مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي‏

- د. عاصم الدرقاوي‏ المزيد...
639 /
3

تقديم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

بسم اللّه الرّحمن بمخلوقاته و الرحيم بأوليائه المسلمين و المؤمنين و المحسنين، و الأحد بذاته و الواحد بأسمائه و صفاته، و الأول بأزليته و الآخر بأبديته، و الظاهر بشئونه و الباطن بكنزيته.

قال تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏ [الحديد: الآية 3]، و قال تعالى في الحديث القدسي: «كنت كنزا مخفيّا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق و تعرّفت إليهم فبي عرفوني».

و الحمد للَّه الذي‏ بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ.

و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين مصداقا لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) [الأنبياء: الآية 107] و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة».

و بعد، فبما أن إيمان المرء المسلم لا يكتمل حتى يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه و من ماله و ولده و الناس أجمعين، مصداقا لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين»، و قوله صلى اللّه عليه و سلم مخاطبا أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب- حينما قال له عمر: يا رسول اللّه لأنت أحب إليّ من كل شي‏ء إلّا من نفسي- «لا و الذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك».

فقال له عمر: فإنه الآن و اللّه لأنت أحب إليّ من نفسي. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الآن يا عمر».

و بما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أحق بالمؤمنين من أنفسهم مصداقا لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ [الأحزاب: الآية 6] فعلى المسلم أن يكون دائم الفرح و الاستبشار بمولده صلى اللّه عليه و سلم تعبيرا عن حبه و تعظيمه لهذا النبيّ الكريم الذي أقامه الحق تعالى مقام نفسه في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏ [الفتح: الآية 10].

و إذا كان حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عند علماء الشريعة، و الاستحباب و هو داخل في البدع المستحسنة التي يثاب عليها صاحبها، فإنه عند علماء الإحسان و في‏

4

مذهب المحبين يعتبر فرض لازم على السالك إلى اللّه تعالى في كل نفس من أنفاسه.

يقول أبو العباس المرسي: لو غاب عني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما عددت نفسي من المسلمين. و يقول أحد العارفين:

إن للناس كل عام لعيدين‏ * * * و إن لنا بك في كل وقت عيد

و قال آخر:

إنّ شمس النهار تغرب ليلا * * * و شموس القلوب ليس لها مغيب‏

يقول ابن الجزري في كتابه «عرف التعريف بالمولد الشريف»: فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي به، فما حال المسلم الموحّد من أمة النبي صلى اللّه عليه و سلم يسرّ بمولده و يبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى اللّه عليه و سلم؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من اللّه الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم. (الحاوي للفتاوي).

يشير إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه [9/ 118- 119]، و عبد الرزاق في «المصنف» [7/ 477- 478]، و الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «المستخرج» كما في «فتح الباري» [9/ 118]، و البيهقي في «دلائل النبوة» [1/ 148- 149]، و البغوي في «شرح السنة» [9/ 75- 76]، عن عروة بن الزبير قال: «لما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم بشرّ حيبة- أي: سوء حال- فقال: «ما ذا لقيت؟! قال أبو لهب: لم ألق بعدكم راحة غير أني سقيت في هذه مني لعتقي ثويبة- و هي مولاة لأبي لهب، و كانت بشّرته بمولد النبي صلى اللّه عليه و سلم فأعتقها- و أشار إلى النقرة التي بين الإبهام و التي تليها من الأصابع».

و أنشد في ذلك الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه «مورد الصادي في مولد الهادي»- كما في الحاوي للفتاوي [1/ 304]:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمّة * * * و تبّت يداه في الجحيم مخلّدا

أتى أنه في يوم الاثنين دائما * * * يخفّف عنه للسّرور بأحمدا

فما الظنّ بالعبد الذي طول عمره‏ * * * بأحمد مسرورا و مات موحّدا

و كتعبير عن هذا الفرح و الاستبشار و السرور بيوم مولده صلى اللّه عليه و سلم، و في إطار كتب التصوّف الإسلامي التي نقوم بتحقيقها و تنقيحها و تصحيحها و نشرها بأبهى حلة خدمة للركن الثالث من أركان الدين الإسلامي الكامل الذي هو مقام الإحسان، مقام التربية و السلوك إلى ملك الملوك و علّام الغيوب؛ مقام: «أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، نقدم للقرّاء الكرام مجموعة شريفة من صيغ المولد النبوي الشريف قيلت نثرا أو نظما أو شعرا لنخبة من العلماء العاملين، أسميناه «مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبويّ القدسي نثرا و نظما».

5

و يضم صيغ العناوين التالية:

1- إعلام جهال بحقيقة الحقائق بأسنة نصوص كلام سيّد الخلائق ممزوجا بالمولد النبويّ في مدح أصل النبي المولوي، للعلامة الشيخ سيدي الأحسن بن محمد بن أبي جماعة السوسي البيضاوي.

2- إسعاف الراغب الشائق بخبر ولادة خير الأنبياء و سيّد الخلائق، للعلامة الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسيني.

3- اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد للعلامة الشيخ المحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني الحسيني.

4- بلوغ القصد و المرام بقراءة مولد خير الأنام للعلامة الشيخ محمد بن محمد الحجوجي الحسني.

5- شفاء السقيم بمولد النبي الكريم للعلامة الشيخ أبي علي سيدي الحسن بن عمر مزور.

6- مجموع مبارك في المولد الشريف نثرا و شعرا، للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن علي الربيعي، و فتوى في إباحة الضرب بالدفوف عند الاحتفال بالمولد الشريف.

7- قصة المولد النبوي لخير البرية ملخصة من سيرته الزكية، للعلّامة الشيخ فضول بن محمد الهواري الصوفي.

8- المولد النبويّ الشريف، للعلّامة المحدث الشيخ أحمد بن محمد فتحا العلمي الفاسي المراكشي.

9- مولد إنسان الكمال، للعلّامة الشيخ سيدي السيد محمد بن السيد المختار الشنجيطي التيجاني.

10- مولد المناوي، المولد الجليل للعلّامة الشيخ المناوي.

11- مولد العروس، للإمام العلّامة ابن الجوزي.

12- فيض الأنوار في ذكرى مولد النبي المختار، للعلّامة الشيخ حسن محمد عبد اللّه شداد عمر باعمر.

13- الأسرار الربانيّة في مولد النبي صلى اللّه عليه و سلم، للعلّامة الشيخ السيد محمد عثمان المير غني.

14- البيان و التعريف في ذكرى المولد النبويّ الشريف، للعلّامة الشيخ السيد محمد بن علوي المالكي الحسني.

6

15- جواهر النظم البديع في مولد الهادي الشفيع، للعلّامة الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني، يسبقه ابتهالات النصر و الفرج للعلّامة محمد بن عبد الهادي العجيل الحسني اليماني، و يليه حصن الأمان في مناجاة الرحمن، للعلّامة أحمد بن موسى بن العجيل اليماني.

16- الكبريت الأحمر في الصلاة على من أنزل عليه: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) [الكوثر: الآية 1] للعلّامة الشيخ عبد اللطيف بن موسى بن العجيل اليماني.

17- حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. و تضم هذه الباقة الموالد التالية:

18- مولد الحافظ عماد الدين بن كثير، للعلّامة الشيخ محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم.

19- مولد البرزنجي، للعلّامة الشيخ السيد جعفر البرزنجي.

20- سمط الدرر في أخبار خير البشر و ما له من أخلاق و أوصاف و سير، للعلّامة الشيخ علي بن محمد بن حسين الحبشي.

21- مولد النبي محمد صلى اللّه عليه و سلم، للعلّامة الشيخ عبد القادر الحمصي.

22- فرائد المواهب اللدنية في مولد خير البرية، للعلّامة الشيخ مصطفى نجا.

23- مولد العزب، للعلامة الشيخ محمد العزب.

24- قصائد لنخبة من العلماء تقرأ عند المقام في المولد النبوي الشريف.

25- مولد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، للأستاذ الشيخ خير الدين وائلي.

26- قصيدة «بانت سعاد» في مدح خير البرية صلى اللّه عليه و سلم للصحابي كعب بن زهير.

27- قصيدة «البردة» للإمام البوصيري محمد بن سعيد الدلاصي الصنهاجي البوصيرى، و يليها قصيدة «الهمزية» ثم القصيدة «المضرية في الصلاة هلى خير البرية»، ثم القصيدة «المحمدية» له أيضا.

28- قصيدة للعلّامة الشيخ عبد الرّحيم البرعي، ثم قصيدة نهج البردة للعلّامة الشيخ عبد الحميد بن أحمد بن عبد اللطيف الخطيب.

29- القصيدة الوترية في مدح خير البرية، للعلّامة الشيخ مجد الدين محمد بن أبي بكر بن رشيد البغدادي الشافعي المتوفى سنة 662 ه.

30- روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات، للعلامة الشريف الشيخ أبو الهدى محمد باقر الكتاني.

هذا و نرجو اللّه تعالى أن يوفّقنا ببركة هذه الموالد و ما فيها من أسرار إلى متابعة

7

النبي صلى اللّه عليه و سلم فعلا و حالا، حسّا و معنى، نفسا و قلبا، فهو صلى اللّه عليه و سلم الإنسان الكامل و الخليفة الحقيقي، و المرآة الكليّة الجامعة لحضرتي الوجوب و الإمكان، الحق و الخلق مصداقا لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏ [الفتح: الآية 10]، أي: من حيث روحه و سرّه و حقيقته، و مصداقا لقوله تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) [آل عمران: الآية 144] أي: من حيث حسّه و نفسه و بشريته، فهو صلى اللّه عليه و سلم مفتاح الحضرة الإلهية و سرّها و منتهاها.

قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) [الأحزاب: الآية 21]، و قال تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) [النّساء: الآية 69].

كتبه الشيخ الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي الحسيني الشاذلي الدرقاوي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

إعلام جهال بحقيقة الحقائق بأسنة نصوص كلام سيد الخلائق‏

ممزوجا بالمولد النبوي، في مدح أصل النبي المولوي لمؤلفه العالم العلامة فريد عصره، و أعجوبة دهره سيدي الحاج الأحسن بن محمد بن أبي جماعة السوسي البعقيلي البيضاوي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و آله و صحبه و سلم سلك اللّه كل فرد من أفراد هذه الأمة مناهج حقائق و طرائق شافع في كل أمّة، و الصلاة و السلام الأتمّان عليه و على كل من سبق في علم ربنا أنه مؤمن سعيد، و نحمد اللّه الذي لا إله إلا هو، و نعترف بأن لا كريم إلا هو، و بعد:

أخرج الشيخ الأكبر و مصنّف «كشف الكشاف في شرح البردة» و غيرهما من العلماء الكمال، عن عبد الرزاق بسنده إلى جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: يا رسول اللّه أخبرني عن أول شي‏ء خلقه اللّه قبل الأشياء، قال: «يا جابر، إن اللّه تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء اللّه تعالى، و لم يكن في ذلك الوقت لوح و لا قلم و لا جنّة و لا نار و لا ملك و لا سماء و لا أرض و لا شمس و لا قمر و لا جني و لا أنس، فلما أراد اللّه تعالى أن يخلق الخلق قسّم ذلك أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، و من الثاني اللوح، و من الثالث العرش. ثم قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، و من الثاني الأرضين، و من الثالث الجنة و النار. ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، و من الثاني نور قلوبهم و هي المعرفة باللَّه تعالى، و من الثالث نور أنسهم و هو التوحيد لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» إلى آخر الحديث.

و في رواية عنه: «أول شي‏ء خلقه اللّه تعالى نور نبيك يا جابر، خلقه ثم خلق منه كل خير و خلق بعده كل شي‏ء، و حين خلقه أقامه قدامه في مقام القرب اثنى عشر ألف سنة، ثم قسمه أربعة أقسام، فخلق العرش من قسم، و الكرسي من قسم، و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسم. و أقام القسم الرابع في مقام الحب اثنى عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق القلم من قسم، و اللوح من قسم، و الجنة من قسم، و أقام القسم الرابع في مقام الخوف اثنى عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق الملائكة من جزء، و خلق الشمس و القمر من جزء، و الكواكب من جزء، و أقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء، فخلق العقل من جزء، و العلم‏

12

و الحلم من جزء، و العصمة و التوفيق من جزء، و أقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة، ثم نظر اللّه تعالى إليه فترشح النور عرقا فقطرت منه مائة ألف و عشرون ألفا و أربعة آلاف قطرة، فخلق اللّه من كل قطرة روح نبي و رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق اللّه من أنفاسهم نور أرواح الأولياء و السعداء و الشهداء و المطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة. فالعرش و الكرسي من نوري، و الكروبيون و الروحانيون من نوري، و ملائكة السماوات السبع من نوري، و الجنة و ما فيها من النعيم من نوري، و الشمس و القمر و الكواكب من نوري، و العقل و العلم و التوفيق من نوري، و أرواح الرسل و الأنبياء من نوري، و الشهداء و الصالحون من نتائج نوري. ثم خلق اثني عشر ألف حجاب، فأقام النور و هو الجزء الرابع في كل حجاب ألف سنة و هي مقامات العبودية، و هي حجاب الكرامة، و السعادة، و الهيبة، و الرحمة، و الرأفة، و العلم، و الحلم، و الوقار، و السكينة، و الصبر، و الصدق و اليقين. فعبد اللّه ذلك النور في كل حجاب ألف سنة، فلما خرج النور من الحجب ركّبه اللّه في الأرض فكان يضي‏ء منه ما بين المشرق و المغرب كالسراج في الليل المظلم. ثم خلق آدم من الأرض و ركب فيه النور في جبينه، ثم انتقل منه إلى شيث فكان ينتقل من طاهر إلى طيب و من طيب إلى طاهر إلى أن وصل إلى صلب عبد اللّه بن عبد المطلب و منه إلى رحم أمه آمنة، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين و خاتم النبيين و رحمة للعالمين و قائد الغر المحجلين هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر».

قلت: فثبت بذلك أن جميع المكونات تكوّنت بإضافة فيض الرسول صلى اللّه عليه و سلم الذي هو القاسم المستفيض من الفيض الأول الأقدس.

و في «الشفاء» عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: «لما خلق اللّه آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض و جعلني في صلب نوح في السفينة، و قذف بي في النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قط».

