نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج20

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
546 /
1

الجزء العشرون‏

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب الثاني من القسم الخامس في أخبار الخلفاء الراشدين‏]

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و به توفيقى‏] [1]

ذكر خلافة على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)

هو أبو الحسن علىّ بن أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، أسلمت، و هاجرت، و هى أوّل هاشميّة ولدت (هاشميّا، و هو أوّل خليفة أبواه) [2] هاشميّان، ثم ابنه الحسن، ثم محمد الأمين، (رضى اللّه عنهم) [3].

ذكر صفته (رضى اللّه تعالى عنه)

قال ابن الأثير الجزرىّ فى تاريخه [4]: كان- (رضى اللّه عنه)- شديد الأدمة، قصير القامة [5]، كبير البطن، أصلع الرأس، عريض اللحية.

____________

[1] ذكر هذا الافتتاح فى نسخة (ص)، و لم يثبت فى نسختى (ك) و (ن).

[2] سقط هذا من نسخة (ك)، و ثبت فى (ص) و (ن).

[3] جاء فى أسد الغابة ج 5 ص 517 أن فاطمة بنت أسد «هى أول هاشمية ولدت لهاشمى و هى أيضا أول هاشمية ولدت خليفة، ثم بعدها فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ولدت الحسن، ثم زبيدة امرأة الرشيد ولدت الأمين، لا نعلم غيرهن، ثم إن هؤلاء الثلاثة لم تصف لهم الخلافة».

[4] الكامل ج 3 ص 199.

[5] الذى قاله ابن الأثير فى تاريخه: «هو إلى القصر أقرب» و هذا هو المناسب لما يأتى.

2

و قال أبو عمر ابن عبد البر [1] (رحمه الله): أحسن ما رأيت فى صفته (رضى اللّه عنه)- أنه كان ربعة [2] من الرجال، إلى القصر ما هو، أدعج [3] العينين، حسن الوجه، كأنّه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن عريض المنكبين، شثن الكفّين [4]، أغيد [5]، كأنّ عنقه إبريق فضّة، أصلع ليس فى رأسه شعر إلّا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبيه مشاش [6] كمشاش السبع الضارى، لا يبين [7] عضده من ساعده، قد ادّمجت ادّماجا [8] إذا مشى تكفّأ [9]، و إن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفّس، و هو إلى السّمن ما هو، شديد الساعد و اليد، إذا مشى إلى الحرب هرول [10]، ثبت الجنان [11] قوىّ شجاع، منصور على من لاقاه، (رضى اللّه عنه).

____________

[1] فى كتابه «الاستيعاب فى أسماء الأصحاب» ج 3 ص 57، ثم انظر (وقعة صفين) ص 262.

[2] ليس بالطويل البائن و لا بالقصير البائن، و قد جاء ذلك فى وصف النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، كما تقدم ج 18 ص 237، إلا أن النبى كان أقرب إلى الطول، و عليا كان أقرب إلى القصر.

[3] شديد سواد العينين مع سعتهما.

[4] أى أنهما تميلان إلى الغلظ.

[5] مائل العنق لين الأعطاف.

[6] المشاش: رءوس العظام.

[7] فى الاستيعاب: «لا يتبين»، و هما بمعنى واحد.

[8] أورد صاحب الرياض النضرة ج 2 ص 156 صفة على (رضى اللّه عنه) مشتملة على مثل ما هنا، ثم قال فى شرح هذا الموضع منها: «يريد أن عظمى عضده و ساعده الينهما قد اندمجا.

و هكذا هو فى صفة الأسد، و الضارى: المتعود للصيد» 10 ه فيكون «ادّمجت» بتشديد الدال بمعنى «اندمجت»، و يجوز أن يكون «أدمجت» بضم الهمزة و سكون الدال و كسر الميم، لقول اللغويين: رجل مدمج بسكون الدال أى كالحبل المحكم الفتل.

[9] أسرع فى المشى كأنه يميل إلى قدام من سرعة مشيه.

[10] أسرع فى المشى دون أن يعدو.

[11] ثابت القلب.

3

ذكر نبذة من فضائله (رضى اللّه تعالى عنه)

هو- (رضى اللّه عنه)- أوّل من أسلم، عند بعضهم، على ما فى ذلك من الاختلاف فيه و فى أبى بكر، (رضى اللّه عنهما)، و أيّهما سبق إلى الإسلام ...

و قد ذكرنا ذلك كله فى ابتداء السيرة النبويّة، فى السّفر الرابع عشر من هذه النسخة [1]، فلا فائدة فى إعادته، فلنذكر من فضائله خلاف ذلك:

أجمعوا [2] على أنه- (رضى اللّه عنه)- صلّى إلى القبلتين، و هاجر و شهد جميع المشاهد مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إلّا غزوة تبوك [3]،

فإنّ رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام) خلّفه بالمدينة على عياله، و قال له:

أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبىّ بعدى‏

. رواه جماعة من الصحابة [4].

و روى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لمّا آخى بين المهاجرين، [ثم آخى بين المهاجرين و الأنصار [5]]، قال فى كل واحد منهما لعلىّ: «أنت أخى فى الدنيا و الآخرة»، و آخى بينه و بين نفسه.

و لذلك قال علىّ لأصحاب الشّورى [6]: أنشدكم [7] اللّه، هل‏

____________

[1] أنظر ص 180 من السفر السادس عشر من هذه النسخة المطبوعة.

[2] الاستيعاب ج 3 ص 33.

[3] تبوك: موضع بين وادى القرى و الشام، و قد سبق «ذكر غزوة تبوك» فى الجزء السابع عشر ص 352.

[4] أنظر صحيح مسلم ج 15 ص 175 و الرياض النضرة ج 2 ص 162 و غيرهما.

[5] سقطت هذه الجملة من (ك)، و ثبتت فى (ص)، (ن) كما فى الاستيعاب ج 3 ص 35 و قد سبق فى نهاية الأرب ج 16 ص 347 قوله: «لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، و آخى بين المهاجرين و الأنصار».

[6] روى ابن عبد البر بسنده عن أبى الطفيل قوله: لما احتضر عمر جعلها شورى بين على و عثمان و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد، فقال لهم على: أنشدكم اللّه .. الخ‏

[7] أنشدكم: أسألكم و أستحلفكم.

4

فيكم أحد آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بينه و بينه- إذ آخى بين المسلمين- غيرى؟ قالوا: اللهمّ لا و ربّنا. و كان يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه، لا يقولها أحد غيرى إلّا كذّاب.

