موسوعة العتبات المقدسة - ج5

- جعفر الخليلي المزيد...
288 /
7

الجزء الخامس‏

القدس في المراجع الغربية

كانت القدس و لا تزال قبلة أنظار العالم أجمع. لأنها البقعة الوحيدة التي أجمع معتنقوأ الديانات الكبرى الثلاث فيها على تقديسها و بذل الغالي و الرخيص من أجلها. و من الصدف ان تأتي كتابتنا هذه عنها في وقت حمي و طيس النزاع فيه بين الباطل اليهودي الغاشم، الذي اغتصب هذه البلاد الغالية، و حق العرب الصريح الذي انبرى ابناؤهم البررة لاسترجاعها بكل ما يملكون من جهد و مال أو أنفس و رجال. و من المؤسف حقا ان ينحاز الغرب المسيحي، في هذا الصراع العنيف من أجل الحياة، بدافع من مصالحه، الى جانب اليهودية المتطرفة و الصهيونية فيساعدها، و يمدها بالعون المادي و المعنوي. ليتغلب باطلها على الحق الصراح في أرض الأنبياء. و من الغريب كل الغرابة ان يتناسى الغرب المسيحي عداء اليهود للسيد المسيح و أتباعه في كل عصر أو زمان، فيقف في صفهم و يعادي الحنيفية السمحاء في أرض البراق و الأسراء. و يخذل أبناءها فيعمل على هضم حقوقهم و تشريدهم في الآفاق، و هي التي فتحت صدرها الأهل الكتاب و رعت ابناءهم و طوائفهم في أيام عزها و مجدها.

8

الاسم و الموقع‏

يقول الاستاذ غي لسترانج‏ (1) ، المستشرق الانكليزي المعروف، في كتابه (فلسطين في عهد المسلمين) ان القدس تعرف عند المسلمين باسم «البيت المقدس» أو «القدس» باختصار، و هو اسمها الاعتيادي الآن. غير ان الاسم العبري القديم «يروشاليم» كان يعرف جيدا لدى العرب في السابق لكنه لم يكن يستعمل. و يذكر ياقوت الحموي اسماء أخرى مثل «يوريشالّوم» - بتشديد اللام-و «يوريشالوم» من دون تشديد، و «شلاّم» ، باعتبارها أسماء مختلفة للمدينة المقدسة هذه في عهد اليهود الأقدمين.

كما يقول الاستاذ ف. بوهل فيما كتبه عن القدس في دائرة المعارف الاسلامية (2) ان كلمة «القدس» هي الاسم العربي الاعتيادي في الأزمنة المتأخرة. و كان كتاب العرب القدامى يسمونها «بيت المقدس» ، و يقصد بذلك في الحقيقة هيكل سليمان الذي يسمى في العبرية «بيت هامقديشا» ، لكن الاسم شمل المدينة كلها بعد ذلك. و كذلك كان يسميها العرب «إيلياء» ، و هذا الاسم قسم من الاسم الروماني الذي أطلق عليها بعد سنة 135 م، و هو «إيليا كابيتولينا» . و قد عرفوا الاسم القديم «جيروسالم» ، أيضا و حوروه الى «أوريشالم» . و يذكر المقدسي كذلك اسما آخر للقدس و هو «البلاط» المستخرج من كلمة Palatium ، الذي ربما أريد به «المسكن الملكي» .

اما دائرة المعارف البريطانية (3) فتذكر في هذا الشأن أن أول دليل و ثائقي عن وجود القدس يعود الى سنة 1370 قبل الميلاد. فقد اكتشفت ألواح في

____________

(1) Le Strange,Guy-Palestine under the Moslems 0181.

(2) Shorter Encyclopaedia of Islam. Edited by H. A. R. Gibb J. H. Kramers,1691. Encyclopaedia Britannica,6691.

(3) و هي تحرر بمشورة و اشراف الدوائر المختصة في جامعة شيكاغو، و لجنة تتكون من أساتذة في جامعات أوكسفورد و كيمبردج. لندن لجنة أخرى في جامعة تورنتو بكندا.

9

تل العمارنة بمصر تسميها باسم «أوروسالم» ، و من المحتمل ان يكون معناه «مدينة السلام» أو مقر إله من آلهة الساميين يدعى «سالم» . و جاء في كتاب (فلسطين العرب‏ (1) ) (لمؤلفته الانكليزية الفاضلة المستر ستيوارت ايرسكين (الص 9-24) قولها في هذا الشأن: و يعني اسمها الذي بقي غير متبدل خلال ألفي سنة من النور و العتمة «دار السلام» أو «إرث السلام» كما يفهم من كلمة «يوروسالمو» الكنعانية و «ياروشلاييم» العبرية و «هيروسوليمة اليونانية. اما اسمها العربي فيدل على الحرمة و القدسية.

و قد لاحظنا في دائرة المعارف اليهودية (2) ما مفاده ان اسم القدس يذكر في العهد القديم، و على معظم العملة العبرية القديمة باسم «يروشلايم» ، و بالآرامية «يروشلم» ، و بالآشورية «يوروسالم» و «يوروساليمو» . اما تركيب الكلمة و معناها فهناك عدة آراء فيهما، فانها تعني على ما قيل «دار السلام» أو «دار سالم» أو «أساس السلم» او «اساس شلم» ، و شالم هو إله السلام. و بالنسبة لما يذكر في المدراش اليهودي انها تتألف من «شالم» و هو الاسم الذي كانت تسمى به مدينة سام (بن نوح) ، و من «يرعه» أو «يرءه» و هو الاسم الذي أطلقه عليها ابراهيم عليه السلام. لكن التعريف العملي المعقول للاسم يأتي بمعنى «يوروشالم» اي مدينة الاله شالم. و قد يكون هذا هو الاله الآشوري شالمان او شولمان او الاله الفينيقي و المصري شارامانا.

هذا و تقع القدس على خط عرض بدرجة 31 و 46 دقيقة و 45 ثانية شمال، و بخط طول 15 درجة و 13 دقيقة و 25 ثانية. و تقوم فوق الجناح الجنوبي لهضبة يتحدر اتجاهها الشرقي من 2460 قدما فوق سطح البحر شمالي

____________

(1) Erskine,Mrs. Stewart-Palestine of the Arabs ) London 5391 (

(2) The Jewish Encyclopedia-Prepared by more than four hundred scholars and specialists. New York and London 7981) Funk Wagnalls

10

منطقة الهيكل الى 2130 قدما في الطرف الجنوبي الشرقي. و يرتفع الجبل الشرقي الى ارتفاع 2500 قدم عن سطح البحر ثم ينحدر في اتجاه جنوبي شرقي من هضبة اليهودية.

و تحاط القدس من جميع جهاتها بأودية لا يكون القسم الشمالي منها واضحا كل الوضوح. و يبدأ الواديان الرئيسيان من شمال غربي المدينة الحالية (القديمة) ، فيمتد الأول نحو الشرق بانحناء طفيف الى الجنوب (و هو وادي الجوز) ثم ينحرف الى الجنوب رأسا فيكون وادي «ستي مريم» الذي كان يسمى وادي كدرون، فيعزل المدينة عن جبل الزيتون. اما الثاني فيمتد رأسا الى الجنوب من الجهة الغربية للمدينة، ثم يتجه شرقا في الطرف الجنوبي الشرقي.

و عند ذاك يتجه الى الشرق مباشرة فيتصل بالوادي الأول بالقرب من بئر أيوب. و يسمى هذا وادي الربابي، و كان يسمى قبلا وادي هنوم‏ (1) .

و هناك واد ثالث يبدأ من الشمال الغربي حيث يوجد باب دمشق، و يمتد في اتجاه جنوبي شرقي الى بركة سيلوم، و يشطر القسم الجنوبي الى شطرين.

و يوجد واد رابع كان يمتد من التل الغربي (بالقرب من باب يافا) الى منطقة الهيكل، و هو الذي يمثل شارع النبي داود حاليا.

اما ما يذكره لسترانج عن موقع القدس و اهميتها و اسمها، علاوة على ما اقتبسناه قبل هذا منه، فهو قوله أن الامبراطور هدريان الروماني حينما أخرج اليهود من القدس (130 م) سماها «ايليا كابيتولينا» . و تحوم حول هذا الاسم أساطير كثيرة يذكرها ياقوت: فهو يقول استنادا الى رواية كعب انها سمّيت أيليا لأن هذا كان اسم امرأة كانت قد شيدت المدينة المقدسة من قبل. و يعني هذا الاسم أيضا، على ما يقال، بيت اللّه. و هناك من يقول انها سميت كذلك باسم بانيها ايليا بن آرام بن سام بن نوح، و كان أخا لدمشق

____________

(1) دائرة المعارف اليهودية.

11

و حمص و أردن. و كانت تسمى في الشعر العربي احيانا «البلاط» و هي كلمة استعارها العرب في الأصل من الكلمة اللاتينية بالاتيوم‏ Palatium .

ثم يذكر لسترانج: ان القدس لم تكن من الناحية السياسية عاصمة «جند» فلسطين الاسلامية مطلقا، و انما كانت الرملة هي العاصمة. لكن المدينة المقدسة، و هي تحتوي على المسجد الأقصى و قبة الصخرة و سائر الأماكن المقدسة كانت تعتبر في المرتبة الثانية في القدسية بعد مدينتي الحجاز المقدستين، مكة و المدينة، في نظر المسلمين. و أنها سوف تكون المكان الذي يجتمع فيه البشر قاطبة يوم الحشر. و قد كتب عنها الاصطخري و ابن حوقل يقولان (القرن العاشر) إنها مدينة توكّر عاليا فوق التلال، و يمكن للمسافر ان يصل اليها من جميع الجهات، و ليس فيها ماء جار سوى الماء الذي يستخرج من العيون و يستعمل لسقي الحقول، و مع هذا فهي من أخصب بقاع فلسطين.

و قد كتب هذه الكتابة في أيام ازدهار الرملة و عزتها، حين كانت عاصمة الصقع الجنوبي السوري بينما كانت دمشق عاصمة الصقع الشمالي.

و يشير لسترانج ايضا الى ان المقدسي يذكر كذلك، و هو من أبناء بيت المقدس، ان المنطقة المقدسة تقع في ضمن نصف قطر طوله أربعون ميلا من القدس و تدخل فيه قرى كثيرة، ثم تمتد على طول اثني عشر ميلا من ساحل البحر الميت الى صفار و مؤاب، و الى خمسة أميال بعد ذلك في البادية. اما من الشمال فتمتد الى حدود نابلس. و هذه بلاد تنبت في مرتفعاتها الأشجار، و تمتد في سهولها الحقول التي لا تسقيها الأنهار. و يصح فيها قول الرجلين اللذين جاءا الى موسى بن عمران و أخبراه بأنهما رأيا بلادا يسيل فيها اللبن و العسل..

و يقول المقدسي بعد ذلك انه شاهد بنفسه يوما ما في القدس ان الجبن كان يباع بسدس الدرهم للرطل الواحد، و السكر بدرهم للرطل الواحد. و بهذا المبلغ كان بوسع المرء ان يحصل يومذاك على رطل و نصف من زيت الزيتون و أربعة أرطال من الزبيب.

12

و بعد ان يحول لسترانج هذه الأسعار الى العملة و المقاييس الانكليزية ليبرهن على الرخاء الذي يفصله المقدسي يقول ان الحصب الطبيعي العظيم في منطقة القدس يشير اليه الكتاب العرب على الدوام. و يعزى ذلك الى لطافة المناخ و ملائمة الأحوال الجوية، ثم يستشهد بقول المقدسي عن رطوبة جوها الذي يذكر انه عندما تهب الريح الجنوبية في فلسطين خلال الصيف يتراكم الندى فوق شبابيك المسجد الأقصى و يسيل منها. و تأييدا لهذا يورد لسترانج في حاشية له (الص 87) ما يقوله غايكي في كتابه‏ (1) (الأرض المقدسة و الأنجيل) عنها. إذ يقول غايكي ان السماء الصاحية في فلسطين تسبب انتشار حرارة النهار في الفضاء بسرعة، فيؤدي ذلك الى ان تكون الليالي باردة و النهارات بعكسها. و بسبب برودة الهواء في هذه الليالي تسقى النباتات سقيا طبيعيا. فالرطوبة التي يحملها الهواء تمتصها الأرض التي يلامسها ذلك الهواء.

و يحيلها الهواء البارد الى قطرات من الماء تتناثر بشكل مطر ضبابي مستحب فوق النبتات العطشى.

و يقول بعد هذا ان موقع القدس و هي تقبع فوق جناح ممتد من الجبل.

و تحيط بها وديان عميقة من ثلاث جهات، كان على ما يظهر قد لفت أرنظا الحجاج القادمين اليها من الشرق و الغرب، لا سيما و ان العرب كانوا متعودين على إنشاء مدنهم الكبيرة في الوديان، او السهول للاستفادة من مياه الأنهر و الحداول. و هنا يورد لسترانج وصف الرحالة المسلم ناصر خسرو للقدس حينما وصلها في 5 مارت 1047 م بالطريق الشمالية. فهو يقول: و بعد أن تابعنا السير في طريقنا الصاعد على بعد قليل من قرية انفتح أمامنا سهل عظيم كان قسم منه حجريا و قسم ذا تربة جيدة. و هنا امتدت أمامنا بيت المقدس كما لو كانت موكرة فوق قمة الجبل. و يسمي أهالي سورية و ما جاورها من

____________

(1) Geikie,D. D. Couuningham-The Holly Land and the Bible.

13

البلاد المدينة المقدسة هذه باسم «القدس» ، و هم اذا لم يكن في استطاعتهم الحج الى مكة يذهبون في الموسم المعين الى القدس فيؤدون فيها الشعائر و ينحرون الأضاحي يوم العيد كما يفعل الحجاج في مكة. و هناك سنين يبلغ عدد القادمين اليها عشرين ألفا خلال الأيام الأولى من ذي الحجة. و يأتي النصارى و اليهود كذلك من جميع بلاد اليونان و غيرها بأعداد كبيرة لزيارة كنيسة القيامة و الكنيس اليهودي الكبير فيها.

و يقول ناصر خسرو كذلك-فيما ينقله لسترانج عنه-ان الأراضي و القرى المحيطة بالمدينة المقدسة تقع في سفوح التلال الكبيرة، و تحرث الأرض فيزرع فيها القمح و الزيتون و التين، و هناك أنواع عديدة من الأشجار أيضا.

و مع عدم وجود مياه للارواء فان الحاصلات تكون وافرة جدا فيها و الأسعار معتدلة. فان كثيرا من الناس يستخرجون ما يقرب من خمسين ألف من (800,16 غالون) من زيت الزيتون في السنة. و هذا يحفظ في أحواض و صهاريج و يصدر منه مقدار غير يسير الى الخارج بعد ذلك. و المقول أن الجدب و المحل لم تعرفهما سورية-و من ضمنها فلسطين-في سنة من السنين قط.

