نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - ج5

- محمد بن علي التنوخي المزيد...
353 /
5

الجزء الخامس‏

مقدمة المحقق‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ و الحمد للّه رب العالمين أقدّم لقرّاء العربيّة، الجزء الخامس من كتاب «نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة» للقاضي أبي علي المحسّن بن علي التنوخي، و هو ثاني الأجزاء الأربعة، التي اشتملت على ما أمكنني العثور عليه من فقرات النشوار الضائعة، تلقّطتها من ثنايا الكتب، و بذلت في ذلك من الجهد ما لا يدرك كنهه إلاّ من مارس ما مارست، و عانى ما عانيت، فإن انعدام الفهارس في أكثر الكتب العربية، كان يضطرّني إلى قراءة الكتاب كلّه، فربما عثرت في طياته على فقرة واحدة، من فقرات النشوار الضائعة، و ربما لم أعثر على شي‏ء.

و الاطلاع على ثبت المراجع التي رجعت إليها، و هي المدوّنة في آخر الكتاب، لا يكفي للإحاطة بمقدار ما بذلت من جهد، و ما كابدت من عناء، فإنّ عشرات من الكتب، قرأتها سطرا سطرا، و لم أعثر فيها على فقرة من الفقرات المطلوبة، فلم أذكرها في الثبت.

و لست أمنّ على أحد بما بذلت من جهد، و بما واجهت من مشقّة،

6

و لكنّي بسطت ذلك لمن يقرأ هذا الكتاب، ليطّلع على مقدار ما عانيت، فيكون سعيي لديه مشكورا، و خطئي عنده مغفورا.

و اللّه الموفق للصواب، و إليه المرجع و المآب.

بحمدون في 28 نيسان 1972 عبود الشالجي المحامي‏

7

1 الخليفة المستكفي ينقل قاضيا و ينصب بدلا منه‏

أخبرنا علي بن المحسّن التنوخي، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر (1) ، قال:

لما نقل المستكفي باللّه‏ (2) أبا السائب‏ (3) عن القضاء بمدينة المنصور (4) ، و ذلك في يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة (5) ، قلّد في هذا اليوم، أبا الحسن محمّد بن صالح بن علي بن يحيى بن عبد اللّه بن محمّد بن عبيد اللّه بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب، و يعرف هو و أهله ببني أمّ شيبان‏ (6) ، و هي والدة يحيى ابن عبد اللّه جدّ أبيه، و هي المكناة بأمّ شيبان، و اسمها كنيتها، و هي بنت يحيى بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى بن زكريا بن طلحة بن عبيد اللّه، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أمّ زكريا بن طلحة: أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق، و أمّ أبيه صالح بن علي: فاطمة بنت جعفر بن محمد

____________

(1) أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: ترجمته في حاشية القصة 3/135 من النشوار.

(2) المستكفي باللّه، أبو القاسم عبد اللّه بن المكتفي: ترجمته في حاشية القصة 4/67 من النشوار.

(3) أبو السائب، عتبة بن عبيد اللّه الهمذاني القاضي: ترجمته في حاشية القصة 1/117 من النشوار.

(4) مدينة المنصور: هي مدينة السلام أو المدينة المدورة، بناها أبو جعفر المنصور بالجانب الغربي.

(5) المنتظم 6/341.

(6) القاضي أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي ابن أم شيبان: ترجمته في حاشية القصة 1/66 من النشوار.

8

ابن عمّار البرجمي‏ (1) ، قاضي القضاة بسرّ من رأى، قال طلحة: فقد ولده ثلاثة من الصحابة من قريش‏ (2) ، و له ولادة في البراجم من العرب.

و القاضي أبو الحسن محمد بن صالح، من أهل الكوفة، و بها ولد و نشأ، و كتب الحديث، و قدم بغداد سنة إحدى و ثلاثمائة مع أبيه، ثم تكرّر دخوله إياها، ثم دخل إليها في سنة سبع و ثلاثمائة، فقرأ على أبي بكر بن مجاهد (3) ، و لقي الشيوخ.

ثم انتقل إلى الحضرة، فاستوطنها في سنة ست عشرة و ثلاثمائة، و صاهر قاضي القضاة أبا عمر محمد بن يوسف‏ (4) على بنت بنته.

قال طلحة: و أبو الحسن رجل عظيم القدر، وافر العقل، واسع العلم، كثير الطلب للحديث، حسن التصنيف، مدمن الدرس و المذاكرة، ينظر في فنون العلم و الآداب، متوسط في الفقه على مذهب مالك، و لا أعلم قاضيا تقلّد القضاء بمدينة السلام من بني هاشم غيره.

ثم قلّده المطيع‏ (5) قضاء الشرقية (6) ، مضافا إلى مدينة المنصور، و ذلك في رجب سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة (7) ، فصار على قضاء الجانب الغربي

____________

(1) جعفر بن محمد بن عمار البرجمي الكوفي: ولي قضاء الكوفة، ثم حمل إلى سر من رأى فولي قضاء القضاة، و مات بسر من رأى سنة 250 (تاريخ بغداد 7/163 و الطبري 9/276) .

(2) يريد بهم: العباس بن عبد المطلب، و أبا بكر الصديق، و طلحة بن عبيد اللّه.

(3) أبو بكر بن مجاهد، أحمد بن موسى بن العباس التميمي (245-324) : كبير العلماء بالقراءات، كان أديبا، رقيقا، جوادا، فطنا (الأعلام 1/246) راجع القصة 5/119 من النشوار.

(4) القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي: ترجمته في حاشية القصة 1/10 من النشوار.

(5) المطيع: أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/131 من النشوار.

(6) الشرقية: محلة بالجانب الغربي من بغداد، سميت الشرقية، لأنها تقع شرقي مدينة المنصور.

(7) تجارب الأمم 2/111.

9

بأسره إلى شهر ربيع الأول سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة، فإنّ بغداد جمعت لأبي السائب عتبة بن عبيد اللّه‏ (1) .

و قلّد القاضي أبو الحسن، مصر (2) ، و أعمالها، و الرملة (3) ، و قطعة من أعمال الشام‏ (4) .

تاريخ بغداد للخطيب 5/363 المنتظم 7/102 باختصار

____________

(1) القصة 4/119 من النشوار، و المنتظم 6/357.

(2) إقليم مصر عند الجغرافيين العرب: حده الشمالي بحر الروم (الأبيض المتوسط) ما بين الإسكندرية و برقة، وحده من الغرب البراري التي تنتهي إلى ظهر الواحات، وحده من الجنوب بلاد النوبة، وحده من الشرق بحر القلزم إلى طور سينا (المسالك و الممالك 39 و تقويم البلدان 103) و قسم البشاري في أحسن التقاسيم، إقليم مصر، إلى ست كور، راجع التفاصيل في الصفحة 193.

(3) الرملة: مدينة عظيمة بفلسطين، اختطها و بناها سليمان بن عبد الملك، و كان الافرنج قد استولوا عليها، فاستعادها صلاح الدين الأيوبي منهم، و خربها، خوفا من استيلاء الافرنج عليها مرة أخرى (معجم البلدان 2/817) راجع حاشية القصة 2/165 من النشوار.

(4) الولاة و القضاة للكندي 573.

10

2 لما ذا سمي زوج الحرة

حدّثنا القزّاز (1) ، قال: أخبرنا الخطيب‏ (2) ، قال: أخبرنا عليّ بن المحسّن القاضي‏ (3) ، قال: حدّثني أبي‏ (4) ، قال: حدّثني الأمير أبو الفضل جعفر بن المكتفي باللّه، قال:

كانت بنت بدر مولى المعتضد (5) ، زوجة أمير المؤمنين المقتدر باللّه‏ (6) ، فأقامت عنده سنين، و كان لها مكرما، و عليها مفضلا الافضال العظيم، فتأثّلت حالها، و انضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة.

و قتل المقتدر (7) ، فأفلتت من النكبة، و سلم لها جميع أموالها و ذخائرها، حتى لم يذهب لها شي‏ء، و خرجت من الدار (8) .

و كان يدخل إلى مطبخها حدث، يحمل على رأسه، يعرف بمحمد بن جعفر (9) ، و كان حركا (10) ، فنفق على القهرمانة بخدمته، فنقلوه، إلى أن صار

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(4) أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي، صاحب النشوار: ترجمته في صدر الجزء الأول من النشوار.

(5) الأمير بدر مولى المعتضد: ترجمته في حاشية القصة 1/172 من النشوار.

(6) المقتدر جعفر بن المعتضد: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(7) قتل المقتدر سنة 320.

(8) يريد دار الخلافة.

(9) في تاريخ بغداد 1/153: انه كان يعرف بمحمد بن جعفر بن أبي عسرون.

(10) الحرك: بفتح الحاء و كسر الراء، الخفيف الذكي، و هذا التعبير مستعمل الآن ببغداد.

11

وكيل المطبخ، و بلغها خبره، و رأته، فردّت إليه الوكالة في غير المطبخ.

و ترقّى أمره، حتى صار ينظر في ضياعها، و عقارها، و غلب عليها، حتى صارت تكلّمه من وراء ستر، و خلف باب.

و زاد اختصاصه بها، حتى علق بقلبها، فاستدعته إلى تزويجها، فلم يجسر على ذلك، فجسّرته، و بذلت مالا، حتى تمّ لها ذلك.

و قد كانت حالته تأثّلت بها، و أعطته، لما أرادت ذلك منه، أموالا جعلها لنفسه نعمة ظاهرة، لئلاّ يمنعها أولياؤها منه لفقره، و أنّه ليس بكف‏ء، ثم هادت القضاة بهدايا جليلة حتى زوّجوها منه، و اعترضها الأولياء، فغالبتهم بالحكم و الدراهم، فتمّ له ذلك و لها.

فأقام معها سنين، ثم ماتت، فحصل له من مالها، نحو ثلاثمائة ألف دينار، فهو يتقلّب إلى الآن فيها.

قال أبي: قد رأيت أنا هذا الرجل، و هو شيخ عاقل، شاهد (1) ، مقبول‏ (2) ، توصّل بالمال إلى أن قبله أبو السائب القاضي‏ (3) ، حتى أقرّ في يده وقوف الحرة، و وصيّتها، لأنّها أوصت إليه في مالها و وقوفها، و هو إلى الآن، لا يعرف إلاّ بزوج الحرة (4) .

____________

(1) قوله: شاهد، يعني أنه ثبتت عدالته لدى القضاة.

(2) قوله: مقبول، يعني أنه ثبتت أمانته لدى القضاة، فقبلوه أمينا على ما يودع إليه من أموال ليتصرف فيها حسب وصية الموصي أو حسب شرط الواقف، أو ليكون قيما على أموال ناقص الأهلية من صغير أو محجور.

(3) أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه الهمذاني، قاضي القضاة: ترجمته في حاشية القصة 1/117 من النشوار.

(4) ترجم له الخطيب البغدادي (2/153) و قال إنه يعرف بزوج الحرة، و هو أبو بكر محمد ابن جعفر بن أحمد بن الحسين بن وهب الحريري، و قال: إنه عدل ثقة، توفي سنة 372.

