العقد الفريد - ج8

- ابن عبد ربه المزيد...
172 /
3

الجزء الثامن‏

كتاب الفريدة الثانية في الطعام و الشراب‏

قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه: قد مضى في بيان طبائع الإنسان و سائر الحيوان و النتف.

و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في الطعام و الشراب اللذين بهما تنمو الفراسة و هما قوام الأبدان، و عليهما بقاء الأرواح.

قال المسيح عليه الصلاة و السلام في الماء: هذا أبي. و في الخبز: هذا أمي. يريد أنهما يغذيان الأبدان كما يغذيهما الأبوان.

و هذا الكتاب جزءان: جزء في الطعام، و جزء في الشراب.

فالذي في الطعام منهما متقصّ جميع ما يتم و يتصرف به أغذية الطعام من المنافع و المضار، و تعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أقواته و ضروب حالاته، و اختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة و ما لا يكظّها، فقد جعل اللّه لكل شي‏ء قدرا.

و الذي في الشراب منهما مشتمل على صنوف الأشربة، و ما اختلف الناس فيه في الأنبذة (1) ، و محمود ذلك و مذمومه، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون، و قد وضعنا لكل شي‏ء من ذلك بابا فيحتاط كل رجل لنفسه بمبلغ تحصيله، و منتهى نظره؛ فإن الرائد لا يكذب أهله.

____________

(1) الأنبذة: جمع النبيذ، و هو شراب مسكر يتخذ من عصير العنب او الثمر او غيرهما.

4

أطعمة العرب

الوشيقة من اللحم: و هو أن يغلى إغلاءة ثم يرفع، يقال منه: وشقت أشق وشقا.

قال الحسن بن هانئ:

حتى رفعنا قدرنا بضرامها # و اللّحم بين موذّم و موشّق‏ (1)

و الصفيف مثله، و يقال هو القديد، يقال: صففته أصفه صفّا.

و الربيكة: شي‏ء يطبخ من برّ و تمر، و يقال منه: ربكته أربكه ربكا.

و البسيسة: كلّ شي‏ء خلطته بغيره، مثل السويق بالأقط، ثم تلته بالسمن أو بالزيت؛ أو مثل الشعير بالنوى للإبل، و يقال: بسسته أبسّه بسّا.

و العبيثة (بالعين غير معجمة) طعم يطبخ و يجعل فيه جراد؛ و هو الغثيمة أيضا.

و البغيث و الغليث: الطعام المخلوط بالشعير؛ فإذا كان فيه الزّؤان فهو المغلوث.

و البكيلة، و البكالة جميعا: و هي الدقيق يخلط بالسويق ثم يبل بماء أو سمن أو زيت، يقال: بكلته أبكله بكلا.

و الفريقة: شي‏ء يعمل من اللبن.

فإذا قطعت اللحم صغارا قلت: كتّفته تكتيفا.

أبو زيد قال: إذا جعلت اللحم على الجمر قلت: حسحسته، و هو أن تقشر عنه الرماد بعد أن يخرج من الجمر؛ فإذا أدخلته النار و لم تبالغ في طبخه قلت: ضهّبته و هو مضهّب.

و المضيرة: سميت بذلك لأنها طبخت باللبن الماضر، و هو الحامض. و الهريسة، لانها تهرس. و العصيدة (2) ، لأنها تعصد. و اللفيتة لأنها تلفت.

____________

(1) الموذم: المقطع‏

(2) العصيدة: دقيق يلت بالسمن و يطبخ.

5

و الفالوذ-و هو السرطراط، و من أسماء الفالوذ أيضا: السريط-لأنه يسترط، مثل يزدرد؛ و يقال: لا تكن حلوا فتسترط (1) ، و لا مرّا فتعقي. يقال: أعقى الشي‏ء:

اشتدت مرارته.

الرغيدة: اللبن الحليب يغلى ثم يذرّ عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقا.

الحريرة: الحساء من الدسم و الدقيق.

و السخينة: حساء كانت تعمله قريش في الجاهلية فسميت به، قال حسان:

زعمت سخينة أن ستغلب ربّها # و ليغلبن مغالب الغلاّب‏

و العكيس: الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب. قال منظور الأسدي:

و لما سقيناها العكيس تمذّحت # خواصرها و ازداد رشحا وريدها (2)

أسماء الطعام

الوليمة: طعام العرس. و النّقيعة: طعام الإملاك‏ (3) . و الإعذار: طعام الختان و الخرس: طعام الولادة. و العقيقة: طعام سابع الولادة. و النقيعة: طعام يصنع عند قدوم الرجل من سفره، و يقال: أنقعت إنقاعا. و الوكيرة: طعام يصنع عند البناء يبنيه الرجل في داره. و المأدبة: كل طعام يصنع لدعوة، يقال: آدبت أودب إيدابا، و أدبت أدبا، قال طرفة:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى # لا ترى الآدب فينا ينتقر

الآدب: صاحب المأدبة. و الجفلى: دعوة العامة. و النّقرى: دعوة الخاصة.

و السّلفة: طعام يعلل به قبل الغداء.

و القفيّ: الطعام الذي يكرم به الرجل يقال منه: قفوته فأنا أقفوه قفوا؛ و القفاوة:

ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:

____________

(1) يقال: استرط الطعام في حلقه: أي سار فيه سيرا سهلا.

(2) تمذّحت خواصرها: انتفخت.

(3) الاملاك: التزويج.

6

و نقفي وليد الحيّ إن كان جائعا # و نحسبه إن كان ليس بجائع‏ (1)

صفة الطعام و فضله

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «أكرموا الخبز، فإن اللّه سخر له السموات و الأرض، و كلوا سقط (2) المائدة» .

و قال الحسن البصري: ليس في الطعام سرف. و تلا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا (3) .

و قال الاصمعي: الكبادات أربع: العصيدة، و الهريسة، و الحيس، و السّميذ.

أبو حاتم: و السويق طعام المسافر، و العجلان، و المريض، و النفساء، و طعام من لا يشتهي الطعام.

أبو خالد عن الأصمعي قال: قال أبو صوارة: الأرز الأبيض بالسمن المسلي و السكر الطّبرزذ (4) ، ليس من طعام أهل الدنيا! و قال مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أكل الخبيص يزيد في الدماغ.

و قال الحسن لفرقد: بلغني أنك لا تأكل الفالوذج. قال: يا أبا سعد، أخاف أن لا أؤدي شكره!قال: يا لكع!و هل تؤدي شكر الماء البارد في الصيف و الحار في الشتاء؟أ ما سمعت قول اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ (5) .

____________

(1) نحسبه: نعطيه حتى يقول حسبي.

(2) السقط: ما يسقط و لا يعتد به.

(3) سورة المائدة الآية 93.

(4) الطبرزذ: السكر كأنه نحت من نواحيه بفأس.

(5) سورة البقرة الآية 267

7

و سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج، فقال: لباب البرّ بلعاب النحل بخالص السمن؛ ما عاب هذا مسلم! و قال رجل في مجلس الأحنف: ما شي‏ء أبغض إليّ من الزبد و الكمأة (1) . فقال الاحنف: ربّ ملوم لا ذنب له.

و قيل لشريح القاضي: أيهما أطيب. اللوزينق أو الجوزينق؟فقال: لا أحكم على غائب.

ولد لعبد الرحمن بن أبي ليلى مولود فصنع الأخبصة، و دعا الناس، و فيهم مساور الورّاق، فلما أكلوا قال مساور الورّاق:

من لم يدسّم بالثريد سبالنا # بعد الخبيص فلا هناه الفارس‏

الرقاشي قال: أخبرنا أبو هفان أن رقبة بن مصقلة طرح نفسه بقرب حماد الراوية في المسجد، فقال له حماد: مالك؟قال صريع فالوذج. قال له حماد: عند من؟فطالما كنت صريع سمك مملوح خبيث!قال: عند من حكم في الفرقة و فصل في الجماعة قال: و ما أكلت عنده؟قال: أتانا بالأبيض المنضود، و الملوز المعقود، و الذليل الرعديد، و الماضي المودود.

طعام عبد الأعلى‏

محمد بن سلام الجمحي قال: قال بلال بن أبي بردة و هو أمير على البصرة للجارود ابن أبي سبرة الهذلي: أ تحضر طعام هذا الشيخ؟يعني عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر؟ قال: نعم. قال: فصفه لي. قال: نأتيه فنجده متصبّحا (2) -يعني نائما-فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن لنا فنساقطه الحديث؛ فإن حدثناه أحسن الاستماع، و إن حدثنا أحسن الحديث؛ ثم يدعو بمائدته، و قد تقدّم إلى جواريه و أمهات أولاده أن لا تلطفه واحدة

____________

(1) الكمأة: جمع الكم‏ء: فطر من الفصيلة الكمئية، تجنى من الارض و تؤكل مطبوخة، و يختلف حجمها بحسب الانواع.

(2) التصبح: النوم بالغداة.

8

منهن إلا إذا وضعت مائدته؛ ثم يقبل خبازه فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك اليوم؟فيقول: عندي كذا، عندي كذا... فيعدد كل ما عنده، و يصفه؛ يريد بذلك أن يحبس كلّ رجل نفسه و شهوته على ما يريد من الطعام، و تقبل الألطاف من هاهنا و هاهنا، و توضع على المائدة؛ ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من العراق‏ (1) ؛ فنأكل معه، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه ثم استأنف الأكل معهم. فقال‏[ابن‏]أبي بردة: للََّه درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.

و حضر أعرابيّ طعام عبد الأعلى، فلما وقف الخباز بين يديه و وصف ما عنده قال:

أصلحك اللّه، أ تأمر غلامك يسقيني ماء، فقد شبعت من وصف هذا الخباز! و قال له عبد الأعلى يوما: ما تقول يا أعرابي، لو أمرت الطباخ فعمل لون كذا، و لون كذا؟قال: أصلحك اللّه، لو كانت هذه الصفة في القرآن لكانت موضع سجود.

الفرزدق و ابن الحصين‏

أبو عبيدة قال: مر الفرزدق بيحيى‏[بن الحصين‏]بن المنذر الرقاشي فقال له: هل لك أبا فراس في جدي رضيع، و نبيذ من شراب الزبيب؟قال: و هل يأبى هذا إلا ابن المراغة (2) .

و قال الأحوص لجرير لما قدم المدينة. ما ذا ترى أن نعدّ لك؟قال: شواء و طلاء (3) و غناء. قال: قد أعدّ لك.

و قال مساور الورّاق في وصف الطعام:

اسمع بنعتي للملوك و لا تكن # فيما سمعت كميّت الأحياء

إنّ الملوك لهم طعام طيب # يستأثرون به على الفقراء

____________

(1) العراق: جمع العرق، و هي القدرة من اللحم.

(2) المراغة: الأتان.

(3) الطلاء: ما يطبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه.

9

إني نعتّ لذيذ عيشي كلّه # و العيش ليس لذيذه بسواء

ثم اختصصت من اللذيذ و عيشه # صفة الطعام لشهوة الحلواء

فبدأت بالعسل الشديد بياضه # شهد تباكره بماء سماء

إني سمعت لقول ربك فيهما # فجمعت بين مبارك و شفاء

أيام أنت هناك بين عصابة # حضروا ليوم تنعّم أكفاء

لا ينطقون إذا جلست إليهم # فيما يكون بلفظة عوراء (1)

متنسمين رياح كلّ هبوبة # بين النخيل بغرفة فيحاء (2)

فقعدت ثم دعوت لي بمبذرق # متشمّر يسعى بغير رداء (3)

قد لفّ كمّيه على عضلاته # قلص القميص مشمّر سعّاء

فأتى بخبز كالملاء منقّط # فبناه فوق أخاون الشّيزاء (4)

حتى ملاها ثم ترجم عندها # بالفارسيّة داعيا بوحاء (5)

فإذا القصاع من الخلنج لديهم # تبدو جوانبها مع الوصفاء

ارفع وضع و هنا و هاك و هاهنا # قصف الملوك و نهمة القرّاء

يؤتون ثمّ بلون كلّ طريفة # قد خالفته موائد الخلفاء

من كلّ فرنيّ و جدي راضع # و دجاجة مربوبة عشواء

و مصوص درّاج كثير طيّب # و نواهض يؤتّى بهنّ شواء (6)

و ثريدة ملمومة قد سقّفت # من فوقها بأطايب الأعضاء

و تزيّنت بتوابل معلومة # و خبيصات كالجمان نقاء

هذا الثّريد و ما سواه تعلّل # ذهب الثريد بنهمتي و هوائي

و لقد كلفت بنعت جدي راضع # قد صنته شهرين بين رعاء

____________

(1) العوراء: القبيحة.

