الحيوان - ج5

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
320 /
3

الجزء الخامس‏

<بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ>*

تتمة القول في النيران و أقسامها

القول في نيران العرب و العجم‏

<أول المصحف الخامس من كتاب الحيوان في الكتاب على بقية النيران> نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العرب و العجم، و نيران الدّيانة و مبلغ أقدارها عند أهل كلّ ملّة و ما يكون منها مفخرا، و ما يكون منها مذموما، و ما يكون صاحبها بذلك مهجورا.

و نبدأ بالإخبار عنها و بدئها، و عن نفس جوهرها، و كيف القول في كمونها و ظهورها، إن كانت النار قد كانت موجودة العين قبل ظهورها، و عن كونها، على المجاورة كان ذلك أم على المداخلة، و في حدوث عينها إن كانت غير كامنة، و في إحالة الهواء لها و العود جمرا، إن كانت الاستحالة جائزة، و كانت الحجّة في تثبيت الأعراض صحيحة. و كيف القول في الضّرام الذي يظهر من الشجر، و في الشّرر الذي يظهر من الحجر. و ما القول في لون النار في حقيقتها. و هل يختلف الشّرار في طبائعها، أم لا اختلاف بين جميع جواهرها، أم يكون اختلافها على قدر اختلاف مخارجها و مداخلها، و على قدر اختلاف ما لاقاها و هيّجها؟

1267-[قول أبي إسحاق النظام في النار]

و نبدأ، باسم اللّه و تأييده، بقول أبي إسحاق.

قال أبو إسحاق: الناس اسم للحرّ و الضّياء. فإذا قالوا: أحرقت أو سخّنت، فإنما الإحراق و التسخين لأحد هذين الجنسين المتداخلين، و هو الحرّ دون الضياء.

و زعم أن الحرّ جوهر صعّاد. و إنما اختلفا، و لم يكن اتّفاقهما على الصعود موافقا بين جواهرهما؛ لأنهما متى صارا من العالم العلويّ إلى مكان صار أحدهما فوق صاحبه.

و كان يجزم القول و يبرم الحكم بأنّ الضياء هو الذي يعلو إذا انفرد، و لا يعلى.

4

قال: و نحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتّون‏[1]وجدنا أرضه و هواه و حيطانه حارّة، و لم نجدها مضيئة، لأن في الأرض، و في الماء الذي قد لابس الأرض، حرّا كثيرا، و تداخلا متشابكا؛ و ليس فيهما ضياء. و قد كان حرّ النار هيّج تلك الحرارة فأظهرها، و لم يكن هناك ضياء من ملابس فهيّجه الضياء و أظهره، كما اتصل الحرّ بالحرّ فأزاله من موضعه، و أبرزه من مكانه. فلذلك وجدنا أرض الأتّون‏[1]، و حيطانها، و هواها حارّة، و لم نجدها مضيئة.

و زعم أبو إسحاق أنّ الدليل على أن في الحجر و العود نارا مع اختلاف الجهات، أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السّمسم دهن و لا في الزّيتون زيت.

و من قال ذلك لزمه أن يقول: أن ليس في الإنسان دم، و أنّ الدّم إنّما تخلّق عند البطّ[2]، و كان ليس بين من أنكر أن يكون الصّبر[3]مرّ الجوهر، و العسل حلو الجوهر قبل ألاّ يذاقا، و بين السمسم و الزيتون قبل أن يعصرا-فرق.

و إن زعم الزاعم أنّ الحلاوة و المرارة عرضان، و الزيت و الخلّ جوهر، و إذا لزم من قال ذلك في حلاوة العسل، و حموضة الخلّ، و هما طعمان-لزمه مثل ذلك في ألوانهما، فيزعم أنّ سواد السّبج‏[4]، و بياض الثلج، و حمرة العصفر، و صفرة الذهب، و خضرة البقل، إنما تحدث عند رؤية الإنسان، و إن كانت المعاينة و المقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر.

قال: فإذا قاس ذلك المتكلّم في لون الجسم بعد طعمه، و في طوله و عرضه و صورته بعد رائحته، و في خفته و ثقل وزنه، كما قاس في رخاوته و صلابته-فقد دخل في باب الجهالات، و لحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، و إن وجدوها باللمس ثقيلة مزكورة[5]و إنما تخلّق عند حلّ رباطها. و كذلك فليقولوا في الشمس و القمر، و الكواكب، و الجبال، إذا غابت عن أبصارهم.

قال: فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات، كان الذي هرب إليه أشدّ عليه.

[1]الاتّون: الموقد.

[2]بطّ الجرح: شقه، و المبطة: المبضع.

[3]الصّبر: عصارة شجر مر.

[4]السبج: الخرز الأسود.

[5]مزكورة: مملوءة.

5

و كان يضرب لهما مثلا ذكرته لظرافته:

حكى عن رجل أحدب سقط في بئر، فاستوت حدبته و حدثت له أدرة[1]في خصيته، فهنّاه رجل عن ذهاب حدبته، فقال: الذي جاء شرّ من الذي ذهب!

1268-[رد النظام على ضرار في إنكار الكمون‏]

و كان أبو إسحاق يزعم أن ضرار بن عمرو قد جمع في إنكاره القول بالكمون الكفر و المعاندة؛ لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصحّ إلا مع إنكار الكمون، و أن القول بالكمون لا يصحّ إلا بأن يكون في الإنسان دم. و إنما هو شي‏ء تخلّق عند الرّؤية.

قال: و هو قد كان يعلم يقينا أنّ جوف الإنسان لا يخلو من دم.

قال: و من زعم أن شيئا من الحيوان يعيش بغير الدم، أو شي‏ء يشبه الدم، فواجب عليه أن يقول بإنكار الطبائع؛ و يدفع الحقائق بقول جهم في تسخين النار و تبريد الثلج، و في الإدراك و الحسّ، و الغذاء و السّمّ. و ذلك باب آخر في الجهالات.

و من زعم أن التوحيد لا يصلح إلا بألاّ يكون في الإنسان دم، و إلا بأن تكون النار لا توجب الإحراق، و البصر الصحيح لا يوجب الإدراك-فقد دلّ على أنه في غاية النقص و الغباوة، أو في غاية التكذيب و المعاندة.

و قال أبو إسحاق: وجدنا الحطب عند انحلال أجزائه، و تفرّق أركانه التي بني عليها، و مجموعاته التي ركّب منها و هي أربع: نار، و دخان، و ماء، و رماد، و وجدنا للنار حرّا و ضياء، و وجدنا للماء صوتا، و وجدنا للدّخان طعما و لونا و رائحة، و وجدنا للرّماد طعما و لونا و يبسا، و وجدنا للماء السائل من كل واحد من أصحابه. ثمّ وجدناه ذا أجناس ركّبت من المفردات.

و وجدنا الحطب ركّب على ما وصفنا، فزعمنا أنه ركّب من المزدوجات، و لم يركّب من المفردات.

قال أبو إسحاق: فإذا كان المتكلم لا يعرف القياس و يعطيه حقه فرأى أنّ العود حين احتكّ بالعود أحدث النار فإنه يلزمه في الدخان مثل ذلك، و يلزمه في الماء السائل مثل ذلك. و إن قاس قال في الرّماد مثل قوله في الدخان و الماء. و إلا فهو إما جاهل، و إمّا متحكم.

[1]الأدرة: انتفاخ في الخصية.

6

و إن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، و لا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، و كذلك الدخان-فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، و في الزّيت و في الزّيت و في النّفط.

فإن زعم أنهما سواء، و أنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع الذي عاين من بدن النار و الدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أنّ شرر القدّاحة و الحجر لم يكونا كامنين في الحجر و القدّاحة.

و ليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان، و كمون الدّهن في السمسم، و كمون الزيت في الزيتون. و لا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في العين.

فكيف و هم قد أجروا هذا الإنكار في كلّ ما غاب عن حواسّهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض؟!كنحو حموضة الخلّ، و حلاوة العسل، و عذوبة الماء، و مرارة الصبر.

قال: فإن قاسوا قولهم و زعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار و الدّخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبرّ في لونه، و في صلابته، و في مساحته، و في أمور غير ذلك منه. فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث، و أن البرّ قد بطل.

و إذا زعم ذلك زعم أنّ الزّبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، و أنّ جبن اللبن حادث، و قاس ماء الجبن على الجبن. و ليس اللبن إلا الجبن و الماء.

و إذا زعم أنهما حادثان، و أن اللبن قد بطل، لزمه أن يكون كذلك الفخّار، الذي لم نجده حتى عجنّا التراب اليابس المتهافت على حدته، بالماء الرّطب السيّال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارّة الصّعّادة على حدتها. و وجدنا الفخار في العين و اللمس و الذّوق و الشّمّ، و عند النّقر و الصّكّ-على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها، و الماء وحده، و التّراب وحده؛ فإنّ ذلك الفخار هو تلك الأشياء. و الحطب هو تلك الأشياء، إلا أن أحدها من تركيب العباد، و الآخر من تركيب اللّه.

و العبد لا يقلب المركّبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها.

و الحجر متى صكّ بيضة كسرها، و كيف دار الأمر، سواء كانت الرّيح تقلبه أو إنسان.

7

فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التّراب، و ذلك الماء، و تلك النار، و قالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة[1]و الأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد، و العجين غير الدقيق. و زعم-و لو أنه لم يقل ذلك-أن الحبّة متى فلقت فقد بطل الصحيح، و حدث جسمان في هيئة نصفي الحبّة. و كذلك إذا فلقت بأربع فلق، إلى أن تصير سويقا، ثم تصير دقيقا، ثم تصير عجينا، ثم تصير خبزا، ثم تعود رجيعا و زبلا، ثم تعود ريحانا و بقلا، ثم يعود الرجيع أيضا لبنا و زبدا؛ لأن الجلاّلة[2]من البهائم تأكله، فيعود لحما و دما.

و قال: فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون، أو قول هذا.

1269-[ردّ النظام على أصحاب الأعراض‏]

قال أبو إسحاق: فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة، و كيف تكمن فيه و هي أعظم منه؟و لكنّ العود إذا احتكّ بالعود حمي العودان، و حمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فإذا احتدم رقّ، ثم جفّ و التهب. فإنما النار هواء استحال.

و الهواء في أصل جوهره حارّ رقيق، و هو جسم رقيق، و هو جسم خوّار، جيّد القبول، سريع الانقلاب.

و النار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، و انطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه. فالهواء سريع الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. و ليس أنها إذا عدمت فقد انقطعت إلى شكل لها علويّ و اتصلت، و صارت إلى تلادها[3]، و لا أنّ أجزاءها أيضا تفرقت في الهواء، و لا أنها كانت كامنة في الحطب، متداخلة منقبضة فيه، فلما ظهرت انبسطت و انتشرت.

و إنما اللهب هواء استحال نارا؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار، و الماء هو حجاز بينهما، لأنّ النار يابسة حارة، و الماء رطب بارد، و الهواء حارّ رطب، فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة و الصفاء، و يشبه النار بالحرارة و الخفة فهو يخالفهما و يوافقهما؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبا [1]الأخبصة: حلوى تصنع من التمر و السمن.

[2]الجلاّلة: البقرة تتبّع النجاسات، و الجلّة: البعر.

[3]أصل التلاد: المال القديم الأصلي، و هو يريد القول: رجعت إلى معدنها و أصلها الأول.

8

و حدث له كثافة، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا. فالماء ضدّ النار، و الهواء خلاف لهما، و ليس بضدّ. و لا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديّا إلى خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء، ثم ينقلب الهواء نارا، و ينقلب الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضا. فلا بدّ في الانقلاب من الترتيب و التدريج. و كلّ جوهر فله مقدمات؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا، و كذلك في العكس، فلا يستحيل الصخر هواء، و الهواء صخرا، إلا على هذا التنزيل و الترتيب.

و قال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطب، و لكنّ الهواء المحيط بهما احتدم و استحال نارا. فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير، أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب، و لكنّ ذلك المكان من الهواء استحال ماء. و ليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار و الماء.

فإن قاس القوم ذلك، فزعموا أن النار التي عاينّاها، و ذلك الماء و الدخان في كثافة الدخان و سواده، و الذي يتراكم منه في أسافل القدور و سقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال، فلعلّ الرماد أيضا، هواء استحال رمادا.

فإن قلتم: الدّخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، و في بطون سقف مواقد الحمامات، الذي إذا دبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس‏[1]العجيبة أحق بأن استحال أرضيّا. فإن قاس صاحب العرض، و زعم أن الحطب انحلّ بأسره، فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة، و استحال بعضه ماء كما كان بعضه ماء مرة، و بعضه استحال أرضا، كما كان بعضه أرضا مرة، و لم يقل إن الهواء المحيط به استحال رمادا، و لكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رمادا و دخانا، و بعض الهواء المتصل به استحال ماء و بعضه استحال نارا، على قدر العوامل، و على المقابلات له.

و إذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزّلته لك.

و هذا باب من القول في النار. و علينا أن نستقصي للفريقين و اللّه المعين.

1270-[ردّ على منكري كمون النار في الحطب‏]

و باب آخر، و هو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحرّ [1]الأنقاس: جمع نقس، و هو المداد.

9

الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسّه كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانع منه. و لو كان هناك مانع لم يكن ذلك المانع إلا البرد؛ لأن اللون و الطعم و الرائحة لا يفاسد الحرّ، و لا يمانعه إلا الذي يضادّه، دون الذي يخالفه و لا يضاده.

فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرّ و يطاوله، و يكافيه و يوازيه؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا، و إنما يظهر الحرق و يحرق لزوال البرد، إذا قام في مكانه و ظهر الحرّ وحده فظهر عمله. و لو كان البرد المعادل لذلك الحرّ مقيما في العود على أصل كمونه فيه. لكان ينبغي لمن مسّ الرّماد بيده أن يجده أبرد من الثلج. فإذا كان مسه كمسّ غيره، فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يحرق كلّ شي‏ء لقيه.

فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، فلم وجدنا الحرّ وحده و ليس هو بأحق أن نجده من ضدّه. و إن كان البرد أخذ شمالا، و أخذ الحرّ جنوبا، فقد كان ينبغي أن يجمد و يهلك ما لاقاه، كما أهلك الحر و أحرق و أذاب كلّ ما لاقاه.

قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب.

قال أبو إسحاق: و الجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفليّ الماء و الأرض، و هما جميعا باردان، و في أعماقهما و أضعافهما من الحر ما يكون مغمورا و لا يكون غامرا، و يكون مقموعا و لا يكون قامعا؛ لأنه هناك قليل، و القليل ذليل، و الذليل غريب، و الغريب محقور. فلما كان العالم السفلي كذلك، اجتذب ما فيه من قوة البرد و ذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه؛ لأن العود مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض، الذي هو كالقرص له، إلا بالطّفرة[1]و التخليف‏[2]، لا بالمرور على الأماكن و المحاذاة لها و قام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخرق الذي يكون فيه، فإذا سدّ فمع السّدّ ينقطع إلى قرصه، و أصل جوهره.

[1]الطفرة: الوثبة.

[2]التخليف: التّرك.

10

فإذا أجاب بذلك أبو إسحاق لم يجد خصمه بدّا من أن يبتدئ مسألة في إفساد القول بالطفرة و التخليف.

و لو لا ما اعترض به أبو إسحاق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع، لكان هذا مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم.

1271-[قول النظام في الكمون‏]

و كان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب و الحطب و القطن، إنما هو خروج نيرانه منه، و هذا هو تأويل الاحتراق، و ليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، و لكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدّها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، و استمدّت منها، قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت. فعند ظهورها تجزّأ الحطب و تجفف و تهافت؛ لمكان عملها فيه.

فإحراقك للشي‏ء إنما هو إخراجك نيرانه منه.

و كان يزعم أن حرارة الشمس، إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه.

و هي لا تحرق ما عقد العرض و كثّف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحر أجناس لا تحترق، كاللون و الطعم و الرائحة، و الصوت. و الاحتراق إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط.

و كان يزعم أن سمّ الأفعى مقيما في بدن الأفعى، ليس يقتل، و أنه متى مازج بدنا لا سمّ فيه لم يقتل و لم يتلف، و إنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادّها. فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السمّ الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكان المنهوش عند أبي إسحاق، إنما كان أكثر ما أتلفه السمّ الذي معه.

و كذلك كان يقول في حرّ الحمّام، و الحر الكامن في الإنسان: أنّ الغشي الذي يعتريه في الحمام ليس من الحر القريب، و لكن من الحر الغريب، حرّك الحرّ الكامن في الإنسان، و أمدّه ببعض أجزائه، فلما قوي عند ذلك على مانعه فأزاله، صار ذلك العمل الذي كان يوقعه بالمانع واقعا به. و إنما ذلك كماء حار يحرق اليد، صبّ عليه ماء بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شغله بالداخل، و صار من وضع يده فيه و وضع يده في شي‏ء قد شغل فيه بغيره. فلما دفع اللّه، عزّ و جلّ، عنه ذلك الجسم

11

الذي هو مشغول به، صار ذلك الشّغل مصروفا إلى من وضع يده فيه؛ إذ كان لا ينفكّ من عمله.

و كان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتّون‏[1]لم تجد شيئا من الضوء، و وجدت الكثير من الحر؛ لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصل ينسب إليه، و كان له في العلوّ أصل، كان أولى به.

و في الحقيقة أنهما جميعا قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلويّ. و هذا الحر الذي تجده في الأرض، إنما هو الحرّ الكامن الذي زال مانعه.

هكذا كان ينبغي أن يقول. و هو قياسه.

و كان يزعم أنك إن أبصرت مصباحا قائما إلى الصّبح أن الذي رأيته في أول وهلة قد بطل من هذا العالم، و ظفر من الدهن بشي‏ء من وزنه و قدره بلا فضل‏[2]، ثم كذلك الثالث و الرابع و التاسع. فأنت إن ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس به، و لكن ذلك المكان لما كان لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، و لم يكن في الأول شية[3]و لا علامة، وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر، هو الذي رأيته مع غروب الشّفق.

و كان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدّهن و لم تشربه، و أن النار لا تأكل و لا تشرب، و لكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان و النار الكامنين، اللذين كانا فيه. و إذا خرج كلّ شي‏ء فهو بطلانه.

باب في المجاز و التشبيه بالأكل‏

1272-[المجاز و التشبيه الأكل‏]

و قد يقولون ذلك أيضا على المثل، و على الاشتقاق، و على التشبيه.

فإن قلتم: فقد قال اللّه عزّ و جلّ في الكتاب: اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ عَهِدَ إِلَيْنََا أَلاََّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتََّى يَأْتِيَنََا بِقُرْبََانٍ تَأْكُلُهُ اَلنََّارُ [4]علمنا أن اللّه، عزّ و جلّ، إنما كلمهم بلغتهم.

[1]الأتّون: الموقد.

[2]الفضل: الزيادة.

[3]الشية: اللون يخالف معظم اللون.

[4]183/آل عمران: 3.

12

و قد قال أوس بن حجر[1]: [من الطويل‏]

فأشرط فيها نفسه و هو معصم # و ألقى بأسباب له و توكّلا[2]

و قد أكلت أظفاره الصّخر كلما # تعايا عليه طول مرقى توصّلا

فجعل النحت و التّنقّص أكلا.

و قال خفاف بن ندبة[3]: [من البسيط]

أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر # فإنّ قومي لم تأكلهم الضبع‏

و الضّبع: السّنة. فجعل تنقّص الجدب، و الأزمة، أكلا.

باب آخر مما يسمونه أكلا

و قال مرداس بن أديّة[4]: [من البسيط]

و أدّت الأرض منّي مثل ما أكلت # و قرّبوا لحساب القسط أعمالي‏

و أكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها.

باب آخر في المجاز و التشبيه بالأكل‏

<باب آخر>

1273-[في المجاز و التشبيه بالأكل‏]

و هو قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً [5]و قوله [1]ديوان أوس بن حجر 87، و السمط 492، و الأول في اللسان و التاج (شرط، عصم) ، و أساس البلاغة (شرط) ، و العين 6/236، و الجمهرة 726، و السمط 492، و الفاخر 123، و الثاني في أساس البلاغة (أكل) .

[2]في ديوانه: «قال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علما للموت، و منه أشراط الساعة. و يقال:

أشرط نفسه في ذلك الأمر؛ أي خاطر بها. و المعصم: المتعلق بالحبل. و السبب: الحبل» .

[3]البيت لخفاف بن ندبة في ديوانه 533، و للعباس بن مرداس في ديوانه 106، و الاشتقاق 313، و الخزانة 4/13، 14، 17، 200، 5/445، 6/532، 11/62، و شرح شذور الذهب 242، و شرح شواهد المغني 1/116، 179، و شرح قطر الندى 140، و شرح المفصل 2/99، 8/132، و الكتاب 1/293، و المقاصد النحوية 2/55، و اللسان (خرش، ضبع) ، و بلا نسبة في الأزهية 147، و الإنصاف 71، و مغني اللبيب 1/35، و اللسان و التاج (ما) ، و أوضح المسالك 1/265، و الجنى الداني 528.

[4]البيت في شعر الخوارج 50.

[5]10/النساء: 4.

13

تعالى، عزّ اسمه: أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ [1]. و قد يقال لهم ذلك و إن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، و لبسوا الحلل، و ركبوا الدوابّ، و لم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [2]. و هذا مجاز آخر.

و قال الشاعر في أخذ السّنين من أجزاء الخمر[3]: [من الخفيف‏]

أكل الدّهر ما تجسّم منها # و تبقّى مصاصها المكنونا[4]

و قال الشاعر: [من السريع‏]

مرّت بنا تختال في أربع # يأكل منها بعضها بعضا[5]

و هل قوله‏[6]: «و قد أكلت أظفاره الصّخر» ، إلا كقوله‏[7]: [من الطويل‏]

كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر[8]

و إذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. و إذا قالوا: أكله الأسود[9]، فإنما يعنون النّهش و اللّدغ و العضّ فقط.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [10].

و يقال: هم لحوم الناس.

[1]42/المائدة: 5

[2]10/النساء: 4.

[3]البيت لأبي نواس في ديوانه 30.

[4]المصاص: خالص كل شي‏ء، و رواية الديوان «و تبقى لبابها» ، المكنون: المستور.

[5]أربع: أراد: صواحبها، و أراد أنها في تثنّيها و تعطّفها كأنما يأكل بعضها بعضا.

[6]جزء من بيت لأوس بن حجر، ورد في الصفحة السابقة.

[7]صدر البيت: (ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه) ، و هو لخالد بن علقمة في ديوان علقمة الفحل 110، و لابن الطيفان خالد بن علقمة بن مرثد في المؤتلف و المختلف 221، و للزبرقان بن بدر في المقاصد النحوية 4/171، و للحصين بن القعقاع في ثمار القلوب (613) .

[8]في ديوان علقمة: «قد أفنى دوائر وجهه، أي: قد ملأ الشر وجهه أجمع؛ فأنت تستبين أثر الشر و تغييره في وجهه. و قوله: كضب الكدى: الضب لا يحتفر أبدا إلا في مكان صلب كيلا يهدم عليه جحره، و استعار للضب أنامل مكان البراثن لما أخبر عنه بمثل ما يخبر به عن الآدميين من الحفر» .

[9]الأسود: ضرب خبيث من الأفاعي.

[10]12/الحجرات: 49.

14

و قال قائل لإسماعيل بن حماد: أيّ اللّحمان أطيب؟قال: لحوم الناس، هي و اللّه أطيب من الدجاج، و من الفراخ، و العنوز الحمر[1].

و يقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس. و إن لم يأكل من طعامهم شيئا.

و أما قول أوس بن حجر[2]: [من الطويل‏]

و ذو شطبات قدّه ابن مجدّع # له رونق ذرّيّه يتأكّل‏[3]

فهذا على خلاف الأول. و كذلك قول دهمان النهري‏[4]: [من الرمل‏]

سألتني عن أناس أكلوا # شرب الدّهر عليهم و أكل‏

فهذا كله مختلف، و هو كله مجاز.

باب آخر في مجاز الذوق‏

<باب آخر>

1274-[في مجاز الذوق‏]

و هو قول الرّجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق!و: كيف ذقته؟!و: كيف وجدت طعمه! و قال عزّ و جلّ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [5].

و أما قولهم: «ما ذقت اليوم ذواقا» [6]، فإنه يعني: ما أكلت اليوم طعاما، و لا شربت شرابا، و إنما أراد القليل و الكثير، و أنه لم يذقه، فضلا عن غير ذلك.

[1]العنوز: جمع عنز، و هي الأنثى من المعز.

[2]ديوان أوس بن حجر 95، و ديوان المعاني 2/57.

[3]في ديوانه: «الشطبات: جمع شطبة، و هي الطريقة من طرائق السيف. قده: قطعه و صنعه. و ابن مجدع: قين مشهور بصنع السيوف. الرونق: ماء السيف و صفاؤه و حسنه. الذري: التلألؤ و اللمعان. يتأكل: يبرق و يلمع بشدة» .

[4]لم يرد البيت منسوبا إلى دهمان النهري في المصادر المتاحة، و هو للنابغة الجعدي في ديوانه 92، 98، و الأزهية 285، و اللسان و التاج (طرب، أكل) ، و أساس البلاغة (شرب) ، و المعاني الكبير 1208، و أمالي المرتضى 1/66، و بلا نسبة في مجمع الأمثال 1/42، و انظر المستقصى 2/283.

[5]49/الدخان: 44.

[6]المثل في مجمع الأمثال 2/281، و المستقصى 2/321، و أمثال ابن سلام 390.

15

و قال بعض طبقات الفقهاء، ممن يشتهي أن يكون عند الناس متكلما: ما ذقت اليوم ذواقا على وجه من الوجوه، و لا على معنى من المعاني، و لا على سبب من الأسباب، و لا على جهة من الجهات، و لا على لون من الألوان.

و هذا من عجيب الكلام! قال: و يقول الرجل لوكيله: ايت فلانا فذق ما عنده و قال شمّاخ بن ضرار[1]: [من الطويل‏]

فذاق فأعطته من اللّين جانبا # كفى، و لها أن يغرق السهم حاجز

و قال ابن مقبل‏[2]: [من البسيط]

أو كاهتزاز ردينيّ تذاوقه # أيدي التّجار فزادوا متنه لينا[3]

و قال نهشل بن حرّيّ‏[4]: [من الوافر]

و عهد الغانيات كعهد قين # ونت عنه الجعائل مستذاق‏[5]

الجعائل: من الجعل.

و تجاوزوا ذلك إلى أن قال يزيد بن الصّعق، لبني سليم حين صنعوا بسيّدهم العباس ما صنعوا. و قد كانوا توّجوه و ملّكوه، فلما خالفهم في بعض الأمر وثبوا عليه، و كان سبب ذلك قلة رهطه. و قال يزيد بن الصّعق‏[6]: [من الوافر]

و إن اللّه ذاق حلوم قيس # فلما ذاق خفّتها قلاها

[1]ديوان الشماخ 190، و جمهرة أشعار العرب 832، و التهذيب 9/263، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (ذوق) ، و بلا نسبة في المقاييس 2/365، و المخصص 6/47.

[2]ديوان ابن مقبل 328 (232) ، و الحماسة البصرية 2/91، و الأمالي 1/229، و الموشح 15، و اللسان و الأساس (ذوق) .

[3]في ديوانه: «الرديني: الرمح، منسوب إلى ردينة، و هي امرأة كانت تتقن هي و زوجها سمهر صنع الرماح بخط هجر. و التجار: جمع تاجر، و هو الذي يتجر في الشي‏ء، أو الحاذق في الأمر. شبّه تثني النساء في مشيهن باهتزاز الرمح اللدن» .

[4]ديوان نهشل بن حري 117، و اللسان و التاج (ذوق، لمق) ، و جمهرة الأمثال 1/23، و مجمع الأمثال 1/41، و المستقصى 1/125، و نسب خطأ إلى جرير في أساس البلاغة (ذوق) ، و هو بلا نسبة في التهذيب 9/263.

[5]القين: الحداد أو العامل. ونت: أبطأت. الجعائل: جمع جعالة، و هو ما يجعل للعامل على عمله.

مستذاق: مختبر.

[6]البيتان في أشعار العامريين الجاهليين 63.