و روى بريدة و أبو هريرة و جابر و البراء بن عازب و زيد بن أرقم، كلّ منهم، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال يوم غدير خمّ [1]:

«من كنت مولاه فعلىّ مولاه» و فى رواية بعضهم «اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه»

.

و قد ذكرنا [2] فى غزوة خيبر أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله ليس بفرّار، يفتح اللّه على يديه»

و أنّه أعطى الراية لعلىّ، ففتح اللّه على يديه.

و بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى اليمن، و هو شابّ، ليقضى بينهم، فقال: يا رسول اللّه إنّى لا أدرى ما القضاء؟ فضرب‏

____________

[1] «خم» اسم رجل صباغ، أضيف إليه الغدير الذى بالجحفة بين مكة و المدينة.

و قد جاء فى الرياض النضرة ج 2 ص 169 قول البراء بن عازب: كنا عند النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى سفر، فنزلنا بغدير خم، فنودى فينا: «الصلاة جامعة» و كسح لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تحت شجرة، فصلى الظهر، و أخذ بيد على و قال: أ لستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى، فأخذ بيد على و قال: اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه‏

، و جاءت فى صحيح مسلم ج 15 ص 179 رواية أخرى عن زيد ابن أرقم قال: قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوما فينا خطيبا بماء يدعى «خما» بين مكة و المدينة، فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكر، ثم قال فى آخر الحديث: أذكركم اللّه فى أهل بيتى، أذكركم اللّه فى أهل بيتى، أ: كركم اللّه فى أهل بيتى‏

. و انظر البداية و النهاية ج 17 ص 346.

[2] ج 17 ص 252- 253، و انظر فى صحيح البخارى الحديثين 3465، 3466 و انظر صحيح مسلم بشرح النووى ج 15 ص 176.

5

رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام) صدره بيده و قال: «اللهمّ اهد قلبه و سدّد لسانه [1]»

قال علىّ فو اللّه ما شككت بعدها فى قضاء بين اثنين.

و لما نزل قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [2]

دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاطمة و عليّا و حسنا و حسينا فى بيت أمّ سلمة و قال:

اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس [3] و طهّرهم تطهيرا [4]

. قال أبو عمر:

و روت طائفة من الصحابة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعلىّ:

لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق.

و قال له رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام):

«يهلك [5] فيك رجلان: محبّ مطر [6] و كذّاب مفتر [7]»

.

و قال له: «تفترق فيك أمّتى كما افترقت بنو إسرائيل فى عيسى‏

.

____________

[1] سدد لسانه: قومه و وفقه السداد، أى للصواب.

[2] الآية 33 من سورة الأحزاب.

[3] الرجس: الإثم، أو كل مستقذر من عمل، كما ذكره النووى.

[4] هذا الحديث ذكره الترمذى فى صحيحه برواية أخرى فانظره بشرج النووى ج 15 ص 194، و هناك ج 15 ص 175 رواية تتعلق بآية أخرى.

[5] كذا جاء فى (ن) و (ص) و الاستيعاب ج 3 ص 37، و فى (ك): «هلك».

[6] «مطر» من الإطراء، و هو مجاوزة الحد فى المدح و الكذب فيه.

[7] «مفتر» من الافتراء، و هو اختلاق الكذب .. و قد روى أحمد عن على (رضى اللّه عنه) قوله «يهلك فى رجلان: محب مفرط بما ليسا فى، و مبغض يحمله شنآنى على أن بهتنى».

و فى شرح ابن أبى الحديد لنهج البلاغة ج 1 ص 372 رواية لقول على «يهلك فى رجلان: محب غال و مبغض قال». و جاء فى نهج البلاغة ج 3 ص 306 قول على «و سيهلك فى صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق. و مبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق.

6

و روى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أنا مدينة العلم، و علىّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه»

. و قال فى أصحابه: «أقضاهم علىّ».

و قال عمر (رضى اللّه عنه): «علىّ أقضانا».

و كان عمر يتعوّذ باللّه من معضلة ليس لها أبو حسن [1]! و قال علىّ فى التى وضعت لستّة أشهر [2]، فأراد عمر [3] رجمها:

إن اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [4] [و يقول‏ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ [5]] [6].

و كان- (رضى اللّه عنه)- أعلم الناس بالفرائض [7]، و له فى ذلك أخبار.

منها ما رواه أبو عمر ابن عبد البر [8] بسنده عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، و مع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلّم،

____________

[1] فى النهاية و لسان العرب: (معضلة) أراد المسألة الصعبة أو الخطة الضيقة المخارج من الإعضال أو التعضيل، و يريد بأبى حسن على بن أبى طالب.

[2] ذكر الطبرى و ابن كثير فى تفسيريهما أن امرأة من جهينة تزوجت رجلا من قبيلتها ثم ولدت لستة أشهر بعد دخولها عليه.

[3] تبع المؤلف أبا عمر ابن عبد البر فى كتابه الاستيعاب ج 3 ص 39 و لكن الذى رواه الطبرى و ابن كثير فى تفسيريهما عن الجهنى أن الذى أراد الرجم هو عثمان (رضى اللّه عنه).

[4] الآية 15 من سورة الأحقاف.

[5] الآية 14 من سورة لقمان.

[6] زيادة- عن ابن جرير و ابن كثير فى تفسيرهما- يتم بها الاستدلال، و جاء فى رواية أخرى قوله تعالى «حولين كاملين».

[7] الفرائض: علم قسمة المواريث. و هى مأخوذة فى اللغة من الفرض، بمعنى التقدير، لأن المواريث مقدرة.

[8] فى الاستيعاب ج 3 ص 41- 42.

7

فقالا له: [اجلس‏] [1] للغداء. فجلس و أكل معهما، و استوفوا فى أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل و طرح إليهما ثمانية دراهم، و قال خذا هذه عوضا ممّا أكلت لكما و نلته من طعامكما. [فتنازعا،] [2] و قال صاحب الخمسة الأرغفة: لى خمسة دراهم و لك ثلاثة. فقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين.

