العمل، و أنت، لا بد لك من زنجي‏ (2) ، و لوطي صاحب دواته يقرأ، فيبطل الأمر بظهور اثنين عليه.

قال: فضّلت عليّا علينا.

قلت: لا و اللّه يا سيّدي، و لكن يكون علي بن عيسى كاتبك.

26 دناءة نديم، و لؤم أمير

حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن داسه‏ (3) :

إنّ أبا القاسم البريديّ‏ (4) ، أيّام تقلّده الأمر بالبصرة (5) ، شرب يوما، و عنده جماعة من ندمائه، فافتقد قحف‏ (6) بلّور، كان معجبا به، و طلبه الشرابيّة، فلم يعرف له خبر.

فحلف إنّهم إن لم يحضروه، ضربهم بالمقارع.

____________

(1) الخرط: وضع الكتاب بعد الختم في خريطة، و الخريطة كيس من الجلد في فوهته خيط إذا خرط أغلقت فوهته.

(2) زنجي كاتب الوزير ابن الفرات: أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل الملقب زنجي، كان يكتب لابن الفرات قبل الوزارة، و قدمه لما وزر، و أكثر أخبار ابن الفرات منقولة عنه، و عن ولده أبي القاسم إسماعيل، و قد ظلا على وفائهما لابن الفرات بعد قتله (الوزراء 30-328) .

(3) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(4) أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمد البريدي: ترجمته في حاشية القصة 1/100 من النشوار.

(5) . 332-336.

(6) القحف: إناء يشبه قحف الرأس.

42

فقال له أحدهم: لا تعجل، و لكن مر[32]بإحضار كلّ من كان البارحة حاضرا.

فأمر بإحضارهم، فجلسوا، و أنفذ الغلام إلى منزل كلّ واحد منهم، برسالة منه، أن أنفذوا القحف البلّور، الذي حملته إليكم البارحة.

فعاد أحد الرسل، من دار أحدهم، و معه القحف.

فافتضح ذلك النديم، و سقط محلّه.

و هذا، مضادّ لما حكي عن بعض الأكاسرة، إنّه كان يشرب، فوقعت عينه على غلام من غلمانه، و قد سرق صينيّة ذهب، مع ما فيها، و حملها، فأمسك الملك، و فاز بها الغلام.

فافتقدها الخزّان في الغد، و جاءوا في طلبها، فدعاهم، و قال: لا تتعبوا في طلبها، فقد أخذها من لا يردّها، و رآه من لا ينمّ عليه.

قال: فأمسكوا.

فلما كان بعد سنة، كان الملك يشرب، فدخل ذلك الغلام، فرأى عليه منطقة ذهب حسنة.

فقال له الملك سرّا: هذا من ذاك؟ فقال: نعم.

فقال: إن كان ما عندك من الدنانير التي في الصينيّة[33]، قد نفد، فعرّفني، لأدفع إليك أخرى‏ (1) .

____________

(1) وردت القصة في الورقة 79 من مخطوطة برلين رقم‏ Wet 122.

43

27 ألوان من الحجاب‏

و حدّثني‏ (1) ، قال: و حدّثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى‏ (2) ، قال:

لما قدم حامد بن العباس‏ (3) الأبلّة (4) ، يريد الأهواز (5) ، و هو وزير (6) ، خرجت لتلقّيه، فرأيت له حرّاقة (7) ، ملاّحوها خصيان بيض، و على سطحها شيخ، يقرأ القرآن، و هي مظلّلة، مستّرة.

فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حرّاقة الحرم، لا يحسن أن يكون ملاّحوها فحولة.

قال: و قال لي أبو الحسين: دخلت إلى ابن الجصّاص‏ (8) في داره ببغداد، فرأيت خصيانا بيضا مزيّنين‏ (9) .

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى: كان والده أبو علي الحسن بن المثنى من رجال البصرة، و نشأ أبو الحسين في كنفه، و درس الفقه على محمد بن جعفر بن بسام قاضي البصرة (القصة 3/29 من النشوار) و اشتهر بالفضل صغيرا، فكتب أبو خازم القاضي إلى والده الحسن بأن ينفذه إليه ليوليه القضاء، فاعتذر (القصة 3/31 من النشوار) و زاد أمره و ارتفع نجمه، ثم فلج سنين و توفي في السنة 334 (القصة 3/146 من النشوار) .