(2) الفيحاء: الواسعة.

(3) المبذرق: الخفير.

(4) الشيزى: خشب تعمل منه القصاع.

(5) الوحاء: السرعة.

(6) المصوص: لحم ينقع في الخل و يطبخ. و الدراج: ضرب من الطير. و النواهض: جمع ناهض: و هو فرخ الطير الذي استقل للنهوض.

10

قد نال من لبن كثير طيّب # حتى تفتّق من رضاع الشّاء

من كلّ أحمر لا يقر إذا ارتوى # من بين رقص دائم و نزاء (1)

متعكّن الجنبين صاف لونه # عبل القوائم من غذاء رخاء

فإذا مرضت فداوني بلحومها # إني وجدت لحومهنّ دوائي

ودع الطبيب و لا تثق بدوائه # ما حالفتك رواضع الأجداء

إنّ الطبيب إذا حباك بشربة # تركتك بين مخافة و رجاء

و إذا تنطع في دواء صديقه # لم يعد ما في جونة الرّقّاء (2)

نعت الطبيب هليلجا و بليلجا # و نعتّ غيرهما من الأدواء (3)

رطب المشان مجزّعا يؤتى بها # و الرازقيّ فما هما بسواء (4)

و بنانيا زرقا كأنّ بطونها # قطع الثّلوج نقيّة الأمعاء (5)

ليست بآكلة الحشيش و لا التي # يبتاعها الخنّاق في الظلماء

باب آداب الأكل و الطعام

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «الأكل في السوق دناءة» .

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه و يشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله و يشرب بشماله» .

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «سمّوا إذا أكلتم، و احمدوا إذا فرغتم» . و كان يلعق أصابعه بعد الطعام.

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، و بعد الطعام ينفي اللمم» (6) .

و من الأدب في الوضوء أن يبدأ صاحب البيت فيغسل يده قبل الطعام و يتقدم أصحابه الى الطعام.

____________

(1) النزاء: الوثب.

(2) الجونة: السلة.

(3) الاهليلج: ثمرة شجرة هندية.

(4) المشان: ضرب من اجود التمر. و الرازقي ضرب من العنب.

(5) البناني: نوع من السمك.

(6) الجنون.

11

و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، و طعام الثلاثة كافي الأربعة» .

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «أملكوا (1) العجين فإنه أحد الرّيعين» (2) .

و كان فرقد يقول لأصحابه: إذا أكلتم فشدّوا الأزر على أوساطكم، و صغّروا اللقم، و شدّدوا المضغ، و مصوا الماء[مصّا]، و لا يحل أحدكم إزاره فيتسع معاه، و ليأكل كلّ واحد من بين يديه.

و قالوا: كان ابن هبيرة يباكر الغداء؛ فسئل عن ذلك، فقال: إن فيه ثلاث خصال: أما الواحدة فإنه ينشف المرّة، و الثانية أنه يطيّب النكهة و الثالثة: أنه يعين على المروءة: قيل: و كيف يعين على المروءة؟قال: إذا خرجت من بيتي و قد تغديت لم أتطلع إلى طعام أحد من الناس.

البطنة و قولهم فيها

قالوا: البطنة تذهب الفطنة.

و قال مسلمة بن عبد الملك لملك الروم: ما تعدّون الأحمق فيكم؟قال الذي يملأ بطنه من كل ما وجد.

و حضر أبو بكرة سفرة معاوية، و معه ولده عبد الرحمن، فرآه يلتقم لقما شديدا؛ فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة، فقال له معاوية: ما فعل ابنك التلقامة (3) ؟قال:

اعتل، قال: مثله لا يعدم العلة.

و رأى أبو الأسود الدؤلي رجلا يلقم لقما منكرا، فقال‏[له‏]: كيف اسمك؟ قال: لقمان. قال: صدق الذي سماك! و رأى أعرابيّ رجلا سمينا، فقال له: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك!

____________

(1) ملك العجين: انعم عجنه.

(2) الريع: الزيادة.

(3) التلقامة: العظيم اللقم.

12

و قعد أعرابي على مائدة المغيرة، فجعل ينهش و يتعرّق، فقال المغيرة: يا غلام ناوله سكينا، قال الاعرابي: كل امرئ سكينه‏ (1) في رأسه.

لأعرابي‏

قال أعرابيّ: كنت أشتهى ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين‏[من اللحم، لها جناحان‏]من العراق: فأضرب فيها كما يضرب وليّ السوء في مال اليتيم! و قال أعرابي:

ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا # و خيلا من البرني فرسانها الزّبد (2)

فأطلب فيما بينهنّ شهادة # بموت كريم لا يعدّ له لحد

و اصطحب شيخ و حدّث من الأعراب في سفر، و كان لهما قرص في كل يوم و كان الشيخ مخلع الأضراس، و كان الحدث يبطش بالقرص و يقعد يشكو العشق، و الشيخ يتضوّر جوعا؛ و كان الحدث يسمى جعفرا، فقال الشيخ فيه:

لقد رابنى من جعفر أنّ جعفرا # يطيش بقرصي ثمّ يبكي على جمل

فقلت له لو مسّك الحبّ لم تبت # بطينا و نسّاك الهوى شدّة الأكل‏

الأصمعي قال: تقول العرب في الرجل الأكول: إنه برم قرون.

البرم: الذي يأكل مع الجماعة و لا يجعل شيئا. و القرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين و يأكل أصحابه تمرة تمرة. و قد نهى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم عن القران.

و كان عبد اللّه بن الزبير: إذا قدم التمر إلى أصحابه‏[قال‏]: قال عبد اللّه بن عمر:

إياكم و القرآن، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم نهى عنه.

و قيل لميسرة الأكول: كم تأكل كلّ يوم؟قال: من مالي أو من مالي غيري؟قيل

____________

(1) يريد اسنانه.

(2) البرني: ضرب من اجود التمر.

13

له: من مالك. قال مكّوك‏ (1) . قيل: فمن مال غيرك؟قال: اخبزوا و اطرحوا! و قال رجل من العراق في قينة حفص الكاتب:

قيينة حفص ويلها # فيها خصال عشره

أوّلها أنّ لها # وجها قبيح المنظرة

و دارها في وهدة # أوسع منها القنطره

تأكل في قعدتها # ثورا و تخرى بقره‏

قال تأبّط شرا: ما أحببت شيئا قطّ حبي ثلاثة: أكل اللحم، و ركوب اللحم، و حكّ اللحم باللحم.

و قال أبو اليقظان: كان هلال بن الأسعر التميمي أكولا، فيزعمون أنه أكل فصيلا و أكلت امرأته فصيلا؛ فلما أراد أن يجامعها لم يصل إليها، فقالت له: و كيف تصل إليّ و بيني و بينك بعيران! و كان الواثق، و اسمه هارون بن محمد بن هارون، أكولا، و كان مفتونا بحب الباذنجان، و كان يأكل في أكلة واحدة أربعين باذنجانة؛ فأوصى إليه أبوه، و كان وليّ عهده: ويلك!متى رأيت خليفة أعمى؟فقال للرسول: أعلم أمير المؤمنين أني تصدقت بعينيّ جميعا على الباذنجان!

نهم سليمان بن عبد الملك‏

و كان سليمان بن عبد الملك من الأكلة، حدث عنه العتبي عن أبيه عن الشمرد وكيل عمرو بن العاص قال: لما قدم سليمان الطائف، دخل هو و عمر بن عبد العزيز و أيوب ابنه بستانا لعمرو بن العاص، فجال فيه ساعة، ثم قال: ناهيكم بمالكم هذا مالا!ثم ألقى صدره على غصن، و قال: ويلك يا شمردل ما عندك شي‏ء تطعمني؟قال: بلى، إن عندي جديا كانت تغدو عليه بقرة و تروح أخرى. قال: عجل به. فأتيته به كأنه عكة سمن، فأكله و ما دعا عمر و لا ابنه، حتى إذا بقي الفخذ قال: هلم أبا حفص.

____________

(1) المكوك: صاع و نصف.

14

قال: إني صائم. فأتى عليه، ثم قال: ويلك يا شمردل!ما عندك شي‏ء تطعمني؟قال:

بلى و اللّه، عندي خمس دجاجات هنديات كأنهنّ رئلان‏ (1) النعام. قال: فأتيته بهن، فكأن يأخذ برجلي الدجاجة فيلقى عظامها نقية، حتى أتى عليهن؛ ثم قال: يا شمردل، ما عندك شي‏ء تطعمني؟قلت: بلى و اللََّه، إن عندي حريرة (2) كأنها قراضة الذهب.

فقال: عجل بها. فأتيته بعسّ يشيب فيه الرأس، فجعل يلاقيها بيده و يشرب؛ فلما فرغ تجشّأ، فكأنما صاح في جب، ثم قال: يا غلام، أفرغت من غذائي؟قال: نعم قال: و ما هو؟قال: ثمانون قدرا. قال: ائتني بها قدرا قدرا. قال: فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم، و أقلّ ما أكل لقمة؛ ثم مسح يده و استلقى على فراشه، ثم أذن للناس و وضعت المائدة و قعد فأكل مع الناس، فما أنكرت من أكله شيئا.

نهم مزرد

و قال الأصمعي: كنت يوما عند هارون الرشيد، فقدمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعي، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: حدثني بحديث مزرّد أخي الشماخ. قلت:

نعم يا أمير المؤمنين، إن مزردا كان رجلا جشعا نهما، و كانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه؛ و كان ذلك مما يضرّ به و يحفظه؛ فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها، و خلفت مزردا في بيتها و رحلها، فدخل الخيمة، فأخذ صاعين من دقيق، و صاعا من عجوة، و صاعا من سمن؛ فضرب بعضه ببعض فأكله، ثم أنشأ يقول:

و لما مضت أمّي تزور عيالها # أغرت على العكم الذي كان يمنع‏ (3)

خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة # إلى صاع سمن فوقه يتريّع

و دبّلت أمثال الأثافي كأنها # رءوس رخال قطّعت لا تجمّع‏ (4)

و قلت لبطني: أبشر اليوم إنه # حمى أمّنا مما تفيد و تجمع

____________

(1) الرئلان: جمع رأل، و هو فرخ النعام.

(2) حريرة: دقيق يطبخ بلبن او دسم.

(3) العكم: ما شد به المتاع و ربط.

(4) دبل اللقمة تدبيلا: كبرها. و الرخال: جمع رخل، و هي الانثى من ولد الضأن.

15

فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه # و إن كنت غرثانا فذا يوم تشبع‏ (1)

قال: فاستضحك هارون حتى أمسك بطنه و استلقى على ظهره، ثم قعد فمدّ يده و قال: خذ، فذا يوم تشبع يا أصمعي! و قال حميد الأرقط-و هو الذي هجا الأضياف-يصف أكل الضيف:

ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت # و بين أخرى تليها قيد أظفور

و قال أيضا:

تجهّز كفّاه و يحدر حلقه # إلى الزّور ما ضمّت عليه الانامل

أتانا و ما ساواه سحبان وائل # بيانا و علما بالذي هو قائل

فما زال عنه اللّقم حتى كأنه # من العيّ لمّا أن تكلّم باقل‏

و قال:

لا أبغض الضيف ما بي جلّ مأكله # إلا تنفّجه حولي إذا قعدا (2)

ما زال ينفخ جنبيه و حبوته # حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا (3)

و قال:

لا مرحبا بوجوه القوم إذ نزلوا # دسم العمائم تحكيها الشياطين

ألقيت جلّتنا شطرين بينهم # كأن أظفارهم فيها السكاكين

فأصبحوا و النّوى عالى معرّسهم # و ليس كلّ النوى تلقي المساكين‏ (4)

موت سليمان بن عبد الملك:

أبو الحسن المدائني قال: أقبل نصراني إلى سليمان بن عبد الملك، و هو بدابق، بسلّين، أحدهما مملوء بيضا، و الآخر مملوء تينا، فقال: اقشروا. فجعل يأكل بيضة و تينة حتى فرغ من السلين؛ ثم أتوه بقصعة مملوءة مخّا بسكر؛ فأكله، فأتخم و مرض فمات.

____________

(1) الغرثان: الجائع.

(2) التنفج: ارتفاع البطن.

(3) الحبوة: ما يحتبى به من ثوب و غيره.

(4) النوى: البعد.

16

عيب الحمية:

و الأكلة كلهم يعيبون الحمية، و يقولون، الحمية إحدى العلتين.