16

رآها لا تطيع لها أميرا # فخلاّها تردّد في خلاها[1]

فزعم أن اللّه، عزّ و جلّ، يذوق.

و عند ذلك قال عباس الرّعلي يخبر عن قلّته و كثرتهم، فقال‏[2]: [من الطويل‏]

و أمّكم تزجي التّؤام لبعلها # و أمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر[3]

و زعم يونس أنّ أسلم بن زرعة لما أنشد هذا البيت اغرورقت عيناه.

و جعل عباس أمّه عاقرا إذ كانت نزورا. و قد قال الغنويّ‏[4]: [من الكامل‏]

و تحدثوا ملأ لتصبح أمّنا # عذراء لا كهل و لا مولود

جعلها إذ قلّ ولدها كالعذراء التي لم تلد قطّ. لما كانت كالعذراء جعلها عذراء.

و للعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم أصحابهم عنهم. و هذه أيضا فضيلة أخرى.

و كما جوّزوا لقولهم أكل و إنما عضّ، و أكل و إنما أفنى، و أكل و إنما أحاله، و أكل و إنما أبطل عينه-جوّزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم، ثم قالوا:

طعمت، لغير الطعام. و قال العرجيّ‏[5]: [من الطويل‏]

و إن شئت حرّمت النساء سواكم # و إن شئت لم أطعم نقاخا و لا بردا[6]

و قال اللّه تعالى: إِنَّ اَللََّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [7]، يريد: لم يذق طعمه.

[1]خلاّها: تركها. الخلى: جمع خلاة، و هو الرطب من النبات.

[2]تقدم البيت في الفقرة (255) 1/239.

[3]تزجي: تسوق. التؤام: جمع توأم، و هو المولود مع غيره في بطن. كزة: قليلة الخير.

[4]البيت لأبيّ بن هرثم الغنوي في تهذيب إصلاح المنطق 368، و بلا نسبة في إصلاح المنطق 150، و اللسان و التاج (ملأ) ، و التهذيب 15/405.

[5]البيت للعرجي في ديوانه 109، و اللسان و التاج (نقخ، برد) ، و التنبيه و الإيضاح 1/292، 2/10، و لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 315، و للحارث بن خالد المخزومي في ديوانه 117، و بلا نسبة في المقاييس 1/243، و التهذيب 14/105، و ديوان الأدب 1/102.

[6]النقاخ: الماء البارد العذب الصافي. البرد: الريق.

[7]249/البقرة: 2.

17

و قال علقمة بن عبدة[1]: [من البسيط]

و قد أصاحب فتيانا طعامهم # حمر المزاد و لحم فيه تنشيم‏[2]

يقول: هذا طعامهم في الغزو و السفر البعيد الغاية، و في الصيف الذي يغيّر الطعام و الشراب.

و الغزو على هذه الصفة من المفاخر؛ و لذلك قال الأول‏[3]: [من مجزوء الكامل‏]

لا لا أعقّ و لا أحو # ب و لا أغير على مضر

لكنّما غزوي إذا # ضجّ المطيّ من الدّبر

و على المعنى الأول قول الشاعر[4]: [من الرجز]

قالت ألا فاطعم عميرا تمرا # و كان تمري كهرة و زبرا

و على المعنى الأول قال حاتم: «هذا فصدي أنه!» [5] و لذلك قال الرّاجز[6]: [من الرجز]

لعامرات البيت بالخراب‏

يقول: هذا هو عمارتها.

[1]ديوان علقمة 77، و أساس البلاغة (نشم) ، و المفضليات 403، و بلا نسبة في اللسان و التاج (نشم) ، و التهذيب 11/382.

[2]في ديوانه: «قوله: طعامهم خضر المزاد، فيه قولان: أحدهما أن يكون ماؤهم في مزادة، قد طحلبت لطول الغزو أو السفر و تغيرت؛ و الآخر: أن يريد أن الماء نفد عندهم لطول السفر، فكانوا إذا جهدهم العطش افتظّوا الكروش فشربوا ما فيها من الماء؛ و ذلك الماء أخضر لما في الكروش من بقية العلف. و «التنشيم» التغيير. و وصف في البيت جلادته، و بعد همته» .

[3]البيتان للحارث بن يزيد جد الأحيمر السعدي، و هما في البيان 3/200، و تقدما في 1/88.

[4]تقدم البيتان في 4/394.

[5]ورد هذا القول في عمدة الحفاظ 1/134، 3/106، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/394، و انظر الأغاني 17/391، و ديوان حاتم الطائي 275، البيت رقم 104 و تعليق المحقق عليه، و الفصد: كانوا يفصدون النوق في الجدب، و يستقبلون موضع الفصد برأس معى، فإذا امتلأ شدوا رأسه و شووه و أكلوه ضرورة. و انظر ما تقدم في 4/394، س 6.

[6]الرجز بلا نسبة في البيان 1/152، و ديوان المعاني 2/151، و ربيع الأبرار 5/470، و تقدم في 4/394، و سيعيده الجاحظ في الصفحة 141.

18

1275-[تأويل النظام لقولهم: النار يابسة]

و كان أبو إسحاق يتعجب من قولهم: النار يابسة. قال: أما قولهم: الماء رطب، فيصح؛ لأنا نراه سيّالا. و إذا قال الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت فقط. فإن لم يرد إلا بدن الأرض الملازم بعضه لبعض؛ لما فيها من اللّدونة فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطة لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت على أقدار ذلك.

و متى حفرنا و دخلنا في عمق الأرض، وجدنا الأرض طينا؛ بل لا تزال تجد الطين أرطب حتى تصير إلى الماء. و الأرض اليوم كلها أرض و ماء، و الماء ماء و أرض، و إنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة و القلة. فأما النار فليست بيابسة البدن. و لو كانت يابسة البدن لتهافتت تهافت التراب، و لتبرّأ بعضها من بعض. كما أن الماء لما كان رطبا كان سيّالا.

و لكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل شي‏ء في العود من النار فظهرت الرطوبات لذلك السبب، و وجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت إحدى مراتعها من التمييز فوجدوا العود قد صار رمادا يابسا متهافتا-ظنوا أن يبسه إنما هو مما أعطته النار و ولّدت فيه.

و النار لم تعطه شيئا، و لكن نار العود لما فارقت رطوبات العود، ظهرت تلك الرطوبات الكامنة و المانعة، فبقي من العود الجزء الذي هو الرماد، و هو جزء الأرض و جوهرها؛ لأن العود فيه جزء أرضيّ، و جزء مائيّ، و جزء ناريّ، و جزء هوائيّ، فلما خرجت النار و اعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضيّ.

فقولهم: النار يابسة، غلط، و إنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، و لم يغوصوا على مغيّبات العلل.

و كان يقول: ليس القوم في طريق خلّص المتكلمين، و لا في طريق الجهابذة المتقدّمين.

1276-[علاقة الذكاء بالجنس‏]

و كان يقول: إنّ الأمّة التي لم تنضجها الأرحام‏[1]، و يخالفون في ألوان أبدانهم، [1]أراد بذلك سكان الإقليم السادس و السابع في التقسيم البلداني القديم، و هم من الجنس الأبيض. - ـ

19

و أحداق عيونهم، و ألوان شعورهم، سبيل الاعتدال-لا تكون عقولهم و قرائحهم إلا على حسب ذلك. و على حسب ذلك تكون أخلاقهم و آدابهم، و شمائلهم، و تصرّف هممهم في لؤمهم و كرمهم، لاختلاف السّبك و طبقات الطبخ. و تفاوت ما بين الفطير و الخمير[1]، و المقصّر و المجاوز-و موضع العقل عضو من الأعضاء، و جزء من تلك الأجزاء-كالتفاوت الذي بين الصّقالبة و الزّنج‏[2].

و كذلك القول في الصور و مواضع الأعضاء. أ لا ترى أن أهل الصين و التّبّت، حذّاق الصناعات، لها فيها الرّفق و الحذق، و لطف المداخل، و الاتساع في ذلك، و الغوص على غامضه و بعيده. و ليس عندهم إلا ذلك؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات و لا يفتح لهم في سوى ذلك.

1277-[تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس‏]

قال: و كان يخطّئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة، و تولّد ما يشاكلها. و لا تولد ضربا آخر مما ليس منها في شي‏ء. و لو جاز أن تولّد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك الخلاف بأحقّ من خلاف آخر. إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز: فقد يقول الرجل: إنما رأيتك لأني التفتّ. و هو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك‏[3]، عند ذلك الالتفات.

و كذلك يقول: قد نجد النار تداخل ماء القمقم‏[4]بالإيقاد من تحته، فإذا صارت النار في الماء لابسته، و اتصلت بما فيه من الحرارات، و النار صعّادة- فيحدث عند ذلك للماء غليان؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. و حركتها تصعّد. فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرّطوبات التي قد لابستها؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاء الرطوبات -و أما من أنضجتهم الأرحام فهم سكان الأقاليم الثالث و الرابع و الخامس، و أما من جاوزت أرحامهم حد الإنضاج فهم سكان الإقليمين الأول و الثاني، و هم الزنوج، انظر ما تقدم 3/119، و مقدمة ابن خلدون 73.

[1]الفطير: ما يختبز من ساعته قبل أن يختمر، و الخمير: ما ترك حتى اختمر.

[2]جعل الصقالبة و الزنج متضادات، أي أن الصقالبة لم تنضجهم الأرحام، أما الزنج فقد زادت الأرحام في إنضاجهم.

[3]الدرّاك: المدرك.

[4]القمقم: ضرب من الأواني، و هو من نحاس و غيره، يسخن فيه الماء؛ و يكون ضيق الرأس.

20

الملابسة لأجزاء النار. و لقوة حركة النار و طلبها التّلاد[1]العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس‏[2]، أو وجد الباقي من الماء مالحا عند تصعّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر-ظنّ أن النار التي أعطته اليبس.

و إن زعموا أن النار هي الميبّسة-على معنى ما قد فسرنا-فقد أصابوا. فإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطئوا.

و كذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات و لابستها، فمتى قويت على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين و الصعود؛ و التقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال‏[3].

و كذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين و بطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسّال مصّاص، و الأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة.

و حرارة الشمس و الذي يخرج إليه‏[4]من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، و تبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما مطر و ما يشبه المطر، و كان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، و النيران تخرج منه العذوبة و اللطافة-كان واجبا أن يعود إلى الملوحة.

و لذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، و وزن واحد؛ لأن الحرارات تطلب القرار و تجري في أعماق الأرض، و ترفع اللطائف‏[5]؛ فيصير مطرا، و بردا، و ثلجا، و طلاّ[6]. ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور[7]، و تطلب القرار، و تجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شي‏ء، و لا يبطل منه شي‏ء. و الأعيان قائمة. فكأنه منجنون‏[8]غرف من بحر، و صبّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر.

[1]التّلاد: أراد: الموطن الأول، و انظر الفقرة (1269) ، ص 7، س 19.

[2]الجبس: الذي يبنى به.

[3]إيضاحا لهذه العبارة؛ انظر ص 18.

[4]أي إلى البحر.

[5]اللطائف: أراد بها: الأبخرة الدقيقة.

[6]البرد: حب الغمام. الطل: المطر الضعيف.

[7]الحدور: مكان الانحدار.

[8]المنجنون: دولاب يستقى عليه. و هو على شكل الناعورة.

21

فهو عمل الحرارات‏[1]إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو في أجواف الحيوان.

و الحر إذا صار في البدن، فإنما هو شي‏ء مكره، و المكره لا يألو يتخلص و هو لا يتخلص إلا و قد حمل معه كلّ ما قوي عليه، مما لم يشتد، فمتى خرج خرج معه ذلك الشي‏ء.

قال: فمن هاهنا غلط القوم.

1278-[قول الدّهرية في أركان العالم‏]

قال أبو إسحاق: قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن عالمنا هذا من أربعة أركان: حرّ، و برد، و يبس، و بلّة[2]. و سائر الأشياء نتائج، و تركيب، و توليد. و جعلوا هذه الأربعة أجساما.

و منهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، و هواء، و ماء، و نار.

و جعلوا الحر، و البرد، و اليبس، و البلّة أعراضا في هذه الجواهر. ثم قالوا في سائر الأراييح، و الألوان، و الأصوات: ثمار هذه الأربعة[3]، على قدر الأخلاط، في القلة و الكثرة، و الرقة و الكثافة.

فقدّموا ذكر نصيب حاسّة اللمس فقط، و أضربوا عن أنصباء الحواسّ الأربع.

قالوا: و نحن نجد الطّعوم غاذية و قاتلة، و كذلك الأراييح‏[4]. و نجد الأصوات ملذة و مؤلمة، و هي مع ذلك قاتلة و ناقصة للقوى متلفة. و نجد للألوان في المضار و المنافع، و اللّذاذة و الألم، المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في الحر و البر، و اليبس و البلّة، و نحن لم نجد الأرض باردة يابسة، غير أنا نجدها مالحة، أي ذات مذاقة و لون كما وجدناها ذات رائحة، و ذات صوت متى قرع بعضها بعضا.

فبرد هذه الأجرام و حرها، و يبسها و رطوبتها، لم تكن فيها لعلة كون الطّعوم و الأراييح و الألوان فيها. و كذلك طعومها، و أراييحها و ألوانها، لم تكن فيها لمكان كمون البرد، و اليبس، و الحر، و البلّة فيها.

[1]الحرارات: جمع حرارة.

[2]البلّة: البلل.

[3]أي: الحر و البر؛ و اليبس و البلة.

[4]الأراييح: جمع للريح، و هو الرائحة.

22

و وجدنا كلّ ذلك إما ضارّا و إما نافعا، و إما غاذيا و إما قاتلا، و إما مؤلما و إما ملذّا.

و ليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، و منتنة أو طيبة أحقّ بأن يكون علة لكون اليبس و البرد، و الحر و الرطوبة، من أن يكون كون الرطوبة و اليبس، و الحر و البرد-علّة لكون اللون و الطعم و الرائحة.

و قد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة، و الأجسام المشاركة هجوما واحدا، على هذه الحلية و الصورة ألفاها الأول و الآخر.

قال: فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسّة[1]، وحدها و نحن لم نر من البلّة، أو من اليبس نفعا و لا ضرّا، تنفرد به دون هذه الأمور؟!.