فارتفعا إلى أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، فقصّا عليه قصّتهما، فقال لصاحب الثلاثة [الأرغفة] [3]: قد عرض عليك صاحبك ما عرض و خبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة. فقال: لا و اللّه لا رضيت منه إلّا بمرّ الحق. فقال علىّ: ليس لك فى مر الحق إلا درهم واحد و له سبعة. فقال الرجل: «سبحان اللّه يا أمير المؤمنين! هو يعرض علىّ ثلاثة فلم أرض و أشرت علىّ بأخذها فلم أرض، و تقول لى الآن: إنه لا يجب لك إلّا درهم واحد!» فقال له [علىّ‏] [4]:

«عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، و لا يجب لك فى مر الحق إلا واحد.» فقال له الرجل:

فعرّفنى [5] الوجه فى مر الحق حتّى أقبله. فقال: «أ ليس للثمانية الأرغفة أربعة و عشرون ثلثا؟ أكلتموها و أنتم ثلاثة أنفس، و لا نعلم الأكثر منكم أكلا و لا الأقلّ، فتحملون [فى‏] [6] أكلكم على السواء.» قال: بلى. قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، [و إنما لك تسعة أثلاث، و أكل صاحبك ثمانية أثلاث‏]، [7] و له خمسة

____________

[1] زيادة من الاستيعاب.

[2] زيادة من الاستيعاب.

[3] زيادة من الاستيعاب.

[4] زيادة من الاستيعاب.

[5] كذا جاء الاستيعاب. و فى النسخة (ك): «تعرفنى». و فى النسخة (ن) تعرفنى» غير منقوطة الحرف الأول.

[6] زيادة من الاستيعاب.

[7] زيادة من الاستيعاب.

8

عشر ثلثا، أكل منها ثمانية و تبقى [له‏] [1] سبعة، و أكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، و له سبعة [بسبعته‏] [2]. فقال له الرجل: رضيت الآن!.

و أتته امرأة و هو على المنبر فقالت: ترك أخى ستّمائة دينار و أعطيت دينارا! (و تظلمت من ذلك) فقال: لعل أخاك ترك زوجة و أمّا و بنتين و اثنى عشر أخا و أنت. قالت: نعم. فقال: قد استوفيت حقّك [3]. و هذه المسألة مشهورة مسطورة فى كتب الفقه، و تسمى «الدّيناريّه» و «المنبرية» [4] و هو- (رضى اللّه عنه)- ممّن جمع القرآن على عهد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، هو و عثمان بن عفان و عبد اللّه بن مسعود و سالم مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة [5].

و عن [5] محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر الصدّيق رضى‏

____________

[1] زيادة من الاستيعاب.

[2] زيادة من الاستيعاب.

[3] للزوجة خمسة و سبعون دينارا (الثمن) و للأم مائة دينار (السدس) و للبنتين أربعمائة دينار (الثلثان).

فلم يبق إلا خمسة و عشرون دينارا، لإخوتها أربعة و عشرون- كل منهم ديناران- و لها دينار واحد.

[4] تطلق «المنبرية» فى كتب الفقه و الميراث على مسألة أخرى للإمام على أيضا و قد كان يخطب على منبر الكوفة، قال ابن أبى الحديد فى شرح نهج البلاغة ج 1 ص 6: «و هو الذى قال فى المنبرية صار ثمنها تسعا، و هذه المسألة لو أفكر الفرضى فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك بمن قاله بديهة و اقتضبه ارتجالا؟!».

[5] كان سالم بن معقل من الفرس، و أعتقته مولاته زوجة أبى حذيفة، فتولى أبا حذيفة، و تبناه أبو حذيفة إلى أن جاء حكم التبنى.» و قد صار سالم من خيار الصحابة و قرائهم المعروفين.

[6] روى صاحب الاستيعاب ج 2 ص 2534 هذا الخبر بسنده. و ذكره ابن أبى الحديد فى شرح نهج البلاغة ج 2 ص 16 و السيوطى فى الإتقان ج 1 ص 59 و صاحب الرياض النضرة ج 1 ص 168.

9

اللّه عنه أبطأ [علىّ‏] [1] عن بيعته و جلس فى بيته، فبعث [2] إليه أبو بكر: ما بطّأ بك عنّى؟ أكرهت إمارتى؟ فقال؛: ما كرهت إمارتك، و لكنّى آليت أن لا أرتدى ردائى- إلّا إلى صلاة- حتى أجمع القرآن!: قال ابن سيرين: فبلغنى أنه كتبه على تنزيله، و لو وجد ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.

و فى علىّ- (رضى اللّه عنه)- يقول إسماعيل بن محمد الحميرىّ من أبيات:

سائل قريشا بها إن كنت ذاعمه [3]: * * * من كان أثبتها فى الدّين أوتادا؟

من كان أقدمها سلما [4] و أكثرها * * * علما و أطهرها أهلا و أولادا؟

من وحّد اللّه إذ كانت مكذّبة * * * تدعو مع اللّه أوثانا و أندادا؟

من كان يقدم فى الهيجاء إن نكلوا [5] * * * عنها و إن بخلوا فى أزمة جادا؟

____________

[1] سقط هذا من (ص). و ثبت فى (ك) و (ن) كما فى الاستيعاب.

[2] جاء قيل هذا عند ابن أبى الحديد قوله: «فقيل لأبى بكر: إنه كره إمارتك»

[3] العمه: التردد و التحير.

[4] كذا جاء فى المخطوطة و «السلم» قد جاء فى الشعر بمعنى الإسلام، كقول امرئ القيس بن عابس:

فلست مبدلا باللّه ربا * * * و لا مستبدلا بالسلم دينا

و جاء بيت إسماعيل الحميرى فى الاستيعاب ج 3 ص 67 و أسد الغابة ج 4 ص 40 بلفظ «من كان أقدم إسلاما و أكثرها ...».

[5] الهيجاء: الحرب. و نكلوا: تأخروا و جبنوا.

10

من كان أعدلها حكما و أبسطها * * * علما و أصدقها وعدا و إيعادا؟

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن‏ * * * إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا!

إن أنت لم تلق أقواما ذوى صلف [1] * * * ذوى [2] عناد لحقّ اللّه جحّادا!

و فضائله- (رضى اللّه عنه)- و مآثره كثيرة، و فيما أوردناه منها و ما نورده بعد- إن شاء اللّه- كفاية عن بسط ... فلنذكر بيعته (رضى اللّه عنه).

ذكر بيعة على (رضى اللّه تعالى عنه)

بويع له- (رضى اللّه عنه)- [بالخلافة [3]] يوم قتل عثمان [4] و قيل:

بل بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من ذى الحجّة سنة خمس و ثلاثين و قد اختلف فى كيفية بيعته:

فقيل: إنه لما قتل عثمان- (رضى اللّه عنه)- اجتمع أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، من المهاجرين و الأنصار، فأتوا عليّا،

____________

[1] الصلف: ادعاء ما لا يوجد إعجابا و تكبرا، و التكلم بالمكروه.

[2] فى (ك): «و ذوى». و فى (ن) و (ص): «و ذى»، و فى الاستيعاب و أسد الغابة: «و ذا».

