نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - ج8

- محمد بن علي التنوخي المزيد...
321 /
5

الجزء الثامن‏

مقدمة التحقيق‏

مقدمة المحقق‏

<بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ>* <و الحمد للّه رب العالمين> أقدّم لقراء العربية الجزء الثامن من كتاب نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة للقاضي أبي علي المحسّن بن عليّ التنوخي، و كان هذا الجزء من جملة المخطوطات التي اشتملت عليها مكتبة المتحف البريطاني بلندن برقم 9586 شرقي، و المخطوطة تشتمل على 110 ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة 15 سطرا، خطّها جيد قديم، قليلة التصحيف، مخرومة جزء من المقدمة، و قد ورد في آخر الكتاب: تم الجزء الثامن، و يتلوه التاسع، و الحمد للّه رب العالمين، و صلواته على سيدنا محمد النبي و آله الطاهرين‏ (1) ، و قد عثر المستشرق المعروف د. س. مرجليوث على هذه النسخة في مكتبة المتحف البريطاني، فنقل عنها بخطه نسخة ترجمها إلى اللغة الإنكليزية، و نشر الترجمة في مجلة تصدر في حيدرآباد الدكن اسمها THE ISlamic Review ثم بعث بالنسخة العربية إلى المجمع العلمي العربي بدمشق، فطبعها المجمع في السنة 1930 في مجلته، ثم نشرها في كتاب على حدة.

____________

(1) راجع في صدر الجزء الأول من هذا الكتاب صورة الصفحة الأولى و الصفحة الأخيرة من هذه المخطوطة.

6

و لما عزمت على تحقيق هذا الكتاب، حصلت من مكتبة المتحف البريطاني على فلم لمخطوطة هذا الجزء، و كان عليها اعتمادي في القراءة و التحقيق.

أخرج القاضي التنوخي كتابه نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة في أحد عشر مجلدا (1) طبع منها ثلاثة (2) ، و لما اشتغلت بتحقيق هذا الكتاب عثرت على جزء آخر، فأصبحت أربعة (3) ، و جمعت أربعة أخرى‏ (4) من ثنايا الكتب، ممّا نقله أصحابها عن التنوخي و نشواره، فأصبح المجموع ثمانية، تمت، كاملة التحقيق، بنشر هذا الجزء من الكتاب.

و لا أريد أن أتعرّض في هذه المقدمة، لذكر مقدار ما بذلت من جهد في سبيل إصدار هذه الأجزاء الثمانية من الكتاب، فقد سبق لي أن أوردت ذلك في مقدمة الجزء الأول، و كررته في أكثر من موضع من مقدمات الأجزاء الأخرى.

و بعد: فهذا جناي و خياره فيه.

و أسأل اللّه سبحانه و تعالى، أن يوفقنا لأرشد الأمور، و خيرها بدأ و خاتمة، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

بحمدون في 24 آب 1973 عبود الشالجي المحامي

____________

(1) معجم الأدباء 6/251 و فرج المهموم لابن طاوس 154.

(2) طبع الجزء الأول في السنة 1921 بمصر، و طبع الجزء الثامن في السنة 1930 بدمشق، و نشر جزء ثالث بدمشق في السنة 1932 عن أصله الموجود في مكتبة المرحوم العلامة أحمد تيمور باعتباره الجزء الثاني، و ليس به، و إنما هو أحد أجزاء النشوار، و قد حققته و نشرته باعتباره جزءا ثالثا.

(3) هي الأجزاء الأول و الثاني و الثالث و الثامن.

(4) هي الأجزاء الرابع و الخامس و السادس و السابع.

7

الباقي من مقدمة المؤلف‏

..... أكثرها تحوّلا، و تغيّرا، العوائد في أخلاق أكثر العالم، و معاملاتهم، و رسومهم، فتلقطت هذا الفن، و أثبتّه، و خلطت به، ما حدث، و يحدث، من مليح شعر، لمن ضمّنا و إياه دهر، ممّن لم يخلق شعره بالاشتهار، و لا بشمه الناس بالاستكثار، و من رسالة غريبة، أو حكمة جديدة، أو ما يغلب على ظنّي من أشباه ذلك-و إن قدم-إلاّ أنّه لم يدوّن، أو منام طريف، أو حادث عجيب، أو رسم غريب، أو مستنبط مفيد قريب، ليعرف الفرق بين الأمرين، و التباين في الحالين، و يهشّ لذلك، من قد فرغ من الآداب، و سبر أكثر الافهام و الحلوم، و قرم إلى معرفة أسرار الأمور، و العادة في الجمهور، و التدبيرات و الاختيارات، و الملح في جميع الحالات، التي لا تكشفها له الفكر، إلاّ في الطويل من العمر، و إذا وقف عليها من هاهنا، قربت من يديه، و خفّ تناولها عليه، و لم أجعل ذلك مرتّبا على أبواب، لعلل و أسباب، قد ذكرتها[1]فيما قبل هذا، و أوردت فيه مجمل هذا القول، و شرحت في رسالة كلّ جزء، ما يغني عن الإطالة فيها، و يوضح المغزى، و يقوم بالعذر.

و أرجو أن لا أكون مذموما بما جمعته، إن لم أحمد على ما صنعته، و أن يكون ما كتبته خيرا من موضعه لو بيّضته، كما أسلفت في الأجزاء السالفة من العذر و حبّرته، إن شاء اللّه.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

1 فرجة بين الصدر و القبر

حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام بن عبد اللّه‏ (1) ، الكاتب البغدادي، المعروف أبوه، بأبي قيراط (2) ، كاتب ابن الفرات‏ (3) ، قال:

سمعت أنّ أبا القاسم‏ (4) ، كان إذا خلا، و تذكّر أمر الآخرة، و ما هو منقطع به عنها من أمر السلطان، يقول: اللهم، لا تخرجني من الصدر إلى القبر، لا فرجة لي بينهما.

قال أبو الحسين: فأجيبت دعوته، و جلس في منزله، قبل موته، نحوا من سنة، تائبا من التصرّف‏ (5) ، تاركا لطلبه.

فلما اعتلّ علّة موته، جاءته رسالة الراضي‏ (6) ، يستدعيه، ليقرّر معه أمر الوزارة، و يولّيه إيّاها.

فقال: آلآن؟أين كان قبل مدة، لعلّه لو جاءني هذا الأمر، و أنا تائب، لما رددته، و لعلّي كنت أنقض التوبة، فالحمد للّه الذي لم يتم عليّ ذلك.

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو القاسم هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بأبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/25 من النشوار.

(3) أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(4) يريد بأبي القاسم: والده هشام المعروف بأبي قيراط.

(5) التصرف: الخدمة في عمل حكومي.

(6) أبو العباس محمد الراضي بن أبي الفضل جعفر المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 2/30 من النشوار.

10

2 الوزير علي بن عيسى يستحثّ عاملا على حمل الخراج‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: أقرأني أبو عبد اللّه أحمد بن محمد الحكيمي‏ (2)

كتابا بخط عليّ بن عيسى‏ (3) ، و أخبرني أنّه كتبه إليه في وزارته الأخيرة (4) ، و هو يتقلّد له طساسيج طريق خراسان‏ (5) ، يحثّه على حمل المال، و نسخته، قال:

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب البغدادي المعروف بابن أبي قيراط.

(2) اسمه الصحيح: أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الحكيمي الكاتب: ترجمته في حاشية القصة 6/71 من النشوار.

(3) أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(4) . 314-316.

(5) الطسوج: الناحية، و كان العراق يقسم إلى كور، و الكورة إلى طساسيج، قال المقدسي في أحسن التقاسيم 133: إن العراق ينقسم إلى 12 كورة، عين أسماءها، يتبعها 60 طسوجا، و قال ياقوت في معجم البلدان 1/460 عن بادوريا: إنها طسوج من كورة الاستان، و قال في موضع آخر 1/41: إن العراق ينقسم إلى 60 طسوجا، و مما يلفت النظر ما ورد في كتاب الوزراء للصابي 280 في خطاب للمعتضد باللّه: إن طساسيج السواد 24 طسوجا و كانت قبلا 60، مع أن أيام المعتضد (242-289) متقدمة على أيام البشاري المقدسي (336-380) و ياقوت الحموي (574-626) ، و يمكن التوفيق بين القولين، بأن طساسيج العراق، كانت قبل أيام المعتضد 60 طسوجا، ثم انقصت إلى 24 ثم عادت من بعده إلى عددها الأول، راجع ما كتبه حبيب زيات في مجلة المشرق م 28 ص 155-156، و لم أعثر على ما يعين طساسيج طريق خراسان، و لعلها التي يمر بها الطريق المذكور، و قد جاء في كتاب الوزراء للصابي 187: أن من جملة أعمال طريق خراسان: براز الروز (اسمها الآن بلد روز) و البندنيجين (اسمها الآن مندلي)

11

قد كنت-أكرمك اللّه-عندي، بعيدا عن التقصير، غنيا عن التنبيه و التبصير، راغبا فيما خصّك بالجمال، و قدّمك على نظرائك من العمال، و اتصلت بك ثقتي، و انصرفت نحوك عنايتي، و رددت الجليل من العمل إليك، و اعتمدت في المهم عليك.

ثم وضح لي من أثرك، و صحّ عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، و ردفه ما استدعى استبطاءك و لائمتك، و أنت تعرف صورة الحال، و تطلّعي مع شدّة الضرورة إلى ورود المال.

و كان يجب أن تبعثك العناية، على الجدّ في الجباية، حتى تدرّ حمولتك و تتوفّر، و يتّصل ما يتوقّع وروده من جهتك و لا يتأخّر.

فنشدتك اللّه، لما[2]تجنبت مذاهب الإغفال و الإهمال، و قرنت الجواب على‏ (1) كتابي هذا، بمال تبتزّه من سائر جهاته و تحصّله، و تبادر به و تحمله، فإنّ العين إليه ممدودة، و الساعات لوروده معدودة، و العذر في تأخيره ضيّق، و أنا عليك من سوء العاقبة مشفق، و السلام.

____________

(1) في الأصل: من.

12

3 كيف تمكن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان من المتوكل‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: حدّثني أبو عبد اللّه بن عليّ الباقطائي‏ (2) ، قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن إسرائيل‏ (3) ، قال:

كان سبب رفعه عبيد اللّه بن يحيى‏ (4) ، طلب المتوكل‏ (5) لحدث من أولاد الكتّاب، يوقّع بحضرته في الأبنية (6) و المهمّات، لأنّه كان قد أسقط الوزارة، بعد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي‏ (7) ، و اقتصر على أصحاب الدواوين،

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب البغدادي، المعروف بابن أبي قيراط.