قال: و الهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت و من فوق، و من الأجرام المشتملة عليه و المخالطة له. و هو جسم رقيق، و هو في ذلك محصور، و هو خوّار سريع القبول. و هو مع رقّته يقبل ذلك الحصر؛ مثل عمل الريح و الزّقّ‏[2]، فإنها تدفعه من جوانبه، و ذلك لعلة الحصر و لقطعه عن شكله.

و الهواء ليس بالجسم الصعاد، و الجسم النّزّال، و لكنه جسم به تعرف المنازل و المصاعد.

و الأمور ثلاثة: شي‏ء يصعد في الهواء، و شي‏ء ينزل في الهواء، و شي‏ء مع الهواء. فكما أن الصاعد فيه، و المنحدر-لا يكونان إلا مخالفين، فالواقع معه لا يكون إلا موافقا.

و لو أنّ إنسانا أرسل من يده-و هو في قعر الماء-زقّا[2]منفوخا، فارتفع الزّقّ لدفع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواء شأنه الصعود بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره، و لا يقيم في غير جوهره؛ إلا أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء، و كما أن الماء يطلب تلاد الماء، و الهواء يطلب تلاد الهواء.

قالوا: و النار أجناس كثيرة مختلفة. و كذلك الصاعد. و لا بدّ إذا كانت مختلفة [1]أي حاسة اللمس.

[2]المزق: أي الهواء المحصور في الزق، و الزق: السقاء و القربة.

23

أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء، و صار إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ-ألاّ يزال فوق الآخر الذي صعد معه، و إن وجد مذهبا لم يقم عليه.

و يدلّ على ذلك أنا نجد الضياء صعّادا، و الصوت صعّادا، و نجد الظلام رابدا[1]، و كذلك البرد و الرّطوبة. فإذا صح أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة، علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس و لا توافق، و أن الذي يوافق بينهما و يخالف اختلاف الأعمال.

و لا يكون القطعان متفقين، إلا بأن يكون سرورهما سواء. و إذا صارا إلى الغاية، صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه، كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد أبدا، إلا إمّا أعلى، و إما أسفل.

قال أبو إسحاق: فيستدل على أن الضياء أخفّ من الحر بزواله. و قد يذهب ضوء الأتّون، و تبقى سخونته.

قال أبو إسحاق: لأمر ما حصر الهواء في جوف هذا الفلك. و لا بد لكل محصور من أن يكون تقلبه و ضغطه على قدر شدة الحصار. و كذلك الماء إذا اختنق.

قال: و الريح هواء نزل لا غير. فلم قضوا على طبع الهواء في جوهريته باللدونة، و الهواء الذي يكون بقرب الشمس، و الهواء الذي بينهما على خلاف ذلك؟ و لو لا أن قوى البرد غريزية فيه، لما كان مروّحا عن النفوس، و منفّسا عن جميع الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخار و الوهج المؤذي، حتى فزعت إليه و استغاثت به، و صارت تجتلب من روحه و برد نسيمه، في وزن ما خرج من البخار الغليظ، و الحرارة المستكنّة.

قال: و قد علموا ما في اليبس من الخصومة و الاختلاف. و قد زعم قوم أن اليبس إنما هو عدم البلّة. قالوا: و على قدر البلة قد تتحول عليه الأسماء. حتى قال خصومهم: فقولوا أيضا إنما نجد الجسم باردا على قدر قلة الحرّ فيه.

و كذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مظلم لفقدان الضياء، [1]الرابد: المقيم.

24

و لأن الضياء قرص قائم، و شعاع ساطع فاصل، و ليس للظلام قرص. و لو كان في هذا العالم شي‏ء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، و الأرض غبراء، و لا ينبغي أن يكون شعاع الشي‏ء أسبغ منه‏[1].

قال: و الأول لا يشبه القول في اليبس و البلة، و القول في الحر و البرد، و القول في اليبس و الرطوبة. و القول في الخشونة و اللين، لأن التراب لو كان كله يابسا، و كان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع و التبرد و التهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا[2].

قال خصمه: و لو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، و كله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، و لا نجد منه جزءين متلازقين.

فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة و الصّفرة.

و قال إبراهيم: أ رأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التّراب كله كما عرض لنصفه، أ ما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟و في ذلك القول بالجزء الذي لا يتجزأ.

و أبو إسحاق، و إن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإنّ المسألة عليه في ذلك أشد.

و كان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفّ من الحرّ أنّ النار تكون منها على قاب غلوة[3]فيأتيك ضوؤها و لا يأتيك حرها. و لو أن شمعة في بيت غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشي‏ء الضعيف، و كان الحرّ على شبيه بحاله الأول.

1279-[رد النظام على الديصانية]

و قال أبو إسحاق: زعمت الديصانية[4]أن أصل العالم إنما هو من ضياء و ظلام، [1]أسبغ منه: أكبر منه.

[2]متمسكا: عنى به: الحجر و نحوه.

[3]الغلوة: مقدار رمية السهم.

[4]الديصانية: فرقة من المجوس، و هم أصحاب ديصان، الذي كان قبل ماني. و المذهبان متقاربان، و يختلفان في اختلاط النور و الظلمة. انظر فهرست ابن النديم 474، و الملل و النحل 2/88.

25

و أن الحرّ و البرد، و اللون و الطعم و الصوت و الرائحة، إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما[1].

فقيل لهم: وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر، و إذا خلطت الصّبر[2]بالعسل صار جسما مرّ الطعم على حساب ما زدنا. و كذلك نجد جميع المركبات. فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر، خرجنا إلى ذوات الملامس، و إلى ذوات المذاقة و المشمّة؟! و هذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة[3]، التي هي نصيب حاسة واحدة[4].

1280-[نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة]

و قال أبو إسحاق: إن زعم قوم أن هاهنا جنسا هو روح، و هو ركن خامس-لم نخالفهم.

و إن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج، فكيف صار المزاج يحدث لها جنسا و كلّ واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس، و كان مفسدا للجسم، و إن فصل عنها أفسد جنسها؟!و هل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره؟و لم لا يجوز أن يجمع بين ضياء و ضياء فيحدث لهما منع الإدراك؟!.

فإن اعتلّ القوم بالزاج‏[5]و العفص‏[6]و الماء، و قالوا: قد نجد كلّ واحد من هذه الثلاثة ليس بأسود، و إذا اختلطت صارت جسما واحدا أشدّ سوادا من الليل، و من السّبج‏[7]، و من الغراب-قال أبو إسحاق: بيني و بينكم في ذلك فرق. أنا أزعم أن السواد قد يكون كامنا و يكون ممنوع المنظرة، فإذا زال مانعه ظهر، كما أقول في [1]أي الضياء و الظلام.

[2]الصّبر: عصارة شجر مر، و نبات الصّبر كنبات السوسن الأخضر، غير أن ورق الصبر أطول و أعرض و أثخن كثيرا، و هو كثير الماء جدا.

[3]المراد بالأشياء الأربعة: الأرض و الهواء، و الماء، و النار، أو: الحر و البرد؛ و اليبس و البلة، انظر الفقرة (1278) ، ص 21.

[4]هي حاسة اللمس، انظر الفقرة (1278) السطر السادس فيها.

[5]الزاج: يقال له: الشب اليماني، و هو من الأدوية، و هو من أخلاط الحبر، فارسي معرب.

[6]العفص: شجر و ثمر معروف بهذا الاسم، يتخذ منه الحبر.

[7]السبح: الخرز الأسود.

26

النار و الحجر[1]و غير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم قولكم.

و إن أبيتم فلا بدّ من القول. قال أبو إسحاق: و قد خلط أيضا كثير منهم فزعموا أن طباع الشيخ البلغم.

و لو كان طباعه البلغم، و البلغم ليّن رطب أبيض، لما ازداد عظمه نحولا، و لونه سوادا، و جلده تقبّضا.

و قال النّمر بن تولب‏[2]: [من الطويل‏]

كأنّ محطّا في يدي حارثيّة # صناع علت منّي به الجلد من عل‏[3]

و قال الراجز[4]: [من الرجز]

و كثرت فواضل الإهاب‏[5]

قال: و لكنهم لما رأوا بدنه يتغضّن، و يظهر من ذلك التغضّن رطوبات بدنية كالبلغم من الفم، و المخاط السائل من الأنف، و الرّمص‏[6]و الدمع من العين، ظنوا أن ذلك لكثرة ما فيه من أجزاء الرطوبات. و أرادوا أن يقسّموا الصّبا و الشباب، و الكهولة و الشيوخة على أربعة أقسام كما تهيأ لهم ذلك في غير باب.

و إذا ظهرت تلك الرطوبات، فإنما هي لنفي اليبس لها، و لعصره قوى البدن.

و لو كان الذي ذكروا لكان دمع الصّبا أكثر و مخاطه أغزر، و رطوباته أظهر. و في البقول و الرياحين و الأغصان و الأشجار ذلك؛ إذ كانت في الحداثة أرطب، و على مرور السنين و الأيام أيبس.

قال الرّاجز[7]: [من الرجز] [1]يقصد كمون النار و اختفاءها في الحجر الذي تقتدح منه النار.

[2]ديوان النمر بن تولب 367، و اللسان و التاج (حطط) ، و الجمهرة 99، و البرصان 189، و بلا نسبة في ديوان الأدب 3/53.

[3]في ديوانه: «المحط: حديدة أو خشبة يصقل بها الجلد حتى يلين و يبرق، و أراد بالحارثية:

النسبة إلى الحارث بن كعب لأنهم أهل أدم. شبّه برقان بدنه لماء الشباب بالأديم المصقول» .

[4]الرجز بلا نسبة في البرصان 189.

[5]الإهاب: الجلد ما لم يدبغ.

[6]الرمص: هو البياض الذي تقطعه العين و يجتمع في زوايا الأجفان.

[7]الرجز في البيان 1/399-440، 2/69، و عيون الأخبار 2/321، و الفاضل للمبرد 70، و العقد 2/52، و اللسان و التاج (عكر) ، و التهذيب 1/305. ـ

27

اسمع أنبّئك بآيات الكبر # نوم العشيّ و سعال بالسّحر[1]

و سرعة الطّرف و ضعف في النظر # و تركي الحسناء في قبل الطّهر[2]

و حذر ازداده إلى حذر # و الناس يبلون كما يبلى الشجر[3]

و كان يتعجّب من القول بالهيولى.

و كان يقول: قد عرفنا مقدار رزانة[4]البلّة. و سنعطيكم أن للبرد وزنا. أ ليس الذي لا تشكّون فيه أن الحر خفيف و لا وزن له، و أنه إذا دخل في جرم له وزن صار أخفّ. و إنكم لا تستطيعون أن تثبتوا لليبس من الوزن مثل ما تثبتون للبلّة. و على أنّ كثيرا منكم يزعم أن البرد المجمد للماء هو أيبس.

و زعم بعضهم أن البرد كثيرا ما يصاحب اليبس، و أن اليبس وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، و أن البرد وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، و أن الماء أيضا يجمد لاجتماعهما عليه. و في هذا القول أن شيئين مجتمعين قد اجتمعا على الإجماد، فما تنكرون أن يجتمع شيئان على الإذابة؟!.

و إن جاز لليبس أن يجمد جاز للبلّة أن تذيب.

قال أبو إسحاق: فإن كان بعض هذه الجواهر صعّادا و بعضها نزّالا، و نحن نجد الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزّالة، فكيف يكون أثقل منها و فيه أشياء صعّادة؟!.

فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التّخلخل و السّخف‏[5]، و كثرة أجزاء الهواء في الجرم. فقد ينبغي أن يكون الهواء أخفّ من النار، و أن النار في الحجر، كما أن فيه هواء. و النار أقوى رفع الحجر من الهواء الذي فيه.

[1]بعده في البيان، و الفاضل؛ و عيون الأخبار:

(و قلة النوم إذا الليل اعتكر # و قلة الطعم إذا الزاد حضر)

[2]بعده في الفاضل: (و كثرة النسيان فيما يدّكر) .

[3]بعده في الفاضل: (فهذه أعلام آيات الكبر) .

[4]الرزانة: النقل.

[5]التخلخل: أن يكون الجسم غير متضام الأجزاء، و السخف: الخفة و الرقة.

28

و كان يقول: من الدليل على أن النار كامنة في الحطب، أن الحطب يحرق بمقدار من الإحراق، و يمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران، فيجعل فحما، فمتى أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته، فترى النار عند ذلك يكون لها لهب دون الضرام. فمتى أخرجت تلك النار الباقية، ثم أوقدت عليها ألف عام لم تستوقد. و تأويل: «لم تستوقد» إنما هو ظهور النار التي كانت فيه. فإذا لم يكن فيه شي‏ء فكيف يستوقد؟.

و كان يكثر التعجّب من ناس كانوا ينافسون في الرّئاسة، إذا رآهم يجهلون جهل صغار العلماء، و قد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء.

و ذلك أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه‏[1]فيقول: أين تلك النار الكامنة؟! ما لي لا أراها، و قد ميّزت العود قشرا بعد قشر؟!.

1281-[استخراج الأشياء الكامنة]

فكان يقول في الأشياء الكامنة: إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج، و ضربا من العلاج. فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك، و اللبن يخرج زبده بالمخض، و جبنه يجمع بإنفحّة[2]، و بضروب من علاجه.

و لو أن إنسانا أراد أن يخرج القطران من الصّنوبر، و الزّفت من الأرز[3]؛ لم يكن يخرج له بأن يقطع العود و يدقّه و يقشره، بل يوقد له نارا بقربه، فإذا أصابه الحرّ عرق و سال، في ضروب من العلاج.

و لو أن إنسانا مزج بين الفضة و الذهب، و سبكهما سبيكة واحدة، ثم أراد أن يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالفرض‏[4]و الدّق. و سبيل التفريق بينهما قريبة سهلة عند الصّاغة، و أرباب الحملانات‏[5].

1282-[رد النظام على أرسطاطاليس‏]

و زعم أبو إسحاق أن أرسطاطاليس كان يزعم أن الماء الممازج للأرض لم [1]ينقيه: يستخرج نقيّه، و أصل النقي: مخ العظام.

[2]الإنفحة: شي‏ء يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفر، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ.

[3]الزفت: ما يسيل من شجر الصنوبر، و الأرز: شجر الصنوبر.