قلت: و إلى مثله أشار العباس عمه بقصيدته في مدحه، و هي معلومة، أولها:

من قبلها طبت في الظلال و في‏ * * * مستودع حيث يخصف الورق‏

و على هذا الحديث نبني جميع ما روي حتى يصير بالشواهد كالمتواتر المفيد للقطع، فإن العلماء قابلوه بالقبول فصار عليه إجماعهم في كل قطر يشيدون به أفضليته صلى اللّه عليه و سلم و أصليته بانضمام أحاديث لا تحصى، فكلها دالة دلالة قطعية على ثبوت هذا الحديث فإذا ثبت حديث واحد قام مقام الكتب الإلهية كلها فإنه لا ينطق عن الهوى:

«أول ما خلق اللّه العقل»، حديث مشهور. «أول ما خلق اللّه جوهرة» الخبر عن ابن‏

13

وهب. «أول ما خلق اللّه نوري» الحديث الحسن. «أول ما خلق اللّه روحي» الحديث المشهور. فهذه الأحاديث الأربعة مشهورة على ألسنة الأمّة المختارة.

فكيفية التطبيق بين الأحاديث أنه خلق روحه ثم منه الأرواح لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أبو الأرواح و آدم أبو البشر». ثم خلق نوره ثم من نوره الأنوار: قال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا من نور اللّه و المؤمنون من فيض نوري». ثم خلق عقله ثم خلق من عقله العقول الكلية الملكية القدسية العرشية، ثم خلق جوهرة عنصره قبل العناصر، ثم خلق منه الجواهر الكلية العرشية و السماوية و الأرضية. فالمطلوب بهذه الأصول الحقيقة المحمدية و الحضرة الأحمدية باعتبار النسب و التعيين و المراتب إذ هو فاتحة الوجود مرتبة و إيجادا في الجواهر السفلية و العلوية الملكية و الآدمية الكلية الجامعة لجميع الحقائق الإلهية الأسمائية الكلية فهو مقدم الوجود و فاتحه و خاتمه، فجوهر وجوده هو الجوهر الفرد الكلي الجامع المحمدي في جميع الأعيان و الجواهر. قاله ابن وهب عن «الأخبار القدسية».

«أول ما خلق اللّه القلم»، قلت: و هو القلم الأعلى باعتبار أخذه الفيض الإلهي من حضرة الغيب، و فيضان الأشياء منه كفيضان الخط من المداد بواسطة القلم، فسمي قلما باعتبار إفاضته و إشارته إلى لوح العالم. و يسمى العقل الكلي أيضا، باعتبار تميز ذاته و معرفة نفسه و ربه. و يسمى الروح الأعظم، باعتبار أنه منشأ المخلوقات.

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ [الإسراء: الآية 85] أي من عالم الأمر الذي خلق بلا سببية شي‏ء من مادة، و عالم الخلق ما أوجده اللّه من مادة كذا كالحيوانات من الماء وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏ [الأنبياء: الآية 30] فالروح الإنساني هو أول شي‏ء تعلقت به القدرة، جوهرة نورانية و لطيفة ربانية من عالم الأمر و هو الملكوت الذي خلق من لا شي‏ء.

«فالروح الأعظم هو أول المخلوقات» و هو روح سيدنا «محمد» صلى اللّه عليه و سلم.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «أول ما خلق اللّه روحي». و لا يمكن تعدده لأن الشيئين المتغايرين لا يكون كل واحد منهما أولا في التكوين، و الإيجاد على الإطلاق إذ الأمر لا يخلو إما أحدثا مضافين أو أوجدا متعاقبين، فإن أوجدا متصاحبين معا فلا يختص أحدهما بالأولية فلا يكون واحد منهما على الانفراد. و إن أحدثا متعاقبين يكن المبتدأ أولا و الآخر بعده فيعمل كلام الشرع‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (4) [النّجم: الآية 4].

إن المخلوق الأول إنما هو لمسمى واحد في جميع ما تعددت فيه الأوليات، و إنما له لعظم شأنه أسماء متعددة بالاعتبارات من حيث الصفات. و قد كثرت الأسماء «و المسمى المعظم» واحد و هو الأصل و ما سواه تبع له، فلا ريب في أن أصل المفعول من حيث هو مخلوق إنما هو واحد و هو نبينا صلى اللّه عليه و سلم، فقد قال اللّه تعالى في الخبر القدسي:

14

«لو لاك لما خلقت الأفلاك»، فهو أولى أن يكون أصلا و ما سواه تبع له فإنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات فلزم أن يكون أول شي‏ء تعلقت به القدرة و أن يكون المسمى بالأسماء المختلفة، فإن كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى المعظم وجوده و هو سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم فباعتبار أنه درة صدف الموجودات سمي درة و جوهرة.

«أول ما خلق اللّه جوهرة- و في رواية: درة- فنظر إليها فذابت» الحديث. و باعتبار نورانيته سمي نورا، و باعتبار وفور عقله سمي عقلا، و باعتبار غلبة الصفات الملكية سمي ملكا، و باعتبار صدور الأشياء بواسطته سمي قلما. قال في الحديث الصحيح: «اللّه معطي و أنا قاسم، الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم» صلواته و سلامه على حبيبه و خليله و على جميع أنبيائه. ذكره نجم الدين الكبرى في «تأويلات سورة الإسراء».

فلما أم سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم الأنبياء، إذ عرج بجسمه و روحه الشريفين إلى حضرة الاستواء، قال: «كلهم أثنوا على ربهم و أنا أثني على ربي، تقدّس و تعالى الحمد للَّه الذي أرسلني رحمة للعالمين و كافة للناس بشيرا و نذيرا و أنزل عليّ الفرقان فيه تبيان لكل شي‏ء، و جعل أمّتي خير أمة، و جعل أمّتي وسطا، و جعل أمّتي هم الأولون و الآخرون، و شرح لي صدري، و وضع عني وزري، و رفع لي ذكري، و جعلني فاتحا و خاتما». فقال إبراهيم (عليه السلام): يا معشر الأنبياء، بهذا فضلكم محمد صلى اللّه عليه و سلم.

و قال جعفر الصادق: أكمل اللّه لنبيه صلى اللّه عليه و سلم الشرف على أهل السماوات و الأرض حين قدمه على الملائكة في ليلة المعراج فأم أهل السماء فيهم الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين. كما في «الشفاء»: «أعطيت خمسا- و روي ستا- لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهرا، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل. و أحلت لي الغنائم و لم تحل لأحد قبلي، و بعثت إلى الناس كافة و أعطيت الشفاعة». و قال صلى اللّه عليه و سلم: «جعل رزقي تحت ظل رمحي و الجهاد حرفتي» كما في «الشفاء».

«أول من يدخل الجنة من أمّتي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب. و أعطاني النصر و العزّة و الرعب يسعى بين يدي أمّتي شهرا، و طيّب لي و لأمتي الغنائم، و أحلّ لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا و لم يجعل علينا في الدين من حرج».

كما في «الشفاء». و فيه أيضا: «إنّ اللّه قد حبس عن مكة الفيل و سلّط عليها رسوله و المؤمنين، و إنها لم تحل لأحد بعدي و إنما أحلت لي ساعة من نهار».

و فيه أيضا: «أنا سيد ولد آدم و بيدي لواء الحمد و لا فخر، و ما من نبيّ يومئذ آدم فمن دونه إلا تحت لوائي، و أنا أول من تنشق عنه الأرض، أنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتح فيدخل معي فقراء المؤمنين و لا فخر، و أنا أكرم الأولين و الآخرين و لا فخر،

15

و أنا أكثر الناس تبعا، أهل الجنة مائة و عشرون صفا ثمانون صفا من أمّتي و الباقي من جميع الأمم».

و فيه نقلا عن التوراة: «أول النبيين خلقا و آخرهم بعثا النبي محمد صلى اللّه عليه و سلم». و من خصائصه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «و بينا أنا نائم إذ جي‏ء بمفاتح الأرض فوضعت بين يدي، و قال:

أنا محمد النبي الأمّي لا نبي بعدي أوتيت جوامع الكلم و خواتمه و علمت خزنة النار و حملة العرش. و قال: قال لي ربي: سل يا محمد، فقلت: ما أسأل يا ربي و اتخذت إبراهيم خليلا و كلمت موسى تكليما و اصطفيت نوحا و أعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. فقال لي تعالى: ما أعطيتك خير من ذلك، أعطيتك الكوثر، و جعلت اسمك مع اسمي ينادى به في جوف السماء، و جعلت الأرض طهورا لك و لأمتك، و غفرت لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فأنت تمشي في الناس مغفورا لك و لم أصنع ذلك لأحد قبلك، و جعلت قلوب أمّتك مصاحفها و خبأت لك شفاعتك و لم أخبئها لنبي غيرك، فله قال الخلق كلهم محتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم و قال إني عبد اللّه و خاتم النبيين و إنّ آدم لمنجدل في طينته و أنا دعوة إبراهيم و بشارة عيسى و بشارة آية التوراة محمد حبيب الرحمن و أرسلتك للناس كافة و جعلت أمّتك هم الأولون و هم الآخرون، و جعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي و رسولي، و جعلتك أول النبيين خلقا و آخرهم بعثا، و أعطيتك سبعا من المثاني و لم أعطها نبيا قبلك، و جعلتك فاتحا و خاتما».

فأول ما أوجده اللّه من عالم الخلق بتعلق القدرة به جوهرة قدسية نورانية، و هي المسماة عندهم بالعنصر الأعظم، و حقيقة الحقائق عند المقربين العارفين المحققين و تسمى بالهيولى الكلية الجامعة المسماة بالقوّة القابلية الكلية عند الحكماء، و سماها بعضهم بالجوهر الفرد الذي لا يتجزّأ.

«و هو المخلوق الأول» من وجه، و هو قائم بنفسه غير متحيز على الأصح عند المشايخ أهل الشرع، فللوجود الأول أسام كثيرة، كالقلم، و العقل، و الجوهر الفرد، و اللوح، و الروح الكلي، و الحق المخلوق، و العقل. و له أوصاف كثيرة لا يحصيها إلا اللّه لكن أشد ظهورا «الموجود الأول» في الحقيقة المحمدية و الحضرة الأحمدية كأنه هي لكمال اتصافها به. قلت: فالحقيقة الأحمدية واقفة عابدة، غايتها في محراب القدس و هي الأم للحقيقة المحمدية، فالمحمدية محيطة بكل مخلوق من حيث هو، و هي سيدة الحقائق ذرة ذرة و أمها و حاجبها و الحامية لنظام الأشياء المقدورية، و هي «المفعول الأول» و أول تعين تعين ظهوره في عالم الغيب كنواة مثلا أخرج اللّه منها النخيل، و كذات آدم أخرج اللّه منه كل أفراد صورته من غير شذوذ مع استغنائه تعالى عما سواه،

16

و إنما أوجد اللّه ما سواه ليعرفوه تعالى بوصفي كرمه الإحسان إلى أحبابه و الانتقام في أعدائه. و لا بد للكامل منها و ليعبدوه و لتتذل رتبتهم لرتبته تعالى، و ليتمتعوا بنعمه. و لم يخلق شيئا ليكون دليلا عليه، فإن للدليل صولة و سلطة على المدلول فهو كامل من كل وجه و اعتبار متصف بأسمائه كلها ما علمنا منها و ما لم نعلم قبل ظهور المفعول الأول إلى العيان و قبل نفوذ القدرة في ذرة واحدة، فلا يفعل اللّه شيئا لعلة كذا لما يؤدي إليه من الافتقار إليه و إنما يعتبر العاقل بعد نفوذ القدرة في الفعل و العاقل و المعقول. «فوائد و حكم و أسرار» مفعول اللّه من حيث هو فيقول بلسانه: اللّه حكيم، فكل ما خلقه حكمة و صلاح، و أصلح من حيث الحكمة، و حكمة ما تعقلناه فيه كذا، و فائدته كذا، و سره كذا، لما خلقه اللّه من الاستعداد في كل ذرة. فحقيقة الحقائق هي المرتبة الأحديّة الجامعة جميع الحقائق و تسمى «حضرة الجمع و حضرة الوجود». و هي الحقيقة المحمدية التي هي الذات مع التعين الأول و هو الاسم الأعظم أم الكتاب و هو العقل الأول و هو الحقيقة المحمدية.

فالرسول صلى اللّه عليه و سلم هو الإنسان الكامل، الجامع لجوامع العوالم الإلهية و الكونية الكلية، فمن حيث روحه و عقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، و من حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ، و من حيث نفسه كتاب المحو و الإثبات، فهو الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة التي لا يمسها و لا يدرك أسرارها إلا المطهرون من الحجب الظلمانية. فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير و حقائقه بعينها نسبة الروح إلى البدن و قواه، و إن النفس الكلية قلب العالم الكبير كما أن النفس الناطقة قلب الإنسان، و لذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير.

أجمع المسلمون على أنه لا يمكن وجود حادث لا أول له فإن لكل حادث أولا به هو حادث، كما ثبت في علم العقائد فوجب انتهاء الناس إلى الإنسان الأول سيرة و صورة و هو آدم (عليه السلام) من حيث الصورة، و من حيث السيرة و الروح فإنما هو سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم. قال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أبو الأرواح و آدم أبو الأشباح». فالأنبياء مجمعون على حدوث ما سوى اللّه و لم يطلع أحد ممن قبل النبي صلى اللّه عليه و سلم و خليفته المكتوم على أوله، فاللَّه فقط هو الباقي الخلّاق على الدوام و ما سواه حادث. فتجلّى اللّه سبحانه بكمال ذاته في الحقيقة المحمدية التي هي مرآة و مجلاة للَّه تعالى هو الاسم الأعظم الذي هو باطن الباطن الذي اختص به صلى اللّه عليه و سلم و هو الوارد الأول.