12

و إنما سمّيت الحرّة، لأجل تزويج المقتدر بها، و كذا عادة الخلفاء، لغلبة المماليك عليهم، إذا كانت لهم زوجة، قيل لها: الحرّة (1) .

المنتظم 7/119 تاريخ بغداد للخطيب 2/153

____________

(1) كان الأمويون يتحرون أن يكون من تقلد الخلافة منهم، من أم عربية، و كان مسلمة ابن عبد الملك، من رجالهم المعدودين، إلا أن كونه ابن أمة، حال بينه و بين الخلافة، و لما تنقص هشام بن عبد الملك، الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، لم يجد ما يعيره به، إلا قوله له: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، و أنت ابن أمة (مروج الذهب 2/162) ثم اختلف الحال في آخر أيام الأمويين، فإن آخر من تقلد الخلافة منهم، إبراهيم بن الوليد، و مروان بن محمد، كانا من أبناء الاماء، (خلاصة الذهب المسبوك 46 و 47) ، أما الخلفاء في الدولة العباسية، و عددهم سبعة و ثلاثون، فلم يكن فيهم من هو عربي الأم، إلا ثلاثة، الأول: أبو العباس السفاح، أمه ريطة بنت عبد المدان الحارثي (خلاصة الذهب 53) و كان يدعى: ابن الحارثية، و لعل عروبة أمه، كانت السبب في تقدمه على أخيه المنصور الذي كان يكبره في السن، فإن أم المنصور بربرية، اسمها سلامة (59) ، و الثاني: المهدي بن المنصور و أمه أم موسى بنت منصور بن عبد اللّه الحميرية (90) ، و الثالث:

محمد الأمين بن هارون الرشيد، أمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، قالوا: لم يل الخلافة هاشمي من هاشميين، إلا ثلاثة، الإمام علي بن أبي طالب، و ابنه الحسن، و محمد الأمين (171) ، أما بقية الخلفاء العباسيين، فكلهم أبناء أمهات أولاد، للتفصيل و معرفة أسماء أمهات الخلفاء، راجع خلاصة الذهب المسبوك 59-289، هذا و ان غلبة الجواري على الخلفاء و الأمراء لم تقتصر على المشرق، و إنما تجاوزته إلى المغرب و الأندلس، و قد وجدت في قرطبة، قنطرة على نهرها، شادتها زوجة أحد الخلفاء الأمويين، فسميت قنطرة الحرة، و كان الدليل اسبانيا، لم يدرك سبب هذه التسمية، فقال إن كلمة الحرة، تعني النبيلة الشريفة.

13

3 البيضاوي أزرق كوسج‏

أخبرنا أبو منصور القزاز (1) ، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت‏ (2) ، قال:

سمعت التنوخي يقول:

حضرت عند أبي الحسن بن لؤلؤ (3) مع أبي الحسين البيضاوي‏ (4) ، لنقرأ عليه، و كان قد ذكر له عدد من يحضر السماع، و دفعنا إليه دراهم كنّا قد واقفناه عليها.

فرأى في جملتنا واحدا زائدا عن العدد الذي ذكر له، فأمر بإخراجه، فجلس الرجل في الدهليز، و جعل البيضاوي يقرأ، و يرفع صوته، ليسمع الرجل.

فقال ابن لؤلؤ: يا أبا الحسين، أتعاطى‏ (5) عليّ، و أنا بغدادي، باب طاقي‏ (6) ،

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن نصير بن عرفة الثقفي الوراق المعروف بابن لؤلؤ (281- 377) : ترجم له المنتظم 7/140.

(4) أبو الحسين علي بن ابراهيم بن أحمد بن الهيثم البيضاوي الوراق: ترجم له الخطيب في تاريخه 11/342 و قال عنه: إنه ثقة مأمون، توفي سنة 397.

(5) تعاطى هنا بمعنى مكر.

(6) باب طاقي: من محلة باب الطاق، راجع حاشية القصة 1/93 من النشوار.

14

ورّاق، صاحب حديث، شيعي، أزرق‏ (1) ، كوسج‏ (2) .

ثم أمر جاريته أن تدقّ بالهاون أشنانا (3) حتى لا يصل صوت البيضاوي بالقراءة إلى الرجل.

المنتظم 7/140

____________

(1) الأزرق: ذو العينين الزرقاوين، و لم تكن من الصفات الممدوحة عند العرب، و كانت زرقة العيون غالبة في الروم، و كانوا مع العرب في عداء مستمر و حرب دائمة، فأصبحت زرقة العيون من صفات العدو، يقال: عدو أزرق، إذا كان شديد العداوة.

(2) الكوسج: الذي ليس على عارضه لحية.

(3) الأشنان: أعواد صغيرة بيضاء أو صفراء تدق و تستعمل في تنقية الأيدي من الوضر، و لها إذا بلت بالماء رغوة مثل رغوة الصابون.

15

4 القاضي ابن قريعة يستخلف التنوخي على قضاء الأهواز

قال أبو الفرج الشلجي‏ (1) : حدّثني أبو علي التنوخي القاضي، قال:

لما قلّدني القاضي أبو بكر بن قريعة (2) ، قضاء الأهواز خلافة له، كتب إلى المعروف بابن سركر الشاهد، و كان خليفته على القضاء قبلي، كتابا على يدي، و عنوانه:

إلى المخالف الشاق، السيئ الأخلاق، الظاهر النفاق، محمد بن إسحاق.

معجم الأدباء 6/252

____________

(1) الشلجي: نسبة إلى شلج، قرية من قرى طراز، إحدى ثغور الترك (اللباب 2/26) .

(2) القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة: ترجمته في حاشية القصة 1/19 من النشوار، قال عنه ابن خلكان: كان من عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالجواب عن جميع ما يسأل عنه في أفصح لفظ، و أملح سجع ( وفيات الأعيان 4/17) ، و قال عنه الخطيب البغدادي: كان كثير النوادر، حسن الخاطر، عجيب الكلام، يسرع بالجواب المسجوع المطبوع، من غير تعمل له، و لا تكلف فيه (تاريخ بغداد 2/317) ، و قال عنه الصفدي:

كان الفضلاء يداعبونه برسائل و مسائل هزلية، فيجيب عنها أسرع جواب و أعجبه من غير توقف، و أن له عدة من الأجوبة مدونة في كتاب (الوافي بالوفيات 3/227) ، و للاطلاع على بعض هذه الأجوبة راجع وفيات الأعيان 4/17 و تاريخ بغداد 2/317 و الوافي بالوفيات 3/227، و قد وجدت له في كتاب مطالع البدور 1/139 فتوى جديرة بالتسجيل، فقد كتب إليه رجل يقول: ما يقول القاضي أيده اللّه في رجل سمى ولده مداما، و كناه أبا الندامى، و سمى ابنته الراح؛ و كناها أم الأفراح، و سمى عبده الشراب، و كناه أبا الأطراب، و سمى وليدته القهوة، و كناها أم النشوة، أ ينهي عن بطالته، أم يؤدب على خلاعته؟فكتب القاضي تحت سؤاله: لو بعث هذا لأبي حنيفة، لأقعده خليفة، و لعقد له راية، و قاتل تحتها من خالف رايه، و لو علمنا مكانه، لمسحنا أركانه، فإن اتبع هذه الأسماء أفعالا، و هذه الكنى استعمالا، علمنا أنه قد أحيا دولة المجون، و أقام لواء ابنة الزرجون، فبايعناه، و شايعناه، و إن تكن أسماء سماها، ما له بها من سلطان، خلعنا طاعته، و فرقنا جماعته، فنحن إلى إمام فعال، أحوج منا إلى إمام قوّال.

16

5 أبو القاسم الصاحب ابن عباد يشتهي مشاهدة ثلاثة من بغداد

أخبرنا عبد الرحمن‏ (1) ، قال: أخبرنا الخطيب‏ (2) ، قال: سمعت أبا القاسم التنوخي يقول: كان الصاحب أبو القاسم بن عباد (3) يقول:

كنت أشتهي أن أدخل بغداد و أشاهد جرأة محمد بن عمر العلوي‏ (4) ، و تنسّك أبي أحمد الموسوي‏ (5) ، و ظرف أبي محمد بن معروف‏ (6) .

المنتظم 7/166

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو القاسم إسماعيل بن عباد، الصاحب، كافي الكفاة: ترجمته في حاشية القصة 4/45 من النشوار.

(4) أبو الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي (315-390) : كان المقدم على الطالبيين، مع ثروة و غنى و جاه، و كان العوام يطيعونه، و كان يراسل وكلاءه بالحمام الزاجل، و اطلع عضد الدولة مرة على فقرة تبين بأن المطلوب من أبي الحسن عن معاملاته بفارس ألف ألف و ثلاثمائة ألف، فانزعج منه، و تصور له بصورة من إذا أراد شيئا تمكن منه، فاعتقله و استولى على أمواله، ثم أطلقه شرف الدولة، و صادره بهاء الدولة على ألف ألف دينار (المنتظم 7/211) .

(5) أبو أحمد الموسوي، الحسين بن موسى (304-400) : والد الشريفين الرضي و المرتضى، و كان يلقب بالطاهر، و بذي المناقب، و بالأوحد، ولي نقابة الطالبيين خمس مرات، و ولي مع النقابة الحج و المظالم (المنتظم 7/247) .

(6) أبو محمد عبيد اللّه بن أحمد بن معروف، قاضي القضاة: كان وسيم المنظر، مليح الملبس، مهيبا، عفيفا، ترجمته في حاشية القصة 1/58 من النشوار، راجع خبره مع العيار البغدادي بباب الطاق، في الامتاع و المؤانسة 3/188.

17

6 أبو الفضل الزهري محدّث و آباؤه كلهم محدّثون‏

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال:

أخبرنا التنوخي، قال:

سئل أبو الحسن الدار قطني‏ (1) ، و أنا أسمع، عن أبي الفضل الزهري‏ (2) ، فقال:

هو ثقة، صدوق، صاحب كتاب، و ليس بينه و بين عبد الرحمن بن عوف إلاّ من قد روي عنه الحديث.

ثم قال الخطيب: حدّثنا الصوري، قال: حدّثني بعض الشيوخ:

انّه حضر مجلس القاضي أبي محمد بن معروف‏ (3) يوما، فدخل أبو الفضل الزهري، و كان أبو الحسين بن المظفر حاضرا، فقام عن مكانه، و أجلس أبا الفضل فيه، و لم يكن ابن معروف، يعرف أبا الفضل، فأقبل عليه ابن المظفر، فقال: أيّها القاضي، هذا الشيخ من ولد عبد الرحمن بن عوف‏ (4) ، و هو محدّث، و آباؤه كلهم محدّثون إلى عبد الرحمن بن عوف.

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد الدارقطني الحافظ (306-385) : اجتمع له علم الحديث و المعرفة بالقراءات، و النحو، و الفقه، و الشعر (المنتظم 7/183) .

(2) أبو الفضل الزهري، عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه بن سعد بن إبراهيم؛ من أولاد عبد الرحمن بن عوف: ولد سنة 290 و كان ثقة من الصالحين، و توفي في السنة 381 (المنتظم 7/166) .

(3) القاضي أبو محمد عبيد اللّه بن أحمد بن معروف: ترجمته في حاشية القصة 1/58 من النشوار.