(2) أبو عبد اللّه الحسن بن علي الباقطائي، ينسب إلى باقطايا، من قرى بغداد على ثلاثة فراسخ من ناحية قطربل (معجم البلدان 1/476) كان من رجال الديوان في أيام المقتدر (الوزراء 288 و 366) ، و ذكره صاحب معجم البلدان في كلمة باقطايا، و قال إنه ترجمه في معجم الأدباء، و ترجمته في القسم المفقود من المعجم، و كان من خصوم الوزير ابن الفرات و الساعين عليه، توفي قبل أن يوزر ابن الفرات وزارته الثالثة (الفرج بعد الشدة 1/70) .

.

____________

(3) أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري الكاتب: أحد الكتاب الأذكياء الحذاق، وزر للمعتز، و غضب عليه القائد التركي صالح بن وصيف، فحبسه و عذبه، و شفع فيه الخليفة، فلم يشفعه، و ضربه بعد ذلك في زمن المهتدي، فمات (الفخري 244) .

(4) أبو الحسن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل و المعتمد: ترجمته في حاشية القصة 1/3 من النشوار.

(5) أبو الفضل جعفر المتوكل بن أبي إسحاق محمد المعتصم: ترجمته في حاشية القصة 1/142 من النشوار.

(6) أنفق المتوكل على قصوره التي بناها، و عددها 19 قصرا، مبلغا قدره (13) مليون دينار (الديارات 189) ، و قد فصل محقق كتاب الديارات، ما صرف على بعضها قصرا قصرا (الديارات 364) ، و مما يجدر ذكره بهذه المناسبة أن المتوكل أنفق في حفلة إعذار ولده المعتز 86 مليون درهم (الديارات 156) .

(7) أبو جعفر محمد بن الفضل الجرجرائي: ينسب إلى جرجرايا، بلد من أعمال النهروان الأسفل، بين واسط و بغداد، في الجانب الشرقي (معجم البلدان 2/54) ، و كان الجرجرائي شيخا ظريفا، حسن الأدب، عالما بالغناء، مشتهرا به، و استوزره المتوكل ثم عزله، و استكتب عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان (الفخري 238) .

13

و أمرهم أن يعرضوا الأعمال بأنفسهم، و جعل التاريخ في الكتب، باسم وصيف التركي‏ (1) ، و انتصب منصب الوزارة، و إن كان لم يسمّ بها.

فأسمي له جماعة، فاختار عبيد اللّه من بينهم.

فحضر أول يوم، فصلّى في الدار ركعات، و جلس و عليه قباء و سيف و منطقة و شاشية، على رسم الكتاب.

قال أبو الحسين: لأنه لم يكن أحد يصل إلى الخليفة، إلاّ بقباء و سيف و منطقة من الناس كلهم، إلاّ القضاة، لا في موكب، و لا غيره، فإذا كان يوم موكب، كانت الأقبية كلها سوادا، و إذا كان غير يوم موكب، فربما كانت من بياض، و في الأكثر سوادا.

فلما صلّى عبيد اللّه، و جلس، لم يجتز به أحد من الحاشية، كبير و لا صغير، الاّ قام إليه قائما، و سلّم عليه، حتى قام إلى رئيس الفرّاشين.

فرآه بعض الحاشية، فقال: من هذا الشقيّ الذي قد قام لسائر الناس، حتى قام إلى الكلاب؟ فقيل له: فلان.

ثم أذن له المتوكل، لما خلا، فدخل إليه، و كان على رأسه قلنسوة سوداء شاشية، و كان طويل العنق، فظهرت عنقه.

____________

(1) وصيف التركي: من مماليك المعتصم، قدمه، و قوده، و أصبح أحد اثنين سيطرا على الدولة، و أصبح هو و بغا بعد قتل المتوكل، المتحكمين في الخلفاء فمن دونهم، قال الشاعر:

خليفة في قفص # بين وصيف و بغا

يقول ما قالا له # كما تقول الببغا

(الكامل لابن الأثير 7/23-178) ، راجع ترجمته في حاشية القصة 5/84 من النشوار.

14

فلما رآه المتوكل، أومأ بيده إلى قفاه، و مسحه شبه صفعة، فأخذ عبيد اللّه يده فقبّلها.

فنفق عليه، و خفّ على قلبه، و سرّ بذلك، و استخفّ روحه.

و قال له: اكتب.

فكتب و هو قائم: (إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) (1) ، إلى قوله عز و جل [3] (وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ نَصْراً عَزِيزاً) (2) فكتب: و ينصرك اللّه-يا أمير المؤمنين- نصرا عزيزا، فزاد ذلك في تقبّل المتوكل له، و تفاءل بذلك.

و قال له: الزم الدار، فكان يلزمها منذ السحر، إلى وقت نوم المتوكل في الليل.

و قوي أمره مع الأيام، حتى صار يعرض الأعمال، كما كان الوزراء يعرضونها، و ليس هو بعد وزير، و التاريخ لوصيف.

فأمره المتوكل في بعض الأيام، أن يكتب نسخة في أمر الأبنية، فقال:

نعم.

فلما كان بعد ساعة، سأله، هل كتبت؟ فقال: لم يكن معي دواة.

فقال: اكتب الساعة، فاستحضر دواة.

و كان ايتاخ الحاجب‏ (3) قائما، يسمع ذلك، فلما خرج عبيد اللّه،

____________

(1) . 1 م الفتح 48.

(2) . 3 م الفتح 48.

(3) ايتاخ الخزري: من مماليك المعتصم، قدمه و قوده، و تقدم في عهد المتوكل فقلد الحجابة، و البريد، و الجيش، و الأموال، و الأتراك، و المغاربة، و كل من أراد المتوكل قتله و تعذيبه، يجري ذلك على يد ايتاخ، و شرب المتوكل يوما و عربد على ايتاخ فأراد هذا قتله، فاعتذر منه المتوكل و قال له: أنت أبي، و أنت ربيتني، و حقدها عليه، و لما حج ايتاخ و عاد، أمر المتوكل إسحاق بن إبراهيم أمير بغداد، فاعتقله و قتله سنة 235 (الكامل لابن الأثير 7/11-47) .

15

قال له: إنّما طلبك أمير المؤمنين، لتكتب بين يديه، فإذا حضرت بلا دواة فلأيّ شي‏ء تجي‏ء؟ فقال له عبيد اللّه: و أيّ مدخل لك أنت في هذا؟أنت حاجب أو وزير؟ فاغتاظ من ذلك، فأمر به فبطح، و ضربه على رجليه عشرين مقرعة، و قال له: الآن علمت أنّ لي فيه مدخلا؟ فلم يتأخّر عبيد اللّه عن الخدمة، و عاد، فجعل يمشي و يعرج، فسأل المتوكل عن خبره، فعرف الصورة، فغلظ عليه ذلك، و قال: إنّما قصده إيتاخ لمحبّتي له.

و كان قد اجتمع في نفس المتوكل من إيتاخ العظائم، مما كان يعمل به في أيام الواثق، و لا يقدر له على نكبة، لتمكّنه من الأتراك.

فأمر بأن يخلع على عبيد اللّه من الغد، و أن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين عليه شيئا، و أن يدفعوا أعمالهم إليه ليعرضها، و أجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم.

فندم إيتاخ على ما فعله، و جعل يداري عبيد اللّه، و يثاقفه.

و قوي أمر عبيد اللّه، حتى حذف بنفسه، من غير أمر، اسم و صيف من التاريخ، و أثبت اسمه.

ثم أمر له المتوكل برزق الوزارة، ثم خوطب بالوزارة، بعد مديدة، و خلع عليه لها خلعا أخر.

ثم قلّده كتابة المعتز (1) ، و خلع عليه.

____________

(1) أبو عبد اللّه محمد المعتز بن أبي الفضل جعفر المتوكل: ترجمته في حاشية القصة 4/63 من النشوار.

16

ثم قلّده كتابة المؤيد (1) ، و خلع عليه.

و ضمّ المتوكل إلى ابنيه، بضعة عشر ألف رجل، و جعل تدبيرهم إلى عبيد اللّه، فكان وزيرا أميرا.

فلما تمكّن‏[4]، هذا التمكّن بالحيش، و المحل، عارض إيتاخ، و بطّأ حوائجه، و قصده، و وضع من كتّابه، و لم يزل ذلك يقوى من فعله، إلى أن دبّر على إيتاخ، فقتله على يد إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ ببغداد، بعد عود إيتاخ من الحجّ.

____________

(1) المؤيد: إبراهيم بن المتوكل، بايع له أبوه بولاية العهد، بعد أخويه المنتصر و المعتز، و لما ولي المنتصر، خلع أخويه المعتز و المؤيد، و لما ولي المستعين صادرهما، و ترك للمؤيد ما غلته خمسة آلاف دينار فقط، و لما بويع المعتز بالخلافة، حبس المؤيد، ثم خلعه من ولاية العهد، ثم قتله في السجن سنة 252 (الكامل 7/49-172) .

17

4 الواثق و محمد بن عبد الملك الزيات‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، الكاتب المعروف بابن الماشطة (2) ، و كان يتقلّد قديما العمالات، ثم صار من شيوخ الكتاب، و تقلّد في أيّام حامد بن العباس، ديوان بيت المال، قال:

سمعت أبا (3) الفضل، و هو يحكي عن أبيه، و هو[ابن‏]الفضل بن مروان‏ (4) ، قال:

كان في نفس الواثق‏ (5) ، على محمد بن عبد الملك الزيّات‏ (6) ، العظائم، ممّا كان يعامله به في أيّام أبيه.

فمن ذلك: أنّ المعلّم شكا إلى المعتصم‏ (7) ، أنّ الواثق لا يتعلّم، فإذا طالبه بذلك، شتمه، و وثب عليه، فأمر المعتصم محمدا، بأن يضرب الواثق أربع مقارع.

فخرج محمد، و استدعى الواثق، و ضربه ثلاث عشرة مقرعة، حتى مرض.

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد البغدادي، المعروف بابن الماشطة: ترجمته في حاشية القصة 4/25 من النشوار.

(3) في الأصل: أبو الفضل.

(4) يريد: سمعت أبا الفضل، و هو ابن الفضل بن مروان، يحكي عن أبيه.

(5) الواثق، أبو جعفر هارون بن المعتصم: ترجمته في حاشية القصة 1/155 من النشوار.