ثم لما تمكن و صار له مقاما سمي مقامه الخاص به و لم يرثه إلا «القطب المكتوم» الذي له تجلي الذات على سبيل النيابة لا على سبل الاستحقاق و الاختصاص، و تجليه بكمال صفاته التي هي عين التجلي بالمرتبة الأحدية التي هي عين الذات مع تعقل الرتبة

17

في روح سيدنا «محمد» صلى اللّه عليه و سلم هو المسمى بالاسم الأعظم الخاص بروحه صلى اللّه عليه و سلم و هو مقامه، و هو باطن الاسم الأعظم الظاهر فهو أيضا مختص به و لم يشم له أحد رائحة إلا في حق المكتوم فإن للأنبياء و الأقطاب و الصديقين تجلي الصفة لكن لا يفيد كمالها، و تجليه سبحانه بكمال أسمائه في ذاته العربية و هو الوارد الثابت المسمى مقامه و الاسم الأعظم الظاهر و النور و تسبح الملائكة بتسبيحه، و فيه تأييد أنه أرسل إلى الملائكة و غيرهم، و هو صريح في أن نبوته ظهرت في الوجود العيني قبل نبوة آدم و غيره، و أن الملائكة لم تعرف نبيا قبله صلى اللّه عليه و سلم و أنه صلى اللّه عليه و سلم هو النبي المطلق و سائر الأنبياء خلفاؤه حتى يظهر، و الشرائع كلها شريعته ظهرت على لسان كل نبي بقدر استعداد أهل زمانه فهو أول الأنبياء و آخرهم، و لا يمكن أن تنسخ شريعته البتة و لا يكتب على نسخة رسالته حواشي زائدة، و هو سابق روحا و جسدا لوجود مادة جسده قبل كل مادة.

روى ابن الجوزي: لما أراد اللّه أن يخلق محمدا صلى اللّه عليه و سلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة البيضاء، فهبط في ملائكة الفردوس و قبض قبضة من موضع قبره بيضاء نيرة فعجنت بماء التسنيم في معين الجنة حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش و الكرسي و السماوات و الأرض حتى عرفتها الملائكة قبل أن تعرف آدم- يعني عنصره و روحه- و بعث إلى كل فرد من أفراد ما خلقه ربنا تقدم أو تأخر».

و رجحه السبكي و السيوطي: «بعثت إلى الناس كافة عام لهم من لدن آدم إلى النفخ في الصور» و رجحه البارزي و زاد: أنه أرسل إلى الحيوانات و الجمادات و أدل دليل عليه شهادة الضب و الحجر و الشجر بالرسالة و أرسل إلى نفسه.

و إن جزم الحليمي و البيهقي و ابن حمزة الكرماني بأنه لم يرسل إلا إلى الجن و الإنس.

قلت: الجامع أنه رسول باعتبار جوهرة الحقيقة و أمر باتباع أخلاقهم في بساط الطريقة فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ‏ [الأنعام: الآية 90] لا بهم‏ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النّحل:

الآية 123] ما عليه من الأخلاق. ثم إن اللّه لم يكمل الأخلاق الإلهية كلها في فرد من قبله أيا كان و لا في الهيئة الاجتماعية من جميع العوالم إلا فيه صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» و ورثها كلها صاحب المقام المحمدي «العلماء ورثة الأنبياء» تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) [الفرقان: الآية 1] و هو عام لكل من عليه علامة الحدوث، و هي التغير، لدلالته على مغيره تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) [الأنبياء: الآية 107] فكذلك‏ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ [الأنبياء: الآية 27] وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ‏ [الأنبياء: الآية 29] يعني من الملائكة و أحرى من دونهم،

18

و هو إنذار على لسان الرسول صلى اللّه عليه و سلم: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏ [الأنعام: الآية 19]، كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ [القصص: الآية 88].

قال الملائكة: هلك أهل السماوات و أهل الأرض.

عن جابر بن سمرة: أ لا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمّون الصفوف الأول فالأول، و يتراصّون في الصف».

عن أبي بن كعب قال صلى اللّه عليه و سلم: «الصف الأول على مثل الملائكة». و من طريق الليث بلغنا: «أن إسرافيل مؤذن أهل السماء يسمع تأذينه من في السماوات السبع و من في الأرضين إلا الجن و الإنس، ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة يصلّي بهم و يؤم ميكائيل الملائكة في البيت المعمور» و هو أدل دليل على أن الملائكة يؤذنون أذاننا و يصلّون صلاتنا.

عن أبي هريرة: تجمع ملائكة الليل و ملائكة النهار في صلاة الفجر وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: الآية 78].

و روى علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، قلت: يا رسول اللّه مم خلقت، فأطرق و عليه عرق كالجمان ثم قال: «يا علي لما عرج بي إلى السماء و كنت من ربي عز و جل كقاب قوسين أو أدنى و أوحى إلي ما أوحى قلت: يا رب ممّ خلقتني، فقال يا محمد و عزّتي و جلالي لولاك ما خلقت جنّتي و لا ناري. فقلت: يا ربي مم خلقتني، فقال: يا محمد لما نظرت إلى صفاء بياض نور خلقتك بقدرتي و أبدعته بحكمتي و أضفته تشريفا له إلى عظمتي استخرجت منه جزءا فقسمته ثلاثة أقسام، فخلقتك أنت و أهل بيتك من القسم الأول، و خلقت أزواجك و أصحابك من القسم الثاني، و خلقت من أحبكم من القسم الثالث. فإذا كان يوم القيامة عاد كل نسب و حسب إلى حسبه و نسبه و رددت ذلك النور إلى نوري فأدخلتك أنت و أهل بيتك و أزواجك و أصحابك و من أحبّكم جنتي برحمتي. فأخبرهم بذلك يا محمد عني».

روى ابن الجوزي في «الوفا»، و ابن أبي جمرة في «بهجة النفوس»، و ابن سبع في كتابه «شفاء الصدور»: فلما خلق اللّه آدم (عليه السلام) وضع على ظهره قبضة من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فسمع آدم في ظهره نشيشا كنشيش الطير، فقال آدم: يا رب ما هذا النشيش، فقال: هذا تسبيح نور محمد صلى اللّه عليه و سلم خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك، فخذه بعهدي و ميثاقي و لا تودعه إلا في الأرحام الطاهرة. فقال آدم: أي رب قد أخذته بعهدك ألا أودعه إلا في المطهرين من الرجال و المحصنات من النساء». فكان نور محمد صلى اللّه عليه و سلم يتلالأ في ظهر آدم (عليه السلام) و كانت الملائكة تقف خلفه صفوفا ينظرون إلى نور محمد صلى اللّه عليه و سلم و يقولون: سبحان اللّه، استحسانا لما يرون. فلما رأى آدم ذلك قال: «يا ربي هؤلاء

19

ينظرون خلفي صفوفا، فقال الجليل سبحانه: يا آدم ينظرون إلى نور خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك، فقال: يا رب أرينيه. فأراه اللّه إياه، فامن به و صلّى عليه مشيرا بإصبعه- و من ذلك الإشارة بالإصبع بلا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه في الصلاة- فقال آدم: يا رب اجعل هذا النور في مقدمي كي تستقبلني الملائكة و لا تستدبرني. فجعل ذلك النور في جبهته فكان يرى في غرة آدم كدارة الشمس في دوران فلكها و كالبدر في تمامه و كانت الملائكة تقف أمامه صفوفا تنظر إلى ذلك النور و يقولون: سبحان ربنا. استحسانا لما يرون. ثم إن آدم (عليه السلام) قال: يا رب اجعل هذا النور في موضع أراه. فجعل اللّه ذلك النور في سبابته فكان آدم ينظر إلى ذلك النور. ثم إن آدم قال: أي ربي هل بقي من هذا النور في ظهري شي‏ء، فقال: نعم بقي نور أصحابه، فقال: أي رب اجعله في بقية أصابعي. فجعل نور أبي بكر في الوسطى، و نور عمر في البنصر، و نور عثمان في الخنصر، و نور علي في الإبهام. فكانت تلك الأنوار تتلألأ في أصابع آدم ما كان في الجنة. فلما كان خليفة في الأرض انتقلت الأنوار من أصابعه إلى ظهره.

و في «الدر النظيم» في مولد النبي الكريم: لما خلق اللّه تعالى آدم ألهمه أن قال: يا رب لم كنيتني أبا محمد، قال له ربه: ارفع رأسك، فرفعه فرأى نور محمد في سرادق العرش، فقال: يا ربي ما هذا النور، قال هو نور نبي من ذريتك اسمه في السماء أحمد و في الأرض محمد لولاه ما خلقتك و لا خلقت سماء و لا أرضا.

و روى الحاكم و صححه عن عمر مرفوعا: «إن آدم (عليه السلام) رأى اسم محمد مكتوبا على العرش و إن اللّه تعالى قال لادم: لو لا محمد ما خلقتك».

و أنهى ابن العربي أسماءه إلى ألف اسم و أشهرها سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم ثم أحمد ثم محمود. فكانت نبوّته بالفعل سابقة على كتابتها في الذكر و على خلق الماء، و العرش من الماء، فأول ما برز من نوره و من نور روحه و من روح جسده الماء فتكونت الأشياء كلها من الماء عرشا و قلما و لوحا، فإن تقريب اللّه له قبل التقسيم النوري و أخذ الميثاق حيث التقسيم أي الحكم به قبله و أنشأه اللّه حين أخذ الميثاق، فالأولية حقيقة إنما هي لنوره و أما أولية الماء فمن نتائج نوره كروحه.

قال لأبي هريرة: كل شي‏ء خلق من الماء- يعني بعد نوره هو- فالماء نسخته صلى اللّه عليه و سلم و كون الماء هو أول مخلوق صحيح فإنه اسم للحقيقة المحمدية.

أخرج الطيالسي و أحمد و الترمذي و حسنه، و ابن ماجه و ابن جرير و ابن المنذر و أبو الشيخ في «العظمة» و البيهقي في «الأسماء و الصفات» عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: «كان في عماء ما تحته هواء و ما فوقه هواء، و خلق عرشه على الماء». فأين سؤال عن المكان فالمكان غير الكائن فيه مغايرة

20

غير اعتبارية بل حقيقية. و قد صح: «كان اللّه و لم يكن معه غيره» فكل ما سوى اللّه فهو مخلوق حادث و من لوازمه أن يكون الحق غير متحيز و مع ذلك لم ينكر عليه صلى اللّه عليه و سلم سؤاله بأين بل أقرّه و أجاب بما أجاب فدل أنه و إن لم يكن متحيزا صح أن ينسب إليه كينونته في مكان على وجه يليق به فليس أين في لسان العرب مختصا بالسؤال عن المكان بل للسؤال عن الموجود فيعم ما ليس بجسم و لا جوهر و لا معنى بل هو ذات مخالف للحقائق كلها المعقولة، فاللّه معلوم بتعريفه. فالمعقول هو المرتبة الألوهية، و العماء هو النور المحمدي، فمنه يرى الحق بأنوار التعريفية فليس هواء ثمة فإن الهواء حادث فلم يكن حينه حادث إلا النور المصطفوي فهو مظهر التجلي و إنما سال عن مظهر التجلي فكفت المغايرة الاعتبارية، يعني في أي مظهر كان يتجلى قبل أن يخلق خلقه فالعماء هو المظهر الجامع للحقائق الإلهية و الكونية. و هو إما بالتعين الثاني المسمى بالواحدية و قاب قوسين، و إما بالتعين الأول المسمى بالأحدية و بمقام أو أدنى. فالأحدية جامعة للحقائق كلها إجمالا، و الواحدية تفصيلا.

فالمراد بالعماء و الماء، نوره الأولي صلى اللّه عليه و سلم، فإنه مشتمل على الاعتبارات الخلقية المختلفة كالشجرة لتشاجر الأنوار على حسب مظاهرها في غيرها أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الأنعام: الآية 99] يعني قرآنا، فاحتملته قلوب المؤمنين فهو صلى اللّه عليه و سلم ماء نوري متضمن أنوارا عنصرية صلى اللّه عليه و سلم.

و في «المواهب اللدنية» أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه و تقدير رزقه أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية ثم سلخ منها العوالم كلها علوها و سفلها على صورة حكمة كما سبق في سابق علمه و إرادته ثم أعلمه بنبوّته و بشّره برسالته هذا و آدم لم يكن إلا كما قال بين الروح و الجسد، ثم انبجست منه صلى اللّه عليه و سلم عيون الأرواح فظهر بالملإ الأعلى الأجلى و كان لهم المورد الأحلى، فهو الجنس العالي على سائر الأجناس، و الأب الأكبر لجميع الموجودات و الناس. و لما انتهى الزمن بالاسم الباطن انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر فظهر محمد صلى اللّه عليه و سلم بكليته جسما و روحا، و هو صلى اللّه عليه و سلم و إن تأخرت طينته فقد عرفت قيمته فهو خزانة السر و موضع نفوذ الأمر فلا ينفذ أمر إلا منه و لا ينقل خير إلا عنه.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه عزّ و جلّ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة» يعني مما نعده لو كان الفلك فإن أول مخلوق نوره صلى اللّه عليه و سلم، و منه خلق الماء، فخلق من الماء الجواهر و الأعراض و العرش و الكرسي و السماء و الأرض و كل ذرة أوجدها ربنا، فللعرش قوائم تحمله الملائكة و ليس عليه بفلك فلا تكون له قوائم، و هو في اللغة سرير الملك. و إنما نزل القرآن بلغة العرب فهو سرير له قوائم تحمله‏

21

الملائكة كالقبّة على العالم و هو سقف المخلوقات، فالكرسي غير العرش. «يا أبا ذر، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على جرم الحلقة».

عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوته حمراء قلمه نور و كتابه نور».

عن ابن عباس: فقد شرف اللّه نبيّه بمنقبتين و مرتبتين بين سائر الخلائق أجمعين فلا مطمع لأحد فيها و بما ساد الحقائق كلها الحدوثية، فالرتبة الأولى مركبة من ثلاثة أمور كونه أصل العالم كله في الحضرة العلمية الأزلية و الوجود الإدراكي، و هذا المقام الذي هو تجلى اللّه فيه بكمال ذاته و بكمال صفاته و بكمال أسمائه هو الحقيقة المحمدية.

و التعين الأول و حقيقة الحقائق و النور الأحمدي و الخلق المخلوق به و الإنسان الكامل و كونه أصل العالم في حضرة الأعيان و الوجود الخارجي عند إنفاذ القدرة الإلهية ما اقتضاه العلم و الإرادة الإلهيان ببدء الخلق و الإيجاد الذي هو عالم الأرواح و الأجسام و لوازمهما و كونه نبيا بالفعل عند بده الخلق المذكور أفيضت عليها كمالات النبوّة علما إلهيا مقربا من ربه قربا خاصا به.

