المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - ج2

- أحمد بن محمد القسطلاني‏ المزيد...
712 /
5

الجزء الثاني‏

[المقصد الثالث‏]

الفصل الأول فى كمال خلقته و جمال صورته صلى اللّه عليه و سلم و شرفه و كرمه‏

اعلم أن من تمام الإيمان به- صلى اللّه عليه و سلم- الإيمان بأن اللّه تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله و لا بعده خلق آدمى مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح لك من عظيم خلق نفسه الكريمة، و ما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، و للّه در الأبوصيري حيث قال:

فهو الذي تم معناه و صورته‏ * * * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم‏

منزه عن شريك فى محاسنه‏ * * * فجوهر الحسن فيه غير منقسم‏

يعنى: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه، لأنه الذي تم معناه دون غيره، و هى غير منقسمة بينه و بين غيره، و إلا لما كان حسنه تامّا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامّا.

و فى الأثر: أن خالد بن الوليد خرج فى سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء فقال له سيد ذلك الحى: صف لنا محمدا فقال: أما إنى أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل، ذكره ابن المنير فى أسرار الإسرار.

فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول و المسئول؟!

و قد حكى القرطبى- فى كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه- صلى اللّه عليه و سلم-، لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم-. و لقد أحسن الأبوصيري أيضا حيث قال:

أعيى الورى فهم معناه فليس يرى‏ * * * للقرب و البعد فيه غير منفحم‏

كالشمس تظهر للعينين من بعد * * * صغيرة و تكل الطرف من أمم‏

6

و هذا مثل قوله أيضا:

إنما مثلوا صفاتك للنا * * * س كما مثل النجوم الماء

و أشار بقوله «تظهر» إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقا، و لقد بين عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس حيث قال:

تتيه الشمس و القمر المنير * * * إذا قلنا كأنهما الأمير

لأن الشمس تغرب حين تمسى‏ * * * و أن البدر ينقصه المسير

و هذه التشبيهات الواردة فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- إنما هى على سبيل التقريب و التمثيل، و إلا فذاته أعلى و مجده أغلى.

فأما رأسه الشريف المقدس فحسبك ما ذكره الترمذى فى جامعه بسنده إلى هند بن أبى هالة قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عظيم الهامة (1).

و قال نافع بن جبير: وصف لنا على- رضى اللّه عنه- رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال:

كان عظيم الهامة (2).

و أما وجهه الشريف فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال:

كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس وجها، و أحسنهم خلقا، ليس بالطويل الذاهب، و لا بالقصير البائن‏ (3).

و عن أبى هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كأن الشمس تجرى فى وجهه‏ (4) رواه الترمذى و البيهقي و أحمد و ابن حبان.

____________

(1) حسن: انظر ما بعده.

(2) حسن: أخرجه البيهقي عن على، كما فى «صحيح الجامع» (4820).

(3) صحيح: أخرجه البخاري (3549) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (2337) فى الفضائل، باب: فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.

(4) صحيح: أخرجه الترمذى (3648) فى المناقب، باب: فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و أحمد فى «مسنده» (2/ 350 و 380)، و ابن حبان فى «صحيحه» (6309)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و قال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

7

قال الطيبى: شبه جريان الشمس فى فلكها بجريان الحسن فى وجهه- صلى اللّه عليه و سلم-، قال: و يحتمل أن يكون من تناهى التشبيه جعل وجهه مقرّا و مكانا للشمس و للّه در القائل:

لم لا يضى‏ء بك الوجود و ليله‏ * * * فيه صباح من جمالك مسفر

فبشمس حسنك كل يوم مشرق‏ * * * و ببدر وجهك كل ليل مقمر

و فى البخاري: سئل البراء: أ كان وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- مثل السيف؟

فقال: لا، بل مثل القمر (1).

و كأن السائل أراد مثل السيف فى الطول، فرد عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أى فى التدوير، و يحتمل أن يكون أراد مثل السيف فى اللمعان و الصقالة، فقال: بل فوق ذلك، و عدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير و اللمعان.

و قال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية- رحمه اللّه تعالى- فى كتابه «التنوير فى مولد البشير النذير- صلى اللّه عليه و سلم- و شرف و عظم و كرم»، عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففى هذا الحديث من العلم أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه، لأن السائل شبه وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بالسيف، و لو شبهه بالشمس لكان أولى، فرد عليه البراء قوله و قال: بل مثل القمر، و أبدع فى تشبيهه، لأن القمر يملأ الأرض بنوره، و يؤنس كل من يشاهده، و نوره من غير حر يفزع، و لا كلل ينزع، و الناظر إلى القمر متمكن من النظر بخلاف الشمس التي تغشى البصر و تجلب للناظر الضرر. انتهى.

و فى رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، و قال له رجل: أ كان وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس و القمر و كان مستديرا (2).

و إنما قال: مستديرا للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل‏

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (3552) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الترمذى (3636) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و أحمد فى «مسنده» (4/ 281).

(2) صحيح: أخرجه مسلم (344) فى الفضائل، باب: شيبه- صلى اللّه عليه و سلم-.

8

السيف يحتمل أن يريد به الطول، و يحتمل أن يريد به اللمعان كما تقدمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فرده المسئول ردّا بليغا، و لما جرى التعارف به من أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، و بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله و كان مستديرا، أشار به إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معا: الحسن و الاستدارة.

و قال المحاربى عن أشعث عن أبى إسحاق عن جابر بن سمرة.

أنه قال: رأيت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى ليلة إضحيان و عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه و إلى القمر، فلهو كان أحسن فى عينى من القمر (1)، و فى رواية: بعد قوله حمراء: فجعلت أماثل بينه و بين القمر.

و روى الترمذى و البيهقي عن على أنه نعته- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: لم يكن بالمطهم و لا بالمكلثم، كان فى وجهه تدوير (2). و المكلثم: المدور الوجه، أى لم يكن شديد تدوير الوجه بل فى وجهه تدوير قليل.

و فى حديث على عند أبى عبيد فى الغرائب: و كان فى وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد فى شرحه: يريد أنه ما كان فى غاية التدوير، بل كان فيه سهولة و هى أحلى عند العرب.

و فى حديث أبى هريرة عند الذهلى‏ (3) فى الزهريات‏ (4) فى صفته‏

____________

(1) حسن غريب: أخرجه الترمذى (2811) فى الأدب، باب: ما جاء فى الرخصة فى لبس الحمرة للرجال، و الدارمى فى «سننه» (57)، و قال الإمام الترمذى: هذا حديث حسن غريب.

(2) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (3638) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، ليس إسناده بمتصل، و (المطهم):

البادن الكثير اللحم.

(3) هو: الإمام الحافظ، أبو عبد اللّه، محمد بن يحيى بن عبد اللّه النيسابوريّ، مولى بنى ذهل، أحد أئمة الحديث الحفاظ، حدث عنه الجماعة سوى مسلم، و كان من أعلم الناس بحديث الزهرى، حيث اعتنى بحديثه، و صنفه، حتى قال له على بن المدينى: أنت وارث الزهرى، مات سنة 250 ه، و له تسعون عاما.

(4) نسبة إلى الزهرى- رحمه اللّه-، و هو الإمام الحافظ، أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزهرى، ولد سنة 50 ه، و حدث عن صغار الصحابة كابن عمرو سهل‏

9

- صلى اللّه عليه و سلم-: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة فى الخد: الاستطالة و أن لا يكون مرتفع الوجنة. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: و لعل هذا هو الحامل لمن سأله أ كان وجهه مثل السيف.

و أخرج البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، و كنا نعرف ذلك منه‏ (1). أى الموضع الذي يتبين فيه السرور و هو جبينه.

و قالت عائشة- رضى اللّه عنها-: دخل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يوما مسرورا تبرق أسارير وجهه‏ (2). و لذلك قال كعب كأنه قطعة قمر. و فى حديث جبير بن مطعم عند الطبرانى: التفت إلينا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بوجه مثل شقة القمر، فهذا محمول على صفته عند الالتفات.

و قد أخرج الطبرانى حديث كعب بن مالك من طرق فى بعضها: كأنه دارة قمر.

و يسأل عن السر فى التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد فى كثير من كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد. و قد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلا بد من التقييد بذلك من حكمة، و ما قيل فى أن ذلك من الاحتراز من السواد الذي فى القمر ليس بقوى، لأن المراد بتشبيهه ما فى القمر من الضياء و الاستنارة و هو فى تمامه لا يكون فيها أقل مما فى القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.

____________

- ابن سعد و أنس بن مالك، و عنه أخذ الإمام مالك، و قيل أنه أول من دون السنة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، توفى- رحمه اللّه- سنة 124 ه.

(1) صحيح: أخرجه البخاري (3556) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (2799) فى التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك و صاحبيه.

(2) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (3555) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (1459) فى الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد.

10

و عن أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه- قال: كان وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كدارة القمر (1)، أخرجه أبو نعيم.

و روى البيهقي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن امرأة من همدان- سماها- قالت: حججت مع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- مرات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس شعره منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهية قالت:

كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله و لا بعده مثله- صلى اللّه عليه و سلم- (2).

و روى الدارمى و البيهقي و أبو نعيم و الطبرانى عن أبى عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ صفى لى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة (3)، و فى لفظ: يا بنى لو رأيته رأيت الشمس طالعة.

و روى مسلم عن أبى الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: كان أبيض مليح الوجه‏ (4).

و فيما أخرجه الترمذى من حديث هند بن أبى هالة (5): كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر (6).

____________

(1) أخرجه أبو نعيم فى «الدلائل» كما فى «كنز العمال» (18526).

(2) أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (1/ 199).

(3) أخرجه الدارمى فى «سننه» (60)، و الطبرانى فى «الكبير» (24/ 274). و ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 280) و قال: رواه الطبرانى فى الكبير و الأوسط، و رجاله وثقوا.

(4) صحيح: أخرجه مسلم (2340) فى الفضائل، باب: كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أبيض مليح الوجه.

(5) هو: هند بن أبى هالة- رضى اللّه عنه-، ربيب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، أمه خديجة زوج النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، قال عنه أبو عمر: كان فصيحا بليغا وصف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فأحسن و أتقن، قتل مع على يوم الجمل. انظر «الإصابة» (6/ 557).

(6) أخرجه الترمذى فى الشمائل، و الطبرانى فى الكبير و البيهقي فى شعب الإيمان، كما فى «ضعيف الجامع» (4470).

11

و قالت أم معبد حين وصفته لزوجها: متبلج الوجه، يعنى: مشرقه مضيئه، و منه تبلج الصبح إذا أسفر، و ما أحسن قول سيدى على بن وفا حيث قال:

ألا يا صاحب الوجه المليح‏ * * * سألتك لا تغيب عنى فأنت روحى‏

متى ما غاب شخصك عن عيانى‏ * * * رجعت فلا ترى إلا ضريحى‏

بحقك جد لرقك يا حبيبى‏ * * * و داو لوعة القلب الجريح‏

و رقّ لمغرم فى الحب أمسى‏ * * * و أصبح بالهوى دنفا طريح‏

محب ضاق بالأشواق ذرعا * * * و آوى منك للكرم الفسيح‏

و فى النهاية (1): أنه(عليه السلام) كان إذا سر فكأن وجهه المرآة، و كأن الجدر تلاحك وجهه. قال: الملاحكة، شدة الملاءمة، أى يرى شخص الجدر فى وجهه- صلى اللّه عليه و سلم-. و فى حديث ابن أبى هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. و ذلك: لأن القمر يملأ الأرض بنوره و يؤنس كل من شاهده، و هو يجمع النور من غير أذى و يتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التي تغشى البصر فتمنع من تمكن الرؤية، و التشبيه بالبدر أبلغ فى العرف من التشبيه بالقمر، لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق- رضى اللّه عنه- حين رآه أو كلما رآه:

لو كنت من شي‏ء سوى بشر * * * كنت المنور ليلة البدر

و قد صادف هذا التشبيه تحقيقا، فمن أسمائه- صلى اللّه عليه و سلم-: البدر. و لهذا أنشدوا لما قدم المدينة:

طلع البدر علينا * * * من ثنيات الوداع‏

و لقد أحسن من قال:

كالبدر و الكاف إن أنصفت زائدة * * * فيه فلا تظننها كافا لتشبيه‏

و ما أحلى قول ابن الحلاوى:

____________

(1) هو: النهاية فى غريب الحديث، لابن الأثير.