(6) محمد بن عبد الملك الزيات الوزير: ترجمته في حاشية القصة 1/2 من النشوار.

(7) المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد: ترجمته في حاشية 2لقصة 2/49 من النشوار.

18

فلما عرف أبوه الخبر، أنكر ذلك، و حلف للواثق، أنّه ما أمر محمدا، إلاّ أن يضربه أربع مقارع، فأخفاها في نفسه، فكان يبغضه.

و علم محمد بذلك، فكان يقصده في ضياعه و أملاكه، لما ترعرع، و صار أميرا.

فوقّع المعتصم يوما، أن يقطع الواثق، ما ارتفاعه‏ (1) ألف ألف درهم، فمحاها محمد، و كتب: ما قيمته ألف ألف درهم.

فلما دخل إليه الخادم، و عرّفه ما عمله محمد، وثب إلى أبيه، و عرّفه ذلك، و عرض التوقيع عليه.

فقال له المعتصم: ما أغيّر ما وقّعت به، و ما أرى في التوقيع إصلاحا، و كان محمد قد أجاد محوه.

و علم المعتصم، أنّ رأي محمد في الاقتصاد، أصلح، فبطل ما كان يريده الواثق، و انصرف.

فقال للخادم: قد تمّ علي من هذا الكلب، كل مكروه، فإن أفضت الخلافة إليّ، فقتلني اللّه، إن لم أقتله.

ثم قال له: أنت خادمي، و ثقتي، فإن أفضى هذا الأمر إليّ، فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة، و لا تشاورني، و جئني برأسه.

قال: فمضت الأيام، و تقلّد الواثق، فحضر الدار في أوّل يوم، محمد ابن عبد الملك‏[5]، مع الكتّاب.

فتقدّم الواثق إلى الكتّاب دونه، بأن يكتب كلّ منهم نسخة، بخبر وفاة المعتصم، و تقلّده الخلافة، فكتبوا بأسرهم، و عرضوا ذلك عليه، فلم يرضه.

____________

(1) الارتفاع: الايراد.

19

فقال لمحمد: اكتب أنت.

فكتب في الحال، بلا نسخة، كتابا حسنا، و عرضه، فاستحسنه، و أمر بتحرير الكتب عليه.

و لم يبرح من حضرته، حتى أقرّه على الوزارة، و خرج من بين يديه، و الناس كلهم خلفه.

قال الخادم: فعجبت من ذلك، و قلت: تراه أنسي ما كان أمرني به؟ لم لا أستأذنه في ذلك، و أذكّره به؟ فتقدّمت إليه لما خلا، و أذكرته الحديث، و استأذنته، فقال: ويحك، السلطان إلى محمد بن عبد الملك، أحوج من محمد إلى السلطان، دعه‏ (1) .

قال: فرقّاه الواثق إلى ما لم يرقّه إليه المعتصم.

قال الفضل بن مروان: و لا نعلم وزيرا، وزّر وزارة واحدة، بلا صرف، لثلاثة خلفاء متّسقين، غير محمد بن عبد الملك.

____________

(1) أورد صاحب وفيات الأعيان، في ترجمة الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، هذه القصة باختصار 5/94-103، و كذلك صاحب كتاب الفخري 234.

20

5 أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمّته للوقف‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: حدّثني أبي‏ (2) ، قال: حدّثني وكيع القاضي‏ (3) .

قال أبو الحسين: و قد رأيت محمد بن خلف، وكيع، و كتبت عنه أشياء كثيرة، ليس هذا منها.

قال: كنت أتقلّد لأبي خازم‏ (4) ، وقوفا في أيام المعتضد (5) ، منها وقوف الحسن بن سهل‏ (6) .

فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني‏ (7) ، أدخل إليه،

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو القاسم هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بأبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/25 من النشوار.

(3) أبو بكر محمد بن خلف بن حيان الضبي، المعروف بوكيع القاضي: ترجمته في حاشية القصة 1/38 من النشوار.

(4) أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي المعتضد: ترجمته في حاشية القصة 1/73 من النشوار.

(5) أبو العباس أحمد المعتضد بن أبي أحمد طلحة الموفق: ترجمته في حاشية القصة 1/73 من النشوار.

(6) الحسن بن سهل: ترجمته في حاشية القصة 1/162 من النشوار.

(7) القصر الحسني: في الجانب الشرقي من بغداد، بناه جعفر البرمكي وزير الرشيد، فسمي الجعفري، و لما قتل جعفر، أقام فيه المأمون، و لما ورد الحسن بن سهل العراق، خليفة للمأمون، أقام فيه، و استوهبه من المأمون، فوهبه له، فأضاف إليه ما حوله، و سمي بالقصر الحسني، و ورثته عنه ابنته بوران، فاستنزلها المعتمد عنه، فأصلحته و جددته و فرشته، و زخرفته، و ملأت خزائنه بالطرف، و رتبت فيه ما يحتاج إليه من الجواري و الخدم، و أهدته للمعتمد، و ورثه المعتضد، فأضاف إليه ما جاوره، و وسعه، و أدار عليه سورا، و لزيادة التفصيل راجع معجم البلدان (1/806) .

21

بعض وقوف للحسن بن سهل، كانت في يدي، و مجاورة للقصر.

و بلغت السنة آخرها، و قد جبيت مالها، إلاّ ما أخذه المعتضد.

فجئت إلى أبي خازم، فعرّفته اجتماع مال السنة، و استأذنته في قسمته في سبله، و على أهل الوقف.

فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت: و من يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال: و اللّه، لا قسمت الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، و و اللّه، لئن لم يزح العلة، لا وليت له عملا.

ثم قال: امض إليه الساعة، و طالبه.

فقلت: من يوصلني؟ فقال: امض إلى صافي الحرمي‏ (1) ، و قل: إنّك رسولي، أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت، فعرّفه ما قلت لك.

فجئت، و قلت لصافي ذلك، فأوصلني، و كان آخر النهار.

فلما مثلت بين يدي الخليفة، ظنّ أمرا عظيما قد حدث، فقال لي:

هي‏ (2) ، قل، كأنّه متشوّف.

فقلت: أنا ألي لعبد الحميد، قاضي أمير المؤمنين، وقوف الحسن بن

____________

(1) صافي الحرمي الخادم: مولى المعتضد: انظر ترجمته في حاشية القصة 1/155 من النشوار.

(2) هي: تعبير بغدادي، لم يزل مستعملا، لكنه تحول إلى: ها، يقولها المتشوف لسماع قصة، أو المطالب بإيضاح موضوع، راجع حاشية القصة 1/137 من النشوار.

22

سهل، و منها[6]، ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، و لما جبيت مال هذه السنة، امتنع من تفرقته، إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، و أنفذني الساعة قاصدا لهذا السبب، فأمرني أن أقول: إنّي حضرت في مهمّ، لأصل.

قال: فسكت ساعة متفكرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي، هات الصندوق.

قال: فأحضر صندوقا لطيفا.

فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام أوّل من ارتفاع هذه العقارات، أربعمائة دينار.

قال: فكيف حذقك بالنقد و الوزن؟ فقلت: أعرفهما.

قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّاني‏ (1) حسن، عليه حلية ذهب، فأخرج من الصندوق دنانير عينا، فوزن منها أربعمائة دينار، و قبضتها، و انصرفت إلى أبي خازم بالخبر.

فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، و فرّقه في غد، في سبله، و لا تؤخّر ذلك، ففعلت.

فكثر شكر الناس لأبي خازم، لهذا السبب، و إقدامه على الخليفة، بمثل ذلك، و شكر هم للمعتضد رضي اللّه عنه، في إنصافه.

____________

(1) اشتهرت حران بالقبيط (نوع من الحلويات) و عسل النحل و القطن و الموازين (أحسن التقاسيم للمقدسي ص 145) .

23

6 الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا

حدّثني أبو الحسين علي بن هشام أبي قيراط، الكاتب البغدادي، قال:

سمعت أبا الحسن، عليّ بن محمد بن الفرات‏ (1) ، يحدّث:

قال: كان النهيكي العامل، قد لازم أبا القاسم عبيد اللّه بن سليمان في أيّام نكبته، فلم يكن له-لما ولي الوزارة-همّ، إلاّ الإحسان إليه.

فقلّده بادوريا (2) ، و كان لا يتقلّدها إلاّ جلّة الناس.

و لقد سمعت أخي أبا العباس‏ (3) يقول: إنّ من صلح لتقلّد بادوريا، صلح أن يتقلد ديوان الخراج، و من صلح لديوان الخراج، صلح للوزارة.

قال: و السبب في هذا أنّ المعاملات ببادوريا، كثيرة مختلفة، و أنّها عرصة المملكة، و عاملها يعامل أولاد الخلافة، و الوزراء، و القوّاد، و الكتّاب، و الأشراف، و وجوه الرعية (4) ، فإذا ضبط اختلاف تلك العادات، و قام بإرضاء هذه الطبقات، صلح للأمور الكبار (5) .

قال أبو الحسن: فأقام النهيكيّ، يتولّى بادوريا نحو سنتين، مدّة تقلّد عبد الرحمن بن محمد بن يزداد لديوان الخراج، في أيام عبيد اللّه، ثم مدّة أيام أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ‏ (6) . [7]

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(2) بادوريا: طسوج في كورة الأستان بالجانب الغربي ببغداد، راجع حاشية القصة 1/66 من النشوار.

(3) أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 2/145 من النشوار.

(4) في الأصل: و وجوه الأشراف و الرعية.

(5) أورد ياقوت الحموي كلام ابن الفرات في معجم البلدان 1/460.

(6) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ: ترجمته في حاشية القصة 8/55 من النشوار.

24

إلى أن أطلقت أنا و أخي، و تقلّد[أخي‏]ديوان زمام الخراج، و زمام ديوان الضياع‏ (1) ، و خلفته عليهما.