روى ابن القطان: أن اللّه تعالى خلق نوره قبل أن يخلق آدم (عليه السلام) بأربعة عشر ألف عام- و في رواية و يسبح ذلك النور- فإذا علمت ما سقناه بطل ما ادّعاه من لا دراية له بكونه صلى اللّه عليه و سلم أصلا لكل مفعول خلقه اللّه، فقد صيرت حديث جابر بالشواهد و الأدلة في مقام المتواتر و قد أثبته في «المواهب» و أقرّه الزرقاني و أثبته كل من يقتدي به و بنيت عليه المواليد النبوية و عليه بنى كل عارف من الأئمة كالبصيري و صاحب الشفاء و غيره من جميع العلماء الأجلّاء، فنوره في الشاهد كادم جعل أصلا أصيلا لذوات بنيه حكمة إلهية و حكما حكم به ربنا، و كالنواة جعلها أصلا للنخيل فالنخيل كامن فيها، و كالإضاءة في الشمس جعلت أصلا للأنوار، و كالأم جعلت أصلا للولد، و كالماء جعل أصلا لكل حي مع استغناء اللّه عما سواه، اللّه الصمد، فالرسول صلى اللّه عليه و سلم مخلوق خلقت منه الحقائق كلها فلا يريد اللّه أن يظهر وجودا إلا منه كما أنه لم يرد أن يظهر صورة آدمية إلا من آدم حكمة إلهية فلا استغراب فيه.

و قد علمت بالأصول الدامغة أنه أصل أصيل لكل ما خلقه اللّه، فمن يمينه خلق السعداء، و من يساره خلق الاشقياء، و مفاتيح الخير في يد يمناه، و مفاتيح الشر في يد يسراه، و الخزائن تحت قدمه، و أسماء المؤمنين في يده اليمنى فلا مزيد، و أسماء الكافرين في يد يسراه و لا مزيد، و هو الخليفة المطلق في الدنيا و الآخرة، و الأنبياء نواب عن نبوّته قبله حتى يظهر كقياد الرحى عليهم الكبير فكبيرهم كبير حتى يأتي الكبير على‏

22

سائر الأجناد ثم تنفني رتبته في رتبة الكبير عليه مع بقائه كبيرا تحت حجبه لكن ليس له الحل و العقد إلا على يديه، فكذلك الأنبياء فهم أنبياء في غير يومهم لكن لا يتصرفون إلا بإشارة من له اليوم و هو النبي صلى اللّه عليه و سلم فالعلماء نواب عنه في التبليغ كأنبياء بني إسرائيل في مجرد التبليغ عنه لا في الرتبة فلكل رتبة صاحبها لا تقبل غيره أبدا، فالحقائق لا تتكرر أبدا.

ثم اسمع أفضليته على غيره: «أنا محمد بن عبد اللّه القرشي، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب أنا أعرب العرب، أنا بن العواتك من سليم، أنا النبي الأميّ الصادق الزكي، الويل كل الويل لمن كذبني، أنا أبو القاسم، اللّه يعطي، و أنا القاسم، أنا أكثر الناس تبعا يوم القيامة، و أنا أول من يقرع باب الجنة، أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، و أنا خطيبهم إذا وفدوا، و أنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، و أنا أكرم ولد آدم على ربي و لا فخر، أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري، أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم يأتي أهل البقيع فيحضرون معي ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين، أنا سيد ولد آدم يوم القيامة و أول من ينشق عنه القبر و أول شافع و أول مشفع أنا سيد ولد آدم و لا فخر، و بيدي لواء الحمد و لا فخر، و ما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، و أنا أول شافع و أول مشفع و لا فخر، أنا قائد المرسلين و لا فخر، و أنا خاتم النبيين و لا فخر، و أنا أول شافع و مشفع و لا فخر، أنا سابق العرب و صهيب سابق الروم و سلمان سابق الفرس و بلال سابق الحبش، أنا أعربكم، أنا من قريش و لساني لسان بني سعد بن بكر، أنا رسول من أدركت حيا و من يولد بعدي، أنا أول من يدق باب الجنة، أنا فئة المسلمين، أنا فرطكم على الحوض، أنا محمد و أحمد و المقفى و الحاشر و نبي التوبة و نبي الرحمة، أنا محمد و أحمد أنا رسول الرحمة، أنا رسول الملحمة، أنا المقفى و الحاشر، بعثت بالجهاد و لم أبعث بالزراع، أنا دعوة إبراهيم. و كان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم، أنا دار الحكمة و علي بابها، أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا و الآخرة ليس بيني و بينه نبي و الأنبياء أولاد العلات أمهاتهم شتى و دينهم واحد، أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أنا الشاهد على اللّه ألا يعثر عاقل إلا رفعه ثم لا يعثر إلا رفعه حتى يصير مصيره إلى الجنة».

و آباء نبينا صلى اللّه عليه و سلم قطب من سيدنا عبد اللّه إلى آدم، و أمهاته من سيدتنا آمنة بنت وهب، صديقة من صديقة إلى سيدتنا حواء كأمهاته رضاعا و آبائه رضاعا.

و لما حملت سيدة النساء من سيد الرجال آمنة بنت وهب مع القطب الجامع عبد

23

اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بسيد الخلائق أجمعين، أصبحت الأصنام منكوسة و بقي تسعة شهور، و تمخضت به أوله في سابع ربيع الأول و زاد منه بعضه الكريم قبل فجر يوم الاثنين من الثاني عشر منه، فجمع بين الليلة و اليوم حرس اللّه السماوات بالملائكة ترمي بشهب من أراد استراق سمع أخبار السماوات من الملائكة من كل شيطان فأظهر اللّه المعجزات في ليلة ولادته و سخّر اللّه لآمنة جميع العوالم حتى خدمتها الملائكة و الإنس و الجن فوقع لها الفتح الأكبر بطلعة أكرم خلق اللّه، فرأت قصور قيصر بمكة، و أحدقت النساء من الحور و غيرها، فرأت ملك اللّه متدانيا لها تقطف منه بولده الكريم، فأمد لها ديباج أخضر فرأت من المعجزات ما ألف فيه العلماء تاليف، فرأت ثلاثة أعلام علما بالمشرق و علما بالمغرب و علما على ظهر الكعبة، فأخذها الطلق فولدت سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم.

السلام عليك يا أيها الرسول العظيم، اللّهم صل على سيدنا محمد الفاتح، السلام عليك يا سيدنا و مولانا محمد، السلام من اللّه و من كل خلق اللّه عليك يا ابن سيدنا عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، السلام على من فضله اللّه على سائر الخلائق، السلام عليك أيها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام عليك يا ابن أكرم النساء آمنة بنت وهب، السلام عليك من اللّه أيها البشير النذير، السلام عليك يا من هو السراج المنير، السلام عليك أيها الصادق الأمين، السلام عليك أيها المبعوث رحمة للعالمين، السلام عليك أيها الفاتح الخاتم لما أغلق، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام منا عليك أيها الكريم الماجد، السلام عليك أيها الخليفة الأكرم، السلام عليك يا من هو المجلى الأعظم، السلام عليك من ألسنة كل الخلائق، السلام عليك بأي أنواع الطرائق، السلام عليك منك و من أرواح الحقائق السلام عليك من جنابك الأعظم، السلام عليك من اللّه الأكرم، السلام عليك ممن أوجد منك أنفاس الخلائق، السلام عليك يا حبيب اللّه و خليله، السلام عليك بكل سلام خلقه اللّه.

اللّهم طهرنا و مجالسنا بذكره الطيب، و تفضل علينا بسلوك نهجه القويم، و صلّ لنا يا ربنا عليه و سلم و على آله صلاة و سلاما دائمين بدوام ملك اللّه العظيم، صلاة تفتح لنا بها أبواب الرضى و التيسير و تغلق عنا بها أبواب الشر و التعسير، اللهم صلّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق و الهادي إلى صراطك المستقيم و على آله حق قدره و مقداره العظيم، صلاة عظيمة القدر و المقدار، صلاة و سلاما يؤديان عنا حقوقه آمين ...

فاعلم أن صفة اللّه ليست عين الذات باعتبار، و ليست غيره بالذات فاتحد الذات و الصفة ذاتا و اختلفا اعتبارا و ذلك بملاحظة التجلي في المظهر الجامع الأزلي الواحدي،

24

و هي عين الذات في الخارج و غيرها في المفهوم بملاحظة الإطلاق الذاتي الأحدي فاتحد المقامان عند قصد أهل القولين و تحقيق الفرق بين المقامين، فالخلف عليه لفظي.

فالشي‏ء الثابت إما في الخارج أو في ذهن المخلوق أو في القراءة أو في الكتابة أو في علم اللّه تعالى. فعلم اللّه بالأشياء حضوري لا حصولي و هو قائم به تعالى، فالممكنات كلها في الأزل مشهودة ثابتة غير مفقودة و إن لم تكن موجودة في الخارج فهي مرئية للَّه في حال عدمها و مسموعة، فالعاقل الذي فتح له في المقدور يعلم أن اللّه على كل شي‏ء قدير و هذا شي‏ء، فالشي‏ء المقدور العدم الإضافي فهو الذي له ثبوت في العلم دون العدم المحض فإنه ليس له ثبوت أعيان و هو المستحيل الذاتي كإيجاد مثله أو خلق ما نفاه عن نفسه أو سلب ما أثبته لنفسه. فالعدم الإضافي هو وصف لما تضمنه العلم القديم و ليس وصفا للعلم، فكل ما لم يتضمنه علمه ليس بشي‏ء.

و إنما تتعلق القدرة بشي‏ء موجود في علمه الحضوري فما كانت حقيقته لا شي‏ء لا يكون شيئا، فما هو شي‏ء لا يكون لا شي‏ء. فالحقيقة لغة من حق يحق، بالضم و الكسر، حقا و حقوقا صار حقا و ثبت و وجب‏ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏ [القصص: الآية 63] ثبت، فيكون فعلا لازما و متعديا. فإن كانت الحقيقة من اللازم فهي بمعنى فاعلة الثابت و الواجب، و من المتعدي فهي بمعنى مفعولة المثبت و الموجب. فالتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية لا يبلغ المؤمن حقيقة الأمر حتى لا يعيب مسلما بعيب هو فيه، يعني خالصه و محضه، و حقيقة الرجل ما يلزمه الدفاع عنه، فلان يسوق الوسيقة و ينسل الوديقة و يحمي الحقيقة فلها سبع معان. ما يصير إليه حق الأمر و خالص الشي‏ء، و ما يحق عليه أن يحميه، و الرأية و الحرمة و الفناء، بالكسر و الكلمة التي وضعت أولا، و هي للبيانيين.

و هي عند المتكلمين و الحكماء معنى كل يكون كل شي‏ء هو هو كليا أو جزئيا، إما حقيقة كلية كحد الإنسان، أو حقيقة جزئية كزيد. فكل كلي جزء لجزئه، و كل جزئي كل لكليه. فتسمى ماهية مشتقة من ما هو و مائية من ما منسوبا و هوية.

فالتعين الأول، أول مرتبة للذات تعالى و أول مراتب العلم فهو ظهور الذات لنفسه باندراج اعتبارات الواحدية فيها فإنه علم ذاته فقط.

و المرتبة الثانية، ظهور الذات فيها لنفسها بشئونها من حيث مظاهر تلك الشؤون المسماة صفات و حقائق فيها فكان متعلّقا بمعلومات متميزة متغايرة و الكل عين واحدة في الوحدة الحقيقية التي هي عين التعين الأول الذي هو أول مراتب العلم، فمنها انتشأت الأحدية و الواحدية. فالأحدية سقوط الاعتبارات كلها عنها بالكلية، و الواحدية ثبوت الاعتبارات لها مع اندراجها في أول رتبة الذات، فالوحدة الحقيقية هي البرزخ الجامع بينهما و أصل كل قابليته و فاعليته فلذلك سميت حقيقة الحقائق، و الحقيقة المحمدية،

25

فإنها أصل لكل حقيقة إلهية و كونية فلا إجمال في علم اللّه تعالى مفهومات ثابتة في علم اللّه أزلا و أبدا باعتبار كونه عين الذات الأقدس فالأسماء و الصفات نسب إلهية ترجع إلى عين واحدة، فالعلم باعتبار الذات مجمل و باعتبار الواحدية مفصل. فالعلم في المرتبة الأولى يعتبر عين الذات فإنه ظهور الذات لنفسه مع اعتبار اندماج اعتبارات الوحدة فيها مع تحققها فإنه علم ذاته فقط. و العلم في الثانية يعتبر مغايرا للذات مغايرة اعتبارية و هو ظهور الذات لنفسها بشئونها من حيث المظاهر المسماة صفات و حقائق فإنها شئون المظاهر فهي الذي ظهر لنفسه بنفسه ذا حياة و ذا علم إلى آخر الصفات بالنظر إلى مرتبة إجمال العلم التي هي المرتبة الأولى. فالوحدة في المرتبة حقيقية و الكثرة نسبية، و الكثرة في الثانية حقيقية، و الوحدة نسبية مجموعة. فالحقائق الإلهية من الأسماء و الصفات و الحقائق الكونية من متعلقاتها في مرتبة إجمال العلم تسمى شئونا و اعتبارات مجتمعة منظورا إليها بعين الوحدة الحقيقية، و الكثرة النسبية و مندرجة في الذات الأقدس الأحد و تسمى في مرتبة تفصيل العلم حقائق متميزة متغايرة و أعيانا ثابتات منظورا إليها بعين الكثرة الحقيقية و الوحدة النسبية و هو علم المفصل في المجمل كمشاهدة العاقل النخيل في النواة، و في الثانية علم المجمل في المفصل كمشاهدة نواة في النخلة بجميع ما يترتب عليها من نخيل و ثمار إلى نهاية.

فكل معلوم ثابت في العلم الذي هو عين الذات و صفاته و أسماؤه التي من جملتها العلم و كل متعلقات ذلك بالفتح التي هي الحقائق الكونية الأبدية التي لا تتناهى، و إن كانت حقائق متميزة متعددة متكثرة إلى عالم ذي علم و معلوم في مرتبة علم المجمل في المفصل فهي الوحدة الحقيقية. فالواحدية اعتبار الذات من حيث انتشاء الأسماء عنها من حيث اتحادها فيها و إليها يتوجه الطلب و تستند المعرفة لثبوت الاعتبارات الغير المتناهيات لها مع اندراجها فيها في أول رتبة الذات. فالشي‏ء الثالث هو كل متحقق في علم اللّه قديما و حادثا فعمت الحق و الخلق فالوحدة عبارة عن الهيئة الوحدانية الشاملة لجميع ما ثبت و تحقق في العلم القديم، فهما عبارتان مختلفتان في اللفظ متحدتان في المصادق فهما شي‏ء واحد و هو المطلوب.