(4) أبو محمد عبد الرحمن بن عوف الزهري (44 ق هـ-32 هـ) : أحد مشاهير الصحابة، و أحد الستة أصحاب الشورى (الأعلام 4/95)

18

ثم قال ابن المظفر: حدّثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه بن سعد الزهري‏ (1) ، والد هذا الشيخ، و حدّثنا فلان عن أبيه محمد بن عبيد اللّه‏ (2) ، و حدّثنا فلان عن جده عبيد اللّه بن سعد (3) .

و لم يزل يروي لكل واحد من آباء أبي الفضل حديثا، حتى انتهى إلى عبد الرحمن بن عوف.

المنتظم 7/167

____________

(1) أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه بن سعد الزهري (257-336) : ترجم له الخطيب في تاريخه 10/289.

(2) أبو عبد اللّه محمد بن عبيد اللّه بن سعد الزهري: ترجم له الخطيب في تاريخه 2/330.

(3) أبو الفضل عبيد اللّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد: روى عنه البخاري، و كان ثقة، توفي سنة 260، ترجم له الخطيب في تاريخه 10/323.

19

7 المؤلف التنوخي يتحدث عن نفسه‏

أخبرنا القزاز (1) ، قال: أخبرنا الخطيب‏ (2) ، قال: حدّثنا ابن المحسّن ابن علي‏ (3) ، قال: قال لي أبي‏ (4) :

مولدي سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة بالبصرة (5) ، و كان مولده في ليلة الأحد لأربع بقين من ربيع الأول.

و أوّل سماعه الحديث في سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة (6) .

و أوّل ما تقلّد القضاء من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد اللّه‏ (7) بالقصر (8)

و بسورا (9) في سنة تسع و أربعين‏ (10) .

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(4) أبو علي المحسن بن علي التنوخي مؤلف النشوار.

(5) كان أبو القاسم علي بن محمد التنوخي، والد صاحب النشوار، في السنة 327 في خدمة أبي عبد اللّه البريدي.

(6) سمع الحديث على أبي العباس الأثرم، و الحسين بن محمد النسوي، و من في طبقتهم ( وفيات الأعيان 3/301) .

(7) أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه الهمداني، قاضي القضاة في ذلك الحين.

(8) يوجد 54 موضعا باسم القصر، و لكن ارتباطه بسورا و هي من أعمال بابل، عين أن القصر هو قصر ابن هبيرة، و هو من نواحي بابل، بالقرب من جسر سورا (المشترك وضعا 352) .

(9) سورا: من أعمال بابل.

(10) في أيام الخليفة المطيع، و الأمير معز الدولة، راجع القصة 4/41 من النشوار.

20

ثم ولاّه المطيع للّه‏ (1) القضاء بعسكر مكرم‏ (2) و ايذج‏ (3) و رامهرمز (4) .

و تقلّد بعد ذلك أعمالا كثيرة في نواح مختلفة (5) .

المنتظم 7/178

____________

(1) المطيع للّه: أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/131 من النشوار.

(2) إيذج: من مدن الأهواز، انظر حاشية القصة 2/1 من النشوار.

(3) عسكر مكرم: انظر حاشية القصة 1/176 من النشوار.

(4) رامهرمز: انظر حاشية القصة 2/82 من النشوار.

(5) ولي المحسن التنوخي القضاء بسوق الأهواز و نهر تيري و الأسافل و رامهرمز في السنة 356 و صرف عن تلك الولاية في السنة 359، ثم عاد إلى القضاء بها مضافا إلى القضاء بواسط في السنة 362 (الفرج بعد الشدة، مخطوطة جون رايلند ص 179، 180) و في أيام عضد الدولة البويهي، كان التنوخي يتقلد قضاء حلوان، و قطعة من طريق خراسان، ثم قلده القضاء في جميع ما فتحه من البلدان مما كان في يد أبي تغلب الحمداني (الفرج بعد الشدة، مخطوطة الظاهرية 19 و طبعة دار الهلال 1/137) و لما غضب عليه عضد الدولة، و عزله عن القضاء، نصب بدلا منه، قضاة ستة، و كان عزله في السنة 371، راجع التفصيل فى القصة 4/45 من النشوار.

21

8 ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد يحيي سهرة تنتهي باعتقاله‏

أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي‏ (1) ، قال:

كان أبو الفتح بن العميد (2) ، الملقب بذي الكفايتين‏ (3) ، قد تداخله في بعض العشايا سرور، فاستدعى ندماءه، و عبّى‏ (4) لهم مجلسا عظيما، بآلات الذهب و الفضة، و فاخر الزجاج، و الصيني، و الآلات الحسنة، و الطيب،

____________

(1) أبو إسحاق إبراهيم بن علي النصيبي المتكلم: روى عنه التنوخي صاحب النشوار، في أكثر من موضع، راجع القصة 1/39 و 2/103، و لم أعثر له على ترجمة، و هو رجل فاضل، و الدليل على فضله أن التوحيدي شتمه في الإمتاع و المؤانسة 1/141 فقال فيه: أبو إسحاق النصيبي دقيق الكلام، يشك في النبوات كلها، و قد سمعت منه فيها شبها، و لغته معقدة، و له أدب واسع، و قد أضل بهمذان، كاتب فخر الدولة ابن المرزبان، و حمله على قلة الاكتراث بظلم الرعية، و أراه انه لا حرج عليه في غبنهم، لأنهم بهائم، و ما خرج من الجبل حتى افتضح، و النصيبي: نسبة إلى نصيبين، من أعمال الجزيرة، و كانت عامرة أيام طريق القوافل بين الموصل و الشام، و يلاحظ أن المؤلف ذكر هذا الشخص في القصة 1/39 من النشوار فقال:

النصيبيني، و يجوز الوجهان (السمعاني 562 و مراصد الاطلاع 3/1374) .

(2) أبو الفتح علي بن محمد بن الحسين المعروف بابن العميد (337-366) : ابن الوزير أبى الفضل ابن العميد المشهور، خلف أباه في وزارة ركن الدولة بالري، و تمكن من الدولة، فخافه مؤيد الدولة الذي خلف ركن الدولة، و قبض عليه و صادره و قتله (الأعلام 5/143) .

(3) ذو الكفايتين: السيف و القلم، لقبه به الخليفة المطيع، راجع تجارب الأمم 2/354.

(4) عبسى المجلس: هيأه.

22

و الفاكهة الكثيرة، و أحضر المطرب، و شرب بقيّة يومه، و عامّة ليلته، ثم عمل شعرا، أنشده ندماءه، و غنّي به في الحال، و هو:

دعوت المنى و دعوت العلى # فلمّا أجابا دعوت القدح

و قلت لأيام شرخ الشباب # إليّ فهذا أوان الفرح

إذا بلغ المرء آماله # فليس له بعدها مقترح‏

قال: و كان هذا بعد تدبيره على الصاحب أبي القاسم بن عبّاد (1) ، حتى أبعده عن كتبة (2) صاحبه الأمير مؤيد الدولة (3) ، و سيّره عن حضرته بالريّ‏ (4) ، إلى أصبهان‏ (5) ، و انفرد هو بتدبير الأمور لمؤيّد الدولة، كما كان لركن الدولة (6) .

فلمّا غنّي الشعر استطابه، و شرب عليه، إلى أن سكر، ثم قال لغلمانه: غطّوا المجلس، و لا تسقطوا منه شيئا، لأصطبح‏ (7) في غد عليه، و قال لندمائه: باكروني، و لا تتأخّروا، فقد اشتهيت الصبوح، و قام إلى بيت منامه، و انصرف الندماء.

____________

(1) أبو القاسم إسماعيل بن عباد، الصاحب، كافي الكفاة، وزير ركن الدولة، و مؤيد الدولة من بعده، و فخر الدولة من بعدهما: ترجمته في حاشية القصة 4/45 من النشوار.

(2) الكتبة: الوزارة.

(3) أبو منصور بويه مؤيد الدولة ابن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه: ضبط له مملكته وزيره أبو القاسم الصاحب بن عباد، و توفي في السنة 373 عن 43 سنة (المنتظم 7/122) .

(4) الري: انظر حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(5) أصبهان: انظر حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(6) ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه: ترجمته في حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(7) الاصطباج: شرب الصبوح و هو الشرب مع الفجر.

23

و دعاه مؤيّد الدولة في السحر (1) ، فلم يشك أنّه لمهمّ، فقبض عليه، و أنفذ إلى داره من أخذ جميع ما فيها، و تطاولت به النكبة، حتى مات فيها (2) .

ثم عاد ابن عبّاد إلى وزارة مؤيد الدولة، ثم وزّر لأخيه فخر الدولة (3) ، فبقي في الوزارة ثماني عشرة سنة و شهورا، و فتح خمسين قلعة سلّمها إلى فخر الدولة، لم يجتمع مثلها إلى أبيه.

و كان الصاحب عالما بفنون من العلوم كثيرة، لم يقاربه في ذلك وزير، و له التصانيف الحسان، و النثر البالغ، و جمع كتبا عظيمة، حتى كان يحتاج إلى نقلها على أربعمائة جمل.

و كان يخالط العلماء و الأدباء، و يقول لهم: نحن بالنهار سلطان، و بالليل إخوان‏ (4) .

المنتظم 7/179، 180

____________

(1) السحر: آخر الليل.

(2) قبض مؤيد الدولة على ابن العميد في السنة 366، و اجتاح ماله، و قطع أنفه، و جز لحيته، و قطع يديه، و ما زال يعرضه على أنواع العذاب، حتى تلف ( وفيات الأعيان 4/196) .

(3) فخر الدولة، أبو الحسن علي بن ركن الدولة: تولى بعد أخيه مؤيد الدولة، و كان المطيع قد لقبه فخر الدولة، و لقبه الطائع بفلك الأمة، توفي سنة 387 عن 46 سنة (المنتظم 7/197 و تجارب الأمم 2/354) .

(4) قال صاحب يتيمة الدهر في الصاحب 3/192: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم و الأدب، و جلالة شأنه في الجود و الكرم، و تفرده بغايات المحاسن، و جمعه أشتات المفاخر، فهو صدر المشرق، و تاريخ المجد، و غرة الزمان، و ينبوع العدل و الإحسان، و كان نادرة عطارد في البلاغة، و واسطة عقد الدهر في السماحة، بلغ من البلاغة ما يعد في السحر، و يكاد يدخل في حد الإعجاز، و سار كلامه مسير الشمس، و نظم ناحيتي الشرق و الغرب.

24

9 من شعر الحسن بن حامد

أنشدنا الحسن بن علي الجوهري‏ (1) ، و علي بن المحسّن التنوخي، قالا:

أنشدنا أبو محمد الحسن بن حامد (2) لنفسه:

شريت المعالي غير منتظر بها # كسادا و لا سوقا تقام لها أخرى

و ما أنا من أهل المكاس‏ (3) و كلّما # توفّرت‏ (4) الأثمان كنت لها أشرى‏

تاريخ بغداد للخطيب 7/304 المنتظم 7/181

____________

(1) أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري (363-454) : ترجم له الخطيب في تاريخه 7/393.