____________

(1) الديوان: كلمة كانت في الأصل تطلق على جريدة الحساب، ثم أطلقت على الحساب، ثم على الموضع الذي يجري فيه الحساب (المنجد) ، و أول من دون الدواوين في الإسلام، الخليفة أبو حفص عمر بن الخطاب (الطبري 4/209، و الفخري 83، و الأعلام 5/204 و المنجد) ، و كتب فيها الناس على قبائلهم، و فرض لهم العطاء (الطبري 4/209) ، و كان يحمل دواوين القبائل بين مكة و المدينة، فيوزع بيده العطاء على الصغير و الكبير (الطبري 4/210) ، ثم اتسعت رقعة الدولة، و مصرت الأمصار، فانتقلت الدواوين من أسماء القبائل، إلى أسماء الأمصار، فأصبح للمدينة ديوان (الطبري 6/180) و للكوفة ديوان، و للبصرة ديوان (الطبري 6/179) و أحدث معاوية بن أبي سفيان، ديوان الخاتم، و أمر أن تثبت فيه نسخة من كل توقيع يصدره كما رتب البريد الذي أصبح من بعد ذلك ديوانا مهما من دواوين الدولة (الفخري 107 و 108) و قلد الدواوين الأخرى كتابا منهم سرجون الرومي، قلده ديوان الخراج (الطبري 6/180) و في أيام عبد الملك بن مروان (65-86) نقلت الدواوين من الرومية و الفارسية إلى العربية (الأعلام 4/312 و الفخري 122) و استعان أولاده بمواليهم، فنصبوهم كتابا على الدواوين (الطبري 6/180) ، و كانت الدواوين في أيام بني أمية، مقتصرة على دواوين الأصول، و لم تكن في أيامهم دواوين أزمة (الطبري 8/167) ، و في أيام الخلافة العباسية اتسعت الدواوين و تشعبت، و لما استقرت الأمور في أيام المهدي، قلد الدواوين عمر بن بزيع، و تفكر، فوجد أنه لا يمكن أن يضبطها، لتعددها، و اتساع أعمالها، فاتخذ دواوين الأزمة، و ولى كل ديوان رجلا (الطبري 8/167) فأصبح لكل ديوان من دواوين الأصول، ديوان زمام يراقبه و يشرف على أعماله (وزراء 294) ، ثم اتخذ المهدي ديوانا أسماه ديوان زمام الأزمة (الطبري 8/167) ، يظهر من اسمه أنه كان يراقب و يشرف على دواوين الأزمة، ثم انقسم ديوان بيت المال، إلى ديوانين، واحد للعامة (وزراء 208) ، و آخر للخاصة (وزراء 141) ، و انقسم ديوان الضياع إلى ديوانين، واحد للضياع العامة، و آخر للضياع الخاصة (وزراء 33) و هي الضياع العائدة للخليفة و الأفراد من أهل بيته، و عليه ديوان زمام خاص (وزراء 284) ، ثم أضيفت إلى ديوان الضياع الخاصة، الضياع المستحدثة (وزراء 340) ، و رتب لديوان الاعطاء و هو ديوان الجيش (وزراء 164) ، مجالس للتفرقة، يقوم فيها بتفريق الأموال، وكلاء عن صاحب الديوان (وزراء 26) ، و عليه ديوان زمام الجيش (القصة 8/34 من النشوار) ، و للنفقات ديوان (وزراء 140) و عليه ديوان زمام النفقات (وزراء 380) ، و كان أبو العباس ابن الفرات، أحدث ديوانا سماه: ديوان الدار (وزراء 148) ، فانتزع الوزير عبيد اللّه ابن سليمان من ذلك الديوان مجلس المشرق، و جعله ديوانا منفردا، سماه: ديوان المشرق (وزراء 148) ، و كذلك الوزير القاسم بن عبيد اللّه، فقد انتزع من ديوان الدار مجلس المغرب، و جعله ديوانا منفردا، سماه: ديوان المغرب (وزراء 149) ، و أحدثت دواوين اقتضت الظروف إحداثها، مثل ديوان البر (وزراء 310) ، و قد أحدثه الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، عند ما أقنع المقتدر، فوقف على الحرمين و الثغور، المستغلات التي يملكها بمدينة السلام و غلتها ثلاثة عشر ألف دينار، و الضياع الموروثة بالسواد، الجارية في ديوان الخاصة، و ارتفاعها نيف و ثمانون ألف دينار، و ديوان المرافق أي ديوان الرشى، و كان سبب إحداثه، أن من سبقه من الوزراء تساهلوا في الجباية، و أنزلوا من بدلات ضمانات الأمصار، مبالغ عظيمة، لقاء مبالغ ارتفاق، يؤديها إليهم العمال سرا (وزراء 38) ، فلما تقلد أبو الحسن علي بن عيسى الوزارة، و وجد الارتفاع لا يفي بالنفقات، أنشأ ديوان الارتفاق، و أمر العمال أن يبعثوا إليه بالمبالغ التي اتفقوا على إرفاق الوزراء السابقين بها، ليصرفها في أمور الدولة، و في السنة 324 لما ضعف أمر الدولة في أيام الراضي، نصب أبا بكر محمد بن رائق، أميرا للأمراء، و قلده إمارة الجيش و الخراج و المعاون، و جميع الدواوين، و كان ابن رائق بواسط، فانحدر إليه الكتاب، و الحجاب، و أصحاب الدواوين، فبطلت الدواوين من ذلك الحين، و بطلت الوزارة، و أصبح أمير الأمراء هو الناظر في جميع الأمور، و صارت الأموال تحمل إلى خزائنه، و هو يطلق للخليفة ما يقوم بأوده (ابن الأثير 8/322، 323) ، و مما يجدر ذكره، أن الرشيد أمر في السنة 170 بإبطال دواوين الأزمة، فأبطلت شهرين، ثم أعيدت، و وليها أبو الوزير عمر بن المطرف بن محمد العبدي مولاهم (معجم الأدباء 6/54) .

25

فكنّا إذا كاتبنا النهيكي في رفع الحساب، لم يجبنا، إدلالا لمحله من الوزارة، و تعفّفه‏ (1) ، فإنه كان مشهورا بالعفّة، و إذا كاتبناه في شي‏ء من أمور العمل، أقلّ الحفل بكتبنا.

فلما طالت المدّة علينا، ألححنا عليه بالمطالبة برفع الحساب، و شكوناه إلى

____________

(1) في الأصل نعفيه.

26

الوزير فوكّل به من داره‏ (1) ، مستحثا له في رفع الحساب لعدّة سنين.

فتشاغلت أنا بعمل مؤامرة له، فلم أجد عليه كثير تأوّل، و حضرنا بين يدي عبيد اللّه لمناظرته.

و قد كنت، صدّرت أول باب من المؤامرة، بأنّه فصّل تفصيلا، ثمن الغلّة المبيعة، جملته على حسب ما يوجبه التفصيل، أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار.

فقال: أتتبّع، فما زال يتتبّع، إلى أن صحّ الباب عليه، و قال: و ما هذا؟غلط الكاتب في الجملة.

فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، و أقبل على عبيد اللّه، فقال: أيها الوزير، صدق، هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيس من حصلت؟ فقال له عبيد اللّه: صدق أبو العباس، و اللّه، لا وليت لي عملا يا لصّ.

ثم أتبعت هذا الباب، بباب آخر، و هو ما رفعه ناقصا عمّا كان قدّم به كتابه في كيل غلّة عند قسمتها.

فلما لاحت عليه الحجة، قال: أريد كتابي بعينه.

فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، ثم قال: أيها الوزير، يطعن في ديوانك، و نسخ الكتب الواردة، و النافذة، شاهدا عدل.

فقال: صدق، يا عدوّ اللّه، و أمر بسحبه، فسحب.

و ما برحنا، حتى أخذ خطّه بثلاثة عشر ألف دينار، و أهلكناه بهذا، و ما عمل بعد هذا كثير عمل.

____________

(1) يعني من دار الوزارة.

27

7 أبو العباس ابن الفرات يهدّد عاملا قد ألطّ بالمال‏

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، و أبو منصور عبد اللّه بن جبير النصرانيّ‏ (1) ، قالا:

حضرنا مجلس ابن الفرات، و قد عملت مؤامرة لابن حبش العمانيّ، و كان يتقلّد الزاب و نهر سابس‏ (2) ، في أيام وزارة عبيد اللّه بن سليمان.

فأخذ أبو العباس و أبو الحسن يناظرانه عليها، إلى أن ألزم خمسة و عشرين ألف درهم، من أبواب صحيحة، و طولب بأدائها، و أخذ خطه بتصحيحها (3) .

فصحّح خمسمائة و أربعين، طول المدة، و ألطّ بالمال‏ (4) [8]، فقيّد فلم ينفع، و ضرب سبع مقارع، فلم يودّ.

و كان إذا خرج بإنسان من العمال، إلى هذا القدر من المكروه، فعندهم أنّه النهاية.

____________

(1) أبو منصور عبد اللّه بن جبير النصراني، كاتب الوزير ابن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 3/25 من النشوار.

(2) الزاب: في العراق عدة أنهر تسمى الزاب، منها في شماليه: الزاب الأعلى، و الزاب المجنون و الزاب الأسفل الذي قتل عنده عبيد اللّه بن زياد، و قال فيه الشاعر:

إن الذي عاش ختارا بذمته # و مات عبدا قتيل اللّه بالزاب‏

و بين بغداد و واسط، زابان آخران، الأعلى يأخذ من الفرات، و قصبة كورته النعمانية، و الأسفل قضبته نهر سابس، قرب واسط، و الأخير هو موضوع القصة (معجم البلدان 2/902) .

(3) في الأصل: يصححها، و التصحيح هنا يعني السداد و الأداء.

(4) ألط بالمال: امتنع عن أدائه.

28

فأخرجه أبو العباس إلى حضرته، و طالبه بالمال، فأقام على أنّه لا شي‏ء معه، و أنّ ضيعته وقف.

فقال له: ويلك، لا أعرف أجهل منك، إذا كان هذا صبرك على المكروه، و إسلامك لنفسك، و بذلك لها، فلم لم تأخذ أصل الارتفاع؟ فإنّا ما كنّا نعمل بك أكثر من هذا.

و لكن إن شئت، فأنا أدع عليك هذا المال، و أصرفك إلى منزلك، و لكن بعد أن كشف للوزير صبرك على المكاره، فلا تتصرّف-و اللّه-في أيّامه أبدا، و يذهب خبرك.

قال: فقلق من ذلك، و سأل أن يخفّف عنه شي‏ء من المال، ليؤدي الباقي.

فما برحنا حتى تقرّر أمره على بعض المال، و أدّاه، و انصرف.

29

8 الوزير عبيد اللّه بن سليمان يحرم عاملا من التصرّف‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات‏ (2) ، يقول:

ناظرت الجهظ (3) ، أحد العمال، على مؤامرة قد عملناها له، و كنت أنا و أخي، و جعلنا نأخذ خطّه بباب باب.