12

يقولون يحكى البدر فى الحسن وجهه‏ * * * و بدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط

كما شبهوا غصن النقا (1)بقوامه‏ * * * لقد بالغوا فى المدح للغصن و اشتطوا

فقد حصل للبدر و الغصن غاية من الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة فى صفاته- صلى اللّه عليه و سلم- إنما هى على عادة الشعراء و العرب، و إلا فلا شي‏ء فى هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخلقية و الخلقية، و للّه در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى المالكى حيث قال:

كم فيه للأبصار حسن مدهش‏ * * * كم فيه للأرواح راح مسكر

سبحان من أنشاه من سبحاته‏ * * * بشرا بأسرار الغيوب يبشر

قاسوه جهلا بالغزال تغزلا * * * هيهات يشبهه الغزال الأحور

هذا و حقك ما له من مشبه‏ * * * و أرى المشبه بالغزالة يكفر

يأتى عظيم الذنب فى تشبيهه‏ * * * لو لا لرب جماله يستغفر

فخر الملاح بحسنهم و جمالهم‏ * * * و بحسنه كل المحاسن تفخر

فجماله مجلى لكل جميلة * * * و له منار كل وجه نير

جنات عدن فى جنى و جناته‏ * * * و دليله أن المراشف كوثر

هيهات ألهو عن هواه بغيره‏ * * * و الغير فى حشر الأجانب يحشر

كتب الغرام على فى أسفاره‏ * * * كتبا تؤول بالهوى و تفسر

فدع الدعى و ما ادعاه فى الهوى‏ * * * فدعيه بالهجر فيه يهجر

و عليك بالعلم العليم فإنه‏ * * * لخطيبه فى كل خطب منبر

و أما بصره الشريف- صلى اللّه عليه و سلم- فقد وصفه اللّه فى كتابه العزيز بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ (2).

و عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يرى بالليل فى الظلمة كما يرى فى النهار فى الضوء (3). رواه البخاري.

____________

(1) ضرب من النبات، له زهر أحمر.

(2) سورة النجم: 17.

(3) موضوع: أخرجه البيهقي فى الدلائل عن ابن عباس، و ابن عدى فى الكامل عن عائشة كما فى «ضعيف الجامع» (4547)، و الحديث كما هو واضح ليس فى البخاري. كما قال المصنف و لو معلقا.

13

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يرى فى الظلماء كما يرى فى الضوء (1). رواه البيهقي.

و عن أبى هريرة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «هل ترون قبلتى هاهنا، فو اللّه ما يخفى على ركوعكم و لا سجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى» (2). رواه البخاري و مسلم.

و عند مسلم من رواية أنس أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «أيها الناس، إنى أمامكم فلا تسبقونى بالركوع و لا بالسجود، فإنى أراكم من أمامى و من خلفى» (3).

و عن مجاهد: فى قوله تعالى‏ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ (4) قال: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه‏ (5)، رواه الحميدى فى مسنده، و ابن المنذر فى تفسيره.

و هذه الرؤية رؤية إدراك: و الرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التي هى العين- عند أهل الحق- و لا شعاع و لا مقابلة، و هذا بالنسبة إلى القديم‏ (6) العالى، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية فى حقه على الحاسة و الشعاع و المقابلة بالاتفاق، و لهذا كان خرق عادة فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم-، و خالق البصر فى العين قادر على خلقه فى غيرها.

قال الحرالى: و هذه الآية قد جعلها اللّه تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره فى الاطلاع الباطن لسعة علمه، و معرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه‏

____________

(1) أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (6/ 75).

(2) صحيح: أخرجه البخاري (418) فى المساجد، باب: عظة الإمام الناس فى إتمام الصلاة، و مسلم (424) فى المساجد، باب: الأمر بتحسين الصلاة و إتمامها و الخشوع فيها.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (426) فى المساجد، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود أو نحوهما.

(4) سورة الشعراء: 218، 219.

(5) مرسل: أخرجه الحميدى فى «مسنده» (962) عن مجاهد مرسلا.

(6) الأولى أن يقال (الأول) كما نطق القرآن، و لا أعلم سبب العدول من الأول إلى القديم، مع العلم بأن اللفظ القرآنى أدل على المعنى عن غيره من الألفاظ المحدثة، و اللّه المستعان.

14

اللّه على ما بين يديه مما تقدم من أمر اللّه، و على ما وراء الوقت مما تأخر من أمر اللّه، فلما كان على ذلك من الإحاطة فى إدراك مدركات القلوب جعل اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم- مثل ذلك فى مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-. انتهى.

و من الغريب ما ذكره الزاهدى بختيار محب بن محمود، شارح القدورى فى رسالته الناصرية أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما، و لا تحجبهما الثياب؟؟؟ (1).

و قيل: بل كانت صورهم تنطبع فى حائط قبلته كما تنطبع فى المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم و هذا إن كان نقلا عن الشارع(عليه السلام) بطريق صحيح فمقبول و إلا فليس المقام مقام رأى، على أن الأقعد فى إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة و اللّه أعلم.

و قد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. و عن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحى اللّه إليه كيفية فعلهم، و إما بأن يلهم، و الصحيح و الصواب ما تقدم‏ (2) و قد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزى فى بعض كتبه بغير إسناد أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:

«إنى لا أعلم ما وراء جدارى هذا» فإن صح فالمراد منه نفى العلم بالمغيبات، فكيف يجتمعان؟

و أجيب: بأن الأحاديث الأول ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، و يحمل المطلق منها على المقيد. و أما إذا ذهبنا إلى الإدراك بالبصر- و هو الصواب- فلا إشكال، لأن نفى العلم هنا عن الغيب و ذاك عن مشاهدة.

و فى «المقاصد الحسنة» للحافظ شمس الدين السخاوى حديث: «ما أعلم ما خلف جدارى هذا» (3) قال شيخنا- يعنى شيخ الإسلام ابن حجر-:

____________

(1) ذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (1/ 515).

(2) انظر فى ذلك المصدر السابق.

(3) انظر «كشف الخفا» للعجلونى (2175).

15

لا أصل له. قلت: و لكنه قال فى تلخيص تخريج أحاديث الرافعى عند قوله فى الخصائص: «و يرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه». هو فى الصحيحين و غيرهما من حديث أنس و غيره، و الأحاديث الواردة فى ذلك مقيدة بحالة الصلاة و بذلك يجمع بينه و بين قوله: لا أعلم ما وراء جدارى هذا. انتهى.

قال شيخنا، و هذا مشعر بوروده، و على تقدير وروده لا تنافى بينهما لعدم تواردهما على محل واحد. انتهى.

فإن قيل: يشكل على هذا- أيضا- إخباره- صلى اللّه عليه و سلم- بكثير من المغيبات التي فى زمانه و بعده، و وقعت كما أخبر- صلى اللّه عليه و سلم-.

فالجواب: إن نفى العلم فى هذا ورد على أصل الوضع، و هو أن علم الغيب مختص باللّه تعالى، و ما وقع منه على لسان نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- و غيره فمن اللّه تعالى، إما بوحى أو إلهام، و يدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته- صلى اللّه عليه و سلم- تكلم بعض المنافقين و قال: إن محمدا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء و هو لا يدرى أين ناقته؟ فقال- صلى اللّه عليه و سلم- لما بلغه ذلك: «و اللّه إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى، و قد دلنى ربى عليها و هى فى موضع كذا و كذا» حبستها شجرة بخطامها فذهبوا فوجدوها كما أخبر- صلى اللّه عليه و سلم-.

فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره و لا غيره إلا ما علمه ربه تبارك و تعالى.

و ذكر القاضى عياض- فى الشفاء- أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يرى فى الثريا أحد عشر نجما، و عند السهيلى، اثنى عشر.

و فى حديث ابن أبى هالة: و إذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة (1).

____________

(1) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (22/ 155)، و هو عند أحمد (1/ 89 و 101) من حديث على- رضى اللّه عنه-، بسند فيه مقال.

16

و هى مفاعلة من اللحظ: و هو النظر بشق العين الذي يلى الصدغ، و أما الذي يلى الأنف فالموق و الماق. و قوله: إذا التفت التفت جميعا أراد أنه لا يسارق النظر، و قيل: لا يلوى عنقه يمنة و لا يسرة إذا نظر إلى الشي‏ء، و إنما يفعل ذلك الطائش الخفيف و لكن كان يقبل جميعا و يدبر جميعا. قاله ابن الأثير:

و عن على قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة (1)، رواه البيهقي.

و عن جابر بن سمرة قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين‏ (2)، رواه مسلم.

و الشكلة: الحمرة تكون فى بياض العين و هو محمود محبوب، و أما الشهلة: فإنها حمرة فى سوادها. و هذا هو الصواب: لا ما فسره بعضهم، بأنه طول شق العين.

و عند الترمذى فى حديث عن على، أنه نعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال:

كان فى وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار (3) الحديث.

و الأدعج: الشديد سواد الحدقة.

و الأهدب: الطويل الأشفار: و هى شعر العين.

و عنده- أيضا- عن على قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار.

و عن على: بعثنى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى اليمن فقمت لأخطب يوما على الناس، و حبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلما رآنى قال:

____________

(1) أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (1/ 212).

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2339) فى الفضائل، باب: فى صفة فم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و عينيه و عقبيه.

(3) أخرجه الترمذى (3638) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و البيهقي فى «دلائل النبوة» (1/ 213) من حديث على- رضى اللّه عنه-، و قد تقدم.

17

صف لى أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن و لا بالقصير. الحديث، و فيه: قال على: ثم سكت، فقال الحبر و ما ذا: قلت: هذا ما يحضرنى، قال الحبر: فى عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال على: هذه و اللّه صفته، قال الحبر: فإنى أجد هذه الصفة فى سفر آبائى، و إنى أشهد أنه نبى و أنه رسول اللّه إلى الناس كافة. الحديث.

و أما سمعه الشريف فحسبك أنه قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنى أرى ما لا ترون و أسمع ما لا تسمعون، أطت السماء و حق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا و ملك واضع جبهته ساجد للّه تعالى» (1) رواه الترمذى من رواية أبى ذر.

و ما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى أصحابه إذ قال لهم: «تسمعون ما أسمع» قالوا: ما نسمع من شي‏ء، قال:

«إنى لأسمع أطيط السماء، و ما تلام أن تئط و ما فيها موضع شبر إلا و عليه ملك ساجد أو قائم» (2).

و أما جبينه الكريم- صلى اللّه عليه و سلم- فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين.

بهذا وصفه على، كما عند ابن سعد و ابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين أى: واضحه، و القرن: اتصال شعر الحاجبين.

و عند البيهقي عن رجل من الصحابة قال: رأيت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة رقيق الحاجبين. و للّه در القائل:

جبينه مشرق من فوق طرته‏ * * * يتلو الضحى ليله و الليل كافره‏

بالمسك خطت على كافور جبهته‏ * * * من فوق نوناتها سينا ضفائره‏

مكحل الخلق ما تحصى خصائصه‏ * * * منضر الحسن قد قلت نظائره‏

____________

(1) حسن: أخرجه الترمذى (2312) فى الزهد، باب: فى قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا»، و ابن ماجه (4190) فى الزهد، باب: الحزن و البكاء، و أحمد فى «المسند» (5/ 173) بسند حسن.

(2) أخرجه الطبرانى، و الضياء، عن حكيم بن حزام كما فى «كنز العمال» (2983)، و ابن أبى حاتم فى التفسير، و أبو الشيخ فى العظمة، كما فى «الكنز» أيضا (29841).