[3] زيادة من الاستيعاب ج 3 ص 55 حيث نقل المؤلف منه هنا.

[4] قتل عثمان (رضى اللّه عنه) يوم الجمعة لثمانى عشرة خلت من ذى الحجة سنة خمس و ثلاثين.

11

و قالوا [له‏] [1]: إنه لا بدّ للناس من إمام، فقال: لا حاجة لى فى أمركم، من اخترتم رضيته. قالوا: لا نختار غيرك. فقال:

لا تفعلوا، فإنى أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا. فقالوا: و اللّه ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففى المسجد، فإنّ بيعتى لا تكون خفيا [2]، و لا تكون إلّا [عن رضا المسلمين.] [3]

و كان فى بيته، و قيل: فى حائط [4] لبنى عمرو بن مبذول، [5] فخرج إلى المسجد يتوكّأ على قوس، فبايعه الناس.

و كان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد اللّه، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب، فقال: «إنّا للّه [6]! أوّل من بدأ البيعة [7] يد شلّاء! [8] لا يتمّ هذا الأمر». و بايعه الزّبير، فقال لهما: إن أحببتما أن تبايعانى و إن أحببتما بايعتكما. فقالا: بل نبايعك. و قالا بعد ذلك: إنّما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا، و عرفنا أنّه لا يبايعنا.

____________

[1] كذا جاء فى الكامل لابن الأثير ج 3 ص 98 حيث نقل المؤلف منه هنا. و فى المخطوطة و أتوه و قالوا:».

[2] كذا جاء فى المخطوطة، و جاء فى الكامل: «خفيه».

[3] هكذا جاءت الرواية فى تاريخ ابن جرير الطبرى ج 3 ص 450 و هى الأصل، و نقلها ابن أبى الحديد فى شرح نهج البلاغة ج 3 ص 4. و جاء فى المخطوطة و الكامل «فى المسجد» و قد سبق كر «المسجد» فى هذا الكلام.

[4] الحائط- هاهنا-: البستان من النخيل و نحوه إذا كان عليه جدار.

[5] فرع من الخزرج، و قد كان أكثر الأنصار- من الأوس و الخزرج- يؤيدون عليا.

[6] هكذا جاء فى المخطوطة تبعا لابن الأثير فى الكامل ج 3 ص 98 و جاء فى رواية أخرى لابن الأثير- بعد ذلك * * * ص 99: إنا للّه و إنا إليه راجعون».

[7] هكذا جاء المخطوطة تبعا لابن الأثير فى الرواية الأولى. و فى الرواية الأخرى:

«أول يد بايعت».

[8] كان طلحة قد أبلى فى يوم أحد بلاء حسنا، و وقى النبى بنفسه، فالتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصابعه. و سيبين المؤلف ذلك فى ذكر مقتل طلحة».

12

و بايعه الناس، و جاءوا، بسعد بن أبى وقّاص [1]، فقال له علىّ: بايع. فقال: «لا، حتّى يبايع الناس، و اللّه ما عليك منّى باس» قال: خلوا سبيله.

و جاءوا بابن عمر [2]، فقال مثل قوله [3]، فقال: ائتنى بكفيل [4]، فقال: لا أرى كفيلا. قال الأشتر: دعنى أضرب عنقه! قال [علىّ‏] [5]: «دعوه، أنا كفيله،- إنّك- ما علمت- سيّئ الخلق صغيرا و كبيرا!».

و بايعه الأنصار إلا نفرا يسيرا، منهم حسّان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلّد، و أبو سعيد الخدرى [6] و محمد بن مسلمة، و النّعمان بن بشير، و زيد بن ثابت و رافع بن خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة، كانوا [7] عثمانيّة.

و لم يبايع أيضا عبد اللّه بن سلام، و صهيب بن سنان، و سلمة [8]

____________

[1] سعد هو أحد الستة الذين جعل فيهم عمر الشورى، كطلحة و الزبير، و لما قتل عثمان اعتزل الفتنة و لزم بيته ..

[2] كان عبد اللّه بن عمر من أهل الورع، و لورعه أشكلت عليه حروب على و قعد عنه، انظر الاستيعاب ج 2 ص 343.

[3] أى قال: «لا حتى يبايع الناس».

[4] أى: ضامن ألا تبرح، و فى تاريخ ابن جرير الطبرى ج 3 ص 451 «ايتنى بحميل»، و «الحميل» بمعنى الكفيل، و فى شرح ابن أبى الحديد لنهج البلاغة ج 1 ص 340 «فأعطنى حميلا ألا تبرح».

[5] الزيادة عند ابن جرير و ابن الأثير.

[6] هو سعد بن مالك، نسب إلى جده «الأبجر» الذى يقال له خدرة».

[7] هكذا فى النسختين (ن) و (ص). و فى «ك»: «و كانوا».

[8] فى المخطوطة «مسلمة» و التصويب من الكامل و القاموس و شرحه، و تجد ترجمته فى الاستيعاب ج 2 ص 86 و الإصابة برقم 3381 ج 2 ص 65.

13

ابن سلامة بن وقش، و أسامة بن زيد، و قدامة بن مظعون، و المغيرة ابن شعبة.

و أخذ النّعمان بن بشير قميص عثمان الّذى قتل فيه و أصابع امرأته نائلة [1]، و سار بهم [2] إلى الشام.

و قيل فى بيعته: إنّ عثمان لمّا قتل بقيت المدينة خمسة أيّام و أميرها الغافقى بن حرب، و هم يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، فأتى المصريّون عليّا فباعدهم، و أتى الكوفيّون الزّبير فباعدهم، و اتى البصريّون طلحة فباعدهم؛ و كانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلى الخلافة، فأرسلوا إلى سعد يطلبونه [3] فقال: إنّى و ابن عمر لا حاجة لنا فيها، و أتوا ابن عمر فلم يجبهم، فبقوا حيارى، و قال بعضهم لبعض: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف و فساد الأمّة، فجمعوا أهل المدينة و قالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشّورى، و أنتم تعقدون الإمامة، و حكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه، و نحن لكم تبع، و قد أجلناكم [4] يومكم، فو اللّه لئن لم تفرغوا لنقتلنّ [5] عليّا و طلحة و الزّبير و أناسا كثيرا. فغشى الناس عليا، فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام و ما ابتلينا به من بين القرى! فقال علىّ:

____________

[1] لما جاء المعتدون ليقتلوا عثمان انكبت عليه زوجته نائلة و اتقت، السيف بيدها فقطع أصابعها.

