العقد الفريد - ج4

- ابن عبد ربه المزيد...
331 /
3

الجزء الرابع‏

كتاب العسجدة في كلام الأعراب‏

فرش كتاب العسجدة

قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النسب الذي هو سبب التعارف، و سلم إلى التواصل، و في تفضيل العرب، و في كلام بعض الشعوبية، و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في كلام الأعراب خاصة؛ إذ كان أشرف الكلام حسبا، و أكثره رونقا، و أحسنه ديباجا، و أقله كلفة، و أوضحه طريقة؛ و إذ كان مدار الكلام كله عليه، و منتسبه إليه.

خالد بن صفوان و أعرابي:

قال رجل من منقر: تكلم خالد بن صفوان بكلام في صلح لم يسمع الناس كلاما قبله مثله، و إذا بأعرابيّ في بت‏ (1) ، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت أني متّ قبل أن أسمعه، فلما رأى خالد ما نزل بي قال لي: ويحك!كيف نجاريهم و إنما نحاكيهم؟أم كيف نسابقهم و إنما نجري بما سبق إلينا من أعراقهم؟قلت له: أبا صفوان، و اللّه ما ألومك في الأولى، و لا أدع حمدك على الأخرى.

بين أعرابي و ربيعة في مثله:

و تكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر، فكأن العجب داخله، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه فقال: ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ؟قال: قلة الكلام و إيجاز الصواب. قال: فما تعدّون العيّ؟قال: ما كنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجرا (2) .

____________

(1) البتّ: كساء غليظ.

(2) ألقمه حجرا: أسكته عند المخاصمة.

4

قول الأعراب في الدعاء

قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه: ما قوم أشبه بالسلف من الأعراب، لو لا جفا فيهم.

و قال غيلان: إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب.

قال أبو حاتم: أملى علينا أعرابي يقال له مرثد: اللهم اغفر لي و الجلد بارد، و النفس رطبة، و اللسان منطلق، و الصحف منشورة، و الأقلام جارية، و التوبة مقبولة، و الأنفس مريحة، و التضرع مرجوّ، قبل أزّ (1) العروق، وحشك‏ (2) النفس، و علز (3)

الصدر، و تزيّل الأوصال، و نصول الشعر، و تحيّف‏ (4) التراب؛ و قبل أن لا أقدر على استغفارك حتى يفنى الأجل، و ينقطع العمل. أعنّي على الموت و كربته، و على القبر و غمّته، و على الميزان و خفّته، و على الصراط و زلّته، و على يوم القيامة و روعته؛ اغفر لي مغفرة واسعة لا تغادر ذنبا، و لا تدع كربا؛ اغفر لي جميع ما افترضت عليّ و لم أؤدّه إليك؛ اغفر لي جميع ما تبت إليك منه ثم عدت فيه يا رب تظاهرت عليّ منك النعم، و تداركت عندك مني الذنوب؛ فلك الحمد على النعم التي تظاهرت، و أستغفرك الذنوب التي تداركت. أمسيت عن عذابي غنيا، و أصبحت إلى رحمتك فقيرا؛ اللهم إني أسألك نجاح الأمل عند انقطاع الأجل، اللهم أجعل خير عملي ما وليّ أجلي؛ اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا، و إذا ابتليتهم صبروا، و إذا أذكرتهم ذكروا، و اجعل لي قلبا توّابا أوّابا، لا فاجرا و لا مرتابا. اجعلني من الذين إذا أحسنوا ازدادوا، و إذا أساءوا استغفروا، اللهم لا تحقق عليّ العذاب، و لا تقطع بي الأسباب، و احفظني في كل ما تحيط به شفقتي، و يأتي من ورائه سبحتي‏ (5) ، و تعجز عنه قوّتي، أدعوك دعاء ضعيف عمله، متظاهرة ذنوبه، ضنين على نفسه-دعاء من

____________

(1) أزّ العروق: ضرباتها.

(2) حشك النفس: اجتهادها في النزع.

(3) العلز: القلق و الكرب عند الموت.

(4) التحيّف: التنقص.

(5) السبحة: الدعاء.

5

بدنه ضعيف، و منّته عاجزة؛ قد انتهت عدّته، و خلقت جدته، و تم ظمؤه؛ لا تخيبني و أنا أرجوك، و لا تعذبني و أنا أدعوك، و الحمد للّه على طول النسيئة، و حسن التباعة، و تشنج العروق، و إساغة الريق، و تأخر الشدائد؛ و الحمد للّه على حلمه بعد علمه، و على عفوه بعد قدرته؛ و الحمد للّه الذي لا يودى قتيله، و لا يخيب سوله، و لا يردّ رسوله. اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الذل إلا لك؛ و أعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا؛ و أعوذ بك من شماتة الأعداء، و عضال‏ (1) الداء، و خيبة الرجاء، و زوال النعمة، و فجاءة النقمة.

دعا أعرابي و هو يطوف بالكعبة فقال: إلهي، من أولى بالتقصير و الزلل مني و أنت خلقتني، و من أولى بالعفو منك عني و علمك بي ماض، و قضاؤك بي محيط؛ أطعتك بقوتك و المنة لك، و عصيتك بعلمك، فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك، و انقطاع حجّتي، و افتقاري إليك، و غناك عني-أن تغفر لي و ترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني. فتجاوز عن الذنوب التي كتبت عليّ، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، و لم نعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك؛ فاغفر لي ما بين ذلك؛ اللهم إنك آنس المؤنسين لأوليائك، و أحضرهم للمتوكلين عليك. إلهي أنت شاهدهم و غائبهم، و المطلع على ضمائرهم، و سرّي لك مكشوف، و أنا إليك ملهوف؛ إذا أوحشتني الغربة، آنسني ذكرك؛ و إذا أكبت عليّ الغموم، لجأت إلى الاستجارة بك؛ علما بأن أزمة (2) الأمور كلها بيدك، و مصدرها عن قضائك، فأقللني إليك مغفورا لي، معصوما بطاعتك باقي عمري، يا أرحم الراحمين.

الأصمعي قال: حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة و يقول: يا خير موفود سعى إليه الوفد، قد ضعفت قوّتي، و ذهبت منتي، و أتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار و لا تحملها البحار؛ أستجير برضاك من سخطك، و بعفوك من عقوبتك، ثم

____________

(1) عضال: شديد.

(2) أزمة: مفردها زمام، و زمام الأمر ملاكه.

6

التفت فقال: أيها المشفقون، ارحموا من شملته الخطايا، و غمرته البلايا، ارحموا من قطع البلاد، و خلف ما ملك من التلاد (1) ؛ ارحموا من و بخته الذنوب، و ظهرت منه العيوب؛ ارحموا أسير ضرّ، و طريد فقر. أسألكم بالذي أعملتكم الرغبة إليه، إلا ما سألتم اللّه أن يهب لي عظيم جرمي. ثم وضع في حلقة الباب خدّه و قال: ضرع خدّي لك، و ذل مقامي بين يديك، ثم أنشأ يقول:

عظيم الذنب مكروب # من الخيرات مسلوب

و قد أصبحت ذا فقر # و ما عندك مطلوب‏

العتبي قال: سمعت أعرابيا بعرفات عشية عرفة و هو يقول: اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك، و أحد أيام زلفتك، يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك، أن لا يشرك بك شيئا بكل لسان فيها يدعى، و لكل خير فيها يرجى؛ أتتك العصاة من البلد السحيق، ودعتك العناة من شعب المضيق؛ رجاء ما لا خلف له من وعدك، و لا انقطاع له من جزيل عطائك؛ أبدت لك وجوهها المصونة، صابرة على وهج السمائم‏ (2) ، و برد الليالي، ترجو بذلك رضوانك؛ يا غفار، يا مستزادا من نعمه، و مستعاذا من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير و شهيق. ثم بسط كلتا يديه إلى السماء، و قال: اللهم إن كنت بسطت يدي إليك راغبا، فطالما كفيتنيه؛ ساهيا بنعمتك التي تظاهرت عليّ عند الغفلة، فلا أيأس منها عند التوبة: و لا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في الولد، و الأمن في البلد، و العافية في الجسد، إنك سميع مجيب.

و دعا أعرابي فقال: يا عماد من لا عماد له، و يا ركن من لا ركن له، و يا مجير الضعفاء، و يا منقذ الهلكى، و يا عظيم الرجاء، أنت الذي سبح لك سواد الليل و بياض النهار، وضوء القمر و شعاع الشمس، و حفيف الشجر و دوي الماء؛ يا محسن، يا مجمل، يا مفضل، لا أسألك الخير بخير هو عندك، و لكني أسألك برحمتك، فاجعل العافية لي

____________

(1) التلاد: المال الأصلي القديم.

(2) السمائم: جمع سموم، و هي الريح الحارة.

7

شعارا و دثارا (1) ، و جنّة دون كل بلاء.

الأصمعي قال: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق، فقالت: يا رب، أخذت و أعطيت و أنعمت و سلبت، و كل ذلك منك عدل و فضل، و الذي عظّم على الخلائق أمرك؛ لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك، و لا بذلت رغبتي إلا إليك يا قرة أعين السائلين، أغنني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته، و أتقلب في رواق نضرته، احملني من الرجلة (2) ، و أغنني من العيلة، و أسدل عليّ سترك الذي لا تخرقه الرماح، و لا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء.

قال: و سمعت أعرابيا في فلاة من الأرض و هو يقول في دعائه: اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، و إن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز! إلهي كم تحببت إليّ بنعمتك و أنت غنيّ عني، و كم أتبغّض إليك بذنوبي و أنا فقير إليك!سبحان من إذا توعد عفا، و إذا وعد وفى.

قال: و سمعت أعرابيا يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرّك، و إن رحمتك إياي لا تنقصك؛ فاغفر لي مالا يضرك، وهب لي مالا ينقصك.

قال: و سمعت أعرابيا و هو يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين، و خوف العاملين، حتى أتنعم بترك النعم طمعا فيما وعدت، و خوفا مما أوعدت اللهم أعذني من سطواتك؛ و أجرني من نقماتك؛ سبقت لي ذنوب و أنت تغفر لمن يتوب؛ إليك بك أتوسل، و منك إليك أفرّ.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: اللهم إن أقواما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أمّلوا، و قد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أمّلناه.

قال: و رأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء و هو يقول رب،

____________

(1) الدثار: الثوب الذي يكون فوق الشّعار، و الشعار ما ولي جسد الانسان دون ما سواه من الثياب‏

(2) الرّجلة: المشي راجلا.

8

أتراك معذبنا و توحيدك في قلوبنا، و ما إخالك تفعل!و لئن فعلت لتجمعنّا مع قوم طالما أبغضناهم لك.

الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد للّه حمدا لا يبلى جديده و لا يحصى عديده، و لا يبلغ حدوده؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، و اجعل القبر خير بيت نعمره، و اجعل ما بعده خيرا لنا منه؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك؛ فاغفر الزلة، و عد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك.

الأصمعي قال: وقف أعرابي في بعض المواسم فقال: اللهم إن لك عليّ حقوقا فتصدّق بها عليّ، و للناس قبلي تباعات فتحملها عني؛ و قد وجب لكل ضيف قرى‏ (1) ، و أنا ضيفك الليلة، فاجعل قراي فيها الجنة.

قال: و رأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة و هو يقول: سائلك عبد بابك ذهبت أيامه، و بقيت آثامه، و انقطعت شهوته، و بقيت تباعته فارض عنه، و إن لم ترض عنه فاعف عنه غير راض.