(3) الوزير حامد بن العباس: ترجمته في حاشية القصة 1/5 من النشوار.

(4) الأبلة: راجع حاشية القصة 1/119 من النشوار.

(5) الأهواز: اسمها الفارسي خوزستان، و الأهواز اسم للكورة بأسرها، أما البلد الذي يغلب عليه اسم الأهواز فهو سوق الأهواز، راجع معجم البلدان 1/410.

(6) وزارة حامد 306-311.

(7) الحراقة: نوع من السفن-راجع معجم المراكب و السفن في الإسلام لحبيب زيات-مجلة المشرق م 43.

(8) ابن الجصاص أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الجوهري: راجع القصة 1/8 و 1/9 من النشوار.

(9) المزين: الحلاق و الحجام.

44

28 جواب لأبي العيناء

قال‏ (1) : حدّثنا أبو الحسين‏ (2) ، قال:

رأيت لأبي العيناء (3) ، خادمين، خصيّين، أسودين، يقودانه.

فقيل له: كيف اتّخذت خصيين أسودين؟ فقال: حتى لا يتّهما بي، و لا أتّهم بهما.

29 أبو العيناء لا ينسى ما حفظ

و حدّثني‏ (4) ، قال: حدّثنا أبو الحسين‏ (5) ، قال:

قدم أبو العيناء البصرة، في سنة نيف و ثمانين‏ (6) ، بعد الغيبة الطويلة، التي غاب عنها، و خدمته للخلفاء، و الوزراء، [34]بسرّ من رأى.

و كان أبو خليفة (7) ، إذ ذاك، عالم البصرة، بالحديث، و الأخبار،

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى.

(3) أبو العيناء محمد بن القاسم بن خلاد: ترجمته في حاشية القصة 1/1 من النشوار.

(4) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه.

(5) أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى.

(6) و مائتين، و قد توفي سنة ثلاث و ثمانين و مائتين بالبصرة.

(7) أبو خليفة الفضل بن الحباب بن محمد الجمحي: ترجمته في حاشية القصة 2/9 من النشوار.

45

و اللّغة، و النحو، و محمد بن جعفر بن بسّام، قاضيها، و كان له محلّ من الأدب، و اللغة، و الشعر، كبير، و كنت منقطعا إليه، ملازما له، أدرس عليه الفقه، فكان أوّل من ائتمنني، و رفع شأني.

فقال لي: يا أبا الحسين، قد قدم أبو العيناء، و أحبّ أن أجمع بينه، و بين أبي خليفة، و ننظر أثرهما.

فقلت: عليّ ذلك.

قال: فمضيت، و لقيت أبا العيناء، و عقدت عليه وعدا للحضور، عند ابن بسّام، و على أبي خليفة، فاجتمعا.

فأخذ أبو العيناء، في الرواية عن الأصمعي‏ (1) ، و مشاهداته مع المتوكّل‏ (2) ، و ابن أبي دؤاد (3) ، و فلان، و فلان، و الشعراء.

قال: فأسكت أبو خليفة، فلم ينجرّ معه، و لم يلحق به.

قال: فأثنينا على أبي العيناء، و قرّظناه.

فقال: يا أيّها القاضي، أنا لا أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة.

____________

(1) الأصمعي (122-216) : عبد الملك بن قريب الباهلي، راوية العرب، و أحد أئمة العلم باللغة و الشعر و البلدان (الأعلام 4/307) .

(2) أبو الفضل جعفر المتوكل بن أبي إسحاق محمد المعتصم: ترجمته في حاشية القصة 1/142 من النشوار.

(3) أبو عبد اللّه أحمد ابن أبي دؤاد بن جرير بن مالك الإيادي: ترجمته في حاشية القصة 2/49 من النشوار.

46

30 أبو العيناء و أحمد بن الحسن بن المثنى‏

و حدّثنا أيضا (1) ، قال: حدّثني أبو عبيد محمد[35]بن علي الآجرّي، قال:

كنت عند أبي العيناء، لما قدم البصرة، سنة نيف و ثمانين، بتسبيبات له على عمّالها، و كان معنا أصحاب الحديث.