[2] كذا وقع فى المخطوطة. و فى الكامل: «به»؛.

[3] بعثوا إلى سعد بن أبى وقاص و قالوا: إنك من أهل الشورى فأقدم نبايعك.

[4] كذا فى النسختين (ن) و (ص) و الكامل لابن الأثير. و فى (ك): «أجلنا لكم».

[5] فى الكامل: «لنقتلن غدا».

14

«دعونى و التمسوا غيرى، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و له ألوان، لا تقوم به القلوب، و لا تثبت عليه العقول» فقالوا: «ننشدك اللّه!، أ لا ترى ما نحن فيه؟ أ لا ترى الإسلام أ لا ترى الفتنة؟ الا تخاف اللّه؟» قال: «قد أجبتكم، و اعلموا أنّى إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و إن تركتمونى فإنّما أنا كأحدكم [1] إلّا أنّى من أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه» ... ثمّ افترقوا على ذلك، و اتعدوا الغد.

و تشاور الناس فيما بينهم، و قالوا إن دخل طلحة و الزّبير فقد استقامت، فبعث البصريّون إلى الزّبير حكيم بن جبلة، و معه نفر فجاءوا به يحدونه [2] بالسّيف، [فبايع‏] [3]. و بعثوا إلى طلحة الأشتر فى نفر، فأتاه فقال: دعنى أنظر ما يصنع الناس. فلم يدعه، فجاء به يتلّه تلّا [4] عنيفا فبايع .. فكان الزبير يقول: جاءنى لصّ من لصوص عبد القيس فبايعت و السّيف على عنقى! و أهل مصر فرحون لما [5] اجتمع عليه أهل المدينة، و قد خشع أهل الكوفة و البصرة أن صاروا تبعا لأهل مصر، و ازدادوا بذلك على طلحة و الزّبير غيظا.

____________

[1] كذا فى (ك). و فى (ص): «أحدكم» كما جاء عند ابن أبى الحديد ج 1 ص 56 و ج 2 ص 170.

[2] يحدونه: يسوقونه.

[3] ثبتت فى النسخة (ك) و سقطت من (ن).

[4] أى يدفعه دفعا.

[5] فى تاريخ الطبرى: «بما».

15

قال [1]: و لمّا أصبحوا يوم البيعة- و هو يوم الجمعة- حضر الناس المسجد، و جاء علىّ (رضى اللّه عنه)، فصعد المنبر و قال: «أيّها الناس عن ملإ و إذن [2] إنّ هذا أمركم، ليس لأحد فيه حقّ إلّا من أمّرتم، و قد افترقنا بالأمس على أمر، و كنت كارها لأمركم، فأبيتم إلّا أن أكون عليكم، ألا و إنّه ليس لى دونكم إلّا مفاتيح مالكم معى و ليس لى أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، و إلّا فلا أحدّ [3] على أحد.» فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.

فقال: اللهمّ اشهد.

قال: و لما جاءوا بطلحة ليبايع قال: إنما أبايع كرها. فبايع ...

ثم جي‏ء بالزّبير، فقال مثل ذلك و بايع، و فى الزّبير اختلاف ..

ثم جي‏ء بعده بقوم كانوا قد تخلّفوا، فقالوا: نبايع على إقامة كتاب اللّه فى القريب و البعيد و العزيز و الذليل. فبايعهم ... ثمّ قام العامّة فبايعوا ... و تفرّقوا إلى منازلهم.

و رجع علىّ إلى بيته، فدخل عليه طلحة و الزّبير فى عدد من الصحابة، فقالوا: «يا علىّ، إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، و إنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا فى قتل هذا الرجل.» فقال: «يا إخوتاه، إنى لست أجهل ما تعلمون، و لكن كيف أصنع بقوم يملكوننا و لا نملكهم؟

____________

[1] القائل ابن الأثير فى الكامل ج 3 ص 99 و أصل ذلك فى رواية الطبرى ج 3 ص 456.

[2] أى: عن تشاور من مقدميكم و جماعتكم.

[3] كذا فى (ن) و (ص) أى: أغضب. و فى تاريخ الطبرى: «أجد» بمعنى أغضب أيضا. و فى تاريخ ابن الأثير و (ك): «آخذ».

16

هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم [1]، و ثابت [2] إليهم أعرابكم [3] و هم خلالكم [4] يسومونكم [5] ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شي‏ء ممّا تريدون؟» قالوا: لا. قال: «فلا و اللّه لا أرى إلّا رأيا ترونه أبدا إلّا أن يشاء اللّه، إنّ هذا الأمر أمر جاهليّة، و إنّ لهؤلاء القوم مادّة [6]. إنّ الناس من هذا الأمر- إن حرّك- على أمور: فرقة ترى ما ترون، و فرقة ترى ما لا ترون، و فرقة لا ترى هذا و لا هذا حتّى يهدأ الناس، و تقع القلوب مواقعها، و تؤخذ الحقوق. فاهدءوا عنّى، و انظروا ما ذا يأتيكم، ثم عودوا».

و اشتدّ علىّ على قريش، و حال بينهم و بين الخروج [و تركها] [7] على حالها، و إنّما هيّجه على ذلك هرب بنى أميّة و تفرّق القوم.

و حكى أبو عمر ابن عبد البر [8] قال: لمّا بايع الناس علىّ بن أبى طالب دخل عليه المغيرة بن شعبة [9]، فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنّ لك عندى نصيحة». قال: و ما هى؟ قال: «إن‏

____________

[1] «عبدان» بضم العين أو كسرها مع سكون الباء: جمع عبد.

[2] ثابت: رجعت و اجتمعت.

[3] كذا فى النسخة (ن) و هو مثل ما فى تاريخى ابن جرير و ابن كثير و رقع فى (ص) و (ك): «أعرانكم».

[4] هكذا جاء فى تاريخ ابن جرير ج 3 ص 458، ى: هم بينكم. و فى المخطوطة هنا «خلاصكم». و فى تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 100: «خلاطكم».

[5] يسومونكم: يكلفونكم.

[6] أى: ما أعينوا.

[7] زيادة من ابن الأثير.

[8] فى الاستيعاب ج 3 ص 390.

[9] المغيرة بن شعبة أحد دهاة العرب المشهورين فى ذلك العهد، و هم: معاوية ابن أبى سفيان، و عمرو بن العاص، و زياد، و المغيرة.