و تقع القدس فوق الجبل.. و تحاط بأسوار من الحجر لها أبواب حديد.

و ليس هناك من حولها أشجار لأنها مبنية على الصخر. و القدس مدينة عظيمة جدا، و كان عدد سكانها حينما زرتها حوالي عشرين ألف نسمة، و فيها أسواق عالية مبنية بناء حسنا. و جميع شوارعها مبلطة بقطع من الحجر، و أينما وجد تلّ أو مرتفع فيها يقطع و يسوى، و حالما يقع المطر يغسل البلد كله. و هناك في المدينة عدد كبير من (الفنانين) و أصحاب الصنعة و لكل حزلة من الحرف سوق خاصة بها.

14

القدس في دائرة المعارف الاسلامية

بعد ان يذكر الاستاذ بوهل، كاتب الخلاصة عن القدس في هذه المعلمة، ما اقتبسناه قبل هذا عن اسم القدس و يقول ان هذه المدينة المقدسة و لو كانت تقوم في خارج نطاق المصالح التي كان يعنى بها النبي محمد عليه السلام فقد أصبحت ذات أهمية خاصة له حينما أخذ يتجه نحوها في صلواته، على غرار ما كان يفعله اليهود (كذا) . أضف الى ذلك أنها كانت، بالنسبة لما يذكره القرآن عن المسجد الأقصى. هدف إسرائه المعروف. و كان المقصود بهذا في ذلك الوقت الذي لم يكن قد بني المسجد الأقصى فيه بعد موقع هيكل سليمان القديم. على ان صحة هذا القول غير أكيدة، في رأي الأستاذ بوهل، لأن عددا من الكتاب يؤيد رأي الأستاذ هورويتز بان المقصود في القرآن (أو ما كان يقصده النبي عليه السلام على حد تعبير بوهل) هو مكان ما في السماء كما يفهم من سورة الاسراء. لكن الرأي التقليدي الذي لا بد من أن يكون قد نشأ في وقت مبكر يرجح كفة بيت المقدس و أهميتها في هذا الشأن. لأن هذا الرأي هو الذي بني عليه اعتبار المزار الاسلامي المقدس في القدس من الأماكن المقدسة الثلاثة التي يصلي فيها مسلمو العالم. ثم يضيف الكاتب الى ذلك قوله: و الحقيقة أنه يفضل على الحرمين المقدسين الآخرين في بعض الأحيان (أي مكة و المدينة) ، و لا نظنه مصيبا في ذلك.

و هناك روايتان مختلفتان عن استيلاء العرب على بيت المقدس. إذ تنص الرواية الغالبة على ان القائد العربي أبا عبيدة طلب الى الحليفة عمر في سنة 17 للهجرة (638 م) ان يشد الرحال الى قصره في الجابية، لأن سكان بيت المقدس اشترطوا في تسليمهم ان يعقد اتفاقية التسليم الخليفة عمر بنفسه. اما الرواية الأخرى التي يؤيدها المستشرق الهولاندي دي غريبه‏ (1) في كتابه عن فتح سورية فترجح ان الخليفة جاء الى الجابية من تلقاء نفسه لتنظيم شؤون المناطق المستولى عليها، و من هناك بعث بخالد بن ثابت الى القدس ليحاصرها.

و الرواية الأخرى التي يؤيدها المسشرق الهولاندي ذي غرييه في كتابه عن

____________

(1) De Coeje-Memoire sur la conquete de la Syrie. 4581 P. 011.

غ

15

فتح سورية فترجح ان الخليفة جاء الى الجابية من تلقاء نفسه لتنظيم شؤون المناطق المستولى عليها. و من هناك بعث بخالد بن ثابت الى القدس ليحاصرها ثم صادق عمر على الشروط التي وضعها خالد للاستسلام من بعد ذلك. و كانت هذه الشروط التي وصلت الينا بمختلف الصور و الاشكال معتدلة جد الاعتدال فقد منح سكانها المسيحيون الأمان على أرواحهم و ممتلكاتهم و كنائسهم و صلبانهم بينما طلب اليهم ان لا تستعمل كنائسهم للسكن. و ان لا تهدم أو يقلل من حجمها و اتساعها. و ان يحتفظوا بحريتهم الدينية. و كان عليهم في مقابل ذلك ان يدفعوا الجزية. و يساعدوا المسلمين في رد الجيوش البيزنطية و سائر الغزاة.

اما تاريخ فتح بيت المقدس فهناك اختلاف بين المؤرخين فيه، و منهم الطبري مثلا الذي يحدده بربيع الثاني من سنة 16 للهجرة.

و هناك تفصيلات أخرى‏ (1) يوردها مختلف المؤرخين النصارى و المسلمين عن سلوك العرب في أثناء الاستيلاء على بيت المقدس. إذ يذكر ثيوفاتس الذي كتب كتابه في نهاية القرن الثامن للميلاد ان الخليفة حينما عقد الاتفاقية المطلوبة، التي كانت في صالح المسلمين الى آخر حد ممكن، دخل المدينة المقدسة و هو يلبس اسمالا متسخة-دلالة على ريائه الشيطاني-على حد قوله و طلب ان يؤخذ الى موقع الهيكل الذي جعل منه بعد ذلك محلا للعبادة الوثنية (كذا) .

و لا شك أن تعصب هذا المؤرخ ضد المسلمين و تأثره من طردهم لقومه البيزنطيين هو الذي جعله يكتب بهذه اللهجة بعد أن اعترف بالمعاملة الحسنة التي عومل بها مسيحيو بيت المقدس. و قد كتب عن ذلك في القرن العاشر الميلادي بلهجة أحسن من هذه المؤرخ المسيحي المصري يوتيكس فقال بتفصيل أوفى نوعا ما أن الخليفة عمر رفض ان يصلي في رواق كنيسة القيامة بل صلّى عوضا عن ذلك على سلّم مدخلها ليحول دون مطالبة المسلمين بالكنيسة بعد ذلك و قلبها إلى جامع لهم و انه اعطى البطريرك صفرونيوس وثيقة تؤيد ذلك و بطلب منه دلّه صفرونيوس بعد هذا على الصخرة التي كانت مغطاة

____________

(1) De Goeje-Memoire sur la conquete de la Syrie. 4681 P. 011.

16

بانقاض من الزبل و الاقذار، و حذا حذوه المسلمون، و سرعان ما بانت الصخرة لهم، و أمر في الوقت نفسه بأن يشيّد المسجد بحيث تكون الصخرة في ظهر المسلمين و ليس قدامهم. و من الواضح أن هذه القصة أريد بها تأكيد حقوق النصارى في كنائسهم بأمر من الخليفة الأعظم. لكن المؤرخين المسلمين تخلو كتاباتهم من مثل هذا الاتجاه بطبيعة الحال-حيث أنهم يظهرون المسيحيين في غير هذا الوضع. فهم يذكرون ان القس و ليس البطريرك حاول بادى‏ء ذي بدء ان يغش الخليفة عمر حينما طلب ان يؤخذ الى هيكل داود. بأخذه الى كنيسة القيامة و كنيسة صهيون. لكن الخليفة فطن الى ذلك. لأن النبي عليه السلام كان قد وصف له المكان كما شاهده في ليلة المعراج. و أخيرا أخذ الى موقع الهيكل فعرف أنه المكان الحقيقي. و يذكر الطبري قصة أخرى في هذا الشأن.

و بعد هذا يقول الدكتور بوهل كاتب البحث اننا اذا حللنا هذه الروايات بأمعان نجد أنها كلها تجمع على ان عمر طلب تشييد مكان للعبادة في بقعة الهيكل المهجورة. و أننا متأكدون تاريخيا من هذا لأن المطران اركولفوس يذكر في كتابه‏ (1) الذي كتبه حوالي سنة 670 م ان المسجد كان بسيطا جدا في بنائه. لكنه كان يستوعب ثلاثة آلاف من المصلين. و الحقيقة ان ما حدث كان حلا عمليا جدا للمشكلة. فقد وضع الخليفة اليد على موقع كان يعتبر مقدسا منذ مدة طويلة من الزمن، من دون أن يصطدم بالامتيازات التي منحت للنصارى لأنهم لم يشيدوا أية كنيسة على موقع الهيكل. و من الواضح بالاضافة الى ذلك ان ما يرويه لنا يوتيكوس حول صلاة عمر على سلم رواق كنيسة القيامة يعتبر قصة موضوعة لا سند تأريخيا لها، و قد أريد بوضعها رد تعديات المسلمين عليها. لكن هذا التحيز في القصة يظهر بوضوح من قصة أخرى يرويها يوتيكوس، مفادها أن المسلمين في أيامه (النصف الأول من القرن الميلاد العاشر) تجاوزوا تعليمات عمر و استولوا على نصف الساحة الأمامية

____________

(1) Bishop Arculfus-Hierosolymitana,Edited by P. Geyer 8981,translated hv Mickley 7191,B. 91.

17

للنصارى لأنهم لم يشيدوا أية كنيسة على موقع الهيكل. و من الواضح بالاضافة الى ذلك ان ما يرويه لنا يوتيكوس حول صلاة عمر على سلم رواق كنيسة القيامة يعتبر قصة موضوعة لا سند تأريخيا لها، و قد أريد بوضعها رد تعديات المسلمين عليها. لكن هذا التحيز في القصة يظهر بوضوح من قصة أخرى يرويها يوتيكوس، مفادها أن المسلمين في أيامه (النصف الأول من القرن الميلاد العاشر) تجاوزوا تعليمات عمر و استولوا على نصف الساحة الأمامية بقرب السلم الذي صلى عليه الخليفة و بنوا فيه مسجدا سموه «مسجد عمر» لأن عمر كان قد صلى في موقعه. و يعتقد شمالز (1) ان. شيئا من بقايا أعمدة المسجد المذكور يمكن أن تلاحظ الآن.

و في عهد الأمويين، أدت الأحوال السياسية الى ارتفاع شأن بيت المقدس و أهميتها. فانهم لم يكونوا كثيري الاهتمام بتعاليم النبي محمد و ميوله، و لذلك لم يكن من الصعب عليهم ان يتركوا مدن الجزيرة العربية المقدسة حينما يكون من الصعب عليهم الوصول اليها لسبب من الأسباب. و كانت القدس على الأخص، بالنسبة لقدسيتها التي اعترف بها النبي و بعض الآيات القرآنية، يمكن ان تحل في محل تلك الأماكن المقدسة بطريقة ما، لا سيما و ان الوصول اليها من دمشق كان أسهل من الوصول الى مكة و المدينة.

و مما يدل على التقدير الذي حظيت به القدس ما فعله معاوية حينما دبر أمر بيعته للخلافة فيها. فيذكر مرجع سرياني نشره المستشرق نولدكه ان كثيرا من العرب اجتمعوا في تموز 71 (صفر-ربيع 40) في بيت المقدس لتنصيبه ملكا، و أنه نزل الى الضريح المقدس فصلى فيه، ثم ذهب الى قبر مريم و صلى حوله كذلك. و تذكر المراجع العربية انه بويع في بيت المقدس سنة 40.

و لا بد من أن يكون هذا قد حصل على أثر مقتل الامام علي في السابع عشر من

____________

(1) Scmalz-Mater Ecclesiarum P. 163.

القدس (2)

18

رمضان. و خطا عبد الملك بن مروان (65-86 هـ (، 685-705) خطوة أخرى في هذا الاتجاه. فحينما استولى عبد اللّه بن الزبير على مكة خاف عبد الملك من أن يجبر السوريون الذين يقصدون مكة لحج بيت اللّه الحرام فيها على الالتحاق به. او يتم اقناعهم بذلك. و لهذا منعهم من الذهاب الى الحج، و حينما احتجوا عليه و ذكروه بأوامر الرسول في هذا الشأن أمرهم بالحج الى بيت المقدس و الصخرة المقدسة فيها، و اشار لهم الى حديث أورده الزهري اعتبر النبي بيت المقدس فيه في سوية مكة و المدينة، بكونها محجا لا يقل عن مكة و المدينة في أهميته. و للتعبير عن هذا التقدير لبيت المقدس في الزينة و البهاء أمر الخليفة الأموي بأن تبنى قبة خاصة فوق الصخرة التي وضع النبي قدمه الشريفة عليها حينما عرج الى السماء، فبنيت قبة الصخرة. و تنسجم فكرة تعمد عبد الملك، في جعل قبة الصخرة تفوق قبة كنيسة القيامة في جمالها و فخامتها، مع هذا الاتجاه. و هناك مؤرخون يجعلون الوليد بن عبد الملك باني قبة الصخرة و ليس والده. لكن هذه الرواية تناقض الكتابة الموجودة التي حذف منها اسم عبد الملك و وضع في محله اسم الخليفة العباسي المأمون. حيث أن التحريف بقي غير متقن بحيث ما زالت الألوان و الأسماء تدل على الحقيقة و يقول المؤرخون المتأخرون كذلك (ابن تغري بردي و العليمي و الخ) ان عبد الملك بنى أيضا المسجد الأقصى الذي استمد اسمه من الآية القرآنية المعروفة

و في خلال القرون التي أعقبت ذلك يعتبر تاريخ بيت المقدس شبيها بتاريخ سائر المدن السورية بعد أن تضاءلت أهميتها من الناحية الدينية الاسلامية، و أصبحت في المؤخرة. فبعد زوال الحكم الأموي أصبحت تابعة للعباسيين، ثم الى الطولونيين. و الى الفاطميين بعد سنة 974 م. و في سنة 1009 هدمت كنيسة القيامة بأمر من الحاكم بأمر اللّه، لكن الامبراطور البيزنطي أعاد بناءها بموجب المعاهدة التي عقدت بعد سنة 1038. ثم خسرها الفاطميون باستيلاء السلجوقيين عليها في 1070. و قد ذبح سكانها على أثر ثورة نشبت فيها سنة 1076، و بعد ان استردها الخليفة الفاطمي المستعلي في 1096 استولى عليها الصليبيون في 25 تموز 1099 و وضعوا السيف في سكانها. و قد عمد

19

الصليبيون هؤلاء الى قلب الجوامع الى كنائس.

و بعد ان استردها صلاح الدين في 1187 أضاعت القدس صبغتها المسيحية و أزيلت معالم الاحتلال النصراني لها. و قد عني صلاح الدين عناية خاصة في إعادة المسجد الأقصى الى رونقه و بهائه الاسلاميين. على ان كثيرا من النصارى سمح لهم بالبقاء فيها. و في الفترة المنحصرة بين 1929 و 1244 امتلك المسيحيون القدس من جديد-عدا اماكن المسلمين المقدسة في الحرم-على اثر الاتفاقية التي عقدها الامبراطور فردريك الثاني مع الملك الكامل الأيوبي.