فعلم غير اللّه للَّه متوقف على الإحاطة بكنه الذات تعالى و هو محال عقلا و شرعا و كشفا لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام: الآية 103] و إنما يعرفه المقربون بوجه من تجلياته المقدسة التي يتنزل فيها فشأن ربنا الإطلاق فيجمع بين جميع التجليات في حالة واحدة، ففي حال ظهوره لنفسه بنفسه يظهر بشئونه و مظاهرها التي هي صفات و حقائق إلهية و كونية من غير تقدم و لا تأخر فلا إجمال في علم اللّه و إنما يعتبره المعتبر في الوحدة.

26

فالتعين الثاني هو الألوهية و النفس الرحماني و عالم المعاني و حضرة الارتسام و حضرة الأزلي و حضرة العمائية و الحقيقة الإنسانية الكمالية و حضرة الإمكان بحسب اعتبارات ثابتة فيه مع توحد عينه، فالتعين الأول هو الشي‏ء الثالث.

كان اللّه و لا شي‏ء غيره فأحدية الجمع هي الشي‏ء الثالث فالوحدة الحقيقية هي حقيقة الحقائق و الحقيقة الكلية فتفسر باعتبار باطن الوحدة الكلية لكونه أصلا جامعا لكل اعتبار و تعين، و باطنا لكل حقيقة إلهية و كونية و أصلا انتشى‏ء منه جميع ذلك. و تفسر مرة أخرى باعتبار الذات الموصوف بالوحدة من حيث وحدته و جمعه للأسماء و الحقائق.

و تفسر أخرى بالرتبة الإنسانية الكاملة الإلهية الجامعة لسائر الرتب التي هي حضرة أحدية الجمع التي تتم بها الدائرة. فالاختلاف اعتباري فقط لرجوعها إلى معنى واحد و هو أول مرتبة تعينت في غيب ذات اللّه الذي هو الوحدة الحقيقة بما اشتملت عليه من الشؤون و الاعتبارات الغير المتناهية فإنها البرزخ الأول الأكبر الأقدم الأصل الجامع لجميع البرازخ حقيقة الحقائق، فالمضاف الأول هو العلم باعتبار التعين الأول و المضاف إليه العلم باعتبار التعين الثاني و معنى التعين الأول الحقيقية التي هي عين جميع الحقائق.

و التعين الثاني الحقيقة المستغرقة أفراد الحقائق.

فالذي صدق عليه التعين الأول شي‏ء واحد، و الثاني أشياء كثيرة فهي الهيولى الخامسة و هيولى الهيولات فإنها أصل لكل صورة حسية و معنوية. فيقال تارة: هيولى الهيولات، و تارة هيولى الكل، و تارة الهيولى الخامسة. فمن حيث هي باطن و أصل كل حقيقة هيولى الهيولات و من حيث كونها بطنا في كل باطن و بطون هيولى الكل، و الهيولى الكبرى الجامعة لكل شي‏ء، و باعتبار الجسم الذي هو آخر مراتب الظهور صورة في النفس، و النفس صورة في العقل، و العقل صورة في العلم، و العلم صورة ظهرت في باطن الوحدة سميت الهيولى الخامسة.

فنعني بالصورة الصفة لكون علم اللّه إدراكا محضا مجردا من الصورة، فإنه حضوري فعلمه و معلومه واحد فلا يعلل بالعلم، فالحقيقة المحمدية و الحق المخلوق به هي عين حقيقة الحقائق و هو الشي‏ء الثالث و هو الوسيلة و المقام المحمود الذي اندرجات فيه الأعيان الثابتة المعبر عنه بالواحدية، فإنه تعالى تجلى لذاته بذاته فأراد أن يتجلى لغيره ليرى كمالاته في غيره كالمرآة. أوجد الحقيقة المحمدية التي هي جميع أهل النوع الإنساني في الحضرة العلمية كالشجرة أوقفها بحضرة نور ذاته حاجبة ما يخلقه منه فعلمت ظلا مرتسما في الهباء فوقف الظل مع نوره تعالى بالشجرة لكونه ظلا لها، فلو لم تكن لم يظهر ظلها فلو زالت لزال ظلها، فخلقت الشجرة لذات اللّه و خلق الظل بسبب الشجرة، الزيتونة الثابتة التي لا تشرق بنفسها بل بربها و لا تغرب و تستتر فلو غربت لتبعها

27

ظلها، فبطلت متعلقات كمالاتها و هو محال و إن قبلت الزوال.

فأعيان العالم في العلم و العين و كمالاتها إنما حصلت بوساطة الحقيقة المحمدية التي هي الشجرة، فلو زالت لزالت فهي المرتبة الثانية للموجد تعالى. فصار صلى اللّه عليه و سلم نقطة كل موجود مخلوق من التخطيط الذي هو عالم الأرواح، و التجسيم الذي هو عالم الأجساد، فظهر بنقطة أحدية الذات الفردانية إلى المحيط لإجراء أمر الخلافة بالتربية و السياسة و هو العماء و الماء و النور المحمدي فأظهر اللّه منه كما سبق في علمه أنه يوجده و هو شي‏ء موجود في الخارج، واحد جامع لجميع المخلوقات الموصوفة بالوحدة الجسمانية، فانقسم النور إلى أشياء في الخارج و هو الظل المتكاثر ظاهرا باعتبار الجسمية، و إنما ظهرت الأسماء و الصفات في الشجرة فسرت منها إلى الظل فهي مستغرقة لأنواع الحمد باعتبار اللّه فيها حيث ظهرت فيها كمالاته تعالى، و باعتبار الظل حيث حصل وجوده بها فهي محمدية باعتبارين: فهي عين النور المحمدي الأولي الذي تجلى فيه الرب فظهرت قوة تجليه في الظل الذي هو كل صورة حسية أو معنوية فهي البرزخية الوسطية «أول ما خلقه اللّه نوري» فهو أب الأرواح و نور الأنوار فهو التجلي الأول الذي هو أصل التجلي الثاني في غيره الذي هو ملك اللّه قاطبة.

و قد علمت أن حديث جابر و الشعبي أفاد أنه نبأه اللّه و استنبأه حين أخذ منه الميثاق. و دل حديث جابر بزيادته التي عند صاحب «المنتفى» و غيره على أن أخذ الميثاق منه كان حين خلقه و إقامته مقام القرب، فينتج أنه استنبئ حين خلقه فكانت نبوّته سابقة على كتابتها في الذكر و على خلق العرش و الماء و خلق اللوح و القلم. فصرح حديث جابر بأن نوره أصل لكل مخلوق علوا و سفلا.

و في «الدر المنثور» في‏ وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏ [الأنبياء: الآية 30]، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول اللّه إذا رأيتك طابت نفسي و قرّت عيني فأنبئني عن كل شي‏ء، قال: «كل شي‏ء خلق من الماء». قلت: يعني بالماء نقطة عرقية من حقيقة نوره، «لما قال لها أقبلي فأقبلت و أدبري فأدبرت فخجلت فسقطت عرقة من هيبة ربها فاضطربت فصارت بحرا فاجتمع فيه زبد فصار الأرضين و خلق السماوات من بخار الماء كالعلويات كلها فهو عليه جزء واحد من الحقيقة المحمدية و خلق العرش من نور جبينه صلى اللّه عليه و سلم».

فقوله: «من الماء» يبيّن رواية على الماء بأن في بمعنى من.

و روى البيهقي في «الأسماء» و ابن مردويه عن أبي رزين، قال: قلت: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: «كان في عماء ما تحته هواء و لا فوقه هواء و خلق عرشه على الماء». قلت: معناه في أي مظهر يظهر ربنا. قال: في الحقيقة المحمدية.

فنفى عنها الجهات و الهواء فلا وجود لها فهو سؤال عارف و جواب عارف فالعماء هو

28

حقيقة الحقائق فلا يتعين لغة أن يكون الأين سؤالا عن المكان و إنما سأل عن مظهر التجلي هل هو من قبيل التعين الأول أم من الثاني، فالثاني الواحدية، و حضرة قاب قوسين. فالتعين الأول حضرة الأحدية و هي مقام أو أدنى فالماء نور فلا غرابة فيه، فإن القرآن سمي نورا.

ثم قال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الأنعام: الآية 99]، قال في «الدر المنثور»: أنزل من السماء قرآنا فاحتملته عقول الرجال فهو صلى اللّه عليه و سلم ماء نوراني كالقرآن متضمن للماء العنصري و غيره من الكائنة التي سيتفصل باللَّه العظيم فالموجود الخارجي باعتبار أوليته شي‏ء واحد و هو النور المحمدي و بالنظر لأبديته أشياء متعددة هو العالم بأسره و إنما هو أجزاء لنوره فهو أصل العالم في حضرة الأعيان و الإيجاد الخارجي و كونه نبيا مفاضا عليه كمالات النبوّة من المعارف و العلوم الإلهية عند بدء خلق نوره و المحمدي بالفعل و القوّة لا بالقوة فقط، فلما وجه رسالته إلى حقائق المفعولات خص اللّه الأنبياء بالذكر ليذكروا نفوسهم و أممهم برسالته فإنه نقطة الوجود و نقطة النبوّة و كل كمال بقوله: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ [آل عمران: الآية 81] فأفاد أنه أخذ العهد من غير الأنبياء من باب أولى و أحرى، فاذن بالطريق البرهاني الذي هو أقوى و أبلغ بغير الأنبياء فاكتفى بالأنبياء عن أممهم لأنهم المطالبون بالأحكام فيهم و إذا أخذ اللّه الميثاق الذي أخذه الأنبياء على أممهم، و إذ أخذ ميثاق أمم النبيين على حذف مضاف، و إذ أخذ اللّه ميثاقا غليظا كميثاق النبيين: وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏ [آل عمران: الآية 81] عهدي، فالإصر ما يعقد به في المحسوس، و العهد ما يوثق به في المعنى: قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران: الآية 81] فليشهد بعضكم على بعض في الإقرار وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ [آل عمران: الآية 81] على إقراركم. فهدد في حق من تولى بعده.

أخرج ابن جرير عن علي كرّم اللّه وجهه: «لم يبعث اللّه نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث و هو حي ليؤمنن به و ليتبعنه»، و أمره أن يأخذ العهد من قومه «كنت نبيا و آدم بين الروح و الجسد، بعثت إلى الناس كافة» يعني أولهم و آخرهم.

و كل آي أتى الرسل الكرام بها * * * فإنما اتصلت من نوره بهم‏

و نقله السيوطي في «الخصائص» و سلمه القسطلاني في «المواهب» و تلقتها المحققون بالتحسين و القبول، فلا عبرة بتعقبات الخفاجي هنا فقد أبطلها الزرقاني.

روى أبو يعلى عن جابر: «لو كان موسى بين أظهركم لما حلّ له إلا أن يتبعني».

فالحق مع السبكي، فما قاله الخفاجي لا معنى له فالذي أخرج من ظهر آدم ذوات بنيه لا الأرواح، فذاته نبية و مرسلة إليهم في عالم الذر فادم حين إخراج اللّه له من طينة آدم كان‏

29

مواتا و أخذ العهد من محمد صلى اللّه عليه و سلم و الميثاق و نبأه ربه و آدم موات لا روح له و محمد حي نبي قائم بعبادة ربه و بتبليغ الرسالة إلى الحقائق الموجودات حينه فهو أول النبيين خلقا و آخرهم بعثا و هو موجود نبي بالفعل و القوّة معا، فبالفعل بلغ لمن كان ثمة، و بالقوة لمن سيوجد بعد استكماله ثلاثا و أربعين سنة من ولادته. فلما استتمها و استكمل شروط الرسالة أرسله ربه إلى كل حقيقة مخلوقة من بعثته إلى ما لا نهاية لأزمنة الأبد فهو رسول أهل الآخرة قاطبة بالفعل و القوّة، فقد رزقه اللّه الفتح الأكبر و هو العلم المتعلق بربه قبل وجوده، و الفتح الأصغر و هو العلم المتعلق بالمكونات بنفسه و غيره فلما زاد (1) من بطن أمه حجبه اللّه عن الفتح الأصغر حتى لم يبق له علم بمراد اللّه فيه و لا في غيره: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ‏ [الشّورى: الآية 52] كعالم ضرب في دماغه فزالت حقائق العلم في خزانته تأسيسا لتبليغ الرسالة.

و أما الفتح الأكبر فلا مزيد على ما هو عليه في مدة الأبد، فلما أنذر عشيرته و مات من علم اللّه كفره في بدر و غيرها رد اللّه له الفتح الأصغر في ليلة إسرائه و هو الذي يشير له وضع اليد على ثدييه فعلم علم الأولين و الآخرين فيما يتعلق بالكون فقط فرجع بالعلم الذي أزاله اللّه في دماغه بعد ولادته فرجع إلى الحالة الأولى باعتبار العالمين فهو نبي بالفعل إلى الأنبياء قبله و منه يستمدون قبل وجوده نائبين عنه فقط، فإذا ظهر تولى بنفسه ما طوقه اللّه به إلى ما لا نهاية لحقائق الأبد و خص محمد صلى اللّه عليه و سلم باستخراج اللّه إياه من آدم قبل نفخ الروح في آدم فإنه المقصود بالذات في العوالم كلها من نوع الإنسان و غيره، و الأحاديث دالة عليه.

قال عليّ كرّم اللّه وجهه: الذي قال فيه صلى اللّه عليه و سلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، كما في الترمذي و النسائي و عند مسلم و أحمد: «لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق» و لم ير في أحد من المناقب بأسانيد صحاح أكثر مما جاء في علي.

قال: «لم يبعث اللّه نبيا فما بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى اللّه عليه و سلم، لئن بعث و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه و يأخذ العهد بذلك على قومه». و روي مثله عن ابن عباس كما في «ابن كثير» في تفسيره و هو نهاية التعظيم له صلى اللّه عليه و سلم، فيتحقق أن الأنبياء من أمّته مع أممهم. و قال: «بعثت إلى الخلق كافة من قبله و من بعده»، فإن حقيقته ظهرت بالنبوّة و الرسالة قبل خلق آدم و قبل نفخ الروح فيه فهو مرسل إلى الأنبياء مع بقاء كل نبي في نبوّته فله كانت الأنبياء في الآخرة تحت لوائه، فلو ظهر جسده الكريم في زمن آدم ككل نبي بعده لوجب عليهم الدخول تحت ولايته بالفعل، و عليه أخذت المواثيق فشرائعهم‏

____________

(1) زاد باللهجة المغربيّة: أي ولد.