فقيل له: قد دخل إليك ابن المثنّى، فقام، و قدّر، أنّ أبا علي الحسن ابن المثنّى، قصده.

فقال له بعض الحاضرين: إنّه أحمد بن الحسن بن المثنّى، فجلس، قبل أن يقرب منه أبو الحسين.

ثم استدنى أبا الحسين، و أكرمه، و سأله عن خبر أبيه، [فأخبره بوفاته، فترحّم عليه، و قال: أنا أسنّ منه.

فسألناه عن مقدار الزيادة، فقال‏] (2) : لا أدري، كنت يوما في مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالبصرة (3) ، و قد اجتاز بنا (4) ، و كان أصحاب الحديث حضورا، و كان موسى لا يطلق أن يدخل مجلسه غلام أمرد، ليسمع الحديث، فحين رآه موسى، صاح: يا غلام، أخرجه.

فقلنا له: أعزّ اللّه القاضي، هذا ابن أخيك، أبو علي بن المثنّى.

قال: فرفعه، و قدّمه.

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) اسقط الناسخ سطرا، فأضفته طبقا للمقتضى.

(3) موسى بن إسحاق بن موسى بن عبد اللّه، أبو بكر الأنصاري الخطمي (210-297) :

ولي قضاء الري و الأهواز، و في شذرات الذهب أنه ولي قضاء نيسابور أيضا، و كان يضرب به المثل في ورعه و صيانته، توفي بالأهواز قاضيا و له 87 سنة (المنتظم 6/96 و شذرات الذهب 2/226) .

(4) أبو علي الحسن بن المثنى.

47

31 أبو خازم القاضي‏

يريد أن يولّي أحمد بن الحسن بن المثنى القضاء و حدّثني‏ (1) ، قال: حدّثني أبو الحسين‏ (2) ، قال:

لما نشأت، كتب أبو خازم القاضي‏ (3) ، إلى أبي، يقول: إنّه قد بلغني أنّه قد نشأ لك فتى يطلب العلم، و من حاله، و صفته، [36]-قال، و قرّظني-فأنفذه إليّ، لأقلّده القضاء.

قال: فقال لي أبي: ما تقول؟ فقلت: أنفذني، فإنّك، هو ذا، ترى ما نحن فيه من الإضاقة، فلعلّي اتّسع بالأرزاق، [فقال أبي: لا تفعل‏] (4) ، فإنّ الأعمال تفنى، و الصيانة تبقى.

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى.

(3) أبو خازم القاضي: عبد الحميد بن عبد العزيز: ترجمته في حاشية القصة 1/38 من النشوار.

(4) الزيادة من محقق طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق.

48

32 أبو العيناء في دار الواثقي أمير البصرة

و حدّثني‏ (1) ، قال: حدّثني بعض شيوخنا:

إنّ أبا العيناء، قصد دار الواثقيّ‏ (2) ، و هو الأمير بالبصرة-إذ ذاك-، فأجلس في الدهليز (3) ساعة، إلى أن استؤذن له.

و جرى الحديث، فقال رجل، في حديث اقتضى ذلك، يا أبا العيناء، أنت صائم اليوم؟ فقال: أمّا في هذه الدار، فنعم.

فكتب صاحب الخبر، إلى الواثقيّ، بذلك، فأذن له في الحال، و اعتذر إليه، من إجلاس البوّابين له في الدهليز، و انكر ذلك عليهم.

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي: ترجمته في حاشية القصة 2/31 من النشوار.

(3) الدهليز: راجع حاشية القصة 2/164 من النشوار.

49

33 منافرة بين ضريرين‏

قال‏ (1) :

و اجتمع أبو العيناء، و أبو علي البصير (2) ، يوما في مجلس، فاستطال عليه أبو العيناء، فقال له أبو عليّ‏ (3) : نحن جميعا ضريران، فما هذا التطاول؟ فقال: و لا سواء، أنت من عميان العصا، و أنا من عميان المواكب‏ (4) [37].

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه.

(2) في الأصل: أبو البصير، و التصحيح من كتاب الملح و النوادر للحصري 199، قال أبو العيناء، لأبي علي البصير: بيني و بينك مناسبة العمى، قال: كلا، أنا من عميان الدواب، و أنت من عميان العصا.