و في 1244 وقعت بيت المقدس ثانية في أيدي الأيوبيين. و سرعان ما أصبحت هي و جميع سورية و فلسطين جزءا من ممتلكات المماليك.

داخل قبة الصخرة و قد تم انشاؤها سنة 691 م فوق جبل (المريا) الذي يعتقد انه نفس الموضع الذي قام ابراهيم بذبح ابنه اسحاق قربانا على رواية التوراة و بعض المؤرخين.

اسكن

20

و بعد 1516 صارت القدس تابعة الى الامبراطورية العثمانية. و لم يعد تاريخها حافلا بالحوادث المهمة. على ان فترة التاريخ العثماني جميعها يتخللها من الحوادث المهمة فقط احتلال المصريين لها في 1831-1840 في أيام محمد علي. و في القرن التاسع عشر أصبح النفوذ المسيحي يتزايد فيها بالتدريج.

و بعد ان نشبت حرب القرم التي تحالفت فيها الدولة العثمانية مع الدول الأوربية المعظمة ضد روسية رفع الحظر الذي كان مفروضا على غير المسلمين في زيارة منطقة الهيكل. و منذ سنة 1881 كان هناك شي‏ء غير يسير من هجرة اليهود اليها.

و بنتيجة ما وقع في الحرب العامة الأولى اصبحت القدس عاصمة فلسطين الخاضعة الى الانتداب البريطاني. و في النزاع الذي أعقب ذلك بين العرب و الهجرة اليهودية خلال مدة الانتداب على فلسطين و بعدها أدى الشعور القومي المتصاعد الى تمتين الأواصر التقليدية التي تربط المسلمين بالقدس و أماكنها المقدسة. و حتى بعد ان تكونت اسرائيل في 1948 بقي وضع القدس النهائي غير مقرر.

و نقول تعليقا على ما جاء في هذه الخلاصة من ان معاوية بويع في القدس ملكا على بلاد الشام بعد مقتل الامام علي عليه السلام بأن المستشرق الألماني يوليوس فلها وزن يذكر في كتابه‏ (1) (تاريخ الدولة العربية) ان مهادنة جرت في سنة 40 هـ بين علي و معاوية.. و يروي انهما اتفقا فأقام معاوية في الشام بجنوده يجبيها و ما حولها. و علي بالعراق يجبيها و يقسمها بين جنوده.

و لا يمكن ان تكون هذه المهادنة الا قصيرة الأمد، لأن معاوية اتخذ لنفسه في أول سنة 40 هـ لقب الخلافة في بيت المقدس عام 40 هـ. و هو يذكر في هذا

____________

(1) Wiellhausen,Julius-Das Arabische und sein Sturz الطبعة الثانية من الترجمة العربية (القاهرة 1968) التي اضطلع بها الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده، الص 96.

21

الحادث روايتين مستقلتين، فيقول: و في عام 671 اجتمع كثير من العرب في بيت المقدس و نصبوا معاوية ملكا، فصعد معاوية الى جبل الجلجلة Golgata و صلى هناك ثم صعد الى جيتسماني، ثم هبط الى قبر السيدة مريم و صلى..

و في شهر تموز 671 اجتمع الأمراء و كثير من العرب و بايعوا معاوية، و صدر الأمر بان ينادي به ملكا في جميع أنحاء بلاده، و لكنه لم يحمل تاجا كما يحمله سائر ملوك العالم. على أنه أقام عرشه في دمشق و لم يرد ان يذهب الى مقر النبي (المدينة) . و يقول المسروقي أيضا ان أهل الشام بايعوا معاوية بالخلافة في ايلياء سنة 40 هـ، و لكن من الخطأ القول بأن ذلك لم يحدث الا بعد وفاة الأمام علي.. ثم يعيد فلها وزن ذكر الخبر نفسه في مناسبة أخرى يتطرق فيها الى ان «معاوية لم يكن في قلبه تعلق عميق بالاسلام» و أنه كان يتخذ الثأر لمقتل عثمان هو الأساس الذي بنى عليه حقه في وراثة الخلافة. و لذلك اتحد مع عمرو بن العاص الذي ألّب على عثمان أخبث تأليب (الص 128 و 129 من الترجمة العربية) .

القدس في دائرة المعارف البريطانية (1)

ان خلاصة دائرة المعارف هذه، التي اشرنا اليها قبل هذا، فيها تفصيل أوفى عن القدس. و تبدأ بقولها ان القدس هي المدينة المقدسة رقم واحد لليهودية و النصرانية، و حرم الاسلام الرئيس بعد مكة و المدينة. و قد كانت مركزا للورع الديني في العالم و قبلة له خلال حقبة غير متقطعة تمتد الى ما قبل ثلاثة آلاف سنة. ثم قسمت في 1948 ما بين الأردن و «اسرائيل» فاصبح القسم الاسرائيلي منها عاصمة لاسرائيل.

و تقع القدس في جبال اليهودية على ارتفاع يبلغ معدله 2500 قدم فوق سطح البحر الأبيض المتوسط من الغرب، و 3800 قدم فوق سطح البحر

____________

(1) المجلد 12 من طبعة 1966.

22

الميت من الشرق. و تعزى أهمية موقعها أولا الى مناعتها الطبيعية، لأنها محمية من الهجمات بوديان عميقة، مثل وادي ستي مريم (كدرون) من الشرق و وادي الرباني (هنوم) من الغرب، اللذين يلتقيان في طرفها الجنوبي تاركين الجهة الشمالية فقط معرضة للأخطار. و ثانيا الى وجود منبع ماء دائم في جناحها الشرقي، و هذه ميزة نادرة في فلسطين. و ثالثا لسيطرتها على الممر الذاهب من الشرق الى الغرب في شمال البحر الميت مباشرة. و قد كان تاريخها يتميز بظاهرتين: فانها كانت ابدا و دوما موطنا للتوحيد و مأوى له، لكن مصائرها المادية كانت تعتمد من دون تغيير على خصومات الدول و الحكومات الخارجية.

قدس العهد القديم-ان أول بنية و ثائقية عن وجود القدس يعود تاريخها الى سنة 1370 قبل الميلاد، فقد اكتشفت ألواح في تل العمارنة بمصر يطلب فيها حاكم القدس يومذاك المساعدة من الفرعون أخناتون لأن البلاد أخذت تتعرض للاكتساح. و تسمى المدينة «أوروسالم» ، و ربما كان يعني ذلك «مدينة السلام» ، أو مقر إله من آلهة الساميين يدعى «سالم» . و قد أظهرت في سنة 1961 الحفريات التي أجرتها «مدرسة الآثار القديمة البريطانية» في القدس ان بلدة «مسورة كانت توجد فوق قسم من موقعها الحالي خلال العصر البرونزي الثاني، أي في سنة 1800 قبل الميلاد على وجه الاحتمال. و لذلك يتضح ان القدس كانت قبل أن يأتي اليها العبريون مدينة كنعانية ذات أهمية. و كانت تقع المدينة الأصلية فوق المنبع مباشرة و الى الغرب منه، على لسان ممتد من الأرض يسمى أوفيل في جنوب الهيكل، يحيط بها واديا «كدرون» و «تيروبيون» . و قد برهنت الحفريات على ان البلدة كانت أوسع بكثير مما كان يعرف في السابق، بحيث أنها كانت تمتد بعيدا الى أسفل المنحدر الشرقي، و ان الممر القديم الذي كان يؤدي الى المنبع كان في داخل أسوارها.

و قد احتل داود القدس في السنة السابعة من حكمه، أي في سنة 1000 قبل الميلاد. إذ دخلها رجاله بقيادة أيوب بعد ان تسلقوا عمود البئر. و أدّى‏

23

اسكن هكذا كان يهود القدس في القرون السالفة يتسكعون في طرق المدينة و ازقتهاغ

24

شراء داود لساحة الدياسة التي كانت تشغل قمة التل الصخري الكائن في شمال عاصمته الجديدة الى تقرير مستقبل القدس في جميع الأزمان، لأن خلفه سليمان شيد أول هيكل فيها لليهود. و لم تعرف الدولة الجديدة السلم و الاستقرار ففي حوالي 926 قبل الميلاد انسحبت القبائل (الاسباط) الشمالية و تخلت عنه، و في 922 غزا المدينة من مصر شيشق و نهبها، ثم أعقبه الفلسطينيون و العرب في 850، و من بعدهم جوش الاسرائيلي في 786. و لم يكن حصار سنحاريب لها في سنة 701 حصارا ناجحا. لأن انشاء نفق سيلوم حال دون وصول قواته الى المنبع. و مع هذا فقد اضطر حزقيال الى ان يدفع جزية باهظة. ثم دخلت اليها عبادة الأوثان بتأثير الآشوريين فتقدم شأنها لكن جرميا و حزقيال شجباها و قاوماها. و في 597 نهبت القدس و سفّر ملكها الى بابل.

ثم دمرت المدينة و الهيكل تدميرا كاملا في 588 و بدأ عهد السبي. و بعد ان حل كورش في 537 في محل الدولة البابلية حصلت عودة ما بعد السبى. فأعيد بناء الأسوار حول المدينة بالنشاط الذي ابداه نحميا، كما أعيد تشييد الهيكل و كرّس لخدمة اللّه باحتفال خاص في عهد زير و بابل. لكنه لم يكن مشمولا بالعطف الروحي بالنسبة لما كان عليه الهيكل الأول، و مع هذا فقد ظل قائما مدة أطول من المدة التي بقي فيه الهيكل المقام قبله و بعده.

في العهد اليوناني الروماني-و لا يعرف الا القليل عن تطور المدينة و أحوالها خلال القرنين اللذين أعقبا ذلك العهد، لكن مجي‏ء الاسكندر الكبير الى المشرق و انتصاره في موقعة أسوس سنة 333 تأثرت به القدس تأثرا بالغا. فقد أصبحت منذ ذلك الحين مدينة شرقية خاضعة لتأثيرات شرقية. و قدر لها في هذا العهد ان ترتبط خلال ألف سنة تقريبا، أي الى أن جاءها العرب و الاسلام بعجلة التأثيرات السياسية الغربية. و قد تكرر هذا الارتباط في القرنين التاسع عشر و العشرين. فقد دخلها بطليموس الأول من مصر، و في سنة 198 استحوذت عليها الأسرة السلوقية الشمالية المالكة. فأزعج الأورثودوكس نمو التأثير الاغريقي-اي التأثير الوثني الملحد-إزعاجا متزايدا و أعربت‏

25

خصومتهم عن نفسها بثورة علنية قامت في سنة 168 حينما عمد أنطونيوس أبيفانوس الرابع الى انتهاك حرمة الهيكل بتقصد. و كان يقود الثورة رجل متعبد من أهل الريف يدعى ماتاثياس الحسموني، و مضى فيها ابنه يهودا مكابي‏ (1) . و قد تمكن الحسماونيون من تأسيس دولة يحكمها ملوك أساقفة، كانت بحجم مملكة سليمان تقريبا و صارت تضم منطقة الجليل. و بذلك ضمنوا أن ينشأ فيها المولودون لأبوين من الجليل، بما فيهم يسوع الناصري، في مجتمع يهودي.

و كان سعد روما في صعود يومذاك، و كان الامبراطور بومبي قد استولى في سنة 63 قبل الميلاد على القدس و روع اليهود بالدخول الى قدس الأقداس- و هو فأل غير حسن بالنسبة لاتصال روما باليهودية. و قد تأجل الاصطدام الذي لا مناص منه بين روما و القومية اليهودية مدة من الزمن بالدهاء الذي كانت تبديه أسرة شهيرة كان لها نفوذ واسع في البلاد، و كان من أنشط أفرادها هيرود الكبير. و هيرود هذا من أصل عربي أيدومي، لكنه كان يدين بالديانة اليهودية، فقد كان أبوه انتي باتر عربيا أيدوميا تزوج من امرأة عربية نبيلة من أهالي بطرا. فوجد هو و أبوه بثاقب رأيهما ان حمل لواء المعارضة لروما يعتبر عديم الفائدة، و ان التعاون مع السلطة الجديدة هذه سيعود بالفائدة. و في سنة 40 قبل الميلاد، أي قبل موت والده بسنين ثلاث، عين مجلس السنيت الروماني هيرودا ملكا على اليهودية. بعد ان كان حاكما في منطقة الجليل. و بمساعدة من الجيش الروماني دحر آخر الحسمونيين فحكم اليهودية، و هو صديق انطوني أولا و أوغسطوس من بعده، لمدة ست و ثلاثين سنة أعاد خلالها بناء معظم أقسام بيت المقدس. فأشاد أولا حصن أنطونيا في الزاوية الشمالية الشرقية من منطقة الهيكل، التي هي الآن الحرم الشريف، و وسعها الى سعتها الحالية البالغة 35 أيكرا. و أخيرا أشاد قصرا

____________

(1) JudasMaccabaeus

26

كبيرا ما تزال بقاياه موجودة في القلعة الحالية. و قد ربط هذا بحصن انطونيا بواسطة السور الثاني. و أعقب هيرود ابنه غير المرضي عنه هيرود أركيلوس.

و في سنة 6 بعد الميلاد أصبحت اليهودية أقليما من الدرجة الثالثة يحكمه وكيل‏ (1) من الوكلاء. و في عهد خامس الوكلاء هؤلاء، أي بونتيوس بيليت‏ (2) (26- 36) ، صلب يسوع الناصري.

و في خلال سنة 41 الى 44 ميلادية أعيد تشييد المملكة الهيرودية لصالح هيرود أغريبا الأول حفيد هيرود العظيم. فشيد أغريبا في القدس سورها الشمالي الجديد، المسمى بالسور الثالث، ليضم في داخله الربض الجديد الذي جاءت به الى الوجود مقتضيات الأمن الروماني. و قد كانت آثار هذا السور موضوع الكثير من الاختلاف، لكن المشكلة يمكن اعتبارها منتهية الآن لأن الحفريات الأخيرة التي اضطلع بها الآباء الدومينيكان تدل على انه كان يشغل مكان السور الشمالي الحالي. و كان السور الثالث يضم في داخله المكان الذي صلب فيه السيد المسيح و بقربه قبر يعقوب اريماثا الذي تقول الروايات انه كان قد دفن على مقربة من إحدى أبواب السور الثاني. و تدل الحفريات التي أجريت في 1961 على أن أغريبا كان قد وسع المنطقة التي يحيط بها السور من الناحية الجنوبية أيضا.