قال: و دعا أعرابي عند الكعبة، فقال: اللهم إنه لا شرف إلا بفعال، و لا فعال إلا بمال؛ فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا و الآخرة.

قال زيد بن عمر: سمعت طاوسا يقول: بينا أنا بمكة إذا دفعت إلى الحجاج بن يوسف، فثني لي وسادا فجلست، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية، فقال الحجاج: عليّ بالملبّي. فأتي به، فقال: من الرجل؟ قال: من أفناء (2) الناس. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟قال: من أي البلدان أنت؟قال: من أهل اليمن. قال له الحجاج: فكيف خلفت محمد بن يوسف؟ يعني أخاه، و كان عامله على اليمن؛ قال: خلفته عظيما جسيما خرّاجا ولاّجا. قال:

ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟قال: كيف خلّفت سيرته في الناس؟قال:

____________

(1) القرى: ما يقدم إلى الضيف.

(2) أفناء الناس: أخلاطهم.

9

خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق!فازورّ (1) من ذلك الحجاج، و قال: ما أقدمك على هذا و قد تعلم مكانته مني؟فقال له الأعرابي أ فتراه بمكانته منك أعزّ مني بمكانتي من اللّه تبارك و تعالى، و أنا وافد بيته، و قاضي دينه، و مصدّق نبيه صلّى اللّه عليه و سلم!قال: فوجم لها الحجاج و لم يجر له جوابا، حتى خرج الرجل بلا إذن. قال طاوس: فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك أعوذ، و إليك ألوذ، فاجعل لي في اللهف إلى جوارك و الرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، و غنى عما في أيد المستأثرين؛ اللهم عد بفرجك القريب، و معروفك القديم، و عادتك الحسنة.

قال طاوس: ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما على قدميه و هو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجّي و نصبي و تعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك و انصرف محروما من وجه رحمتك.

الأصمعي قال: رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة و هو يقول: إلهي عجّت‏ (2) إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات، و حاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. اللهم هب لي حقك، و أرض عني خلقك، اللهم لا تعيني بطلب ما لم تقدّره لي، و ما قدرته لي فيسّره لي.

قال: ودعت أعرابية لابن لها وجهته إلى حاجة، فقالت: كان اللّه صاحبك في أمرك، و خليفتك في أهلك، و وليّ نجح‏ (3) طلبتك. امض مصاحبا مكلوءا، لا أشمت اللّه بك عدوّا، و لا أرى محبيك فيك سوءا.

قال: و مات ابن لأعرابي فقال: اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من بري، فهب له ما قصّر فيه من طاعتك، فانك فإنك أجود و أكرم.

____________

(1) ازور: مال و انحرف.

(2) عجّت إليك الأصوات أي رفعت إليك.

(3) النّجح: النجاح.

10

قولهم في الرقائق‏

العتبي قال: ذكر أعرابي مصيبة فقال: و اللّه تركت سود الرءوس بيضا، و بيض الوجوه سودا، و هوّنت المصائب بعدها.

أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال يرثي آل أبي سفيان:

رمى الحدثان نسوة آل حرب # بمقدار سمدن له سمودا (1)

فردّ شعورهن السود بيضا # و ردّ وجوههن البيض سودا

فإنك إذ سمعت بكاء هند # و رملة إذ يلطمن الخدودا

بكيت بكاء موجعة بحزن # أصاب الدهر واحدها الفريدا

قال: قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك قالت: إنّ فقدي إياه أمّنني كل فقد سواه، و إن مصيبتي به هوّنت علي المصائب بعده؛ ثم أنشأت تقول:

من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر

كنت السواد لمقلتي # فعليك يبكي الناظر

ليت المنازل و الدّيا # ر حفائر و مقابر

و قيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟قال: ما ترك همّ الغداء و العشاء لي حزنا! و قيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟قال: من طال أمده، و كثر ولده، و كثر ولده، و ذهب جلده: ذهب شبابه.

و قيل لأعرابي: ما أنحل جسمك؟قال: سوء الغذاء، و جدوبة المرعى، و اختلاج الهموم في صدري. ثم أنشأ يقول:

الهمّ ما لم تمضه لسبيله # داء تضمّنه الضّلوع عظيم

و لربّما استيأست ثم أقول لا # إنّ الذي ضمن النجاح كريم‏

____________

(1) السمود: الحزن.

11

و قيل لأعرابي قد أخذته السن: كيف أصبحت؟قال: أصبحت تقيّدني الشعرة، و أعثر في البعرة (1) ؛ قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره.

و قال أعرابي: لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول و يا شرّ بدل! و قال أعرابي:

إذا الرجال ولدت أولادها # و جعلت أسقامها تعتادها

و اضطربت من كبر أعضادها # فهي زروع قد دنا حصادها

و ذكر أعرابي قطيعة بعض إخوانه، فقال: صفرت‏ (2) عياب الودّ بعد امتلائها و اكفهرت وجوه كانت بمائها؛ فأدبر ما كان مقبلا، و أقبل ما كان مدبرا.

و ذكر أعرابي منزلا باد أهله، فقال: منزل و اللّه رحلت عنه ربات الخدور و أقامت فيه أثافيّ‏ (3) القدور، و قد اكتسى بالنبات كأنما ألبس الحلل؛ و كان أهله يعفّون فيه آثار الرياح، و أصبحت الريح تعفّي آثارهم فالعهد قريب و الملتقى بعيد.

ذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم، فقال: أ عين و اللّه كحلت بالعبرة بعد الحبرة (4) ، و أ نفس لبست الحزن بعد السرور.

و ذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم، فقال: كانوا و اللّه في عيش رقيق الحواشي فطواه الدهر بعد سعة، حتى يبست أبدانهم من القر، و لم أر صاحبا أغرّ من الدنيا، و لا ظالما أغشم من الموت؛ و من عصف به الليل و النهار أردياه، و من وكل به الموت أفناه.

وقف أعرابي على دار قد باد أهلها، فقال: دار و اللّه معتصرة للدموع، حطت بها

____________

(1) البعرة: جمعها البعر: رجيع ذوات الخف و ذوات الظلف إلا البقر الأهلي.

(2) صفرت: خلت.

(3) الأثافي: أحجار ثلاثة توضع عليها القدر.

(4) الحبرة: الابتهاج.

12

السحاب أثقالها، و جرّت بها الرياح أذيالها.

و ذكر أعرابي رجلا تغيرت حاله، فقال: طويت صحيفته و ذهب رزقه، فالبلاء مسرع إليه، و العيش عنه قابض كفّيه.

و ذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سعة، فقال: كان و اللّه في ظل عيش ممدود، فقدحت عليه من الدهر زند عين كابية الزند.

الأصمعي قال: أنشدني العقيل لأعرابية ترثي ابنها:

ختلته المنون بعد اختيال # بين صفّين من قنا و نصال

في رداء من الصفيح صقيل # و قميص من الحديد مذال‏ (1)

كنت أخباك لاعتداء يد الدهر و لم تخطر المنون ببالي و قال أعرابي يرثي ابنه:

دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت # و للنّفس منها دافن و دفين‏

و قال أعرابي: إن الدنيا تنطق بغير لسان فتخبر عما يكون بما قد كان.

خرج أعرابي: هاربا من الطاعون؛ فبينا هو سائر إذ لدغته أفعى فمات، فقال فيه أبوه:

طاف يبغي نجوة # من هلاك فهلك

ليت شعري ضلّة # أيّ شي‏ء قتلك

و المنايا رصد # للفتى حيث سلك

كلّ شي‏ء قاتل # حين تلقى أجلك‏

و ذكر أعرابي بلدا فقال: بلد كالتّرس‏ (2) ، ما تمشي فيه الرياح إلا عابرات سبيل، و لا يمر فيها السّفر إلا بأدلّ دليل.

____________

(1) القميص: الدرع؛ و المذال الذي له ذيل.

(2) بلد كالترس أي ملساء جرداء لا نبات فيها.

13

قولهم في الاستطعام‏

معن بن زائدة و أعرابي:

قدم أعرابي من بني كنانة على معن بن زائدة و هو باليمن، فقال: إني و اللّه ما أعرف سببا بعد الإسلام و الرحم أقوى من رحلة مثلي من أهل السن و الحسب إليك من بلاده، بلا سبب و لا وسيلة إلا دعاءك إلى المكارم، و رغبتك في المعروف؛ فإن رأيت أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل. فوصله و أحسن إليه.

لأعرابي‏

:

الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي رضي اللّه عنه يقول: وقف أعرابي على قوم فقال: إنا-رحمكم اللّه-أبناء سبيل، و أنضاء طريق و فلاّل‏ (1) سنة؛ رحم اللّه امرأ أعطى عن سعة، و واسى من كفاف. فأعطاه رجل درهما، فقال: آجرك اللّه من غير أن يبتليك.

لآخر

:

و وقف أعرابي بقوم فقال: يا قوم، تتابعت علينا سنون جماد شداد، لم يكن للسماء فيها رجع، و لا للأرض فيها صدع، فنضب العدّ، و نشف الوشل، و أمحل الخصب، و كلح الجدب، و شف المال، و كسف البال، و شظف المعاش، و ذهب الرياش؛ و طرحتني الأيام إليكم غريب الدار، نائي المحل، ليس لي مال أرجع إليه، و لا عشيرة ألحق بها؛ فرحم اللّه امرأ رحم اغترابي، و جعل المعروف جوابي.

المهدي في الطواف:

خرج المهدي يطوف بعد هدأة من الليل، فسمع أعرابية من جانب المسجد و هي تقول: قوم معوزون، نبت عنهم العيون، و فدحتهم الديون، و عضتهم السنون؛ باد

____________

(1) فلال: جمع فل أي المنهزم؛ و السنة: الجدب و القحط.

14

رخالهم‏ (1) ، و ذهبت أموالهم، أبناء سبيل، و أنضاء طريق، وصية اللّه و وصية رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، فهل من آمر بخير، كلأه اللّه في سفره، و خلفه في أهله؟فأمر نصيرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.

خزيمة في إبل أغير عليها:

الأصمعي قال: أغير على إبل خزيمة، فركب بحيرة (2) ، فقيل له: أ تركب حراما؟قال: يركب الحرام من لا حلال له.

و قال أعرابي:

بين عتبة بن أبي سفيان و أعرابي:

يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع # كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع‏ (3)

أبو الحسن قال: اعترض أعرابي لعتبة بن أبي سفيان و هو على مكة فقال: أيها الخليفة. قال: لست به و لم تبعد. قال: فيا أخاه!قال: اسمعت فقل. قال: شيخ من بني عامر يتقرب إليك بالعمومة و يختص بالخئولة، و يشكو إليك كثرة العيال، و وطأة الزمان، و شدة فقر، و ترادف ضر، و عندك ما يسعه و يصرف عنه بؤسه فقال عتبة أستغفر اللّه منك، و أستعينه عليك، قد أمرت لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.

و سأل أعرابي فقال: رحم اللّه مسلما لم تمجّ أذناه كلامي، و قدم لنفسه معاذا من مقامي، فإن البلاد مجدية، و الدار مضيعة، و الحياء زاجر يمنع من كلامكم، و العدم عاذر يدعو إلى إخباركم؛ و الدعاء إحدى الصدقتين، فرحم اللّه امرأ يمير و داعيا يجير.

فقال له بعض القوم: ممن الرجل؟فقال: ممن لا تنفعكم معرفته، و لا تضركم جهالته.