18

و قال ابن أبى هالة: أزج الحواجب- و فسر: بالمقوس الطويل الوافر الشعر- ثم قال: سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أى يمتلئ دما إذا غضب كما يمتلئ الضرع لبنا إذا در. قاله فى النهاية.

و عن مقاتل بن حيان‏ (1) قال: أوحى اللّه إلى عيسى- عليه الصلاة و السلام-: اسمع و أطع يا ابن الطاهرة البتول، إنى خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد، و على فتوكل، فسر لأهل سوران أنى أنا اللّه الحى القيوم، الذي لا أزول، صدقوا النبيّ الأمى، صاحب الجمل و المدرعة و العمامة و النعلين و الهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه فى وجهه كاللؤلؤ، و ريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة الحديث.

و الأنجل: الواسع شق العينين. و القرن: بالتحريك: التقاء الحاجبين.

و ما وصفه به ابن أبى هالة مخالف لما فى حديث مقاتل بن حيان و ما فى حديث أم معبد فإنها قالت: أزج أقرن، أى مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير:

و الأول هو الصحيح فى صفته، يعنى: سوابغ فى غير قرن. و القنى فى الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب فى وسطه. و قد وصفه- صلى اللّه عليه و سلم- غير واحد: بأنه عظيم الهامة، أى الرأس، كذا فى حديث ابن أبى هالة المشهورة.

و قال على بن أبى طالب- فى حديث رواه الترمذى و صححه و البيهقي-:

ضخم الرأس. و كذا قال أنس فى رواية البخاري.

و كان- صلى اللّه عليه و سلم- أيضا ضخم الكراديس، و هى رءوس العظام، كما وصفه به على فى حديث الترمذى. و قال أيضا فى رواية للترمذى: جليل المشاش‏

____________

(1) هو: مقاتل بن حيان النبطى، أبو بسطام، كان ممن عنى بعلم القرآن، و واظب على الورع فى السر و الإعلان، مات بكابل حيث هرب فى أيام خروج أبى مسلم الخراسانى و هو غير مقاتل بن سليمان المفسر، حيث كان معاصرا له، إلا أنه متروك الحديث. انظر «تذكرة الحفاظ» (1/ 174).

19

و الكتد (1). و فسر برءوس العظام كالركبتين و المرفقين و المنكبين، أى عظيمها.

و الكتد- بفتحتين و يجوز كسر التاء- مجمع الكتفين.

و كان- صلى اللّه عليه و سلم- دقيق العرنين، أى أعلى الأنف، كما وصفه به على فى رواية ابن سعد و ابن عساكر. و فى رواية أيضا عن ابن عمر من وصف على له أيضا: أقنى الأنف، و فسر بالسائل المرتفع وسطه، و قال ابن أبى هالة:

أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ، و الأشم: الطويل قصبة الأنف.

و أما فمه الشريف- صلى اللّه عليه و سلم- ففى مسلم من حديث جابر أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان ضليع الفم‏ (2) يعنى واسعه. و كذا وصفه به ابن أبى هالة، و زاد يفتتح الكلام و يختم بأشداقه يعنى لسعة فمه، و العرب تمدح به و تذم بصغر الفم. و قال شمر (3): عظيم الأسنان.

و فى حديث عند البزار و البيهقي قال أبو هريرة: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أسيل الخدين واسع الفم.

و وصفه- صلى اللّه عليه و سلم- ابن أبى هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان. و الشنب:

رونق الأسنان و ماؤها. و قيل: رقتها و تحديدها. و أفلج الأسنان أى متفرقها.

و قال على: مبلج الثنايا، بالموحدة، أخرجه ابن سعد من حديث أبى هريرة. و عند ابن عساكر: عن على: براق الثنايا.

و عند ابن عباس قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه‏ (4)، رواه الترمذى فى الشمائل، و الدارمى، و الطبرانى فى الأوسط.

____________

(1) أخرجه الترمذى (3638) من حديث على- رضى اللّه عنه-، و قد تقدم.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2339) فى الفضائل، باب: فى صفة فم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث جابر بن سمرة- رضى اللّه عنه-.

(3) هو: شمر بن عطية الأسدي الكاهلى الكوفى، من الأثبات، مات فى ولاية خالد. انظر «مشاهير علماء الأمصار» (1/ 165).

(4) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 279) و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط، و فيه عبد العزيز بن أبى ثابت، و هو ضعيف.

20

و كان- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن عباد اللّه شفتين و ألطفهم ختم فم.

بحر من الشهد فى فيه مراشفه‏ * * * يا قوته صدف فيه جواهره‏

و عن أبى قرصافة قال: بايعنا رسول اللّه أنا و أمى و خالتى، فلما رجعنا قالت لى أمى و خالتى: يا بنى، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجها و لا أنقى ثوبا و لا ألين كلاما، و رأينا كالنور يخرج من فيه.

و أما ريقه الشريف ففى الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه، يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله» فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كلهم يرجو أن يعطاها، قال: «أين على بن أبى طالب؟» فقالوا: هو يا رسول اللّه يشتكى عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتى به، فبصق الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- فى عينيه فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع‏ (1). الحديث متفق عليه.

و أتى بدلو من ماء، فشرب من الدلو، ثم صب فى البئر، أو قال: «مج فى البئر» ففاح منها مثل رائحة المسك‏ (2). رواه أحمد و ابن ماجه من حديث وائل بن حجر.

و بزق فى بئر فى دار أنس، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها، رواه أبو نعيم.

و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يوم عاشوراء يدعو برضعائه و رضعاء ابنته فاطمة فيتنقل فى أفواههم و يقول للأمهات: «لا ترضعنهم إلى الليل» فكان ريقه يجزئهم‏ (3). رواه البيهقي.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (2942) فى الجهاد و السير، باب: دعاء النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الإسلام و النبوة، و مسلم (2406) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه-.

(2) أخرجه ابن ماجه (659) فى الطهارة و سننها، باب: المج فى الإناء، و أحمد فى «المسند» (4/ 315 و 318)، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه».

(3) أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (6/ 226).

21

و دخلت عليه عميرة بنت مسعود هى و أخواتها يبايعنه و هن خمس فوجدنه يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة قطعة فلقين اللّه و ما وجدن لأفواههن خلوف‏ (1)، رواه الطبرانى.

و مسح- صلى اللّه عليه و سلم- بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة و بطنه و كان به شرى، فما كان يشم أطيب منه رائحة. رواه الطبرانى. و أعطى الحسن لسانه- و كان قد اشتد ظمؤه- فمصه حتى روى. رواه ابن عساكر.

و للّه در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى حيث يقول:

جنى النحل فى فيه و فيه حياتنا * * * و لكنه من لى بلثم لثامه‏

رحيق الثنايا و المثانى تنفست‏ * * * إذا قال فى فيح بطيب ختامه‏

و أما فصاحة لسانه و جوامع كلمه، و بديع بيانه و حكمه، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- أفصح خلق اللّه، و أعذبهم كلاما، و أسرعهم أداء، و أحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب و يسلب الأرواح.

ينظم در الثغر نثر مقوله‏ * * * ما حسنه فى نثره و نظامه‏

يناجى فينجى من يناجى من الجوى‏ * * * فكل كليم برؤه فى كلامه‏

ففصاحة لسانه- صلى اللّه عليه و سلم- غاية لا يدرك مداها، و منزلة لا يدانى منتهاها، و كيف لا يكون ذلك و قد جعل اللّه تعالى لسانه سيفا من سيوفه، يبين عن مراده، و يدعو به إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، و يبين عن مراده بحقيقة ذكره.

أفصح خلق اللّه إذا لفظ، و أنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا، و لا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما، و يمتثل شرعا و حكما، لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه فى مقالته، و لا أجزل منه فى عذوبته.

و خليق بمن عبر عن مراد اللّه بلسانه، و أقام به الحجة على عباده ببيانه،

____________

(1) ضعيف: و ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 283) و قال: رواه الطبرانى و فيه إسحاق بن إدريس الأسوارى، و هو ضعيف.

22

و بين مواضع فروضه و أوامره، و نواهيه، و زواجره و وعده و وعيده و إرشاده أن يكون أحكم الخلق جنانا و أفصحهم لسانا، أوضحهم بيانا.

و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده العاد، ليس بهذا مسرع لا يحفظ، قالت عائشة- رضى اللّه عنها-: ما كان- صلى اللّه عليه و سلم- يسرد سردكم هذا، كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه‏ (1) و كان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه‏ (2).

و كان يقول: «أنا أفصح العرب» (3).

و قد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، ما لك أفصحنا و لم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: «كانت لغة إسماعيل قد درست فجاءنى بها جبريل فحفظنيها» (4). رواه أبو نعيم.

و روى العسكرى فى الأمثال من حديث على بسند ضعيف جدّا قال:

قدم بنو نهد على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: الحديث و فيه: ذكر خطبتهم و ما أجابهم به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: فقلنا: يا نبى اللّه، نحن بنو أب واحد، و نشأنا فى بلد واحد، و إنك تكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره، فقال: «إن اللّه عز و جل أدبنى فأحسن أدبى، و نشأت فى بنى سعد بن بكر» (5).

و عن محمد بن عبد الرحمن الزهرى عن أبيه عن جده قال: قال رجل: يا رسول اللّه، أ يدالك الرجل امرأته؟ قال: «نعم إذا كان مفلجا» فقال‏

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (3568) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (2493) فى الزهد و الرقائق، باب: التثبت فى الحديث.

(2) صحيح: أخرجه البخاري (94، 95) فى العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.

(3) لا أصل له: أخرجه العسكرى فى الأمثال عن بريدة، و فيه حسان بن مصك، متروك، قاله المتقى الهندى فى «كنز العمال» (35471).

(4) ضعيف: أخرجه الغطريف فى جزئه و ابن عساكر عن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (1919).

(5) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (249، 250).

23

له أبو بكر: يا رسول اللّه، ما قال لك، و ما قلت له؟ قال: «قال: أ يماطل الرجل أهله؟ قلت له نعم إذا كان مفلسا»، قال أبو بكر: يا رسول اللّه، لقد طفت فى العرب و سمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، قال: «أدبنى ربى و نشأت فى بنى سعد» (1) رواه السرقسطى فى الدلائل بسند واه. و كذا أخرجه ابن عساكر. قال فى القاموس: و دالكه أى ماطله انتهى.

و قوله: «ملفجا» بضم الميم و فتح الفاء، اسم فاعل من «ألفج الرجل» فهو ملفج، إذا كان فقيرا، و هو غير مقيس. و مثله أحصن فهو محصن، و أسهب فهو مسهب، فى ألفاظ شذت، و القياس الكسر، قاله ابن مرزوق. لكن قال ابن الأثير: لم يجى‏ء إلا فى ثلاثة أحرف، أسهب و أحصن و ألفج.

و قال غيره: معناه: أ يداعب الرجل امرأته، يعنى قبل الجماع؟ و سماه مطلا لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزا، ليكون ذلك محركا لشهوته، و لعجزه سمى مفلسا. و قال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيرا. و أما ما يروى: «أنا أفصح من نطق بالضاد» (2) فقال: ابن كثير: لا أصل له. انتهى لكن معناه صحيح و اللّه أعلم.

و قد حدوا الفصاحة: بخلوص الكلمة من التنافر و الغرابة و مخالفة القياس. و المراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله: غدائره مستشزرات إلى العلا فإن السين و التاء و الزاى كلها متقاربة المخارج. و الغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أول وهلة لاحتمال معنى آخر. و مخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله: الحمد للّه العلى الأجلل. و الفصاحة: يوصف بها الكلام و الكلمة و المتكلم. و البلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، الجزالة: خلاف الركاكة.

____________

(1) ضعيف: انظر ما قبله.

(2) لا أصل له: انظر «كشف الخفا» للعجلونى (609).