و في سنة 66 للميلاد ثار اليهود على روما فسحقت الثورة في سنة سبعين، و تضمن السحق حصار بيت المقدس و تدميرها مع حرق الهيكل. و أصبحت يبابا بلقعا ليس فيها شي‏ء سوى معسكر الحامية. و ما حلت سنة 130 حتى كان قسم منها قد سكنه بعض السكان من جديد، لكن الامبراطور هدريان، الذي كان مولعا بالتعمير مثل هيرود، قرر ان يشيد على الموقع القديم مدينة جديدة قدر لها ان تكون بعد ذلك مستعمرة رومانية. فثار اليهود من جديد بقيادة

____________

(1) Procurator

(2) Pontius Pilate

27

اركوكبا (1) و سحقوا ثانية أيضا (132-135) و لم يعد لبيت المقدس وجود مطلقا حتى الاسم، فنشأت في مكانها إيليا كابيتولينا (2) . و قد غيّر العمران الجديد الذي تشير اليه خارطة مأدبا الفسيفسائية المشهورة (في شرق الأردن) اتجاه الشارع الرئيسي في القدس، الذي كان ممتدا ما بين الهيكل و القلعة-اي ما بين الشرق و الغرب-الى الاتجاه الذي بقي حتى الآن اي من الشمال الى الجنوب. إذ ما يزال الشارع الرئيسي في «مستعمرة هدريان» هو شارع القدس الرئيس الآن، الذي يمتد من باب دمشق أو باب العمود كما كان يطلق عليها من قبل تخليدا للعمود التذكاري الذي أقامه هدريان بقرب هذا الباب من الداخل، على ما يظهر من خارطة مأدبا. و قد تركت منطقة الهيكل في خارج البلدة الجديدة، و أقيم تمثالان لهدريان و جوث فوق التل. ثم انتهكت حرمة موقع الضريح المقدس باقامة معبد للالهة فينوس حامية رومانية. و أخرج اليهود و النصارى و اليهود في الأصل من إيلياء، لكن كنيسة مسيحية عائدة للنصارى غير اليهود في الأصل ظلت قائمة فيها. و كان أساقفتها يحملون أسماء أغريقية، كما كانت طقوسها الدينية تتم باللغة اليونانية. و في سنة 212 أنشأ الأسقف اليكساندر مكتبة خاصة، و كان قد قدم في الأصل مسيحية عائدة للنصارى غير اليهود في لأصل ظلت قائمة فيها. و كان أساقفتها يحملون أسماء أغريقية، كما كانت طقوسها الدينة تتم باللغة اليونانية. و في سنة 212 أنشأ الأسقف اليكساندر مكتبة خاصة، و كان قد قدم في الأصل زائرا من قابادوقية، و لذلك يمكن ان يعتبر هذا التاريخ بداية قدوم الحجاج الى بيت المقدس. و مما يعرف أن أورغن‏ (3) ، مفكر عصره، زار القدس عدة مرات لجمع المخطوطات. و في 250 وقع اليكساندر ضحية لاضطهاد

____________

(1) Bar-Cochba

(2) Aelia Capitolina

(3) Orgen

28

ديسيوس. و قد حلت بالكنيسة الفلسطينية نكبات شديدة أيضا في أثناء الاضطهاد الذي وقع على يد دايو كليشيان‏ (1)

القدس المسيحية-و ما حلت سنة 315 حتى كان الحجاج يتقاطرون على القدس ليتعبدوا فوق جبل الزيتون، الذي كان المحل الوحيد المسموح بالتعبد فيه يومذاك على ما يظهر. و في 325 حضر مكاريوس أسقف القدس مجلس نيقيا و حصل على تأييد قسطنطين في مشروعه الرامي الى إعادة تقديس الموضع‏ (2) الذي صلب فيه المسيح و الضريح‏ (3) المقدس. ثم زارت الملكة هيلينا القدس في السنة التالية فشيدت الباسيليكا فوق جبل الزيتون و في بيت لحم. و في سنة 333 شاهد الحاج المجهول من مدينة بورد و هذه الأبنية في أثناء التشييد. و قد عقد في 335 مجلس كنسي في القدس فأعلنت فيه قدسية كنيسة القيامة أو الضريح المقدس. و يمكن تمييز هذه الكنيسة بوضوح في خارطة مأدبا الفسيفسائية حيث كان يدخلها الناس من باب ثلاثي ما تزال أقسام منه قائمة حتى اليوم.

ثم بني فوق الضريح المقدس بناء مدور. كما بني ما بين الباب و المبنى المدور باسيليكا كبيرة و خمسة أروقة بين الأعمدة. مع جناح مدور بارز في ساحة متسعة. فبقي موضع الصلب منعزلا على حدة باعتباره مزارا قائما بذاته.

و قد أعاد جلال التصميم و وفرة الزينة في هذه المجموعة من الأبنية الى القدس الأهمية الدينية التي كانت تتمتع بها حينما كان «الهيكل» قائما.. و في منتصف القرن الخامس للميلاد أدخلت الامبراطورة يودوقيا تزيينات أخرى في المدينة المقدسة التي توفيت فيها سنة 460. و قد جعل المجلس الكالسيدوني في القدس بطريركية مستقلة عن «قيصرية» التي كانت تتبع لها من قبل. و في حوالي 522 أغنى الامبراطور جستنيان القدس بتشييد باسيليكا عظيمة نذرها

____________

(1) Diocletian

(2) Calvary

(3) Sepulchre

29

للعذراء، فوق التل الغربي فلم يبق لها أثر اليوم. ثم انتهت هذه الحقبة المزدهرة في 614 باستيلاء الايرانيين على القدس. الذين نهبوها و قتلوا سكانها و حرقوا كنائسها. و قد أخذ في هذه الأثناء صليب الصلبوت منها، ليستعيده هرقل سنة 629 أو 630. غير أنه في سنة 638 دخل الخليفة عمر بن الخطاب الى القدس.

القدس الاسلامية-ان سبب تقديس الاسلام لبيت المقدس هو ان النبي عليه السلام أمر بالتوجه اليها عند الصلاة في بادى‏ء الأمر. و لأنها كانت هدف إسرائه‏ (سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بََارَكْنََا حَوْلَهُ) . و قد قبل عمر بأن يبني مسجدا ذي سقف من خشب في موقع الهيكل، و هو سلف المسجد الأقصى الحالي. لكن عبد الملك ابن مروان بنى قبة الصخرة (التي انتهى فيها البناء سنة 691) على شاكلة بناء كنيسة القيامة المدور (1) . و بقيت كنيسة القيامة، التي كانت قد أعيد بناؤها بمقياس أكثر تواضعا بعد ان دمرها الايرانيون، في أيدي المسيحيين أنفسهم.

فقد أبدى المسلمون تساهلا كبيرا تجاه اليهود و النصارى الذين يحترمون الكثير من تقاليدهم الدينية. و في سنة 750 أعقب العباسيون في بغداد الأمويين، و استمروا على سياسة اسلافهم التحررية في هذا الشأن. فالمقول ان هارون الرشيد بعث بمفاتيح القبر المقدس الى شارلمان في سنة 800. و انتقلت القدس في 969 الى أيدي الخلفاء الشيعة في مصر (يقصد الفاطميين) ، و في 1009 أمر الحاكم بأمر اللّه بتدمير المزارات المسيحية. و دحر الأتراك السلجوقيون المسيحيون يشاركون في احتفالات الفصح سائرين على طريق الجلجلة الحزين.

اسكن

____________

(1) Rotunda

30

البيزنطيين دحرا فظيعا سنة 1077 في منزيكرد، و عند ذاك اكتسحوا بلاد المشرق فحلوا محل المصريين في امتلاك القدس. و قد أثار قطعهم لطرق الحجاج الى بيت المقدس استياء المسيحية الغربية، فبدأت في الغرب حركة خاصة لتطهير البلاد المقدسة، و أدت الى نشوب الحروب الصليبية.

و تأسست في القدس على عهد الصليبيين مملكة لاتينية استقامت من سنة 1099 الى 1187. و قد جعل فرسان الهيكل مقرهم في منطقة الهيكل فتسموا باسمه، و أصبحت قبة الصخرة كنيسة لهم ثم صار شكلها نموذجا للكنائس المدورة التي بناها فرسان الهيكل بعد ذلك في لندن و غيرها. و لأماكن التعميد، مثل الموجود منها في بيزا. و قد بنيت كنائس أخرى على نفس النمط، و أحسن مثل لما بقي من هذا القبيل كنيسة القديسة آن. و حينما دخل الصليبيون الى القدس أنشأوا فيها عددا من المستشفيات و المنازل للحجاج. و كان أحدها من تشييد تجار أمالقي في ايطالية، فأشرف على ادارته شخص يقال له جيرارد.

و في 1113 منحه البابا باسقال الثاني «الثور» الذي يعتبر الوسيلة التي يتكون منها شعار جماعة رهبان مستشفى القديس حنا في القدس‏ (1) .

و قد وحد صلاح الدين في 1187 سورية و مصر تحت حكمه، و دحر اللاتين في حطين بالقرب من بحيرة طبرية. و فيما عدا الفترتين 1229- 1239 و 1243-44، و باستثناء الفترة المنحصرة بين 1917 و 1948 بقيت القدس في أيدي المسلمين على الدوام. و قد نهب التتار الخوارزميون القدس في 1244. ثم وقعت في أيدي المصريين سنة 1247 مرة أخرى بعد ان حكموها في عهد الأيوبيين سلاطين دمشق، فقدر لها ان تبقى خاضعة لسلطة المماليك مدة 270 سنة شيد خلالها عدد من أحسن أمثلة العمارة الاسلامية الباقية في القدس اليوم. و في 1517 احتل السلطان سليم الأول التركي بيت المقدس فافتتح بذلك فترة التسلط العثماني التي امتدت الى أربع مئة سنة. و أعاد

____________

(1) The Order of the Hospital of St. John

31

سليمان القانوني خلفه بناء المتاريس و الاستحكامات بشكلها الحالي، ثم شيد باب دمشق و هي آخر هدية من العمارة الاسلامية في القدس الشريف.

ثم ظلت القدس ثلاث مئة سنة من دون ان يكون لها تاريخ يستحق الذكر غير أن أعين الغرب اتجهت اليها من جديد في القرن التاسع عشر. فكان يحكمها ما بين 1832 و 1840 محمد علي خديوي مصر و ابنه ابراهيم باشا. و في 1838 فتحت فيها قنصلية بريطانية، فكان من بين واجباتها المحافظة على مصالح اليهود بوجه عام. ثم تأسست الأسقفية الأنكليكانية في 1841. و بعد ذلك بقليل بعثت بطريركية اللاتين من جديد لتقف على قدم المساواة مع كنيسة الأورثودوكس و الأرمن. و كذلك وجدت كنائس القبط و الأحباش. و قد كان لحرب القرم، التي وقفت فيها فرنسة و انكلترا الى جانب تركية في حلف عسكري، تأثير بالغ على منزلة الأوروبيين في القدس-ففي 1855 سمح لهم بالدخول الى الحرم لأول مرة، و في 1856 أصدر الباب العالي «مرسوم التساهل» تجاه جميع الأديان الموجودة في الامبراطورية العثمانية.

و بدى‏ء بالاضطلاع بالتنقيب عن الآثار. ففي 1841 كات ضابطان من المهندسين الملكيين قد قاما بأول مسح لمدينة القدس، و أعقب ذلك القيام بمسح آخر بمقياس أوسع على حساب أنجيلا بورديت كوتس‏ (1) (البارونة بعد ذلك) في سنة 1864. فأدى هذا النشاط إلى تأسيس «جمعية ارتياد فلسطين‏ (2) » .

و في خلال القرن التاسع عشر كله اتسع نطاق الطائفتين اليهوديتين، الأشكنازي و السفاردي، برعاية انكلترة و ازدادت حيويتهما في ثمانينات القرن بتأسيس أول المستوطنات الزراعية اليهودية في البلاد و بنمو الحركة الصهيونية و تعاظمها في الخارج بعد ذلك. فقد عقد المؤتمر الصهيوني الدولي الأول في بازل، سويسرة، سنة 1897.

____________

(1) Burdett-Coutts

(2) Palestine Exploration Society

غ

32

القدس الحديثة-لقد أصدرت بريطانية العظمى في تشرين الثاني 1917 وعد بلفور المعروف. و في الشهر التالي دخل الجنرال اللنبي القدس مستوليا عليها فاقيمت فيها ادارة عسكرية، ليعقبها في 1920 تأسيس إدارة مدنية فيها. و في 25 نيسان من تلك السنة عهد المجلس الأعلى المنعقد في سان ريمو بايطالية بالانتداب على فلسطين الى بريطانية العظمى. فتمتعت القدس خلال عهد الانتداب بفترة من التوسع و الازدهار المادي لم تعهدها منذ أيام الرومان.

فالعدالة و الصحة و التعليم و الطرق و الماء و تسوية حقوق الأرض، مع جميع مستلزمات المجتمع الحديث، قد أدخلت اليها و ثبتت جذورها فيها. و ربما كانت فلسطين في نهاية عهد الانتداب أحسن دولة تدار في آسية. لكن الأمور كانت تتحول فيها من سي‏ء الى أسوأ من الناحية السياسية. فقد ساعد و عد بلفور الصهيونية و ألهب نيران الشك و الريبة في نفوس العرب. و لذلك كان الفريقان تزداد عدم ثقة أحدهما تجاه الآخر، و تجاه الدولة المنتدبة خلال الحقبة كلها، و يتكرر التعبير عنه بالعنف، بينما كان التقدم المادي و الاجتماعي يسير في أعظم مراحله. و هكذا قدر للقدس في أيامها الأخيرة، مثلما كان قد قدر لها في أيامها الأولى، ان تبرهن على وجود العقدة التي فطر عليها مصيرها: فقد كانت و ما تزال موئلا لأسمى أنواع العبادة و أعظمها، و منبعا لأشد النزاع و أعنفه. و قد ترك خط الهدنة الذي رسم بعد اقتتال العرب و اليهود في 1948، و جعل حدودا بمقتضى الأمر الواقع، مدينة القدس التاريخية القديمة مع أرباضها الشمالية و المطار و متحف الآثار القديمة تحت حكم المملكة الهاشمية في الأردن، و الأرباض الغربية و الجنوبية في حكم اسرائيل. و لا يسمح بأي اتصال بين سكان المنطقتين، الا للمسيحيين المقيمين في اسرائيل في عيدي الميلاد و الفصح.