[4]الفرض: القطع و الحز.

[5]ورد في القاموس المحيط: «و في اصطلاح الصاغة ما يحمل على الدراهم من الغش» .

29

ينقلب أرضا، و أن النار الممازجة للماء لم تنقلب ماء. و كذلك ما كان من الماء في الحجر، و من النار في الأرض و الهواء. و أن الأجرام إنما يخفّ وزنها و تسخف‏[1]، على قدر ما فيها من التخلخل‏[2]و من أجزاء الهواء. و أنها ترزن‏[3]و تصلب و تمتن على قدر قلّة ذلك فيها.

و من قال هذا القول في الأرض و الماء و النار و الهواء، و فيما تركّب منها من الأشجار و غير ذلك-لم يصل إلى أن يزعم أن في الأرض عرضا يحدث، و بالحرا[4] أن يعجز عن تثبيت كون الماء و الأرض و النار عرضا.

و إذا قال في تلك الأشجار بتلك القالة[5]، قال في الطول و العرض، و العمق، و في التربيع و التثليث و التدوير، بجواب أصحاب الأجسام. و كما يلزم أصحاب الأعراض‏[6]أصحاب الأجسام‏[7]بقولهم في تثبيت السكون و الحركة أن القول في حراك الحجر كالقول في سكونه-كذلك أصحاب الأجسام يلزمون كلّ من زعم أن شيئا من الأعراض لا ينقض أنّ الجسم يتغير في المذاقة و الملمسة و المنظرة و المشمّة من غير لون الماء. و في برودة نفس الأرض و تثبيتها كذلك.

و متى وجدنا طينة مربّعة صارت مدوّرة، فليس ذلك بحدوث تدوير لم يكن.

فكان عنده تغيّره في العين أولى من تغيّر الطينة في العين من البياض إلى السواد.

و سبيل الصلابة و الرّخاوة؛ و الثقل و الخفّة، سبيل الحلاوة و الملوحة، و الحرارة و البرودة.

[1]السخف: الخفة و الرقة.

[2]التخلخل: أن يكون الجسم غير متضام الأجزاء.

[3]ترزن: تثقل.

[4]الحرا: الجدير و الخليف، و بالحرا: بالأجدر.

[5]القالة: القول.

[6]أصحاب الأعراض: يزعمون أن الإنسان أعراض مجتمعة؛ و كذلك الجسم أعراض مجتمعة من لون و طعم و رائحة و حرارة و برودة و غير ذلك، و هو مذهب أصحاب ضرار بن عمرو، و يعرفون بالضرارية.

انظر مروج الذهب 7/436، مقالات الأشعري 281، 305، 317.

[7]أصحاب الأجسام: يزعمون أن ليس في العالم إلا جسم، و أن الألوان و الحركات ما هي إلا أجسام، و هو مذهب أصحاب هشام بن الحكم، و يعرفون بالهشامية. انظر الفصل 5/66، و ما سيأتي في الفقرة (1285) ص 32.

30

1283-[أصحاب القول بالاستحالة]

و ليس يقيس القول في الأعراض إلا من قال بالاستحالة. و ليس في الاستحالة شي‏ء أقبح من قولهم في استحالة الجبل الصّخير[1]إلى مقدار خردلة، من غير أن يدخل أجزاءه شي‏ء على حال. فهو على قول من زعم أنّ الخردلة تتنصّف أبدا أحسن. فأما إذا قال بالجزء الذي لا يتجزأ، و زعم أن أقل الأجسام، الذي تركيبه من ثمانية أجزاء لا تتجزأ، أو ستة أجزاء لا تتجزأ، يستحيل جسما على قدر طول العالم و عرضه و عمقه-فإنّا لو وجدناه كذلك لن نجد بدّا من أن نقول: إنا لو رفعنا من أوهامنا من ذلك شبرا من الجميع، فإن كان مقدار ذلك الشبر جزءا واحدا فقد وجدناه جسما أقلّ من ثمانية أجزاء و من ستة أجزاء. و هذا نقض الأصل. مع أنّ الشبر الذي رفعناه من أوهامنا، فلا بدّ إن كان جسما أن يكون من ستة أجزاء أو من ثمانية أجزاء. و هذا كله فاسد.

1284-[الأضواء و الألوان‏]

و النار حرّ و ضياء، و لكلّ ضياء بياض و نور، و ليس لكلّ بياض نور و ضياء. و قد غلط في هذا المقام عالم من المتكلمين.

و الضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، و ذلك شائع في كلها، و عامّ في جميعها؛ فاللبن و الحبر يتفاسدان، و يتمازج التراب اليابس و الماء السائل، كما يتمازج الحارّ و البارد، و الحلو و الحامض. فصنيع البياض في السواد، كصنيع السواد في البياض. و التفاسد الذي يقع بين الخضرة و الحمرة، فبذلك الوزن يقع بين البياض و جميع الألوان.

و قد رأينا أن البياض ميّاع‏[2]مفسد لسائر الألوان. فأنت قد ترى الضياء على خلاف ذلك؛ لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها عملا واحدا، و هو التفصيل بين أجناسها، و تمييز بعضها من بعض، فيبين عن جميعها إبانة واحدة، و لا تراه يخصّ البياض إلا بما يخص بمثله السواد، و لا يعمل في الخضرة إلا مثل عمله في الحمرة، فدلّ ذلك على أن جنسه خلاف أجناس الألوان، و جوهره خلاف جواهرها، و إنما يدل على اختلاف الجواهر اختلاف الأعمال؛ فباختلاف الأعمال و اتفاقها تعرف اختلاف الأجسام و اتفاقها.

[1]الصخير: الكثير الصخر.

[2]مياع: سيّال.

31

جملة القول في الضد و الخلاف و الوفاق‏

قالوا: الألوان كلها متضادّة، و كذلك الطعوم، و كذلك الأراييح، و كذلك الأصوات، و كذلك الملامس: من الحرارة و البرودة، و اليبس و الرطوبة، و الرخاوة و الصلابة، [و الملاسة][1]و الخشونة. و هذه جميع الملامس.

و زعموا أن التضاد إنما يقع بين نصيب الحاسّة الواحدة فقط. فإذا اختلفت الحواس صار نصيب هذه الحاسة الواحدة من المحسوسات، خلاف نصيب تلك الحاسة، و لم يضادّها بالضّدّ كاللّون و اللون؛ لمكان التفاسد، و الطعم و الرائحة؛ لمكان التفاسد.

و لا يكون الطعم ضدّ اللون، و لا اللون ضدّ الطعم، بل يكون خلافا. و لا يكون ضدّا و لا وفاقا، لأنه من غير جنسه، و لا يكون ضدّا، لأنه‏[لا][1]يفاسده.

و زعم من لا علم له من أصحاب الأعراض‏[2]، أن السواد إنما ضادّ البياض، لأنهما لا يتعاقبان، و لا يتناوبان، و لأنهما يتنافيان.

قال القوم: لو كان ذلك من العلة، كان ينبغي لذهاب الجسم قدما أن يكون بعضه يضاد بعضا، لأن كونه في المكان الثاني لا يوجد مع كونه في المكان الثالث.

و كذلك التربيع: كطينة لو ربّعت بعد تثليثها، ثم ربّعت بعد ذلك. ففي قياسهم أن هذين التربيعين ينبغي لهما أن يكونا متضادّين، إذ كانا متنافيين، لأن الجسم لا يحتمل في وقت واحد طولين، و أن الضدّ يكون على ضدين: يكون أحدهما أن يخالف الشي‏ء الشي‏ء من وجوه عدة، و الآخر[أن‏][3]يخالفه من وجهين‏[أو وجه‏][3]فقط.

قالوا: و البياض يخالف الحمرة و يضادّها، لأنه يفاسدها و لا يفاسد الطعم؛ و كذلك البياض للصفرة و الحوّة[4]و الخضرة. فأما السواد خاصة فإن البياض يضاده بالتفاسد، و كذلك التفاسد، و كذلك السواد.

و بقي لهما خاصة من الفصول في أبواب المضادة: أن البياض ينصبغ و لا يصبغ، و السواد يصبغ و لا ينصبغ، و ليس كذلك سائر الألوان لأنها كلها تصبغ و تنصبغ.

[1]زيادة يقتضيها المعنى.

[2]انظر الحاشية السادسة، ص 29.

[3]زيادة يقتضيها المعنى.

[4]الحوة: سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد.

32

قالوا: فهذا باب يساق.

باب آخر

إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، و متى اشتدت الحمرة صارت سوادا، و كذلك الخضرة متى اشتدت صارت سوادا.

و السواد يضاد البياض مضادة تامة، و صارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد عادة، و صارت الطّعوم و الأراييح و الملامس تخالفها و لا تضادها.

1285-[أصل الألوان‏]

و قد جعل بعض من يقول بالأجسام‏[1]هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلّها إنما هي من السواد و البياض، و إنما تختلفان على قدر المزاج. و زعموا أن اللون في الحقيقة إنما هو البياض و السواد، و حكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، و بعدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا.

و قد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء و البياض جنسين مختلفين، و زعم أن كلّ ضياء بياض و ليس كلّ بياض ضياء.

1286-[عظم شأن المتكلمين‏]

و ما كان أحوجنا و أحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، و إلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حذاق المتكلمين و من تلقيحهم له، لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد.

1287-[ألوان النّيران و الأضواء]

و زعموا أن النار حمراء، و ذهبوا إلى ما ترى العين، و النار في الحقيقة بيضاء.

ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرّة الحمراء[2]، و شبّهوها بالنار. ثم زعموا أن المرة الحمراء مرّة. و أخلق بالدخان أن يكون مرّا. و ليس الدخان من النار في شي‏ء.

[1]انظر الحاشية 6 ص 29.

[2]المرة: مزاج من أمزجة البدن الأربعة. و هي البلغم و الدم و الصفراء و السوداء، و المرة هي المرة الصفراء. قال داود في التذكرة: «و الطبيعي منها أحمر عند المفارقة، أصفر بعدها» .

33

و كل نور و ضياء هو أبيض، و إنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين.

فإذا سلمت من ذلك، و أفضت إليه العين رأته أبيض، و كذلك نار العود تنفصل من العود، و كذلك انفصال النار من الدّهن و معها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما[1]في العين منظرة[2] الحمرة.

و لو أنّ دخانا عرض بينك و بينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. و كذلك قرص الشمس في المشرق أحمر و أصفر، للبخار و الغبار المعترض بينك و بينه.

و البخار و الدخان أخوان.

و متى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ و لم يكن بين عينيك و بينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا-و ذلك يسير قليل-فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض.

و إذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شي‏ء بين عينيك و بين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار و الدخان و البخار، و ضروب‏[3]الضّباب و الأنداء[4]فتراها إما صفراء، و إما حمراء.

و من زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، و من ذهب إلى الحقيقة و المعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل و أخطأ.

و قد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، و الأسود، و الأبيض.

و ذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان و قلته.

و نجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب و رطوبته، و على قدر أجناس العيدان و الأدهان، فنجدها شقراء، و نجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.

[1]نتاجهما: أي نتاج السواد و البياض.

[2]المنظرة: المنظر.

[3]الضروب: الأنواع.

[4]الأنداء: جمع ندى.

34

1288-[سبب تلون السحاب‏]

و نجد لون السحاب مختلفا في الحمرة و البياض، على قدر المقابلات و الأعراض، و نجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة غربية أفقية و الشمس منحطّة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين لبعض ما يدخل عليها.

1289-[شعر في ألوان النار]

و قال الصّلتان الفهميّ في النار: [من الطويل‏]

و توقدها شقراء في رأس هضبة # ليعشو إليها كلّ باغ و جازع‏[1]

و قال مزرّد بن ضرار[2]: [من الطويل‏]

فأبصر ناري و هي شقراء أوقدت # بعلياء نشز، للعيون النواظر[3]

و قال آخر[4]: [من الطويل‏]

و نار كسحر العود يرفع ضوأها # مع الليل هبّات الرياح الصّوارد[5]

و الغبار يناسب بعض الدخان. و لذلك قال طفيل الغنويّ‏[6]: [من الطويل‏]

إذا هبطت سهلا كأنّ غباره # بجانبها الأقصى دواخن تنضب‏[7]

لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، و ناره شقراء.

و العرب تجمع الدخان دواخن. و قال الأزرق الهمدانيّ: [من الطويل‏]

و نوقدها شقراء من فرع تنضب # و للكمت أروى للنّزال و أشبع‏

[1]يعشو إلى النار: يقصد إليها. الباغي: الطالب. الجازع: الذي يقطع الوادي أو الأرض.

[2]البيت لمزرد بن ضرار في البخلاء 243، و يروى عجز البيت: (بليل فلاحت للعيون النواظر) و نسب إلى جبيهاء الأسدي في اللسان و التاج (حفر) ، و إلى جبيهاء الأشجعي في حماسة ابن الشجري 258.

[3]في البخلاء: «جعلها شقراء ليكون أضوأ لها، و كذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشد لحمرة ناره، و إذا كثر دخانه قلّ ضوأه» . النشر: المكان المرتفع.

[4]البيت بلا نسبة في البخلاء 243، و شرح ديوان الحماسة 2/136، و الزهرة 321.

[5]السّحر: الرئة و ما يتعلق بالحلقوم. العود: الجمل المسن. الصوارد: جمع صرد، و هو البرد.

[6]ديوان طفيل الغنوي 25، و المعاني الكبير 1/58.

[7]تنضب: شجر ضخام و ورقه متقبض، و عيدانه بيض، له شوك قصار، ينبت بالحجاز. ـ

35

و ذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابّت‏[1]بدخان ماء اللحم و سواد القتار[2]. و هذا يدل أيضا على ما قلنا.

و في ذلك يقول الهيّبان الفهميّ: [من الوافر]

له فوق النّجاد جفان شيزى # و نار لا تضرّم للصّلاء[3]

و لكن للطّبيخ، و قد عراها # طليح الهمّ مستلب الفراء[4]

و ما غذيت بغير لظى، فناري # كمرتكم الغمامة ذي العفاء[5]

و قال سحر العود: [من الوافر]

له نار تشبّ على يفاع # لكلّ مرعبل الأهدام بالي‏[6]

و نار فوقها بجر رحاب # مبجّلة تقاذف بالمحال‏[7]

1290-[اختلاف ألوان النار]

و يدلّ أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدّهن و الحطب و الدخان، و على قدر كثرة ذلك و قلّته، و على قدر يبسه و رطوبته-قول الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال‏[8]: [من الكامل‏]

وقع الربيع و قد تقارب خطوه # و رأى بعقوته أزلّ نسولا[9]

[1]اصهابت، صارت صهباء، و هي الحمرة يعلوها سواد.