فلما كثر ذلك، قال لي سرّا: ليس الشأن في الخطّ، الشأن في الأداء، ستعلمون أنّكم لا تحصلون على شي‏ء.

فسمعه عبيد اللّه‏ (4) ، لأنّا كنّا في مجلسه، فقال له: أعد عليّ ما قلت، فاضطرب.

فقال: لا بدّ أن تعيده، فأعاد ذلك.

فقال: إذن، لا تلي لي-و اللّه-بعدها عملا أبدا، قم عافاك اللّه إلى منزلك، خرّق يا غلام، المؤامرة.

قال: فخرّقت في الحال، و انصرف الجهظ إلى منزله، فما صرّفه عبيد اللّه بعد ذلك.

و شاع خبره، فتحامى الناس كلّهم استخدامه، فهلك جوعا في منزله، حتى بلغ أنّه احتاج إلى الصدقة.

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بابن أبي قيراط.

(2) أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، وزير المقتدر.

(3) علي بن الحسن الملقب بالجهظ، راجع الوزراء الصابي 88 و 89 و 278.

(4) أبو القاسم عبيد اللّه بن سليمان بن وهب الحارثي، وزير المعتمد و المعتضد: ترجمته في حاشية القصة 1/32 من النشوار.

30

9 وزير ينفى لأنه طرب لغناء صوت‏

حدّثنا أبو الحسين‏ (1) ، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه زنجي الكاتب‏ (2) ، قال:

حدّثنا أبو العباس بن الفرات‏ (3) ، قال:

كتب صاحب الخبر (4) ، بمدينة السلام‏ (5) ، إلى إسماعيل بن بلبل‏ (6) ، في وزارته الأولى‏ (7) للمعتمد، بأنّ مغنية من جواري بدعة الكبرى‏ (8) ، غنّت عند الحسن بن مخلد (9) ، و هو إذ ذاك معطّل، بهذا الصوت، فاستعاده، و طرب عليه‏[9].

عادات طي‏ء في بني أسد # ريّ القنا و خضاب كلّ حسام‏

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن صالح الملقب زنجي، كاتب الوزير ابن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 3/25 من النشوار.

(3) أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 2/145 من النشوار.

(4) صاحب الخبر: راجع حاشية القصة 3/174 من النشوار.

(5) مدينة السلام: راجع حاشية القصة 4/77 من النشوار.

(6) أبو الصقر إسماعيل بن بلبل، وزير المعتمد: ترجمته في حاشية القصة 1/76 من النشوار.

(7) وزير إسماعيل بن بلبل للمعتمد الوزارة الأولى في السنة 263 (الأعلام 2/237) .

(8) بدعة الكبرى الحمدونية، جارية عريب المأمونية 250-302: مغنية، أديبة، شاعرة، كانت جارية عريب المأمونية، و بذلوا فيها مائة ألف دينار، و عشرين ألف دينار للوسيط، فخيرتها، فاختارت البقاء معها، فهزها ذلك، فأعتقتها، و خلفت بعد موتها مالا كثيرا، و ضياعا، انظر أخبارها في الأعلام 2/14 و جهات الخلفاء 63 و المنتظم 6/129.

(9) أبو محمد الحسن بن مخلد، وزير المعتمد: ترجمته في حاشية القصة 2/94 من النشوار.

31

لهفي على قتلى النباج‏ (1) فإنّهم # كانوا الذرى و رواسي الأعلام

كانوا على الأعداء سيف محرّق # و لجارهم حرما من الأحرام

لا تهلكي جزعا فإنّي واثق # برماحنا و عواقب الأيام‏

فأنهى إسماعيل‏ (2) ذلك إلى المعتمد، و قال: هذا يسعى عليك، و يتربّص بك الدوائر، فأمر بنفيه إلى مصر، فكان مضيّه إليها سبب تلفه‏ (3)

____________

(1) النباج: توجد ثلاثة مواضع بهذا الاسم، نباج بني عامر بحذاء فيد، و نباج بني سعد بالقريتين، و الثالث موضع بنواحي منبج (المفترق صقعا 414) .

(2) كان أهل سر من رأى، متحازبين، قوم مع شارية، و قوم مع عريب، لا يدخل اصحاب هذه مع هؤلاء، و لا أصحاب هذه في هؤلاء، و كان أبو الصقر اسماعيل بن بلبل عريبيا (الأغاني 16/14) .

(3) انظر كيفية تلف الحسن بن مخلد، في القصة التالية المرقمة 8/10 من النشوار.

32

10 أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسمّ‏

حدّثنا أبو الحسين‏ (1) ، قال: سمعت أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد (2) ، قبل الوزارة (3) ، يتحدّث، قال: حدّثني أبو عبد اللّه حمد بن محمد القنّائي‏ (4)

الكاتب.

قال أبو الحسين: و كان‏ (5) ابن أخت الحسن بن مخلد (6) ، و كان قد خلفه دفعات، على ديوان الخراج، و مرّة على ديوان الضياع، ثم ولي أعمالا جليلة، من العمالات‏ (7) ، و الدواوين‏ (8) ، منها ديوان المغرب‏ (9) ، و مات و هو

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بابن أبي قيراط.

(2) أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد: ترجمته في حاشية القصة 1/133 من النشوار.

(3) وزر أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد للمقتدر سنة 318.

(4) أبو عبد اللّه حمد بن محمد القنائي الكاتب: ينتسب إلى دير قنى، قرية كبيرة إلى جانب دير قنى، من نواحي النهروان قرب الصافية، خرج منها عدد من المشاهير، منهم: أبو الحسن علي ابن عيسى الوزير، و محمد بن داود الجراح، و الحسن بن مخلد، و أبو عبد اللّه القنائي، ترجمه أبو الحسين في القصة، فقد ذكر أنه خلف ابن خالته الحسن بن مخلد دفعات على ديوان الخراج، و ديوان الضياع، و ولي عمالات و دواوين أخرى، و مات و هو يتقلد ديوان الخراج و الضياع العامة بالسواد.

(5) يعني القنائي.

(6) في القصة 2/92 من النشوار حديث عن ابن خالة الحسن بن مخلد، و أنه كان يعمل في ديوان الخراج، و أرجح أن الإشارة إلى القنائي.

(7) العامل: يقابله الآن المحافظ.

(8) صاحب الديوان: يقابله الآن المدير العام.

(9) ديوان المغرب: راجع الوزراء 92 و القصة 8/12 من النشوار.

33

يتقلّد ديوان الخراج، و الضياع العامة بالسواد، و ما يجري فيه، و قد رأيته، و تعلّمت بين يديه، و سمعته يتحدّث بأشياء، و لم أسمع هذا منه.

قال سليمان: قال لي حمد:

سألت الخادم الذي تبع خالي الحسن بن مخلد (1) ، إلى ابن طولون‏ (2) ، لما نفي إليه، عن السبب الذي دعا ابن طولون، إلى قتله، فقال:

لما ورد عليه، تناهى في إكرامه، و برّه و إعظامه، ثم أنس به، حتى نادمه، و صار يشاوره في مهمّ أموره.

فشاوره مرات في خلع طاعة المعتمد، فعظّم عليه أمر السلطان، و خوّفه من العصيان، فقبل رأيه.

ثم طولب ابن طولون، بمال الوظيفة التي كانت عليه، فقال لابن مخلد:

ما رأيت أعجب من جهل هذا المخذول-يعني الموفّق-يطالبني بالوظيفة، و هو عاص على الخليفة، إلى من أحمل؟ فقال له: لا تفعل، فإنّ الأمور إليه، و الجيش معه، و إن منعته المال، قصدك و حاربك.

فقام في نفس ابن طولون أنّه دسيس للقوم عليه، و قال: لو كان هذا عدوّا للقوم، ما أشار عليّ بهذه المشورة، و إنما هو دسيس على ملكي، ليأخذ البلدان منّي لهم، و يرهبني، و يستخرج البلدان منّي باللّطف.

فتنكّر له، ثم أمر بالقبض عليه، و حبسه، و كان جبانا، فلم يحبّ

____________

(1) أبو محمد الحسن بن مخلد بن الجراح: ترجمته في حاشية القصة 2/94 من النشوار.

(2) أبو العباس أحمد بن طولون (220-270) : أمير تركي، أصبح صاحب الديار المصرية و الشامية و الثغور، شجاع، جواد، شديد، فاتك، سفك كثيرا من الدماء (الأعلام 1/137)

.

34

-مع إيحاشه له-أن يفلت، في وقت من الأوقات، فدسّ إليه في شربة، فقتله بها.

و جدّ الموفّق، و أنفذ إليه المعتضد في الجيش‏[10]، و أخرج أحمد بن طولون، خمارويه، ابنه‏ (1) ، لمحاربة المعتضد، فتحاربا، فانهزم كل واحد منهما من صاحبه، و هو لا يعلم أن صاحبه قد انهزم.

فضرب الناس بهما المثل، و قالوا: صبيّ لقي صبيّا، و هكذا تكون محاربة الصبيان.

قال: فلما جرت هذه الحال، تندّم أحمد بن طولون، على قتل الحسن ابن مخلد، و قال: صدقني، فلم أقبل منه، و اتّهمته.

____________

(1) في الأصل: أخاه.

35

11 جرأة وزير على أخذ أموال السلطان‏

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد (2) ، قال: قال لي نافذ، خادم أبي و ثقته، و كان يتولى نفقته:

إنّي ما رأيت أجسر من مولاي‏ (3) ، على أخذ مال السلطان.

و من ذلك، أنّي باكرته يوما، و قد لبس سواده، ليمضي إلى دار المعتمد (4) ، و هو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمّة (5) و التوقيع‏ (6) ، و بيت المال‏ (7) .

فقلت له: قد صككت‏ (8) عليّ البارحة للمعاملين، بألف و ستمائة دينار، و ما عندي من ذلك حبّة واحدة.

فقال لي: يا بغيض، تخاطبني في هذه الساعة؟أين كنت عن خطابي البارحة لأوجّه لها وجها؟و لكن اتبعني إلى دار السلطان.

فتبعته.

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب المعروف بابن أبي قيراط.

(2) أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد: ترجمته في حاشية القصة 1/133 من النشوار.

(3) أبو محمد الحسن بن مخلد الجراح: ترجمته في حاشية القصة 2/94 من النشوار.

(4) أبو العباس أحمد بن أبي الفضل جعفر المتوكل: ترجمته في حاشية القصة 2/8 من النشوار.

(5) دواوين الأزمة: يقابلها الآن ديوان مراقب الحسابات العام.