و قالوا: من احتمى فهو على يقين من المكروه و هو في شك من العافية! و قالوا: الحمية للصحيح ضارّة و للعليل نافعة.

الحمية و قولهم فيها

قيل لبقراط: مالك تقل الأكل جدا؟ قال: إني إنما آكل لأحيا، و غيري يحيا ليأكل! و أجمعت الأطباء على أن رأس الداء كلّه إدخال الطعام على الطعام.

و قالوا: احذروا إدخال اللحم على اللحم؛ فإنه ربما قتل السباع في القفر.

و أكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام.

و الحمية مأخوذة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: رأى صهيبا يأكل تمرا و به رمد، فقال «أ تأكل تمرا و أنت أرمد؟» .

و دخل على عليّ رضي اللّه عنه و هو عليل، و بيده عنقود عنب، فنزعه من يده.

و قال عليه الصلاة و السلام: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام و الشراب، فإن اللّه يطعمهم و يسقيهم» .

و قيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم‏ (1) .

يريد قلة الأكل، و منه قيل للحمية: الأزمة، و للكثير أزمات.

و قيل لآخر: ما أفضل الدواء؟ قال: أن ترفع يدك عن الطعام و أنت تشتهيه.

أبو الأشهب عن أبي الحسن قال: قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك إذا أكل طعاما كظّه‏ (2) حتى كاد أن يقتله.

قال: لو مات ما صليت عليه!

____________

(1) الأزم: الحمية.

(2) كظه الطعام: اصبح لا يكاد يطيق التنفس.

17

عبد الملك و مدعو إلى غدائه:

و دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء، فقال. ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين.

قال: لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، و لكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.

و قال الأحنف بن قيس: جنّبوا مجالسنا ذكر النساء و الطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لبطنه و فرجه.

و قيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع؛ ما ألقيت إليه من شي‏ء قبله.

و قال رجل من أهل الشام لرجل من أهل المدينة: عجبت منكم أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، و مجانينكم أظرف من مجانيننا! قال: أو تدري من أين ذلك؟ قال: لا أدري.

قال: من الجوع، أ لا ترى أن العود إنما صفا صوته لما خلا جوفه!

الثوري في ابنه:

و قال الجاحظ: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه و يقول له: إياك يا بنيّ و نهم الصبيان، و أخلاق النوائح، و نهش الأعراب؛ و كل مما يليك، و اعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهيّة، أو شي‏ء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظّم، أو للصبي المدلّل، و لست بواحد منهما، و قد قالوا: مد من اللحم كمد من الخمر.

أي بنيّ، عوّد نفسك الأثرة، و مجاهدة الهوى و الشهوة، و لا تنهش نهش السباع، و لا تخضم خضم البراذين، و لا تدمن الأكل إدمان النعاج، و لا تلقم لقم الجمال؛ فإن اللّه جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، و احذر سرعة الكظة، و سرف البطنة؛ فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ و اعلم أن الشّبع داعية البشم‏ (1) ، و البشم داعية السقم، و السقم داعية الموت؛ و من مات هذه الميتة فقد مات

____________

(1) البشم: التخمة.

18

ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، و قاتل نفسه ألأم من قاتل غيره.

أي بنيّ، و اللّه ما أدّى حقّ الركوع و السجود ذو كظة، و لا خشع للََّه ذو بطنة، و الصوم مصحّة، و الوجبات‏ (1) عيش الصالحين.

أي بنيّ، لأمر ما طالت أعمار الهند، و صحت أبدان العرب؛ و للََّه درّ الحارث بن كلدة إذ زعم أن الدواء هو الأزم، فالداء كله من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شي‏ء يجمع لك صحة البدن، و ذكاء الذهن، و صلاح الدين و الدنيا، و القرب من عيش الملائكة! أي بني، لم صار الضب أطول عمرا؟إلا لأنه يتبلغ بالنسيم؛ و لم قال الرسول عليه الصلاة و السلام: إن الصوم وجاء (2) ؟إلا لأنه جعله حجابا دون الشهوات؛ فافهم تأديب اللّه عز و جل، و تأديب رسوله عليه الصلاة و السلام.

أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغضت لي سنّ، و لا انتشر لي عصب، و لا عرفت ذنين‏ (3) أنف، و لا سيلان عين، و لا سلس بول؛ ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، و إن كنت تحب الموت فلا أبعد اللّه غيرك!

سياسة الأبدان بما يصلحها

الحجاج و طبيبه:

قال الحجاج بن يوسف للباذون طبيبه: صف لي صفة آخذ بها في نفسي و لا أعدوها.

قال له: لا تتزوّج من النساء إلا شابة. و لا تأكل من اللحم إلا فتيّا، و لا تأكله حتى تنعم طبخه، و لا تشرب دواء إلا من علة، و لا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، و لا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، و كل ما أحببت من الطعام و اشرب عليه، فإذا

____________

(1) الوجبة: اكلة واحدة في اليوم و الليلة.

(2) الوجاء: اي ان تدق عروق الخصيتين بين حجرين، و هما بحالهما.

(3) ذنين الانف: سيلان مخاطه.

19

شربت فلا تأكل و لا تحبس الغائط و لا البول، و إذا أكلت بالنهار فنم، و إذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام و لو مائة خطوة.

و سئل يهود خيبر: بم صححتم على وباء خيبر؟ قالوا: بأكل الثوم، و شرب الخمر، و سكنى اليفاع‏ (1) ، و تجنّب بطون الأودية و الخروج من خيبر عند طلوع النجم‏ (2) و عند سقوطه.

و قال قيصر لقس بن ساعدة: صف لي مقدار الأطعمة؛ فقال: الإمساك عن غاية الإكثار، و البقيا على البدن عند الشهوة. قال: فما أفضل الحكمة؟قال: معرفة الإنسان قدره. قال: فما أفضل العقل؟قال: وقوف الإنسان عند علمه.

عبد الملك و أبو الزعيزعة:

و سأل عبد الملك بن مروان أبا المفوز: هل أتخمت قط؟قال: لا. قال: و كيف ذلك؟قال: لأنّا إذا طبخنا أنضجنا، و إذا مضغنا دققنا، و لا نكظّ المعدة و لا نخليها.

و قيل لبزرجمهر: أي وقت فيه الطعام أصلح؟قال: أ ما لمن قدر فإذا جاع، و[أ ما]لمن لم يقدر فإذا وجد! و قال: أربع تهدم العمر و ربما قتلن: الحمّام على البطنة. و المجامعة على الامتلاء، و أكل القديد الجافّ، و شرب الماء البارد على الريق.

و قال إبراهيم النظام: ثلاثة أشياء تفسد العقل: طول النظر في المرآة، و الاستغراق في الضحك، و دوام النظر في البحر.

هارون و الأطباء:

الأصمعي قال: جمع هارون من الأطباء أربعة: عراقيا، و روميا، و هنديا، و يونانيا؛ فقال: ليصف لي كلّ واحد منكم الدواء الذي لا داء معه. فقال العراقي:

____________

(1) اليفاع: ما اشرف و علا من الارض.

(2) النجم هو الثريا.

20

الدواء الذي لا داء معه حبّ الرشاد الأبيض. و قال الهندي: الهليلج الأسود. و قال الرومي: الماء الحارّ، و قال اليوناني و كان أطبّهم: حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة، و الماء الحارّ يرخي المعدة، و الهليلج الأسود يرق المعدة؛ و لكن الدواء الذي لا داء معه: أن تقعد على الطعام و أنت تشتهيه.

تدبير الصحة

ثم نذكر بعد هذا من وصف الطعام و حالاته، و ما يدخل على الناس من ضروب آفاته، بابا في تدبير الصحة الذي لا تقوم الأبدان إلا به، و لا تنمّى النفوس إلا عليه.

و قد قال الشافعي: العلم علمان: علم الأديان، و علم الأبدان؛ و لم نجد بدّا-إذ كانت جملة هذه المطاعم التي بها نمو الغراسة (1) ، و عليها مدار الأغذية تضرّ في حالة و تنفع في أخرى-من ذكر ما ينفع منها و مقدار نفعه، و ما يضرّ منها و مبلغ ضرّه؛ و أن نحكم على كل ضرب منها بالأغلب عليه من طبائعه.

و قلما نجد شيئا ينفع في حالة إلا و هو ضار في الأخرى؛ أ لا ترى أن الغيث الذي جعله اللّه رحمة لخلقه، و حياة لأرضه، قد يكون منه السيول المهلكة، و الخراب المخيف؟و أن الرياح التي سخرها اللّه مبشرات بين يدي رحمته، قد أهلك بها قوما و انتقم من قوم؟و في هذا المعنى قال حبيب الطائي:

و لم تر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم تر ضرّا عند من ليس ينفع‏

قال خالد بن صفوان‏[يوما]لخادمه: أطعمنا جبنا، فإنه يشهّي الطعام، و يهيج المعدة، و هو حمض العرب. قال: ما عندنا منه شي‏ء. فقال: لا بأس عليك، فإنه يقدح‏ (2) الأسنان، و يشد البطن.

و لما كانت أبدان الناس دائبة التحلل، لما فيها من الحرارة الغريزية من داخل، و حرارة الهواء المحيط بها من خارج-احتاجت إلى أن يخلف عليها ما تحلل، و اضطرت لذلك إلى الأطعمة و الأشربة، و جعلت فيها قوة الشهوة ليعلم بها وقت

____________

(1) الغراسة: فسيل النخل.

(2) يقدح: يحدث فيها أكالا.

21

الحاجة منها إليها، و مقدار ما يتناول منها، و النوع الذي يحتاج إليه؛ و لأنه لا يخلف الشي‏ء الذي يتحلل و لا يقوم مقامه إلا مثله، و ليس تستطيع القوة التي تحيل الطعام و الشراب في بدن الإنسان أن تحيل إلا ما شاكل البدن و قاربه؛ فإذا كان هذا هكذا فلا بد لمن أراد حفظ الصحة أن يقصد لوجهين: أحدهما أن يدخل على البدن الأغذية الموافقة لما يتحلل منه، و الأخرى أن ينفي عنه ما يتولد فيه من فضول الأغذية.

ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية

و ينبغي لك أن تعرف اختلاف طبائع الأبدان و حالاتها، لتعرف بذلك موافقة كلّ نوع من الأطعمة لكل صنف من الناس؛ و ذلك أن الأغذية مختلفة؛ منها معتدلة، كالتي يتولد منها الدم الخالص النقيّ؛ و منها غير معتدلة، كالتي يتولد منها البلغم و المرّة الصفراء و السوداء و الرياح الغليظة؛ و منها لطيفة و منها غليظة؛ و منها ما يتولد عنه كيموس‏ (1) لزج و كيموس غير لزج؛ و منها ما له خاصة منفعة أو مضرة في بعض الأعضاء دون بعض.

و كذلك الأبدان أيضا، منها معتدل مستول عليه في طبيعته الدم الخالص النقي، و منها غير معتدل يغلب عليه البلغم أو إحدى المرّتين، و منها متخلخل سريع التحلل، و منها مستحصف‏ (2) عسر التحلل، و منها ما يكون في بعض أعضائها دون بعض؛ فقد يجب متى كان المستولي على البدن الدم النقي أن تكون أغذيته قصدا في قدرها، معتدلة في طبائعها؛ و متى كان الغالب عليه البلغم، فيجب أن تكون مسخنة، أو يغتذي بما يزيد في الحرارة و يقمع في الرطوبة؛ و متى كان الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي له أن يغتذي بالأغذية الحارة الرطبة؛ و متى كان الغالب عليه المرة الصفراء فيغتذي بالأغذية الباردة الرطبة، و متى كان بدنه مستحصفا (3) ، عسر التحلل فينبغي أن يغتذي بأغذية يسيرة لطيفة جافة، و متى كان متخلخلا فينبغي له أن يغتذي بأغذية لزجة، لكثرة ما يتحلل من البدن.

____________

(1) الكيموس: الخلط.

(2) مستحصف: مشتد.

(3) المستحصف: الذي خرج البثر في جلده.