(2) أبو محمد الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد: التاجر الأديب، نزل عليه المتنبي لما قدم بغداد، و كان القيم بأموره، و قال له المتنبي: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك، قال الخطيب في تاريخه 7/303: إنه توفي بمصر سنة 407، و قال ابن الجوزي في المنتظم 7/181: إنه توفي سنة 385.

(3) المكاس: المجادلة من أجل إنقاص الثمن، و يسمى في لبنان: المفاصلة، و في بغداد: العملة بكسر العين.

(4) توفر: زاد و كثر.

25

10 الشاعر ابن سكرة يدخل محمدا و يخرج بشرا

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد (1) ، قال: أخبرنا الخطيب‏ (2) ، قال:

أنشدني علي بن المحسّن، قال: أنشدني أبو الحسن بن سكّرة (3) ، و قال:

دخلت حمّاما و خرجت و قد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافيا، و أنا أقول:

إليك أذمّ حمّام ابن موسى # و إن فاق المنى طيبا و حرّا

تكاثرت اللصوص عليه حتى # ليحفى من يطيف به و يعرى

و لم أفقد به ثوبا و لكن # دخلت محمدا و خرجت بشرا (4)

المنتظم 7/186

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد المعروف بابن زريق: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو الحسن محمد بن عبد اللّه بن سكرة، الهاشمي العباسي، الشاعر المطبوع: ترجمته في حاشية القصة 2/162 من النشوار.

(4) يشير إلى بشر الحافي، يعني انه دخل بنعله، و خرج حافيا.

26

11 ابن سكرة الهاشمي يهجو القاضي أبا السائب‏

و من أشعار[ابن سكّرة الهاشمي‏ (1) ، ما قاله‏]في القاضي أبي السائب‏ (2) :

إن شئت أن تبصر أعجوبة # من جور أحكام أبي السائب‏ (3)

فاعمد من الليل إلى صرّة # و قرّر الأمر مع الحاجب‏ (4)

حتى ترى مروان يقضى له # على عليّ بن أبي طالب‏ (5)

المنتظم 7/186

____________

(1) أبو الحسن محمد بن عبد اللّه بن محمد البغدادي الشاعر، المعروف بابن كسرة: ترجمته في حاشية القصة 2/162 من النشوار.

(2) أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه بن موسى بن عبيد اللّه الهمذاني القاضي: ترجمته في حاشية القصة 1/117 من النشوار.

(3) الشاعر ابن سكرة الهاشمي، مولع بهجو القضاة، فقد هجا قاضي القضاة أبا السائب، راجع القصة 2/162 من النشوار، و هجا قاضي القضاة أبا العباس المعروف بابن أبي الشوارب، راجع القصة 3/108 من النشوار.

(4) حاجب القاضي أبي السائب، اسمه محمد، قال فيه صاحب تجارب الأمم 2/184: لما توفي قاضي القضاة أبو السائب في السنة 350، صودر محمد الحاجب غلامه، و ضربه الوزير أبو محمد المهلبي، بحضرتي، ضرب التلف، لما كان بلغه عنه من التخرم و التهتك، في أيام أبي السائب، و لم يكن به إلا التشفي منه، فنثر كعابه ضربا، و كان هذا الرجل عاهرا، يتعرض لحرم الناس، و كان مرسوما بحجبة قاضي القضاة، فكانت لا تمتنع عليه من لها خصومة، أو حاجة، عند قاضي القضاة، و كان جميلا مقبول الصورة، و يتصنع مع ذلك، و يتهم بفواحش مع صاحبه.

(5) الناقل التنوخي، تتمة القصة 5/10 من النشوار.

27

12 يسقط من موضع عال فيسلم ثم يعثر بعتبة الباب فيقع ميتا

أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز (1) قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن‏ (2) ، عن أبيه‏ (3) ، قال: حدّثني أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد الاسكافي، قال:

سمعت أبا الحسن محمد بن عمر العلوي‏ (4) ، يقول:

انّه لما بنى داره بالكوفة، و كان فيها حائط عظيم العلوّ، فبينا البنّاء قائم على أعلاه لإصلاحه، سقط إلى الأرض، فارتفع الضجيج استعظاما للحال، لأنّ العادة لم تجر بسلامة من يسقط عن مثل ذلك الحائط، فقام الرجل سالما لا قلبة به‏ (5) ، و أراد العود إلى الحائط، ليتمّ البناء.

فقال له الشريف أبو الحسن: قد شاع سقوطك من أعلى الحائط، و أهلك لا يصدقون سلامتك، و لست أحبّ أن يردوا إلى بابي صوارخ، فامض إلى أهلك، ليشاهدوا سلامتك، و عد إلى شغلك.

فمضى مسرعا، فعثر بعتبة الباب، فسقط ميتا.

المنتظم 7/213

____________

(1) أبو بكر محمد بن أبي طاهر عبد الباقي بن محمد بن عبد اللّه المعروف بالبزاز: ترجمته في في حاشية القصة 4/55 من النشوار.

(2) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(3) أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي، صاحب النشوار.

(4) أبو الحسن محمد بن عمر العلوي: ترجمته في حاشية القصة 5/5 من النشوار.

(5) القلبة: العطل و الزمانة.

28

13 بين أبي إسحاق الطبري و أبي الحسين بن سمعون‏

أخبرنا القزاز (1) ، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت‏ (2) ، قال: حدّثني علي ابن أبي علي المعدّل‏ (3) ، قال:

قصد أبو الحسين بن سمعون‏ (4) أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري‏ (5)

ليهنّئه بقدومه من البصرة، فجلس في الموضع الذي جرت عادة أبي إسحاق بالجلوس فيه لصلاة الجمعة من جامع المدينة، و لم يكن وافى، فلما جاء و التقيا، قام إليه، و سلّم عليه، و قال له بعد أن جلسا:

الصبر إلاّ عنك محمود # و العيش إلاّ بك منكود

و يوم تأتي سالما غانما # يوم على الإخوان مسعود

مذ غبت غاب الخير من عندنا # و إن تعد فالخير مردود

المنتظم 7/223

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن التنوخي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(4) أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل الواعظ المعروف بابن سمعون: كان يلقب بالناطق بالحكمة، لتأثير وعظه في الناس، توفي سنة 387 (المنتظم 7/198) .

(5) أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: ترجمته في حاشية القصة 1/159 من النشوار، راجع القصتين 3/4 و 6/7 من النشوار، و تاريخ بغداد 6/19.

29

14 أبو القاسم الخبز أرزي يهدي للتنوخي سبحة سبج‏

حدّثنا القاضي التنوخي، قال:

أهدى إليّ نصر بن أحمد الخبز أرزي، سبحة سبج‏ (1) ، و كتب معها:

بعثت يا بدر بني يعرب # بسبحة من سبج معجب

يقول من أبصرها طرفه # نعم عتاد الخائف المذنب

لم تخط إن فكّرت في نظمها # و لونها من حمّة العقرب‏

التحف و الهدايا 23

____________

(1) التسبيح: في اللغة، الصلاة و الدعاء، و في الاصطلاح، قول سبحان اللّه، تمجيدا و تنزيها له، و المسبحة: الاصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك، لأنها يشار بها عند التسبيح (لسان العرب، مادة سبح) ، و كان عبد اللّه بن عباس، يسمي السبابة: المسبحة (الفرج بعد الشدة 1/185) . و كان التسبيح يجري باليد، ثم بالحصى، و كانت ساحات المساجد في الكوفة، و البصرة، مفروشة بالحصى، يسبح به المصلون، و يحصبون به الولاة و الخطباء إذا سمعوا منهم ما لا يرضيهم (الطبري 5/234 و 235 و 6/203 و 204) ، و كان عبد الملك بن هلال، عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة، واحدة، فإذا مل شيئا، طرح اثنتين، اثنتين، ثم ثلاثا، ثلاثا، فإذا مل، قبض قبضة، و قال: سبحان اللّه بعدد هذا، فإذا ضجر، أخذ بعروتي الزنبيل و قلبه، و قال: سبحان اللّه، بعدد هذا كله، و إذا بكر لحاجة، و كان مستعجلا، لحظ الزنبيل لحظة، و قال: سبحان اللّه، بعدد ما فيه (البيان و التبيين 3/228) ، ثم اتخذت السبحة، و هي خرزات منظومة في سلك، يجري التسبيح بها، ثم تعدى الأمر إلى اتخاذ السبحة للتسلية، و أصبح للسبحة هواة، يجمعون أنواعا منها، و يغالون في أثمانها، و كان للمقتدر العباسي، سبحة قومت بمائة ألف دينار، فقد ذكر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، أن والدته عمرة، جارية المقتدر، أخبرته، بأن المقتدر استدعى بجواهر، فاختار منها مائة حبة، و نظمها سبحة يسبح بها، و أن هذه السبحة عرضت على الجوهريين، فقوموا كل حبة منها بألف دينار و أكثر (نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي-مخطوط) ، و السبج: الخرز الأسود.

30

15 عبد الصمد يدق السعد في العطارين‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي‏ (1) ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي‏ (2) ، قال:

كان عبد الصمد (3) يدقّ السعد في العطارين، و يذهب مذهب التديّن و التصوّف، و التعفّف و التقشّف.

فسمع عطارا يهوديا، يقول لابنه: يا بنيّ، قد جرّبت هؤلاء المسلمين، فما وجدت فيهم ثقة.

فتركه عبد الصمد أياما، ثم جاءه، فقال: أيها الرجل، تستأجرني لحفظ دكانك؟ قال: نعم، و كم تأخذ مني؟ قال: ثلاثة أرطال خبز، و دانقين فضة كل يوم.

قال: قد رضيت.

قال: فاعطني الخبز أدرارا، و اجمع لي الفضة عندك، فإنّي أريدها لكسوتي.

فعمل معه سنة، فلما انقضت، جاءه، فحاسبه، فقال: انظر إلى دكّانك.

قال: قد نظرت.

____________

(1) أبو بكر محمد بن أبي طاهر عبد الباقي بن محمد بن عبد اللّه البزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/55 من النشوار.

(2) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(3) أبو القاسم عبد الصمد بن عمر بن محمد بن إسحاق الدينوري: الواعظ الزاهد، كان يسرب به المثل في المجاهدة، و التقشف، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، توفي سنة 397 (المنتظم 7/235) .

31

قال: فهل وجدت خيانة أو خللا؟ قال: لا و اللّه.

قال: فإني لم أرد العمل معك، و إنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني، إنك لم تر في المسلمين أمينا، فأردت أن أنقض عليك قولك، و أعلمك أنّه إذا كان مثلي-و أنا أحد فقرائهم-على هذه الصورة، فغيري من المسلمين على مثلها، و ما هو أكثر منها.

ثم فارقه، و أقام على دقّ السّعد (1) .