17

أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، و الزّبير على البصرة، و ابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرّت لك الخلافة فادرأهم [1] كيف شئت برأيك». فقال [علىّ‏] [2]: «أمّا طلحة و الزّبير فسأرى رأيى فيهما، و أمّا معاوية فلا يرانى اللّه مستعملا له و لا مستعينا به ما دام على حاله، و لكنّى أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس [3]، فإن أبى حاكمته إلى اللّه تعالى». فانصرف عنه المغيرة مغضبا لمّا لم يقبل منه نصيحته ..

فلمّا كان الغد أتاه فقال: «يا أمير المؤمنين، نظرت فيما قلت بالأمس و ما جاوبتنى به، فرأيت أنّك قد وفّقت للخير و طلبت الحق». ثم خرج [4] عنه، فلقيه الحسن و هو خارج، فقال لأبيه: ما قال هذا الأعور؟ (يعنى المغيرة، و كان المغيرة قد أصيبت عينه يوم اليرموك) قال: أتانى أمس بكذا و أتانى اليوم بكذا. قال: نصحك و اللّه [أمس‏] [5] و خدعك اليوم. فقال له علىّ: إن أقررت معاوية على ما فى يده كنت متّخذ المضلّين عضدا [6].

____________

[1] ادرأهم: ادفعهم.

[2] زيادة من الاستيعاب.

[3] فى الاستيعاب: «المسلمون».

[4] كذا جاء فى (ك) و الاستيعاب. و فى (ص): «و انصرف».

[5] سقط «أمس» من النسخة (ك). و ثبت فى (ص).

[6] فى القرآن الكريم: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ، الْمُضِلِّينَ عَضُداً فى الآية 51 من سورة الكهف.

18

و قال المغيرة فى ذلك:

نصحت عليا فى ابن هند نصيحة * * * فردّ [1] فلا يسمع لها الدهر ثانيه‏

و قلت له: أرسل إليه بعهده‏ * * * على الشام حتّى يستقرّ معاوية

و يعلم أهل الشام أن قد ملكته‏ * * * فأمّ ابن هند بعد ذلك هاويه‏

و تحكم [2] فيه ما تريد فإنّه‏ * * * لداهية- فارفق به- و ابن داهية

فلم يقبل النّصح الّذى جئته به‏ * * * و كانت له تلك النصيحة كافيه‏

و روى [3] عن ابن عبّاس- (رضى اللّه عنهما)- نحوه، إلّا أنّه قال «أتيت عليّا بعد قتل عثمان، عند [4] عودى من مكّة [5]، فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به، فخرج من عنده، فقلت له: ما قال لك هذا؟ فقال: قال لى قبل مرّته هذه «إنّ لك حقّ الطاعة و النصيحة، و أنت بقيّة الناس، و إنّ الرأى اليوم يحرز [6] به‏

____________

[1] فى مروج الذهب ج، ص 16: «فردت».

[2] سقط هذا البيت من نسخة الاستيعاب التى بأيدينا و من مروج الذهب.

[3] فى الكامل لابن الأثير ج 3 ص 101 و تاريخ الطبرى ج 3 ص 460.

[4] كذا فى تاريخ الطبرى و ابن كثير، و جاء فى المخطوطة «بعد».

[5] كان عثمان- قبل مقلته- قد دعا ابن عباس و استعمله على الحج، فذهب إلى مكة و أقام للناس الحج، ثم رجع إلى المدينة بعد قتل عثمان بخمسة أيام.

[6] كذا جاء فى النسخة (ص). و فى النسخة (ك): «تحرز».

19

ما فى غد، و إن الضّياع اليوم يضيع به ما فى غد، أقرر معاوية و ابن عامر و عمّال عثمان على أعمالهم، حتّى تأتيك بيعتهم [و يسكن الناس‏] [1] ثمّ اعزل من شئت» فأبيت عليه ذلك، و قلت: لا أداهن فى دينى و لا أعطى الدّنيّة فى أمرى [2]. قال «فإن كنت أبيت علىّ فاعزل من شئت و اترك معاوية، فإنّ فى معاوية جرأة، و هو فى أهل الشام يستمع منه، و لك حجة فى إثباته، فإنّ عمر بن الخطّاب [كان‏] [3] قد ولّاه الشام» فقلت؛ لا و اللّه لا أستعمل معاوية يومين. ثمّ انصرف من عندى و أنا أعرف فيه أنّه يرى أنّى مخطئ، ثم عاد إلىّ الآن فقال:

«إنّى أشرت عليك أوّل مرّة بالذّى أشرت، و خالفتنى فيه، ثمّ رأيت بعد ذلك أن تصنع الّذى رأيت، فتعزلهم و تستعين بمن تثق به، فقد كفى اللّه، و هم أهون شوكة ممّا كان» .. قال ابن عبّاس: فقلت لعلىّ: أمّا المرّة الأولى فقد نصحك، و أمّا المرّة الثانية فقد غشّك. قال: و لم نصحنى؟ قلت: لأنّ معاوية و أصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا [4] من ولى هذا الأمر، و متى تعزلهم يقولوا «أخذ هذا الأمر بغير شورى، و هو قتل صاحبنا» و يؤلبوا [5] عليك، فينتقض عليك أهل الشام [و أهل العراق، مع أنّى لا آمن طلحة و الزبير أن يكرّا عليك‏] [6] و أنا أشير عليك أن تثبت‏

____________

[1] ثبت هذا فى النسخة (ك). و سقط من (ن).

[2] الدنية: الخصلة المذمومة.

[3] ثبت «كان» فى (ن) و (ص). و سقط من (ك).

[4] وقع فى المخطوطة هنا «لا يبالون» مع ظهور الجزم بحذف النون فى «يقولوا» بعد «متى» الثانية.

[5] هذا هو الظاهر المناسب للعطف على «يقولوا». و وقع فى المخطوطة «و يؤلبون».

[6] ثبت هذا فى النسخة (ن) كما فى تاريخى الطبرى و ابن الأثير. و سقط من (ك).

20

معاوية، فإن بايع لك فعلىّ أن أقلعه من منزله. قال [علىّ‏] [1]:

و اللّه لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثّل:

و ما ميتة إن متها غيّر عاجز [2] * * * بعار إذا ما غالت النفس غولها [3]

فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، لست صاحب رأى فى الحرب،

أ ما سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«الحرب خدعة» [4]؟

فقال: بلى. فقلت: أم [5] و اللّه لئن أطعتنى لأصدرنّهم بعد [6] ورود، و لأتركنّهم ينظرون فى دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، فى غير نقصان عليك و لا إثم لك.

فقال: يا ابن عباس، لست من هنيّاتك [7] و لا من هنيّات معاوية فى شي‏ء، فقلت له: أطعنى، و الحق بمالك بينبع [8]، و أغلق بابك‏

____________

[1] ثبت هذا فى تاريخى الطبرى و ابن الأثير. و سقط من المخطوطة.