و قد حصل الكثير من الانشاء و التعمير في الجانبين، و على الأخص في الجانب الاسرائيلي الذي يعد أبرز ما أنشى‏ء فيه أبنية الجامعة العبرية، التي تقع في منطقة منزوعة السلاح في جبل سكوبس من الأراضي الأردنية. و قد

33

ضمنت التعليمات التي يفرضها الجانب الأردني، بوجوب بناء واجهات المباني جميعها بالحجر. ان تكون الأحياء الجديدة جذابة مهيبة. ثم فتحت طرق جديدة و أسست حديقة جديدة للبلدية بالقرب من باب دمشق. و دشن في تشرين الأول 1960 مستشفى سان جون للرمد. و تعد القدس العربية مركزا لاحدى المحافظات، و يشرف حاكمها على الاماكن المقدسة فيها و في بيت لحم. و يمكن الوصول اليها من بيروت في لبنان جوا، و بطريق البر من دمشق في سورية، و من العقبة الكائنة على البحر الأحمر. و مع ما يصادفه الحجاج و الزوار من عراقيل بسبب تقسيم المدينة، فانهم يتقاطرون عليها من جميع أنحاء العالم، و يأتي كثير منهم من بلاد لم يسمع بها في الأيام الغابرة.

الأناء الذهب‏

و ممن كتب عن القدس، و فلسطين كلها، امرأة انكليزية منصفة، و كاتبة قديرة تدعى المستر ستيوارت أيرسكين. فقد كتبت هذه المؤلفة كتبا عدة عن العرب و بلادهم فكانت منصفة فيما كتبت بوجه عام، و من جملة كتبها كتاب (فلسطين العرب‏ (1) ) الذي أصدرته في 1935 فدافعت فيه عن حقهم و وجهة نظرهم تجاه الباطلين الصهيوني و الاستعماري.

و يبحث الفصل الأول من هذا الكتاب عن القدس بعنوان «الاناء الذهب» و يعتبر هذا الفصل خلاصة مفيدة جدا عن وضع القدس و أهميتها الدينية فضلا عن وضعها التاريخي و السياسي. فهي تقول ان القدس تعد قلب فلسطين، و قيّمة الأماكن المقدسة فيها، و مركزا للكفاح و النضال، و بذلك تشغل منزلة مزدوجة في التاريخ. و قد كانت فلسطين منذ القدم ساحة حرب للامبراطوريات المحيطة بها، فأسهمت القدس و هي جاثمة بين تلالها و جبالها بقسط غير يسير

____________

(1) Erskine,Mrs Stewart-Palestine of the Arabs. London 5391

34

من مصائبها. و لو أراد المرء ان يعدد الحصارات و الحرائق و الهجمات و وقائع التدمير الكلي و الجزئي التي نزلت بالقدس لملأصفحات بقواتم المصائب و الرزايا المعروفة للجميع. لكن ما يلفت النظر في كل ذلك ان القدس برغم تبدل أسيادها و سلالاتها الحاكمة و دياناتها و لغاتها و عاداتها قد حافظت على شخصيتها الخاصة بها و احتفظت بضوء يشتعل حول حرمها الداخلي المقدس.

و يعني اسمها، الذي بقي غير متبدل خلال ألفي سنة من النور و الظل، دار السلام.. لكن الرومان بمدينتهم الوثنية ايليا كابيتولينا و معبدهم المكرس للاله جوبيتر قد تلاشى حتى ذكرهم بين زحمة الوقائع التي تتالت على المدينة المقدسة. و هي إذ تكون مدينة للسلام من جهة و مدينة النزاع من جهة أخرى.

و مرتعا لتصادم الأقوام و الديانات منذ أيام الغزوات العشائرية في أيامها الأولى الى يوم القلاقل العنصرية و السياسية هذا، و موضعا لتقديس أبناء الديانات العظمى الثلاث في العالم، قد احتفظت بطبيعتها المقدسة خلال التقلبات التي وقعت في أثناء وجودها الطويل..

ثم تقول المؤلفة ان المرء قبل ان يحاول فهم وضع القدس السياسي في هذا اليوم، لا بد من ان يدرك ماذا تعني فلسطين كلها بالنسبة للعرب و اليهود، و ما ذا تنطوي عليه علاقتهم بالبلاد و بعضهم ببعض. و بعد ان تشير الى ان الغربيين كلهم على علم تام بمنشأ التوراة و الانجيل فيها، و ظهور الأنبياء في أزمنتها القديمة، تأتي على ذكر شي‏ء عن منشأ العرب و علاقتهم باليهود.

فهي تقول ان الجدّ الذي تسمى به العرب و اليهود، و جميع الساميين في الحقيقة، كان سام بن نوح. و يدعي العرب و اليهود على حد سواء أنهم يتحدرون من نسل ابراهيم الكلداني الذي هاجر من أور الكلدانيين الى الغرب بأوامر آلهته. فقد تحدر اليهود من سارة الزوجة و تحدر العرب من هاجر الوصيفة. و كانت في أرض الميعاد حتى قبل ان يدخل اليها ابراهيم قبائل سامية و غير سامية أخرى، كان يطلق عليهم بمجموعهم اسم الكنعانيين في بعض الأحيان. و لما كان من المعتقد اليوم ان هذه القبائل قد تحدر من نسلهم فلاحو

35

فلسطين الحاليون، فان الجو قد تهيأ للكشف عن الدراما بكاملها..

ثم تذكر المسز أيرسكين ان ابراهيم عليه السلام كان يلجأ الى الطرق السلمية في التسلل الى فلسطين و الحصول على منزل فيها. و قد تزاوج أتباعه برغم تحذيره لهم مع القبائل التي كانت تملك الأرض في فلسطين، و تدينوا ببعض دياناتهم أحيانا. و حينما نام ابراهيم نومته الأبدية في الخليل استمر ابناؤه على العيش في فلسطين حتى ذهب حفيده يعقوب للأقامة في مصر حيث حصل يوسف على رعاية فرعون له. و قد أدى تغير السلالة المالكة في مصر، التي أعقبها اضطهاد الاسرائيليين، الى ظهور موسى برسالته و مبادرته الى قيادة شعبه و العودة بهم الى أرض الميعاد. و بعد كثير من التجوال و التطويح استقروا أخيرا في مكان ما، و انتخبوا شاؤول أول ملك لاسرائيل.

و تشير المسز ايرسكين بعد ذلك الى أن القدس كان لها تاريخ حافل قبل ان يلقي داود خليفة شاوول نظرة عسكرية على أسوارها المنيعة. و قد نجح في انتزاع الحصن من اليبوسيين فاتخذ القدس عاصمة له. و كان الملوك و الأمراء يسكنون في القدس و هي تابعة الى مصر، التي كانوا يراسلونها برسائل حفظتها الرقم المكتشفة في تل العمارنة. فقد كانت مكانا منيعا جديرة بالقتال دونها، و مهمة جدا لداود لأنها تشغل موقعا ستراتيجيا بين المملكتين الشمالية و الجنوبية اللتين وحدهما و أدخلهما في حكمه معا.

و قد شيد داود قصرا و هيكلا فوق أوفيل، لكن سليمان ابنه انتقل الى جبل موريا حيث شيد البيوت و الثكنات و القصور و هي ترتفع بعضها فوق بعض في السفوح حتى تنتهي بالهيكل الذي أقيم حيث تقوم قبة الصخرة اليوم بلونيها الأزرق و الرمادي البارزين أمام امتداد جبال مواب الطويل. و كان يبدو يومذاك ان مملكة اسرائيل أصبحت قوية الجانب تضاهي في قوتها الصخور التي بنيت فوقها القدس. لكن ذلك لم يتحقق.

فلم تستقم المملكتان المتحدتان بعد موت سليمان، بل انقسمتا من جديد

36

و لم تعمرا طويلا حتى في هذه الحالة. فقد تحطمت المملكة الشمالية في 722 قبل الميلاد، و تلاشى الأسباط العشرة بعد ان تفرقوا أيدي سبأ، بينما ظلت مملكة يهوذا الجنوبية تكافح دون حتفها الى سنة 597 قبل الميلاد حين استولى بنوخذ نصر على القدس و نهبها، ثم أخذ زبدة أبناها في السبي المعروف. و بعد عشر سنوات التفت صدقيا آخر ملك من ملوكها الى مصر فعوقب بتدمير القدس و تخريبها، و بهذا ترك سبي آخر مملكة يهوذا التي كانت مزدهرة في يوم من الأيام قاعا صفصفا. اما عودة بقايا من اليهود الى القدس بعد أن أطلق كورش الايراني سراحهم، و السماح لهم ببناء الهيكل، فلم يكن الا شيئا فاترا تعوزه الحماسة لأن الكثيرين من أهل السبي آثروا البقاء في بابل.

و في عهد السيطرة المقدونية سادت الحضارة الأغريقية في سورية و فلسطين. و كان اليهود يتضايقون من تعسف الملك أنتيكوس ابيفانوس فأدى بهم ذلك الى الثورة بقيادة كاهنهم الكبير ماتاثياس و ابنائه. و قد تعتبر هذه الوقائع من النقاط للامعة في تاريخ اليهود، لكنها سرعان ما تتعتم بظهور هيرود و ميله الى مسالمة روما. و ليست بنا حاجة هنا الى الاسهاب في ذكر كيفية ظهور هيرود، و زواجه بالأميرة الحسمونية سليلة المكابيين، التي قتلها بنزوة من نزوات الغيرة، و موته في السنة التي ولد فيها المسيح بعد أن أصدر مرسوما في قتل «الأبرياء» . و انما يكفي ان نتذكر أنه بنى آخر هيكل فقدر له ان يكون قصير الأجل. و من المهم ان يذكر في الحقيقة ان الهيكل هذا قد صحت نبوءة السيد المسيح فيه، ففي خلايا الأربعين السنة المذكورة في النبوءة هدم الهيكل الى وجه الأرض خلال حصار تايتوس للقدس في سنة 70 للميلاد.

و تخلص المؤلفة من كل هذا الى القول انه يتضح بان العبريين لاحق لهم فيما يدعون به اليوم. فقد عجزوا في تحقيق الوحدة فيما بينهم، و كان يقاتل بعضهم بعضا باستمرار، و لم يمتلكوا فلسطين كبلاد تحكم نفسها بنفسها حكما ذاتيا قط، حتى في أوج حكمهم. لكننا نجد من جهة أخرى أن التاريخ الروحي لشعب اختاره اللّه ليحمل النور في وقت الظلمة يجب ان تكون له أهمية فائقة

37

بالنسبة للانسانية جمعاء. فقد قادتهم رسل موحى اليهم بوحي مباشر، و أرشدوا الى الطريق السري الذي كان عليهم ان يسلكوه. فماذا كانت النتيجة؟و لماذا كانوا يعاقبون بين حين و آخر؟ان الجواب على كل هذا موجود في كتبهم الدينية هم أنفسهم. فان خطب أنبيائهم اللاذعة تميط اللثام عن ان اليهود كانوا مفتونين بالوثنية و عبادة الأصنام بحيث أوحى بقمعهم.

و حينما عنّفوا و زجروا «أغلظوا رقابهم» كما فعل آباؤهم من قبل. و تقول التوراة-العهد القديم-ان المصائب التي نزلت باليهود انما نزلت لتلقنهم دروسا لا يبدو انهم تعلموها بأي حال من الأحوال. و حينما صلبوا مسيحهم كانت نهاية وجودهم القومي غير بعيدة عنهم.

و بعد ان انقسمت الامبراطورية الرومانية، أصبحت فلسطين من حصة الامبراطورية الشرقية و عاصمتها بيزنطة. و قد جعل مرسوم ميلان سنة 313 المسيحية دينا معترفا به. فأبدى قسطنطين و أمه هيلانه و رعهما المعروف بتشييد الكنائس في المواقع المقدسة، و بذلك اتخذ مصير القدس شكلا آخر.

فقد تمتعت فلسطين في أيام الحكم البيزنطي بحالة من السلم انتهت في سنة 616 حين غزاها خسرو الثاني ملك ايران. و في سنة 636 نقلت معركة اليرموك الحاسمة السلطة الى العرب.

و بعد ان تتطرق المسز أيرسكين الى تاريخ العرب القديم قبل الاسلام، و اتصالهم باليهود، و مجي‏ء ابراهيم الخليل و اسماعيل الذي أعاد بناء الكعبة في مكة، تخرج من ذلك الى ظهور النبي محمد عليه السلام و اعترافه بأنبياء بني اسرائيل. ثم تبدأ بذكر الفتوحات فتعرج على فتح العرب لبيت المقدس.

فتقول ان الخليفة الراشد أبا بكر عين خالدا بن الوليد المعروف بسيف اللّه المسلول على رأس قواته التي حاربت الايرانيين، و البيزنطيين في سورية و فلسطين بعد ذلك. فكان النصر حليف خالد اينما اتجه، و لا سيما في قتاله‏

38

لجيوش الامبراطور هرقل التي فتك بها في موقعه أجنادين الكائنة بين غزة و بيت المقدس. و قد توفي أبو بكر بعيد هذا النصر الحاسم في اليرموك سنة 636. فقد وجد الامبراطور هرقل، الذي كان يتبجح بأن جيوشه بوسعها القضاء على «شرذمة العرب البداة» ، نفسه مطرودا من سورية و فلسطين و الطريق قد انفتح لسيطرة العرب عليهما.

و قد صمدت القدس و قيصرية، و هما من معاقل العقيدة الأورثودكسية المعروفة، لمدة ما لكنهما اضطرا الى التسليم في النهاية. حيث استسلمت القدس في 639 و استسلمت قيصرية بعد ذلك بسنة. و لا غرو فقد كان العرب لا بد من ان يجبروا هاتين المدينتين على التسليم بعد أن أصبحوا أسياد دمشق، أقدم مدينة في سورية و أهمها، و انطاكية ملكة الشرق الواقعة على نهر العاصي، و حمص ذات الحصون المنيعة، و غيرها من المراكز المهمة. و كان لهم فضل كبير فيما أظهروه من اعتدال عند تقديم مطاليب الاستسلام.

فحينما اتضح لسكان بيت المقدس عدم جدوى المقاومة عقد اجتماع فيها بين بطريرك الروم الأورثودوكس و قائد الحامية، و تقرر ان تجلو الحامية الموجودة فيها و تنسحب الى مصر و ان يترك الأمر الى البطريرك بأن يتفق على الشروط مع العرب. فاشترط ان تسلم مفاتيح المدينة الى الخليفة عمر بنفسه نظرا لأن النبوءة كانت تقول في هذا الشأن ان المنتصر يحمل اسما بثلاثة حروف كما هو الحال في اسم الخليفة العربي «عمر» . فأبلغ الخليفة بذلك و وافق على القيام بهذه الرحلة الطويلة، و أخيرا وصل الى الموقع و هو يمتطي جملا هزيلا و يرتدي اسمالا بالية ليظهر ازدراءه لتوافه هذا العالم الشرير. و حينما لاحظ البعض من قواده، الذين وقفوا لاستقباله في خارج السور يلبسون ملابس صنعت من حرير دمشق استشاط غضبا، و لم يوافق على الدخول الى المدينة بصحبتهم الا بعد ان أروه ما كانوا مدججين به من سلاح تحت البسة الحرير الناعمة.