[2]القتار: ما يتصاعد من الشواء.

[3]النجاد: جمع نجد، و هو ما غلظ من الأرض و ارتفع. الشيزى: شجر تعمل منه القصاع و الجفان.

الصلاء: مقاساة حر النار، أو التمتع بها في الشتاء.

[4]عراها: غشيها و قصدها. الطليح: المتعب المعيى.

[5]المرتكم: المتراكم، أي المجتمع. عفاء السحاب: كالخمل في وجهه لا يكاد يخلف.

[6]اليفاع: التل. المرعبل: الممزق. الأهدام: جمع هدم، و هو الثوب الخلق البالي.

[7]البجر: جمع بجراء، و هي العظيمة البطن، و أراد بها هنا القدور. الرحاب: الواسعات. المبجلة المعظمة. المحال: جمع محالة، و هي الفقرة من فقار البعير.

[8]ديوان الراعي 239-240، و الأول في اللسان (نهش) ، و التاج (نسل) ، و بلا نسبة في الازمنة و الأمكنة 2/113، و البيت الثاني في اللسان (نهش) ، و التاج (نهش، شكل) ، و التهذيب 5/158، 6/83، 85، و التنبيه و الإيضاح 11/327، و بلا نسبة في اللسان و التاج (وضح، شهل) ، و الثالث في الجمهرة 464 و التهذيب 11/33، و اللسان و التاج (تلع، رجل) ، و بلا نسبة في الجمهرة 1300، و المجمل 2/468 و تقدم البيت في 2/431.

[9]وقع الربيع: أي مثل شدة ضرب المطر للأرض. العقوة: الساحة، و ما حول الدار، الأزلّ: السريع و عنى به الذئب. النسول: مشية الذئب إذا أسرع.

36

متوضّح الأقراب فيه شهبة # هشّ اليدين تخاله مشكولا[1]

كدخان مرتجل بأعلى تلعة # غرثان ضرّم عرفجا مبلولا[2]

المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. و جعله غرثان لكون الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. و أدار هذا الكلام، ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل‏[3]متفقين.

1291-[تعظيم زرادشت لشأن النار]

و زرادشت هو الذي عظم النار و أمر بإحيائها، و نهى عن إطفائها، و نهى الحيّض عن مسها و الدنوّ منها. و زعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد و الزمهرير و الدّمق‏[4].

1292-[سبب تخويف زرادشت أصحابه بالبرد و الثلج‏]

و زعم أصحاب الكلام أن زرادشت-و هو صاحب المجوس-جاء من بلخ، و ادعى أن الوحي نزل عليه على جبال سيلان، و أنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، و لا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعنّ ثيابك، و لأقيمنّك في الريح، و لأوقفنّك في الثلج!فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، و ظنّ أنّ ذلك أزجر لهم عما يكره.

و زرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقرّ بأنه لم يبعث إلا إلى أهل تلك الجبال. و كأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟قال لأهل البلاد الباردة، الذين لا بدّ لهم من وعيد، و لا وعيد لهم إلا بالثلج.

و هذا جهل منه، و من استجاب له أجهل منه.

1293-[ردّ على زرادشت في التخويف بالثلج‏]

و الثلج لا يكمل لمضادّة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟و الثلج يؤكل و يشرب، [1]المتوضح: الأبيض.

الأقراب: جمع قرب و هي الخاصرة. الشهية: لون بياض يصدعه سواد في خلاله. الهش: الخفيف.

المشكول: المشدود بالشكال، و هو عقال الدابة.

[2]التلعة: ما ارتفع من الأرض. الغرثان: الجوعان. العرفج: نبت سريع الالتهاب.

[3]الذئب الأطحل: الذي لونه كلون الرماد.

[4]الدمق: الثلج مع الريح يغشى الإنسان من كل أوب، حتى يكاد يقتل من يصيبه.

37

و يقضم قضما، و يمزج بالأشربة، و يدفن فيه الماء و كثير من الفواكه.

و ربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة[1]الثور، فيضعها على رأسه ساعة من نهار، و يتبرّد بذلك.

و لو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح‏[2]ساعة من نهار، لما خيف عليه المرض قطّ.

فلو كان المبالغة في التنفير و الزجر أراد، و إليه قصد؛ لذكر ما هو في الحقيقة عند الأمم أشدّ. و الوعيد بما هو أشد، و بما يعم بالخوف سكان البلاد الباردة و الحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد.

و الثلج قد يداوى به بعض المرضى، و يتولد فيه الدود، و تخوضه الحوافر، و الأظلاف، و الأخفاف، و الأقدام، بالليل و النهار، في الأسفار.

و في أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة أشواط.

1294- (معارضة بعض المجوس في عذاب النار)

و قد عارضني بعض المجوس و قال: فلعلّ أيضا صاحبكم إنما توعّد أصحابه بالنار، لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج و لا دمق‏[3]، و إنما هي ناحية الحرور و الوهج و السّموم‏[4]، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف. و شدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور و جبال، و الصخر يقبل الحر و البرد و لذلك سمت الفرس بالفارسية، العرب و الأعراب: «كهيان» ، و الكه بالفارسية هو الجبل. فمتى أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء و حرّها في الصيف، فانظر في أشعارهم، و كيف قسّموا ذلك، و كيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في الشدة.

1295-[القول في البرودة و الثلج‏]

و البلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد و ثلجها أقل، [1]الهامة: الرأس.

[2]حمدان الريح: لعله من قولهم: يوم محتمد: أي شديد الحر.

[3]الدمق: الثلج مع الريح يغشى الإنسان من كل أوب حتى يكاد يقتل من يصيبه.

[4]السموم: الريح الحارة.

38

و الماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن نصيبها من البرد أوفر.

و قد تكون الليلة باردة جدا، و تكون صنّبرة[1]فلا يجمد الماء، و يجمد فيما هو أقلّ منها بردا. و قد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما يقدّرون و يظنون.

و قد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون‏[2]به بلبس المبطّنات‏[3]، و متى صبوا ماء في إناء زجاج، و وضعوه تحت السماء، جمد من ساعته.

فليس جمود الماء بالبرد فقط، و لا بد من شروط و مقادير، و اختلاف جواهر، و مقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، و إبطائه عن بعض و كاختلاف عمله في الماء المغلى، و في الماء المتروك على حاله و كاختلاف عمله في الماء و النبيذ، و كما يعتري البول من الخثورة و الجمود، على قدر طبائع الطعام و القلة.

و الزّيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحرّ.

1296-[ردّ آخر على المجوس‏]

و حجة أخرى على المجوس. و ذلك أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم، لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة-لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما و أصل نبوّته، و الذي عليه مخرج أمره و ابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث إلى الأحمر و الأسود، و إلى الناس كافة[4]، و قد قال اللّه تعالى:

[1]الصنبرة: الشديدة البرد.

[2]يستغشون: يتغطون.

[3]المبطنات: ثياب مبطنة بالفراء.

[4]انظر مسند أحمد 1/250، 301، 403. و صحيح البخاري في كتاب التيمم، الحديث 328، و كتاب المساجد، الحديث 427، و مسلم في المساجد و مواضع الصلاة، الحديث 531، و الدارمي في «السير» ، و النسائي في «الطهارة» . و في النهاية 1/437 «بعثت إلى الأحمر و الأسود، أي العرب و العجم؛ لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة و البياض، و على ألوان العرب الأدمة و السمرة.

و قيل: أراد الجن و الإنس. و قيل: أراد بالأحمر: الأبيض مطلقا.

39

قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [1]و قد قال تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ [2]-فلم يبق أن يكون مع ذلك قولهم معارضة، و أن يعدّ في باب الموازنة.

1297-[ما قيل من الشعر في البرد]

و مما قالوا في البرد قول الكميت‏[3]: [من المتقارب‏]

إذا التفّ دون الفتاة الضّجيع # و وحوح ذو الفروة المرمل‏[4]

و راح الفنيق مع الرائحات # كإحدى أوائلها المرسل‏[5]

و قال الكميت أيضا في مثل ذلك‏[6]: [من البسيط]

و جاءت الريح من تلقاء مغربها # و ضنّ من قدره ذو القدر بالعقب‏[7]

و كهكه المدلج المقرور في يده # و استدفأ الكلب في المأسور ذي الذّئب‏[8]

و قال في مثله جران العود[9]: [من الوافر]

و مشبوح الأشاجع أريحيّ # بعيد السّمع، كالقمر المنير[10]

رفيع الناظرين إلى المعالي # على العلاّت في الخلق اليسير[11]

يكاد المجد ينضح من يديه # إذا دفع اليتيم عن الجزور[12]

[1]158/الأعراف: 7.

[2]36/المدثر: 74.

[3]ديوان الكميت 2/14، و البيت الأول في اللسان و التاج (فرا) ، و التهذيب 15/241.

[4]و وحوح الرجل من البرد: إذا ردد نفسه في حلقه حتى تسمع له صوتا. الفروة: الوفضة التي يجعل فيها السائل صدقته. المرمل: الذي نفذ زاده.

[5]الفنيق: الفحل المكرم من الإبل، لا يركب لكرامته على أهله.

[6]ديوان الكميت 1/127، و البيت الثاني في اللسان و التاج و الأساس (كهه) .

[7]العقب: جمع عقبة، و هي المرقة ترد في القدر المستعارة، فقد كانوا إذا استعاروا قدرا ردوا فيها شيئا من المرق.

[8]كهكه المقرور تنفس في يده ليسخنها بنفسه من شدة البرد.

المأسور: المشدود بالإسار و هو القد الذي يؤسر به القتب، و القتب: و هو الفرجة بين دفّتي الرحل.

[9]ديوان جران العود 24-28.

[10]مشبوح الأشاجع: عريض الكف، و الأشجع، العصب الذي على ظاهر الكف. الأريحي: الذي يرتاح للمعروف. السمع: المقصود بها: الذكر الحسن.

[11]على العلات: على كل حال.

[12]الجزور: الناقة المجزورة. جزر الناقة: نحرها و قطعها.

40

و ألجأت الكلاب صبا بليل # و آل نباحهنّ إلى الهرير[1]

و قد جعلت فتاة الحي تدنو # مع الهلاّك من عرن القدور[2]

و قال في مثل ذلك ابن قميئة[3]: [من الخفيف‏]

ليس طعمي طعم الأرامل إذ قـ # لّص درّ اللّقاح في الصّنّبر[4]

و رأيت الإماء كالجعثن البا # لي عكوفا على قرارة قدر[5]

و رأيت الدخان كالودع‏[6]الأهـ # جن ينباع من وراء السّتر

حاضر شركم و خيركم د # رّ خروس من الأرانب بكر[7]

و قال في مثل ذلك‏[8]: [من الكامل‏]

و إذا العذارى بالدّخان تقنّعت # و استعجلت نصب القدور فملّت

درّت بأرزاق العيال مغالق # بيديّ من قمع العشار الجلّة[9]

[1]البليل: الريح الباردة التي كأنها يقطر منها الماء لبردها.

آل: جمع و صار. الهرير: صوت الكلب في صدره.

[2]فتاة الحي: أي الفتاة المصونة. الهلاك: الصعاليك. العرن: ريح القدر.

[3]ديوان عمرو بن قميئة 77-78، و رسائل الجاحظ 2/357 (كتاب البغال) ، و البيت الأخير في البخلاء 214، و بلا نسبة في اللسان و التاج (خرس) ، و الجمهرة 584، و المقاييس 2/167.

[4]اللقاح: جمع لقحة؛ و هي الناقة الحلوب. قلص درها: ارتفع لبنها.

الصنبر: شدة البرد.

[5]الجعثن: أصل كل شجرة إلا شجرة لها خشب، شبههن به في التقبض و شوه الخلق مما أضرّ بهن الجرب و سوء الغذاء.

عكوفا: مستديرات حولها. القرارة: ما لزق بأسفل القدر من مرق، أو حطام تابل محترق، أو سمن، أو غيره.

[6]الودع: خرز بيض جوف في بطونها شق كشق. النواة. الأهجن: الأبيض، جعل الدخان أبيض لضعف ناره. ينباع يجري جريا لينا.

[7]الدر: اللبن. الخروس: صاحبة الخرسة، و الخرسة طعام النفساء، و الخرس: الطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال و النساء، و انظر تعليق الجاحظ في البخلاء 213-214.

[8]البيتان لسلمى بن ربيعة في الخزانة 8/36، 44، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 55، و نوادر أبي زيد 121، و الأمالي 1/81، و لعلباء بن أرقم في الأصمعيات 162، و بلا نسبة في شرح اختيارات المفضل 816.

[9]درّت: در الضرع: كثر لبنه. العيال: جمع عيل، و هو الفقير. المغالق: جمع مغلق و هي قداح الميسر. القمع: الأسنمة. العشار: جمع عشراء، و هي التي أتى على حملها عشرة أشهر. الجلة:

العظام الكبار، جمع جليل.

41

و قال الهذليّ‏[1]: [من البسيط]

و ليلة يصطلي بالفرث جازرها # يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # من الشّتاء و لا تسري أفاعيها

و في الجمد و البرد و الأزمات يقول الكميت‏[2]: [من الوافر]

و في السنة الجماد يكون غيثا # إذا لم تعط درّتها الغضوب‏[3]

و روّحت اللّقاح مبهلات # و لم تعطف على الرّبع السّلوب‏[4]

و كان السّوف للفتيان قوتا # تعيش به و هيّبت الرقوب‏[5]

و في هذه القصيدة يقول في شدة الحر:

و خرق تعزف الجنّان فيه # لأفئدة الكماة لها وجيب‏[6]

قطعت ظلام ليلته و يوما # يكاد حصى الإكام به يذوب‏

و قال آخر لمعشوقته‏[7]: [من الطويل‏]

و أنت التي كلفتني البرد شاتيا # و أوردتنيه فانظري أيّ مورد[8]

فما ظنك ببرد يؤدّي هذا العاشق إلى أن يجعل شدّته عذرا له في تركه الإلمام بها. و ذلك قوله في هذه القصيدة[9]:

فيا حسنها إذ لم أعج أن يقال لي # تروّح فشيعنا إلى ضحوة الغد

فأصبحت مما كان بيني و بينها # سوى ذكرها كالقابض الماء باليد

[1]تقدم تخريج البيتين في 1/258؛ الفقرة (269) ، 2/290؛ الفقرة (293) .