[2] كذا جاء فى النسخة (ك) و تاريخى ابن جرير و ابن الأثير، و جاء فى (ص): «م».

و جاء فى ديوان الأعشى ص 175: «فما».

[3] الغول: ما اغتال النفس و أهلكها، يقال «غالته غول» إذا وقع فى مهلكة.

و البيت للأعشى فى ختام قصيدة .. و قد اقتدى بعلى بن أبى طالب فى تمثله بهذا البيت أبو العباس السفاح، فانه لما خرج يدعو إلى البيعة قال: من أحب الحياة ذل، ثم تمثل يقول الأعشى: فما ميتة: إن متها ... الخ.

[4] «خدعة» بسكون الدال مع فتح الخاء أو ضمها أو كسرها، أو بفتح الدال مع ضم الخاء، و المراد أن أمر الحرب ينقضى بخدعة.

[5] «أم» كذا جاء فى المخطوطة. و هى بمعنى «أما» الاستفتاحية التى تجي‏ء للتنبيه و تكثر قبل القسم، و لكن ألفها الأخيرة حذفت عن قلة، و قد جاءت «أما» فى تاريخى الطبرى و ابن الأثير.

[6] كذا فى (ن) كما جاء ابن عند ابن الأثير و غيره، أى: أن ما يكون من حالة معهم حينئذ كحال من يرجع قوما عن الماء بعد وروده. و فى (ك) و (ص): «بغير».

[7] «هنيات» تصغير «هنات» أو هنوات»، و كل من هذه الكلمات تذكر عند إرادة خصال غير حسنة.

[8] ينبع: قرية ذات نخيل و زرع و مياه فى غرب المدينة المنورة، على شاطئ البحر.

و فيها مال لعلى.

21

عليك، فإنّ العرب تجول جولة و تضطرب و لا تجد غيرك، فإنّك و اللّه لئن نهضت مع هؤلاء اليوم [1] ليحمّلنّك الناس دم عثمان غدا! .. فأبى علىّ، و قال: تشير علىّ و أرى فإذا عصيتك فأطعنى قال: فقلت «أفعل، إنّ أيسر مالك عندى الطاعة». فقال له علىّ: تسير إلى الشام فقد ولّيتكها. فقال ابن عباس: «ما هذا برأى، معاوية رجل من بنى أميّة، و هو ابن عم عثمان، و عامله، و لست آمن أن يضرب عنقى بعثمان، و إنّ أدنى ما هو صانع أن يحبسنى فيتحكّم علىّ لقرابتى منك. و إن كلّ ما حمل علىّ حمل عليك [2]، و لكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعده». فقال: لا و اللّه لا كان هذا أبدا! و خرج المغيرة فلحق بمكة.

ذكر تفريق على عماله و خلاف معاوية (رضى اللّه عنهما)

و فى سنة ست و ثلاثين فرّق علىّ- (رضى اللّه عنه)- عمّاله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، و عمارة بن شهاب على الكوفة، و عبيد اللّه بن عبّاس على اليمن، و قيس بن سعد على مصر، و سهل [3] بن حنيف على الشام.

فأما سهل فإنه خرج، حتى إذا كان بتبوك [4] لقيته خيل [5] فقالوا: من أنت؟ قال: أمير. قالوا: على أىّ شي‏ء؟ قال: على‏

____________

[1] كذا جاء فى النسخة (ن) و تاريخى الطبرى و ابن الأثير. و فى النسخة (ك): «القوم»

[2] كذا جاء فى المخطوطة. و عند الطبرى و ابن الأثير: «و إن كل ما حمل عليك حمل على»

[3] أخو عثمان بن حنيف، و هما صحابيان.

[4] موضع بين وادى القرى و الشام، و قد سبق ذكره.

[5] أى: فرسان خيل.

22

الشام. قالوا: إن كان عثمان بعثك فحىّ هلا بك [1]، و إن كان بعثك غيره فارجع. قال: أ و ما سمعتم بالّذى كان؟ قالوا: بلى ...

فرجع إلى علىّ.

و أمّا عمارة فلمّا بلغ زبالة [2] لقيه طليحة بن خويلد، و كان قد خرج يطلب بثأر عثمان، فقال له: ارجع فإنّ القوم لا يريدون بأميرهم بدلا، فإن أبيت ضربت عنقك ... فرجع إلى علىّ.

و أمّا قيس بن سعد فإنّه لما انتهى إلى أيلة [3] لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد. قالوا امض. فمضى حتى دخل [مصر] [4]، فافترق أهل مصر فرقا: فرقة دخلت فى الجماعة فكانوا معه، و فرقة اعتزلت بخرنبا، [5] و قالوا: «إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، و إلّا فنحن على جديلتنا [6] حتّى نحرك [7]

____________

[1] حى هلا: كلمة تقال عند الدعاء إلى الشى‏ء، و الإقبال عليه، أى: أنك حينئذ أهل لهذا.

[2] زبالة: قرية بطريق مكة من الكوفة، و كانت بها أسواق.

[3] أيلة: مدينة معروفه على خليج العقبة، و كانت مقصودة، لمن كانوا يقدمون من الحجاز إلى الفسطاط بطريق البر.

[4] كذا فى النسخة (ن) و تاريخ ابن الأثير، و سقطت هذه الكلمة من (ك).

[5] جاء فى هامش النسخة (ص ما نصه: «خرنبا» بفتح الخاء المعجمة و سكون الراء و فتح النون و الباء الموحدة، بعدها ألف»، و هو تابع لابن الأثير فى الكامل ج 3 ص 105 حيث ذكر هذا الضبط، و لكن المحققين لا يصححون هذا، بل يرون أنها» «خربتا» بفتح الخاء أو كسرها مع كسر الراء و سكون الباء قبل التاء المثناة الفوقية، و كذلك تكررت فى مواضع من الجزء الأول من النجوم الزاهرة، و قال ياقوت فى معجم البلدان: « «خزنبا: قال نصر: موضع من أرض مصر، لأهلها حديث فى قصة على و محمد بن أبى بكر، و هو خطأ، و قد سألت عنه أهل مصر فلم يعرفوا إلا خربتا»، و قال فى موضع آخر: «خربتا»: هكذا ضبط فى كتاب ابن عبد الحكم، و قد ضبط الحازمى بالنون ثم الباء، هو خطأ». و المعروف الآن أن «خربتا» قرية تابعة لمحافظة «البحيرة» و أنها بكسر الخاء و الباء مع سكون الراء.