24

ففصاحته- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية و الزيادة التي تصدع القلوب قبل الأذهان، و تقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق و يفوق، و يثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم و بدائع الحكم، و قوارع الزجر و قواطع الأمر، و الأمثال السائرة، و الغرر السائلة، و الدرر المنثورة و الدرارى المأثورة و القضايا المحكمة، و الوصايا المبرمة، و المواعظ التي هى على القلوب محكمة، و الحجج التي هى للد الخصماء مفحمة ملجمة.

و قليل هذا الوصف فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه، و قد روى الحاكم فى مستدركه و صححه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد- صلى اللّه عليه و سلم- (1) و بالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، و لا ينكرها موافق و لا معاند، و قد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، و فى كتاب الشفاء للقاضى عياض من ذلك ما يشفى العليل.

كقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «المرء مع من أحب» (2).

و قوله: «أسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين» (3).

و قوله: «السعيد من وعظ بغيره» (4). و مما لم يذكره القاضى- رحمه اللّه-.

____________

(1) لم أقف عليه فيه، و لا فى غيره بهذا اللفظ.

(2) صحيح: أخرجه البخاري (6168، 6169) فى الأدب، باب: علامة الحب فى اللّه عز و جل، و مسلم (2641) فى البر و الصلة، باب: المرء مع من أحب، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-.

(3) صحيح: و هو جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (7) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (1773) فى الجهاد و السير، باب: كتاب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى هر قل يدعوه إلى الإسلام، من حديث أبى سفيان- رضى اللّه عنه-.

(4) صحيح: أخرجه مسلم (2645) فى القدر، باب: كيفية خلق الآدمى، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-.

25

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنما الأعمال بالنيات» (1) رواه الشيخان و غيرهما.

و قوله: «ليس للعامل من عمله إلا ما نواه» (2).

و تحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم لهذا قال الشافعى- رحمه اللّه-:

حديث الأعمال بالنيات يدخل فى نصف العلم، و ذلك أن للدين ظاهرا و باطنا، و النية متعلقة بالباطن، و العمل هو الظاهر، و أيضا: فالنية عبودية القلب، و العمل عبودية الجوارح. و قال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، و وجهه: أن الدين: قول و عمل و نية.

و قوله: «نية المرء خير من عمله» (3) رواه الطبرانى. لكن قال بعضهم لا يصح رفعه قال: و رواه القضاعى عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصفار، أخبرنا على بن عبد اللّه الفضل حدثنا محمد بن الحنفية الواسطى، حدثنا محمد بن عبد اللّه الحلبي، حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يقول: «نية المؤمن أبلغ من عمله» (4). قال: و هذا إسناد لا ضوء عليه و يوسف بن عطية متروك الحديث.

و رواه عثمان بن عبد اللّه الشامى من حديث النواس بن سمعان و قال:

«نية المؤمن خير من عمله، و نية الفاجر شر من عمله» (5) و قال ابن عدى:

عثمان بن عبد اللّه الشامى له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، و قال‏

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (1) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (1907) فى الإمارة، باب: قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، من حديث عمر- رضى اللّه عنه-.

(2) لم أقف عليه.

(3) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (6/ 185)، من حديث سهل بن سعد- رضى اللّه عنه-، و قال الحافظ فى «الفتح» (4/ 219) و الحديث ضعيف.

(4) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «سند الشهاب» (1/ 119) بسند فيه متروك، كما قال المصنف.

(5) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «سند الشهاب» (1/ 119) بسند ضعيف، كما ذكر المصنف.

26

ابن الجوزى: لا يصح رفعه، قال: و معناه: أن النية سر، و العمل ظاهر، [و عمل‏] السر أفضل، و هو يقتضى أنه لو نوى أن يذكر اللّه أو يتفكر، تكون نية الذكر و التفكير خيرا منه، و ليس بصحيح.

و قيل: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، و هذا بعيد، لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلا.

و قيل: إن النية عمل القلب، و الفعل عمل الجوارح، و عمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، و بينه و بينها علاقة، فإذا تألمت تألم القلب، و إذا تألم القلب تألمت فارتعدت الفرائص و تغير اللون، فإنه الملك الراعى و الجوارح جيشه و رعيته، و عمل الملك أبلغ من عمل رعيته.

و قيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها و روحها و لبها. و الأعمال تابعة لها تصح بصحتها و تفسد بفسادها، و هى التي تقلب العمل الصالح فتجعله فاسدا، و غير الصالح تجعله صالحا مثابا عليه، و يثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرا من عمله. و قال أبو بكر بن دريد فى مجتباه: المعنى- و اللّه أعلم- أن المؤمن ينوى الأشياء من أبواب البر نحو الصدقة و الصوم و غير ذلك فلعله يعجز عن بعض ذلك و هو معقود النية عليه، فنيته خير من عمله.

و قوله: «يا خيل اللّه اركبى» (1).

رواه أبو الشيخ فى الناسخ و المنسوخ عن سعيد بن جبير، و العسكرى أنس، و ابن عائذ فى المغازى عن قتادة و لفظه عند ابن عائذ: قال بعث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يومئذ- يعنى يوم الأحزاب- مناديا ينادى: يا خيل اللّه اركبى.

قال العسكرى و ابن دريد فى مجتباه، و هذا على المجاز و التوسع، أراد:

يا فرسان خيل اللّه اركبى، فاختصره.

____________

(1) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (2/ 397)، و ابن المبارك فى «الجهاد» (161) من قول منادى على- رضى اللّه عنه-، و انظر «كشف الخفا» (3170).

27

و قوله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (1).

رواه الشيخان و غيرهما، و المعنى- و اللّه أعلم- أن حظ العاهر الحجر و لا شي‏ء له فى الولد، و قيل: أراد أن حظه الغلظة و الخشونة من إقامة الحد التي نهايتها رميه بالحجر. و قيل: أراد بالحجر هنا الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد إذا لم تكن المرأة زوجا له، و اللّه أعلم.

و قوله: «كل الصيد فى جوف الفرا» (2).

و هو بفتح الفاء، حمار الوحش، رواه الرامهرمزى فى الأمثال، و سنده جيد، و لكنه مرسل، و نحوه عند العسكرى و قال: جوف أو جنب.

و هذا خاطب به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب حين جاءه مسلما بعد أن كان عدوّا له و هجاه كثير الهجاء مقذعا فيه، فكأنه يقول- صلى اللّه عليه و سلم- إن الحمار الوحشى من أعظم ما يصاد، و كل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى و أمسهم رحما بى، و من أكرم من يأتينى و كل دونك. انتهى.

و قوله: «الحرب خدعة» (3).

رواه البخاري و مسلم عن أبى هريرة قال: سمى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- الحرب خدعة. و ليس عند مسلم «سمى»، و قوله: «خدعة» مثلث الخاء، أشهرها:

فتح الخاء و إسكان الدال، قال ثعلب و غيره: و هى لغة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الثانية، ضم الخاء و إسكان الدال. و الثالثة: ضم الخاء و فتح الدال.

و قد قال ذلك- صلى اللّه عليه و سلم- يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود و أمره أن يخذل بين قريش و غطفان و اليهود، و أشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (2053) فى البيوع، باب: تفسير المشبهات، و مسلم (1457) فى الرضاع، باب: الولد للفراش و توقى الشبهات، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.

(2) ذكره العجلى فى «كشف الخفا» (1977) و عزاه للرامهرمزى فى الأمثال.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (3028) فى الجهاد و السير، باب: الحرب خدعة، و مسلم (1740) فى الجهاد و السير، باب: جواز الخداع فى الحرب.

28

قال النووى: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار فى الحرب كيف أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل.

و قوله: «إياكم و خضراء الدمن» (1).

رواه الرامهرمزى و العسكرى فى الأمثال، و ابن عدى فى الكامل، و أبو بكر بن دريد فى المجتبى و القضاعى فى مسند الشهاب و الديلمى من حديث الواقدى قال: حدثنا محمد بن سعيد بن دينار عن أبى و جزة يزيد بن عبيد عن عطاء بن يزيد الليثى عن أبى سعيد مرفوعا: قيل يا رسول اللّه و ما ذا؟

قال: «المرأة الحسناء فى المنبت السوء» (2) قال ابن عدى: تفرد به الواقدى.

و معناه: أنه كره نكاح الفاسدة، و قال: إن أعراق السوء تنزع أولادها، و تفسير حقيقته: أن الريح تجمع الدمن، و هو البعر، فى البقعة من الأرض، ثم يركبه السافى فإذا أصابه المطر أنت نبتا غضّا ناعما، يهتز و تحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنا و باطنه قبيحا فاسدا. و الدمن جمع دمنة و أنشد زفر بن الحارث:

و قد ينبت المرعى على دمن الثرى‏ * * * و تبقى حزازات النفوس كما هيا

و معنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح و المودة، و ينطويان على البغض و العداوة، كما ينبت المرعى على الدمن. و هذا أكثرى أو كلى فى زماننا، أشار إليه شيخنا.

و قوله: «الأنصار كرشى و عيبتى» (3).

رواه البخاري، أى إنهم بطانته، و موضع سره، و العيبة كذلك، لأن‏

____________

(1) ضعيف: أخرجه الرامهرمزى و العسكرى معا فى الأمثال عن أبى سعيد، و فيه الواقدى، كما فى «كنز العمال» (45620).

(2) ضعيف: و هو تتمة ما قبله.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (3799) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-:

«اقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم»، و مسلم (2510) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأنصار- رضى اللّه عنهم-، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.

29

المجتر يجمع علفه فى كرشه، و الرجل يضع ثيابه فى عيبته. و قيل: هم الذين أعتمد عليهم و أفزع إليهم و أقوى بهم، و قيل أراد بالكرش الجماعة، أى جماعتى و صحابتى، و يقال: عليه كرش من الناس أى جماعة، و وقع فى رواية الترمذى: «ألا إن عيبتى التي آوى إليها أهل بيتى و إن كرشى الأنصار» (1).

و قوله: «و لا يجنى على المرء إلا يده» (2). رواه الشيخان.

و لأحمد و ابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: «لا يجنى جان إلا على نفسه» (3) و قد أراد- صلى اللّه عليه و سلم- بهذا: أنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره، إن قتل أو جرح أو زنى، و إنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هى التي أدته إلى ذلك.

و قوله: «ليس الشديد من غلب الناس إنما الشديد من غلب نفسه» (4).

رواه ابن حبان فى صحيحه، و رواه الشيخان بلفظ «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (5) يعنى أنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه و شر خصومه. و لذلك قال: «أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك» (6). و هذا من باب المجاز، و من فصيح الكلام، لأنه‏

____________

(1) صحيح: أخرجه الترمذى (3907) فى المناقب، باب: فى فضل الأنصار و قريش، و انظر ما قبله.

(2) لم أجده، و الحديث ليس في الصحيحين.

(3) صحيح: أخرجه الترمذى (2159) فى الفتن، باب: ما جاء دماؤكم و أموالكم عليكم حرام و (3087) فى التفسير، باب: و من سورة التوبة، و ابن ماجة (2669) فى الديات، باب: لا يجنى أحد على أحد، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجة».

(4) صحيح: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (717)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و هو فى الصحيحين بلفظ الحديث الآتى.

(5) صحيح: أخرجه البخاري (6114) فى الأدب، باب: الحذر من الغضب، و مسلم (2609) في البر و الصلة، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(6) ضعيف: ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (412) و قال: رواه البيهقي فى الزهد بإسناد ضعيف.

30

لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ و قد ثارت عليه شدة الغضب فقهرها بحلمه، و صرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصرع الرجال و لا يصرعونه.

و قوله: «ليس الخبر كالمعاينة» (1).

رواه أحمد و ابن منيع و الطبرانى و العسكرى.

و قوله: «المجالس بالأمانة» (2).

رواه العقيلى فى ترجمة حسين بن عبد اللّه بن ضمرة عن أبيه عن جده عن على رفعه، و عن جابر بن عتيك «إذا حدث الرجل ثم التفت فهى أمانة» (3) و رواه أبو داود فى سننه و الترمذى فى جامعه و ابن أبى الدنيا فى الصمت. و غيرهم.