ذلّ الاكتساب، يمنع من عز الانتساب.

____________

(1) الرخال: أولاد الضأن.

(2) بحيرة: الناقة شقت أذنها بعد أن ولدت خمسة أبطن و كان آخرها ذكرا.

(3) الوقع: الذي أصابت الحجارة قدمه فأوهنتها.

15

أعرابي أغير على إبله:

العتبي قال: قدم علينا أعرابي في فشّاش‏ (1) ، قد أطردت‏ (2) اللّصاص إبله، فجمعت له شيئا من أهل المسجد، فلما دفعت إليه الدراهم أنشأ يقول:

لا و الذي أنا عبد في عبادته # لو لا شماتة أعداء ذوي إحن

ما سرّني أنّ إبلي في مباركها # و أنّ أمرا قضاه اللّه لم يكن‏

أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال:

لو لا شماتة أعداء ذوي حسد # و أن أنال بنفعي من يرجّيني

لما خطبت إلى الدّنيا مطالبها # و لا بذلت لها عرضي و لا ديني

لكن منافسة الأكفاء تحملني # على أمور أراها سوف ترديني

و قد خشيت بأن أبقى بمنزلة # لا دين عندي و لا دنيا تواتيني‏

بين خالد القسري و أعرابي:

العتبي قال: دخل أعرابي على خالد بن عبد اللّه القسري، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

أصلحك اللّه قلّ ما بيدي # فما أطيق العيال إذ كثروا

أناخ دهر ألقى بكلكله # فأرسلوني إليك و انتظروا

قال: أرسلوك و انتظروا؟و اللّه لا تجلس حتى تعود إليهم بما يسرهم!فأمر له بأربعة أبعرة موقورة (3) برّا و تمرا و خلع عليه.

ابن طوق و أعرابي:

الشيباني قال: أقبل أعرابي إلى مالك بن طوق، فأقام بالرحبة حينا، و كان الأعرابي من بني أسد صعلوكا في عباءة صوف و شملة شعر، فكلما أراد الدخول

____________

(1) الفشاش: الكساء الغليظ.

(2) أطردت إبله: أي أغارت عليها فسرقتها.

(3) موقورة: محملة حملا ثقيلا.

16

منعه الحجاب، و شتمه العبيد، و ضربه الأشراط؛ فلما كان في بعض الأيام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة، فعارضه الأعرابي، فضربوه و منعوه، فلم يثنه ذلك حتى أخذ بعنان فرسه، ثم قال: أيها الأمير، إني عائذ باللّه من أشراطك هؤلاء! فقال مالك: دعوا الأعرابي؛ هل من حاجة يا أعرابي؟قال: نعم أصلح اللّه الأمير؛ أن تصغى إليّ بسمعك، و تنظر إليّ بطرفك، و تقبل إليّ بوجهك. قال: نعم. فأنشأ الأعرابي يقول:

ببابك دون الناس أنزلت حاجتي # و أقبلت أسعى حوله و أطوف

و يمنعني الحجّاب و السّتر مسبل # و أنت بعيد و الشروط صفوف‏ (1)

يدورون حولي في الجلوس كأنهم # ذئاب جياع بينهنّ خروف

فأمّا و قد أبصرت وجهك مقبلا # فأصرف عنه إنني لضعيف

و ما لي من الدّنيا سواك و لا لمن # تركت ورائي مربع و مصيف

و قد علم الحيّان قيس و خندف # و من هو فيها نازل و حليف

تخطّيت أعناق الملوك و رحلتي # إليك و قد حنّت إليك صروف

فجئتك أبغي اليسر منك فمرّ بي # ببابك من ضرب العبيد صنوف

فلا تجعلن لي نحو بابك عودة # فقلبي من ضرب الشّروط مخوف‏

فاستضحك مالك حتى كاد أن يسقط عن فرسه؛ ثم قال لمن حوله: من يعطيه درهما بدرهمين و ثوبا بثوبين؟فوقعت عليه الثياب و الدراهم من كل جانب حتى تحير الأعرابي؛ ثم قال له: هل بقيت لك حاجة يا أعرابي؟قال: أما إليك فلا!قال: فإلى من؟قال: إلى اللّه أن يبقيك للعرب؛ فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها.

دخل أعرابي إلى هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتت علينا ثلاثة أعوام: فعام أذاب الشحم، و عام أكل اللحم، و عام انتقى العظم‏ (2) ؛ و عندكم أموال، فإن تكن للّه فبثوها في عباد اللّه، و إن تكن للناس فلم تحجب عنهم، و إن تكن لكم

____________

(1) الشروط: رجال الشرطة.

(2) انتقى العظم: استخرج نقيه، و هو مخه.

17

فتصدقوا؛ إن اللّه يجزي المتصدقين!قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: ما ضربت إليك أكباد الإبل أدّرع الهجير، و أخوض الدجا لخاصّ دون عام، و لا خير في خير لا يعم. فأمر له هشام بأموال فرّقت في الناس؛ و أمر للأعرابي بمال فرّقه في قومه.

لبعض الأعراب:

طلب أعرابي من رجل حاجة فوعده قضاءها؛ فقال الأعرابي: إن من وعد قضى الحاجة و إن كثرت؛ و المطل من غير عسر آفة الجود.

و قال أعرابي، و أتى رجلا لم تكن بينهما حرمة في حاجة له، فقال: إني امتطيت إليك الرجاء، و سرت على الأمل، و وفدت بالشكر، و توسلت بحسن الظن: فحقق الأمل، و أحسن المثوبة، و أكرم القصد، و أتم الود، و عجل المراد.

وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي، فقال: الحمد للّه، و أعوذ باللّه أن أذكر به و أنساه، إنا أناس قدمنا هذه المدينة ثلاثون رجلا؛ لا ندفن ميتا؛ و لا نتحول من منزل و إن كرهناه؛ فرحم اللّه عبدا تصدّق على ابن سبيل، و نضو (1) طريق، و رسل سنة؛ فإنه لا قليل من الأجر؛ و لا غني عن اللّه، و لا عمل بعد الموت؛ يقول اللّه عز و جل: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً (2) إن اللّه لا يستقرض من عوز؛ و لكن ليبلو خيار عباده.

وقف أعرابي في شهر رمضان على قوم؛ فقال: يا قوم لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس، و معي بنتان لي، و اللّه ما علمتهما تخلالا بخلال؛ فهل رجل كريم يرحم اليوم مقامنا، و يرد حشاشتنا؛ منعه اللّه أن يقوم مقامي فإنه مقام ذل و عار و صغار!فافترق القوم و لم يعطوه شيئا!فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا، ثم

____________

(1) نضا نضوا المكان: جاوزه و خلّفه.

(2) سورة البقرة الآية 245.

18

قال: أشدّ و اللّه عليّ من سوء حالي و فاقتي، توهّمي فيكم المواساة!انتعلوا الطريق لا صحبكم اللّه.

الأصمعي قال: وقف أعرابيّ علينا فقال: يا قوم، تتابعت علينا سنون بتغير و انتقاص، فما تركت لنا هبعا و لا ربعا (1) ، و لا عافطة و لا نافطة (2) ، و لا ثاغية و لا راغية (3) ؛ فأماتت الزرع، و قتلت الضرع، و عندكم من مال اللّه فضل نعمة؛ فأعينوني من فضل ما آتاكم اللّه، و ارحموا أبا أيتام، و نضو زمان‏ (4) ؛ فلقد خلفت أقواما يمرضون مريضهم و لا يكفنون ميتهم، و لا ينتقلون من منزل إلى منزل و إن كرهوه؛ و لقد مشيت حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى أكلت النوى.

لأعرابية مع عبد الرحمن ابن أبي بكر:

الأصمعي قال: وقفت أعرابية من هوازن على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقالت: إني أتيت من أرض شاسعة، تهيضني هائضة (5) و ترفعني رافعة في بواد برين لحمي، و هضن عظمي: و تركنني والهة، قد ضاق بي البلد، بعد الأهل و الولد، و كثرة من العدد؛ لا قرابة تؤويني، و لا عشيرة تحميني، فسألت أحياء العرب: من المرتجى سيبه، المأمون عيبه، الكثير نائله، المكفيّ سائله؟فدللت عليك؛ و أنا امرأة من هوازن، فقدت الولد و الوالد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إما أن تحسن صفدي، و إما أن تقيم أودي، و إما أن تردّني إلى بلدي. قال: بل أجمعين لك!ففعل ذلك بها أجمع.

و قال أعرابي:

يا عامل الخير رزقت الجنّة # أكس بنيّاتي و أمّهنّه

و كن لنا من الزمان جنّه # و اردد علينا إنّ إنّ إنّه

أقسمت باللّه لتفعلنّه‏

____________

(1) الهبع: الفصيل ينتج في أول الصيف. و الربع ما ينتج في أول الربيع.

(2) العافطة: النعجة، و النافطة: العنز.

(3) الثاغية: الشاة، و الراغية: الناقة.

(4) نضو الزمان أي الفقير المعدم.

(5) الهائضة، أي الشدة و الكرب.

19

لبعض الأعراب:

الأصمعي قال: وقفت أعرابية فقالت: يا قوم، سنة جردت و أيد جمدت، و حال أجهدت؛ فهل من فاعل لخير، و آمر بمير؟رحم اللّه من رحم، و أقرض من يقرض.

الأصمعي قال: أصابت الأعراب أعوام جدبة و شدة و جهد، فدخلت طائفة منهم البصرة و بين أيديهم أعرابي و هو يقول: أيها الناس، إخوانكم في الدين، و شركاؤكم في الإسلام، عابر و سبيل، و فلال‏ (1) بؤس، و صرعى جدب، تتابعت علينا سنون ثلاثة، غيرت النّعم و أهلكت النّعم، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها فلم نزل نعلل بذلك أنفسنا، و نمنّي بالغيث قلوبنا، حتى عاد محنا عظاما، و عاد إشراقنا ظلاما، و أقبلنا إليك يصرعنا الوعر، و يكننا السهل، و هذه آثار مصائبنا، لائحة في سماتنا، فرحم اللّه متصدقا من كثير، و مواسيا من قليل، فلقد عظمت الحاجة، و كسف البال و بلغ المجهود، و اللّه يجزي المتصدقين.

الأصمعي قال: كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، و يبرز الكعاب؛ و قد حملتنا سنو المصائب، و نكبات الدهور، على مركبها الوعر، فواسوا أبا أيتام، و نضو زمان، و طريد فاقة، و طريح هلكة، رحمكم اللّه.

أتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال: رجل من أهل البادية، ساقته إليك الحاجة، و بلغت به الغاية، و اللّه سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر. ما سمعت أبلغ من قائل و لا أوعظ لمقول له من كلامك هذا.

سمع عدي بن حاتم رجلا من الأعراب و هو يقول: يا قوم، تصدقوا على شيخ معيل، و عابر سبيل، شهد له ظاهره، و سمع شكواه خالقه، بدنه مطلوب و ثوبه

____________

(1) فلال بؤس، أي منهزمون أمام البؤس.

20

مسلوب!فقال له: من أنت؟قال: رجل من بني سعد في دية لزمتني، قال: فكم هي؟قال: مائة بعير. قال: دونكها في بطن الوادي! سأل أعرابي رجلا فأعطاه، فقال: جعل اللّه للمعروف إليك سبيلا، و للخير عليك دليلا، و لا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة.