(3) أبو علي الفضل بن جعفر بن الفضل بن يونس النخعي: شاعر كوفي، أقام ببغداد، و قدم سر من رأى أول خلافة المعتصم، و مدحه، و مدح جماعة من قواده، و مدح المتوكل، و الفتح بن خاقان، و بقي إلى أيام المعتز (نكت الهميان 225) .

(4) أعمى العصا: الاعمى الذي لا معين له، يستعين في سيره بالعصا، و أعمى الدابة الذي يخرج في حاجاته على دابة أي راكبا، و كذلك أعمى الموكب، الذي يخرج راكبا و يحف به خدمه و غلمانه، يريد أنه أعلى مقاما من نظيره.

50

34 المصالحة بين تاجر أفلس و بين دائنيه‏

حدّثني محمد بن أحمد بن عثمان بن الحارث الزيّات، قال: حدّثني أبي، قال:

كان لي، و لجماعة من التجار ببغداد، على رجل من البزّازين، أربعة آلاف دينار، فقام للناس‏ (1) ، فاجتمعنا، ففتحنا دكّانه، فوجدنا فيه متاعا ثمنه أربعمائة دينار.

فقال: إن اخترتم أخذها و إبرائي من الباقي، فخذوا، فإنّي لا أرجع إلى شي‏ء غير ذلك، و إن اخترتم أن تؤخّروني بالدين، و أفتح دكّاني، و أعمل بهذه الأربعمائة دينار، دفعت إليكم في كل سنة أربع مائة دينار، فيأخذ كلّ واحد منكم العشر من ماله، و تستوفون المال في عشر سنين.

فأجبناه، إلاّ رجلا، يعيد و يقول: زيدوني على العشر، و لو دينارا واحدا، في السنة.

فقلنا للرجل: أجبه إلى هذا.

فقال: إن أعطيت هذا الدينار، زيادة، على أربعمائة الدينار، في السنة، مضت الأربع مائة دينار في التسع سنين، و بقيت، بقيّة دينكم، بحالها.

فعجبنا من ذلك، و قلنا: أوجدنا[38]صحّة ما قلت.

فقال: هذه الأربعمائة الدينار، إذا اتّجرت فيها سنة، و سلمت، فربحي أربعمائة دينار.

____________

(1) قام التاجر: توقف عن دفع ديونه، اصطلاح عامي لم يزل مستعملا في بغداد.

51

يخرج منها أربعمائة دينار و دينار، يبقى ثلاثمائة و تسعة و تسعون دينارا.

فأتّجر فيها، في الحول الثاني، فيحصل معي سبعمائة، و ثمانية و تسعون دينارا، يخرج منها أربعمائة دينار و دينار، يبقى ثلاثمائة و سبعة و تسعون دينارا.

فيحول الحول الثالث، فيصير المال سبعمائة و أربعة و تسعون دينارا يخرج منها أربعمائة دينار و دينار، يبقى ثلاثمائة و خمسة و خمسون دينارا (1) .

يحول الحول الرابع، فيصير سبعمائة و ستون دينارا، يخرج منها أربعمائة دينار و دينار، و يبقى خمسمائة و ثمانون دينارا (2) .

و يحول الحول الخامس، سبعمائة دينار، يخرج منها أربعمائة دينار و دينار، يبقى ثلاثمائة و خمسة و ثمانون دينارا (3) .

و يحول الحول السادس، فيخرج منها أربعمائة دينار و دينار، يبقى ثلاثمائة و تسعة و سبعون دينارا (4) .

و يحول الحول‏[39]السابع، فيصير سبعمائة و أربعة و خمسين دينارا، يبقى ثلاثمائة و سبعة و خمسين دينارا (5) .

ثم يحول الحول الثامن، فيصير مائتين و تسعين دينارا، يخرج منها ثلاثمائة دينار، بقي منها مائتين و تسعة و ستّين دينارا (6) . و الدين دين، و لا يمكن أن أدفع إليكم، إذا كان الأصل أربعمائة، أكثر من أربعمائة.

فأجبناه إلى الاقتصار على الأربعمائة، و فتح دكانه، و عمل، و رزق.

____________

(1) الحساب الصحيح 794-401 393.

(2) حساب الحول الرابع 786-401 385.

(3) حساب الحول الخامس 770-401 369.