ففى هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة و آداب الصحبة و كتم السر، و حفظ الود و حسن العهد، و إصلاح ذات البين و التحذير من النميمة بين الإخوان، الموقعة للشنآن ما لا يكاد يخفى على مبادى الأذهان.

و قوله: «البلاء موكل بالمنطق» (4).

رواه ابن أبى شيبة، و البخاري فى الأدب المفرد، من رواية إبراهيم عن ابن مسعود، و رواه الديلمى عن أبى الدرداء مرفوعا: «البلاء موكل بالمنطق»

____________

(1) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (1/ 215، 271)، و ابن حبان فى «صحيحه» (6213 و 6214) من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (5374).

(2) حسن: أخرجه أبو داود (4869) فى الأدب، باب: فى نقل الحديث، و أحمد فى «المسند» (3/ 342)، من حديث جابر بن عبد اللّه- رضى اللّه عنهما-، و أخرجه أبو الشيخ ابن حبان فى التوبيخ عن عثمان، و ابن عباس كما فى «صحيح الجامع» (2330) و انظر رقم (6678) أيضا.

(3) حسن: أخرجه أبو داود (4868) فى الأدب، باب: فى نقل الحديث، و الترمذى (1959) فى البر و الصلة، باب: ما جاء أن المجالس أمانة، و أحمد فى «المسند» (3/ 324 و 379 و 394) عن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد اللّه فذكره.

(4) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (2377- 2380).

31

و أورده ابن الجوزى فى الموضوعات من حديث أبى الدرداء و ابن مسعود. قال شيخنا فى المقاصد الحسنة: و لا يحسن مع مجموع ما ذكرناه الحكم عليه بالوضع، و يشهد لمعناه قوله- صلى اللّه عليه و سلم- للأعرابى الذي دخل عليه يعوده. و قال:

«لا بأس طهور» فقال الأعرابى: بل هى حمى تفور على شيخ كبير تزيده القبور، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «فنعم إذا» (1). و أنشد فى معناه:

لا تنطقن بما كرهت فربما * * * نطق اللسان بحادث فيكون‏

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «ترك الشر صدقة» (2).

رواه بعضهم و معنى ذلك أن من ترك الشر و أذى الناس فكأنه تصدق عليهم، و علم من ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة.

و قوله: «و أي داء أدوأ من البخل» (3).

رواه البخاري، و البخل قد جعله- صلى اللّه عليه و سلم- داء، و ليس بداء مؤلم لصاحبه، و إنما شبهه بالداء إذ كان مفسدا للرجل مورثا له سوء الثناء، كما أن الداء يؤول إلى طول الضنا و شدة العنا، و القصد من هذا النهى عن البخل أعاذنا اللّه منه.

و قوله: «لا ينتطح فيها عنزان» (4).

أى لا يجرى فيها خلف و لا نزاع.

و قوله: «الحياء خير كله» (5) متفق عليه.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (5656) فى المرض، باب: عيادة، الأعراب، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.

(2) لا أصل له: ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (966) و قال: ذكره فى المواهب من غير عزو لأحد.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (3137) فى فرض الخمس، باب: و من الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.

(4) ضعيف: أخرجه ابن سعد عن عبد اللّه بن الحارث بن الفضيل الخطمى عن أبيه مرسلا، و ابن عدى، و ابن عساكر عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، كما فى «كنز العمال» (44131).

(5) صحيح: أخرجه مسلم (37) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان و أفضلها و أدناها، من حديث عمران بن حصين- رضى اللّه عنه-.

32

و قوله: «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» (1).

رواه فى مسند الفردوس من حديث أبى هريرة.

و قوله: «سيد القوم خادمهم» (2).

رواه أبو عبد الرحمن السلمى فى «آداب الصحبة» له عن عقبة بن عامر رفعه، و فى سنده ضعف و انقطاع. و رواه غيره أيضا.

و قوله: «فضل العلم خير من فضل العبادة» (3). رواه الطبرانى و البزار.

و قوله: «الخيل فى نواصيها الخير» (4).

متفق عليه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه بلفظ: «الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» و فى لفظ لغيرهما: «معقود بنواصيها الخير».

و قوله: «أعجل الأشياء عقوبة البغى» (5).

و قوله: «إن من الشعر لحكما» (6).

____________

(1) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق عن معمر بلاغا، كما فى «كنز العمال» (46388).

(2) ضعيف: أخرجه الخطيب البغدادى فى التاريخ عن ابن عباس كما فى «ضعيف الجامع» (3323)، و أبو نعيم فى الأربعين الصوفية عن أنس كما فى المصدر السابق (3324).

(3) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (1/ 120) عن حذيفة بن اليمان و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط و البزار و فيه عبد اللّه بن عبد القدوس، وثقه البخاري و ابن حبان و ضعفه ابن معين.

(4) صحيح: أخرجه البخاري (2849) فى الجهاد و السير، باب: الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، و مسلم (1871) فى الإمارة، باب: الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

(5) ضعيف: أخرجه ابن ماجة (4212) فى الزهد، باب: البغى، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (840).

(6) صحيح: أخرجه البخاري (6145) فى الأدب، باب: ما يجوز من الشعر، و أبو داود (5010) فى الأدب، باب: ما جاء فى الشعر، و ابن ماجة (3755) فى الأدب، باب:

الشعر، من حديث أبى بن كعب- رضى اللّه عنه-، و هو عند أبى داود (5011) من حديث ابن عباس، و (5012) من حديث بريدة- رضى اللّه عنه-.

33

رواه أبو داود من رواية صخر بن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه عن جده سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «إن من البيان لسحرا، و إن من العلم جهلا، و إن من الشعر حكما» فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. أما قوله: «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق، و هو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. و أما قوله:

«إن من العلم جهلا، فتكلف العالم إلى علمه ما لم يعلم يجهله» و أما قوله:

«إن من الشعر حكما» فى هذه المواعظ و الأمثال التي يتعظ بها الناس‏ (1).

و مفهومه: أن بعض الشعر ليس كذلك. لأن من تبعيضية. و فى البخاري: إن من الشعر حكمة. أى قولا صادقا مطابقا للحق.

قال الطبرى: و فى هذا الحديث رد على من كره الشعر مطلقا، و احتج بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. و عن أبى أمامة- رفعه- أن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب اجعل لى قرآنا، قال: قرآنك الشعر. ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية. و هو كذلك. فحديث أبى أمامة فيه:

على بن زيد الألهانى، و هو ضعيف. و على تقدير قوتها فهو محمول على الإفراط فيه و الإكثار منه.

و يدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري فى الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه: استنشدنى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من شعر أمية بن أبى الصلت فأنشدته مائة قافية (2).

و قوله: «الصحة و الفراغ نعمتان» (3). رواه البخاري.

____________

(1) ذكره أبو داود عقب الحديث رقم (5012).

(2) صحيح: أخرجه البخاري فى «الأدب المفرد» (799 و 869)، و هو عند مسلم (2255) فى أول كتاب الشعر.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (6412) فى الرقاق، باب: ما جاء فى الصحة و الفراغ، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما- بلفظ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ».

34

و قوله: «استعينوا على الحاجات بالكتمان فإن كل ذى نعمة محسود» (1).

رواه الطبرانى فى معاجمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه، و أخرجه الخلعى عن على مرفوعا: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها».

و قوله: «المكر و الخديعة فى النار» (2).

رواه الديلمى عن أبى هريرة، و معناه: أن ذا المكر و الخداع لا يكون نقيّا و لا خائفا للّه، لأنه إذا مكر غدر، و إذا غدر خدع، و إذا فعلهما أوبق و هذا لا يكون فى تقى، فكل خلة جانبت التقى فهى فى النار.

و قوله: «من غشنا فليس منا» (3) رواه مسلم فى صحيحه.

و قوله: «المستشار مؤتمن» (4).

رواه أحمد و غيره. و معناه: أن من أفضى إليك بسره و آمنك على ذات نفسه فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلا بما تراه صوابا، فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلا الثقة فى نفسه،

____________

(1) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الصغير» (1186)، و فى «الكبير» (20/ 94)، و فى «مسند الشاميين» (408)، من حديث معاذ بن جبل- رضى اللّه عنه-. و ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 195) و قال: رواه الطبرانى فى الثلاثة، و فيه سعيد بن سلام العطار، قال العجلى:

لا بأس به، كذبه أحمد و غيره، و بقية رجاله ثقات إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ.

(2) ضعيف: أخرجه أبو داود فى «المراسيل» (167) عن الحسن مرسلا، و هو عند القضاعى فى «مسند الشهاب» (1/ 175)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (101) فى الإيمان، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من غشنا فليس منا»، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(4) صحيح: أخرجه أبو داود (5128) فى الأدب، باب: فى المشورة، و الترمذى (2822) فى الأدب، باب: إن المستشار مؤتمن، و ابن ماجة (3745) فى الأدب، باب: المستشار مؤتمن، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (6700).

35

و السر الذي ربما كان فى إذاعته تلف النفس أولى بأن لا يجعل إلا عند الموثوق به.

و قوله: «الندم توبة» (1) رواه الطبرانى فى الكبير.

و قوله: «الدال على الخير كفاعله» (2).

رواه العسكرى و ابن جميع، و من طريقه المنذرى عن ابن عباس فى حديث مرفوع بلفظ: «و كل معروف صدقة و الدال على الخير كفاعله و اللّه يحب إغاثة اللهفان» و المعنى: أن من دلك على الخير و أرشدك إليه فنلته بإرشاده فكأنه فعل ذلك الخير.

و قوله: «حبك الشي‏ء يعمى و يصم» (3).

رواه أبو داود و العسكرى من حديث بقية بن الوليد، عن أبى بكر بن عبد اللّه بن أبى مريم عن خالد بن محمد الثقفى عن بلال بن أبى الدرداء عن أبيه مرفوعا، و لم ينفرد به بقية بل توبع عليه. و ابن أبى مريم ضعيف. و قد حكم الصغانى عليه بالوضع. و تعقبه العراقى و قال: إن ابن أبى مريم لم يتهمه أحد بكذب، و يكفينا سكوت أبى داود عليه، فليس بموضوع، بل و لا شديد الضعف، فهو حسن.

قال العسكرى: أراد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد، و يصمك عن استماع الحق، و أن الرجل إذا غلب الحب على قلبه و لم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل و أعماه عن الرشد، و لذا قال بعض الشعراء:

____________

(1) صحيح: أخرجه ابن ماجة (4252) فى الزهد، باب: ذكر التوبة، و أحمد فى «المسند» (1/ 376 و 422 و 423 و 433)، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (6802).

(2) صحيح: أخرجه الترمذى (2670) فى العلم، باب: ما جاء فى الدال على الخير كفاعله من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (1605).

(3) ضعيف: أخرجه أبو داود (5130) فى الأدب، باب: فى الهوى، و أحمد فى «المسند» (5/ 194) و (6/ 450). و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2688).

36

و عين الرضى عن كل عيب كليلة * * * و لكن عين السخط تبدى المساويا

أشار إليه شيخنا فى المقاصد الحسنة.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «العارية مؤداة و المنحة مردودة و الدين مقضى و الزعيم غارم» (1). رواه الترمذى و أبو داود.

و قوله: «سبقك بها عكاشة» (2) رواه البخاري.

و قوله: «عجب ربك» (3). من كذا.

روى فى عدة روايات عند البخاري و غيره. و معناه كما قاله ابن الأثير:

عظم ذلك عنده و كبر لديه، أعلم اللّه أنه إنما يتعجب الآدمى من الشي‏ء إذا عظم موقعه عنده و خفى عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.

و قيل معنى عجب ربك أى رضى و أثاب، فسماه عجبا مجازا و ليس بعجب فى الحقيقة. و الأول أوجه.

____________

(1) صحيح: أخرجه أبو داود (3565) فى الإجارة، باب: فى تضمين العارية، و الترمذى (1265) فى البيوع، باب: ما جاء فى أن العارية مؤداء، و (2120) فى الوصايا، باب:

لا وصية لوارث، و ابن ماجة (2398) فى الصدقات، باب: العارية، و أحمد فى «المسند» (5/ 267)، من حديث أبى أمامة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (1513).