المنتظم 7/235

____________

(1) السعد: بضم السين و سكون العين، نبت له أصل تحت الأرض، أسود، طيب الريح (لسان العرب) ، ذكره ابن سينا في القانون 1/378، و ابن البيطار في الجامع 3/15، فوصفاه بأنه نبات ورقه يشبه الكراث، و أصوله كأنها زيتون، طيبة الرائحة، سوداء، فيها مرارة، و أوردا له منافع عديدة منها: انه يطيب النكهة، و ينفع في لسعة العقرب، و الهوام الأخرى، و يعجل اندمال القروح، و عددا فوائد طبية أخرى له، و قال ابن البيطار: ان الذي ينفع في السعد، هو أصله، و إن أصوله تسخن، و تجفف، و يتضح من هذه القصة أن حب السعد بعد تجفيفه، كان يدق، و يستعمل في الدواء، و اختصاص شخص أو أكثر، بدق السعد، دليل على وفرته، و كثرة مستعمليه، أما في وقتنا هذا، فإن السعد، و يلفظ بكسر السين و العين، يستخرج بكميات قليلة جدا، و يباع جافا عند بعض العطارين، و ربما أكل منه البعض، حبة أو حبتين، و هو طري، تفكها بطعمه المر، و لما يشاع عنه، أنه يزيل انتفاخ البطن، و ينفع في عسر الهضم.

32

16 طلسم في صعيد مصر يطرد الفار

قال أبو علي التنوخي: حدّثني من أثق به، و هو أبو عبد اللّه الحسين ابن عثمان الخرقي الحنبلي، قال:

توجّهت إلى الصعيد (1) في سنة 359 فرأيت في باب ضيعة لأبي بكر علي ابن صالح الروذباري‏ (2) تعرف بابسوج‏ (3) ، شارعة على النيل بين القيس‏ (4)

و البهنسا (5) ، صورة فأرة في حجر، و الناس يجيئون بطين من طين النيل فيطبعون فيه تلك الصورة، و يحملونه إلى بيوتهم.

فسألت عن ذلك، فقيل لي: ظهر عن قريب، من سنيّات، هذا الطّلسم، و ذاك إنّه كان مركب فيه شعير تحت هذه البيعة (6) ، فقصد صبيّ من المركب ليلعب، فأخذ من هذا الطين، و طبع الفأرة، و نزل بالطين المطبوع إلى المركب، فلما حصل فيه، تبادر فأر المركب يظهرون و يرمون أنفسهم في الماء.

____________

(1) الصعيد في اللغة: ما ارتفع من الأرض، و منه سمي صعيد مصر، و هو المقصود في القصة، و ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأعلى من أسوان إلى إخميم، و الأوسط من إخميم إلى البهنسا، و الأدنى من البهنسا إلى قرب الفسطاط (مراصد الاطلاع 2/841) .

(2) روذبار: ناحية من طسوج أصبهان (مراصد الاطلاع 2/639) .

(3) أبسوج: قرية بالصعيد على غربي النيل (مراصد الاطلاع 1/16) .

(4) القيس: كورة كانت في غرب النيل بعد الجيزة و خربت (مراصد الاطلاع 3/1139 و معجم البلدان 4/215) .

(5) البهنسا: مدينة بمصر من الصعيد الأدنى، غربي النيل، ليست على ضفته (مراصد الاطلاع 2/841) .

(6) الظاهر أنها محرفة عن: الضيعة.

33

فعجب الناس من ذلك، و جرّبوه في البيوت، فكان أيّ طابع حصل في داره، لم تبق فيها فأرة إلاّ خرجت، فتقتل، أو تفلّتت إلى موضع لا صورة فيه.

فكثّر الناس أخذ الصورة في الطين، و تركها في منازلهم، حتى لم تبق فارة في الطرق و الشوارع.

و شاع ذلك، و ذاع في البلدان‏ (1) .

معجم البلدان 1/91

____________

(1) راجع التعليق الذي أثبته ياقوت رحمه اللّه في معجم البلدان 1/683، و قد أوردناه في حاشية القصة 5/22 من النشوار.

3 ن 5

34

17 حجر عجيب الخواص في ضيعة عين جاره‏

قال أبو علي التنوخي: حدّثني الحسين بن نبت، غلام الببغاء (1) ، و كتب لي خطّه، و شهد له الببغاء بصحة الحكاية، قال:

كانت من أعمال حلب، ضيعة تعرف بعين جاره، بينها و بين الهونة، أو قال: الحونة، أو الجومة (2) ، حجر قائم كالتخم‏ (3) بين الضيعتين.

و ربما وقع بين أهل الضيعتين شرّ، فيكيدهم أهل الهونة، بأن يلقوا ذلك الحجر القائم، فكما يقع‏ (4) الحجر، يخرج أهل الضيعتين من النساء ظاهرات متبرّجات، لا يعقلن على أنفسهن، طلبا للجماع، و لا يستحيين من الحال، لما عليهن من غلبة الشهوة.

إلى أن يتبادر الرجال إلى الحجر، فيعيدونه إلى حالته الأولى قائما، منتصبا، فتتراجع النساء إلى بيوتهن، و قد عاد إليهن التمييز باستقباح ما كنّ فيه.

____________

(1) أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الشاعر، المعروف بالببغاء: ترجمته في حاشية القصة 1/52 من النشوار.

(2) الظاهر أن ياقوت رحمه اللّه رجح الاسم الأخير، و هو الجومة، إذ أغفل في معجمه ذكر الاسمين الآخرين، و قال: إن الجومة من نواحي حلب (معجم البلدان 2/159) و أحسبه على حق في اختياره هذا الاسم، لأنه لما وصف الموضع في ذيل القصة، ذكر أن هناك هوة كالخسف، و ربما كانت هذه الهوة سبب تسميتها بالجومة، و هي الحفرة يتسرب إليها الماء، و منها جومة الحمام، و جومة الكنيف.

(3) التخم: الحد.

(4) كما يقع: بمعنى عند ما يقع، تعبير ما زال مستعملا في الموصل.

35

و هذه الضيعة كان سيف الدولة الحمداني‏ (1) أقطعها أبا علي أحمد بن نصر البازيار (2) ، و كان أبو علي يتحدّث بذلك، و يسمعه الناس منه.

و قد ذكر هذه الحكاية، بخطّه في الأصل‏ (3) .

معجم البلدان 3/760

____________

(1) الأمير سيف الدولة، أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن حمدان: ترجمته في حاشية القصة 1/44 من النشوار.

(2) أبو علي أحمد بن نصر بن الحسين: و البازيار لقب أبيه نصر، و كان يتعاطى بالجوارح، فرد إليه المعتضد نوعا من جوارحه، فلقب بذلك، و أبو علي هذا، ابن أخت أبي القاسم علي بن محمد الحواري الذي كان أثيرا عند المقتدر، و قد حضر أبو علي محاكمة الحلاج ممثلا خاله، و لما قبض الوزير ابن الفرات على ابن الحواري، و صادره على سبعمائة ألف دينار، كان ابن البازيار من جملة المقبوض عليهم، و قد أطلق سراحه ليتدارك المعجل من مبلغ المصادرة، ثم قلده ناصر الدولة-لما أصبح أمير الأمراء-ديوان المشرق، و زمام البر، و زمام المغرب، ثم التحق بخدمة سيف الدولة، و بقي عنده حتى مات سنة 352 (تجارب الأمم 1/77 و 92 و الوزراء 46 و معجم الأدباء 2/122، راجع القصة 1/44 من النشوار) .

(3) علق صاحب معجم البلدان على القصة بما يلي:

«قال عبيد اللّه، الفقير إليه تعالى مؤلف هذا الكتاب، قد سألت بحلب عن هذه الضيعة، فعرفوها، و ذكروا أن هناك هوية كالخسف، في وسطها عمود قائم، لا يدرون ما هو، و لم يعرفوا هذا الذي ذكر من أنه إذا ألقي شبقت النساء، و هي ضيعة مشهورة يعرفها جميع أهل حلب.

36

18 مشهد النذور بظاهر سور بغداد

حدّثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي، قال: حدّثني أبي، قال:

كنت جالسا بحضرة عضد الدولة (1) ، و نحن مخيّمون بالقرب من مصلى الأعياد (2) ، في الجانب الشرقي من مدينة السلام، نريد الخروج معه إلى همذان‏ (3) ، في أول يوم نزل العسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور (4) .

فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، و لم أقل قبر، لعلمي بتطيّره من ذكر هذا.

فاستحسن اللفظ، و قال: قد علمت أنّه قبر النذور، و إنما أردت شرح أمره.

فقلت: هذا يقال إنّه قبر عبيد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و أنّ بعض الخلفاء أراد قتله خفية، فجعل له هناك زبية (5) ، و سيّر عليها و هو لا يعلم، فوقع فيها، و هيل عليه التراب حيّا، و إنما شهر بقبر النذور، لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلاّ صحّ، و بلغ الناذر ما يريد، و لزمه الوفاء بالنذر، و أنا أحد من نذر له مرارا لا

____________

(1) أبو شجاع عضد الدولة فناخسرو بن أبي علي الحسن ركن الدولة: ترجمته في حاشية ترجمة التنوخي المؤلف، في صدر الجزء الأول من النشوار.

(2) المصلى الذي تصلى فيه صلاة العيد، و يقع خارج سور بغداد في الجانب الشرقي.

(3) همذان: راجع حاشية القصة 4/45 من النشوار.

(4) قبر النذور: مشهد بظاهر بغداد على نصف ميل من السور، يزار، و ينذر له (معجم البلدان 4/28) .

(5) الزبية: حفرة تحتفر لصيد السباع، و تغطى ببارية لكي يقع فيها الصيد.

37

أحصيها كثرة، نذورا على أمور متعدّدة، فبلغتها، و لزمني النذر، فوفيت به.

فلم يقبل هذا القول، و تكلّم بما دل على أنّ هذا إنّما يقع منه اليسير اتّفاقا، فيتسوّق العوام بأضعافه، و يسيّرون الأحاديث الباطلة فيه، فامسكت.

فلما كان بعد أيام يسيرة، و نحن معسكرون في موضعنا، استدعاني، في غدوة يوم، و قال: اركب معي إلى مشهد النذور.

فركبت، و ركب في نفر من حاشيته، إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله، و زار القبر، و صلّى عنده ركعتين، سجد بعدهما سجدة طويلة، أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد، ثم ركبنا معه إلى خيمته، ثم رحل و رحلنا معه نريد همذان، و بلغناها، و أقمنا فيها معه شهورا.

فلما كان بعد ذلك استدعاني و قال لي: أ لست تذكر ما حدّثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟ فقلت: بلى.

فقال: إنّي خاطبتك في معناه، بدون ما كان في نفسي، اعتمادا لإحسان عشرتك، و الذي كان في نفسي، في الحقيقة، أنّ جميع ما يقال فيه كذب.

فلما كان بعد ذلك بمديدة، طرقني أمر خشيت أن يقع و يتمّ، و أعملت فكري في الاحتيال لزواله، و لو بجميع ما في بيوت أموالي، و سائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مذهبا.

فتذكّرت ما أخبرتني به من النذر لقبر النذور، فقلت: لم لا أجرّب ذلك؟فنذرت إن كفاني اللّه سبحانه ذلك الأمر، أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحا.

فلما كان اليوم، جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدّمت إلى‏

38

أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف-يعني كاتبه‏ (1) -أن يكتب إلى أبي الريان- و كان خليفته ببغداد (2) -بحملها إلى المشهد.

ثم التفت إلى عبد العزيز، و كان حاضرا، فقال له: قد كتبت بذلك، و نفذ الكتاب.

معجم البلدان 4/29 تاريخ بغداد للخطيب 1/123

____________

(1) أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الشيرازي الجكار: ترجمته في حاشية القصة 4/44 من النشوار.