وقف أعرابي بقوم فقال: أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح‏ (1) فيّ وجهه، و أناخ عليّ كلكله، بعد نعمة من البال، و ثروة من المال، و غبطة من الحال؛ اعتورتني شدائده، بنبل مصائبه، عن قسيّ نوائبه، فما ترك لي ثاغية أجتدي ضرعها، و لا راغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، أو معد على حتفه؟فردّ القوم عليه و لم ينيلوه شيئا؛ فأنشأ يقول:

قد ضاع من يأمل من أمثالكم # جودا و ليس الجود من فعالكم

لا بارك اللّه لكم في مالكم # و لا أزاح السوء عن عيالكم

فالفقر خير من صلاح حالكم‏

الأصمعي قال: سأل أعرابي فلم يعط شيئا، فرفع يديه إلى السماء و قال:

يا ربّ ثقتي و ذخري # لصبية مثل صغار الذّرّ

جاءهم البرد و هم بشرّ # بغير لحف و بغير أزر

كأنهم خنافس في جحر # تراهم بعد صلاة العصر

و كلّهم ملتصق بصدري # فاسمع دعائي و تولّ أمري‏

سأل أعرابي و معه ابنتان له، فلم يعط شيئا؛ فأنشأ يقول:

أيا ابنتيّ صابرا أباكما # إنكما بعين من يراكما

اللّه مولاي و هو مولاكما # فأخلصا للّه في نجواكما

تضرّعا لا تذخرا بكاكما # لعله يرحم من آواكما

إن تبكيا فالدهر قد أبكاكما

____________

(1) كلح: عبس.

21

هشام و أعرابي:

العتبي قال: كانت الأعراب تنتجع هشام بن عبد الملك بالخطب كل عام، فتقدّم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل العطاء محبة؛ و المنة مبغضة؛ فلأن نحبك خير من أن نبغضك!فأعطاه و أجزل له.

الأصمعي قال: وقف أعرابي غنويّ على قوم؛ فقال بعد التسليم: أيها الناس، ذهب النّيل؛ و عجف الخيل‏ (1) ؛ و بخس الكيل؛ فمن يرحم نضو سفر، و قل سنة، و يقرض اللّه قرضا حسنا. لا يستقرض اللّه من عدم، و لكن ليبلوكم فيما آتاكم. ثم أنشأ يقول:

هل من فتى مقتدر معين # على فقير بائس مسكين

أبي بنات و أبي بنين # جزاه ربّي بالذي يعطيني

أفضل ما يجزى به ذو الدّين‏

لبعض الأعراب:

الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول لرجل: أطعمك اللّه الذي أطعمتني له؛ فقد أحييتني بقتل جوعي، و دفعت عني سوء ظني بيومي؛ فحفظك اللّه على كل جنب، و فرج عنك كل كرب، و غفر لك كل ذنب.

و سأل أعرابيّ رجلا فاعتلّ عليه، فقال: إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا! و قال أعرابي للمأمون:

قل للإمام الذي ترجى فضائله # رأس الأنام و ما الأذناب كالراس

إني أعوذ بهارون و خفرته # و بابن عمّ رسول اللّه عبّاس: (2)

من أن تشدّ رحال العيس راجعة # إلى اليمامة بالحرمان و الياس‏ (3)

____________

(1) عجف الخيل: هزل.

(2) الخفرة: الذمام و العهد.

(3) العيس: الإبل التي يخالط بياضها شقرة.

22

أعرابي و زوجه في مجاعة:

الأصمعي قال: أصابت الأعراب مجاعة، فمررت برجل منهم قاعد مع زوجته بقارعة الطريق و هو يقول:

يا ربّ إني قاعد كما ترى # و زوجتي قاعدة كما ترى

و البطن منّي جائع كما ترى # فما ترى يا ربّنا فيما ترى!

أعرابي في مجاعة:

الأصمعي قال: حدّثني بعض الأعراب قال: أصابتنا سنة و عندنا رجل غني و له كلب، فجعل كلبه يعوي جوعا، فأنشأ يقول:

تشكّى إليّ الكلب شدّة جوعه # و بي مثل ما بالكلب أو بي أكثر

فقلت: لعلّ اللّه يأتي بغيثه # فيضحي كلانا قاعدا يتكبّر

كأني أمير المؤمنين من الغنى # و أنت من النعمى كأنك جعفر

أعرابي اسمه عمرو:

الأصمعي قال: سأل أعرابيّ رجلا يقال له عمرو، فأعطاه درهمين؛ فردهما عليه و قال:

تركت لعمرو درهميه و لم يكن # ليغني عنّي فاقتي درهما عمرو

و قلت لعمرو خذهما فاصطرفهما # سريعين في نقض المودة و الأجر

لبعض الأعراب:

أبو الحسن قال: وقف علينا أعرابي، فقال: أخ في كتاب اللّه، و جار في بلاد اللّه، و طالب خير من رزق اللّه؛ فهل فيكم من مواس في اللّه؟.

الأصمعي قال: ضجر أعرابي بكثرة العيال و الولد، و بلغه أنّ الوباء بخيبر شديد؛ فخرج إليها يعرّضهم للموت، و أنشأ يقول:

23

قلت لحمّى خيبر استعدّي # هاك عيالي فاجهدي و جدّي

و باكري بصالب و ورد # أعانك اللّه على ذي الجند (1)

فأخذته الحمى، فمات هو و بقي عياله.

مروان و أعرابي:

سأل أعرابيّ شيخا من بني مروان و حوله قوم جلوس، فقال: أصابتنا سنة. و لي بضع عشرة بنتا، فقال الشيخ: أمّا السنة فوددت و اللّه أن بينكم و بين السماء صفائح من حديد، و يكون مسيلها مما يليني فلا تقطر عليكم قطرة؛ و أمّا البنات فليت اللّه أضعفهنّ لك أضعافا كثيرة، و جعلك بينهنّ مقطوع اليدين و الرجلين ليس لهنّ كاسب غيرك!قال: فنظر إليه الأعرابي ثم قال: و اللّه ما أدري ما أقول لك، و لكن أراك قبيح المنظر، سيّئ الخلق، فأعضّك اللّه ببظر أمّهات هؤلاء الجلوس حولك!

طائفي و أعرابي:

وقف أعرابيّ على رجل شيخ من أهل الطائف، فذكر له سنة و سأله. فقالت:

وددت و اللّه أنّ الأرض خطة لا تنبت شيئا!قال: ذلك أيبس لجفير أمّك في استها.

قولهم في المواعظ و الزهد

هشام و أعرابي:

أبو حاتم عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك فقال له: عظني يا أعرابي. فقال: كفى بالقرآن واعظا، أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ `اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتََالُوا عَلَى اَلنََّاسِ يَسْتَوْفُونَ `وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ `أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ `لِيَوْمٍ عَظِيمٍ `يَوْمَ يَقُومُ

____________

(1) الصالب من الحمى: التي معها حرارة شديدة و الورد من أسماء الحمى.

24

اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ (1) ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذا جزاء من يطفّف في الكيل و الميزان، فما ظنّك بمن أخذه كله؟!

لأعرابي يعظ أخاه:

و قال أعرابي لأخيه: يا أخي، أنت طالب و مطلوب، يطلبك مالا تفوته، و تطلب ما قد كفيته، فكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك، و ما أنت فيه قد نقلت عنه، فامهد لنفسك، و أعدّ لغدك، و خذ في جهازك.

و وعظ أعرابي أخا له أفسد ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، و لا الأيام تنذرك، و لا الشيب يزجرك، و الساعات تحصى عليك، و الأنفاس تعدّ منك، و المنايا تقاد إليك؛ أحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك.

لبعض الأعراب:

و قيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ؟قال: لثلاث خلال فيه: لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة.

و قال أعرابي لرجل: أي أخي، إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى» فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم، غرثان‏ (2) من الكرم؛ و اعلم أن المؤمن على خير، ترحّب به الأرض، و تستبشر به السماء؛ و لن يساء إليه في بطنها، و قد أحسن على ظهرها.

و قال أعرابي: الدراهم مياسم‏ (3) تسم حمدا و ذمّا؛ فمن حبسها كان لها، و من أنفقها كانت له؛ و ما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا و لا كلّ عديم ذميم.

أخذ هذا المعنى الشاعر فقال:

أنت للمال إذا أمسكته # فإذا أنفقته فالمال لك‏

____________

(1) سورة المطففين الآية 1-6.

(2) غرثان: جائع.

(3) مياسم: مفرده ميسم، و هو الآلة يوسم بها كالمكواة.

25

لابن عباس:

و هذا نظير قول ابن عباس-و نظر إلى درهم في يد رجل-فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.

لبعض الأعراب:

و قال أعرابي لأخ له: يا أخي، إن مالك إن لم يكن لك، كنت له؛ و إن لم تفنه أفناك، فكله قبل أن يأكلك.

و قال أعرابي: مضى لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا، و اتخذوا الأيادي ذخيرة لمن بعدهم، يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا لازما، و إظهار البرّ واجبا ثم جاء الزمان ببنين اتخذوا مننهم بصناعة، و برّهم مرابحة، و أياديهم تجارة، و اصطناع المعروف مقارضة (1) كنقد[السوق‏]: خذ مني و هات.

و قال أعرابي لولده: يا بني، لا تكن رأسا و لا ذنبا، فإن كنت رأسا فتهبأ للنطاح، و إن كنت ذنبا فتهيأ للنكاح.

قال: و سمعت أعرابيا يقول لابن عمه: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، و إن كنت من أحدهما على شك و من الآخر على يقين؛ و لكن ليتمّ المعروف مني إليك، و لتقوم الحجة لي عليك.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: إن الموفّق من ترك أرفق الحالات به لأصلحها لدينه، نظرا لنفسه إذا لم تنظر نفسه لها.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: اللّه مخلف ما أتلف الناس، و الدهر متلف ما أخلفوا، و كم من ميتة عليها طلب الحياة، و كم من حياة سببها التعرض للموت.

و قال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب: غرّ من رآه، و أخلف من رجاه.

____________

(1) يقال قارضه مقارضة: أعطاه قرضا.

26

و قال أعرابي لصاحب له: اصحب من يتناسى معروفه عندك، و يتذكر حقوقك عليه.

و قال أعرابي: لا تسأل عمن يفرّ من أن تسأله، و لكن سل من أمرك أن تسأله، و هو اللّه تعالى.

و قيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟قال: تمام العدّة، و انقضاء المدّة.

و نظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق و الضر، فقال: يا هذا، أ تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.

و قالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إن سؤالك الناس ما في أيديهم أشد من الافتقار إليهم، و من افتقرت إليه هنت عليه، و لا تزال تحفظ و تكرم حتى تسأل و ترغب فإذا ألحت عليك الحاجة و لزمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل و المسئول، فإنه يعطي السائل.

و قالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا: يا بنيّ، عليك بتقوى اللّه فإنه أجدى عليك من كثير غيرك؛ و إياك و النمائم، فإنها تورث الضغائن و تفرق بين المحبين، و مثّل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذر عليه و اتخذه إماما، و اعلم أنه من جمع بين السخاء و الحياء، فقد أجاد الحلة إزارها و رداءها.

قال الأصمعي: لا تكون الحلة إلا ثوبين: ازارا و رداء.

أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عانقه حول الكعبة:

إن تركبي على قذالي‏ (1) فاركبي # فطالما حملتني و سرت بي

في بطنك المطهّر المطيّب # كم بين هذاك و هذا المركب‏

و أنشد لآخر كان يطوف بأمه:

ما حجّ عبد حجّة بأمّه # فكان فيها منفقا من كدّه‏

____________

(1) القذال: جماع مؤخر الرأس من الانسان و الفرس فوق القفا.