22

فهذا التدبير ينبغي أن يلتزم، ما لم يكن في بعض أعضاء البدن ألم، فينبغي أن يستعمل النظر في الأغذية الموافقة للعضو الألم؛ لأنا ربما اضطررنا إلى استعمال ما يوافق العضو الألم، و إن كان مخالفا لسائر البدن؛ كما أنه لو كانت الكبد باردة ضيقة المجاري، احتجنا إلى استعمال الأغذية اللطيفة و تجنّب الأغذية الغليظة، و إن كان سائر البدن غير محتاج إليها لضعف أو نحافة؛ لئلا تحدث الغليظة في الكبد سددا؛ و ربما كانت الكبد حارة، فتحذر الأغذية الحلوة و إن احتاج إليها[البدن‏]لسرعة استحالتها إلى المرة الصفراء، و ربما كانت المعدة ضعيفة، فتحتاج إلى ما يقوّيها من الأغذية؛ و ربما كان يولد الطعام فيها بلغما، فتحتاج إلى ما يجلوه و يقطعه؛ و ربما كان يتولد فيها المرة الصفراء سريعا، فتحتاج إلى ما يقمع الصفراء و إلى تجنّب الأشياء المولدة لها؛ و ربما كان الطعام يبقى على رأس المعدة طافيا، فيستعمل الأغذية الغليظة الراسبة، ليثقل بثقلها إلى أسفل المعدة؛ و تأمره بحركة يسيرة بعد الطعام، لينحط الطعام عن رأس المعدة. و ربما كان فضل الطعام بطي‏ء الانحدار عن المعدة و الأمعاء، فتحتاج إلى ما يحدره و يلين البطن؛ و ربما كان رأس المعدة حارا قابلا للحار، فيتجنب الأغذية الحارة و إن احتاج إليها سائر البدن.

الحركة و النوم مع الطعام

و ينبغي ألا تقتصر على ما ذكرنا دون النظر في مقدار الحركة قبل الطعام، و النوم بعده؛ فمتى كانت الحركة قبل الطعام كثيرة غذيناه بأغذية غليظة لزجة إلى اليبس مما هي بطيئة التحلل، و لم نأمره بالحمية لقلة الحاجة إليها، و متى لم تكن قبل الطعام حركة، أو كانت يسيرة، فينبغي أن لا يقتصر على الحمية بقلة الطعام و لطافته، دون أن يستعين على تخفيف ما يتولد في البدن من الفضول باستفراغ الأدوية المسهلة، و بالحمّام، و بإخراج الدم؛ و متى كانت الحركة كافية استعملنا الأغذية المعتدلة في كثرتها، و قدر لطافتها و غلظها؛ و متى كان النوم بعد الطعام كثيرا احتجنا إلى استعمال أغذية كثيرة غزيرة بالغذاء، لطول الليل و كثرة النوم؛ و متى كان النوم قليلا احتجنا إلى الطعام الخفيف اللطيف، كالذي يغتذى به في الصيف، لقصر الليل و قلة النوم.

23

تقدير الطعام و ما يقدم منه و ما يؤخر

و يجب في الطعام أن يقدر فيه أربعة أنحاء:

أولها: ملاءمة الطعام لبدن المغتذي به في الوقت الذي يغتذي به فيه، كما ذكرنا أيضا أنه متى كان الغالب على البدن الحرارة احتاج إلى الأغذية الباردة، و متى كان الغالب عليه البرد احتاج إلى الأغذية الحارة، و متى كان معتدلا احتاج إلى الأغذية المعتدلة المشاكلة له.

و النحو الثاني: تقدير الطعام، بأن يكون على مقدار قوة الهضم، لأنه و إن كان في نفسه محمودا، و كان ملائما للبدن، و كان أكثر من قدر احتمال قوة الهضم، و لم يستحكم هضمه، تولد منه غذاء ردي‏ء.

و النحو الثالث: تقديم ما ينبغي أن يقدّم من الطعام، و تأخير ما ينبغي أن يؤخر منه؛ و مثل ذلك أنه ربما جمع الإنسان في أكلة واحدة طعاما يلين البطن و طعاما يحبسه، فإن هو قدم الملين و أتبعه الآخر، سهل انحدار الطعام منه: و متى قدم الطعام الحابس و أتبعه الملين، لم ينحدر و فسدا جميعا. و ذلك أن الملين حال فيما بينه و بين نزول الطعام الحابس، فبقي في المعدة بعد انهضامه، ففسد به الطعام الآخر. و متى كان الطعام الملين قبل الحابس انحدر الملين بعد انهضامه، و سهل الطريق لانحدار الحابس. و كذلك أيضا لو جمع أحد في أكلة واحدة طعاما سريع الانهضام و آخر بطي‏ء الانهضام، فينبغي له أن يقدّم البطي‏ء الانهضام و يتبعه السريع الانهضام، ليصير البطي‏ء الانهضام في قعر المعدة. لأن قعر المعدة أسخن، و هو أقوى على الهضم، لكثرة ما فيه من أجزاء اللحم المخالطة له، و أعلى المعدة عصبي بارد لطيف ضعيف الهضم، و لذلك إذا طفا الطعام على رأس المعدة لم ينهضم.

و النحو الرابع: أن يتناول الطعام الثاني بعد انحدار الأول و قد قدّم قبله حركة كافية و أتبعه بنوم كاف، استمراءه؛ و من أخذ الطعام و قد بقي في معدته أو أمعائه بقية من الطعام الأول غير منهضمة، فسد الطعام الثاني ببقية الأوّل.

24

باب الحركة و النوم مع الطعام

و من أكل الطعام بعد حركة كافية و أخذه على حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية قد اشتعلت. و من تناول طعاما من غير حركة و أخذه مع غير حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية خامدة بمنزلة النار الكامنة في الزناد.

و من أتبع الطعام بنوم، بطنت الحرارة الغريزية فيه فاجتمعت في باطن البدن فهضمت طعامه. و من أتبع الطعام بحركة، انحدر عن معدته غير منهضم و انبث في العروق غير مستحكم، فأحدث سددا و عللا في الكبد و الكلى و سائر الأعضاء.

و ربما كانت الأطعمة لضعف المعدة تطفو فيها و تصير في أعلاها، فلا تأمره بالنوم حتى ينحدر الطعام عن المعدة بعض الانحدار و يصير في قعر المعدة. و ربما أمرنا بحركة يسيرة كما ذكرنا آنفا، لانحدار الطعام عن المعدة بعض الانحدار.

و إن أكثر الشراب منع الطعام من الانهضام، لأنه يحول فيما بين جرم‏ (1) المعدة و بين الطعام، و إذا لم تلق المعدة الطعام لم تحله إلى مشاكلة البدن و موافقته، فيبقى فيها غير منهضم. فيجب لذلك على من أخذ الطعام أن يتناول معه من الشراب ما يسكن به حرّ العطش و يصبر على قدر احتماله من العطش، و يصبر حتى ينهضم، ثم يتناول بعد ذلك من الشراب ما أحب، فإنه بعد ذلك يعين على انحدار الطعام و ترقيقه لتنفيذه في المجاري الدّقاق.

و يجب أيضا أن يكون أخذه للطعام في وقت حركة الشهوة؛ و ذلك أنه إذا تحركت الشهوة و لم يبادر بأخذ الطعام، اجتذبت المعدة من فضول البدن ما إذا صار في المعدة أبطل الشهوة، و أفسد الطعام إذا خالطه.

الأوقات التي يصلح فيها الطعام

أجود الأوقات كلها للطعام الأوقات الباردة. لجمعها الحرارة في باطن البدن فأما الأوقات الحارة فينبغي أن يجتنب أخذ الطعام فيها، لأن حرارة الهواء تجذب الحرارة

____________

(1) الجرم: بكسر الجيم، الجسد، و بضمه، الذنب.

25

الباطنة الغريزية إلى ظاهر البدن و يخلو منها باطنه، فتضعف الحرارة في باطنه عن هضمه. فلذلك كانت القدماء تفضل العشاء على الغداء لما يلحق العشاء من اجتماع الحرارة على باطن البدن، لبرد الليل و النوم، و لأن الحرارة في النوم تبطئ، و يسخن باطن البدن و يبرد ظاهره. و اليقظة على خلاف ذلك، لأن الحرارة تنتشر في ظاهر البدن و تضعف في باطنه. و الذي يحتاج إلى كثرة الغذاء من الناس من كان الغالب على بدنه الحرارة، و كانت معدته لحرارتها سريعة الانهضام، و كانت كبده لحرارتها سريعة التوليد للمرة الصفراء؛ فلذلك يحتاج إلى الأطعمة الغليظة البطيئة الانهضام و يستمرئها، و يستمرئ لحم البقر و لا يستمرئ لحم الدجاج و ما أشبهه من الأطعمة الخفيفة.

و لا يصلح شي‏ء من هذه إلا في وقت تحرّك الشهوة، فإنه أفضل وقت يؤخذ فيه الطعام؛ و للعادة في هذا حظ عظيم. أ لا ترى أنه من اعتاد الغداء فتركه و اقتصر على العشاء عظم ضرر ذلك عليه؟و من كانت عادته أكلة واحدة فجعلها أكلتين لم يستمرئ طعامه، و من كانت عادته أن يجعل طعامه في وقت من الأوقات فنقله إلى غير ذلك الوقت أضر ذلك به، و إن كان قد نقله إلى وقت محمود؛ فيجب لذلك أن يتبع العادة إذا تقادمت فطالت، و إن كانت ليست بصواب، إذا لم يجد شيئا اضطره إلى نقله؛ لأن العادة طبيعة ثانية كما ذكر الحكيم أبقراط، فإن حدث شي‏ء يدعوه إلى الانتقال عنها فأوفق الأمور في ذلك أن ينقل عنها قليلا قليلا.

و للشهوة أيضا في استمراء الطعام أعظم الحظ؛ لأنها دليل على الموافقة و الملاءمة، فمتى كان طعامان متساويان في الجودة، و كانت شهوة المحتاج إليهما إلى أحدهما أميل، رأينا إيثار المشتهي على الآخر، لأنه أوفق للطبيعة، و أسهل عليها في الاستمراء. و متى كان أحدهما أجود من الآخر، و كانت شهوة المحتاج إليهما أميل إلى أردئهما. اخترناه على الأجود إذا لم نخف منه ضررا لكثير ما ينال منه من المنفعة، لقبول المعدة له و استمرائها إياه.

فقد بان أنه يحتاج في حال الأغذية و جودة تخير الأطعمة إلى معرفة اختلاف الطبائع و حالاتها؛ فقد بينت اختلاف طبائع الأبدان و حالاتها، و ما يجب على كل‏

26

واحدة منها من أنواع الأطعمة و الأشربة؛ و بقي أن نبين اختلاف قوى الأطعمة و الأشربة. و أن أصف أنواع الأغذية و أسمّى ما في كل صنف منها إن شاء اللّه تعالى.

الأطعمة اللطيفة

هي التي يتولد منها دم لطيف، فمنها لباب خبز الحنطة، و الحب المقشور، و لحم الفراريج، و لحم الدّراج‏ (1) و الطّهيوج‏ (2) و الحجل، و فراخ الحجل، و أجنحة الطيور، و ما لان لحمه من صغار السمك و لم تكن فيه لزوجة، و القرع، و الماش‏ (3) ؛ و ما أشبه.

و هذا الجنس من الأطعمة نافع لمن ليست له حركة و كانت الحرارة الغريزية في بدنه ضعيفة و لم يأمن أن يتولد في بدنه كيموس غليظ، أو يتولد في كبده أو طحاله سدد، أو في كلاه، أو في صدره، أو في دماغه، أو في شي‏ء من مفاصله من البلغم.

الاطعمة اللطيفة في نفسها الملطفة لغيرها

هي التي يكون ما يتولد منها لطيفا، و يلطّف ما يلقاه من الكيموس اللزج الغليظ في البدن.

و هذا الجنس من الأطعمة أربعة أصناف: صنف منها حلو لطيف لما فيه من قوة الجلاء، مثل: ماء الشعير، و البطيخ، و التين اليابس، و الجوز، و العسل و الفستق و ما يعمل منه من الناطف.

و هذا الجنس من منفعته من جنس الأول من الأطعمة اللطيفة، إلا أنه أبلغ في تلطيف البدن.

و الصنف الثاني حار، حرّيف، كالحرف، و الثوم، و الكراث، و الكرفس

____________

(1) الدرّاج: نوع من الطير يدرج في مشيه.

(2) الطيهوج: طائر، و هو ذكر السّلكان.

(3) الماش: حبّ، و هو معرب او مولّد.

27

و الكرنب، و الصّعتر، و النعنع، و الرازيانج، و الشرب الأصفر اللطيف العتيق الحار.

و هذا كله نافع لمن احتاج إلى فتح السدد التي في الكبد، و الطحال، و الصدر و الدماغ، و تقطيع البلغم و ترقيقه.