(6) كان توقيع الخليفة، ينقل إلى ديوان التوقيع، و بعد التحقق من صحة التوقيع، و تخليد نسخته في الديوان، ينقل إلى ديوان الزمام (وزراء 203) ، فإن أقره صاحب الديوان، نقل إلى حيث يجري تنفيذه، و إن كان التوقيع أمرا بصرف مال، نقل إلى ديوان بيت المال، حيث يتم تسليم التوقيع، و تسلم المال.

(7) ديوان بيت المال: يقابله الآن مديرية الخزينة.

(8) الصك: كتاب بالإقرار بمال، و هو هنا أمر للوكيل بأن يؤدي لصاحب الصك المقدار الذي ورد ذكره فيه.

36

و دخل إلى المعتمد، مع عبيد اللّه بن يحيى الوزير (1) ، و دخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد (2) ، صاحب ديوان الخراج، فلما خرج، قال لي:

امض إلى صاحب بيت المال، فخذ منه ما يسلّمه إليك.

فظننت أنّه قد استسلف على رزقه شيئا، فمضيت إلى صاحب بيت المال، فسلم إليّ ثلاثين ألف دينار.

فاستعظمت ذلك، و علمت أنّه ليس من الرزق، و حملتها إلى الدار، و عرّفته خبرها.

فقال لي: أنفق منها ما وقّعت به إليك، و احفظ الباقي، فليس في كلّ وقت يتّفق لنا مثل هذا.

و مضى على الحديث أيام، و دعا دعوة، فيها صاعد بن مخلد (3) ، و إليه -إذ ذاك-عدّة دواوين، و جماعة من الكتّاب، و أكلوا، و ناموا، و انتبهوا.

فإذا كاتب من كتّاب أحمد بن صالح بن شيرزاد، يستأذن عليّ، فاستأذنت لدخوله على مولاي، و كانوا قد بدءوا بالشرب.

فترك مولاي المجلس، و خرج إلى بيت الخلوة، و استدعى الرجل، فأدخله إليه.

فسمعته يقول: أخوك أبو بكر، يقرأ عليك السلام-يعني أحمد بن صالح-و يقول لك: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، و أنّ

____________

(1) أبو الحسن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل و المعتمد: ترجمته في حاشية القصة 1/3 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربلي: كاتب بليغ، فاضل، مجيد في النظم و النثر، استوزره الموفق لأخيه المعتمد، فمكث في الوزارة شهرا و مات سنة 266 (الفخري 254) .

(3) صاعد بن مخلد، كاتب الأمير الموفق: ترجمته في حاشية القصة 1/1 من النشوار.

37

محاسبته‏[11]في سائر الأموال إليّ، و أنا إذا تمّت ثلاثون يوما، وجّهت صاحبي إلى حساب بيت المال، فحمله مع صاحب بيت المال، لينظّم دستور الختمة (1) بحضرتي، و أصحّح حكاياتها.

و نحن منذ عشرة أيام في هذا، حتى انتظمت الحسبة، و لم يبق إلاّ ثلاثون ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال، أنّك خرجت إليه، من حضرة أمير المؤمنين، فأمرته بحملها إلى خادمك نافذ، و لست أدري في أية جهة صرفت؟ و لا في أي باب أثبتها؟و لا ما الحجة فيها؟ قال: فأجابه مولاي بلا توقّف، و قال: أخي أبو بكر-و اللّه-رقيع، أسأل أنا الخليفة، في أي شي‏ء صرف ما أمر أن يحمل إلى حضرته؟يجب أن يكتب في الختمة: و ما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا و كذا، ثلاثون ألف دينار.

قال: فقام الكاتب خجلا، و مرّ ذلك في الحساب على هذا، فما تنبّه أحد عليه، و حصل له المال‏ (2) .

____________

(1) الختمة: كتاب يرفعه الجهبذ في كل شهر، بالاستخراج، و الحمل، و النفقات، و الأصل، كأنه يختم به الشهر (مفاتيح العلوم 37) .

(2) وردت في كتاب الوزراء 89.

38

12 الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات‏

قال أبو الحسين، فقال لي سليمان، بعقب هذه الحكاية:

ما رأيت لهذه الفعلة شبيها، إلاّ ما عمله ابن الفرات، في وزارته الأولى، فإنّه نصب يوسف بن فنحاس، و هارون بن عمران، الجهبذين، فلم يدع مالا لابن المعتز (1) ، و لا للعباس بن الحسن‏ (2) ، و من نكب، و بل في الفتنة، و ما صحّ من مال المصادرين، و غيرهم ممّن يجري مجراهم، إلاّ أجراه على أيديهما، دون يد صاحبي بيت مال العامة و الخاصة.

و أفرد لذلك ابن فرجويه‏ (3) ، كاتبه، يحاسبهما، و لا يرفع لهما حساب إلى ديوان من الدواوين.

فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها، كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس الخادم‏ (4) صاحب بيت المال، ذكر فيه: أنّه حوسب يوسف بن فنحاس، و هارون بن عمران، على ما حصل عندهما من كيت و كيت-حتى استغرق

____________

(1) أبو العباس عبد اللّه بن المعتز محمد بن المتوكل: ترجمته في حاشية القصة 5/30 من النشوار، راجع حاشية القصة 1/7 من النشوار.

(2) أبو أحمد العباس بن الحسن، وزير المكتفي و المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 5/30 من النشوار.

(3) ابن فرجويه: أبو بشر عبد اللّه بن الفرخان، كاتب الوزير أبي الحسن بن الفرات، و موضع سره، و قد استتر عقب القبض على ابن الفرات بعد وزارته الأولى، و ظل يكاتبه و هو في الحبس، فلما عاد إلى الوزارة قدمه و عول عليه، و قبض عليه معه لما عزل من وزارته الثانية، و لكنه أفلت و استتر عند ما قبض على ابن الفرات و قتل (الوزراء للصابي 30-339) .

(4) مؤنس الخادم المظفر المعتضدي: ترجمته في حاشية القصة 1/139 من النشوار.

39

تلك الوجوه-فكان الباقي قبلهما-بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، و صرف في مهمّات أمر بها هو، و السادة (1) أيّدهم اللّه-من الورق‏ (2) ، ألف ألف، و أربعمائة و سبعين ألف درهم، و خمسمائة و ستة و أربعين درهما، و أمر بقبض ذلك منهما، و إيراده بيت مال الخاصة (3) .

فقبض مؤنس منهما تلك البقيّة، و مضى الأصل‏[12]كله، لا يعرف في أي شي‏ء صرف، و كان مبلغه، فيما ظنّه الكتاب، و كانوا يتعاودونه، نحو ألف ألف دينار، فإنّ ابن الفرات فاز بجميعها، و لم تقم بها حجة عليه.

قال أبو الحسين: فحدّثني أبي بعد ذلك، قال:

لما قلّدني عليّ بن عيسى، في وزارته الأولى، ديوان الدار، الجامع للدواوين، أمرني بإحضار هذين الجهبذين‏ (4) ، و مطالبتهما بختماتهما (5) ، لما كان حصل في أيديهما، في وزارة ابن الفرات الأولى، من الجهات التي تقدّم ذكرها.

فاستدعيتهما، و طالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات، أخذ حسابهما، و لم يدع عندهما نسخة منه.

فأمرني بحبسهما، و تهديدهما، ففعلت ذلك.

فأحضراني حسابا مبتورا، ذكرا أنهما وجداه، فرأيته غير منتظم.

____________

(1) السادة هم: الخليفة المقتدر باللّه، و السيدة والدته، و خاطف، و دستنبويه أم ولد المعتضد باللّه (الوزراء 119) .

(2) الورق: النقود الفضية.

(3) بيت مال الخاصة: يتكون من مخصصات الخليفة و أهل بيته، و واردات ضياعهم، و الهدايا، و المصادرات.

(4) الجهبذ: الصيرفي.

(5) الختمة: راجع حاشية القصة 8/11 من النشوار.

40

فلم أزل أرفق بهما، إلى أن أقرّا أنّه قد وصل إليهما من فضل الصرف، فيما بين ما ورد عليهما، و بين ما أنفقاه، مائة ألف درهم، فجعلتها عشرة آلاف دينار، و قررت أمرهما عليها، و أخذت بها خطوطهما.

فلم يقنع عليّ بن عيسى بذلك، و أخذهما من يدي، و سلّمهما إلى حمد ابن محمد (1) و كان إليه ديوان المغرب، و أمره أن يتتبّع أمرهما بنفسه، و كان حسن الكتابة، و لم يعرّفه أني أخذت خطّهما بشي‏ء.

فتتبّع حمد ذلك، فلم يجد في الحساب، إلاّ إحالات على «حمل إلى الخليفة، و السادة» ، و أشياء صرفت إلى خاص ابن الفرات.

فقال له حمد: هذا كله مزوّق‏ (2) ، و القوم معهم حجج بالابراء، و ما عليهم طريق، و ابن الفرات كان أجلد من أن يدع هؤلاء يفوزون بجبّة من المال.

فردّهما إليّ، و قال: اجتهد في أن تأخذ منهما مائتي ألف دينار (3) .

فقلت: لا يمكن ذلك.

فقال: اعمل على أنك طالبتهم بمرفق لنفسك بتمام مائتي ألف درهم.

فقلت له: فإذا فعلت هذا، فأي شي‏ء أعمل أنا لنفسي؟ فقال: خذ منها عشرين ألف درهم، و ألزمهما مائة و ثمانين.

قال: فخرجت، و جددت بهما، إلى أن ألزمتهما ذلك، و أخذت لنفسي منه ما قال.

____________

(1) أبو عبد اللّه حمد بن محمد القنائي الكاتب، ابن أخت الحسن بن مخلد الوزير: ترجمته في حاشية القصة 8/10 من النشوار.

(2) يعني بالحساب المزوق أنه مزيف.

(3) الصحيح: درهم.

41

فلما فرغنا من ذلك، أخذنا بها خطوطهما، و أخذنا لهما خطّه بالبراءة من ذلك.

فقال لي عليّ بن عيسى: سأريك موضعي أنا من العمل‏[13]، و أنّ للرئيس في كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه.