27

لا استتمّ الأجر عند ربّه‏

قال و سمعت أعرابيا يقول: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، و سلامة بدن معرّض للآفات!و لقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت و هو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله و أظمأ له نهاره.

و ذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: أما و اللّه لئن عزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، و لقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق، و إنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم.

و وصف أعرابي الدنيا فقال: هي رنقة (1) المشارب، جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب.

و قال أعرابي: من كان مطيته الليل و النهار سارا به و إن لم يسر، و بلغا به و إن لم يبلغ.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة و الزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا.

و قيل لأعرابي و قد مرض: إنك تموت!قال: و إذا متّ فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى اللّه!قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه؟ و قال أعرابي: من خاف الموت بادره الموت، و من لم ينحّ النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات، و الجنة و النار أمامك.

و قال أعرابي لصاحب له: و اللّه لئن هملجت‏ (2) إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق، و إن أبطأت ليسرعنّ إليك، و قد خسر أقوام و هم يظنون أنهم رابحون؛ فلا تعرّنّك الدنيا، فإن الآخرة من ورائك.

و قال أعرابي: خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة، و شر من الموت

____________

(1) رنقة: كدرة.

(2) هملج: سار سيرا حسنا في سرعة.

28

ما إذا نزل بك أحببت له الموت.

و قال أعرابيّ: حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أسنمة توضع؛ و أخفافا ترقع.

و الخير يطلب عند غير أهله، و الفقير قد حل غير محله.

و قدم أعرابي إلى السلطان فقال له: قل الحقّ و إلا أوجعتك ضربا!قال له: و أنت فاعمل به، فو اللّه ما أوعدك اللّه على تركه أعظم مما توعّدني به.

و قيل لأعرابي: من أحقّ الناس بالرحمة؟قال الكريم يسلّط عليه اللئيم، و العاقل يسلط عليه الجاهل.

و قيل له: أي الداعين أحق بالإجابة؟قال المظلوم.

و قيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟قال: من أفرد اللّه بحاجته.

و نظر عثمان إلى أعرابي في شملة غائر العينين مشرف الحاجبين ناتئ الجبهة، فقال له: يا أعرابي، أين ربّك؟قال: بالمرصاد.

الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: من نتج الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور؛ و من غرس الشر أنبت له نباتا مرّا مذاقه، و قضبانه الغيظ، و ثمرته الندم.

و قال أعرابي: الهوى عاجله لذيذ، و آجله وخيم.

و قيل لأعرابي: إنك لحسن الشارة. قال: ذلك عنوان نعمة اللّه عندي.

قال الأصمعي: و رأيت أعرابيا أمامه شاء فقلت له: لمن هذه الشاء؟قال: هي للّه عندي.

و قيل لأعرابي: كيف أنت في دينك؟قال: أخرقه بالمعاصي و ارقعه بالاستغفار.

و قال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه خفى على الناس عيبه.

و قال: بئس الزاد التعدي على العباد.

و قال: التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة.

و قال: من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه، و من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون.

29

قال و سمعت أعرابيا يقول لابنه و هو يعاتبه: لا تتوهمن-على من يستدل على غائب الأمور بشاهدها-الغفلة عن أمور يعاينها، فتكون بنفسك أخطأت، و حظّك أخطأت.

و نظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضّه‏ (1) فقال. إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السّحر، و لا هو بالذي قال فيه الشاعر:

من كلّ مجتهد برى أوصاله # صوم النهار و سجدة الأسحار

الأصمعي قال: سمعت أعرابيا ينشد:

و إذا أظهرت أمرا حسنا # فليكن أحسن منه ما تسرّ

فمسرّ الخير موسوم به # و مسرّ الشرّ موسوم بشرّ

و قول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «ما اسر امرؤ سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها، إن خيرا فخير و إن شرّا فشر» .

قال: و أنشدني أعرابي:

و ما هذه الأيام إلاّ معارة # فما اسطعت من معروفها فتزوّد

فإنك لا تدري بأيّة بلدة # تموت و لا ما يحدث اللّه في غد

يقولون لا تبعد و من يك مسدلا # على وجهه ستر من الأرض يبعد

و قال أعرابي: أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان، و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.

و قال أعرابي لابنه: لا يسرك أن تغلب بالشر؛ فإن الغالب بالشر هو المغلوب.

و قال أعرابي لأخ له: قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه.

فإن حظك من عطيته السؤال.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: إن حب الخير خير و إن عجزت عنه المقدرة،

____________

(1) البضّ: النّضر.

30

و بغض الشر خير و إن فعلت أكثره.

و شهد أعرابي عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: يا أعرابي، إن ميداننا لا يجري من العتاق فيه إلا الجياد. قال: لئن كشفت لتجدنّي عثورا!فسأل عنه سوار فأخبر بفضل و صلاح، فقال له: يا أعرابي، أنت ممن يجري في ميداننا. قال: ذلك بستر اللّه.

و قال أعرابي: و اللّه لو لا أن المروءة ثقيل محملها، شديدة مئونتها (1) ، ما ترك اللئام للكرام شيئا.

احتضر أعرابي، فقال له بنوه: عظنا يا أبت. فقال: عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم، و إن متم بكوا عليكم.

و دخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له:

إن الشملة لا تكلمك و إنما يكلمك من هو فيها.

مرّ أعرابي بقوم يدفنون جارية، فقال نعم الصهر ما صهرتم!و أنشد:

و في الأعياص أكفاء ليلى # و في لحد لها كف‏ء كريم‏

و قال أعرابي: رب رجل سره منشور على لسانه، و آخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي.

و مرّ أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنبتته الطاعة و حصدته المعصية!و قال الآخر: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، و من فارق الحق فالجذع راحلته.

العتبي عن زيد بن عمارة، قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه و هو يبني منزلا: يا أخي:

أنت في دار شتات # فتأهّب لشتاتك‏

____________

(1) المئونة: القوت.

31

و اجعل الدّنيا كيوم # صمته عن شهواتك

و اجعل الفطر إذا ما # نلته يوم مماتك

و اطلب الفوز بعيش الز # هد من طول حياتك‏

ثم أطرق حينا و رفع رأسه و هو يقول:

قائد الغفلة الأمل # و الهوى قائد الزّلل

قتل الجهل أهله # و نجا كلّ من عقل

فاغتنم دولة السّلا # مة و استأنف العمل

أيها المبتني القصو # ر و قد شاب و اكتهل‏

أخبر الشّيب عنك أنك في آخر الأجل

فعلام الوقوف في # عرصة العجو و الكسل

أنت في منزل إذا # حلّه نازل رحل‏

منزل لم يزل يضيق و ينبو بمن نزل

فتأهب لرحلة # ليس يسعى بها جمل

رحلة لم تزل على الدهر # مكروهة القفل‏

و قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟قال: ما جوفي له إلا قبر.

لآخر في الوفاء:

و قال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل. و دوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، و شوقه إلى إخوانه، و بكائه على ما مضى من زمانه.

لآخر فيما يضيع الأمور:

و قال أعرابي: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، و السلاح عند من لا يستعمله، و المال عند من لا ينفقه-ضاعت الأمور.

32

لآخر في القدر:

و سئل أعرابي عن القدر فقال: الناظر في قدر اللّه كالناظر في عين الشمس:

يعرف ضوأها و لا يقف على حدودها.

و سئل آخر عن القدر فقال: علم اختصمت فيه العقول، و تقاول فيه المختلفون، و حق علينا أن نرد ما التبس علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.

و قال أعرابي تكوير (1) الليل و النهار، لا يبقي على الأعمار، و لا لأحد فيه الخيار.

الحجاج و أعرابي:

أبو حاتم عن الأصمعي قال: خرج الحجاج ذات يوم فأصحر (2) ، و حضر غداؤه فقال: اطلبوا من يتغدّى معنا. فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة، فأتوه به، قال له: هلم. قال له: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته!قال: و من هو؟قال: اللّه تبارك و تعالى، دعاني إلى الصيام، فأنا صائم. قال: صوم في مثل هذا اليوم على حر؟ قال صمت ليوم هو أحرّ منه!قال فأفطر اليوم و تصوم غدا. قال: و يضمن لي الأمير أن أعيش إلى غدّ!قال: ليس ذلك إلي قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس إليه سبيل!قال: إنه طعام طيب. قال: و اللّه ما طيّبه خبازك و لا طباخك، و لكن طيبته العافية!قال الحجاج: تا للّه ما رأيت كاليوم، أخرجوه عني.

لأعرابي:

أبو الفضل الرياشي قال: أنشدنا أعرابي:

أ باكية رزينة إن أتاها # نعيّ أم يكون لها اصطبار

إذا ما أهل ودّي ودّعوني # و راحوا و الأكف بها غبار

و غودر أعظمي في لحد قبر # تعاوره الجنائب و القطار (3)

____________

(1) تكوير الليل و النهار: أن يلحق أحدهما بالآخر.

(2) أصحر: خرج إلى الصحراء.

(3) الجنائب: جمع جنوب، و هي الرياح الحارة؛ و القطار: جمع قطر، و هو المطر.

33

تظلّ الرّيح عاصفة عليه # و يرعى حوله اللّهق النّوار (1)

فذاك النّأي لا الهجران حولا # و حولا ثم تجمعنا الدّيار

و هذا نظير قول ليلى الأخيلية:

لعمرك ما الهجران أن تشحط النّوى # و لكنما الهجران ما غيّب القبر (2)

و نظيره قول خنساء:

نأي الخليلين كون الأرض بينهما # هذا عليها و هذا تحتها رمما (3)

و أنشد الآخر:

إذا ما المنايا أخطأتك و صادفت # حبيبك فاعلم أنها ستعود

عمر و أعرابي بالجبانة:

الرياشي قال: مرّ عمر بن الخطاب بالجبّانة فإذا هو بأعرابيّ، فقال: ما تصنع هنا يا أعرابي في هذه الديار الموحشة؟قال: وديعة لي هاهنا يا أمير المؤمنين. قال: و ما وديعتك؟قال: بنيّ لي دفنته، فأنا أخرج إليه كل يوم أندبه. قال: فاندبه حتى أسمع. فأنشأ يقول:

يا غائبا ما يئوب من سفره # عاجله موته على صغره

يا قرّة العين كنت لي سكنا # في طول ليلي نعم و في قصره

شربت كأسا أبوك شاربها # لا بدّ يوما له على كبره

يشربها و الأنام كلّهم # من كان في بدوه و في حضره

فالحمد للّه لا شريك له # الموت في حكمه و في قدره

قد قسّم العمر في العباد فما # يقدر خلق يزيد في عمره‏

____________

(1) اللهق: الثور الوحشي؛ و النوار: النفور.

(2) نشحط: تبعد.

(3) الرّمم: البالي من كل شي‏ء.

34

قولهم في المدح‏

لبعضهم في المدح:

ذكر أعرابي قوما عبادا، فقال: تركوا و اللّه النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة، و زفرات متتابعة، لا تراهم إلا في وجه وجيه عند اللّه.

و ذكر أعرابيّ قوما فقال: أدّبتهم الحكمة و أحكمتهم التجارب؛ فلم تغرّهم السلامة المنطوية على الهلكة، و رحل عنهم التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم: فدلّت ألسنتهم بالوعد، و انبسطت أيديهم بالوجد (1) فأحسنوا المقال، و شفعوه بالفعال.