30

على تقدير وجوده شرع له فيهم فأخذت تربة من قبره في المدينة و مزجت بسرة الأرض التي هي الكعبة فخلق منهما تعظيما لهما به. فأول من أجاب في قوله تعالى: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت: الآية 11] تربته و من السماء البيت المعمور لصعود أنوار تربته له ثم بقية البقاع و الرقاع.

و إنما دحيت الأرض تحت الكعبة فهي قوة الأرض لامتزاجها بتربة قبره صلى اللّه عليه و سلم فهو الأصل في التكوين و غيره تبع له، خلق لعلية وجوده فلو لا وجوده ما ظهر لغير اللّه وجود لتعلق علم اللّه و إرادته بذلك، كما خرجت به الأخبار، فأصل طينته مدنية مزجت بمكة فهو مكي مدني فنسبه أيضا مكي و رحمه مدني لمقام أخوال أبيه.

روى الحاكم في «صحيحه» عن عمر رفعه: إن آدم رأى اسم «محمد» مكتوبا على العرش، و إن اللّه تعالى قال لادم: لو لا محمد ما خلقتك.

و روى الحاكم عن ابن عباس: أوحى اللّه إلى عيسى «آمن بمحمد و أمر أمّتك أن يؤمنوا به فلو لا محمد ما خلقت آدم و لا الجنة و لا النار و لقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه فسكن». صححه الحاكم و أقره السبكي في «شفاء السقام» و البلقيني في «فتاويه» و حكمه الرفع.

و أخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: «أتاني جبريل فقال: إن اللّه يقول: لو لاك ما خلقت الجنة و لو لاك ما خلقت النار».

و ذكر ابن سبع و العزفي بفتحتين عن علي كرّم اللّه وجهه: «إن اللّه قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء و أموج الموج و أرفع السماء و أجعل الثواب و العقاب». قلت: و لم يكن لغيره نبيا أو ملكا فمذهب الأشاعرة أن أفعال اللّه لا تعلل بالأغراض و إنما يقال بعد فعل اللّه عند البحث في سر فعله خلقه لحكمة كذا، فإنه حكيم ففعله حكمة، فإن اللّه غني عن العالمين لا غرض له في فعله البتة و إنما فعل لحكمة تعود على المفعول لا إليه تعالى. فلا يحل أن يقال: و الباعث للَّه على فعل كذا لأجل كذا لو لا حكمة وجود محمد منك لما خلقتك، فامتنع خلق آدم لو لا أن اللّه علم أنه حكمة ترتيب المسبب على الأسباب فمحمد مسبب علم اللّه أنه ينشئه من سببه الذي هو آدم عند وجوده لا به، و الربط عادي فلو لا تعليق المسبب بالسبب ما خلق اللّه السبب فاللَّه غني عن السبب و المسبب فهو المسبب بالكسر قائم بنفسه غني عن العالمين لكن علم أن محمدا الذي هو المسبب علق وجود المكونات بوجوده فأفعال اللّه مصالح و حكم لا علل مستلزمة لفاعليته تعالى فإنه غني بنفسه فلا يكمل بغيره.

و إنما وردت النصوص بتعليل أفعاله تعالى بالحكم و المصالح‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذّاريات: الآية 56] يعني خلقهم و فرض عليهم العبادة فمنهم‏

31

ممتثل و منهم غيره فلا يكون فعله لمنفعته لكمال غناه، و إنما يوجد اللّه على نحو ما علم.

فالأشياء إنما تستند إلى المشيئة و لا تسند هي لغيرها و إنما علم اللّه أن نور محمد صلى اللّه عليه و سلم سبب لكل موجود و آدم و غيره و أن جسد آدم سبب لظهور جسده صلى اللّه عليه و سلم.

كتبه عبد اللّه الأحسن بن محمد بن أبي جماعة البعقيلي أمنه اللّه و رضي عنه و أرضاه و قبله، و أرضى جميع من أحب و أمعن النظر بعين الرضى فيه، بعد عصر يوم الأحد سادس عشر من ربيع الأول، جعله اللّه مقبولا في أعين الأمّة المصطفاة المجتباة و أفاض علي سر نبوّته و شريعته، و أكرمني و جميع إخواني بالصدق فإن هذا المحل لا مجال فيه للعقل و إنما هو سوق الإيمان بما استنبطه الراسخون من أبحر الشرع فالعقل ملجم ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشّورى: الآية 11]، ليس لك من الأمر شي‏ء فهذه نفحات رحمانية تقبل و تشم و تضم إلى المهج، و قرّة أعين البصائر نفع اللّه به المسلمين آمين و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

إسعاف الراغب الشّائق بخبر ولادة خير الأنبياء و سيد الخلائق‏

للشيخ العلامة السيد محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

نحمدك اللّهمّ يا من افتتح بالنور الباهر الأحمدي و الجناب العاطر المحمّدي كلّ مخلوق و موجود و جعله بدرة الأكوان و درّة الأعيان، و أبرزه طالعة الوجود فكان الوالد للأرواح، و البادى‏ء بالأفراح، و السّابق لكلّ كرم وجود، و الفاتح لما أغلق من الأنوار و سائر المعارف و الأسرار و جميع الخيرات الّتي لم تفتح قطّ لمولود، و نشكر جنابك العظيم على أن أصعدت على منصّة الإجلال و التشريف عروس جماله الكريم، و ختمت به طوالع السّعود. و نشهد أنك اللّه الّذي لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، فضلته على جميع الخلائق، و أسعدت به كلّ صامت و ناطق، و جعلته كريما من أكرم آباء و أشرف جدود، و نشهد أنّ سيدنا و مولانا و نبينا محمدا عبدك و رسولك و مصطفاك من خلقك و خليلك أعظم محبوب و أكمل مودود، من انتقل في الغرر الكريمة نوره و أضاءت لميلاده مصانع الشّام و قصوره، و أشرقت منه الأغوار و النّجود، فصل اللّهمّ و سلّم عليه و على آله الّذين أذهبت عنهم الرّجس و طهّرتهم تطهيرا، و منحتهم إجلالا كاملا و توقيرا، و تمام عزّ و سعد ممدود، و صحابته الّذين نصروا دينه و شريعته و تبعوا طريقه و سنّته و وقفوا في ذلك عند كلّ حدّ محدود، صلاة و سلاما يدومان و لا ينتهيان بغاية و لا بأجل معدود.

عطر اللّهمّ مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

36

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

هذا و إن اللّه تعالى الّذي دبّر و حكم و قضى على خلقه بالوجود بعد العدم، لمّا أراد أن يخلق الأكوان و أن يوجد منها ما يكون أو كان على صورة حكمته كما سبق في سابق أزليته، ابتدأ منها بخلق الحقيقة الأحمدية من الأنوار الأحدية الصمدية فقبض قبضة من نوره و قال لها: كوني محمّدا نبيّا رءوفا عطوفا ممجّدا، فصارت عمودا من نور يسبّح اللّه تعالى و يمجّده قبل ظهور الظّهور، ثمّ إنّه سبحانه أفاض عليه و هو في سرّ الغيب سجال العطايا و منحه ما لا يعدّ و لا يحصى من الماثر و الخصائص و المزايا، ثمّ سلخ منه العوالم و أمدّ منه المكوّنات و سائر المعالم، فكان صلّى اللّه عليه و سلّم لذلك أصل الموجودات و عنصر جميع المخلوقات و أساسا استند إليه كلّ حي و نورا خلق من نوره كلّ شي‏ء.

و قد روى عبد الرزاق في مصنّفه و البيهقي، و لكن ببعض مخالفة عن جابر بن عبد اللّه عنهما، قال: قلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي أخبرني عن أوّل شي‏ء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء، قال: «يا جابر إن اللّه عزّ و جلّ خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، أي من نور خلقه و أضافه إلى نفسه تشريفا له فجعل ذلك النّور يدور- أي يتردد- و ينتقل في عالم الملكوت بالقدرة حيث شاء اللّه و لم يكن في ذلك الوقت لوح و لا قلم و لا جنّة و لا نار و لا ملك و لا سماء و لا أرض و لا شمس و لا قمر و لا جنّي و لا إنسي، فلمّا أراد اللّه تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النّور- أي اقتبس منه- أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم و من الثاني اللوح و من الثالث العرش ثم قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل حملة العرش، و من الثّاني الكرسي، و من الثّالث باقي الملائكة. ثمّ قسّم الرّابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل السّماوات، و من الثّاني الأرضين، و من الثالث الجنّة و النّار، ثمّ قسم الرّابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل نور أبصار المؤمنين، و من الثّاني نور قلوبهم و هو المعرفة باللَّه، و من الثّالث نور أنفسهم و هو التوحيد لا إله إلا اللّه محمّد رسول اللّه» الحديث.

و في حديث سيدنا عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: «يا عمر أ تدري من أنا؟! أنا الذي خلق اللّه عزّ و جل قبل كلّ شي‏ء نوري فسجد للَّه فبقي في سجوده سبعمائة عام، فأوّل كلّ شي‏ء سجد للّه نوري و لا فخر، يا عمر أ تدري من أنا؟! أنا الّذي خلق اللّه العرش من نوري، و الكرسي من نوري، و اللّوح من نوري، و القلم من نوري، و نور الأبصار من نوري، و العقل الذي في رءوس الخلق من نوري، و نور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري و لا فخر».

و في سيرة الحلبي نقلا عن كتاب «التشريفات في المناقب و المعجزات» عن أبي‏

37

هريرة رضي اللّه عنه قال: سأل النبيّ صلى اللّه عليه و سلم جبريل (عليه السلام) فقال: «يا جبريل، كم عمرت من السّنين؟ فقال: يا رسول اللّه لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كلّ سبعين ألف سنة مرة رأيته اثنين و سبعين ألف مرة. فقال عليه الصلاة و السلام:

و عزّة ربّي أنا ذلك الكوكب».

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

ثم إن اللّه تعالى خلق طينة جسده الشريف و جسمه الطاهر المنيف و كوّن منها أجساد الملائكة و الأنبياء و غيرهم من الآل و الأقطاب و الأفراد و الأصفياء، حسبما نبّه على ذلك بعض الأكابر ممن له يد كبرى في الباطن و الظاهر، فكان صلى اللّه عليه و سلم لذلك جنسا عاليا على جميع الأجناس، و أبا أكبر لجميع الموجودات و الناس، فسمّي بنور النّور و أبي الأرواح، و بفواتح النور و بالفاتح و الفتّاح لفتحه أبواب الوجود و حصول مدده لكلّ موجود، صلى اللّه عليه و سلم و شرّف و مجّد و عظّم.

و في «شرح البردة» للعلّامة ابن مرزوق نقلا عن أبي العباس العزفي في كتاب «الدرّ المنظم» عن علي رضي اللّه عنه، قال: قلت: يا رسول اللّه ممّ خلقت؟ فأطرق و عليه عرق كالجمان، ثم قال: «يا علي لمّا عرج بي إلى السماء و كنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، و أوحى إليّ ربّي ما أوحى، قلت: يا ربّ ممّ خلقتني؟ فقال: يا محمد و عزّتي و جلالي لو لاك ما خلقت جنّتي و لا ناري. فقلت: يا ربّ ممّ خلقتني؟ فقال: يا محمد، لما نظرت إلى صفاء بياض نور خلقته بقدرتي و أبدعته بحكمتي و أضفته تشريفا له إلى عظمتي استخرجت منه جزءا فقسمته ثلاثة أقسام، فخلقتك أنت و أهل بيتك من القسم الأول، و خلقت أزواجك و أصحابك من القسم الثاني، و خلقت من أحبّكم من القسم الثالث، فإذا كان يوم القيامة عاد كلّ حسب و نسب إلى حسبه و نسبه و رددت ذلك النور إلى نوري فأدخلتك أنت و أهل بيتك و أزواجك و أصحابك و من أحبّكم جنتي برحمتي، فأخبرهم بذلك يا محمد عنّي».

و أخرج ابن سعد في «شرف المصطفى» و ابن الجوزي في «الوفاء» عن كعب الأحبار قال: لما أراد اللّه عزّ و جل أن يخلق سيدنا محمدا صلى اللّه عليه و سلم- أي أن يجعل نوره الشريف صورة روحانية مماثلة لصورته التي سيوجد عليها في الدنيا- أمر جبريل عليه‏

38

السلام أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض و بهاؤها و نورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس و ملائكة الرّفيع الأعلى- أي السماء السابعة- فقبض قبضة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هي بيضاء منيرة فعجنت بماء التّسنيم- أي الذي هو أرفع شراب الجنّة- في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدّرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش و الكرسي و في السماوات و الأرض و الجبال و البحار، فعرفت الملائكة و جميع الخلق سيدنا محمدا صلى اللّه عليه و سلم- أي عرفت روحه و عنصره و فضله- قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة و السلام.

قال بعض العلماء: و هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو إما عن الكتب القديمة، لأن كعبا حبرها، و إما عن المصطفى بواسطة، فهو مرسل.

و في «أحكام» الحافظ أبي الحسن بن القطّان فيما ذكره ابن مرزوق في «شرح البردة» عن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه سيدنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و كرّم وجهه: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كنت نورا- أي مصوّرا على شكل خاص- من نور بين يدي ربّي- أي في غاية القرب المعنوي منه- قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام».

و أخرج ابن سعد عن قتادة مرسلا، و ابن أبي حاتم و غيره عن أبي هريرة مرفوعا:

«كنت أول النّبيين في الخلق و آخرهم في البعث».

و أخرج أحمد و البيهقي و الحاكم و صححه، و ابن حبّان عن العرباض بن سارية مرفوعا: «إني عند اللّه لخاتم النبيين، و إنّ آدم لمنجدل في طينته- أي لطريح ملقى على الأرض- قبل نفخ الرّوح فيه».

و أخرج أحمد أيضا و البخاري في «تاريخه» و البغوي و غيرهم، و صححه الحاكم عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول اللّه متى كنت- و في رواية: كنت نبيّا-؟ فقال:

«و آدم بين الروح و الجسد»- بمعنى أن اللّه تعالى خلق حقيقته التي هي أصل الحقائق قبل تكوين شي‏ء من الخلائق ثم صوّرها على شكل خاص من نور و خلع عليها خلع الكمال و الفتوة و النّبوءة و الظهور، فكان صلى اللّه عليه و سلم نبيّا أمينا و آدم (عليه السلام) لم يزل طينا، بل لم تكوّن طينته و لم تخرج للوجود ماهيته و لا حقيقته، و لذا كان عليه الصلاة و السلام سيّد الأكوان، و درة صدفة الوجود، و نخبة الأعيان.