39

ثم تقول ان الخليفة عمر دخل الى المدينة المقدسة راجلا و الى جانبه البطريرك و اذا كان منظره يومذاك شيئا غير مؤثر فقد كانت شروطه رحيمة سخية، حينما فرضت على النصارى و اليهود عن دون تميز. و قد كان فيها بعض التحفظات، لكنها كانت تنطوي على الرفق و الرحمة بوجه عام فقبلت بكثير من المنة و التقدير. و لم يبق الخليفة مدة طويلة في بيت المقدس، لكنه تيسر له متسع من الوقت لزيارة كنيسة العذراء التي هي المسجد الأقصى في يومنا هذا، و كذلك وضع الأساس لتشييد مسجد للمسلمين في موقع الهيكل اليهودي الذي كان مختفيا تحت اكوام من الزبل المتراكم على مدى الأجيال المتعاقبة.

و كان هناك سبب لسياسة التسامح هذه. فقد كانت القدس مقدسة عند المسلمين، و كانت تأتي بعد مكة فقط في الشهرة باعتبارها درة غالية في تاج الفتوح التي حققوها، و كانوا تواقين جدا للاحتفاظ بها و تجميلها. حيث ان الاعتقاد بان بيت المقدس ستكون المكان الذي يحشر فيه المؤمنون يوم القيامة يشترك فيه المسلمون و اليهود على سواء، كما يلاحظ أو يفهم من الرغبة التي يبدونها في الدفن بقربها. و يجل المسلمون كذلك المكان الذي أعلن النبي محمد بأنه شاهده في الرؤيا.

في ليلة هادئة لم تكن تعكر هدوءها و لا نسمة ريح قال النبي عليه السلام ان صوتا ايقظه من نومه و هو يقول «استيقظ ايها النائم» ، ففتح عينيه و إذا بجبريل الملك يمثل أمامه و يطلب اليه ان يركب البراق فأسرى به و هو بصحبته إلى بيت المقدس. و هنا قيل له ان يترجّل و يصلي، ثم أخذ إلى «صخرة التضحية» في منطقة الهيكل، و من هناك رفع إلى السماوات العلى.

فأصبحت هذه الرؤيا من معتقدات المسلمين الذين ما زالوا يقدسون المكان الذي صلى فيه النبي، و الصخرة التي رفع من فوقها إلى السماء على سلم من نور و حتى المكان الذي وقف فيه البراق.

و بعد ان تأتي المؤلفة على ذكر شي‏ء عن أعمال الخليفة عمر و ما حدث بعد

40

قتله من اختلاف في أيام الخليفتين الراشدين عثمان و علي تقول ان فلسطين تمتعت بقرن من الهدوء و السلم قبل أن تبدأ علائم الانحطاط في الامبرطورية العربية الجسيمة. و قد ازدهرت القدس إزدهارا غير يسير لكنها لم تصبح مركزا كبيرا للثقافة و الحضارة كما أصبحت قرطاجة قرطبة التي كان اليهود الأوربيون يتقاطرون عليها للدراسة في جامعتها الاسلامية. فقد كانت في فلسطين مراكز دينية معروفة في القدس و الخليل و طبرية و صفد لكنها لم يكن فيها من الثقافة العامة العالمية التي كانت تزخر بها مدن اسبانية الأسلامية و صقلية.

و بعد ان تذكر المؤلفة شيئا عن حضارة العرب في الأندلس و فضلها على الغرب تقول: و كان الخلفاء الأمويون يحكمون من دمشق، لكن الأسرة العباسية المالكة حينما حلت في محلهم و أسست العاصمة في بغداد انحط الاهتمام ببيت المقدس. فقد كان هارون الرشيد يبدي اهتماما بسورية و أسس المدارس فيها، لكنه لم يفعل الا القليل من هذا في فلسطين التي انقسمت الى شيع و احزاب و أصبح الاختلاف هو العادة المألوفة فيها. و في نهاية القرن العاشر استولت الخلافة الفاطمية في مصر على القدس. و في 1071 احتل السلطان السلجوقي سورية و فلسطين فأعقب ذلك حلول فترة من الرعب عانى فيها النصارى ما عانوا من الجور و التعسف. و قد أثارت آلام الحجاج المسيحيين و اهمال الاماكن المقدسة تذمرات الحجاج الذين كانت تتقاطر جموعهم على بيت المقدس، و كان أحدهم و هو بطرس الراهب هو السبب في البدء بالحملة الصليبية الأولى.

و قد حرر الصليبيون «القبر المقدس» و أسسوا مملكة لاتينية قصيرة العمر في القدس، لكن الحملات المتفرقة التي أعقبت الحملة الأولى لم تكن كافية لضمان البقاء الدائم في البلاد المقدسة.. و بعد ان تغلب صلاح الدين على الصليبيين في قمم حطين الرهيبة قتل‏ (1) رينيه دي شاتيون بيديه من دون سلاح، و أمر

____________

(1) سيأتي تفصيل السبب في بحث الحملات الصليبية بعد هذا.

41

بقتل مئتي فارس من فرسانهم على مرأى من الجيش كله. لكنه حينما أقدم على تسلم بيت المقدس أظهر كل ما يمكن من ضروب الرحمة و الاعتدال.

فقد سمح لجميع من يرغب في ترك هذه المدينة المقدسة بأن يفعل ذلك من دون ان يتعرض لأي نوع من الأذى، حتى أنه سمح للأساقفة بأن يأخذوا معهم الكثير من الكنوز العائدة للكنائس، و قدم لمن بقي شروطا سخية.

و بذلك عادت القدس مرة أخرى الى أيدي المسلمين، و بذل صلاح الدين كثيرا من الجهد لاستعادة أمجادها السابقة و تعمير أماكنها المقدسة مثل قبة الصخرة و المسجد الأقصى اللذين قلبهما النصارى الى كنيستين. و بمرور الزمن تلاشت من بين المسلمين و المسيحيين البغضاء التي أوصلها الصليبيون الى الأوج، و اتخذت الترتيبات اللازمة بالسماح النصارى في زيارة القبر المقدس متى شاءوا. لكن ذلك لم يدم طويلا. ففي سنة 1240 اكتسح الأتراك الخوارزميون البلاد، و هدموا بيت المقدس تهديما جزئيا بعد ان فتكوا بالسكان المسيحيين فيها، و في 1250 ظهر المغول بقيادة هولاكو حواليها فردهم السلطان المملوك بيبرز، الذي أخضع فلسطين للحكم المصري مرة أخرى. و قد استقام الحكم المصري هذا زهاء ثلاث مئة سنة، أي الى ان انتزع الأتراك العثمانيون منه السلطة لأنفسهم و أصبحوا أسياد الشرق الأوسط. و باستثناء فترة قصيرة استعادت فيها مصر السيطرة على فلسطين، فقد بقيت بأيدي الأتراك منذ ذلك التاريخ حتى سلموها الى حوزة الانتداب البريطاني في 1917.

و لا يعرف الا القليل عن أحوال بيت المقدس الاعتيادية في الفترات التي كانت تتخلل ما يذكره المؤرخون من بلايا و مصائب عظيمة. لكنه يستفاد من انطباعات المقدسي، الجغرافي العربي الشهير، عن القدس التي ولد فيها سنة 946 أنها ثمينة لندرة مثيلاتها بين البلاد، و أنها أجمل مدينة في العالم، لأن الحياة فيها على حد قوله كانت ملأى بكل ما هو لطيف و جميل، و ان كل من يريد التمتع بما في الدارين ان يفعل ذلك عن طريق الاقامة في قدس القرن العاشر الميلادي، و بعد ذلك يحدثنا عن العقارب التي يمتلى‏ء بها «و عاؤها الذهب» .

42

و يبدو ان العقارب التي يعنيها المقدسي هي حماماتها القذرة، و أزوادها الغالية، و مدارسها الخالية، و مسجدها الذي لا يمتلى بالعلماء و الدارسين.

و استفحال أمر النصارى و اليهود فيها. و تعقب المسز أرسكين على ذلك بقولها ان ذلك الوعاء الذهب ما زالت تتوالد فيه أنواع العقارب.

مثل ما يجري في داخل أسوارها و خارجها من الاضطرابات و القلاقل، و مثل الخصومات السياسية و الصدامات العنصرية و الأماني و الآمال المتضاربة التي لم تتحقق.

من التاريخ القديم‏

لا شك ان تاريخ القدس القديم تاريخ حافل بالوقائع و الحوادث في كل دور من أدواره، و قد حظي بالكثير من العناية و التنقيب لدى العلماء و الباحثين نظرا لقدسية هذه المدينة العريقة في القدم، و علاقة ذلك بابناء الديانات الكبرى الثلاث. و لا شك أن إقدام الكثيرين من مؤرخي الغرب و منقبيه على البحث في تاريخ القدس يرجع أيضا إلى ظهور السيد المسيح حولها، و صلبه و دفنه فيها على ما يقولون، و نشؤ الانجيل و التوراة في ديارها.

و لذلك نرى ان ما كتبت من الكتب و الرحلات في اللغات الغربية عن القدس القديمة و تاريخها، و لا سيما في الانكليزية و الفرنسية و الألمانية، أوسع مما يمكن ذكره أو الاحاطة به في مثل هذا البحث. على اننا سنحاول هنا أن نوجز الحوادث المهمة التي تعين القارى‏ء على تفهم المجرى التاريخي العام.

و قد لاحظنا من بين الكتب الحديثة التي تستند الى أحدث ما حصل من التنقيب الآثاري، في القدس و ما حولها من البلاد، كتابا يفي بهذا الغرض. و قد كتب هذا الكتاب باحث ألماني يدعى فيرنر كيلر بعنوان (الانجيل كتاريخ) (1) .

____________

(1) Keller Werner-The Bible As History. ) Archeology Confirm the Book of Book (,Translated from German into English by Dr. William Neil. First published in 6591,Tenth impression 1691.

43

و استند فيه الى احدث الاستكشافات الآثارية و أوثقها على ما يدعي. ثم ترجم الى الانكليزية و طبع لأول مرة سنة 1956، ثم أعيد طبعه عدة مرات كانت آخرها الطبعة العاشرة في 1961.

و يتناول المستر كيلر في هذا الكتاب تاريخ ما ورد في التوراة و الانجيل من حوادث و وقائع مشهورة، فيحاول البرهنة على صدقها في ضوء المكتشفات الحديثة، و قد يناقش قسما منه فيخطؤه أو يورد آراء مختلفة حول بعض النقاط. و من أهم ما يبدأ ببحثه من ذلك، و لا سيما ما يختص منه باليهود و تاريخهم، موضوع ابراهيم الخليل عليه السلام، فيناقش معيشته في أور ثم يذكر هجرته الى حران الكائنة في شمال العراق في ضمن ما كان يسمى بمملكة ماري السامية. لكنه يخرج من ذلك الى انه عليه السلام يصعب ان يكون قد عاش في أور الكلدانيين كما هو معروف في التوراة، و يخطّى‏ء ليونارد و ولي المنقب الانكليزي الذي تولى التنقيب في أور خلال العشريات من هذا القرن و اكتشف مدينة السومريين التي كان يجهلها العالم تقريبا. فقد كتب و ولي يقول ان ابراهيم كان مواطنا من مواطني مدينة عظيمة (أور) ورثت تقاليد مدنية راقية عريقة في القدم، و لم يكن من أناس مترحلين بداة كما يفهم من بعض آيات التوراة و نصوصه. لكن كيلر يقول في كتابه (الص 42-44) أن و ولي و ان كانت تؤيده في رأيه هذا بعض آيات سفر التكوين قد تسرع في ما ذهب اليه، لأن آيات أخرى في سفر التكوين نفسه تنص على خلاف ذلك أيضا. لأنه حينما أوفد خادمه القديم من بلاد كنعان الى مدينة ناحور ليخطب زوجة لابنه اسحق يسمي هذه المدينة «أرض مولدي» و يشير الى «بيت أبي» و «أرض أجدادي» . و ناحور تقع في منطقة حران الكائنة في شمال بلاد بين النهرين. و يذكر كذلك ان يوشع بعد ان استولى على أرض الميعاد خاطب أصحابه يقول «لقد سكن آباؤكم في الجهة الأخرى من الطوفان قديما، و فعل ذلك حتى تارح والد ابراهيم و ناحور» ، و يقصد بالطوفان هنا و في نصوص التوراة الأخرى نهر الفرات. و لا شك ان مدينة أور تقع في‏

44

الجانب الأيمن من الفرات، و اذا ما نظر اليها الرائي و هو في بلاد كنعان فهي تقع في هذا الجانب أيضا و ليس في الجانب الآخر. و يتابع كيلر مناقشته لو ولي فيقول ان تنقيباته لم تكتشف ما يدل بصورة باتة قاطعة على ان تارح و ابنه ابراهيم كانا يعيشان فعلا في أور. ثم ينهي هذه المناقشة بقوله ان البحث المضني، و لا سيما التنقيب الآثاري في العقدين الأخيرين من السنين، يجعل من المؤكد تقريبا ان ابراهيم لا يمكن ان يكون قد وجد في العاصمة السومرية أو كان مواطنا من مواطنيها. فان ذلك يناقض جميع الأوصاف التي يصف التوراة بها ابراهيم و طراز حياته، و كونه من سكنة الخيام الذين-يتنقلون مع قطعانهم من مرعى الى آخر انتجاعا للكلأ و من بئر إلى أخرى، فهو و الحالة هذه لا يعيش كما يعيش مواطن المدينة الكبيرة بل عيشة البدوي المعروفة.

و يقول كيلر في موضع آخر (الص 67) ان أسماء أجداد ابراهيم و اسلافه تخرج من العصور المظلمة و هي لا تعدو كونها أسماء مدن كائنة في شمال شرقي بين النهرين، أي في فدان آرم في سهل آرم. و في وسط هذا السهل تقع حران التي كانت على ما يظهر من وصفها مدينة مزدهرة خلال القرنين التاسع عشر و الثامن قبل الميلاد. و يذكر كذلك ان المكتشفات التي عثر عليها المنقبون الفرنسيون في 23 كانوا الثاني 1934، في تل الحريري الكائن على بعد سبعة كيلومترات من البوكمال، تبرهن لأول مرة على أن حران هي موطن ابراهيم الخليل و المكان الذي ولد فيه العبرانيون. و تقع بالقرب من ذلك مدينة ناحور المعروفة في التوراة أيضا، و هي موطن ربيكا زوجة اسحق.