فاستحضرتهما إلى حضرته، و أنا في مجلسه، فقال لهما: تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة، إن لم أزلها بقيت عليكما، و على ورثتكما، أبد الدهر؟ لست أفعل هذا إلاّ بشي‏ء يقرب، لا ضرر عليكما فيه، و هو: أنّي أحتاج في كل هلال، إلى مال أدفعه في ستة أيام من ذلك الشهر، إلى الرجّالة، و مبلغه ثلاثون ألف دينار، و ربما لم يتّجه في أول يوم من الشهر، و لا الثاني، و أريد أن تسلفاني في أول كل شهر، مائة و خمسين ألف درهم، ترتجعانها من مال الأهواز في مدة الشهر، فإنّ جهبذة الأهواز إليكما، فيكون هذا المال سلفا لكما أبدا، واقفا، لأضيف إلى هذا المال، الوظيفة التي على حامد، التي ترد في أول كل شهر، و هي عشرون ألف دينار، فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأوّل من النوبة، فيخف عنّي ثقل ثقيل.

فتأبيا ساعة، فلم يفارقهما حتى استجابا لذلك.

فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟ فقلت: و من يفي بهذا إلاّ الوزير، أيده اللّه تعالى.

قال: و كان علي بن عيسى، إذا حلّ المال، و ليس له وجه، استسلفه من التجار على سفاتج قد وردت من الأطراف، فلم تحلّ‏ (1) ، عشرة آلاف دينار، بربح دانق و نصف فضّة في كل دينار (2) ، و كان يلزمه في كل شهر ألفان و خمسمائة درهم أرباحا.

____________

(1) لم تحل: يعني لم يئن أوان سداد بدلها.

(2) أي أن الفائدة مائة في المائة، باعتبار 2500 في 5 في 12.

42

فلم يزل هذا الرسم يجري على يوسف بن فنحاس، و هارون بن عمران، و من قام مقامهما، مدة ست عشرة سنة، و بعد وفاتهما، لأنهما ما صرفا إلى أن ماتا، و كانا قد تقلدا في أيام عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، و كان السلطان لا يرى صرفهما، ليبقى جاه الجهبذة مع التجّار (1) ، فيقرض التجار بالجهبذ، إذا وقعت الضرورة، و متى صرف الجهبذ، و قلّد غيره، و لم يعامله التجار، وقف أمر الخليفة (2) .

____________

(1) كان التوقيع إلى جهابذة الحضرة، و منهم يوسف بن فنحاس و هارون بن عمران: أبقاك اللّه، و على رأس التوقيع: أبو فلان، فلان بن فلان، أبقاه اللّه (وزراء 177) .

(2) وردت القصة في كتاب الوزراء للصابي 90-93، أنظر أخبار هارون عمران و يوسف ابن فنحاس، في تجارب الأمم 1/79 و 112، 128 و كتاب الوزراء للصابي 38، 90، 91، 140، 141، 177، 332.

43

13 الصناعة نسب‏

حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن جنّي الكاتب، و كان أبوه مغنّيا، و هو من أعيان الكتّاب، قال: [حدّثني‏]ابن ثوابة الكاتب، قال: حدّثني أبو الفرج‏ (1) عن نجاح بن سلمة، عن أبيه‏ (2) ، عن الفضل بن مروان‏ (3) ، قال:

كنت أتولى مجلس الحساب، من قبل صاحب ديوان الرشيد، و كان يجيئنا إلى الديوان، شيخ من بقايا كتّاب‏[14]بني أمية، و كان صاحب الديوان يقول لنا: هذا أكتب أهل زمانه، و كان يلبس درّاعة و قلنسوة كأكسية النصارى، و خفّا أحمر، و كان هذا زيّ المتعطّلين من الكتّاب إذ ذاك، و كان صاحب الديوان يكرمه جدّا.

فصار إليّ في يوم من الأيام لحاجة عرضت له، و أنا متشاغل بعمل مهمّ قد طلبه الرشيد، و أنا جالس حيال صاحب الديوان أعمله، فقصرت في حقّ الشيخ.

____________

(1) أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب: تقلد ديوان السواد في وزارة الخاقاني (تجارب الأمم 1/129) .

(2) يقتضي قراءة الجملة: حدثنا أبو الفرج، عن أبيه، عن نجاح بن سلمة، و نجاح هذا من كتاب الدولة العباسية، مات في السنة 245 على أثر تعذيبه، فقد كان على ديوان التوقيع، و تتبع العمال، و كتب رقعة إلى المتوكل بخيانة كاتبين، ثم تنصل مما كتب، فسلمه المتوكل إلى من ضمنه بألفي ألف دينار، فعذب حتى مات (الكامل 7/88) و إلى هذه القصة أشار ابن الفرات عند ما أحضر لمحاسبته، راجع الوزراء للصابي 110.

(3) الفضل بن مروان: راجع ترجمته في حاشية القصة 1/68 من النشوار.

44

و لا مني صاحب الديوان على تقصيري به، و وبخني، فاعتذرت إليه بشغل القلب.

فلما كان بعد أيام جاءني، فزدت في إكرامه، و قمت إليه، و جلست بين يديه.

فأقبل على صاحب الديوان، فقال: أحسبك عاتبت فتانا على تقصيره أولا.

ثم أقبل عليّ، و قال: يا فتى، كنّا نعدّ الصناعة (1) نسبا، و النعمة (2)

نسبا، و اللغة نسبا، و النحلة (3) نسبا.

____________

(1) الصناعة: الحرفة، أي طريقة الكسب.

(2) النعمة: الصنيعة و المنة.

(3) النحلة: المذهب و الديانة.

45

14 كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون و وزّر له‏

حدّثنا أبو الحسين قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الباقطائي‏ (1) ، قال: حدّثني أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان، و كان كاتب المأمون، على ديوان الضياع، قال: [قال‏]ميمون: سمعت الفضل بن مروان يقول:

لا ينبغي لأحد أن يحقر أحدا، و لا يأيس من علوّه، فإني كنت في حداثتي أتوكّل لهرثمة بن أعين‏ (2) في مطبخه، أيام الرشيد، و كان بخيلا، و كان له خادم يشرف على مطبخه، و أجرى عليّ خمسة عشر درهما في الشهر، و وظيفة خبز.

فلما كثر توفيري عليه، صيّرها عشرين درهما.

و كنت لا آكل من مطبخه شيئا، فسأل الخادم عن أكلي، فعرّفه أنّي لا آكل، فأمره أن يطعمني من المطبخ كلّ يوم، و يوفّر الوظيفة على منزلي.

فدعا يوما دعوة عظيمة، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم، و عرضت عليه بذلك عملا، فسرّه، و حسن موقعه منه، و كان بخيلا جدا.

فقال لي يوما: قد استحققت الزيادة، فكم تحب أن أزيدك؟ فقلت: لا أقلّ من عشرة دراهم أخرى.

فقال: هذا كثير، و لكن أربعة دراهم.

____________

(1) أبو عبد اللّه الحسن بن علي الباقطائي، راجع ترجمته في حاشية القصة 8/3 من النشوار.

(2) هرثمة بن أعين: من القواد العباسيين، و لاه الرشيد أفريقية، ثم خراسان، و لما تنازع الأمين و المأمون انحاز لجانب المأمون، ثم نقم عليه أمرا، فحبسه، و مات في الحبس سنة 200 (الأعلام 9/75) .

46

فأيست من خيره، و اتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، و لم أتبعه، و لزمت الديوان، و تعلّمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد (1) ، و كان ذلك أوّل إقبالي‏[15]، و تخرّجت، و زادت حالي مع الأيّام.

فلما ولي المأمون، و عظّم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبّة للصيد، و كنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع و بساتين بالبردان‏ (2) و صاهرت بعض تنّائها، و اجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه البردان.

فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرّعا، و ليس معه من أصحابه كبير أحد.

فاجتاز في الطريق، و أنا واقف على بابي، فتوسّمت فيه الجلالة، و قدّرته أحد وجوه القوّاد.

كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، و قد أعددت له طعاما، و فيه جداء، و حلوى، و فاكهة كثيرة، و ثلج استدعيته من بغداد، و كان قبل ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنّه عرض له مهمّ في السواد، فخرج لوقته.

فلما رأيت المعتصم، و توسّمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، و أضيفه عندي على هذا الطعام المعدّ؟ قال: فكلّمته، و سألته النزول عندي.

فأجاب، و نزل، و أكل، و شرب، و أنفذت في الحال، فاستدعيت له

____________

(1) راجع القصة السالفة 8/13 من النشوار.

(2) البردان: قرية من قرى بغداد على سبعة فراسخ منها قرب صريفين، و هي من نواحي دجيل (معجم البلدان 1/552) .

47

قيانا، و جلس يشرب، و قد انبسطت بين يديه، و خدمته.

فنحن نشرب، انبثّ الجيش في طلبه، و عرفوا خبره، و أحاطوا بالدار، فعرفت حينئذ، أنّه أخو الخليفة، فهبته.

فبسطني، و سألني عن شرح حالي، فعرّفته، فقال: لا بد أن تجي‏ء معي إلى بغداد.

و قلّدني بعض أموره، ثم تزايدت حالي عنده، إلى أن جمع لي جميع أمره، و رئاسة كتّابه.

ثم خلطني بخدمة المأمون، و قلّدني ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه.

ثم رقّيت إلى الوزارة، من تلك الحال التي كنت عليها مع هرثمة.

قال أبو الحسين: ما رؤي في الدولة العباسية، من الكتّاب، من اتّصل تصرّفه منذ نشأ، إلى أن مات، و تردّدت ولايته الوزارة، و ديوان الخراج، و ديوان الضياع، من غير أن يتعطّل، أحد، غير الفضل بن مروان.

و صادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم‏[16]، فأداها بغير مكروه‏ (1) .

____________

(1) راجع تفصيل هذه المصادرة في القصة التالية 8/15 من النشوار.

48

15 الخليفة المعتصم يصادر وزيره‏

و سمعت حامد بن العباس‏ (1) ، يحكي: أنّه سمع صاعدا (2) ، يقول:

حدّثني أحمد بن إسرائيل، قال: حدّثني الفضل بن مروان، قال:

ما في الأرض أجهل من وزير يطلب الخليفة منه مالا، و هو في ولايته، فيعطيه إيّاه، فإنّه يطمعه في نعمته، و إنّما يدفع النكبة مدة، ثم تحدث، و قد ذهب المال.

فمن ذلك: أنّ المعتصم، لما خرج لغزو الروم، و أنا وزيره، استخلفني على سر من رأى، و استخلف لي بحضرته، محمد بن الفضل الجرجرائي.

فلما عاد، طمع فيّ، فقال لي: قد وردت، و المال‏[نزر]، و الجيش مستحق، فاحتل لي مائة ألف دينار، من مالك و جاهك، ففعلت.