و سئل أعرابي عن قوم فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت‏ (2) بينهم السهام؛ و إذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها؛ فرب يوم عارم‏ (3) قد أحسنوا أدبه، و حرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم؛ إنما قومي البحر. ما ألقمته التقم.

و ذكر أعرابي قوما فقال: ما رأيت أسرع‏[منهم‏]إلى داع بليل على فرس حسيب‏ (4) و جمل نجيب. ثم لا ينتظر الأول السابق الآخر اللاحن.

و ذكر أعرابي قوما فقال: جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم. فالخير بهم زائد، و المعروف لهم شاهد؛ فيعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم. و يباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغي لديهم.

و ذكر أعرابي قوما فقال: و اللّه ما أنالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخامص أقدامنا؛ و إن أقصى هممهم لأدنى فعالنا.

و ذكر أعرابي أميرا فقال: إذا ولى يطابق بين جفونه، و أرسل العيون على عيونه؛ فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج و المسي‏ء خائف.

____________

(1) الوجد: اليسار و السعة.

(2) أي كانت السهام بينهم سفراء.

(3) عارم: شديد.

(4) الحسيب: ذو الحسب.

35

و دخل أعرابي على رجل من الولاة فقال: أصلح اللّه الأمير، اجعلني زماما من أزمتك تجرّبه الأعداء، فإني مسعر حرب، و ركّاب نجب، شديد على الأعداء لين على الأصدقاء؛ منطوي الحصيلة، قليل الثميلة (1) ، نومي غرار (2) ، قد غذتني الحرب بأفاويقها، و حلبت الدهر أشطره؛ و لا تمنعك مني الدمامة؛ فإن من تحتها شهامة.

و ذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق فقال: كان و اللّه بارع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بليل الريق، قليل الحركات، ساكن الإشارات.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: رأيت له حلما و أناة، يحدثك الحديث على مقاطعه، ينشدك الشعر على مدارجه، فلا تسمع له لحنا و لا إحالة (3) .

العتبي قال: ذكر أعرابي قوما، فقال: آلت سيوفهم ألاّ تقضي دينا عليهم، و لا تضيّع حقا لهم، فما أخذ منهم مردود إليهم، و ما أخذوا متروك لهم.

و مدح أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه و لحظة أشبه بلهيب النار من لحظته؛ له هزة كهزة السيف إذا طرب، و جرأة كجرأة الليث إذا غضب.

و مدح أعرابي رجلا، فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، و الجواب ذا لسانين؛ لم أر أحدا أرتق لخلل الرأي منه، بعيد مسافة العقل و مراد الطرف، إنما يرمي بهمته حيث أشار الكرم.

و مدح أعرابيّ رجلا فقال: ذاك و اللّه فسيح النسب، مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته انتهى إليك بكرم فعال، و حسن مقال.

و مدح أعرابي رجلا فقال: كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بإرشاد، و ناهيا

____________

(1) الثميلة: البقية من الشي‏ء.

(2) غرار: قليل.

(3) أحال الكلام: أفسده.

36

عن فساد، لحديث السوء غير منقاد.

و قال أعرابي: إن فلانا «نعم» للسانه قبل أن يخلق لسانه لها: فما تراه الدهر إلا و كأنه لا غنى له عنك و إن كنت إليه أحوج؛ إذا أذنبت إليه غفر و كأنه المذنب، و إذا أسأت إليه أحسن و كأنه المسي‏ء.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: اشترى و اللّه عرضه من الذي؛ فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعدها عليه حقوقا، و كان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة.

و مدح أعرابيّ رجلا فقال: كان و اللّه يغسل من العار وجوها مسودة، و يفتح من الرأي عيونا منسدة.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك و اللّه ينفع سلمه و لا يستمر ظلمه؛ إن قال فعل، و إن ولى عدل.

و مدح أعرابي رجلا فقال: ذاك و اللّه يعني في طلب المكارم، غير ضال في مسالك طرقها، و لا مشتغل عنها بغيرها.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: يفوّق الكلمة على المعنى فتمرق مروق السهم من الرميّة، فما أصاب قتل، و ما أخطأ أشوى‏ (1) ، و ما عظعظ (2) له سهم منذ تحرك لسانه في فيه.

و ذكر أعرابي أخاه فقال: كان و اللّه ركوبا للأهوال، غير ألوف لربّات الحجال؛ إذا أرعد القوم من غير كرّ، يهين نفسا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها.

و مدح رجل رجلا فقال: كأن الألسن ريضت‏ (3) فما تنعقد إلا على ودّه، و لا تنطق إلا بثنائه.

____________

(1) أشوى: أصاب الشوى؛ و الشوى كل ما ليس مقتلا كاليدين و الرجلين.

(2) عظعظ: مر مضطربا و لم يقصد.

(3) ريضت: ذللت.

37

و مدح أعرابي رجلا فقال: كان و اللّه للإخاء و صولا، و للمال بذولا، و كان الوفاء بهما عليه كفيلا، فمن فاضله كان مفضولا.

و قيل لأعرابي: ما البلاغة؟قال: التباعد من حشو الكلام، و الدلالة بالقليل على الكثير.

و مدح أعرابي: رجلا فقال: كان و اللّه من شجر لا يخلف ثمره، و من بحر لا يخاف كدره.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك و اللّه فتى زانه اللّه بالخير ناشئا، فأحسن لبسه، و زين به نفسه.

و مدح أعرابي رجلا فقال: يصم أذنيه عن استماع الخنا (1) ، و يخرس لسانه عن التكلم به؛ فهو الماء الشّريب‏ (2) ، و المصقع الخطيب.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رجل سبق إليّ معروفه قبل طلبي إليه، فالعرض وافر، و الوجه بمائه، و ما أستقل بنعمة إلا أثقلني بأخرى.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رضيع الجود و المفطوم به، عيّ عن الفحشاء، معتصم بالتقوى؛ إذا خرست الألسن عن الرأي حذف‏ (3) بالصواب كما يحذف الأرنب، فإن طالت الغاية و لم يكن من دونها نهاية تمهل أمام القوم سابقا.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء، و الثمل على الغناء.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: كان له علم لا يخالطه جهل، و صدق لا يشوبه كذب، كأنه الوبل عند المحل.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ما رأيت أعشق للمعروف منه، و ما رأيت المنكر أبغض لأحد منه.

____________

(1) الخنا: الفحش في الكلام.

(2) الشريب: العذب.

(3) حذف: رمى.

38

و قدم أعرابي البادية و قد نال من بني برمك، فقيل له: كيف رأيتهم؟قال: رأيتهم قد أنست بهم النعمة كأنها من بناتهم.

قال: و ذكر أعرابي رجلا فقال: ما زال يبني المجد، و يشتري الحمد، حتى بلغ منه الجهد.

و دخل أعرابي على بعض الملوك فقال: إن جهلا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، و إني و اللّه ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك. ثم أنشد:

مالي أرى أبوابهم مهجورة # و كأن بابك مجمع الأسواق

حابوك أم هابوك أم شاموا النّدى # بيديك فاجتمعوا من الآفاق

إني رأيتك للمكارم عاشقا # و المكرمات قليلة العشّاق‏

و أنشد أعرابي في مثل هذا المعنى:

بنت المكارم وسط بيتك بيتها # فتلادها بك للصديق مباح

و إذا المكارم أغلقت أبوابها # يوما فأنت لقفلها مفتاح‏

و أنشد أعرابي في بني المهلّب:

قدمت على آل المهلّب شاتيا (1) # قصيّا بعيد الدار في زمن المحل

فما زال بي إلطافهم و افتقادهم # و برهم حتى حسبتهم أهلي‏

و أنشد أعرابي:

كأنك في الكتاب وجدت لاء # محرمة عليك فما تحلّ

و ما تدري إذا أعطيت مالا # أ تكثر من سماحك أم تقل

إذا دخل الشتاء فأنت شمس # و إن دخل المصيف فأنت ظل‏

و قال أعرابي في مدح عمر بن عبد العزيز:

مقابل الأعراق في الطاب الطاب # بين أبي العاص و آل الخطاب‏ (2)

____________

(1) شاتيا: مقيما عندهم شتاء.

(2) مقابل الأعراف أي شريف من قبل أبيه و أمه. و الطاب: الطيب.

39

و أنشد أعرابي:

لنا جواد أعار النّيل نائله # و النّيل يشكر منه كثرة النيل

ان بارز الشمس ألقى الشمس مظلمة # أو زاحم الصّم ألجاها إلى الميل

أهدى من النّجم إن تأتيه مشكلة # و عند إمضائه أمضى من السيل

و الموت يرهب أن يلقى منيّته # في شدّه عند لفّ الخيل بالخيل‏

قولهم في الذمّ‏

الأصمعي قال: ذكر أعرابي قوما فقال: أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء، و دبغت وجوههم باللؤم؛ لباسهم في الدنيا الملامة، و زادهم إلى الآخرة الندامة.

قال: و ذكر أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق‏ (1) و لا وسائد، فصح الألسن بردّ السائل؛ جعد الأكف عن النائل.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: لقد صغّر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه، و كأنما يرى السائل إذا أتاه، ملك الموت إذا رآه.

و سئل أعرابي عن رجل، فقال: ما ظنكم بسكّير لا يفيق، يتهم الصديق، و يعصى الشفيق، لا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، و لو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه، و لو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه.

و ذكر أعرابي قوما فقال: أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم، و أكثرهم تجرّما على أصدقائهم؛ يصومون عن المعروف، و يفطرون على الفحشاء.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: إن فلانا ليعدي بإثمه من تسمّى باسمه، و لئن خيبني فلرب باقية قد ضاعت في طلب رجل كريم.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: تغدو إليه مراكب الضلالة فترجع من عنده ببدور (2)

____________

(1) النمارق مفردها نمرقة و هي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها.

(2) البدور: جمع بدرة و هي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف.

40

الآثام، معدم ما تحب، مثر مما تكره. و صاحب السوء قطعة من النار.

و قال أعرابي لرجل: أنت و اللّه ممن إذا سأل ألحف، و إذا سئل سوّف، و إذا حدّث حلف، و إذا وعد أخلف؛ تنظر نظر حسود، و تعرض إعراض حقود.

و سافر أعرابي إلى رجل فحرّمه، فقال لما سئل عن سفره: ما ربحنا في سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا؛ فأمّا الذي لقينا من الهواجر، و لقيت منا الأباعر، فعقوبة لنا فيما أفسدنا من حسن ظننا. ثم أنشأ يقول:

رجعنا سالمين كما خرجنا # و ما خابت سريّة سالمينا

لشاعر في الهجاء:

و قال أعرابي:

لمّا رأيتك لا فاجرا # قويّا و لا أنت بالزاهد

و لا أنت بالرجل المتّقي # و لا أنت بالرجل العابد

عرضتك في السّوق سوق الرقيق # و ناديت هل فيك من زائد

على رجل خان ودّ الصديق # كفور بأنعمه جاحد

فما جاءني رجل واحد # يزيد على درهم واحد

سوى رجل زادني دانقا # و لم يك في ذاك بالجاهد (1)

فبعتك منه بلا شاهد # مخافة ردّك بالشاهد

و أبت إلي منزلي غانما # و حلّ البلاء على الناقد

لبعض الأعراب:

قال: و ذكر أعرابي رجلا، قال: كان إذا رآني قرّب من حاجب حاجبا، فأقول له: لا تقبّح وجهك إلى قبحه، فو اللّه ما أتيتك لطمع راغبا، و لا لخوف راهبا.