و لا ينبغي لأحد أن يكثر استعماله، لأنه يرقق الدم أولا و يصيره مائيا، فيقل لذلك غذاء البدن و يضعف، ثم إنه يسخن البدن سخونة مفرطة، فيصير أكثره مرة صفراء، ثم إنه بعد ذلك إذا تمادى مستعمله في استعماله حلل لطيف الدم و ترك غليظه، فصار أكثره مرة سوداء، و ربما تولد من ذلك حجارة في الكلى؛ و مضرة هذا الصنف أشد ما تكون على من كانت المرة الصفراء غالبة عليه.

و الصنف الثالث: يذهب و يلطف بملوحته، كالمري‏ (1) و ما لان لحمه و قل شحمه من السمك إذا ملح، و السلق، و ماء الجبن، و كلّ ما جعل فيه من الأطعمة الملح، و المري، البورق.

و منافع هذا الصنف و مضاره قريبة من منافع الأشياء الحريفة و مضارّها، إلا أن هذا الصنف في تنقية المعدة و الأمعاء و تليين الطبيعة أبلغ.

و الصنف الرابع: يقطع و يلطف بحموضته، كالخل، و السكنجبين، و حماض‏ (2)

الأترجّ، و ماء الرمان الحاض، و كل ما يتخذ بها من الأطعمة.

و هذا الصنف نافع لمن كانت معدته و سائر بدنه حارا إذا تولد فيه بلغم من غلظ ما يتناول من الأغذية و من كثرتها.

الاطعمة الغليظة في نفسها الملطفة لغيرها

منها: البصل، و الجزر، و الفجل، و السلجم‏ (3) ، و ما أشبه ذلك.

فهذه الأطعمة في نفسها غليظة و تلطّف ما تلقى من الشي‏ء الغليظ بما فيها من الحدّة

____________

(1) المري: ضرب من الادوية القديمة.

(2) حماض الاترج: ما في جوفه. و الاترج ضرب من الفاكهة.

(3) السلجم: اللفت.

28

و الحرافة؛ و هي تولد كيموسا غليظا، و متى ما طبخ شي‏ء منها أو شوي ذهب عنه قوة الحرافة و التقطيع، و بقي جرمه غليظا رديئا؛ و قد يتناول للمنفعة بتقطيع هذه الأطعمة و تلطيفها، و يسلم من غلظ جرمها، على إحدى ثلاث جهات: إما أن تطبخ فتلطف، كالذي يفعل بالبصل؛ و إما أن تعصر أو تطبخ ثم يستعمل ماؤها؛ و إما أن تؤكل نيئة فتقطع البلغم، كالذي يفعل بهما جميعا.

الاطعمة الغليظة

الغالب على الأطعمة الغليظة كلها اليبس و اللزوجة؛ فمنها شي‏ء يكون اليبس و اللزوجة من طبعه، و منها ما يكتسب اليبس من غيره.

فالذي يكون اليبس من طبعه. العدس، و لحم الأرانب، و البلوط، و الشاه‏بلوط ، و الكمأة، و الباقلي المقلوّ؛ هذه كلها غليظة، لأن اليبس في طبائعها.

و أما الذي يكتسب اليبس من غيره، فالكبود (1) ، و البيض المسلوق، و المشوي و ما قلي، و اللبن المطبوخ طبخا كثيرا، و الضروع، و عصير العنب المطبوخ، لا سيما إن كان العصير غليظا؛ فهذه كلها غليظة، لأن الحرارة بالطبخ أحدثت لها يبسا و انعقادا.

و أما لحوم الإبل، و لحوم التيوس، و لحوم البقر، و الكروش، و الأمعاء، فإنها غليظة بصلابتها؛ و كذلك الترمس، و ثمر الصنوبر، و السلجم‏ (2) ، و اللوبيا، و ما خبز على الفرن؛ فإن ظاهره غليظ، لما أحدثت به النار من اليبس، و باطنه غليظ، لما فيه من اللزوجة؛ و كذلك كل ما لم يجد عجنه أو خبزه أو إنضاجه من خبز التنور، و كل ما خبز على الطابق بدهن أو غيره، و الفطير، و الشهد، و اللبن، و الأدمغة؛ فإنها كلها غليظة، للزوجة فيها طبيعية.

و أما الفالوذج فإنه غليظ للزوجته و الانعقاد الحادث له من الطبخ.

____________

(1) الكبود: جمع كبد، و تجمع على اكباد.

(2) السلجم: اللفت.

29

و أما الباذنجان فإنه غليظ لليبس و للزّوجة في طبعه.

و أما الخبز فإنه غليظ لاجتماع الحالات الثلاث فيه.

فأما السمك الصلب اللزج فإنه غليظ لاجتماع الصلابة و اللزوجة فيه.

و أما الآذان و الشّفاه و أطراف العضو، فإنها تولد كيموسا لزجا ليس بالغليظ و قد تولد ما يعرض من الأغذية الباردة عن هضمها و تلطيفها، كالذي يعرض من أكل الفاكهة قبل نضجها، و من أكل الخيار و القثاء، و شحم الأترج و اللبن الحامض.

فهذه الأطعمة الغليظة كلها إن صادفت بدنا حارا كثير التعب قليل الطعام كثير النوم بعيد الطعام انهضمت و غذت البدن غذاء كثيرا نافعا، و قوّته تقوية كثيرة.

و أحمد ما تستعمل هذه الأغذية في الشتاء، لاجتماع الحرارة في باطن البدن و طول النوم؛ و متى أحس أحد في نومه نقصانا بيّنا و أكلها من يجد الحرارة في بدنه قليلة و لا سيما في معدته، و من تعبه قليل و نومه بعد الطعام قليل-لم يستحكم انهضامها، و تولد منها في البدن كيموس غليظ حار يابس، يتولد منه سدة في الكبد و الطحال؛ فلذلك ينبغي لمن أكل طعاما غليظا من غير حاجة إليه لعلة أو شهوة أن يقلّ منه و لا يعوّده، و لا يدمنه.

و ما كان من الأطعمة الغليظة له مع غلظه لزوجة، فهو أغذاها للبدن؛ فإن لم ينهضم فهو أكثرها توليدا للسدد.

الأطعمة المتوسطة بين اللطيفة و الغليظة

تصلح لمن كان بدنه معتدلا صحيحا، و لم يكن تعبه كثيرا؛ و أجود الأغذية له المتوسطة، لأنها لا تنهكه و لا تضعفه كاللطيفة، و لا تولد خاما (1) و لا سددا كالغليظة.

____________

(1) الخام: غير الدم.

30

و هي كل ما أحكم صنعه من الخبز، و لحوم البقر، و الدجاج، و الجداء، و الحولية من المعز.

و أما لحوم الخرفان و الضأن كلها فرطبة لزجة.

و أما لحم فراخ الحمام و القطا فهو يولد دما سخنا و أغلظ من الدم المعتدل.

و أما فراخ الوراشين‏ (1) فإنها مثل فراخ الحمام و القطا (2) و الإوز، فأجنحتها معتدلة و سائر البدن كثير الفضول.

و كل ما كثرت حركته من الطير و كان مرعاه في موضع جيد الغذاء صافي الهواء، كان أجود غذاء و ألطف؛ و كل ما كان على خلاف ذلك فهو أردأ غذاء و أوسخ.

و كل ما لم يستحكم نضجه من البيض، و خاصة ما ألقي على الماء الحار و أخذ من قبل أن يشتد، فهو معتدل.

و كل ما كان من لحم السمك ليس بصلب و لا كثير اللزوجة، و الزهومة (3) ، و ما كان مرعاه نقيا من الأوساخ و الحمأة، فهو معتدل جيّد الغذاء.

و من الفواكه التين و العنب إذا استحكم نضجهما على الشجر و أسرعت الانحدار إلى الجوف، كان ما يتولد منها معتدلا، فإن لم تسرع الانحدار فلا خير فيها.

و من البقول الهندبا، و الخس، و الهليون.

و من الأشربة كلها ما كان لونه ياقوتيا صافيا و لم يكن عتيقا جدا.

الأطعمة الحارّة

يحتاج إليها من كان الغالب عليه البرودة، في الأوقات و البلاد الباردين؛ و ينبغي أن يتجنبها من كان حارّ البدن، و في الأوقات الحارّة و البلاد الحارة.

____________

(1) الوارشين: جمع الورشان، و هو طائر من الفصيلة الحمامية، اكبر قليلا من الحمام.

(2) القطا: جمع القطاة: نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء.

(3) الزهومة: الريح النتنة.

31

منها: الحنطة المطبوخة، و الخبز المتخذ من الحنطة، و الحمص، و الحلبة، و السمسم، و الشهدانج، و العنب الحلو، و الكرفس، و الجرجير، و الفجل، و السلجم، و الخردل، و الثوم، و البصل، و الكراث، و الخمر العتيق.

و أسخن الأشربة الحارّة العتيق الأصفر.

الأطعمة الباردة

ينبغي أن يستعملها من كان حارّ البدن، و في الأوقات الحارّة و البلد الحارّ.

و هي: الشعير و ما يتخذ منه، و الجاورس، و الدّخن، و القرع، و البطيخ، و الخيار، و القثاء، و الإجاص، و الخوخ، و الجمار، و ما بين الحموضة و العفوصة (1) ، من العنب، و الزبيب، و الطلع‏ (2) ، و البلح، و الخس، و الهندبا، و البقلة الحمقاء، و الخشخاش، و التفاح، و الكمثرى، و الرمان.

فما كان من الرمان عفصا فهو بارد غليظ، و ما كان حامضا فهو بارد لطيف.

فأما الخل فهو بارد لطيف، و هو ضارّ بالعصب.

و ما كان أيضا من الشراب عفصا فهو أقل حرارة، و ما كان من ذلك حديثا غليظا فهو بارد.

الأطعمة اليابسة

يحتاج إلى الأطعمة اليابسة من كان الغالب على بدنه الرطوبة، و في الأوقات الرطبة و البلد الرطب.

منها العدس، و الكرنب، و السويق، و كل ما يشوى و يطبخ و يقلى، و كل ما أكثر فيه السّذاب و المري و الخل و الإبزار و الخردل، و لحم المسنّ من جميع الحيوان.

____________

(1) العفوصة: المرارة و القبض.

(2) الطلع:

32

الأطعمة الرطبة

يحتاج إلى الأطعمة الرطبة من أفرط عليه اليبس، و في الأوقات اليابسة و البلاد اليابسة.

و هي: الشعير، و القرع، و البطيخ، و القثّاء، و الخيار، و الجوز الرطب، و العنب، و النبق، و الإجاص، و التوت، و الجمار، و الخس، و البقلة اليمانية، و القطف‏ (1) ، و الباقلي‏ (2) الرطب، و الحمص الرطب، و اللوبيا الرطبة و كل ما يطبخ بالماء و يسلق به و تقل فيه الإبزار و الخل و المري و السذاب، و جميع لحوم صغار الحيوان.

الأطعمة القليلة الفضول

أجنحة الطيور، و أكارع المواشي و رقابها، ما يربى في البر (3) من الحيوان في المواضع الجافة.

الأطعمة الكثيرة الفضول

منها لحم الأوز خلا الأجنحة، و الأكباد كلها من جميع الحيوان، و النخاع، و الدماغ، و الطيور التي في الفيافي و الآجام، و الحمص الطري، و الباقلي الطري، و لحم الضأن، و لحم المراضع من كل الحيوان، و لحم كل ساكن غير سريع النهوض، و ما كان من السمك على ما ذكرنا صلبا لزجا.

الأطعمة التي غذاؤها كثير

كل ما غلظ من الأطعمة إذا انهضم غذى كثيرا، و كل ما كان له فضول كان غذاؤه كثيرا.

____________

(1) القطف: بقلة تشبه الرجلة.

(2) الباقلي: الفول.

(3) البرّ: حب القمح.

33

و قد يحتاج إلى الأطعمة الكثيرة الغذاء من احتاج إلى أن يأخذ طعاما قليلا يغذّي غذاء كثيرا، كالناقة و المسافر، و كالذي يثقل معدته الكثير من الطعام و بدنه يحتاج إلى غذاء كثير.

فمن ذلك لحم البقر، و الأدمغة، و الأفئدة، و حواصل الطير كلها، و السمك الغليظ اللوح، و السميذ، و الباقلي، و الحمص، و اللوبيا، و الترمس، و العدس، و التمر، و البلّوط، و الشاة بلّوط (1) ، و السّلجم، تغذو غذاء كثيرا لغلظها-و اللبن الحليب، و الشراب الأحمر. و غذاء اللبن كله أغلظه و أرقه، أقلّ غذاء.

و أغلظ اللبن لبن البقر و لبن النعاج، و أرقه لبن الاتن‏ (2) و ألبان اللّقاح، و ألبان الماعز متوسطة بين ذلك.