هجرة ابراهيم عليه السلام الى أرض الميعاد

و يذكر كيلر بعد هذا اننا اذا ما أردنا ان نصدق بالتواريخ المذكورة في التوراة نجد ان ابراهيم قد ترك موطنه حران قبل فرار الاسرائيليين من مصر بست مئة و خمس و أربعين سنة. و قد ظلوا يهيمون في الصحراء نحو أرض الميعاد بقيادة النبي موسى خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد. و لذلك فلا بد

45

من ان يكون ابراهيم قد عاش في حران حوالي سنة 1900 قبل الميلاد. و هذا ما تؤيده حفريات مملكة ماري.

و يأتي بعد ذلك الى ذكر كنعان (الص 70) و هجرة ابراهيم اليها تنفيذا للأوامر الالهية، فيقول ان الطريق الذي كان عليه ان يقطعه يبلغ طوله ما بين حران و بلاد كنعان ما يزيد على ست مئة ميل. و هو يمتد على طول نهر البليخ الى الفرات. و من هناك يسير المسافر بطريق قديم للقوافل يرجع الى آلاف السنين في قدمه، فيمر بتدمر و الشام، و منها يتجه في اتجاه غربي الى بحيرة الجليل (طبرية) . و بلاد كنعان على ما يقول كيلر هي الشطيطة الجبلية المنحصرة بين البحر الأبيض و البادية الممتدة من غزة الى حماه على شواطى‏ء العاصي في الشمال. و قد كانت كنعان يومذاك تعرف ببلاد الأرجوان لأن الكنعانيين سكانها كانوا معروفين باستخراج الأرجوان من حيوانات المريق القشرية البحرية. و كان الأرجوان من السلع الغالية لأن صبغته كانت تصبغ بها الملابس الثمينة التي يرتديها كبار الناس و مرموقهم في المجتمع يومذاك.

و لذلك كان اليونانيون الأقدمون يطلقون على صانعي الأرجوان و صباغيه «الفينيقيين» و على البلاد «فينيقية» ، و هو اسم مشتق من كلمة Phoefcia التي تعني الأرجوان في لغتهم.

اما البلاد التي كانت ستصبح موطنا للاسرائيليين فقد سماها الرومان، على ما يقول كيلر، باسم أعداء اسرائيل. فقد سموها باسم «الفلستينيين‏ (1) ) أو «بلشتيم» حسب التسمية الواردة في التوراة، الذين كانوا يسكنون في القسم الجنوبي من الساحل الكنعاني. و هي تمتد على ما يفهم من نصوص التوراة من منابع الأردن في أسفل جبل الشيخ الى التلال الكائنة في غرب البحر الميت، و الى النقب في الجنوب، أي انها تقدر بحوالي مئة و خمسين ميلا في الطول و خمسة و عشرين ميلا في العرض في أضيق بقعة منها. و لم تصبح أوسع من

____________

(1) Philistines

46

هذا قط الاخلال عشرات قليلة من السنين. فقد امتدت في أيام داود و سليمان الى عصيون جابر على البحر الأحمر في الجنوب و الى ما وراء الشام بقليل في الشمال.

و يظهر مما يكتبه كيلر ان ابراهيم سلك في هجرته هذا الطريق فمر بالشام ثم دخل هو و زوجته سارة و ابن أخيه لوط و أقاربه و قطعانه الى فلسطين التي كانت قليلة السكان على ما يقول، و كانت مدنها يومذاك عبارة عن قلاع متباعدة تتعرض على الدوام الى هجمات البدو و غزواتهم من البادية بين حين و آخر. و قد حرص على ان يدخل من دون ضجة، و ان يكون سيره هذا تسللا، لأنه لم يكن قادرا على الاصطدام بالكنعانيين، فحل في شكيم الكائنة في شمال فلسطين. و يلتقي في سهل شكيم طريقان أحدهما يمر بالمناطة المأهولة فيذهب الى وادي الأردن الخصيب، و يمر الثاني بطريق التلال المنعزلة فيتخطى القدس الى النقب. و قد آثر ابراهيم ان يسلك الطريق الثاني حتى وصل القدس العائدة لليبوسيين، فزار فيها ملكيصادق الذي يسميه كيلر «ملك سالم» أي ملك القدس نفسها على أغلب الترجيح. و في الأصحاح الرابع عشر من سفر التثنية يذكر ان ملكيصادق هذا قدم لابراهيم خبز او خمرا لأنه كان كاهنا للّه العلي، و بارك ابراهيم بقوله: مبارك أبرام من اللّه العلي مالك السموات و الأرض و تبارك اللّه العلي الذي رفع اعداءك الى يدك.

ثم توجه ابراهيم الى مصر مع لوط و عادا بعد ذلك الى فلسطين، فتوجه لوط مع أسرته مفارقا عمه نحو الشرق، و ظل ابراهيم يتنقل حوالي القدس حتى شاء ان يستقر في أواخر أيامه في قرية مامر القريبة من حبرون التي سماها العرب بعد ذلك باسمه، أي «الخليل» . و في هذا الشأن يقول كيلر (الص 97) انه قضى أيامه الأخيرة في قرية صغيرة تدعى مامر، غير بعيدة عن بلدة الخليل، حيث شيد المذبح. و قد تملك هنا أول قطعة أرض من الحثيين ليعد قبرا صخريا لزوجته سارة، على عادة الساميين. و قد دفن هو كذلك في الضريح نفسه. و هذا ما تؤيده الحفريات بوضوح. و على بعد ميلين من الخليل‏

47

يقدس العرب اليوم على قول كيلر موقعا يسمونه «حرم رامة الخليل» . و قد عثر الأب المنقب مادر بالفعل بالقرب من هذا الموقع على أحجار مذبح ما تزال تبدو فيها آثار الاشتعال.. و ما يزال قبر ابراهيم يعتبر اليوم موقعا مقدسا يحج اليه الناس.

و يقول كيلر في موقع آخر كذلك (الص 112) ان ابراهيم نصب خيمته الى مقربة من حبرون في جنوب تلال اليهودية، ما بين ابناء «حث» -أي الحثيين-و قد اشترى منهم الأرض التي أودع فيها زوجته سارة و تركها لراحتها الأبدية.. و يخبرنا حزقيال النبي-الأصحاح السادس عشر من سفره- ان الحثيين مسؤولون جزئيا عن تأسيس القدس..

خروج اليهود من مصر الى أرض الميعاد

و يقول كيلر ان موسى بعد أن أدى واجبه الشاق فأخرج اليهود من مصر و مدنها التي كانوا مستعبدين فيها رشح يوشع خلفا له و رحل عن هذا العالم الفاني، من دون أن يقدر لقدميه ان تطآ أرض الميعاد أو مدينة القدس، لكنه استطاع ان يلمحها عن بعد من قمم جبل نبو. و مع جميع البراعة التي أبداها يوشع بن نون في قيادة اليهود الى أرض الميعاد، و القسوة التي تذرع بها في الاستيلاء على البلاد الفلسطينية و أهلها بالقوة، لم يستطع انتزاع القدس من أهلها لمناعة حصونها و خطته في تحاشي مهاجمة الأماكن الحصينة. و مما يذكره كيلر في هذا الشأن (الص 162) ان اسرائيل كانت قبيل سنة 120 قبل الميلاد قد بلغت الهدف الذي ظلت تكافح من أجله ردحا طويلا من الزمن.

فقد دخلت كنعان لكنها لم تستول على البلاد كلها استيلاء تاما. و خلفت وراءها خطا طويلا من المدن المحروقة. و قد تحاشى يوشع مهاجمة القلاع الحصينة مثل قلعتي القدس و جيزر. و بقيت كذلك في أيدي الكنعانيين السهول الخصبة و وديان الأنهر، و ستبقى كذلك لعدة أجيال تأتي.

و بعد ان يتحدث كيلر عن مجي‏ء الفلسطينيين من جزيرة كريت و احتلالهم

48

للساحل الجنوبي من فلسطين، ثم استقرارهم في عسقلان و غزة و أشدود و عقرون، يشير الى تهديدهم للاسرائيليين و خطورة ذلك عليهم. فيقول (الص 179) : و في حوالي 1050 قبل الميلاد أصبح وجود اسرائيل نفسه مهددا بالخطر. فقد كانت توشك ان تخضع لنير الفلسطينيين و تواجه وجودا مفعما بالعبودية التي لا تنتهي. و تجاه هذا الضغط الخطير من الخارج أصبحت اسرائيل أمة من الأمم، و وقع اختيارها على شاؤول البنياميني ليكون أول ملك لها.. و شاؤول هذا هو طالوت الوارد ذكره في القرآن الكريم.

و قد اكتشف البروفسور أولبرايت على بعد عدة أميال من القدس سنة 1933، في تل يسمى «تل الفول» ، بقايا قصر شاؤول و هو أول قصر ملكي لاسرائيل حيث كان يجلس شاؤول، على ما يذكر كيلر، و من حوله أصدقاؤه و ابنه يونا و أبنر ابن عمه و قائد جيشه، و داود حامل سلاحه الشاب..

على ان هذا كله على ما يبدو لم يكن ينفع اليهود و لا ملكهم المتبختر شاؤول، فقد اصطدموا بالفلسطينيين و كانت النتيجة مميتة على ما يقول كيلر (الص 181) لان انتصار الفلسطينيين عليهم كان كاملا و انتحر شاؤول بعد ان قتل ابناه في المعركة. و احتلت أرض اسرائيل بأجمعها، ثم علقت جثة الملك و ابنيه فوق أسوار مدينة بيت شان القريبة من ساحة المعركة.. و الظاهر ان ساعة اسرائيل الأخيرة قد دقت، و بدا أنها قد كتب عليها الزوال. و هكذا سارت المملكة اليهودية الأولى، التي كانت تعقد عليها الآمال في البداية، الى نتيجتها المخيفة. فقد أصبح الشعب الحر يوسف في قيود العبودية، و وقعت الأرض التي وعد بها في أيد أجنبية (كذا) .

كيف استولى داود على القدس‏

لقد تولى قيادة بني اسرائيل بعد اندحار شاؤول و انتحاره حامل سلاحه و قائد جنوده المرتزقة داود. فمن دركات القنوط الواطئة التي أصبح فيها الاسرائيليون، و وضعهم الميئوس منه تحت نير الفلسطينيين، ارتقى هؤلاء

49

القوم، على ما يقول كيلر (الص 184) ، خلال عشرات قليلة من السنين الى موضع العزة و العظمة. و كان كل ذلك بفضل داود الشاعر مرتل المزامير.

فقد كان مجهول الهوية خامل الذكر عرف لأول مرة حاملا لسلاح شاؤول، ثم قائدا لقواته المرتزقة، و رجلا عنيفا من رجال المقاومة ضد الفلسطينيين بعد ذلك، حتى انتهى في عمر متقدم و هو يجلس في القدس على عرش شعب صار قوة عظيمة يحسب لها الحساب.

و بعد ان يثني كيلر على داود و شعبه، و يبالغ في مدح اعماله مبالغة يبدو فيها الأفراط الممل، يأتي على وصف الكيفية التي اكتشفت فيها طريقة استيلاء داود على القدس الحصينة و انتزاعها من اليبوسيين.. فهو يقول (الص 188) و قد أميط اللثام في نهاية القرن الماضي عن الطريقة الرومانتيكية التي وقعت فيها قلاع القدس الحصينة في يدي داود، بالصدفة من جهة و بالولع الاستكشافي الذي كان يتحلى به نقيب من نقباء الجيش البريطاني يومذاك من جهة أخرى ففي الجهة الشرقية من القدس حيث تنحدر الصخور الى وادي ستي مريم (كدرون) تقع عين ستي مريم. و كانت هذه العين على الدوام المعين الدائم للماء و الذي يستقي منه سكان المدينة المقدسة. و يمر الطريق المؤدي اليها اليوم بخرائب مسجد قديم، ثم بسرداب منعزل. و تؤدي ستون درجة هنا الى حوض صغير يتجمع فيه ماء صاف ينبثق من الصخر.

و في 1867 زار الكابتن وارن مع جمع من الحجاج هذه البركة المشهورة التي تقول عنها الاسطورة انها المكان الذي كانت السيدة مريم تغسل فيه أقمطة ابنها الرضيع. و قد لاحظ وارن في هذه الزيارة وجود مغارة مظلمة في السقف برغم العتمة الشديدة في الداخل، على بعد عدة ياردات من اعلى البقعة التي كان يتفجر فيها الماء من الصخر. و الظاهر ان هذه المغارة لم يلاحظ وجودها أحد من قبل لأن وارن حينما سأل عنها لم يستطع الحصول على أية معلومات بشأنها.

القدس-الجزء الثاني (4)

50

فعاد في اليوم التالي الى بركة العذراء و هو متشوق الى استطلاء الأمر من جديد، آخذا معه قطعة من الحبل الطويل و سلما مناسبا، من دون ان يعلم ان مهمة خطرة يكتنفها شي‏ء من المغامرات كانت في انتظاره.

و كانت تمتد من منبع القناة الى ما فوق في اتجاه الصخر بخط مستقيم قناة غير متسعة. و كان وارن يجيد التسلق في الجبال، و على علم بكيفية المروق من مثل هذه الممرات الضيقة. فتمكن بعناية فائقة من الصعود الى أعلى بطريق القناة هذه، و بعد ما يقرب من أربعين قدما انتهت القناة فجأة. و حينما تحسس وارن طريقه في الظلام هناك وجد ممرا ضيقا في النهاية، فدخل فيه و هو يزحف على الأربع و وجد ان عددا من الدرجات كان قد نحت في الصخر. و بعد برهة من الزمن لاحظ أمامه من بعيد و ميضا من نور، و وصل الى حجرة مقببة لا تحتوي الا على جرار و قنان زجاجية يعلوها الغبار. و حينما حشر نفسه في شق موجود في الصخر هناك وجد أنه قد خرج الى نور النهار الساطع في وسط المدينة، و بركة العذراء على بعد غير يسير من تحته.

و قد دلت الاستقصاءات الموثوقة التي قام بها باركر بعد ذلك في 1910، موفدا من المملكة المتحدة باشراف صندوق ارتياد فلسطين، على أن هذه الترتيبات المدهشة تعود في قدمها الى الألف الثانية قبل الميلاد. فقد بذل سكان القدس القديمة جهودا مضنية يومذاك في شق ممر من الصخر ليستطيعوا الوصول منه بأمان في وقت الضيق الى عيون الماء التي كانت تتوقف عليها حياتهم.

و بذلك اكتشف وارن بدافع حب الاستطلاع الطريق الذي كان داود قد استخدمه قبل 3000 سنة في الاستيلاء على حصن القدس بصورة مفاجئة.

فان كشافة داود الاستطلاعية لا بد من أنها كانت على علم بهذا الممر السري كما يمكن ان يلاحظ من بعض نصوص التوراة التي كانت غامضة من قبل..