____________

(1) الدانق: سدس الدرهم.

41

و ذم أعرابي رجلا فقال: عبد الفعال، حر المقال؛ عظيم الرواق، دني‏ء الأخلاق؛ الدهر يرفعه، و نفسه تضعه.

و ذمّ أعرابي رجلا فقال: ضيق الصدر، صغير القدر، عظيم الكبر، قصير الشبر، لئيم النّجر (1) ، كثير الفخر.

و قال أعرابي: دخلت البصرة فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظهم إدبار حظ الكرام، شجر أصوله عند فروعه، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك يتيم، أعيا ما يكون عند جلسائه أبلغ ما يكون عند نفسه.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: ذلك إلى من يداوي عقله من الجهل، أحوج منه إلى من يداوي بدنه من المرض؛ إنه لا مرض أوجع من قلة عقل.

و ذكر أعرابي رجلا لم يدرك بثأره، فقال: كيف يدرك بثأره من في صدره من اللؤم حشو مرفقته؛ و لو دقّت بوجهه الحجارة لرضّها (2) ، و لو خلا بالكعبة لسرقها.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: تسهر و اللّه زوجته جوعا إذا سهر الناس شبعا؛ ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار، و لا آجل نار؛ كالبهيمة أكلت ما جمعت، و نكحت ما وجدت.

و سمع أعرابي رجلا يزعق، فقال: ويحك!إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، و لست بواحد منهما؛ و أراك يخف عليك ثقل الذنوب فيحسّن عندك مقابح العيوب.

و ذكر أعرابي رجلا بضعف فقال: سيّئ الروية، قليل التقية (3) ، كثير السعاية، ضعيف النكاية.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه؛ و شهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال.

____________

(1) النجر: الأصل.

(2) الرض: الدق.

(3) التقية: الحذر.

42

و ذكر أعرابي رجلا بذلة فقال: عاش خاملا و مات موتورا.

و ذكر قوما فقال: ألبسوا نعمة ثم عرّوا منها فقال: ما كانت النعمة إلا طيفا لما انتبهوا لها ذهبت عنهم.

و ذم أعرابي رجلا فقال: هو كعبد القنّ‏ (1) يسرك شاهدا و يسوؤك غائبا.

ودعت أعرابية على رجل فقالت: أمكن اللّه منك عدوّا حسودا، و فجع بك صديقا ودودا؛ و سلط عليك همّا يضنيك، و جارا يؤذيك.

و قال أعرابي لرجل شريف البيت دني‏ء الهمة: ما أحوجك أن يكون عرضك لمن يصونه، فتكون فوق ما أنت دونه.

و ذكر أعرابي رجلا فقال: إن حدّثته يسابقك إلى ذلك الحديث، و إن سكتّ عنه أخذ في الترّهات.

و ذكر أعرابي أميرا فقال: يصل النشوة، و يقضي بالعشوة (2) ، و يقبل الرشوة.

و ذكر أعرابي رجلا راكبا هواه، فقال: و اللّه لهو أسرع إلى ما يهواه، من الأسن‏ (3)

إلى راكد المياه، أفقره ذلك أو أغناه.

و قال أعرابي: ليت فلانا أقالني من حسن ظني به، فأختم بصواب إذ بدأت بخطإ؛ و لكن من لم تحكمه التجارب أسرع بالمدح إلى من يستوجب الذم، و بالذم إلى من يستوجب المدح.

و قال أعرابي لرجل: هل أنت إلا أنت لم تغير!و لو كنت من كنت حديد وضعت على أتون محمىّ لم تذب.

و سمعت أعرابيا يقول لأخيه: قد كنت نهيتك أن تدنس عرضك بعرض فلان، و أعلمتك أنه سمين المال، مهزول المعروف، من المرزوقين فجأة، قصير عمر الغنى، طويل عمر الفقر.

____________

(1) العبد القن: الذي كان أبوه مملوكا لمواليه.

(2) العشوة: ركوب الأمر على غير بيان.

(3) الأسن من المياه: المتغير الذي لا يشرب.

43

أقبل أعرابي إلى سوّار فلم يصادف عنده ما أحب، فقال فيه:

رأيت لي رؤيا و عبّرتها # و كنت للأحلام عبّارا

بأنني أخبط في ليلتي # كلبا فكان الكلب سوّارا

و قال أعرابي في ابن عم له يسمى زيادا:

من يبادلني قريبا # ببعيد من أياد؟

من يقادر، من يطافس # من يناذل بزياد (1)

في هجاء ابن سلم:

و قال سعيد بن سلم الباهلي: مدحني أعرابيّ، فاستبطأ الثواب فقال:

لكلّ أخي مدح ثواب يعدّه # و ليس لمدح الباهليّ ثواب

مدحت سعيدا و المديح مهزّة # فكان كصفوان، عليه تراب‏ (2)

و قال أيضا:

و إنّ من غاية حرص الفتى # طلابه المعروف في باهله

كبيرهم وغد و مولودهم # تلعنه في قبحه القابله‏

و قال أيضا:

سبكناه و نحسبه لجينا # فأبدى الكير عن خبث الحديد

و قال فيه:

لمّا رآنا فرّ بوّابه # و انسدّ في غير يد بابه

و عنده من مقته حاجب # يحجبه إن غاب حجّابه‏

____________

(1) المقادرة: من القدر، و هو القصر؛ و المطافسة: من الطفس، و هو قذر الانسان اذا لم يتعهد نفسه؛ و المناذلة من النذالة.

(2) الصفوان: الحجر الصلد الأملس لا ينبت شيئا.

44

في هجاء مساور:

دخل أعرابي على المساور بن هند و هو على الريّ، فلم يعطه شيئا؛ فخرج و هو يقول:

أتيت المساور في حاجة # فما زال يسعل حتى ضرط

و حكّ قفاه بكرسوعه # و مسّح عثنونه و امتخط (1)

فأمسكت عن حاجتي خيفة # لأخرى تقطّع شرج السّفط (2)

فأقسم لو عدت في حاجتي # للطّخ بالسلح وجه النّمط (3)

و قال غلطنا حساب الخراج # فقلت من الضّرط جاء الغلط

و كان كلما ركب صاح الصبيان: من الضرط جاء الغلط. حتى هرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان.

في رجل قصير:

أبو حاتم عن أبي زيد، قال: أنشدنا أعرابي في رجل قصير:

يكاد خليلي من تقارب شخصه # يعضّ القراد استه و هو قائم‏

في امرأة قبيحة:

و ذكر أعرابي امرأة قبيحة، فقال: ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة، و تسدل خمارها على وجه كالجعالة (4) .

____________

(1) الكرسوع: حرف الزند الذي يلي الخنصر و هو الناتئ عند الرسغ؛ و العثنون: اللحية و ما فضل منها بعد العارضين.

(2) السّفط: ما يعبى فيه الطيب و ما أشبه من أدوات النساء؛ و شرج السفط: شده و إدخال بعض عراه في بعض.

(3) النمط: الفراش.

(4) الجعالة: الخرقة التي تنزل بها القدر عن النار.

45

لبعض الأعراب:

العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: لا ترك اللّه مخّا في سلامى‏ (1) ناقة حملتني إليك و للدّاعي عليها أحق بالدعاء عليه؛ إذ كلفها المسير إليك.

و قال أعرابي لابن الزبير لا بوركت ناقة حملتني إليك. قال: إنّ و صاحبها. قوله:

إنّ، يريد «نعم» . قال قيس الرقيات:

و تقول شيب قد علا # ك و قد كبرت فقلت إنّه‏

يريد: نعم.

و ذكر أعرابي، رجلا، فقال: لا يؤنس جارا، و لا يؤهل دارا، و لا يثقب‏ (2)

نارا.

و سأل أعرابي رجلا فحرمه، فقال له أخوه؛ نزلت و اللّه بواد غير ممطور، و برجل غير مبرور؛ فارتحل بندم، أو أقم بعدم.

و دخلت أعرابية على حمدونة بنت المهدي؛ فلما خرجت سئلت عنها، فقالت: و اللّه لقد رأيتها فما رأيت طائلا؛ كأن بطنها قربة، و كأن ثديها دبّة (3) ، و كأن استها رقعة، و كأن وجهها وجه ديك قد نفش عفريته‏ (4) يقاتل ديكا.

و صاحب أعرابي امرأة فقال لها: و اللّه إنك لمشرفة الأذنين، جاحظة العينين، ذات خلق متضائل، يعجبك الباطل، إن شبعت بطرت، و إن جعت صخبت، و إن رأيت حسنا دفنتيه، و إن رأيت سيئا أذعتيه؛ تكرمين من حقرك، و تحقرين من أكرمك.

و هجا أعرابي امرأته فقال:

يا بكر حوّاء من الأولاد # و أمّ آلاف من العباد

عمرك ممدود إلى التّنادي # فحدّثينا بحديث عاد

____________

(1) سلامي: عظام الغرسن (الغرسن من البعير بمنزلة الحافر من الخيل) .

(2) يثقب: يوقد.

(3) الدبّة: واحدة الدب، و هو الفرع.

(4) عفرية الديك: ريش عنقه.

46

و العهد من فرعون ذي الأوتاد # يا أقدم العالم في الميلاد

إني من شخصك في جهاد

في عجوز:

و قال أعرابي في امرأة تزوجها، و قد خطبها شابة طرية و دسّوا إليه عجوزا:

عجوز ترجّي أن تكون فتيّة # و قد نحل الجنبان و احدودب الظّهر

تدسّ إلى العطّار سلعة أهلها # و هل يصلح العطار ما أفسد الدهر (1)

تزوجتها قبل المحاق بليلة # فكان محاقا كله ذلك الشهر

و ما غرّني إلا خضاب بكفّها # و كحل بعينيها و أثوابها الصّفر

و قال فيها:

و لا تستطيع الكحل من ضيق عينها # فإن عالجته صار فوق المحاجر

و في حاجبيها حزّة كغرارة # فإن حلقا كانا ثلاث غرائر (2)

و ثديان أمّا واحد فهو مزود # و آخر فيه قربة للمسافر (3)

و قال فيها:

لها جسم برغوث و ساقا بعوضة # و وجه كوجه القرد بل هو أقبح

و تبرق عيناها إذا ما رأيتها # و تعبس في وجه الضّجيع و تكلح

لها مضحك كالحشّ تحسب أنها # إذا ضحكت في أوجه القوم تسلح‏ (4)

و تفتح-لا كانت-فما لو رأيته # توهّمته بابا من النار يفتح

إذا عاين الشيطان صورة وجهها # تعوّذ منها حين يمسي و يصبح‏

و قال أعرابي في سوداء:

كأنها و الكحل في مرودها # تكحل عينيها ببعض جلدها

____________

(1) يريد بالسلعة: الدقيق و ما اشبه ذلك.

(2) الغرارة: الجوالق.

(3) المزود: وعاء يحمل فيه الزاد.

(4) الحش: الدبر و المخرج.