و أغذى الأشربة النبيذ الأحمر الغليظ الحلو، ثم الغليظ الأسود الحلو، ثم الغليظ الأبيض الحلو، ثم من بعد هذه الأشربة العفصة الغليظة الحلوة و كل ما مال إلى الحمرة و الحلاوة كان أغذى، و الأبيض أقلها غذاء.

الأطعمة التي غذاؤها قليل

كل ما كان من الأطعمة لطيفا كان غذاؤه قليلا، و كل ما أفرط فيه اليبس أو الرطوبة، أو كثرة الفضل، قل غذاؤه، كالأكارع، و الكروش، و المصارين، و الشحم، و الآذان، و الرئة، و لحم الطير كله، و ما ملح من الحيوان-قليل الغذاء لليبس الذي فيه-و كذلك الزيتون، و الفستق، و الجوز، و اللوز، و البندق، و الغبيرا (3) ، و الزّعرور (4) ، و الخرّوب، و البطم‏ (5) ، و الكمثرى العفص، و الزبيب العفص؛ فإنما قلّ غذاؤهما للعفوصة.

____________

(1) الشاه‏بلوط : شجر يسمى بالفسطل.

(2) الاتن: جمع أتان، و هي انثى الحمار.

(3) الغبيرا: هو ما يسمى بالقراصيا.

(4) الزعرور: و يسمى ايضا «التفاح الجبلي» ؛

(5) البطم: الحبة الخضراء، ثمرها شبيه بالفستق.

34

و أما السمك، و القرع، و الرمان، و التوت، و الإجاص، و المشمش، فإنما قل لكثرة رطوبتها؛ و غذاؤها غير باق سريع التحلل.

و أما خبز الشعير، و الخشكار (1) . و الباقلي الرطب؛ و جميع البقول، مثل الكرنب، و السلق، و الحماض، و البقلة الحمقاء، و الفجل، و الخردل، و الحرف، و الجزر-فقليل الغذاء، لكثرة الفضل فيها.

و أما البصل، و الثوم، و الكراث؛ فإنها إذا أكلت نيئة لم تغذ، و إذا طبخت غذّت غذاء يسيرا.

و أما التين، و العنب، فإنهما بين ما قل غذاؤه و ما كثر غذاؤه.

الأطعمة التي تولد كيموسا جيدا

كل ما كان معتدلا من الأطعمة لم تفرط فيه قوّة و لم يجاوز القدر فيه، ولد دما خالصا نقيا صحيحا، و كل ما كان كذلك فهو موافق لجميع الأبدان و في جميع الأوقات، و هو لجميع الأبدان المعتدلة في جميع الأوقات، و في الأوقات المعتدلة أوفق؛ لأن ما تجاوز الاعتدال من الأبدان يحتاج من الأطعمة إلى ما فيه قوّة تجاوز الاعتدال؛ و كذلك الأبدان المعتدلة في الأوقات التي ليست بمعتدلة.

و في الأطعمة ما هو غليظ و ما هو لطيف و ما هو بين ذلك، و أجودها لجميع الناس ما كان معتدلا منها، بين الغليظ و اللطيف، و ما هو بين ذلك.

و قد وصفنا الأطعمة الغليظة و اللطيفة و المتوسطة. و متى يصلح كل صنف منها؛ فبقي علينا أن نخبر بجملة الأطعمة المولدة الكيموس الجيّد، و قسمتها على ما قسمناها.

فمن ذلك خبز الحنطة النقي المحكم الصنعة إن كان من يومه، و لحم الدجاج،

____________

(1) الخشكار: الدقيق الخشن الذي لم ينخل.

35

و الجداء، و حولية الماعز، و ما كان من السمك ليس بصلب و لا كثير اللزوجة، و ما لم يكن له زهومة (1) و لم يكن له سمن كثير، و ما كان مرعاه فيما ليس فيه أوساخ و لا حمأة و لم يكن سريع العفونة، و كل ما اشتد و استحكم نضجه من البيض، و كل شراب طيب الريح ياقوتي اللون ليست فيه حلاوة-كل ذلك يولد كيموسا (2) معتدلا بين اللطيف و الغليظ.

و أما الدراج‏ (3) ، و الفراريج و أجنحة جميع الطير، و ما صغر من السمك و كان مرعاه على ما وصفنا، و ما ألقي عليه من السمك الملح فصار رخصا و ذهبت لزوجته، و ماء كشك الشعير، و الشراب الطيب الرائحة الاحمر-فكل ذلك جيد الكيموس لطيف.

و اما اللبن الحليب فإنه جيد الكيموس، إلا ان فيه غلظا؛ و لذلك ربما تجبن في المعدة؛ فلهذه العلة يخلط به العسل و الملح، و يرق بالماء.

و أجود اللبن و اعدله لبن الماعز؛ لانه ألطف من لبن الضأن و البقر، و أغلظ من لبن الأتن و اللّقاح‏ (4) .

و ينبغي للبن أن يؤخذ من حيوان صحيح شابّ جيد الغذاء.

و لا يحتلب في وقت ما يضع الحيوان، و لا بعد ذلك بزمان طويل لأن اللبن من الحيوان في وقت ما يضع غليظ، ثم يرق بعد ذلك قليلا قليلا حتى يصير مائيا، فلذلك كان أوّله و آخره رديئا.

و أجود ما يؤخذ من اللبن ساعة يحلب، قبل ان يغيره الهواء؛ لانه سريع الاستحالة.

____________

(1) زهومة: الريح النتنة.

(2) الكيموس: الخلاصة الغذائية.

(3) الدراج: جمع الدراجة: طائر ظاهر جناحيه اغبر و باطنهما اسود يشبه القطا، الا انه الطف منه.

(4) اللقاح: جمع لقحة، و هي الناقة الحلوب.

36

و أما الخشكار (1) من الخبز الرطب، و كل ما لم تحكم صنعته من الخبز السميذ، و خبز الفرن، و لحم العجل؛ و من اجزاء الغنم الضرع و الكبد و الفؤاد، و من الحبوب الباقلي، و من الشراب ما كان طيب الرائحة حلوا-فكل ذلك يولد كيموسا غليظا جدّا.

الأطعمة التي تولد كيموسا (2) رديئا

كل ما لم يكن معتدلا من الاغذية لم يولّد دما خالصا صافيا.

و الأطعمة الرديئة الكيموس ثلاثة أصناف: منها ما يزيد في البلغم، و منها ما يزيد في الصفراء، و منها ما يزيد في السوداء.

و ينبغي لجميع الناس ان يجتنبوا الإكثار منها و ادمان استعمالها و إن كانوا لها مستمرءين؛ لأنها و إن لم يتبين لها ضرر في عاجل الامر، يجتمع منها في بدن مدمن استعمالها مع طول الزمان كيموس ردي‏ء، و كذا امراض رديئة، و اولى الناس بتجنّب كل صنف من أصنافها من كان الغالب على بدنه ما يزيد فيه ذلك الصنف.

فأقول: إن كل ما يتخذ من الخبز من دقيق كثير النخالة، أو ما عتق من الحنطة- ردي‏ء الكيموس يزيد في السوداء.

و لحم الضأن كله يزيد في البلغم، و لحم الماعز المسن كله يزيد في السوداء، و أردؤه لحم التيوس. و لحم البقر و الجزور و الارانب و الظباء و الايايل‏ (3) -كل هذا يزيد في السوداء؛ و شرّ هذه اللحوم لحم الجزور، و بعده لحم التيوس، لا سيما ما لم يخص منها، و بعده لحم المسن من الضأن، و بعده لحم البقر؛ و كل ما خصي من هذه كان أجود غذاء.

____________

(1) الخشكار: الخبز الاسمر غير النقي.

(2) الكيموس: الخلاصة الغذائية.

(3) الأيايل: جمع ايل: و هو الوعل.

37

و أما لحوم الارانب و الظباء و الايايل، فهو دون جميع ما ذكرنا من الرداءة. و من أعضاء الحيوان: الكلى، رديئة الكيموس، لزهومتها و ما استفادت من رداءة البول.

و الدماغ يزيد في البلغم، و كل البطون يزيد في البلغم، لكثرة الزلال فيها.

و البيض المطجّن‏ (1) يولد غذاء غليظا فاسدا، و كذلك الجبن، و لا سيما ما عتق منها. و العدس يزيد في السوداء.

و الدخن‏ (2) و الجاورس يولدان دما غليظا.

و ما صلب لحمه من السمك و غلبت عليه اللزوجة يولد البلغم، فإن ملح و عتق يولد السوداء.

و التين اليابس إن اكثر اكله ولد فضلا عفنا يكثر منه القمل.

و الكمثرى و التفاح إن اكلا غير نضجين ولدا كيموسا رديئا، و كذلك القثاء و الخيار؛ فأما البطيخ و القرع فربما انهضما و لم يحدثا في البدن حدثا رديئا، و ربما فسدا في المعدة فولّدا كيموسا رديئا، و لا سيما إن صادفا في المعدة فضلا رديئا؛ فلذلك تعرض الهيضة (3) كثيرا من أكل البطيخ.

و البقول كلها رديئة الكيموس، لكثرة الفضل فيها و قلة الغذاء.

و أما البصل و الثوم و الكراث و الفجل و الجوز و السلجم، فرديئة لما فيها من الحرارة و الحرافة، و ربما زادت في الصفراء، و ربما زادت في السوداء أيضا كما ذكرت آنفا، إلا انها إن طبخت و صب ماؤها و طبخت بماء ثان، ذهبت الحرافة و الرداءة عنها.

و الباذروج‏ (4) يسخّن الدم و يجففه تجفيفا شديدا.

____________

(1) المطجن: المقلو في الطاجن.

(2) الدخن: نبات عشي من النجيليات، حبه صغير املس كحب السمسم.

(3) الهيضة: معاودة الهم و الحزن او المرض.

(4) الباذروج: بقلة تسمى الريحان الاحمر.

38

و الكرنب‏ (1) يولد السوداء، و كذلك جميع البقول الرديئة.

الاطعمة المتوسطة الكيموس

و هي بين ما يولد الكيموس الجيد و ما يولد الكيموس الردي‏ء. فمنها خبز الخشكار، و لحم الخصيان من المعز و الضأن.

و من الأعضاء: اللسان و الامعاء و الذنب.

و من الفاكهة: العنب و البطيخ-و المعلق من العنب أجود-و التين، و اليابس من الجوز، و الشاه‏بلوط .

و من البقول الخس، و بعده الهندبا، و بعده الخبازي، و بعده القطف و البقلة الحمقاء اليمانية، و الحامض، و ما لم يكن فيه حدّة كثيرة من الأصول.

الاطعمة السريعة الانهضام

إنما يسرع الانهضام لاحد وجهين: فالوجه الاول منها إذا كانت الاطعمة غير يابسة كالعدس، و لا صلبة كالترمس، و لا لزجة كالحنطة، و لا خشنة كالسمسم، و لا كريهة كالسذاب، و لا كثيرة الفضول كالأرز، و لا يغلب عليها برد شديد كاللبن الحامض، و لا حرّ شديد كالعسل.

و الوجه الثاني لطبيعة البطن المستمرى‏ء لها، و ذلك لاحد وجهين: الاول موافقة الأغذية، و مشاكلة الأبدان الطبيعية، كالأطعمة التي يشتهيها و يلذها الإنسان؛ فقد تجد الناس يختلفون في شهواتهم، و يستمرئ كل واحد منهم ما شهوته إليه أميل، و إن كان الذي لا يشتهيه احمد من الذي يشتهيه. و الوجه الثاني: لمزاج عارض يصادف من الاطعمة مضادة، كالذي ترى ان من غلب عليه الحر لعلة من العلل، كان للاطعمة الباردة أشد استمراء، لما يطفئ من حرارة البدن، و يعدل البدن؛ و من غلب عليه البرد

____________

(1) الكرنب: نبات يسمى في بلاد الشام «الملفوف» .

39

استمرأ الحارّ و لم يستمرئ البارد؛ و من رطب بدنه كله أو معدته استمرأ الأطعمة الجافة و لم يستمرئ الرطبة؛ و من عرض له اليبس خلاف ذلك.

فقد بان بما ذكرناه ان الاطعمة اللطيفة و المتوسطة في نفسها سريعة الانهضام و قد يجوز ان تكون الاطعمة الغليظة أسرع انهضاما في بعض الابدان أيضا؛ فقشر الخبز المحكم، و لحم الدجاج، و الفراريج، و الدراج، و الحجل، و كبود الاوز، و اجنحتها- سريعة الهضم.