محمّد أشرف الأعراب و العجم‏ * * * محمّد خير من يمشي على قدم‏

محمّد تاج رسل اللّه قاطبة * * * محمّد صادق الأفعال و الكلم‏

محمّد باسط المعروف جامعه‏ * * * محمّد صاحب الإحسان و الكرم‏

محمّد ثابت الميثاق حافظه‏ * * * محمّد طيّب الأخلاق و الشّيم‏

39

محمّد جليت بالنّور طينته‏ * * * محمّد لم يزل نورا من القدم‏

محمّد خير خلق اللّه من مضر * * * محمّد خير رسل اللّه كلّهم‏

محمّد ذكره روح لأنفسنا * * * محمّد شكره فرض على الأمم‏

محمّد زينة الدّنيا و بهجتها * * * محمّد كاشف الغمّات و الظّلم‏

محمّد سيّد طابت مناقبه‏ * * * محمّد صاغه الرّحمن من كرم‏

محمّد شرّف الباري مراتبه‏ * * * محمّد خصّه الرحمن بالنّعم‏

محمّد صفوة الباري و خيرته‏ * * * محمّد طاهر من سائر التّهم‏

محمّد طابت الدّنيا بمبعثه‏ * * * محمّد جاء بالايات و الحكم‏

محمّد يوم بعث النّاس شافعنا * * * محمّد نوره الهادي من الظّلم‏

محمّد قائم للّه ذو همم‏ * * * محمّد خاتم للرّسل كلّهم‏

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

فبشرى لنا ثم بشرى، معاشر الإسلام و أمّة خاتمة الأنبياء و الرّسل الكرام، بظهور طلعة هذا النبي الكريم و الرسول المبجّل الفخيم، المخصوص بالايات البيّنات و الخلق العظيم، الموصوف بالكمالات الباهرات و الفضل العميم، المنزل عليه في الكتاب و الذّكر الحكيم‏ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) [التّوبة: الآية 128] شرّفه اللّه على جميع المخلوقين، و نبّأه و آدم بين الماء و الطين، و جعل مقامه رفيعا، و حرزه منيعا، و حسنه بديعا، و مولده للمؤمنين ربيعا، و توّجه بتاج الفخار، و نوّر به جميع الأقطار، و صفّاه من سائر الأكدار، و خلع عليه خلع المهابة و الوقار، و ختم به النبيين و تمّم به المرسلين، و بوّأه مقاما جليلا، و أعطاه عطاء جزيلا، و افتتح به الأكوان و جعله سبب الوجود ما يكون منها أو كان، و لولاه صلى اللّه عليه و سلم ما كان موجود و لا خلق بشر و لا مولود، كما أفصحت بذلك الأحاديث و الأخبار و اشتهر على ألسنة المادحين أيّ اشتهار.

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

40

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و قد أخرج الحاكم و البيهقي و أبو الشيخ في «طبقات الأصبهانيين» عن ابن عباس قال: أوحى اللّه إلى عيسى: آمن بمحمد و أمر أمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم و لا الجنّة و لا النار، و لقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، فسكن.

و أخرج الديلمي عن ابن عباس أيضا مرفوعا: «أتاني جبريل فقال: إن اللّه يقول:

لولاك ما خلقت الجنّة و لولاك ما خلقت النار».

و أخرج ابن عساكر في «تاريخه» عن سلمان قال: «هبط جبريل على النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: إن ربّك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، و ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، و لقد خلقت الدنيا و أهلها لأعرّفهم كرامتك و منزلتك عندي و لولاك ما خلقت الدنيا».

و ذكر ابن سبع و العزفي عن علي رضي اللّه عنه أن اللّه تعالى قال لنبيه صلى اللّه عليه و سلم: «من أجلك أسطح البطحاء- أي أمدّ الأرض و أبسطها- و أموج الموج- أي أقلّب بعضه في بعض- و أرفع السماء و أجعل الثواب و العقاب».

و نقل ابن مرزوق في «شرح البردة» عن العزفي أيضا في كتابه «الدّر المنظم» عن علي رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لما خلق اللّه آدم و نفخ فيه الروح نظر إلى ساق العرش فرأى فيه مكتوبا: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، فقال: أي رب من صاحب هذا الاسم؟ فقال: نبيّ من ذرّيتك آخر الأنبياء و أول الأنبياء. فقال: أي ربّ كيف يكون أولهم و آخرهم؟ فقال: أوّلهم دخولا الجنة و آخرهم بعثا. فقال: يا رب و يدخل الجنة قبلي؟ قال: نعم، قال آدم: الحمد للَّه الذي جعل من ذرّيتي من يدخل الجنة قبلي. فقال: يا آدم هذا ولدك محمد لولاه ما خلقتك و لا خلقت جنة و لا نارا و لا شمسا و لا قمرا هذا محمد الذي يدخل الجنة الخلائق بشفاعته يوم القيامة».

و من قصيدة دالية للعارف باللَّه سيدي علي بن وفا رضي اللّه عنه في مدحه صلى اللّه عليه و سلم:

روح الوجود حياة من هو واجد * * * لولاه ما تمّ الوجود لمن وجد

عيسى و آدم و الصّدور جميعهم‏ * * * هم أعين هو نورها لمّا ورد

لو أبصر الشّيطان طلعة نوره‏ * * * في وجه آدم كان أوّل من سجد

41

أو لو رأى النّمرود نور جماله‏ * * * عبد الجليل مع الخليل و ما عند

لكن جمال الحي جل فلا يرى‏ * * * إلا بتخصيص من اللّه الصّمد

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

ثم إنّ اللّه تبارك و تعالى لما خلق سيدنا آدم (عليه السلام) من طين و نفخ فيه الرّوح جعل نور سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم في ظهره فكان لشدته يضي‏ء من جبينه كالشمس و يلوح، و كان يسمع من أسارير جبهته نشيشا كنشيش الطّير إذا سجع فيقول: سبحانك يا رب ما هذا الصوت الذي أسمع؟ فيقول اللّه عزّ و جلّ: هذا تسبيح خاتم النّبيين و سيد أولادك المرسلين. و لما حضرته الوفاة أوصى أكبر أولاده سيدنا شيثا عظيم الهداة أن لا يضع هذا النور و السرّ الباهي المنشور إلّا في المطهّرات الطاهرات من النساء الباهرات. و لم تزل هذه الوصية جارية معمولا بها في القرون الآتية و الماضية إلى أن أدى اللّه النور إلى عبد المطلب و ولده سيّدنا عبد اللّه الذي أكرمه اللّه بكل فضل و حباه. و للحافظ شمس الدين بن ناصر الدمشقي:

تنقّل أحمد نورا عظيما * * * تلألأ في جباه السّاجدينا

تنقّل فيهم قرنا فقرنا * * * إلى أن جاء خير المرسلينا

و طهّر اللّه عزّ و جلّ نسبه الشريف و حسبه الطاهر المنيف من سفاح الجاهلية و زناهم، و كل ما يؤدي إلى نقص في منصب آبائه الكرام و علاهم. قال عليه الصلاة و السلام: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شي‏ء، ما ولدني إلّا نكاح كنكاح الإسلام» أخرجه البيهقي في «السّنن» و غيره من حديث ابن عباس.

و قال عليه الصلاة و السلام: «ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلّنا نكاح» رواه ابن مردويه عن أنس.

و قال عليه الصلاة و السلام: «خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي و أمّي و لم يصبني من نكاح الجاهلية شي‏ء». أخرجه أحمد و الطبراني في «معجمه» و غيرهما عن عائشة.

و قال عليه الصلاة و السلام: «لم يلتق أبواي قطّ على سفاح و لم يزل اللّه ينقلني من‏

42

الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلّا كنت في خيرهما» أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس. و لبعضهم:

حفظ الإله كرامة لمحمّد * * * آباءه الأمجاد صونا لاسمه‏

تركوا السّفاح فلم يصبهم عاره‏ * * * من آدم و إلى أبيه و أمّه‏

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و قد ذكروا أنه يتعيّن على كل مسلم معرفة نسبه صلى اللّه عليه و سلم، أما و أبا، ليكون عارفا بجناب هذا النبي الكريم المجتبى.

فأما نسبه من قبل أمّه آمنة المصونة و الدّرة العفيفة المكنونة فهو: سيدنا محمد بن سيّدتنا آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الذي هو أحد أجداده (عليه السلام) من قبل والده الرّفيع المقام فهو منتهى نسبه من أمه مع نسبه من أبيه الذي من ظفر به فقد ظفر بكنز يغنيه.

و أما نسبه من قبل الأب الطاهر الجامع لأنواع الكمال و أشتات الجمال الباهر فهو:

سيدنا محمد بن سيدنا عبد اللّه بن سيدنا عبد المطلب بن سيدنا هاشم بن سيدنا عبد مناف بن سيدنا قصي بن كلاب بن سيدنا مرة بن سيّدنا كعب بن سيّدنا لؤي بن سيدنا غالب بن سيدنا فهر بن سيدنا مالك بن سيدنا النّضر بن سيدنا كنانة بن سيّدنا خزيمة بن سيدنا مدركة بن سيدنا إلياس بن سيدنا مضر بن سيدنا نزار بن سيدنا معد بن سيدنا عدنان.

و هذا هو نسبه صلى اللّه عليه و سلم المجمع عليه و ما بعده مختلف فيه اختلافا كثيرا فلا يقطع به و لا يستند إليه، و لكن لا خلاف في أن عدنان من ذرية سيدنا إسماعيل النبيل ابن سيدنا إبراهيم الخليل عليهما و على نبيّنا و على جميع الأنبياء و المرسلين صلوات اللّه و ملائكته أجمعين.

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

43

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و مما ينبغي القول به جزما، بل يتعيّن على كل مسلم اعتقاده حتما، أن اللّه تعالى طهّر جميع آبائه صلى اللّه عليه و سلم و أمّهاته إلى آدم و حوّاء من الشّرك و سائر العلل الباطنة و الأدواء، فلم يكن فيهم إلّا مؤمن كامل الإيمان لحملهم لنوره الذي به يكمل الإيمان.

له النسب العالي فليس كمثله‏ * * * حسيب نسيب منعم متكرم‏

أقدّمه في كلّ مدح لأنّه‏ * * * إذا كان مدح فالحبيب المقدم‏

خليل بتاج المكرمات مخصص‏ * * * جميل كريم بالبهاء معمّم‏

فما وجد الأكوان إلّا لأجله‏ * * * حقيقا طراز الكلّ فهو المكرّم‏

له الشمس تجري و البدور جميعها * * * كذا الضبّ و التّعبان جاء يسلم‏

ألا قل لقوم نازعوا إن أردتم‏ * * * نجاة به صلّوا عليه و سلّموا

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و قد ورد في حديث ضعيف، على ما هو الحقّ فيه عند أهل التعريف، أن اللّه تعالى أحيا له صلى اللّه عليه و سلم أبويه حتى آمنا به و ركنا إليه خصوصية لهما و كرامة له (عليه السلام) ليحوزا بذلك فضيلة الكون من هذه الأمة المحمديّة الرّفيعة المقام، و ليحصل لهما ما حصل لغيرهما من التخصيص برؤيته و التنعّم بكريم جماله و طلعته، و هذه منقبة سنية و فضيلة عظيمة بهية، فيعمل فيها بهذا الحديث الذي هو منية كل محبّ، قديم و حديث، و كيف لا و قد منّ اللّه عليهما بمزية خروجه من بينهما رحمة للعالمين و شفيعا في العاصين و المذنبين، و أيّ تخصيص و كمال و اتصال يكوّن هذه الخصلة التي هي أرفع الخصال.

و للحافظ شمس الدين بن ناصر الدّمشقي:

حبا اللّه النبيّ مزيد فضل‏ * * * على فضل و كان به رءوفا

فأحيا أمّه و كذا أباه‏ * * * لإيمان به فضلا منيفا

فسلّم فالحكيم بذا قدير * * * و إن كان الحديث به ضعيفا

و قد سئل القاضي أبو بكر بن العربي عمن قال: أن أبويه صلى اللّه عليه و سلم في النّار، فأجاب:

44

بأنه ملعون لأنّ اللّه تعالى قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) [الأحزاب: الآية 57]، قال: و لا أذى أعظم من أن يقال عن أبويه أنّهما في النّار. اه.

نقله السيوطي في «الأرج»:

حداة العيس رفقا بالنجائب‏ * * * فقلبي سار في إثر الرّكائب‏

و جسمي ذاب من سقم و وجد * * * و من شوق إلى لقيا الحبائب‏

فهل لي من سبيل للتّلاقي‏ * * * فدمعي قد غدا مثل السّحائب‏

لئن سمح الزّمان بطيب وصل‏ * * * و بلّغت المقاصد و المآرب‏

لألثمنّ ذاك التّرب جهرا * * * و أرويه بأدمعي السّواكب‏

و أحظى بالعقيق و ساكنيه‏ * * * و من قد حلّ في تلك المضارب‏

قباب قد حوت بدرا منيرا * * * إذا ما ماس في تلك الذوائب‏

تخرّ له بدور الحسن طوعا * * * سجودا في المشارق و المغارب‏

فقل ما شئت عمّن ليس يحصى‏ * * * فضائله بحصر أو بكاتب‏

فمن ذا يستطيع له انحصارا * * * أ يحصى القطر أو رمل الكتائب‏

عليه من المهيمن كلّ وقت‏ * * * صلاة ما بدا نور الكواكب‏

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و لما أراد اللّه تعالى إبراز هذا السرّ المصون الساري في الظّهور و البطون، ألهم عبد المطلب فخطب آمنة لولده عبد اللّه، و هي يومئذ أفضل امرأة في قريش في النّسب و الحسن و الرفعة و الجاه، فتزوّجها و بنى بها و لم يبن كما ذكره غير واحد من العلماء قط بغيرها، فحملت به (عليه السلام) و لم تحمل بسواه من الأنام. و قد روي عن العباس رضي اللّه عنه: أنّ عبد اللّه لمّا بنى بآمنة العظيمة الجاه أحصوا مائتي امرأة من بني عبد مناف و بني مخزوم متن و لم يتزوّجن أسفا على ما فاتهنّ من سرّه المعلوم الذي هو نور المصطفى الذي كان يضي‏ء في جبينه و يلمع فيها من غير خفا، و لم تبق امرأة في قريش إلّا مرضت ليلة دخل بآمنة، و كيف لا و قد أضحت به من كلّ بلاء آمنة، و كان بناؤه بها

45

يوم الجمعة أو يوم الاثنين من أول شهر رجب الفرد الحرام في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى العزيزة المقام.