47

و قال فيها:

أشبهك المسك و أشبهته # قائمة في لونه قاعدة

لا شكّ إذ لونكما واحد # أنكما من طينة واحده‏

و قال كثيّر في نصيب بن رباح، و كان أسود:

رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا # و لون أبي الحجناء لون البهائم

تراه على ما لاحه من سواده # و إن كان مظلوما له وجه ظالم‏ (1)

أعرابي و عامل:

و قال رجل من العمال لأعرابي: ما أحسبك تعرف كم تصلي في كل يوم و ليلة! فقال له: فإن عرفت أ تجعل لي على نفسك مسألة؟قال: نعم. قال:

إنّ الصلاة أربع و أربع # ثم ثلاث بعدهنّ أربع

ثم صلاة الفجر لا تضيّع‏

قال: صدقت، هات مسألتك؟قاله له: كم فقار ظهرك؟قال: لا أدري. قال:

فتحكم بين الناس و تجهل هذا من نفسك؟

قولهم في الغزل لبعض الأعراب:

ذكر أعرابي امرأة فقال: لها جلد من لؤلؤ مع رائحة المسك، و في كل عضو منها شمس طالعة.

و ذكر أعرابي امرأة، فقال: كاد الغزال أن يكونها لو لا ما تم منها و ما نقص منه.

و قال أعرابي في امرأة ودّعها للمسير: و اللّه ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد (2)

على ديباجة خدّ، أحسن من عبرة أمطرتها عينها فأعشب لها قلبي.

____________

(1) لاحه: غيره.

(2) الإثمد: عنصر معدني يكتحل به.

48

قال: سمعت أعرابيا يقول: إن لي قلبا مروعا، و عينا دموعا؛ فما ذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه، مع أن داءهما، دواؤهما، و سقمهما شفاؤهما؟ و قال أعرابي: دخلت البصرة، فرأيت أعينا دعجا، و حواجب زجّا (1) ، يسحبن الثياب، و يسلبن الألباب.

و ذكر أعرابي امرأة فقال: خلوت بها ليلة يزينها القمر، فلما غاب أرتنيه قلت له:

فما جرى بينكما؟فقال: أقرب ما أحل اللّه مما حرّم الإشارة بغير باس، و التقرب من غير مساس.

و ذكر أعرابي امرأة فقال: هي أحسن من السماء، و أطيب من الماء.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، و فطام النفس عن الصبا؛ و لقد تقطعت كبدي للعاشقين. لوم العاذلين قرطة (2) في آذانهم، و لوعات الحب جبرات على أبدانهم، مع دموع على المغاني، كغروب السواني‏ (3) .

و ذكر أعرابي امرأة فقال: لقد نعمت عين نظرت إليها، و شفي قلب تفجع عليها؛ و لقد كنت أزورها عند أهلها؛ فيرحب بي طرفها، و يتجهّمني لسانها. قيل له: فما بلغ من حبك لها؟قال: إني ذاكر لها و بيني و بينها عدوة الطائر، فأجد لذكرها ريح المسك.

و ذكر أعرابي نسوة خرجن متنزهات، فقال: وجوه كالدنانير، و أعناق كأعناق اليعافير (4) ، و أوساط كأوساط الزنابير، أقبلن إلينا بحجول تخفق، و أوشحة تعلق، و كم أسير لهنّ و كم مطلق.

قال: و سمعت أعرابيا يقول اتبعت فلانة إلى طرابلس الشام؛ و الحريص جاحد،

____________

(1) الزج: الدقيقة.

(2) قرطة: جمع قرط.

(3) الغروب: جمع غرب، و هو الدلو؛ و السواني: جمع سانية، و هي ما سقي عليه من بعير و غيره.

(4) اليعافير: جمع يعفور، و هو ولد البقرة الوحشية.

49

و المضل ناشد؛ و لو خضت إليها النار ما ألمتها.

قال: و سمعت أعرابيا يقول: الهوى هوان و لكن غلط باسمه، و إنما يعرف من يقول، من أبكته المنازل و الطول.

و قال أعرابي: كنت في شباب أعضّ على الملام، عضّ الجواد على اللجام، حتى أخذ الشيب بعنان شبابي.

و ذكر أعرابي امرأة فقال: إن لساني لذكرها لذلول، و إن حبّها لقلبي لقتول، و إن قصير الليل بها ليطول.

وصف أعرابي نساء ببلاغة و جمال، فقال: كلامهنّ أقتل من النبل، و أوقع بالقلب من الوبل بالمحل؛ فروعهنّ أحسن من فروع النخل.

و نظر أعرابي إلى امرأة حسناء جميلة تسمى ذلفاء، و معها صبي يبكي، فكلما بكى قبلته؛ فأنشأ يقول:

يا ليتني كنت صبيّا مرضعا # تحملني الذّلفاء حولا أكتعا (1)

إذا بكيت قبّلتني أربعا # فلا أزال الدهر أبكى أجمعا

و أنشد أبو الحسن علي بن عبد العزيز بمكة لأعرابي:

جارية في سفوان دارها # تمشي الهوينا مائلا خمارها (2)

قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # يطير من غلمتها إزارها (3)

العتبي قال: وصف أعرابي امرأة حسناء، فقال: تبسم عن خمش اللثات‏ (4) ، كأفاحي النبات، فالسعيد من ذاقه، و الشقي من راقه.

و قال العتبي: خرجت ليلة حين انحدرت النجوم و شالت أرجلها؛ فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها علم، فجعلت أغازلها، فقالت: يا هذا، أمالك ناه من كرم، إن لم يكن لك زاجر من عقل!قلت: و اللّه ما يراني إلا

____________

(1) حولا أكتع، أي تاما.

(2) سفوان: ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة.

(3) المعصر: التي قد بلغت عصر شبابها و أدركت.

(4) لثة خمشة: حسنة دقيقة.

50

الكواكب. قالت: فأين مكوكبها.

ذكر أعرابي امرأة فقال: هي السقيم الذي لا برء معه، و البرء الذي لا سقم معه؛ و هي أقرب من الحشا، و أبعد من السماء.

و قال أعرابي و قد نظر إلى جارية بالبصرة في مأتم:

بصريّة لم تبصر العين مثلها # غدت ببياض في ثياب سواد

غدوت إلى الصحراء تبكين هالكا # فأهلكت حيا، كنت أشأم عاد!

فيا ربّ خذ لي رحمة من فؤادها # و حل بين عينيها و بين فؤادي‏

و قال في جارية ودّعها:

مالت تودّعني و الدمع يغلبها # كما يميل نسيم الريح بالغصن

ثم استمرّت و قالت و هي باكية # يا ليت معرفتي إيّاك لم تكن‏

العتبي قال: أنشد أعرابي:

يا زين من ولدت حواء من ولد # لولاك لم تحسن الدنيا و لم تطب

أنت التي من أراه اللّه صورتها # نال الخلود فلم يهرم و لم يشب‏

و أنشد الرياشي لأعرابي:

من دمنة خلقت عيناك في هتن # فما يردّ البكا جهلا من الدّمن‏ (1)

ما كنت للقلب إلا فتنة عرضت # يا حبّذا أنت من معروضة الفتن

تسي‏ء سلمى و أجزيها به حسنا # فمن سواي يجازي السّوء بالحسن‏

قال و سمعت أعرابيا يصف امرأة؛ فقال: بيضاء جعدة (2) ، لا يمس الثوب منها إلا مشاشة (3) كتفيها، و حلمتي ثدييها، و رضفتي‏ (4) ركبتيها، و رانفتي‏ (5) أليتيها:

و أنشد:

____________

(1) الهتن: الانصباب.

(2) جعدة، أي غير مسترخية و لا مضطربة.

(3) المشاشة: رأس العظم الممكن المضغ.

(4) الرضفة: واحدة الرضف، و هي عظام في الركبة.

(5) رانفة الألية: اسفلها اذا كانت قائمة.

51

أبت الرّوادف و الثّديّ لقمصها # مسّ البطون و أن تمسّ ظهورا

و إذا الرّياح مع العشيّ تناوحت # نبّهن حاسدة و هجن غيورا

و قال أعرابي: ليت فلانة حظي من أملي، و لرب يوم سرته إليها حتى قبض الليل بصري دونها؛ و إن من كلام النساء فقال: تلك شمس باهت الأرض شمس سمائها، و ليس لي شفيع في اقتضائها، و إن نفسي لكتوم لدائها، و لكنها تفيض عند امتلائها.

أخذ هذا المعنى حبيب فقال:

و يا شمس أرضيها التي تم نورها # فباهت بها الأرضون شمس سمائها

شكوت و ما الشّكوى لمثلي عادة # و لكن تفيض النّفس عند امتلائها.

و قيل لأعرابي: ما بال الحب اليوم على غير ما كان عليه قبل اليوم؟قال: نعم، كان الحب في القلب فانتقل إلى المعدة؛ إن أطعمته شيئا أحبها، و إلا فلا: كان الرجل يحب المرأة، يطيف بدارها حولا، و يفرح إن رأى من رآها، و إن ظفر منها بمجلس تشاكيا و تناشدا الأشعار؛ و إنه اليوم يشير إليها و تشير إليه، و يعدها و تعده فإذا اجتمعا لم يشكوا حبا، و لم ينشدا شعرا، و لكن يرفع رجليها و يطلب الولد.

و قال أعرابي:

شكوت!فقالت: كلّ هذا تبرّما # بحبي!أراح اللّه قلبك من حبّي

فلمّا كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما # صبرت!و ما هذا بفعل شجي القلب!

و أدنو فتقصيني، فأبعد طالبا # رضاها، فتعتدّ التّباعد من ذنبي

فشكواي تؤذيها، و صبري يسوؤها # و تجزع من بعدي، و تنفر من قربي

فيا قوم هل من حيلة تعلمونها # أشيروا بها و استوجبوا الشّكر من ربي‏

52

قولهم في الخيل‏

الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع‏ (1) ، كأنّ هواديها (2) أعلام. و آذانها أطراف أقلام؛ و فرسانها أسود آجام.

أخذ هذا المعنى عدي بن الرقاع فقال:

يخرجن من فرجات النقع دامية # كأنّ آذانها أطراف أقلام‏

و قال أعرابي: خرجنا حفاة حين انتعل كلّ شي‏ء بظلّه، و ما زادنا إلا التوكل و لا مطايانا إلا الأرجل؛ حتى لحقنا القوم.

و ذكر أعرابي فرسا و سرعته؛ فقال: لما خرجت الخيل أقبل شيطانا في أشطان، فلما أرسلت لمع لمع البرق؛ فكان أقربها (3)

إليه الذي تقع عينه‏[من بعد]عليه.

و قال أعرابي في فرس الأعور السلمي:

مرّ كلمع البرق سام ناظره # يسبح أولاه و يطفو آخره

فما يمسّ الأرض منه حافره‏

سئل أعرابي عن سوابق الخيل، فقال: الذي إذا مشى ردى‏ (4) ، و إذا عدا دحا (5) ؛ و إذا استقبل أقعى، و إذا استدبر جبّى‏ (6) ، و إذا اعترض استوى.

و ذكر أعرابي خيلا؛ فقال: و اللّه ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه، و لا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه.

و قال أعرابي: خرجت على فرس يختال اختيال النّشوان، نسوف للحزام؛ مهارش للجام؛ فما متع‏ (7) النهار حتى أمتعنا برف و رفاهة.

____________

(1) النقع: الغبار الساطع.

(2) هواديها: أعناقها.

(3) أقربها، أي أقرب الخيل.

(4) الرديان: أن يرجم الأرض رجما، بين المشي الشديد و العدو.

(5) دحا دحوا، أي رمى الفرس في سيره بيديه لا يرفع سنبكه عن الأرض.

(6) جبى: انكب على وجهه.

(7) متع النهار: ارتفع و بلغ غاية ارتفاعه قبل الزوال.