(4) حساب الحول السادس 738-401 337.

(5) حساب الحول السابع 674-401 273.

(6) حساب الحول الثامن 549-401 145.

52

35 إنفاق بلا دخل، يذهب بالأموال‏

و حدّثني‏ (1) ، قال: حدّثني أبي، فقال:

كلّ كيس يكون فيه ألف درهم، فتخرج منه درهما واحدا، و لا يدخله درهم آخر، فإنّ الكيس كلّه يذهب، إن كان بتجارة، فبنقصان ربحها، و إن كان بنفقة، فليس يحتاج إلى دليل.

و إنّما يحفظ الأموال، فضولها، و ينستر التاجر بربحه.

36 بين الجبائي و الكرخي‏

حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن داسه‏ (2) ، قال: حدّثني أبو عبد اللّه، محمّد بن إبراهيم بن عبيد اللّه، الفقيه، الحنفي‏[40]، الأرمني، قال:

كان أبو زهير الجبائي، الفقيه، ورعا، حاذقا بمذهب أبي حنيفة، فدخل بغداد، فبلغته أخبار أبي الحسن الكرخيّ‏ (3) ، رضي اللّه عنه، في ورعه.

____________

(1) محمد بن أحمد بن عثمان بن الحارث الزيات.

(2) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسه البصري (الأنساب للسمعاني 219) : روى عنه التنوخي أخبارا عدة في النشوار منها القصص 1/10 و 20 و 108 و منها 3/26 و 27 و 28 و 29 و 30 و 31 و 32 و 33 و 36 و 37 و 38 و 41 و 42 و 43 و 44 و 45 و 48 و 51 و 62 و 63 و 64 و 65 و 66.

(3) أبو الحسن الكرخي: عبيد اللّه بن الحسين بن دلال: ترجمته في حاشية القصة 2/140 من النشوار.

53

قال: فلقيه، فقال له: يا أبا الحسن، بلغني انّك تأخذ من السلطان رزقا في الفقه.

قال: نعم.

قال: و مثلك في علمك، و دينك، يفعل هذا؟ فقال له أبو الحسن: أ و ليس قد أخذ الحسن البصري‏ (1) ، رضي اللّه عنه، في زمنه، و فلان، و فلان، فعدّد خلقا من الصالحين و الفقهاء، ممن أخذ من بني أميّة.

فقال له أبو زهير: ذهاب هذا عليك أطرف، بنو أميّة، كانت مصائبهم في أديانهم، و جبايتهم الأموال سليمة، لم يظلموا في العشر، و لا في الخراج، و كان الفقهاء يأخذون من الأموال مع سلامتها، و هؤلاء (2) ، مع سلامة أديانهم، أموالهم فاسدة، و جباياتهم بالظلم و الغش.

فسكت أبو الحسن، فلما كان وقت قبض جائزته، لم يطالب بها، و تركها، و لم يقبض شيئا من الجاري، إلى‏[41]أن مات.

قال لي عبد اللّه بن داسه: أن‏[أبا]زهير هذا، هو أستاذ أبي محمد ابن عبدل، الذي علّمه الفقه على مذاهب أصحابنا (3) .

و كان أبو محمد بن عبدل، أستاذنا نحن في الفقه، و قد درست عليه، و شاهدته الطويل العريض، و ما سمعت منه هذه الحكاية.

____________

(1) أبو سعيد الحسن بن يسار البصري: إمام أهل البصرة، تابعي، عالم، فقيه، شجاع، ناسك، فصيح (الأعلام 2/242) .

(2) يعني العباسيين.

(3) يعني الفقه الحنفي.

54

37 الخصال المذمومة في الشيخ‏

و حدّثني‏ (1) ، قال: قال لي بعض شيوخنا:

إنّ الشيخ إذا أسنّ، صارت فيه ثلاث خصال مذمومة: إذا قام عجن‏ (2) ، و إذا مشى زفن‏ (3) ، و إذا سعل قرن‏ (4) .

____________

(1) أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسه البصري.

(2) عجن: يعني نهض معتمدا بيده على الأرض كفعل العاجن.

(3) زفن: دفع شديدا و ضرب برجله الأرض كما يفعل الراقص.

(4) قرن: يعني قرن سعلته بضرطة.