(2) صحيح: أخرجه البخاري (5705) فى الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، و مسلم (220) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب و لا عذاب، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و هو فى الصحيحين أيضا من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (3010) فى الجهاد و السير، باب: الأسارى فى السلاسل، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه- بلفظ: «عجب اللّه ...» و منهج أهل السنة و الجماعة إمرار صفات اللّه عز و جل كما جاءت بلا تعطيل و لا تشبيه، بل نثبت ما أثبته لنفسه، و ننفى ما نفاه عن نفسه، أما تأويل بعض الصفات على غير معناها كالعجب مثلا بحجة أنه من صفات البشر، و العجب لا يدخل على اللّه، فنقول: أن اللّه عز و جل يسمع و يبصر، و الإنسان كذلك يسمع و يبصر، و شتان بين سمع و بصر اللّه، و سمع و بصر العبد المخلوق، فكذلك نثبت صفة العجب للّه دون تشبيهها بصفات المخلوقين.

37

و قوله: «قتل صبرا» (1) رواه غير واحد.

و قوله: «ليس المسئول بأعلم من السائل» (2) رواه مسلم و غيره.

و قوله: «و لا ترفع عصاك عن أهلك أدبا» (3).

رواه أحمد، أى لا تدع تأديبهم و جمعهم على طاعة اللّه، يقال شق العصا، أى فارق الجماعة، و ليس المراد الضرب بالعصا، و لكنه جعله مثلا، و قيل: لا تغافل عن أدبهم و منعهم من الفساد، قاله ابن الأثير.

و قوله: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» (4).

رواه البخاري، و ذكره ابن دريد و قال: إنه من الكلام الفرد الوجيز الذي لم يسبق- صلى اللّه عليه و سلم- إلى معناه. أى كل ما أنبت الجدول، و إسناد الإنبات إليه مجاز، و المنبت فى الحقيقة هو اللّه تعالى، و ليست «من» للتبعيض، و حبطا:

بفتح المهملة و الموحدة و الطاء المهملة أيضا، و هو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى ينتفخ فيموت، و يلم: بضم الياء، أى يقرب من الهلاك. و هو مثل للمنهمك فى جمع الدنيا، المانع من إخراجها فى وجهها.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» (5).

و معناه: عين ماء تجرى ليلا و نهارا و صاحبها نائم، فجعل دوام جريانها:

سهرا لها.

____________

(1) حسن: أخرجه البزار عن عائشة كما فى «صحيح الجامع» (4360).

(2) صحيح: أخرجه البخاري (50) فى الإيمان، باب: سؤال جبريل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عن الإيمان و الإسلام و الإحسان و علم الساعة و مسلم (9 و 10) فى الإيمان، باب: بيان الإيمان و الإسلام و الإحسان، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(3) أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 238) من حديث معاذ- رضى اللّه عنه-، و هو عند الطبرانى (24/ 190) من حديث أميمة مولاة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و هو عند البيهقي فى «الكبرى» (7/ 304) من حديث أم أيمن- رضى اللّه عنها-.

(4) صحيح: أخرجه البخاري (1465) فى الزكاة، باب: الصدقة على اليتامى، و مسلم (1052) فى الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه-.

(5) لم أقف عليه.

38

و قوله: «خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» (1).

رواه أحمد و الطبرانى عن سويد بن هبيرة. و معنى مأمورة: أى كثيرة النتاج، و سكة مأبورة: أى طريقة مصطفة من النخل، و منه قيل للأزقة:

سكة، و التأبير: تلقيح النخل. انتهى.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (2) رواه مسلم من حديث أبى هريرة.

و قوله: «زر غبّا، تزدد حبّا» (3).

رواه البزار، و الحارث بن أبى أسامة عن أبى هريرة مرفوعا، و فى بعض أحاديث الباب، أنه قيل له: «يا أبا هريرة أين كنت أمس» قال: زرت ناسا من أهلى، فقال: «يا أبا هريرة زر غبّا تزدد حبّا».

و قوله: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» (4).

رواه أبو يعلى و البزار من طرق، أحدها حسن بلفظ: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم و لكن يسعهم منكم بسط الوجه و حسن الخلق.

____________

(1) رجاله ثقات، أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 468)، و الطبرانى فى «الكبير» (7/ 91)، من حديث سويد بن هبيرة- رضى اللّه عنه-، و ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 258) و قال: رواه أحمد و الطبرانى، و رجال أحمد ثقات.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2699) فى الذكر و الدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن و على الذكر، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(3) صحيح: أخرجه البزار و الطبرانى فى الأوسط و البيهقي فى شعب الإيمان عن أبى هريرة، و البزار و البيهقي فى شعب الإيمان عن أبى ذر، و الطبرانى فى الكبير، و الحاكم فى المستدرك عن حبيب بن مسلمة الفهرى، و الطب فى الكبير عن ابن عمرو، و الطبرانى فى الأوسط عن ابن عمر، و الخطيب فى التاريخ عن عائشة كما فى «صحيح الجامع» (3568).

(4) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 23) عن أبى هريرة و قال: رواه أبو يعلى و البزار و فيه عبد اللّه بن سعيد المقبرى، و هو ضعيف. اه، و الحديث ضعفه كذلك الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2043).

39

و قوله: «الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، و الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (1) رواه الطبرانى فى الكبير و الأوسط و البيهقي.

و قوله: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، و لا تبغض إلى نفسك عبادة اللّه، فإن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى» (2).

رواه البزار و الحاكم فى علومه، و البيهقي فى سننه، كلهم من طريق محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا.

و هو مما اختلف فيه على ابن سوقة فى إرساله و وصله، و فى رفعه و وقفه، ثم فى الصحابى، أ هو جابر أو عائشة أو عمر. و رجح البخاري فى تاريخه من حديث ابن المنكدر الإرسال، و معناه: أنه بقى فى طريقه عاجزا عن مقصده، و لم يقض وطره، و قد أعطب ظهره.

و الوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين- مع كونه يسيرا سهلا شديد، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق و تكلف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يمل حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذي يعسف الركاب و يحملها على السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو الذي قطع الأرض التي أراد، و لا هو أبقى ظهره سالما ينتفع به بعد ذلك.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «من شاد هذا الدين غلبه».

رواه العسكرى عن بريدة، و للبخارى من حديث معن بن محمد الغفارى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة مرفوعا: «إن الدين يسر، و لن يشاد

____________

(1) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 24) عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و قال: رواه الطبرانى فى الكبير و الأوسط، و فيه عيسى بن ميمون المدنى، و هو ضعيف. اه. و قال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2945): ضعيف جدّا.

(2) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (1/ 62) و قال: رواه البزار، و فيه يحيى بن المتوكل، أبو عقيل، و هو كذاب.

40

الدين أحد إلا غلبه، فسددوا و قاربوا و بشروا و استعينوا بالغدوة و الروحة و شي‏ء من الدلجة» (1).

و قوله: «الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت. و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على اللّه الأمانى» (2).

رواه الحاكم عن شداد بن أوس، و قال: صحيح على شرط البخاري، و تعقبه الذهبى بأن فيه ابن أبى مريم و هو واه. و كذا رواه العسكرى و القضاعى و الترمذى و ابن ماجة.

و قوله: «ما حاك فى نفسك فدعه» (3).

رواه الطبرانى فى الكبير من حديث أبى أمامة.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «تنكح المرأة لجمالها و مالها و دينها و حسبها فعليك بذات الدين تربت يداك» (4). متفق عليه من حديث أبى هريرة.

و قوله: «الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه و طال ليله فقامه» (5) رواه البيهقي و أحمد و أبو نعيم مختصرا، و العسكرى بتمامه، كلهم من حديث دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد، و له شواهد.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (39) فى الإيمان، باب: الدين يسر.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذى (2459) فى صفة القيامة، باب: منه، و ابن ماجة (4260) فى الزهد، باب: ذكر الموت و الاستعداد له، و أحمد فى «المسند» (4/ 124)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 125) و (4/ 280)، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (4305).

(3) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 252 و 255)، و ابن حبان فى «صحيحه» (176)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 58) و (4/ 111)، و الطبرانى فى «الكبير» (8/ 117)، و قال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(4) صحيح: أخرجه البخاري (5090) فى النكاح، باب: الأكفاء فى النكاح، و مسلم (1466) فى الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.

(5) ضعيف: أخرجه أحمد فى المسند (3/ 75) مختصرا، و البيهقي فى «الكبرى» (2/ 297)، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه-، و انظر «ضعيف الجامع» (3429 و 3430).

41

و إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه فى بساتين الطاعات، و يسرح فى ميادين العبادات، و يتنزه قلبه فى رياض الأعمال الميسرة فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة و لا كلفة و لا يحصل له جوع و لا عطش، فإن نهاره قصير بارد فلا يحصل فيه مشقة الصيام.

و قوله: «القناعة مال لا ينفد و كنز لا يفنى» (1).

رواه الطبرانى فى الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، و القضاعى بدون: «و كنز لا يفنى» عن أنس.

و فى القناعة أحاديث كثيرة، و لو لم يكن فى القنع إلا التمتع بالعز لكفى صاحبه، و كان من دعائه- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم قنعنى بما رزقتنى» (2) و أنشد بعضهم:

ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له‏ * * * و لن ترى قانعا ما عاش مفتقرا

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما خاب من استخار و لا ندم من استشار، و لا عال من اقتصد» (3) رواه الطبرانى فى معجمه الأوسط من حديث أنس.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة، و التودد إلى الناس نصف العقل، و حسن السؤال نصف العلم» (4).

رواه البيهقي فى الشعب، و العسكرى فى الأمثال، و ابن السنى و الديلمى من طريقه و القضاعى كلهم من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعا. و ضعفه‏

____________

(1) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (10/ 256) عن جابر، و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط، و فيه خالد بن إسماعيل المخزومى، و هو متروك. اه، و أخرجه القضاعى عن أنس كما فى «كنز العمال» (7080).

(2) أخرجه العسكرى فى «الأمثال»، عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، كما فى «كنز العمال» (5094).

(3) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 96) و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط و الصغير من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، و كلاهما ضعيف.

(4) موضوع: أخرجه الطبرانى فى «مكارم الأخلاق»، و البيهقي فى «شعب الإيمان» عن ابن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (2286).

42

البيهقي، لكن له شاهد عند العسكرى من حديث خلاد بن عيسى عن ثابت عن أنس رفعه: «الاقتصاد نصف العيش، و حسن الخلق نصف الدين» (1) و كذا أخرجه الطبرانى و ابن لال. و من شواهده أيضا: ما للعسكرى عن أنس رفعه: «السؤال نصف العلم، و الرفق نصف المعيشة، و ما عال امرؤ فى اقتصاد» (2) و للديلمى من حديث أبى أمامة رفعه: «السؤال نصف العلم و الرفق نصف المعيشة» (3).

و فى صحيح ابن حبان من حديث طويل عن أبى ذر أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال له: «يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، و لا ورع كالكف، و لا حسب كسحن الخلق» (4) و هذا اللفظ عند البيهقي فى الشعب. و له أيضا و للعسكرى عن على مرفوعا: «التودد نصف الدين، و ما عال امرؤ قط على اقتصاد» (5) أى:

ما افتقر من أنفق قصدا و لم يجاوزه إلى الإسراف.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «المؤمن من أمنه الناس» (6). رواه الترمذى.

و قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، و المهاجر من هجر ما حرم اللّه» (7). متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعا، و عن أبى موسى، و مسلم عن جابر.

____________

(1) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (2287).

(2) ضعيف: أخرجه العسكرى فى الأمثال عن أنس، كما فى «كنز العمال» (29261) و فيه شبيب بن بشر لين الحديث.

(3) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «تاريخه» كما فى «كنز العمال» (29260).

(4) إسناده ضعيف جدّا: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (361) ضمن حديث طويل جدّا بسند ضعيف جدّا.

(5) انظر «كشف الخفا» (476).