(2) أبو الريان حمد بن محمد: ترجمته في حاشية القصة 4/45 من النشوار.

39

19 ألوان غريبة من الورد

حكى صاحب نشوار المحاضرة (1) : أنّه رأى وردا أصفر، و استغرب ذلك، و قد رأيناه كثيرا، إلاّ أنه امتاز بكونه عدّ ورق وردة، فكانت ألف ورقة (2) ، و رأى وردا أسود حالك اللون، له رائحة ذكية، و رأى بالبصرة وردة، نصفها أحمر قاني الحمرة، و نصفها الآخر ناصع البياض‏ (3) ، و الورقة التي قد وقع الخط فيها كأنها مقسومة بقلم‏ (4) .

مطالع البدور 1/94

____________

(1) نقل هذه الفقرة عن نشوار المحاضرة، علاء الدين الغزولي الدمشقي، المتوفى سنة 815، عن جزء يعتبر الآن من أجزاء النشوار الضائعة، و هذا النقل يعني أن الجزء الذي نقلت منه كان إلى القرن التاسع الهجري متداولا، مما يبعث فينا أملا جديدا بالعثور على بعض أجزاء النشوار الضائعة.

(2) موضوع الوردة ذات الألف ورقة، نقله الأستاذ أحمد تيمور عن مباهج الفكر: راجع الموسوعة التيمورية 97.

(3) راجع بحث الورد في الموسوعة التيمورية 96 و 97 و 100 و 101 و 108 و 109 و 110.

(4) وردت هذه الفقرة بتمامها في مطالع البدور للغزولي 1/94 و وردت في حلبة الكميت للنواجي 236، و نص الفقرة يوهم أنهما نقلاها عن النشوار، و لكن أحمد تيمور رحمه اللّه أوردها في موسوعته منقولة عن كتاب مباهج الفكر، و أحسب أن الغزولي و النواجي نقلاها عن كتاب المباهج أيضا، إذ أورد صاحب مطالع البدور تتمة هذه الفقرة، فقال: قال صاحب مباهج الفكر: و حكى لي بعض أصحابي أنه رأى وردا بدمشق له وجهان، أحد الوجهين أحمر، و الآخر أبيض، لا يشوب أحدهما شي‏ء من الآخر، و أخبرت أن بحلب وردا، أحد وجهي الورقة أحمر، و الآخر أصفر، و أما الورد الأزرق، فقد حكى لي بعض أصحابي أن رجلا أخبره أنه رأى أكارا يجري إلى شجرة الورد ماء مخلوطا بالنيل، قال: فسألته عن ذلك، فقال: إن الورد يكون أزرق بهذا العمل، و الظاهر من الأسود، انه احتيل عليه كذلك.

(مطالع البدور 1/94) .

40

20 ذكر خبر بناء مدينة السلام‏

أخبرنا القاضي علي بن أبي عليّ المعدّل التنوخي‏ (1) ، قال: أخبرنا طلحة ابن محمد بن جعفر (2) ، قال: أخبرني محمد بن جرير إجازة (3) :

أنّ أبا جعفر المنصور (4) بويع له سنة ست و ثلاثين و مائة (5) ، و أنّه ابتدأ أساس المدينة سنة خمس و أربعين و مائة (6) ، و استتم البناء، سنة ست و أربعين و مائة (7) ، و سماها مدينة السلام‏ (8) .

تاريخ بغداد للخطيب 1/66

____________

(1) أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن التنوخي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(2) أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: ترجمته في حاشية القصة 3/135 من النشوار.

(3) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، العالم، الفقيه، المؤرخ، صاحب تاريخ الطبري، و تفسير الطبري: ترجمته في حاشية القصة 4/9 من النشوار.

(4) أبو جعفر المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي: ترجمته في حاشية القصة 2/15 من النشوار.

(5) الأعلام 4/259.

(6) معجم البلدان 1/680، و خلاصة الذهب المسبوك 72.

(7) خلاصة الذهب المسبوك 77.

(8) معجم البلدان 1/677.

41

21 مدينة السلام لم يمت فيها خليفة قط

قال أبو عبد اللّه محمد بن داود بن الجراح‏ (1) .

لم يمت بمدينة السلام‏ (2) خليفة، مذ بنيت إلاّ محمد الأمين‏ (3) ، فإنه قتل في شارع باب الأنبار (4) ، و حمل رأسه إلى طاهر بن الحسين‏ (5) ، و هو في معسكره بين بطاطيا و باب الأنبار (6) ، فأما المنصور (7) ، و هو الذي بناها، فمات حاجّا، و قد دخل الحرم‏ (8) ، و مات المهدي‏ (9) بماسبذان‏ (10) ، و مات

____________

(1) أبو عبد اللّه محمد بن داود الجراح (243-296) : أديب، عالم، كاتب، عم علي ابن عيسى الوزير، وزر لعبد اللّه بن المعتز في خلافته التي دامت يوما و ليلة، و قبض عليه و قتل (الأعلام 6/355) .

(2) مدينة السلام هي مدينة المنصور و تسمى المدينة المدورة.

(3) محمد الأمين بن هارون الرشيد (170-198) : ولي الخلافة بعد أبيه هارون، و اختلف مع أخيه عبد اللّه المأمون بتضريب الحاشية، فعزله من ولاية العهد، و تحاربا، فظفر به طاهر ابن الحسين، قائد المأمون، و قتله (الأعلام 7/351) . أقول: لم يكن الأمين مضيعا بالدرجة التي صوره الناس بها، و لكن سوء حظه صير الناس و الزمان عليه.

(4) الشارع الذي يؤدي إلى محلة باب الأنبار الواقعة خارج مدينة المنصور.

(5) طاهر بن الحسين بن مصعب (159-207) : أبو طلحة، من كبار القواد، كان أديبا حكيما شجاعا، و هو الذي وطد الملك للمأمون، و قتل الأمين، و مات طاهر و هو على خراسان (الأعلام 3/318) .

(6) محلة باب الأنبار: محلة تقع خارج باب الأنبار في مدينة المنصور (مراصد الاطلاع 2/772) و باب الأنبار هو باب الشام، و الأبواب الثلاثة الباقية باب خراسان، و باب الكوفة، و باب البصرة (معجم البلدان 1/682) .

(7) أبو جعفر المنصور، عبد اللّه بن محمد بن علي: ترجمته في حاشية القصة 2/15 من النشوار.

(8) سافر المنصور مريضا، فلما دخل مكة لم يلبث أن مات (الذهب المسبوك 89) .

(9) محمد المهدي بن المنصور (127-169) : ترجمته في حاشية القصة 4/145 من النشوار.

(10) ماسبذان: منطقة تقرب من حلوان و البندنيجين و الروز (مراصد الاطلاع 3/1220) .

42

الهادي‏ (1) بعيساباذ (2) ، و مات هارون‏ (3) بطوس‏ (4) ، و مات المأمون‏ (5) بالبدندون‏ (6) من بلاد الروم، و حمل-فيما قيل-إلى طرسوس‏ (7) فدفن بها، و مات المعتصم‏ (8)

بسرّ من رأى‏ (9) ، و كل من ولي الخلافة بعده من ولده، و ولد ولده، إلاّ المعتمد (10) و المعتضد (11) و المكتفي‏ (12) فإنهم ماتوا بالقصور من الزندورد (13) ، فحمل

____________

(1) الهادي، أبو محمد موسى بن محمد المهدي (144-170) : ولي الخلافة سنة 169 و أراد خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد، فلم يمهله أجله (الأعلام 8/279) . أقول: و المؤرخون يتهمون أمه الخيزران بسمه، لأنه حال بينها و بين التدخل في إدارة أمور الدولة، و هي أقوال تخالف الطبيعة الإنسانية في محبة الأم لولدها، فضلا عن كون هذا الاتهام لا يخرج عن دائرة التكهن، في حين أن الثابت إصابة الهادي بالحمى، و من مرض، كان احتمال موته أقوى من احتمال قتله.

(2) عيساباذ: محلة كانت بالجانب الشرقي من بغداد بنى بها المهدي قصرا سماه قصر السلام (مراصد الاطلاع 2/975) .

(3) هارون الرشيد بن محمد المهدي: ترجمته في حاشية القصة 1/135 من النشوار.

(4) طوس: مدينة بينها و بين نيسابور عشرة فراسخ، بها قبر الإمام الرضا، و قبر هارون الرشيد، في بستان كان بها (معجم البلدان 2/897) . أقول: طوس الآن عاصمة منطقة خراسان، و هي مدينة عظيمة واسعة الأرجاء، حسنة البنيان، عامرة، كثيرة السكان، و الزوار، و شتاؤها شديد البرد.

(5) أبو العباس عبد اللّه المأمون، حكيم بني العباس: ترجمته في حاشية القصة 1/68 من النشوار.

(6) البدندون: قرية ببلاد الثغور، بها مات المأمون، بينها و بين طرسوس يوم واحد (مراصد الاطلاع 1/173) .

(7) طرسوس: مدينة بثغور الشام، بين أنطاكية و حلب و بلاد الروم، يشقها نهر البردان، و بها قبر المأمون (مراصد الاطلاع 2/883) .

(8) أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد: ترجمته في حاشية القصة 2/49 من النشوار.

(9) سر من رأى: راجع حاشية القصة 4/63 من النشوار.

(10) المعتمد، أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل: ترجمته في حاشية القصة 2/8 من النشوار.

(11) المعتضد، أبو العباس أحمد بن طلحة الموفق: ترجمته في حاشية القصة 1/73 من النشوار.

(12) المكتفي، أبو محمد علي بن أحمد المعتضد، ترجمته في حاشية القصة 1/155 من النشوار.

(13) الزندورد: منطقة بالجانب الشرقي من بغداد، تقع بين باب الأزج (باب الشيخ) و كلواذى (كراره) و كان فيها نهر عليه بساتين من كلواذى، و كان بها دير قديم، و قد ذكر ياقوت أن أرض هذه المنطقة كلها فواكه و أترج و أعناب (معجم البلدان 2/665 و مراصد الاطلاع 2/672) . أقول: و قد أدركت هذه المنطقة و هي غاصة بالبساتين العامرة المثمرة، قبل أن يمتد إليها العمران، أما الآن (السنة 1972) فإن هذه المنطقة تعتبر سرّة بغداد، و هي مزدحمة بالمساكن و المكاتب و المخازن التجارية.

43

المعتمد ميتا إلى سرّ من رأى، و دفن المعتضد في موضع من دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر (1) ، و دفن المكتفي في موضع من دار ابن طاهر (2) .

قال الخطيب الحافظ أبو بكر: ذكرت هذا الخبر للقاضي أبي القاسم علي بن المحسّن التنوخيّ رحمه اللّه، فقال: محمد الأمين أيضا لم يقتل في المدينة، و إنما كان قد نزل في سفينة إلى دجلة ليتنزّه‏ (3) ، فقبض عليه في وسط دجلة، و قتل هناك، ذكر ذلك الصولي و غيره.

و قال أحمد بن أبي يعقوب الكاتب: قتل الأمين خارج باب الأنبار (4) .

تاريخ بغداد للخطيب 1/68

____________

(1) الذهب المسبوك 236.