و في الجملة الجناح من كل طائر أسرع انهضاما من سائره، و ليس في الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي؛ و كل ما كان من الحيوان يابسا فصغيره أسرع انهضاما؛ ، و كذلك لحم العجاجيل‏ (1) أسرع من لحم البقر، و لحم الجدي الحولي اسرع انهضاما من لحم المسن من الماعز؛ و كل ما كان من الحيوان أرطب فكبيره من قبل أن يسن أسرع انهضاما من صغيره؛ الا ترى ان الحولي من الضأن اسرع انهضاما من الخروف؟و كل ما كان مرعاه من المواضع اليابسة كان اسرع انهضاما مما مرعاه في المواضع الرطبة؛ و كل ما كان جرمه‏ (2) متخلخلا فهو أسرع انهضاما مما كان جرمه متلزّزا، و لذلك كان الجوز أسرع انهضاما من البندق، و البيض الحارّ أمرأ من البيض البارد، و الشراب الحلو أمرأ من العفص‏ (3) .

الاطعمة البطيئة الانهضام

إنما يعسر الانهضام من الطبيعة في الطعام إذا كان يابسا، او صلبا، او لزجا، او متلزّزا (4) ، او كثير الدسم، أو كثير الفضول، أو كريه الطعم، أو الحرافة فيه مفرطة، او البرد، او الحر، او مخالفا للمزاج الطبيعي إذا لم يشته.

____________

(1) العجاجيل: جمع عجل، و هو ولد البقرة، و يجمع على عجول ايضا.

(2) الجرم: يكسر الجيم، الجسد.

(3) العفص: ما كان فيه العفوصة، و هي المرارة و القبض.

(4) المتلزز: المجتمع الشديد.

40

فلحم البقر، و لحم الإبل، و الكروش، و الامعاء، و الاوز، و الآذان من جميع الحيوان، و الجبن، و البيض البارد-عسرة الانهضام، ليبسها و صلابتها.

و كذلك من الطير: الوراشين، و الفواخت‏ (1) ، و الطواويس، و القوانص من جميع الطير-عسرة الانهضام.

و من الحبوب: الارز، و التّرمس، و العدس، و الدّخن، و الجاورس، و البلّوط، و الشاه‏بلوط .

و أما لحم التيوس و أكارع البقر، فعسرة الانهضام لزهومتها (2) و كراهتها.

و أما لحم الضأن، و الكبود من جميع الحيوان، و الاوز-فلكثرة الفضول فيها.

و أما الجبن الحامض فلبرده.

و أما الحنطة المصلوفة فللزوجتها و تلززها.

و أما الباقلاء و اللوبياء فلكثرة النفخ فيها.

و أما السمسم فلكثرة دهنه.

و أما العنب و التين و سائر الفواكه إذا لم يستحكم نضجها، و الاترج و الباذورج‏ (3) ، و السلجم، و الجوز، و الشراب الحديث الغليظ-فلكثرة الفضول فيها.

الاطعمة الضارة للمعدة

السّلق ردي‏ء للمعدة، للذعه إياها و لما فيه من الحدة البورقية.

و الباذورج و السلجم ما لم يستقص طبخهما، للذع فيهما.

____________

(1) الفواخت: جمع الفاختة: ضرب. من الحمام المطوف اذا مشى توسع في مشيه و باعد بين جناحيه و ابطيه و تمايل.

(2) الزهومة: الرائحة النتنة.

(3) الباذروج: بقلة تسمى الريحان الاحمر.

41

و البقلة اليمانية و القطف، للزوجتهما. فلذلك ينبغي ان يؤكلا بالخل، و المري.

و الحلبة رديئة للمعدة للذعها إياها.

و السمسم ردي‏ء للمعدة، للزوجته و كثرة دهنه.

و اللبن لسرعة استحالته في المعدة.

و العسل ما اكثر منه لذع المعدة و غثاها.

و البطيخ أيضا يغثي، إذا لم ينضج في المعدة ولد كيموسا رديئا: فينبغي بعد أكل البطيخ أن يأكل طعاما كثيرا جيد الكيموس.

و الادمغة ايضا كلها رديئة للمعدة، فلذلك ينبغي أن تؤكل بالصعتر و الفوذنج البرّي و الخردل، و الملح، و كذلك المخاخ.

و النبيذ الحديث الغليظ الاسود العفص يسرع الحموضة في المعدة و يغثي.

الاطعمة التي تفسد في المعدة

المشمش، و السمسم، و التوت، و البطيخ-إذا لم يسرع انحدارها عن المعدة و صادفت كيموسا رديئا أسرع إليها الفساد؛ فيجب ان تؤكل قبل الطعام و المعدة نقية ليسرع انحدارها عنها و يسهل الطريق لما يؤكل بعدها من الطعام، فإن أكلت بعد الطعام فسدت لبقائها في المعدة، و أفسدت سائر الطعام بفسادها، و ربما بلغ الفساد بها إلى أن تصير بمنزلة السم القاتل.

الاطعمة التي لا يسرع إليها الفساد في المعدة

من كان يفسد طعامه في معدته، فأجود الاطعمة له ما كان غليظا بطي‏ء الانحدار مثل لحم البقر و أكارعها، و ما أشبه ذلك مما ذكرناه من الاطعمة الغليظة.

42

الاطعمة الملينة المسهلة للبطن

كل ما كان من الاطعمة فيه حلاوة او حدّة او ملوحة أو لزوجة؛ فمن ذلك ماء العدس و ماء الكرنب، يلينان الطبع، و جرمهما يمسك البطن؛ و كذلك مرقة الهرمة، و خبز الخشكار (1) مع العسل، و زيتون الماء إذا كان قبل الطعام مع مري-ليّن البطن؛ فإذا كان أيضا مع الطعام بلا مري، فإنه يقوي المعدة على دفع الطعام لعفوصته. و كذلك ما عمل بالخل منه-و كل طعام عفص فإنه دابغ للمعدة مقوّ لها- فأما اللبن و ماء الجبن فيلينان البطن، و لا سيما إذا خلط بهما الملح.

و لحم الصغير من الحيوان، و السلق، و القطف، و البقلة اليمانية، و القرع، و البطيخ، و التين، و الزبيب الحلو؛ و التوت الحلو، و الجوز الرطب، و الإجاص الرطب و السّكنجبين‏ (2) ، و النبيذ الحلو-ملين للبطن.

الاطعمة التي تحبس البطن

إذا كان الطعام ينحدر عن المعدة قبل انهضامه احتجنا إلى الاطعمة الممسكة الحابسة للبطن.

و كل ما غلب عليه من الاطعمة اليبس او العفوصة او الغلظ، كالسفرجل، و الكمثرى، و حب الآس، و ثمر العوسج، و جرم‏ (3) العدس، و البلّوط، و الشاه‏بلوط ، و النبيذ العفص-يمسك البطن، لعفوصته و قبضه.

و الجاورس، و الدخن، و سويق الشعير-تمسك البطن بيبوستها.

و لحم الارانب، و الكرنب المطبوخ بعد صب مائه الاول عنه ثم يطبخ بماء ثان- فإنه يمسك البطن ليبسه.

____________

(1) الخشكار: الدقيق الخشن الذي لم ينخل.

(2) السكنجبين: كل شراب حلو حامض، يتخذ دواء للصفراء.

(3) جرم العدس: اي جسمه و مادته لا ماؤه.

43

و اللبن المطبوخ، و الجبن-كلاهما يمسك البطن لغلظه؛ و ذلك ان يطبخ اللبن حتى تفنى مائيّته، و يبقى جرمه، و ربما ولد سددا في الكبد و حجارة في الكلى.

و أما الاشياء الحامضة، كالتفاح الحامض، و الرمان الحامض-فإن صادفت في المعدة كيموسا غليظا قطعته و حدرته و لينت البطن، و إن صادفت المعدة نقية امسكت البطن.

الاطعمة التي تولد السدد

اللبن الغليظ، و الجبن-ربما احدثا سددا في الكبد و حجارة في الكلى لمن اكثر استعمالهما و كانت كلاه و كبده مستعدة لقبول الآفات.

و جميع الاطعمة الحلوة رديئة للكبد و الطحال، فإذا اكل معها الفوذنج الجبلي و الصعتر، و الفلفل-فتح سدد الكبد، و الطحال.

و الرطب، و التمر، و جميع ما يتخذ من الحنطة سوى الخبز الجيد المضغة، و الاشربة الحلوة أيضا-تولّد سددا في الكبد، و حجارة في الكلى، و تغلظ الطحال.

الاطعمة التي تجلو المعدة و تفتح السدد

ماء الكشك، كشك الشعير، يجلو المعدة و يفتح السدد.

و الحلبة، و البطيخ، و الزبيب الحلو، و الباقلاء، و الحمص الاسود-ينقي الكلى و يفتت الحجارة المتولدة فيها.

و الكبر (1) بالخل، و العسل إذا اكل قبل الطعام-فإنه يجلو و ينقي المعدة و الامعاء، و يفتح السدد.

و السلق أيضا يجلو و يفتح السدد في الكبد، لا سيما إذا اكل بخردل.

____________

(1) الكبر: نبات له شوك.

44

و البصل، و الثوم، و الكراث، و الفجل-يقطع و يلطف الكيموس‏ (1) الغليظ.

و التين، رطبه و يابسه، يجلو و ينقي الكلى.

و اللوز كله!و لا سيما المرّ منه-فإنه يجلو و يلطف و يفتح سدد الكبد و الطحال، و يعين على نفث الرطوبة من الصدر و الرئة.

و النبيذ اللطيف إذا كانت له حدة و حرافة-يصفي اللون، و ينقي العروق من الكيموس الغليظ، و ينتفع به من كان يجد في بدنه كيموسا غليظا باردا.

و أما النبيذ الرقيق فإنه يعين على نفث الرطوبة من الرئة، بتقويته الاعضاء و تلطيف ما فيها من الفضل الغليظة، و قد يفعل ذلك النبيذ الحلو.

الاطعمة التي تنفخ

الحمص، و الباقلاء، و لا سيما إن طبخ بقشره، فإن طبخ مقشرا او مسحوقا كان أقل نفخا، و إن قلي أيضا كان أقل نفخا، و بعد هذه اللوبياء، و الماش، و العدس، و الشعير، إذا لم ينعم طبخها.

و النّعناع، و الانجذان، و الحلتيت‏ (2) ؛ و التين الرطب يولّد نفخا إلا انه ينحل سريعا لسرعة انحداره.

و ما استحكم نضجه من التين و العنب كان أقل نفخا، و يابس التين اقل نفخا من رطبه.

____________

(1) الكيموس: خلاصة الاغذية.

(2) الحلتيت: هو صمغ الانجذان.

45

و اللبن يولّد رياحا في المعدة.

و العسل إذا طبخ و نزعت رغوته قل نفخه.

و النبيذ الحلو العفص يولد نفخا.

ما يذهب النفخ من الاطعمة

كل طعام نافخ إذا احكمت صنعته و أجيد طبخه و إنضاجه قل نفخه، و كل ما قلي منه قل نفخه، و كل ما خلط به الابازير المحللة للرياح، كالكمون، و السذاب و الانيسون، و الكاشم‏ (1) -يقل نفخه؛ و الخل الممزوج بالعسل يلطف الرياح.

كتاب إسحاق بن عمران إلى بعض اخوانه‏

كتب إسحاق بن عمران المعروف بسمّ ساعة إلى رجل من اخوانه:

اعلمك-رحمك اللّه-ان الخام و البلغم يظهران على الدم و المرة بعد الاربعين سنة فيأكلانهما، و هما عدوا الجسد و هادماه، و لا ينبغي لمن خلف الاربعين سنة ان يحرك طبيعة من طبائعه غير الخام و البلغم، و يقوّي الدم جاهدا، غير أنه ينبغي له في كل سبع سنين ان يفجر من دمه شيئا، و من المرة مثل ذلك، لقلة صبره على الطعام اللذيذ و المشروب الرويّ، فتعاهد اصلحك اللّه ذلك من نفسك، و اعلم ان الصحة خير من المال و الاهل و الولد، و لا شي‏ء بعد تقوى اللّه سبحانه و تعالى خير من العافية. و مما تأخذ به نفسك و تحفظ به صحتك، ان تلزم ما اكتب به إليك:

في شهر ينير (2) : لا تأكل السلق، و اشرب شرابا شديدا كل غداة.

____________

(1) الكاشم: نبت يشبه السذاب.

(2) ينير: اي شهر كانون الثاني.

46

و في شهر فبرير: لا تأكل السلق.