فلما مضى شهر، طلب مني على هذا السبيل، خمسين ألف دينار، ففعلت.

فطلب منّي في الدفعة الثالثة، بمثل هذا الوجه، ثلاثين ألف دينار، فوعدته بها، و دافعته أياما، ثم حملتها إليه.

فبلغني عنه، أنّه قال لابنه الواثق: هذا النبطي، ابن النبطية، أخذ مالي جملة، و هو ذا يتصدّق به عليّ تفاريق.

ثم قبض عليه، بعد أيّام، و أخذ منه أربعين ألف ألف درهم.

____________

(1) حامد بن العباس، وزير المقتدر: راجع حاشية القصة 1/5 من النشوار.

(2) صاعد بن مخلد: ترجمته في حاشية القصة 1/1 من النشوار.

49

16 العمارة و التوفير أولى واجبات الوزير

حدّثني أبو الحسين‏ (1) ، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التواريخي، و كان شيخا قد عني بجمع التواريخ، فلقّب بها، و كان يجلس في الجامع إلى جانب الزجّاج‏ (2) ، و يعظّمه، قال: سمعت المبرد (3) يقول:

كنت أصحب الفضل بن مروان‏ (4) ، فذكر بحضرته-في أيّام الواثق- عظم بناء أحمد بن الخصيب‏ (5) بسرّ من رأى، و أنّه استعمل في سقف دهليز داره سبعين قارية ساج، و القارية: ساجة عظيمة، تستعمل صحيحة (6) ، فقال الفضل: ما كانت لي في حياتي‏ (7) ، لذّة في بناء، و لا فرش، و لا غلمان، و لا جوار، و لا مفاخرة بمروءة، و إنما كانت لذّتي في العمارة

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: ترجمته في حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(3) أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي: ترجمته في حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(4) الفضل بن مروان، وزير المعتصم: ترجمته في حاشية القصة 1/68 من النشوار.

(5) أحمد بن الحصيب: من رجال الدولة العباسية، صادره الواثق، و أخذ منه و من كتابه ألف ألف دينار، و استوزره المنتصر، ثم تدخل بين القواد الأتراك، فغضبوا عليه، و استصفوا أمواله، و نفوه و ولده إلى إقريطش (كريت) سنة 248 (الكامل 7/10-119) .

(6) القارية: بتخفيف الياء، تعريب الكلمة اليونانية Karia أي السارية أو الصاري-قاله الدكتور مصطفى جواد.

(7) في الأصل: خدمة.

50

و التوفير، و لهذا اتّصلت مدّتي في صحبتهم.

و لعهدي، و قد وليت للمأمون ديوان الخراج، فوجدت الأهواز (1) ، قد اختلّت ببثق سدّ أبطل العمارة، فأنفقت عليه، مائة ألف دينار، و جددت في عمارة النواحي، و كانت كور الأهواز[17]، إذ ذاك، قد ارتفعت بأربعة و عشرين ألف ألف درهم للسلطان، فضمنتها له بثمانية و أربعين ألف ألف درهم، صالحة للحمل.

____________

(1) الأهواز: راجع حاشية القصة 1/119 من النشوار.

51

17 السبب في علو حال عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان مع المتوكّل‏

حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت نجاح بن سلمة، يقول:

إنّ السبب في علوّ حال عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، مع المتوكل، أنّ أباه يحيى بن خاقان بن موسى، تقلّد ديوان الخراج في أيام المتوكل، فقلّد ابنه أبا محمد عبد اللّه، مجلسا من مجالس الديوان، و لم ير عبيد اللّه، أهلا لمثل ذلك.

فغضب على أبيه، و صار إلى الفضل بن مروان، و هو يتقلّد ديوان الضياع، فلزمه، و خطّ بين يديه.

و كانت أرمينية (1) تجري في ديوان الضياع، و كان على أهلها مقاطعة فضلها مال جليل، فامتنع الفضل من إمضائها لهم، و عرض عليه مرفق مائة ألف درهم، فأبى قبولها، و طرحوا نفوسهم على أكثر الوجوه بسرّ من رأى، فلم يجب أحدا إلى ذلك، فلجئوا إلى عبيد اللّه بن يحيى، و سألوه مسألته، لما ظهر من اختصاصه به، و نفاقه عليه.

فخاطبه في أمرهم، فتذمّم‏ (2) من رده، لأنّه ما كان‏ (3) يعمل معه بالرزق، و لا له نفع، و كانت حاله قويّة، و إنّما أراد التصرّف مراغمة لأبيه، و جعل

____________

(1) أرمينية: جاء في معجم البلدان (1/219) أن أرمينية اسم لصقع كبير واسع في جهة الشمال، و قالوا إنها أرمينيتان، الكبرى خلاط و نواحيها، و الصغرى تفليس و نواحيها.

(2) في الأصل: تذمر.

(3) في الأصل: كان.

52

ذلك كالمرفق له، و الصلة، فأجابه، و أمضى المقاطعة.

فحمل إليه القوم خمسة آلاف دينار، فردّها، و قال: ما كنت لآخذ على معروفي ثمنا.

فلما خرجوا إلى أرمينية، أحبّوا مهاداته، و مكافأته، فاستعملوا له فرش بيت أرمنيّ ببساط عظيم، و مصلّيات، و أنخاخ، و مساور، و مخادّ، و دست، و ستور (1) ، و أذهبوا الجميع، و كتبوا عليه كنيته و اسمه، و لم يكن رؤي قط مثله حسنا و جلالة، و حملوه إليه.

و اتفق أنّه وكّل المتوكل، تلك السنة، بالطرق، و أمر أن لا يدخل شي‏ء من الأمتعة، أو يعرض عليه، فعرض عليه البيت، في جملة ما جي‏ء به من أرمينية، فاستهوله، و قال: من هذا[18]الرجل؟ فقالوا: هو عبيد اللّه بن خاقان.

____________

(1) الفرش الكامل للبيت: يشتمل على فراش متماثل في اللون و النقش، مختلف في المساحة، فالصدر أكبر القطع مساحة، و يفرش في ساحة البيت أو القاعة (غرفة الضيوف) و يسمى الآن في العراق (أورطه) ، و الأنخاخ، مفردها (نخ) ، و نخ الطائر عظم جناحه، و المتعارف أن يكون مع الصدر نخان، النخ الأيمن و النخ الأيسر، و النخ سجادة طويلة، قليلة العرض، تمد فيما بين الصدر و بين الحائط، و تسمى الآن في العراق (يان) و تجمع (يانات) ، و استطرادا أورد: أن الخليفة القاهر، و قد سملت عيناه بعد خلعه، و من بعده سملت عينا المتقي إبراهيم ابن المقتدر، سمله توزون، فكتب القاهر إلى الخليفة المطيع، يتنبأ له بالسمل، هذين البيتين:

صرت و إبراهيم نخي عمى # لا بد للنخين من صدر

ما دام توزون له إمرة # مطاعة فالميل في الجمر

أما المصليات، فهي قطع صغيرة، تستعمل للصلاة، و توضع تحت الضيوف، و المخاد جمع مخدة و هي الوسادة، و المسورات، سبق شرحها في حاشية القصة 1/15 من النشوار، و الدست، قطعة خاصة توضع في صدر المكان، و الستور تعلق على الحيطان و الشبابيك، و هذا هو الفرش الكامل للبيت.

53

قال: و أي شي‏ء إليه، حتى يستعمل له هذا العمل؟لعلّ هذا مرفق لأبيه؟ فقيل له: إنّ أرمينية تجري في ديوان الضياع، و لا معاملة بينه و بين أبيه.

فاستشرح الصورة، و نقّر عليها، إلى أن حدّث الحديث على صحّته.

فاستحسن ذلك من فعل عبيد اللّه، و أمر بتسليم فرشه إليه، و قال: هذا فتى يدل فعله، على كبر همّته.

فلما صرف محمد بن الفضل الجرجرائي، عن وزارته‏ (1) ، قال: قد استغنيت عن وزير، لأنّ أصحاب الدواوين، يعرضون أعمالهم عليّ، و التاريخ يجعل باسم و صيف التركي، فأجرى الأمر على ذلك مدة.

ثم إنه احتاج إلى كاتب يكون بين يديه، في أبنيته، و التوقيعات في المهمّ الذي يأمر به من حضرته فيها، و في غيرها، إلى أصحاب الدواوين، و غيرهم، فأمر أن يطلب له حدث من أولاد الكتاب، ينصبه لذلك.

فسمي له جماعة، منهم: عيسى بن داود بن الجراح، و أبو الفضل بن مروان، و جماعة، و كان فيهم عبد اللّه و عبيد اللّه، ابنا يحيى بن خاقان.

فحين مرّ على سمعه ذكر عبيد اللّه، ذكر حديث الفرش، فاختاره، و لم يزل حاله يرقى معه، إلى أن استوزره.

____________

(1) راجع القصة 8/3 من النشوار.

54

18 ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصّة

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد الكاتب‏ (1) ، قال:

لمّا تقلّد أبي ديوان الضياع المعروفة بغريب الحال‏ (2) ، استخلف أخي أبا الحسين، زكريا بن يحيى على الديوان، و أجرى له عشرين دينارا في الشهر، و أجرى عليّ عشرة دنانير برسم التحرير في هذا الديوان، فأنفت من ذلك، و لم أقبل الرزق، و لا العمل.

و مضيت إلى ديوان الضياع الخاصّة، و كان يليه، إذ ذاك، أبو حامد محمد ابن الحسن، الملقب (بسودانية) ، فلم ألقه، و لا توسّلت إليه، بما كان بين أبي و بينه.

و لزمت الديوان بحضرة أبي يوسف عبد الرحمن بن محمد بن سهل المعروف بالمرمّد، و إليه كان مجلس الحساب في هذا الديوان، مدة[19] شهر، و كنت أتعلّم.

فبلغ أبا حامد خبري، و لم أكن-إذ ذاك-بلغت عشرين سنة، و لا قاربتها، فاستحضرني، فدخلت إليه، فعاتبني على تركي الدخول إليه،

____________

(1) أبو جعفر بن شيرزاد: انظر ترجمته في حاشية القصة 2/177 من النشوار.

(2) غريب الخال: خال المقتدر، و كان عظيم الجاه في أيامه، و هو أحد القلائل الذين ثبتوا مع المقتدر لما بويع ابن المعتز (الكامل لابن الأثير 8/15 و تجارب الأمم 1/6) و كان من الناصرين للوزير علي بن عيسى بن الجراح (تجارب الأمم 1/27 و 44) .