(2) الذهب المسبوك 238.

(3) المدون في التاريخ: أن الأمين خرج مستسلما إلى هرثمة بن أعين (الطبري 8/484 و الكامل لابن الأثير 6/284)

(4) قوله: خارج باب الأنبار، يريد أن يؤيد الإشاعة القائلة بأن مدينة السلام لم يمت فيها خليفة قط.

44

22 الصنم الموجود على رأس القبة الخضراء

حدّثني القاضي أبو القاسم التنوخي، قال:

سمعت جماعة من شيوخنا يذكرون: أنّ القبة الخضراء، كان على رأسها صنم على صورة فارس في يده رمح، فكان السلطان إذا رأى أنّ ذلك الصنم قد استقبل بعض الجهات، و مدّ الرمح نحوها، علم أنّ بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة، فلا يطول الوقت حتى ترد عليه الأخبار خارجيا قد نجم من تلك الجهة، أو كما قال‏ (1) .

تاريخ بغداد للخطيب 1/73

____________

(1) أورد ياقوت في معجم البلدان (1/683) هذه القصة و علق عليها بما يأتي: هكذا ذكر الخطيب، و هو من المستحيل، و الكذب الفاحش، و إنما يحكى بمثل هذا عن سحرة مصر و طلسمات بليناس التي أوهم هم الأغمار صحتها تطاول الأزمان، و التخيل أن المتقدمين ما كانوا بني آدم، فأما الملة الإسلامية، فإنها تجل عن هذه الخرافات، فإن المعلوم أن الحيوان الناطق مكلف الصائع لهذا التمثال لا يعلم شيئا مما ينسب إلى هذا الجماد، و لو كان نبيا مرسلا، و أيضا لو كان كلما توجهت إلى جهة، خرج منها خارجي، لوجب أن لا يزال خارجي يخرج في كل وقت، لأنها لا بد أن تتوجه إلى وجه من الوجوه، و اللّه أعلم.

45

32 الأبواب الحديد على مدينة المنصور

حدّثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن، قال: حدّثني أبو الحسن ابن عبيد الزجّاج الشاهد (1) ، و كان مولده في شهر رمضان من سنة أربع و تسعين و مائتين، قال:

أذكر في سنة سبع و ثلاثمائة، و قد كسرت العامة الحبوس بمدينة المنصور (2) ، فأفلت من كان فيها، و كانت الأبواب الحديد (3) التي للمدينة باقية، فغلقت، و تتبّع أصحاب الشرط من أفلت من الحبوس، فأخذوا جميعهم، حتى لم يفتهم منهم أحد.

تاريخ بغداد للخطيب 1/75

____________

(1) أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن محمد بن عبيد الزجاج، الشاهد (295-390) : ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه 12/7.

(2) في السنة 307 تحرك السعر ببغداد، فثارت العامة و الخاصة، و كسروا المنابر، و أحرقوا الجسرين، و أخرجوا المحبسين من السجون، و نهبوا دار صاحب الشرطة. حدث ذلك في عهد الخليفة المقتدر و الوزير حامد بن العباس (الكامل لابن الأثير 8/116) .

(3) جاء في تاريخ بغداد للخطيب 1/75: أن أبا جعفر المنصور جعل لمدينة المنصور أربعة أبواب، و أنه نقل الأبواب من واسط و هي أبواب الحجاج، و أن الحجاج و جدها على مدينة كان بناها سليمان بن داود بإزاء واسط، كانت تعرف بزندورد، و كانت خمسا، و أقام على باب خراسان بابا جي‏ء به من الشام من عمل الفراعنة، و على باب الكوفة الخارج بابا جي‏ء به من الكوفة من عمل القسري، و عمل هو لباب الشام بابا، فهو أضعفها، و جعل لكل باب بابين، باب دون باب، بينهما دهليز و رحبة.

46

24 الماء المنبثق من قبين يهدم طاقات باب الكوفة في مدينة المنصور

حدّثني علي بن المحسّن‏ (1) ، قال: قال لي القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي‏ (2) :

انبثق البثق‏ (3) من قبين‏ (4) ، و جاء الماء الأسود (5) فهدم طاقات باب الكوفة (6) ، و دخل المدينة (7) فهدم دورنا، فخرجنا إلى الموصل‏ (8) ، و ذلك في سنة نيف

____________

(1) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن عيسى بن أحمد بن موسى المعروف بابن أبي موسى: ترجمته في حاشية القصة 4/45 من النشوار.

(3) البثق: انكسار سد النهر، و يسمى الآن في العراق بالكسرة.

(4) قبين: اسم نهر و قرية في منطقة بابل (معجم البلدان 4/35) يعني أن النهر يرضع من الفرات، و جميع حوادث الغرق التي ابتلي بها الجانب الغربي من بغداد، تحصل بانبثاق بثوق من الفرات.

(5) قوله الماء الأسود: يعني النزيز، و هو الماء المتحلب من باطن الأرض، في بقعة من البقع، من جراء احتباس الماء مرتفعا فيما جاورها، و قد حصل مثل ذلك في الجانب الشرقي من بغداد، في السنة 1916 عند ما انبثق بثق في السدة في منطقة الباب الشرقي، فانصب ماء دجلة إلى محلة العوينة (مصغر عين) لانخفاض أرضها، و تحلب الماء منها، فنزت أراضي المحلات المجاورة لها، و انبثق الماء من آبارها، فتهدمت حيطانها، و سقطت سقوفها، و خربت دورها، و بقيت تلك المنطقة خرابا، حتى عاد إليها العمران، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بسنين.

(6) باب الكوفة: أحد أبواب مدينة المنصور.

(7) المدينة: مدينة المنصور.

(8) الموصل: راجع حاشية القصة 3/11 من النشوار.

47

و ثلاثين و ثلاثمائة، و أقمنا بالموصل سنين عدّة، ثم عدنا إلى بغداد، فسكنّا طاقات العكّي‏ (1) .

تاريخ بغداد للخطيب 1/75

____________

(1) طاقات العكي: الطاق هو البناء المعقود، يجمع على طاقات و طيقان، و طاقات العكي، كانت في قطيعة العكي بمدينة المنصور، بين باب البصرة و باب الكوفة، و كانت أول طاقات بنيت ببغداد (معجم البلدان 3/488) . أقول: قد رأينا ببغداد طاقات يربط الطاق منها بين دارين متقابلتين يمر عابرو السبيل من تحتها، منها طاق البصراوي في عقد النصارى، و الطاق في عقد «جوّا الطاق» النافذ من سوق العطارين إلى عقد الكنائس، و طاقا في عقد النصارى، قرب البناية القديمة للمدرسة الجعفرية، يصل بين داري أرسطو، و هو طبيب فارسي يداوي مرضاه بالطب اليوناني، و طاقا عند بيت عبد الرحمن باشا الحيدري، في الزقاق النافذ إلى عقد مشرعة بيت النواب المتفرع من شارع النهر، أما الطاقات خارج بغداد، فهي طاقات أبواب السور، و قد رأينا منها طاقات باب المعظم، و هو الباب الشمالي في سور بغداد، و طاقات الباب الشرقي و هو الباب الجنوبي المسمى باب كلواذى أو باب البصلية، و هناك طاقات باب آخر هو باب الحلبة، يسميه العامة باب الطلسم، لوجود صورة حيتين ملتفتين متقابلتين على الطاق، و هو في الجانب الشرقي من السور، و قد نسفه الجيش التركي عند مغادرته بغداد في السنة 1917 في الحرب العالمية الأولى.

48

25 عدد الخدم و الفراشين في قصر الخلافة

حدّثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدّثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم‏ (1) ، قال: حدّثني أبي‏ (2) قال:

قال أبو القاسم علي بن محمد الخوارزمي، في وصف أيام المقتدر باللّه‏ (3) ، و قد جرى حديثه، و عظم أمره، و كثرة الخدم في داره: قد اشتملت الجريدة (4) على أحد عشر ألف خادم خصي، و كذا، من صقلبيّ‏ (5) و روميّ‏ (6)

و أسود.

و قال: هذا جنس واحد ممن تضمنه الدار، فدع الآن الغلمان الحجرية، و هم ألوف كثيرة، و الحواشي من الفحول.

و قال أيضا: حدّثني أبو الفتح عن أبيه و عمّه، عن أبيهما[عن‏]أبي الحسن علي بن يحيى‏ (7) : أنّه كانت عدّة كل نوبة من نوب الفرّاشين في دار المتوكّل على اللّه، أربعة آلاف فراش، قالا: فذهب علينا أن نسأله، كم نوبة كانوا (8) .

تاريخ بغداد للخطيب 1/100

____________

(1) أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم: ترجمته في حاشية القصة 3/133 من النشوار.

(2) أبو الحسن علي بن هارون المنجم: ترجمته في حاشية القصة 3/132 من النشوار.

(3) أيام المقتدر باللّه 295-320.

(4) الجريدة: القائمة.

(5) الصقالبة: و هم السلاف، الشعوب القاطنة بين جبال أورال و البحر الأدرياتيكي في شرق أوربا و وسطها.

(6) الروم: راجع حاشية القصة 4/47 من النشوار.

(7) في الاصل: أبو القاسم و الصحيح ما أثبتناه، و هو أبو الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور:

ترجمته في حاشية القصة 4/35 من النشوار.

(8) كانت نوبة الفراشين في دار الخلافة يوما كاملا، أي 24 ساعة، ثم يحضر غيرهم فيحل محلهم (كتاب الفرج بعد الشدة 1/123) و يعني ما تقدم أن عدد الفراشين في قصر الخليفة كان ثمانية آلاف فراش على أقل تقدير.

49

26 من شعر صاحب النشوار

أنشدنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي‏ (1) ، قال: أنشدني أبي‏ (2) لنفسه:

يوم سرقنا العيش فيه خلسة # في مجلس بفناء دجلة مفرد

رقّ الهواء برقّة (3) قدّامه # فغدوت رقّا للزمان المسعد

فكأنّ دجلة طيلسان‏ (4) أبيض # و الجسر فيها كالطراز (5) الأسود

تاريخ بغداد للخطيب 1/117

____________

(1) أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(2) أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي، صاحب النشوار: ترجمته في صدر الجزء الأول من النشوار.

(3) الرقة: الأرض التي يغطيها الماء ثم ينحسر عنها، راجع حاشية القصة 2/57 و 3/56 من النشوار.

(4) الطيلسان: سبق وصفه في حاشية القصة 3/41 من النشوار.

(5) الطراز: علم الثوب، و هو كتابة أو علامة بشكل سطر تنسج مع الثوب و تدل على من صنعه و من صنع لأجله، و أكثر الطرز كتابة يذكر فيها الاسم مع الدعاء كأن يقال: عز لمولانا السلطان الفلاني أو ما يشبه ذلك.

50

27 الوزير ابن الفرات‏

يقيّد، و يغلّ، و يلبس جبة صوف نقعت بماء الأكارع حدث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي، قال: حدّثني أبو الحسين علي بن هشام‏ (1) ، قال:

كنت حاضرا مع أبي‏ (2) ، مجلس أبي الحسن بن الفرات‏ (3) ، في شهر ربيع الآخر، سنة خمس و ثلاثمائة، في وزارته الثانية (4) ، فسمعته يتحدّث، و يقول:

دخل إليّ أبو الهيثم، العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري‏ (5) ، في محبسي في دار المقتدر باللّه‏ (6) و طالبني بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار.