و في مارس: لا تأكل الحلواء كلها و تشرب الأفسنتين‏ (1) في الحلاوة.

و في أبريل: لا تأكل شيئا من الاصول التي تنبت في الأرض، و لا الفجل.

و في مايه: لا تأكل رأس شي‏ء من الحيوان.

و في يونيه: تشرب الماء البارد بعد ما تطبخه و تبرده على الريق.

و في يوليه: تجنب الوطء.

و في أغشت: لا تأكل الحيتان.

و في سبتمبر: تشرب اللبن البقري.

و في أكتوبر: لا تأكل الكراث نيئا و لا مطبوخا.

و في نبنبر: لا تدخل الحمام.

و في دجنبر: لا تأكل الارانب.

زعم علماء الطب ان في الجسد من الطبائع الاربع اثني عشر رطلا فللدم منها ستة أرطال، و للمرة و السوداء و البلغم ستة أرطال، فإن غلب الدم و الطبائع تغير منه الوجه و ورم، و خرج ذلك إلى الجذام؛ و إن غلبت تلك الطبائع الدم أنبتت المرّة.

قال: فإذا خاف الإنسان غلبة هذه الطبائع بعضها بعضا، فليعدل جسده بالاقتصاد و ينقيه بالمشي. فإنه إن لم يفعل اعتراه ما وصفناه، إما جذام و إما مرة، نسأل اللّه العافية.

و لا بأس بعلاج الجسد في جميع الازمان إلا ايام السموم، إلا أن ينزل فيها مرض شديد لا بدّ من مداواته، او يظهر فيها موم‏ (2) ، أو ذات الجنب، فإنه ينبغي للطبيب أن يعانيه‏ (3) بفصاد او شي‏ء خفيف، فإنها ايام ثقيلة، و هي‏[من‏]خمسة عشر يوما من تموز إلى النصف من آب، فذلك ثلاثون يوما لا يصلح فيها علاج-و كان

____________

(1) الافسنتين: نبت له ورق كالصعتر.

(2) الموم: اشد الجدري.

(3) المعاناة: حسن السياسة.

47

بقراطيس يجعلها تسعة و أربعين يوما-يقطع الغرر و الخطر في ايام القيظ، فإذا مضى لأيلول ثلاثة أيام طاب التداوي كله.

و أمر جالينوس في الربيع بالحجامة، و النورة، و أكل الحلاوة و شربها؛ و نهى عن القطاني‏ (1) ، و اللبن الرائب، و عتيق الجبن، و المالح، و الفاكهة اليابسة إلا ما كان مصلوقا....

و في القيظ-و هو زمان المرة الحمراء-يأكل البارد الرطب على قدر قوّة الرجل في طبعه و سنه، و ترك الجماع، و أكل الحوت الطري، و الفاكهة الرطبة، و البقول؛ و لحم البقر و المعز؛ و من القطاني العدس، و من الاشربة المربب بالورد و السّكركة (2)

من الشعير، و السكر بالماء المطبوخ، و أكل الكزبرة الخضراء في الاطعمة، و أكل الخيار و البطيخ، و لزوم دهن الورد و ماء الورد، ورش الماء و بسط البيت بورق الشجر، و من الدواء السكر بالمصطكا، يسحقهما مثلا بمثل و يأخذهما على الريق قدر الدرهم أو اكثر قليلا...

و في زمان الخريف-و هو زمان السوداء، و هو أثقل الازمنة على اهل تلك الطبيعة-من الطعام و الشراب بالحار الرطب، مثل الاحساء بالحلاوة، و أكل العسل و شربه؛ و نهى فيه عن الجماع، و أكل لحم المعز و البقر، و أمر بأكل صنوف حيوان البر و البحر، و حسو البيض، و الدهن قبل الحمام، و إتيان النساء على غير شبع في آخر الليل و في أول النهار، و التماس الولد على الريق من الرجل و المرأة فإن اولاد ذلك الزمان اشد و أقوى تركيبا، من غيرهم، كما قالت الحكماء.

الخمر المحرمة في الكتاب‏

اجمع الناس على ان الخمر المحرمة في الكتاب خمر العنب، و هي ما غلي و قذف

____________

(1) القطاني: جمع قطنية، و هي من الحبوب ما كان مثل العدس و الفول و الحمص و اللوبيا.

(2) السكركة: اصلها شراب الذرة.

48

الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار، و لا يزال خمرا حتى يصير خلا، و ذلك إذا غلبت عليه الحموضة و فارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرّمة العين كما حرمت عين الخنزير، و إنما حرمت لعرض دخل لها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا، و عينها في كل ذلك واحدة، و إنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة، و من مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة و العين قائمة، و كما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه و ريحه و العين قائمة.

و نظير الخمر فيما يحل و يحرم بعرض: المسك الذي هو دم عبيط (1) حرام، ثم يجف و يجدد رائحة فيصير حلالا طيبا، فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها؛ و أصحاب النبيذ إنما يدورون حولها و يتعللون أنهم يشربون ما دون المسكر، و لا لذة لهم دون موافقة المسكر كما قال الشاعر:

يدورون حول الشّيخ يلتمسونه # بأشربة شتى هي الخمر تطلب‏

و قول القائل:

إياك أعني فاسمعي يا جاره‏

قيل للاحنف بن قيس: أي الشراب اطيب؟فقال: الخمر. قيل له: و كيف علمت ذلك و أنت لم تشربها؟قال: إني رأيت من أحلت له لا يتعدّاها، و من حرمت عليه إنما يدور حولها! و قال ابن شبرمة:

و نبيذ الزّبيب، ما اشتدّ منه # فهو للخمر و الطّلاء نسيب‏ (2)

____________

(1) دم عبيط: اي طريّ.

(2) الطلاء: الخمر الذي يطبخ من عصير العنب.

49

و قال عبد اللََّه بن القعقاع:

أتانا بها صفراء يزعم أنّها # زبيب، فصدقناه و هو كذوب

فهل هي إلا ساعة غاب نحسها # أصلّي لربي بعدها و أتوب‏

و قال ابن شبرمة: أتانا الفرزدق، فقال: اسقوني. فقلنا: و ما تريد أن نسقيك؟ قال: أقربه إلى الثمانين. يعني حدّ الخمر.

أنواع الشراب‏

و قال قيصر لقس بن ساعدة: أي الاشربة أفضل عاقبة في البدن؟قال: ما صفا في العين، و اشتدّ على اللسان، و طابت رائحته في الانف من شراب الكرم. قيل له:

فما تقول في مطبوخه؟فقال: مرعى و لا كالسعدان. قيل له: فما تقول في نبيذ التمر؟قال: ميت احيا فيه بعض المنعة، و لا يكاد يحيا من مات مرة. قيل له: فما تقول في العسل؟قال: نعم شراب الشيخ ذي الابردة (1) و المعدة الفاسدة.

الوليد و ابن شراعة

علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته، إذا أتي بابن شراعة من الكوفة، فو اللََّه ما سأله عن نفسه و لا سفره حتى قال له: يا ابن شرّاعة، إني و اللََّه ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب اللََّه و لا سنة رسوله. قال: فو اللََّه لو سألتني عنهما لألفيتني فيهما حمارا!قال: و إنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة، قال: دهقانها (2)

الخبير، و طبيبها العليم!قال: فاخبرني عن الطعام؟قال: ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير ان انفعه و أشهاه أمرؤه. قال: فما تقول في الشراب؟قال: ليسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: فما تقول في الماء؟قال: لا بد لي منه!و الحمار شريكي فيه. قال: فما تقول في السّويق‏ (3) ؟قال: شراب الحزين و المستعجل و المريض. قال:

____________

(1) الابردة: علة من غلبة البرد و الرطوبة، تفتر عن الجماع.

(2) الدهقان: التاجر.

(3) السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة و الشعير.

50

فما تقول في اللبن؟قال: ما رأيته قط الا استحييت من أمي!من طول ما أرضعتني به قال: فنبيذ التمر؟قال: سريع الامتلاء سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟قال:

حاموا به على الشراب. قال: ما تقول في الخمر؟قال: أوّه!تلك صديقة روحي! قال: و انت و اللََّه صديق روحي. [ثم‏]قال: و أيّ المجالس أحسن؟قال: ما شرب الناس على وجه قط أحسن من السماء!

الرشيد و الاصمعي‏

قال الاصمعي: دخلت على الرشيد و هو في الفرش. منغمس كما ولدته امه؛ فقال لي: يا أصمعي، من أين طرقت اليوم؟قال: قلت: احتجمت. قال: و أي شي‏ء اكلت عليها؟قلت: سكباجة (1) و طباهجة (2) . قال: رميتها بحجرها. [ثم‏]قال: هل تشرب؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

اسقني حتى تراني مائلا # و ترى عمران ديني قد خرب‏

قال: يا مسروق، أي شي‏ء معك؟قال: ألف دينار. قال: ادفعها إليه!.

آفات الخمر و خبائثها

أول ذلك انها تذهب العقل، و أفضل ما في الإنسان عقله، و تحسن القبيح و تقبح الحسن.

قال أبو نواس:

اسقني حتى تراني # حسن عندي القبيح‏

و قال أيضا:

اسقني صرفا حميّا # تترك الشيخ صبيا

____________

(1) السكباج: لحم يعالج بالخل و التوابل.

(2) الطباهجة: ضرب من اللحم المقلي، و هو ما يسمى بالكباب.

51

و تريه الغيّ رشدا # و تريه الرّشد غيا!

و قال أيضا:

عتّقت في الدّنّ حولا # فهي في رقة ديني‏ (1)

و قال الناطق بالحق:

تركت النّبيذ و أصحابه # و صرت خدينا لمن عابه‏ (2)

شراب يضلّ سبيل الرشاد # و يفتح للشّرّ أبوابه‏

و إنما قيل لمشارب الرجل: نديم، من الندامة؛ لان معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه؛ فقيل لمن شاربه: نادمه؛ لأنه فعل مثل ما فعله، فهو نديم له؛ كما يقال:

جالسه فهو جليس له؛ و المعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشي‏ء أي فناءه.

و قال ابو الاسود الدؤلي:

دع الخمر يشربها الغواة فإنني # رأيت أخاها مغنيا بمكانها

فإن لا تكنها او تكنه فإنّه # أخوها غذته أمّه بلبانها (3)

أصحاب الشراب‏

و قد شهر اصحاب الشراب بسوء العهد. و قلة الحفاظ، و أنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، و ما عوفيت حتى تنكب. و ما غلب دنانك حتى تنزف، و ما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك؛ قال الشاعر:

أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم # و ليس لاصحاب النّبيذ حريم

إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم # و كلّهم رثّ الحبال سئوم

إذا جئتهم حيّوك ألفا و رحّبوا # و إن غبت عنهم ساعة فذميم

فهذا بياني لم أقل بجهالة # و لكنّني بالفاسقين عليم‏

____________

(1) الدن: وعاء لشرب الخمر.

(2) الخدين: الصديق.

(3) اللبان: ما يرتضع الصبي من ثدي أمه.

52

و قال قصيّ بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر، فإنها تصلح الأبدان، و تفسد الاذهان.

و قيل لعدي بن حاتم: مالك لا تشرب الخمر؟قال: لا أشرب ما يشرب عقلي! و قيل له: مالك لا تشرب النبيذ؟قال: معاذ اللََّه أن أصبح حليم قومي و أمسي سفيههم! و قال يزيد بن الوليد: النشوة تحلّ الحبوة (1) .

و قيل لعثمان بن عفان رضي اللََّه عنه: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية و لا حرج عليك فيها؟قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة، و ما رأيت شيئا يذهب جملة و يعود جملة.

و قال أيضا: ما تغنّيت، و لا تفتّيت‏ (2) ، و لا شربت خمرا، و لا مسست فرجي بيدي، بعد أن خططت بها المفصّل‏ (3) .

عبد العزيز بن مروان و نصيب‏

و قال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟يريد المنادمة. قال: أصلح اللََّه الامير، الشعر مفلفل، و اللون مرمد، و لم أقعد إليك بكرم عنصر، و لا بحسن منظر، و إنما هو عقلي و لساني، فإن رأيت أن لا تفرّق بينهما فافعل! و ربما ذهبت الكأس بالبيان، و غيرت الخلقة، فيعظم أنف الرجل و يحمّر و يترهّل.

و قال جرير في الأخطل:

____________

(1) الحبوة: ما يحتبى به من ثوب و غيره.

(2) تفتى: صنع صنع الصبيان.

(3) المفصل: بعض سور القرآن من الحجرات الى آخره.