[2]ديوان الكميت 1/84، و البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (جمد) ، و التهذيب 10/679، و الثالث للكميت في أساس البلاغة (سوف) ، و الأزمنة و الأمكنة 2/299.

[3]سنة جماد: لا مطر فيها. الغضوب: الناقة العبوس.

[4]روّحت: رعيت وقت الرواح. المبهلات: المهملات. الرّبع: الفصيل ينتج وقت الربيع.

السلوب: الناقة فقدت ولدها.

[5]السّوف: الأماني. الرقوب: هي التي لا تدنو إلى الحوض من الزحام، و ذلك لكرمها.

[6]الخرق: الفلاة الواسعة تنخرق فيها الريح. الجنّان: الجن.

عزيفها: تصويتها. الوجيب: الخفقان و الاضطراب.

[7]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (برك) ، و التهذيب 10/228، و العين 5/367، و كتاب الجيم 1/81.

[8]الرواية في المصادر السابقة: «البرك» مكان «البرد» ، و البرك: مستنقع الماء و شبه حوض يحفر في الأرض، لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض.

[9]ديوان مسكين الدارمي 36.

42

و مما يقع في الباب قبل هذا، و لم نجد له بابا قول مسكين الدّارميّ: [من الوافر]

و إني لا أقوم على قناتي # أسبّ الناس كالكلب العقور[1]

و إني لا أحلّ ببطن واد # و لا آوي إلى البيت القصير

و إني لا أحاوص عقد ناد # و لا أدعو دعائي بالصفير[2]

و لست بقائل للعبد أوقد # إذا أوقدت بالعود الصّغير

و لو تأملت دخان أتّون‏[3]واحد، من ابتدائه إلى انقضائه، لرأيت فيه الأسود الفاحم، و الأبيض الناصع.

و السواد و البياض، هما الغاية في المضادّة، و ذلك على قدر البخار و الرطوبات.

و فيما بينهما ضروب من الألوان.

و كذلك الرماد، منه الأسود، و منه الأبيض، و منه الأصهب، و منه الخصيف‏[4].

و ذلك كله على قدر اختلاف حالات المحترق و جواهره.

فهذا بعض ما قالوا في البرد.

1298-[ما قيل من الشعر في صفة الحر]

و سنذكر بعض ما قالوا في صفة الحر. قال مضرّس بن زرارة بن لقيط[5]: [من الطويل‏]

و يوم من الشّعرى كأنّ ظباءه # كواعب مقصور عليها ستورها[6]

[1]القناة: العصا. الكلب العقور: الذي يعقر، أي يجرح و يعض.

[2]يقال: فلان يحاوص فلانا، أي ينظر إليه بمؤخر عينيه و يخفي ذلك. النادي: مجلس القوم.

الصفير: التصويت بالفم و الشفتين.

[3]الأتون: الموقد.

[4]رماد خصيف: قيه سواد و بياض.

[5]الأبيات في الحماسة البصرية 2/243، من قصيدة تنسب إلى مضرس بن ربعي بن لقيط الأسدي، أو شبيب بن البرصاء، أو عوف بن الأحوص الكلابي، و الأبيات في الأزمنة و الأمكنة 2/161، و الثاني و الثالث في الألفاظ لابن السكيت 552، و الثاني في اللسان و التاج (نور) ، و راجع المزيد من المصادر في حاشية الحماسة البصرية 2/243.

[6]الشعرى: كوكب نيّر يقال له المرزم؛ يطلع بعد الجوزاء و طلوعه في شدة الحر. كواعب: جمع كاعب، و هي الجارية قد نهد ثديها. ـ

43

تدلّت عليها الشمس حتى كأنه # من الحر يرمى بالسكينة نورها[1]

سجودا لدى الأرطى كأن رءوسها # علاها صداع أو فوال يصورها[2]

و قال القطاميّ‏[3]: [من البسيط]

فهن معترضات و الحصى رمض # و الريح ساكنة و الظلّ معتدل‏[4]

حتى وردن ركيّات الغوير و قد # كاد الملاء من الكتّان يشتعل‏[5]

و قال الشماخ بن ضرار[6]: [من الطويل‏]

كأنّ قتودي فوق جأب مطرد # من الحقب لاحته الجداد الغوارز[7]

طوى ظمأها في بيضة القيظ بعد ما # جرت في عنان الشّعريين الأماعز[8]

و ظلّت بيمئود كأن عيونها # إلى الشمس، هل تدنو، ركيّ نواكز[9]

[1]السكينة: السكون. النور: جمع نوار، و هي النفور من الظباء و الوحش.

[2]الأرطى: شجر تتخذ الظباء في أصوله كنسها. فوال: جمع فالية، و هي التي تفلي الرأس. يصورها: يميلها.

[3]ديوان القطامي 26-27، و البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (رمض) ، و التهذيب 12/32، و البيت الثاني في اللسان و التاج (عور) ، و نظام الغريب 222.

[4]في ديوانه: «فهن: يعني النوق. الحصى رمض: حار» .

[5]الركيات: جمع ركية؛ و هي البئر. الغوير: موضع. الكتان: هاهنا القطن.

[6]ديوان الشماخ 175-176، و جمهرة أشعار العرب 824، و البيت الأول في اللسان و التاج (جدد) ، و العين 6/8، و الجمهرة 706، و التهذيب 10/462، و بلا نسبة في الجمهرة 264، و المجمل 1/419، و البيت الثاني في اللسان و التاج (بيض، عنن) ، و الأساس (بيض) ، و العين 1/90، و المقاييس 4/19، و الجمهرة 825، و الكامل 928 (الدالي) ، و بلا نسبة في التهذيب 1/110، 12/89، و الثالث في اللسان و التاج (مأد) .

[7]في ديوانه: «القتود: جمع قتد، و هو خشب الرحل. الجأب: الصلب الشديد من حمير الوحش المطرد: الذي طردته الرماة، أعني مطاردة الصائد إياه. الحقب: جمع أحقب، و هو الحمار الأبيض الحقوين. لاحته: غيرته. الجداد: جمع جدود، و هي التي يبس لبنها. الغوارز: جمع غارز، و هي التي قلّت ألبانها» .

[8]في ديوانه: «طوى ظمأها: زاد فيه. بيضة القيظ: وقت اشتداد الحر و تلهبه. الشعريان: هما شعرى العبور؛ و شعرى الغميصاء، و هما من نجوم القيظ. الأماعز: جمع أمعز: أي جرى بها السراب بعد ما طلعت الشعرى» .

[9]في ديوانه: «يمئود: واد بغطفان. هل: بمعنى إذ، أي حين تدنو. الركي: الآبار. النواكز: الغوائر، نكزت البئر تنكز نكوزا: إذا ذهب ماؤها» .

44

و لهذه الأبيات كان الحطيئة و الفرزدق يقدّمان الشماخ بغاية التقديم.

و قال الراعي‏[1]: [من الوافر]

و نار وديقة في يوم هيج # من الشّعرى نصبت لها الجبينا[2]

إذا معزاء هاجرة أرنّت # جنادبها و كان العيس جونا[3]

و قال مسكين الدارمي‏[4]: [من الطويل‏]

و هاجرة ظلّت كأنّ ظباءها # إذا ما اتّقتها بالقرون سجود

تلوذ لشؤبوب من الشّمس فوقها # كما لاذ من حرّ السّنان طريد[5]

و قال جرير[6]: [من الطويل‏]

و هاجد موماة بعثت إلى السّرى # و للنّوم أحلى عنده من جنى النّحل‏[7]

يكون نزول الركب فيها كلا و لا # غشاشا و لا يدنون رحلا إلى رحل‏[8]

ليوم أتت دون الظلال سمومه # و ظلّ المها صورا جماجمها تغلي‏[9]

و فيها يقول جرير: [من الطويل‏]

تمنّى رجال من تميم لي الرّدى # و ما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي‏[10]

[1]ديوان الراعي النميري 266، و الأزمنة و الأمكنة 1/287، و الأول في اللسان و التاج (هيج) .

[2]الوديقة: حر نصف النهار: يوم هيج: يوم ريح.

[3]المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة. الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. أرنّت: صوّتت.

[4]ديوان مسكين الدارمي 32، و حماسة القرشي 463، و معاهد التنصيص 2/119، و البيت الثاني بلا نسبة في اللسان و التاج (أول) و التهذيب 15/441، و الجمهرة 1305.

[5]تلوذ: تلجأ. الشؤبوب: الدفعة من المطر، و استعارها هنا ليدل على شدة حرارة الشمس.

[6]ديوان جرير 461 (الصاوي) ، و النقائض 160-161، و الأبيات من قصيدة في هجاء البعيث و الفرزدق.

[7]الهاجد: الساهر. الموماة: الفلاة.

[8]كلا: أي مثل «لا» سرعة النطق بها. الغشاش: العجلة.

[9]دون الظلال: قريبا منها. السموم: الريح الحارة.

المها: جمع مهاة، و هي البقرة الوحشية. الصور: جمع أصور و هو المائل العنق.

[10]بهذا البيت يرد جرير على الفرزدق الذي قال:

(أنا الضامن الراعي عليهم و إنما # يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي)

و هذا البيت هو الثامن من قصيدته في النقائض 127-157، و ديوانه 2/153 (صادر) .

45

1299-[احتجاج النظام للكمون‏]

و قال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، و تنحدر و تغوص فيه، و تظهر عليه، و تأخذ منه عرضا.

و قال: العود، النار في جميعه كامنة، و فيه سائحة، و هي أحد أخلاطه. و الجزء الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط و الجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتكّ الطرف فحمي زال مانعه، و ظهرت النار التي فيه. و إذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، و تنحّى أيضا مانعه.

و كذلك الذي في الطرف الآخر و لكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، و ظهرت أولا فأوّلا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى و لا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها.

و قال أبو إسحاق: و لو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين، و من المرخ و العفار[1]، أحقّ منها بعود العنّاب‏[2]و البرديّ‏[3]و ما أشبه ذلك. لكنها لمّا كانت في بعض العيدان أكثر، و كان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع، و أجزاؤها إذا ظهرت أعظم. و كذلك ما كمن منها في الحجارة. و لو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار[4]فيها، لما كان حجر المرو أحقّ بالقدح إذا صكّ بالقدّاحة، من غيره من الحجارة، و لو طال مكثه في النار و نفخ عليه بالكير.

و لم صار لبعض العيدان جمر باق، و لبعضها جمر سريع الانحلال، و بعضها لا يصير جمرا؟و لم صار البرديّ مع هشاشته و يبسه و رخاوته، لا تعمل فيه النيران؟ و لذلك إذا وقع الحريق في السّوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. و لذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البرديّ، و مواضع جميع اللّيف.

و قال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟إلا على قدر ما يكون فيها من النار، و على قدر قوة الموانع و ضعفها.

[1]المرخ و العفار: شجران يتخذ منهما زناد القدح.

[2]العنّاب: شجر مثمر من الفصيلة السّدرية، له ثمرة نووية حلوة تؤكل. معجم الألفاظ الزراعية 372.

[3]في اللسان «حفأ» : (الحفأ: البردي. و قيل: هو البردي الأخضر ما دام في منبته، و قيل هو أصله الأبيض الرطب الذي يؤكل) و في معجم الألفاظ الزراعية 209: (البردي نوع مائي كانوا يصنعون ورق البردي من لحائه) . و انظر المخصص 11/166.

[4]الاستسرار: الكمون.

46

و لم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج‏[1]في السفن إذا اختلط بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟و لذلك أعدّوا لها الرجال لتصبّ من الماء صبّا دائما. و تدوّم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث نيران.

و لم صار العود يحمى إذا احتكّ بغيره؟و لم صار الطّلق‏[2]لا يحمى؟فإن قلت لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علّقتموه على غير معنى وجدتموه؟أ و لسنا قد وجدنا عيون ماء حارة و عيون ماء بارد، بعضها يبرص و ينفط الجلد[3]، و بعضها يجمد الدم و يورث الكزاز[4]؟أ و لسنا قد وجدنا عيون ريح‏[5]و عيون نار[6]؟فلم زعمتم أن الريح و الماء كانا مختنقين في بطون الأرض و لم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟و هل بين اختناق الريح و الماء فرق؟و هل الريح إلا هواء تحرّك؟و هل بين المختنق و الكامن فرق؟.

و زعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم التي من طريق مكة، فردّته الريح عليه.

و حدّثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة[7]، من طريق مكة فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليّ، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا[8] و حفيفا[9]شديدا و شبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.

[1]الساج: شجر يعظم جدّا، و يذهب طولا و عرضا، و له ورق أمثال التراس الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه «أي تستره» من المطر، و له رائحة طيبة. تشابه رائحة ورق الجوز مع رقة و نعمة.

«اللسان: سوج» .

[2]الطّلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .

[3]يبرص: يصيب بالبرص. ينفط: أصابه بالنفطة، و هي في أصلها بشرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء.

[4]الكزاز: تشنج يصيب الإنسان.

[5]عيون ريح: تنجم عن تحلل مواد عضوية في باطن الأرض، فتنشأ أبخرة و تتجمع، ثم تندفع إلى ظاهر الأرض.

[6]عيون نار: هي ما تعرف بالبراكين.

[7]رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة، في طريق البصرة إلى الكوفة. «معجم البلدان: رامة» .

[8]الحريق: الصريف، و في الحديث: «يحرقون أنيابهم غيظا و حنقا» أي يحكّون بعضها ببعض.

و الصوت الذي سمعه ذلك الرجل من الحصاة إنما هو لدفع الهواء إياها إلى أعلى و محاولتها هي النزول.

[9]الحفيف: صوت الشي‏ء تسمعه كالرنّة.

47

و زعم أبو إسحاق أنه رأى عين نار في بعض الجبال، يكون دخانها نهارا و ليلا.