و هكذا استقر داود في القدس و اتخذها عاصمة له بعد حبرون، ثم أسماها (مدينة داود) على ما تقول معظم المراجع و نصوص التوراة. و من‏

51

طريف ما يذكره كيلر (الص 191) عن داود، استنادا الى المكتشفات التي اكتشفها الفرنسيون في قصر مملكة ماري، ان داود لم يكن يسمى بهذا الاسم، و أن هذا الاسم هو لقب من الألقاب العسكرية التي كانت تعني «القائد» ، و قد غلب عليه في التسمية و اختصر من «دافيدم» الى «دافيد» (1) . و استعان داود في تشييد قصره الذي أنشأه في أورشليم على هضبة صهيون، و سماه «بيت داود» ، بحيرام ملك صور الفينيقي الذي بعث اليه بمهندسين مختصين و نجارين و نحاتين ماهرين، مع شي‏ء غير يسير من أخشاب أرز لبنان. اما العبرانيون فقد اقتبسوا حضارة اليبوسيين حينما أخذوا يستقرون في أورشليم، فغادروا الخيام و سكنوا البيوت كما كان يفعل الكنعانيون، و خلعوا عنهم الجلود التي كانوا يكتسون بها فلبسوا الثياب المنسوجة من الصوف التي تشبه ثياب الكنعانيين أيضا.

سليمان الحكيم‏

يبدأ كيلر (الص 194) ، عند البحث عن سليمان الذي أعقب والده داود في تولي الحكم في القدس، بايراد عدة آيات من سفر الملوك في التوراة.

و كلها تدل على الأبّهة التي كان يعيش فيها سليمان و على مقدار الثروة و الغنى عنده، و يفهم منها أنه كان له أربعون ألف مربط من مرابط الخيل التي كان يستعملها لعرباته، و اثنا عشر ألف خيال و سائس. و أنه أنشأ اسطولا من السفن في عصيون جابر الكائنة بجانب إيلات، و أن جميع أوانيه كانت من الذهب لأن أسطوله كان يجلب اليه من الخارج الذهب و الفضة و العاج و القرود و الطواويس. و ان البيت الذي بناه للّه (الهيكل) كان كله مغلفا بالذهب، و ان خيوله كان يأتي بها من مصر، و أن وزن الذهب الذي جي‏ء به اليه في سنة من السنين بلغ «ست مئة ستين» و ستة قناطير. و بعد ان يذكر كيلر ان هذه المبالغات تكاد لا تصدق يعود فيقول انه من المؤكد ان بعض القصص الموجودة

____________

(1) Davidum David

52

في التوراة يعتبرها العلماء من الأساطير مثل قصة بلعام المشعوذ و حماره الناطق، و قصة شمشون الذي كان شعره الطويل يمنحه مزيدا من القوة، و مع هذا فان هذه القصص الأسطورية هي في الحقيقة ليست خرافات مطلقا (كذا) .

و لا ريب ان تعصب كيلر هو الذي يحدو به الى تدوين مثل هذا الرأي، و الى محاولة اثباته بالبراهين التنقيبية الملموسة.

و هنا يشير الى التنقيبات التي أجرتها البعثة الآثارية الامريكية برآسة نلسون كلوك سنة 1937 في تل الخليفة في الأردن، و اكتشاف ميناء عصيون جابر فيه بالقرب من العقبة. و قد اكتشف هنا أيضا منجم كبير للنحاس الذي استخدم سليمان قسما منه في بناء الهيكل و زخرفته في القدس، و صار يصدر مقادير كبيرة منه الى الخارج في مقابل الذهب و الأشياء الثمينة الأخرى التي كانت ترد اليه. فقد كانت عدة أشياء في هيكل سليمان هذا مصنوعة من النحاس، مثل المذبح و الحوض الكبير الذي كان يسمى «البحر» و قواعد الأركان العشرة و الأواني و الأحواض الصغيرة و ما أشبه، علاوة على عمودي النحاس العظيمين «ياكين» و «بواز» في رواق الهيكل. ثم يقول كيلر ان سليمان، الذي يسميه كلوك «ملك النحاس العظيم» ، لا بد من أنه كان من أعظم مصدري النحاس في العالم القديم. و يضيف بعد ذلك قوله ان سليمان نازع الفلسطينيين في الجنوب على حقهم في احتكار الحديد أيضا و حصل منهم على الطريقة السرية في استخراجه. و هكذا تصح نصوص التوراة عن النحاس و الحديد الواردة في سفر التثنية على حد قوله.

يضاف الى هذا ان سليمان كان عاهلا تقدميا على ما يظهر. فقد كان مقتنعا بالاستفادة من الأدمغة و الخبرة الأجنبية، و هذا هو السر الذي جعل النظام الفلاحي البسيط الذي كان يتميز به اليهود في عهد أبيه داود ينقلب في قفزات سريعة الى نظام اقتصادي من الصنف الأول على ما يزعم. و هنا أيضا ينطوي السر في ثروته التي يؤكد عليها التوراة. حيث انه استقدم خبراء صهر المعادن و تنقيتها من فينيقية، و عهد الى حورام أبهى الصانع الماهر من (صور)

53

بصب زخرفات الهيكل في القدس و تنسيقها. و استقدم كذلك خبراء في الملاحة و السفن، و في شؤون الأرصفة و الموانى‏ء، من البلاد الفينيقية. و قد وردت جميع هذه الأخبار و تفصيلاتها في النصوص الفينيقية المكتشفة كذلك. فهي تنص على ان حيرام ملك صور عرض على «أمير اليهود» مواد إنشائية لقصره الجديد اذا ما تنازل له عن ميناء في البحر الأثيوبي (الأحمر) ، فقدم له الأمير ذاك بلدة إيلات و ميناءها. و مع وجود الكثير من النخيل حول المكان لم يكن هناك خشب مناسب للأغراض البنائية، و لذلك اضطر حيرام ان ينقل الخشب على ثمانية آلاف جمل. و قد بني اسطول عدته عشر سفن من هذا الخشب.

و هنا يكتفي بهذا المقدار مما يذكره كيلر عن سليمان، الذي كان عصره من أبهى عصور القدس و أزهاها، و ننتقل الى ما كتبه الكاتب الفرنسي المعروف جان لوي برنار عن سليمان مؤخرا. فقد أورد (1) رأيا يكاد يكون غريبا يشكك في كون سليمان يهوديا من بني اسرائيل و يقول انه رجل أجنبي عنهم.

فهو يقول في بحث طويل: ماذا يعني الاله لدى الاسرائيليين؟أن المتباكين لدى حائط المبكى في القدس سيضحكون من أنفسهم ذاتها حين يعلمون ان سليمان مشيد الهيكل لم يكن يهوديا، و انما كان آشوريا. كان «نائب ملك» معين من الخارج لايجاد التوازن في «برج بابل» ، ذلك البرج الذي يضم شعوبا مختلفة الأصول تقطن في فلسطين.. و سليمان هو شلما نصر الذي «عبرنه» الاسرائيليون فحولوا اسمه الى سليمان..

.. و بصورة عامة لعبت فلسطين دور نائب الملك التابع، و مهما أوغلنا في تاريخها القديم لا نجدها أبدا قد عاشت مستقلة، و حتى في أيام داود، الذي

____________

(1) أسطورة الشعب المختار، ترجمة الدكتور أكرم فاضل، نشر وزارة الثقافة و الاعلام 1969 (بغداد) .

54

تولى الحكم في القدس، كانت تدور في الفلك المصري العملاق. و كل فرعون كان يعين نائبا له يختاره قطعا من العنصر المحلي. و الرومان قد حذوا حذو الفراعنة، فان هيرود مثلا كان من عنصر آخر، كان أيدوميا على حد تعبير العهد الجديد. و هذا العنصر قد قاسى ما قاسى من كره اليهود له.

. و كان فرعون يعين في محميته «نائب الملك» ممن ليسوا من أهل المنطقة، ثم يزوجه امرأة من الطبقة الأرستقراطية المصرية. و امتد هذا الاجراء حتى شمل الهاربين و الخونة و المرتدين السياسيين و كذلك الرهائن، و كانوا ينشئونهم على الطريقة المصرية و يزوجونهم بالطريقة نفسها. و بهذا الخصوص أقول ان أفضل مثل يضرب دون نزاع هو مثل سليمان.. ففي عهده دخلت سطوة مصر العسكرية في دور الاضمحلال، كما هي حالة سطوة بابل. اما الكوكب الذي توسط كبد السماء فهو الكوكب الآشوري. فتحولت «نيابات الملك» التابعة من يد الى أخرى، تحولت في فينيقية كما تحولت في فلسطين.

و أرجح كون سليمان ساميّا، كما كانوا ساميين أولئك الآشوريون المنحدرون من جبال زاغروس، و من صياصي القفقاس و معهم شطر من الأكراد.. كل هؤلاء هبطوا الى ما بين النهرين ليخضعوها بعد أن دب في أوصالها الانحلال.. و قد تمثلوا لغتها و ثقافتها. و الثقافات المسماة ساميّة نابعة من الجزيرة العربية القديمة الممعنة في الحضارة.. و سليمان من معدنهم، فهو نصف عربي (و هذه حصته البابلية) ، و هو نصف كردي. و هذا يفسر لنا الصداقة التي تربط سليمان بالملوك الفينيقيين الذين ساعدوه في بناء هيكله الذائع الصيت في القدس. و يفسر لنا كذلك الحب الذي ستكرسه ملكة سبأ العربية للحكيم سليمان. و لو كان يهوديا لاستحالت هذه الصداقة و لاستحال هذا الحب الى كراهية و بغضاء، لأن اليهود و هم أمشاج مختلطة كانوا منبوذين في العالم العربي. و لكن هذا السامي الكردي مرتبط روحيا بمصر اذا لم يكن هذا الارتباط سياسيا، و قد تزوج بامرأة مصرية من طبقة روحية عليا تدين بديانة الآلهة هاتور و تتكتم في ديانتها هذه، و هاتور آلهة سماوية ذات وجه أسود.

55

و ان آية الشاعر الملك الرائعة هي «نشيد الأنشاد» الذي هو عبارة عن غزل ديني كان سائدا آنذاك، و هو مصري قلبا و قالبا، «انني سوداء و لكنني حسناء» .

.. و هذه الفكرة غريبة للغاية على التصوف اليهودي الذي لا يعطي المرأة أية قيمة روحية، بل الأمر بالعكس، و ان «نشيد الانشاد» هو نبع خالص من الأدب الصوفي المصري.. و هناك مفسرون سطحيون رأوا في هذه المعشوقة السوداء جارية من جواري الحريم من الجنس الأسود، فيا لها من نظرة سخيفة.. فالحقيقة ان القضية هي قضية انشودة غرامية مهداة الى عذراء سماوية ذات قناع أسود. و هذه النظرية الغامضة كانت أساس العديد من الجمعيات السرية و هي كلها صوفية، و كانت تشمل الشرق بأسره فهل هذه مصادفة إذا كان سليمان يعتبر الأب الروحي لكهان الشرق؟

لقد كان عالما بأسرار الجانب الخفي من الدين. و ان الماسونية الحرة نفسها تدعي أنها تدين بدين سليمان و بهيكله المشهور في القدس.. و الشك هنا لا محل له من الاعراب، فقد كان سليمان شخصية عظيمة لا سيما على الصعيد الروحي، فهل لهذه الغاية اغتاله اليهود؟هذا ما يجعلنا نفهمه من الكتاب المقدس.. فانه ببنائه الهيكل، و بفتحه أبواب القدس للروحانيات الأجنبية قد أوجد دواء لنرجسيتهم (عبادة الذات) .. و لكنهم فضلوا أسطورة الشعب المختار.

و اذا كان هذا الملك السامي الكردي قد استطاع ممارسة الدين الذي تكتنفه الخفايا و الأسرار-و هو من أعلم أهل زمانه-فانه كان مدنيا بهذا العلم لكاهنة مصرية من كهنة الآلهة هاتور، و هذه الكاهنة تزوجها بدافع الطموح السياسي.. و توج كل هذا بمعاهدة مصرية-آشورية. ففلسطين التي كانت حتى ذلك العهد محمية مصرية أصبحت في الواقع آشورية. و قد وافق فرعون على تعيين نائب للملك الآشوري شريطة ان يرتبط بمصر عن طريق امرأة مصرية، و نصيبه كنصيب أسلافه.. و عن طريق المرأة نقلت مصر بحيازتها

56

على التقاليد الانسانية القديمة امتيازاتها الروحية، فعهدت بها الى أجانب من النخبة الممتازة. و قضية سليمان نطرحها كمثال.. و لأجل ان نحسن فهم ماهية هذه المنقولات علينا ان نناظر بين الملك سليمان المعبرن بصورة اعتباطية و بين شخصية أخرى هي شخصية الحبر الأعظم (يويا) المعبرن هو أيضا بصورة كاذبة، فسموه يوسف الذي باعه أخوته..

ملكة سبأ في القدس‏

يفرد المستر كيلر فصلا خاصا (الفصل 21) لزيارة ملكة سبأ سليمان الحكيم في أورشليم، يتحدث فيه عن «العربية السعيدة» و مدنّيتها و كونها كانت منبعا للكثير من السلع الثمينة النادرة التي كانت تأتي بها القوافل بانتظام الى الشمال، حتى صار سكان الكثير من البلاد في تلك الأعصر الخوالي يتخيلون سحرها و يتناقلون قصصا خيالية عن قبورها الملأى بالذهب، و عمّا كان فيها من توابل و عطور.

و بعد ان يصف أشياء كثيرة من هذا القبيل يخرج كيلر من كل ذلك الى ان منتهى «طريق التوابل و العطور» كانت اسرائيل، و كان وكلاء سليمان الرسميون «تجار الملك» في القدس و غيرها يتسلمون السلع الثمينة و يتاجرون بها. و لذلك كانت حياة ملكة سبأ تتوقف على هذه التجارة التي صار يملك زمامها يومذاك الملك سليمان نفسه. لأن هذه السلع و القوافل كان لا بد لها من ان تمر باسرائيل قبل أن تذهب الى سورية و مصر و فينيقية.

و لأجل تأمين هذه التجارة المزدهرة، و نظرا للسمعة التي صار يتمتع بها سليمان يومذاك، شدت بلقيس ملكة سبأ الرحال الى أورشليم و في صحبتها هدايا ثمينة اليه. و بهذا يمكن اعتبارها شريكة تجارية له، على ما يفهم مما يذكره كيلر. لكن التوراة تعلل زيارتها لسليمان في القدس بكونها كانت تريد امتحانه ببعض الأمور و تلتمس الحكمة منه (الاصحاح العاشر من سفر الملوك الأول) . فلما اختبرته و وقفت على ما عنده من حكمة قدمت اليه هدايا