(6) صحيح: أخرجه الترمذى (2627) فى الإيمان، باب: ما جاء المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، و النسائى (8/ 104) فى الإيمان و شرائعه، باب: صفة المؤمن، و أحمد فى «المسند» (2/ 379)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (6710).

(7) صحيح: أخرجه البخاري (10) فى الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، و مسلم (40) بعضه فى الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام و أى أموره أفضل.

43

و قوله: «قلة العيال أحد اليسارين» (1).

رواه صاحب مسند الفردوس لفظه: «التدبير نصف المعيشة، و التودد نصف العقل و الهم نصف الهرم، و قلة العيال أحد اليسارين».

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «أد الأمانة إلى من ائتمنك و لا تخن من خانك» (2).

رواه أبو داود و الترمذى من رواية شريك و قيس بن الربيع، كلاهما عن أبى صالح و الحارث من رواية الحسن، كلاهما عن أبى هريرة، و قال الترمذى: حديث حسن غريب، و أخرجه الدارمى فى مسنده، و الدارقطنى و الحاكم و قال: إنه صحيح على شرط مسلم، و لكن أعله ابن حزم و كذا ابن القطان و البيهقي. و قال أبو حاتم: إنه منكر، و قال الشافعى: إنه ليس بثابت عند أهله. و قال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- من وجه صحيح. قال شيخنا لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى.

و قوله: «الرضاع يغير الطباع» (3) رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له» (4).

رواه أحمد و أبو يعلى فى مسنديهما، و البيهقي فى الشعب عن أنس.

و قوله: «النساء حبائل الشيطان» (5) رواه فى مسند الفردوس عن عقبة ابن عامر.

____________

(1) ضعيف: أخرجه القضاعى عن على، و الديلمى فى «مسند الفردوس» عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (2505).

(2) صحيح: أخرجه أبو داود (3535) فى الإجارة، باب: فى الرجل يأخذ حقه من تحت يده، و الترمذى (1264) فى البيوع، باب: رقم (38)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (240).

(3) ضعيف: أخرجه القضاعى عن ابن عباس، كما فى «ضعيف الجامع» (3156).

(4) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 135 و 154 و 210 و 251)، و ابن حبان فى «صحيحه» (194)، و أبو يعلى فى مسنده (2863 و 3445) و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (7179).

(5) ضعيف: أخرجه الديلمى فى «مسند الفردوس» عن عقبة بن عامر كما فى «كشف الخفا» (2802)، و الخرائطي فى «اعتلال القلوب» عن زيد بن خالد الجهنى، كما فى «ضعيف الجامع» (3428).

44

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «حسن العهد من الإيمان» (1).

رواه الحاكم فى مستدركه، عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و هو عندى فقال لها: «من أنت؟» فقالت: جثامة المزينة قال: «أنت حسانة، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا» قالت: بخير بأبى أنت و أمى، فلما خرجت قلت: يا رسول اللّه، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ قال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، و إن حسن العهد من الإيمان» و قال: إنه صحيح على شرط الشيخين و ليس له علة.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «الخمر جماع الإثم» (2).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «جمال الرجل فصاحة لسانه» (3).

رواه القضاعى من حديث الأوزاعى و العسكرى من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا.

و أخرجه أيضا الخطيب و ابن طاهر، و فى إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقى و الديلمى من حديث جابر رفعه: «الجمال صواب المقال، و الكمال حسن الفعال بالصدق».

و عند العسكرى من حديث العباس: قلت يا نبى اللّه ما الجمال فى الرجل: قال: «فصاحة لسانه».

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا» (4).

____________

(1) حسن: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (1/ 62) من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (2056).

(2) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «مسند الشهاب» (1/ 68).

(3) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «مسند الشهاب» (1/ 164).

(4) أخرجه الدارمى فى «سننه» (332)، و الطبرانى فى «الكبير» (10/ 180)، و القضاعى فى «مسند الشهاب» (1/ 212)، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-، مرفوعا موقوفا، و لعل الصواب وقفه.

45

رواه الطبرانى فى الكبير و القضاعى عن ابن مسعود، و هو عند البيهقي فى المدخل: عن القاسم قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان طالب علم و صاحب الدنيا. و لا يستويان، أما صاحب الدنيا فيتمادى فى الطغيان، و أما صاحب العلم فيزداد من رضى الرحمن. و قال: إنه موقوف منقطع.

و كذا رواه البزار و العسكرى و غيرهما و بمجموعها يتقوى، و إن كانت مفرداته ضعيفة، و اللّه أعلم.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا فقر أشد من الجهل، و لا مال أكثر من العقل، و لا وحشة أشد من العجب» (1) رواه ابن ماجة.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «الذنب لا ينسى، و البر لا يبلى، و الديان لا يموت، فكن كما شئت» (2) رواه فى مسند الفردوس عن ابن عمر.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما جمع شي‏ء إلى شي‏ء أحسن من حلم إلى علم» (3).

رواه العسكرى فى الأمثال من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن على ابن الحسين عن أبيه عن على مرفوعا بزيادة: «و أفضل الإيمان التحبب إلى الناس، ثلاث من لم تكن فيه فليس منى و لا من اللّه، حلم يرد به جهل الجاهل، و حسن خلق يعيش به فى الناس، عفا رجل عن مظلمة إلا زاده اللّه تعالى بها عزّا» (4).

____________

(1) ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (3038) و عزاه لابن ماجة و الطبرانى عن أبى ذر، و لم أجده فيها، و فى الباب عن على بن أبى طالب يسأل ابنه الحسن فأجابه بذلك.

(2) مرسل: أخرجه عبد الرزاق عن أبى قلابة مرسلا، كما فى «ضعيف الجامع» (2369).

(3) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (1/ 121) عن على و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط و الصغير من رواية حفص بن بشر عن حسن بن الحسين بن يزيد العلوى عن أبيه، و لم أر من ذكر أحدا منهم. اه. و انظر «ضعيف الجامع» (5051)، و «كشف الخفا» (2204 و 2734).

(4) ضعيف: انظر ما قبله.

46

و عنده أيضا من حديث جابر مرفوعا: «ما أوى شي‏ء إلى شي‏ء أحسن من حلم إلى علم، و صاحب العلم غرثان إلى حلم» (1).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «التمسوا الرزق فى خبايا الأرض» (2).

رواه فى جزء ب ى ب ى‏ (3) عن ابن أبى شريح و المراد الزرع، و أنشدوا:

تتبع خبايا الأرض و ادع مليكها * * * لعلك يوما أن تجاب فترزقا

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك فى أهل القبور» (4) رواه البيهقي فى الشعب و العسكرى من حديث ابن عمر مرفوعا: و أخرجه البخاري و الترمذى و غيرهم.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «صنائع المعروف تقى مصارع السوء، و صدقة السر تطفئ غضب الرب، و صلة الرحم تزيد فى العمر» (5). خرج الطبرانى فى الكبير بسند حسن.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «العفو لا يزيد العبد إلا عزّا، و التواضع لا يزيده إلا رفعة. و ما نقص مال من صدقة» (6).

____________

(1) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (1/ 162) و قال: رواه أبو يعلى، و فيه مسعدة بن اليسع، و هو ضعيف جدّا. اه. و الحديث حكم بوضعه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (964).

(2) ضعيف: أخرجه الدارقطنى فى الأفراد، و البيهقي فى الشعب عن عائشة، و ابن عساكر عن عبد اللّه بن أبى عباس بن أبى ربيعة، كما فى «ضعيف الجامع» (1150)، و انظر رقم (905) أيضا.

(3) كذا بالأصل.

(4) صحيح: أخرجه البخاري (6416) فى الرقاق، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» طرفه الأول، و الترمذى (2333) فى الزهد، باب: ما جاء فى قصر الأمل، و ابن ماجة (4114) فى الزهد، باب: مثل الدنيا.

(5) حسن: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (3/ 115) عن أبى أمامة و قال: رواه الطبرانى فى الكبير و إسناده حسن. اه. و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (3797).

(6) أخرجه ابن أبى الدنيا فى «ذم الغضب» عن محمد بن عمير العبدى، كما فى «كنز العمال» (5719).

47

و روى مسلم: «ما نقصت صدقة من مال، و ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزّا، و ما تواضع أحد للّه إلا رفعه اللّه» (1).

و روى القضاعى عن أبى سلمة عن أم سلمة مرفوعا: «ما نقص مال من صدقة و لا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده اللّه تعالى بها عزّا» (2).

و روى الديلمى من حديث أبى هريرة مرفوعا: «و الذي نفس محمد بيده لا ينقص مال من صدقة» (3) رواه الترمذى و قال حسن صحيح.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعى، و من شر بصرى، و من شر لسانى و من شر قلبى و من شر منيى‏ (4)» (5) أخرجه أبو داود و الترمذى فى جامعه و الحاكم فى مستدركه عن شكل.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم إنى أعوذ بك من شر فتنة الغنى» (6) رواه الترمذى و النسائى و أبو داود و ابن ماجه.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر و الفاجر، و إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق و يبطل‏

____________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2588) فى البر و الصلة، باب: استحباب العفو و التواضع، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(2) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (3/ 105) و قال: رواه الطبرانى فى الصغير و الأوسط، و فيه زكريا بن دويد، و هو ضعيف جدّا.

(3) صحيح: أخرجه الترمذى (2029) فى البر و الصلة، باب: ما جاء فى التواضع.

(4) المنى: المراد شر الفرج، و قيل: من المنية، أى الموت.

(5) صحيح: أخرجه أبو داود (1551) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، و الترمذى (3492) فى الدعوات، باب: رقم (76)، و النسائى (8/ 260) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر السمع و البصر، و أحمد فى «المسند» (3/ 429)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 715)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (1292).

(6) صحيح: أخرجه البخاري (6368) فى الدعوات، باب: التعوذ من المأثم و المغرم، و مسلم (589) فى الذكر و الدعاء، باب: التعوذ من شر الفتن و غيرها، و أبو داود (1543) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، و الترمذى (3495) فى الدعوات، باب: رقم (77)، و النسائى (8/ 266) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر فتنة الغنى، و ابن ماجه (3838) فى الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.

48

الباطل، فكونوا أبناء الآخرة و لا تكونوا أبناء الدنيا. فإن كل أم يتبعها ولدها» (1) رواه أبو نعيم فى الحلية من حديث شداد.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «أخسر الناس صفقة من أذهب آخرته بدنيا غيره» (2).

و عند ابن النجار من حديث عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه و هو مما بيض له الديلمى: «أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه فى آماله و لم تساعده الأيام على أمنيته، فخرج من الدنيا بغير زاد و قدم على اللّه بغير حجة» (3).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن من كنوز البر كتمان المصائب» (4).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «اليمين حنث أو ندم» (5).

رواه أبو يعلى و ابن ماجه إلا أنه قال: «إنما الحلف» (6).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه اللّه و يبتليك» (7). رواه الترمذى من حديث مكحول عن واثلة، و قال: حسن غريب، و هو عند

____________

(1) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 189) عن شداد بن أوس، و قاله: رواه الطبرانى فى «الكبير»، و فيه أبو مهدى سعيد بن سنان، و هو ضعيف جدّا.

(2) ضعيف: أخرجه ابن ماجة (3966) فى الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما من حديث أبى أمامة- رضى اللّه عنه-، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2008).

(3) ضعيف: أخرجه ابن النجار فى تاريخه عن عامر بن ربيعة، و هو مما بيض له الديلمى (أى لم يذكر سنده، تركه أبيضا لعدم وقوفه على سنده)، كما فى «ضعيف الجامع» (237).

(4) ضعيف: أخرجه أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (5311).

(5) ضعيف: أخرجه أبو يعلى فى «مسنده» (5587)، و هو عند ابن ماجة (2103) فى الكفارات، باب: اليمين حنث أو ندم، بلفظ: «إنما الحلف»، من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجة».

(6) ضعيف: انظر ما قبله.

(7) ضعيف: أخرجه الترمذى (2506) فى صفة القيامة، باب: رقم (18)، و الطبرانى فى «الكبير» (22/ 53)، من حديث واثلة بن الأسقع- رضى اللّه عنه-، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (6245).