أ و ليس الأصل الذي بني عليه أمرهم: أن جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة[1]: من النار، و الماء، و الأرض، و الهواء؟فإذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه ماء قلنا: هذا أحد الأركان؛ فما بالنا إذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه نار لم نقل مثل ذلك فيه؟.

و لم نقول في حجر النار إنه متى وجد أخف من مقدار جسمه من الذهب و الرّصاص و الزئبق، إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرّافعة له؟و إذا وجدناه أعلك علوكة، و أمتن متانة، و أبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء. و إذا وجدناه ينقض الشرر، و يظهر النار جعلنا لك للذي خالطه من الهواء؟و لم جعلناه إذا خف عن شي‏ء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، و لا نجعله كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟!و لا سيما إذا كانت العين تجده يقدح بالشرر، و لم تجر أجزاء الهواء فيه عندنا عيانا. فلم أنكروا ذلك، و هذه القصة توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟.

قال: أ و ليس من قوله أنه لو لا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها يكون البخار-الذي بعضه أرضيّ و بعضه مائيّ-لم يرتفع ضباب، و لم يكن صواعق و لا مطر و لا أنداء.

1300-[الصواعق و ما قيل فيها]

و متى كان البخار حارّا يابسا قدح و قذف بالنار التي تسمى «الصاعقة» ، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه. فإن كانت القوى ريحا كان لها صوت، و إن كانت نارا كانت لها صواعق. حتى زعم كثير من الناس‏[أن بعض السيوف من خبث نيران الصواعق‏][2]، و ذلك شائع على أفواه الأعراب و الشعراء. قال أبو الهول الحميري‏[3]: [من الخفيف‏] [1]انظر الفقرة (1278) ، ص 21.

[2]الزيادة من ثمار القلوب (888) .

[3]الأبيات لأبي الهول الحميري أو ابن يامين البصري في الوحشيات 280، و ثمار القلوب 498 (887-888) ، و العقد 1/180، و وفيات الأعيان 6/109، و فوات الوفيات 2/204، و مروج الذهب 4/195، و ديوان المعاني 2/52، و الحماسة الشجرية 797، و حماسة القرشي 454، 455، و السمط 604، و إعجاز القرآن 242، و الأنوار و محاسن الأشعار 1/33، و زهر الآداب 781.

48

حاز صمصامة الزّبيديّ من بيـ # ن جميع الأنام موسى الأمين‏[1]

سيف عمرو، و كان فيما سمعنا # خير ما أطبقت عليه الجفون‏[2]

أوقدت فوقه الصواعق نارا # ثم ساطت به الزّعاف المنون‏[3]

و قال منهم آخر[4]: [من الكامل‏]

يكفيك من قلع السماء عقيقة # فوق الذّراع و دون بوع البائع‏[5]

قال الأصمعيّ: الانعقاق: تشقّق البرق. و منه وصف السيف بالعقيقة، و أنشد[6]: [من الوافر]

و سيفي كالعقيقة و هو كمعي‏[7]

و قال الأخطل‏[8]: [من الطويل‏]

و أرّقني من بعد ما نمت نومة # و عضب إباطي كالعقيق يماني‏[9]

[1]الصمصامة: سيف عمرو بن معدي كرب، و هو من أشهر سيوف العرب، و قد وهبه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على اليمن، فلم يزل في آل سعيد إلى أيام هشام بن عبد الملك، فاشتراه خالد القسري بمال خطير و أنقذه إلى هشام فلم يزل الأمر عند بني مروان حتى زال الأمر عنهم، ثم طلبه السفاح و المنصور و المهدي، فلم يجدوه، و جدّ الهادي في طلبه حتى ظفر به، و طلب من الشعراء أن يقولوا فيه، فقالوا و أطالوا، حتى قام أبو الهول الحميري و أنشد قصيدته؛ فوهبه الهادي الصمصامة. انظر وفيات الأعيان 6/109، و ثمار القلوب (886-888) ، و الأغاني 15/211، و زهر الآداب 780، و العقد الفريد 1/180.

[2]الجفون: جمع جفن، و هو قراب السيف.

[3]السوط: الخلط. الزعاف: السم السريع القتل.

[4]البيت لمنصور النمري في ديوانه 109، و بلا نسبة في الوحشيات 281، و الأنوار و محاسن الأشعار 1/30، و الأشباه و النظائر للخالديين 2/44.

[5]القلع: جمع قلعة، و هي السحابة الضخمة. العقيقة: السيف. فوق الذراع: أي طوله فوق الذراع:

البوع: قدر مدّ اليدين و ما بينهما من البدن.

[6]عجز البيت: (سلاحي لا أفلّ و لا فطارا) ، و هو لعنترة في ديوانه 43، و اللسان و التاج (فطر، كمع، عقق، فلل) ، و التهذيب 13/303، و ديوان الأدب 1/188، 442، و بلا نسبة في الجمهرة 755.

[7]في ديوانه: «العقيقة: شعاع البرق. كمعي: ضجيعي، و و أراد: لا يفارقني. أفل: ذو فلول، أي مثلم. الفطار: فيه صدوع و شقوق لا يقطع» .

[8]ديوان الأخطل 294، و رواية عجزه في الديوان: (و عضب، جلت عنه القيون، بطاني) .

[9]العضب: السيف القاطع. إباطي: تحت إبطي.

[1]أي فقد الماء.

49

جملة من القول في الماء

<و نذكر بعون اللّه و تأييده جملة من القول في الماء ثمّ نصير إلى ذكر ما ابتدأنا به، من القول في النار> ذكروا أن الماء لا يغذو، و إنما هو مركب و معبر و موصل للغذاء. و استدلّوا لذلك بأن كلّ رقيق سيّال فإنك متى طبخته انعقد، إلا الماء. و قالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخ الكبد له، فإذا لم ينعقد لم يجئ منه لحم و لا عظم.

و لأننا لم نر إنسانا قطّ اغتذاه و ثبت عليه روحه، و إن السمك الذي يموت عند فقده‏[1]ليغذوه سواه مما يكون فيه دونه.

قال خصمهم: إنما صار الماء لا ينعقد؛ لأنه ليس فيه قوى مستفادة مأخوذة من قوى الجواهر. و الماء هو الجوهر القابل لجميع القوى. فبضرب من القوى و القبول يصير دهنا، و بضرب آخر يصير خلا، و بضرب آخر يصير دما، و بضرب آخر يصير لبنا.

و هذه الأمور كلها إنّما اختلفت بالقوى العارضة فيها. فالجوهر المنقلب في جميع الأجرام‏[2]السّيّالة، إنما هو الماء. فيصير عند ضرب من القبول دهنا، و عند ضرب من القبول لبنا.

و عصير كل شي‏ء ماؤه و القابل لقوى ما فيه. فإذا طبخت الماء صرفا، سالما على وجهه، و لا قوى فيه، لم ينعقد و انحلّ بخارا حتى يتفانى؛ و إنما ينعقد الكامن من الملابس له. فإذا صار الماء في البدن وحده و لم يكن فيه قوى لم ينعقد. و انعقاده إنما هو انعقاد ما فيه.

و الماء لا يخلو من بعض القبول و لكنّ البعض لا ينعقد ما لم يكثر.

و زعم أصحاب الأعراض‏[3]أن الهواء سريع الاستحالة إلى الماء، و كذلك الماء إلى الهواء، للمناسبة التي بينهما من الرطوبة و الرقة. و إنما هما غير سيّارين. و يدل على ذلك اجتذاب الهواء للماء و ملابسته له، عند مصّ الإنسان بفيه فم الشّرابة[4].

و لذلك سرى الماء و جرى في جوف قصب الخيزران، إذا وضعت طرفه في الماء.

[2]الأجرام: الأجسام.

[3]انظر الحاشية السادسة، ص 29.

[4]الشرابة: هي التي تسميها العامة سارقة الماء، أعني الأنبوبة المعطوفة المعمولة من زجاج أو غيره.

فيوضع أحد رأسيها في الماء أو غيره من الرطوبات المائية، و يمص الرأس الآخر؛ إلى أن يصل الماء إليه و ينصبّ منه، فلا يزال يسيل إلى أن ينكشف رأسه الذي في الماء. انظر مفاتيح العلوم 144، و انظر ما سيذكره الجاحظ في الصفحة 64 حيث سماها هناك «السكابة» .

50

و كذلك الهواء، فيه ظلام الليل و ضياء النهار و ما كان فيه من الأشباح. و الحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها.

1301-[ألوان الماء]

و الماء يرقّ فيكون له لون، و يكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد غوره و أفرط عمقه رأيته أسود.

و كذلك يحكون عن الدّردور[1].

و يزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج.

فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قلّ عمقه، و أخضر إذا كان وسطا، و أسود إذا بعد غوره.

و يختلف منظره على قدر اختلاف إنائه و أرضه، و ما يقابله. فدلّ ذلك على أنه ليس بذي لون، و إنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله و يحيط به. و لعلّ هذه الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظنّ الإنسان مع قرب المجاورة و الالتباس، أن هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، الذي لم ينقلب في نفسه، و لا عرض له ما يقلبه. و كيف يعرض له و يقلبه و عين كل واحد منهما غير عين صاحبه؟و هو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق.

و يتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر و البرد، و الطّيب و النّتن؛ و الفساد و الصلاح.

1302-[حجة للنظام في الكمون‏]

قال أبو إسحاق: قال اللّه عزّ و جلّ عند ذكر إنعامه على عباده و امتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنََّارَ اَلَّتِي تُورُونَ. `أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ [2]، و كيف قال «شجرتها» و ليس في تلك الشجرة [1]الدّردور: موضع في وسط البحر يجيش ماؤه، لا تكاد تسلم منه السفينة؛ يقال: لجّجوا فوقعوا في الدردور، و الدردور: الماء الذي يدور و يخاف منه الغرق. انظر اللسان «درر» ، و السامي في الأسامي 383، و فيه «الدردور: دوامة الماء» .

[2]71/الواقعة: 76. ـ

51

شي‏ء. و جوفها و جوف الطّلق‏[1]في ذلك سواء. و قدرة اللّه على أن يخلق النار عند مسّ الطّلق، كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود و هو، تعالى و عز، لم يرد في هذا الموضع إلا التعجيب‏[2]من اجتماع النار و الماء.

و هل بين قولكم في ذلك و بين من زعم أن البذر الجيّد و الردي‏ء و الماء العذب و الملح، و السّبخة[3]و الخبرة[4]الرّخوة، و الزمان المخالف و الموافق، سواء، و ليس بينها من الفرق إلا أن اللّه شاء أن يخلق عند اجتماع هذه‏ حَبًّا. `وَ عِنَباً وَ قَضْباً.

وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً [5]دون تلك الأضداد.

و من قال بذلك و قاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهميّة في جميع المقالات، و صار إلى الجهالات، و قال بإنكار الطبائع و الحقائق.

و قال اللّه عزّ و جلّ: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [6].

و لو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر الشجر و عند اليابس الهشيم فرق، و لم يكن لذكر الخضرة الدّالة على الرطوبة معنى.

و قد ذكرنا جملة من قولهم في النار. و في ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا الباب. و هو مقدار قصد، لا طويل و لا قصير.

فأما القول في نار جهنم، و في شواظها[7]و دوامها و تسعّرها و خبوّها و القول في خلق السماء من دخان و الجانّ من نار السّموم‏[8]، و في مفخر النار على الطين، و في احتجاج إبليس بذلك-فإنا سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

1303-[حسن النار]

و نحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر هذا [1]الطلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .

[2]عجبه تعجيبا: حمله على التعجب.

[3]السبخة: أرض ذات نزّ و ملح.

[4]الخبرة: منقع الماء في أصول السّدر، و منبت السّدر في القيعان.

[5]27-29/عبس: 80.

[6]80/يس: 36.

[7]شواظ النار: لهبها الذي لا دخان فيه.

[8]السموم: الريح الحارة.

52

الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء اللّه تعالى.

قالوا: و ليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، و مرسل غير مركب، و مطلق القوى، غير محصور و لا مقصور، أحسن من النار.

قال: و النار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، و الهواء فوق الماء، و النار فوق الهواء.

و يقولون: «شراب كأنه النار» ، و «كأن لون وجهها النار» . و إذا وصفوا بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» و إذا وصفوا حمرة القرمز[1]و حمرة الذهب قالوا: «ما هو إلا نار» .

قال: و قالت هند[2]: «كنت و اللّه في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!» .

و أنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» و كان قولها: «أحسن من النار» يكفيها. و كذلك اتهمت هذه الرواية.

و قال قدامة حكيم المشرق في وصف الذّهن‏[3]: «شعاع مركوم‏[4]، و نسم معقود، و نور بصّاص‏[5]. و هو النار الخامدة، و الكبريت الأحمر» [6].

و مما قال العتّابي: «و جمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، و بساطه أحمر» .

و قال بشّار بن برد: [من الطويل‏]

هجان عليها حمرة في بياضها # تروق بها العينين و الحسن أحمر[7]

و قال أعرابيّ: [من الطويل‏]

هجان عليها حمرة في بياضها # و لا لون أدنى للهجان من الحمر

[1]القرمز: صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود يكون في آجامهم، فارسي معرب.

[2]هي هند بنت الخس، و الخبر في ثمار القلوب 640 (828) ، و التمثيل و المحاضرة 262، و محاضرات الأدباء 2/277، و انظر أخبارها في بلاغات النساء 80-86، و المزهر 2/540-545.

[3]الخبر في محاضرات الأدباء 2/277.

[4]مركوم: مجموع.

[5]بصاص: لمّاع و برّاق.

[6]الكبريت الأحمر: يسمى حجر الفلاسفة، و يدخل في عمل الذهب عند أهل الصنعة. انظر قاموس الأطبا 1/72، و اللسان و التاج (كبرت) ، و مفاتيح العلوم 150 «حجر الصنعة» . و من الأمثال قولهم: «أعز من الكبريت الأحمر» ، و المثل في مجمع الأمثال 2/44، و المستقصى 1/245، و جمهرة الأمثال 2/33.

[7]الهجان: البيضاء، و قوله: «الحسن أحمر» من الأمثال في مجمع الأمثال 1/199، و جمهرة الأمثال 1/366، و فصل المقال 344، و أمثال ابن سلام 38، و المستقصى 1/312.