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و ظهرت لحمله صلى اللّه عليه و سلم عجائب، و لوضعه غرائب، و نودي تلك الليلة في السّماء و صفاحها و الأرض و بقاعها: ألا إنّ النور المكنون قد استقر الليلة في بطن آمنة المصون، فيا طوبى لها ثم يا طوبى لها، و تبرقع عرش الرّحمن بالوقار، و تدرّع كرسيّه بالفخار، و ابتهجت سدرة المنتهى، و تبلّجت أنوار المهابة و البها و الجنان تزخرفت، و الحور من القصور أشرفت، و الملائكة تمنطقت و اصطفّت و بالعرش احتفّت، و نودي: يا رضوان افتح أبواب الجنان، و يا مالك أغلق أبواب النيران فإنّ النور المخزون و السّر المكنون الذي هو في خزائن القدرة من الأزل في هذه الليلة إلى بطن آمنة قد انتقل، و أصبحت أصنام الدّنيا منكوسة و أسرّة ملوك الأرض مقلوبة معكوسة، و لم تبق دابّة لقريش إلّا نطقت تلك الليلة، و قالت: حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ربّ الكعبة و هو إمام الدنيا- و في رواية: أمان الدّنيا- و سراج أهلها، و قطب دائرة فلكها و مجدها، و لم تبق في تلك الليلة دار بالمدينة إلّا أشرقت، و لا ناحية إلّا دخلها النور و ابتهجت، و فرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات و كذلك أهل البحار، صار يبشّر بعضهم بعضا بظهور خير أهل الأرض و السماوات. و كانت قريش في جذب شديد و ضيق عظيم مديد، فاخضرّت الأرض طولها و العرض، و حملت الأشجار بسائر أنواع الفواكه و الثمار، و أتاهم الخير الكثير و عمّهم الرّفد الغزير، و سمّيت تلك السّنة سنة الفتح و الابتهاج لكونه حمل فيها بصاحب اللّواء و التاج، و أتيت آمنة الرفيعة المقام و قيل لها: إنك حملت بخير الأنام، قالت: و ما شعرت بأنّي حملت به، و لا وجدت ثقلا و لا وحما لحمله إلّا أنّي أنكرت رفع حيضتي إذ لم يكن رفعها من عادتي- و في رواية أنّها قالت: أتاني آت و أنا بين النائمة و اليقظانة فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيّد الأنام و أفضل خلق اللّه على التّمام، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال لي: قولي: أعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد، ثمّ إذا وضعتيه ممجّدا فسمّيه محمّدا صلى اللّه عليه و سلم.

46

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و له صلى اللّه عليه و سلم في كلّ شهر من شهور حمله الزكية نداء في الأرض و نداء في السماء العلية، أن ابشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم و السيد الذي أجّلت له و لأمّته الغنائم ميمونا مباركا كريما معظما ممجّدا فخيما.

نسيم الصبا أهلا و سهلا و مرحبا * * * قدمت فأقدمت السّرور إلى الرّبى‏

و جددت في كلّ القلوب مسرّة * * * و نشرك أضحى في الوجود مطيّبا

متى أنظر الأعلام يا سعد قد بدت‏ * * * و يصبح قلبي من حماه مقرّبا

فقد زمزم الحادي بذكر محمّد * * * نبيّ كريم للشّفاعة مجتبى‏

رسول عظيم مصطفى ذو مهابة * * * له اللّه بالذّكر المرفّع قد حبا

فلولاه ما سار الحجيج لمكّة * * * و لا حنّ مشتاق لنجد و لا صبا

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و لما تمّ لآمنة من حملها به صلى اللّه عليه و سلم شهران، على المشهور من الأقوال المروية، توفي عبد اللّه، والده و هو على حالة زكية مرضية، و كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنة على الصحيح، و القول المعتبر عند العلاء و السّيوطي و الحافظ ابن حجر، و دفن في المدينة المنوّرة العظيمة المقدار بدار من دور بني عدي بن النجّار. و لما توفي قالت الملائكة:

إلهنا و سيّدنا و مولانا و عالم سرنا و نجوانا بقي نبيّك يتيما لا أب له، فقيرا لا مال له، فقال اللّه عزّ و جلّ: يا ملائكتي أنا أولى به من أمّه و أبيه و أنا حافظه و مربيه، أنا ناصره و راعيه، أنا رازقه و كافيه، فصلّوا عليه تقرّبا و تكريما و تبرّكوا باسمه تعظيما.

و قد قيل لجعفر الصادق رضي اللّه عنه: لم يتم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؟ فقال: «لئلّا يكون عليه حقّ لمخلوق». و للَّه درّ القائل:

47

أخذ الإله بالرّسول و لم يزل‏ * * * برسوله الفرد اليتيم رحيما

نفسي الفداء لمفرد في يتمه‏ * * * و الدرّ أحسن ما يكون يتيما

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

و اختلف في مدّة الحمل به صلى اللّه عليه و سلم، فقيل: عشرة أشهر، و صححه في «الإبريز» نقلا عن العارف باللَّه مولانا عبد العزيز رضي اللّه عنه. و قيل: تسعة، و صححه في «الغرر» و صدّر به مغلطاي الحافظ المعتبر، و قيل غير ذلك مما هو مذكور عندهم هنالك.

و عن أبي زكريا يحيى بن عائد قال: بقي النبي صلى اللّه عليه و سلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعا و لا مغصا و لا ريحا و لا ما يعرض لذوات الحمل من النّساء، و كانت تقول: و اللّه ما رأيت من حمل هو أخفّ منه و لا أعظم بركة».

و روى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي، و كان من أوعية العلم، قال:

لما حضرت آمنة الولادة قال اللّه لملائكته: «افتحوا أبواب السماء كلها و أبواب الجنان و ألبست الشمس يومئذ نورا عظيما و كان قد أذن اللّه تعالى تلك السنة لنساء الدّنيا أن يحملن ذكورا كرامة لسيّدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم» الحديث.

و روى أبو نعيم أيضا من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدّث و تقول: أتاني آت حين مرّ بي من حملي ستة أشهر في المنام و قال لي: يا آمنة إنّك قد حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسمّيه محمدا و اكتمي شأنك. قالت: ثم أخذني ما يأخذ النساء- تعني من الطّلق الذي هو وجع الولادة- و لم يعلم بي أحد لا ذكر و لا أنثى و إني لوحيدة في المنزل و عبد المطلب في طوافه، فسمعت وجبة- أي هدة عظيمة و أمرا عظيما- هالني، ثم رأيت كأنّ جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرّعب و كلّ وجع أجده، ثم التفتّ فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا و كنت عطشى فشربتها فإذا هي أحلى من العسل، و أصابني نور عال- أي عظيم- ثم رأيت نسوة كالنّخل طوالا كأنّهنّ من بنات عبد مناف يحدقن بي، فبينما أنا أتعجّب و أقول: وا غوثاه من أين علمن بي- قال في غير هذه الرواية: فقلن لي نحن آسية امرأة فرعون و مريم ابنة عمران و هؤلاء من الحور العين- و اشتدّ بي الأمر و إني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم و أهول مما تقدّم، فبينما أنا كذلك إذا بديباج أبيض قد مدّ بين السماء و الأرض و إذا بقائل يقول: خذاه-

48

يعني إذا ولد عن أعين الناس- قالت: و رأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضّة ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطّير قد أقبلت حتى غطّت حجرتي مناقيرها من الزّمرّد و أجنحتها من الياقوت فكشف اللّه عن بصري فرأيت مشارق الأرض و مغاربها و رأيت ثلاثة أعلام مضروبات علما بالمشرق و علما بالمغرب و علما على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض فوضعت سيّدنا محمّدا صلى اللّه عليه و سلم و شرّف و كرّم و مجّد و عظّم، السّلام عليك يا سيّدنا محمد السلام عليك يا خير الورى يا ممجّد، السلام عليك يا أفضل من صلّى و صام و تمجّد، السلام عليك يا أكمل من سعى و طاف و تعبّد، السلام عليك يا برر التّمام، السلام عليك يا قطب الأنام، السلام عليك يا كعبة الطواف و المقام، السلام عليك يا خاتم الأنبياء و الرّسل الكرام، السلام عليك يا نعمة الوجود، السّلام عليك يا قبلة كلّ موجود، السّلام عليك يا من هو موصوف بالكرم و الجود، السلام عليك يا صاحب المقام المحمود و الحوض المورود، السلام عليك يا عظيم القدر و الجاه، السلام عليك يا صفوة الإله، السلام عليك يا من قرّبه منه مولاه و أدناه، السلام عليك يا من كلّمه ربّه و ناجاه، السلام عليك يا من تشرّف جبريل بخدمته، السلام عليك يا من نال مقاما كبيرا بانتسابه لحرمته، السلام عليك يا من العوالم كلها في طيّ قبضته، السلام عليك يا من طرّفه ربّه تعالى في سائر مملكته، السلام عليك من الرّبّ الكريم، السلام عليك من المولى العظيم، السلام عليك من الرءوف الرّحيم، السلام عليك ممّن شرّفك و عظّمك أيّ تعظيم، السلام عليك منك أيّها النبي الأوّاه، السلام عليك من جنابك يا من له السّنا و الجاه، السلام عليك من جميع ما خلق اللّه، السلام عليك بكلّ سلام أوجده اللّه.

هذا هو المختار و البدر الذي‏ * * * كلّ البدور خضعت تحت هلاله‏

ما إن له في العالمين مماثل‏ * * * كلّا و لا في الكون من أشكاله‏

أسري به في ليلة سعدية * * * و طى‏ء السماوات العلى بنعاله‏

فالملك و الملكوت طوع يمينه‏ * * * و الكون و الأكوان تحت شماله‏

حتّى دنا من قاب قوسين العلا * * * و سعى له المعشوق في إقباله‏

و رأى و شاهد ذا الجلال بعينه‏ * * * ما زاغ منه الطّرف عند ماله‏

كلّا و لا كذب الفؤاد و كيف لا * * * و هو الحبيب دعي لأجل وصاله‏

هذا الذي قد خطّ في العرش اسمه‏ * * * بصفاته و نعوته و جلاله‏

هذا الذي رام الكليم مقامه‏ * * * فاندكّ منه الطّور عند مقاله‏

هذا الذي جاء المسيح مبشّرا * * * فقدومه متمسّكا بحباله‏

هذا الذي سفر اللّثام فأطرقت‏ * * * مقل القلوب مهابة لجماله‏

هذا الذي في الحشر يعقد فوقه‏ * * * ذاك اللّوا و الرسل تحت ظلاله‏

49

يا حضرة القدس التي هاموا بها * * * و العارفون تمسّكوا بخياله‏

صلّى عليك اللّه ما ظهر الدّجى‏ * * * وضحا و هلّ مهلّل بهلاله‏

عطر اللّهم مجالسنا بأعطر صلاة و أطيب تسليم على‏

أكمل مولود و أجل مودود و أفضل كليم اللّهمّ صلّ‏

و سلّم و بارك عليه و على آله و اجعلنا يا مولانا من‏

أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله‏

ثم الوقوف و القيام عند ذكر مولده أو سماع وصفه (عليه السلام) جرت به عادة الكثير من المحبّين و خصوصا في الأقطار المشرقيّة ذات الفضائل و المحاسن البهية تعظيما لجنابه الشريف و منصبه النّبوي المنيف، و إظهارا للفرح و السرور و غاية الطّرب و الحبور بولادة المصطفى و من تشرّف به المقام و الصّفا و استحسن ذلك منهم جماعة من الأئمة الكبار و جعلوه من البدع المستحسنة العظيمة المقدار، و ممن وجد منه هذا القيام عند سماع ذكره و وصفه (عليه السلام) عالم الأمّة و إمام الأئمّة و مقتداهم علما و ورعا و دينا و زهدا و تقى و يقينا. تقيّ الدين السّبكي، حكى ذلك عنه ولده أبو نصر عبد الوهاب في ترجمته من «الطبقات الكبرى» و تابعه على القيام جماعة ممّن عاصره من مشايخ الإسلام و ذلك أنه اجتمع في ختم درس له جمّ غفير من علماء عصره و قادة وقته و دهره من قضاة و أعيان و غيرهم من رؤساء ذلك الزمان، فأنشد منشد قول ذي المحبّة الصادقة و الأنوار البارقة حسّان زمانه و فريد نعته و أوانه، أبي زكريا يحيى بن يوسف الصرصري نفعنا اللّه به من قصيدة في ديوانه:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذّهب‏ * * * على ورق من خط أحسن من كتب‏

و أن ينهض الأشراف عند سماعه‏ * * * قياما صفوفا أو جثيّا على الركب‏

أما اللّه تعظيما له كتب اسمه‏ * * * على عرشه يا رتبة سمت الرّتب‏

فلما سمع الشيخ ذلك قام و قام معه جميع من حضر هنالك و حصل لهم أنس كبير و مرت بهم ساعة طيبة نالوا فيها من الخير الغزير. قال جماعة من الأئمة، منهم شارح «الاكتفاء» و ذلك مما يكفي في الاقتداء، و وقع لشارح «الاكتفاء» المذكور أنه كان بالمدينة المنوّرة عند القبر النّبوي المغمور بعد ما حجّ أوائل المحرم الحرام فاتح ثلاثة و أربعين و مائة و ألف من هجرة خير الأنام، فأنشد منشد قول القائل من قصيدة في المدح النّبوي، يا له من قائل:

وقوفا على الأقدام في حقّ سيّد * * * تعظّمه الأملاك و الجنّ و الإنس‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد

تأليف الشريف العلّامة المحدث الكبير سيدي محمد بن شيخ الجماعة سيدي جعفر الكتاني الحسيني حفظه اللّه‏

بمولد طه أشرق الكون و ازدهت‏ * * * عوالمنا و استبشر الجن و الإنس‏

فقصته تحلو لدى كل مسلم‏ * * * و تنمو بها الأفراح و البشر و الأنس‏

«الصقلي»

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}