49

الطبرانى أيضا، و فى رواية لابن أبى الدنيا: «فيرحمه اللّه» بدل: فيعاقبه اللّه، و روى الترمذى مرفوعا: «من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» (1).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم- لأبى هريرة: «جف القلم بما أنت لاق» (2).

قال صاحب فتح المنة بشرح الأخبار لمحيى السنة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير و إمضائها و الفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، و هذا اللفظ لم يوجد فى كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «اليوم الرهان و غدا السباق و الغاية الجنة و الهالك من دخل النار» (3).

و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «من ضمن لى ما بين لحييه و ما بين رجليه ضمنت له على اللّه الجنة» (4).

رواه الجماعة، منهم العسكرى عن جابر، و فى البخاري و الترمذى عن سهل بن سعد بلفظ: «من يضمن لى ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة». و المراد بما بين لحييه: اللسان و ما يأتى به النطق، و ما بين رجليه:

الفرج، و قال الداودى: المراد بما بين اللحيين: الفم، فيتناول الأقوال و الأكل و الشرب و سائر ما يأتى بالفم.

____________

(1) موضوع: أخرجه الترمذى (2505) فى صفة القيامة، باب: رقم (18)، من حديث معاذ ابن جبل- رضى اللّه عنه-، و قال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (5710): موضوع.

(2) صحيح: أخرجه البخاري (5076) فى النكاح، باب: ما يكره من التبتل و الخصاء.

(3) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (10/ 228) عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط و الكبير بنحوه، و فيه أصدم بن حوشب، و هو متروك و فى إسناده الأوسط الوليد بن الفضل العنزى، و هو ضعيف جدّا.

(4) صحيح: أخرجه البخاري (6474) فى الرقاق، باب: حفظ اللسان، من حديث سهل بن سعد- رضى اللّه عنه-.

50

و فى لفظ: «من توكل لى ما بين فقميه و رجليه أتوكل له بالجنة» (1).

و الفقم: بالضم و الفتح: اللحى.

و فى لفظ آخر: «من تكفل لى تكفلت له».

و للديلمى- بسند ضعيف- عن أنس رفعه: «من وقى شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه وجبت له الجنة» (2) و لفظ الإحياء: وقى يعنى البطن من القبقبة، و هو صوت يسمع فى البطن، و كأنها حكاية ذلك الصوت، و يجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام و شبهه، و الذكر و اللسان.

فهذا و أشباهه، مما يعسر استقصاؤه. يدلك على ذلك أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قد رقى من الفصاحة و جوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، و حاز مرتبة لا يقدر فيها قدره- صلى اللّه عليه و سلم-.

و مما عد من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع و قواعد الإسلام فى أربعة أحاديث و هى:

حديث «إنما الأعمال بالنية» (3) رواه الشيخان.

و حديث «الحلال بين و الحرام بين» (4) رواه مسلم.

و حديث «البينة على المدعى و اليمين على من أنكر» (5).

____________

(1) أخرجه العسكرى فى الأمثال عن سهل بن سعد، كما فى «كنز العمال» (43201).

(2) انظر «كشف الخفاء» (2523).

(3) صحيح: و قد تقدم.

(4) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (52) فى الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، و مسلم (1599) فى المساقاة، باب: أخذ الحلال و ترك الشبهات، من حديث النعمان بن بشير- رضى اللّه عنه-.

(5) صحيح: أخرجه الترمذى (1341) فى الأحكام، باب: ما جاء فى أن البينة على المدعى و اليمين على المدعى عليه، من حديث ابن عمرو- رضى اللّه عنهما-، و هو فى الصحيحين بلفظ:

«لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال و أموالهم، و لكن اليمين على المدعى عليه» من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و انظر «صحيح الجامع» (2897).

51

و حديث «لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (1) رواه الشيخان.

فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.

و الثانى: على ربع المعاملات.

و الثالث: على ربع الحكومات و فصل الخصومات.

و الرابع: على ربع الآداب و المناصفات و يدخل تحته التحذير من الجنايات. قاله ابن المنير.

و مما عدّ أيضا من أنواع بلاغته كلامه- صلى اللّه عليه و سلم- مع كل ذى لغة بليغة بلغته اتساعا فى الفصاحة، و استحداثا للألفة، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- يخاطب أهل الحضر و بكلام ألين من الدهن و أرق من المزن، و يخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب، و أرهف من العضب.

فانظر إلى دعائه لأهل المدينة و قد سألوه ذلك فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم و بارك لهم فى صاعهم و مدهم» (2) و فى حديث آخر: «اللهم بارك لنا فى تمرنا و بارك لنا فى مدينتنا، و بارك لنا فى صاعنا، و بارك لنا فى مدنا. اللهم إنى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة و مثله معه».

ثم انظر دعاءه لبنى نهد و قد وفدوا عليه فى جملة الوفود، فقام طهفة ابن رهم النهدى يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول اللّه من غورى تهامة، بأكوار الميس، ترتمى بنا العيس، نستحلب الصبير، و نستخلب الخبير، و نستعضد البرير، و نستخيل الرهام، و نستجيل الجهام، من أرض غائلة النطا،

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (13) فى الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، و مسلم (45) فى الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، و هو فيها بلفظ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

(2) صحيح: أخرجه البخاري (2130) فى البيوع، باب: بركة صاع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و مدهم، و مسلم (1368) فى الحج، باب: فضل المدينة، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.

52

غليظة الوطاء، قد نشف المدهن، و يبس الجعثن، و سقط الأملوج، و مات العسلوج، و هلك الهدى، و مات الودى، برئنا إليك يا رسول اللّه من الوثن و العنن و ما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام و شريعة الإسلام، ما طمى البحر و قام تعار، و لنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، و وقير كثير الرسل، قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، و ليس لها علل و لا نهل.

فقال لهم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم بارك لهم فى محصنها و مخضها و مذقها، و ابعث راعيها فى الدثر بيانع الثمر، و افجر له الثمد، و بارك له فى المال و الولد، من أقام الصلاة كان مسلما، و من آتى الزكاة كان محسنا، و من شهد أن لا إله إلا اللّه كان مخلصا، لكم يا بنى نهد ودائع الشرك، و وضائع الملك، لا تلطط فى الزكاة، و لا تلحد فى الحياة، و لا تتثاقل عن الصلاة».

ثم كتب معه كتابا إلى بنى نهد: «بسم اللّه الرحمن الرحيم‏: من محمد رسول اللّه إلى بنى نهد بن زيد، السلام على من آمن باللّه عز و جل و رسوله، لكم يا بنى نهد فى الوظيفة الفريضة، و لكم الفارض و الفريش، و ذو العنان الركوب، و الفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، لا يعضد طلحكم، و لا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، و تأكلوا الرباق، من أقر بما فى هذا الكتاب فله من رسول اللّه الوفاء بالعهد و الذمة، و من أبى فعليه الربوة» (1) و تحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى تفسير:

فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل و رحالها. نستحلب- بالحاء المهملة- الصبير: بفتح الصاد المهملة و كسر الموحدة، و هو سحاب أبيض متراكب متكاثف. أى نستدر السحاب. و نستخلب- بالخاء المعجمة- الخبير:

بالخاء المعجمة أيضا ثم الموحدة: النبات و العشب، شبه بخبير الإبل و هو و برها، و استخلابه: احتشاشه بالمخلب و هو المنجل، و الخبير: يقع على الوبر و الزرع و الأكار قاله ابن الأثير.

و نستعضد البرير: أى نقطعه و نجنيه من شجره للأكل، هو بموحدة

____________

(1) انظر «كنز العمال» (30317).

53

و راءين بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسود و بلغ، و قيل: و هو اسم له فى كل حال، و كانوا يأكلونه فى الجدب. و نستخبل- بالخاء المعجمة- الرهام:

بكسر الراء، و هى الأمطار الضعيفة، واحدتها رهمة، أى نتخيل الماء فى السحاب القليل، و قيل: الرهمة أشد وقعا من الديمة. و نستجيل: بالجيم، أى نراه جائلا تذهب به الريح هاهنا و هاهنا. و الجهام: بالجيم، أى السحاب الذي فرغ ماؤه. و من روى نستخيل- بالخاء المعجمة- فهو نستفعل من «خلت، أخال» إذا ظننت، أراد أن لا نتخيل فى السحاب حالا إلا المطر و إن كان جهاما لشدة حاجتنا إليه، و من رواه بالحاء المهملة- و هو الأشهر- أراد:

لا ننظر من السحاب فى حال إلا جهام من قلة المطر.

و أرض غائلة- بالغين المعجمة- و النطا- بكسر النون- أى مهلكة للبعد، يقال: بلد نطى، أى بعيد، و يروى المطى و هو مفعل منه. و المدهن: نقرة فى الجبل. و الجعثن: بالجيم و المثلاثة، أصل النبات، و يقال: أصل الصليان خاصة و هو نبت معروف. و العسلوج: بضم العين و بالسين المهملتين، آخره جيم، و هو الغصن إذا يبس و ذهبت طراوته، و قيل: هو القضيب الحديث الطلوع، يريد أن الأغصان يبست و هلكت من الجدب، و جمعه: عساليج.

و الأملوج: بالضم و الجيم، ورق شجر يشبه الطرفاء و السرو، و قيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، و قيل: هو نوى المقل. و فى رواية: و سقط الأملوج من البكارة- بالكسر- جمع البكرة- بالفتح- يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل بما رعت من هذه الشجرة قد سقط عنها، فسماه باسم المرعى، إذ كان سببا له.

و هلك الهدى: بفتح الهاء و كسر الدال المهملة و التشديد، كالهدى بالتخفيف، و هو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر، فأطلق على جميع الإبل لم و إن لم تكن هديا، تسمية للشى‏ء ببعضه، يقال: كم هدى بنى فلان؟ أى كم إبلهم.

و مات الودى: بالتشديد، فسيل النخل، يريد هلكت الإبل و يبست‏

54

النخيل. و برئنا إليك من الوثن و العنن: الوثن: الصنم، و العنن، الاعتراض، يقال: عنّ لى الشي‏ء أى اعترض، كأنه قال: برئنا إليك من الشرك و الظلم، و قيل: أراد به الخلاف و الباطل. و ما طمى البحر: أى ارتفع بأمواجه. و تعار:

بكسر التاء المثناة الفوقية، يصرف و لا يصرف، اسم جبل: و لنا نعم همل: أى مهملة لا رعاء لها، و لا فيها ما يصلحها و يهديها، فهى كالضالة. و الإبل الأغفال: لا لبن فيها.

و قوله- عليه الصلاة و السلام-. فى محضها: بالحاء المهملة و الضاد المعجمة، أى خالص لبنها.

و مخضها: بالمعجمة، ما مخض من اللبن و أخذ زبده. و مذقها: بفتح الميم و سكون المعجمة و بالقاف، أى ممزوج بالماء.

و ابعث راعيها فى الدثر: بالمهملة المفتوحة ثم المثلاثة الساكنة ثم الراء، المال الكثير، و قيل: الخصب و النبات الكثير.

و افجر له الثمد: بفتح المثلاثة، الماء القليل، أى صيره كثيرا.

و ودائع الشرك: قيل المراد بها العهود و المواثيق، يقال: توادع الفريقان، إذا أعطى كل واحد منهم عهده للآخر لا يغزوه، و قيل: ما كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا فى الإسلام، أراد إحلالها لهم لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد و لا شرط.

و وضائع الملك: جمع وضيعة، و هى الوظيفة التي تكون على الملك، و هى ما يلزم الناس فى أموالهم من الزكاة و الصدقة، أى لكم الوظائف التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم و لا نزيد عليكم فيها شيئا.

و لا تلطط، بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان، الأولى مكسورة و الثانية مجزومة على النهى، أى لا تمنعها. و لا تلحد فى الحياة:

بضم المثناة الفوقية و إسكان اللام و كسر الحاء المهملة آخره دال مهملة، أى: لا تمل عن الحق ما دمت حيّا. قال بعضهم: كذا رواه القتيبى: لا تلطط و لا