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام الكاتب المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو القاسم هشام بن عبد اللّه الكاتب المعروف بأبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/25 من النشوار.

(3) أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(4) وزارة أبي الحسن بن الفرات الثانية: 304-306.

(5) أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري الكاتب: كان من شرار الناس، اشترك في حادثة ابن المعتز، فاعتقله ابن الفرات لما وزر للمقتدر، فحقدها على ابن الفرات، و انتصب لمحاسبته لما عزل من الوزارة، و عذبه و أهانه، و كان يتقرب للمقتدر بالسعايات، و التحريض على المصادرات، مما أدى بالوزير علي بن عيسى إلى اعتقاله لما عاد إلى الوزارة، و مات و هو معتقل في سجن الكوفة (تجارب الأمم 1/22 و 27 و 88) .

(6) كان في دار الخلافة، دار لاعتقال الوزراء، و كبار رجال الدولة، تشرف عليها زيدان القهرمانة، و في هذه الدار اعتقل الوزير ابن الفرات، و ظل فيها معتقلا خمس سنين، من 306-311 و قد حاول حامد في وزارته أن يتسلم ابن الفرات، فقال له المقتدر: أنا اسلمه إليك، و أوكل به خادما يحفظه، يعني أنه يخشى عليه أن يقتله خصمه غيلة، أو بالسم (تجارب الأمم 1/66 و 198) .

51

فقلت: هذا مال ما جرى على يدي للسلطان في طول أيام ولايتي، فكيف أصادر على مثله؟.

قال: قد حلفت بالطلاق على أنه لا بد أن تكتب بذلك، فكتبت له ثلاثة عشر ألف ألف، و لم أذكر درهما و لا دينارا.

فقال: اكتب دينارا لأبرأ من يميني، فكتبت، و ضربت عليه، و خرقت الرقعة، و مضغتها.

و قلت: قد برّت يمينك، و لا سبيل بعد ذلك إلى كتب شي‏ء، فاجتهد، و لم أفعل.

ثمّ عاد إليّ من غد، و معه أم موسى القهرمانة (1) ، و جدّد مطالبتي، و أسرف في شتمي، و رماني بالزنا، فحلفت بالطلاق و العتاق، و تمام الأيمان الغموس‏ (2) ، أنّني ما دخلت في محظور من هذا الجنس، منذ نيف و ثلاثين سنة، و سمته أن يحلف بمثل يميني، على أن غلامه القائم على رأسه، لم يأته في ليلته تلك.

فأنكرت أم موسى هذا القول، و غطت وجهها حياء منه.

فقال لها ابن ثوابة: هذا رجل بطر بالأموال التي معه، و مثله، مثل المزيّن مع كسرى، و الحجّام مع الحجّاج بن يوسف، فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به، حتى يذعن بما يراد منه.

و كان قوله السادة، إشارة إلى المقتدر باللّه‏ (3) ، و السيدة والدته‏ (4) ،

____________

(1) أم موسى الهاشمية، قهرمانة المقتدر: ترجمتها في حاشية القصة 1/128 من النشوار.

(2) اليمين الغموس: هي التي تغمس صاحبها في النار، و قد أدى هذا التعبير إلى اختلاف المفسرين لها، فقالوا: إنها اليمين التي يحلف بها الرجل و هو يعلم أنه كاذب، فتغمسه في النار، و قالوا: إنها اليمين التي لا استثناء فيها، فإن خالفها أو رجع عنها غمسته في النار (لسان العرب) و التعبير الوارد هنا جاء على الوجه الثاني.

(3) المقتدر باللّه جعفر بن المعتضد 282-320: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار

(4) السيدة شغب مولاة المعتضد، أم المقتدر: ترجمتها في حاشية القصة 1/128 من النشوار.

52

و خاطف‏ (1) ، و دستنبويه أم ولد المعتضد باللّه، و هم إذ ذاك مستولون على التدبير (2)

لصغر سن المقتدر باللّه‏ (3) .

فقامت أم موسى، و عادت، و قالت لابن ثوابة: يقول لك السادة:

قد صدقت فيما قلت، و يدك مطلقة فيه.

قال ابن الفرات: و كنت في دار لطيفة (4) ، و الحرّ شديد، فتقدّم بتنحية البواري‏ (5) عن سمائها، حتى نزلت الشمس إلى صحنها (6) ، و إغلاق أبواب بيوتها، فحصلت في الشمس، من غير أن أجد مستظلا منها، ثمّ قيّدني بقيد ثقيل، و ألبسني جبة صوف، قد نقعت في ماء الأكارع‏ (7) ، و غلّني بغلّ، و أقفل باب الحجرة و انصرف.

فأشرفت على التلف، و عددت على نفسي ما عاملت به الناس، فوجدتني، قد عملت كل شي‏ء منه، من مصادرة، و نهب، و قبض ضياع، و حبس، و تقييد، و تضييق، و إلباس جباب الصوف، و تسليم قوم إلى أعدائهم، و تمكينهم من مكروههم، و لم أذكر أنّي غللت أحدا، فقلت: يا نفس هذه زيادة.

ثم فكّرت أنّ النرسي، كاتب الطائي، ضمني من عبيد اللّه بن سليمان‏ (8) ،

____________

(1) خاطف: خالة المقتدر، واحدة من الثالوث الذي سيطر على الدولة خلال حكم المقتدر، و كانت تتدخل حتى في تعيين الوزراء (تجارب الأمم 1/90 و 143) .

(2) تجارب الأمم 1/90.

(3) كان سن المقتدر وقت حصول هذه القضية 17 سنة

(4) لطيفة: صغيرة.

(5) البواري، مفردها بارية: و هي الحصير المنسوجة من القصب.

(6) صحن الدار: الساحة تكون في وسطها و تدور بها البيوت أي الحجر.

(7) ماء الأكارع: يسمى في العراق ماء الباجه (بالباء و الجيم الثلاثيتين) .

(8) الوزير عبيد اللّه بن سليمان: ترجمته في حاشية القصة 1/32 من النشوار.

53

فلم يسلمني إليه، و سلّمه إليّ، فسلّمته إلى الحسن المعلوف، المستخرج، و كان عسوفا، و أمرته بتقييده، و تعذيبه، و مطالبته بمال حددته له، و ألطّ (1) ، و لم يؤدّ، فتقدّمت بغلّه، ثم ندمت بعد أن غلّ مقدار ساعتين، و أمرت بإنزال الغلّ عنه.

و تجاوزت الساعتين و أنا مغلول، فذكرت أمرا آخر، و هو أنّه لما قرب سبكرى‏ (2) مأسورا مع رسول صاحب خراسان‏ (3) ، كتبت إلى بعض عمال المشرق‏ (4) ، بمطالبته بأمواله، و ذخائره، فكتب بإلطاطه و امتناعه، فكتبت بأن يغلّ، ثم كتبت بعد ساعتين كتابا ثانيا بأن يحلّ، فوصل الكتاب الأول و غلّ، و تلاه الثاني بعد ساعتين، فحلّ.

فلما تجاوزت عنّي أربع ساعات، سمعت صوت غلمان مجتازين في الممرّ الذي فيه حجرتي، فقال الخدم الموكلون بي: هذا بدر الحرمي، و هو صنيعتك.

فاستغثت به و صحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، و أنا في حال أتمنّى معها الموت، فتخاطب السادة، و تذكّرهم حرمتي، و خدمتي في تثبيت دولتهم‏ (5) ، لما قعد الناس عن نصرتهم، و افتتاحي البلدان المأخوذة (6) ،

____________

(1) ألط: يقال ألط الغريم، امتنع من سداد الحق.

(2) سبكرى: من قواد الدولة العباسية، كان حاكما على فارس في السنة 297، و انتقض على الدولة، فحاربه الجند العباسي، و أسر، و اعتقل ببغداد (تجارب الأمم 1/16-19) .

(3) صاحب خراسان: أحمد بن إسماعيل الساماني، أبو نصر، كان يحكم ما وراء النهر و عاصمته بخارى، و استولى على خراسان، و الري، و هراة، و سجستان، لقب بالشهيد، لأن غلمانه قتلوه سنة 301 (الأعلام 1/93) .

(4) ذكر الجهشياري في أخبار الوزراء: أن الرشيد ولى جعفر بن يحيى، المغرب كله، من الأنبار إلى أفريقية، و قلد الفضل المشرق كله من شروان إلى أقصى بلاد الترك ( وفيات الأعيان 3/199) .

(5) يذكرهم بوقوفه إلى جانب المقتدر لما خذله الناس في فتنة ابن المعتز (تجارب الأمم 1/5) .

(6) يريد بذلك افتتاحه فارس (تجارب الأمم 1/19) .

54

و استيفائي الأموال المنكسرة، و إن لم يكن إلاّ مؤاخذتي بذنب ينقم عليّ، فالسيف، فإنّه أروح.

فرجع، و دخل إليهم، و خاطبهم، و رقّقهم، فأمروا بحلّ الحديد كلّه عنّي، و تغيير لباسي، و أخذ شعري، و إدخالي الحمّام، و تسليمي إلى زيدان‏ (1) ، و راسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بأسا، و أقمت عند زيدان، مكرما، إلى أن رددت إلى هذا المجلس‏ (2) .

قال أبو الحسين: ثم ضرب الدهر ضربه، فدخلت إليه مع أبي، في الوزارة الثالثة (3) ، و قد غلب المحسّن‏ (4) على رأيه و أمره.

فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد، في مكاره الناس، حتى انّه يضرب من لو قال له: اكتب خطّك بما يريده منه، لكتب من غير ضرب، ثم يواقف المصادر على الأداء في وقت بعينه، فإن تأخّر إيراد الروز به، أعاد ضربه، و في هذا الفعل شناعة، مع خلوّه من فائدة.

فقال له أبو الحسن: يا أبا القاسم، لو لم يفعل أبو أحمد، ما يفعله، بأعدائنا، و من أساء معاملتنا، لما كان من أولاد الأحرار، و لكان نسل

____________

(1) زيدان القهرمانة: كانت لها دار خاصة، في دار الخلافة، تعرف بدار زيدان القهرمانة، يحبس فيها وجوه الدولة، و الوزراء، و قد حبس عندها في السنة 304 الحسين بن حمدان التغلبي، و الوزير أبو الحسن علي بن عيسى، و الأمير يوسف بن أبي الساج، كما اعتقل عندها في السنة 306 الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، و ظل معتقلا عندها خمس سنين، و اعتقل عندها في السنة 314 الوزير الخصيبي، و في السنة 316 الوزير علي بن عيسى، و كانت زيدان تتعصب لابن الفرات و تتخبر له، و لما عزل المقتدر، و أعيد، حمل إلى دار زيدان القهرمانة (تجارب الأمم 1/38، 40 و 50 و 66 و 68 و 149 و 184 و 198) .

(2) يعني رد إلى الوزارة.

(3) وزارة ابن الفرات الثالثة 311-312.

(4) أبو أحمد المحسن بن الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 3/122 من النشوار.