[6] الجديلة: الحال و الطريقة.

[7] نحرك: نصاب السيوف، و هذه الكلمة جاءت فى النسخة (ن)، و فى (ك) «تخزك‏

23

أو نصيب حاجتنا»، و فرقة قالت نحن مع علىّ ما لم يقد من إخواننا [1] و هم فى ذلك مع الجماعة ... فكتب قيس إلى علىّ بذلك.

و أمّا عثمان بن حنيف فسار حتّى دخل البصرة، و لم يردّه أحد و لا وجد لابن عامر [2] فى ذلك رأيا و لا استقلالا بحرب، و افترق الناس بها: ففرقة دخلت فى الجماعة، و فرقة اتّبعت القوم، و قالت فرقة «ننظر ما يقول أهل المدينة فنصنع ما صنعوا».

و أمّا عبيد اللّه بن عبّاس فانطلق إلى اليمن، فخرج يعلى بن منية [3] بعد أن جمع المال- و لحق بمكة، و أنفق المال فى حرب الجمل.

قال [4]: و لمّا رجع سهل بن حنيف دعا علىّ طلحة و الزّبير فقال «إنّ الأمر الذى كنت أحذّركم قد وقع، و إنّ الّذى قد وقع لا يدرك إلّا بإماتة [5]، و إنّها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت اضطراما، و استثارت». فقالا [6]:- ائذن لنا نخرج من المدينة، فإما أن نكاثر، و إما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما أستمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكى!.

____________

[1] أى: ما لم يقتل إخواننا بما فعلوه فى الخليفة عثمان بن عفان.

[2] ابن عامر: عبد اللّه بن عامر بن كريز، و كان ابن خال عثمان بن عفان، و قد ولاه عثمان البصرة.

[3] هو يعلى بن أمية بن أبى عبيدة بن همام بن الحارث التميمى الخنظلى حليف قريش، ينسب حينا إلى أبيه «أمية» و ينسب حينا إلى أمه «منية» و سيأتى النسبان قريبا فى وقعة الجمل، و قد استعمله عمر بن الخطاب على بعض اليمن فحمى لنفسه حمى، فعزله عمر، ثم استعمله عثمان ابن عفان على صنعاء اليمن، و انظر الاستيعاب ج 3 ص 661 و تهذيب الأسماء ج 2 ص- 165 و الإصابة ج 3 ص- 668.

[4] ابن الأثير فى الكامل ج 3 ص 103.

[5] كذا جاء فى المخطوطة، و جاء فى الكامل: «باماتته».

[6] كذا جاء عند ابن الأثير، و فى المخطوطة: «فقالوا».

24

و كتب إلى معاوية و إلى أبى موسى، فأجابه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة، و بيّن الكاره منهم [للذى كان‏] [1] و الراضى و من بين ذلك، حتى كان على [كأنّه‏] [2] يشاهدهم .. و كان رسوله إلى أبى موسى معبد الأسلمى.

و كان رسوله إلى معاوية سبرة الجهنى، فلم يجبه معاوية بشى‏ء و كلّما تنجّز جوابه لم يزده على قوله:

أدم إدامة حصن أو خذا [3] بيدى‏ * * * حربا ضروسا تشبّ الجزل و الضّرما [4]

فى جاركم و ابنكم إذ كان مقتله‏ * * * نعاء [5] شيّبت الأصداغ و اللمما

أعيا المسود بها و السّيّدون فلم‏ * * * يوجد لها غيرنا مولى و لا حكما

حتى إذا كان [الشهر الثالث من مقتل عثمان‏] [6] فى صفر دعا معاوية رجلا من بنى عبس، اسمه قبيصة، فدفع إليه طومارا [7] مختوما، عنوانه «من معاوية إلى علىّ» و قال له: إذا دخلت المدينة فاقبض‏

____________

[1] الزيادة من الكامل لابن الأثير.

[2] كذا جاء فى المخطوطة كالكامل، و فى تاريخ ابن جرير الطبرى ج 3 ص 4643:

«أو جدا».

[3] تشب: توقد. و الجزل: الحطب اليابس الغليظ. و الضرم: السعف الذى فى طرفه نار، و الجمر.

[4] كذا جاء فى النسخة (ن). و فى (ك): شنعا».

[6] الزيادة من ابن الأثير:.

[7] الطومار: الصحيفة.

25

على أسفل الطّومار. و أوصاه بما يقول، و أعاد رسول علىّ معه، فقدما المدينة فى شهر ربيع الأوّل، و دخل العبسىّ كما أمره معاوية، و الناس تنظر إلى الطّومار، حتّى دفعه إلى علىّ، ففضّه، فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: و أنا آمن؟ قال: نعم، إن الرّسل لا تقتل: قال تركت قوما لا يرضون إلّا بالقود [1]. قال: ممّن؟

قال «من خيط رقبتك! و تركت ستّين ألف شيخ يبكى تحت قميص عثمان، و هو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق!» قال: «أ منّى يطلبون دم عثمان؟ أ لست موتورا بترة [2] عثمان؟ اللهمّ إنّى أبرأ إليك من دم عثمان! نجا- و اللّه- قتلة عثمان إلّا أن يشاء اللّه فإنه إذا أراد أمرا أصابه! اخرج.» قال و أنا آمن؟ قال: و أنت آمن. فخرج العبسىّ، فقالوا [3]: «هذا الكلب رسول الكلب! اقتلوه!» فنادى: يا آل مضر. يا آل قيس، الخيل و النبل، و باللّه أقسم ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصيّ! فانظروا كم الفحول و الركاب؟» و تعاووا [4] عليه، فمنعته مضر، و جعلوا يقولون له: «اسكت» فيقول: «لا و اللّه، و اللّه لا يفلح هؤلاء أبدا، أتاهم ما يوعدون، لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت و اللّه أعمالهم و ذهبت ريحهم [5].

____________

[1] القود: القصاص.

[2] جاء عند ابن جرير و ابن الأثير: كترة» و الترة: الثأر و الظلم فيه، و الموتور:

المصاب بقتل حميمه و لم يدرك ثأره.

[3] القائلون هم السبئية كما جاء عند ابن جرير و ابن الأثير.

[4] تعاووا (بالعين أو بالغين) أى: تجمعوا و تعاونوا.

[5] فى القرآن الكريم: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ‏ و المراد بالريح الدولة و القوة.

26

قال: و أظهر علىّ العزم على قتال معاوية، و كتب إلى عمّاله أن ينتدبوا الناس إلى الشام.

ثم استأذنه طلحة و الزبير فى العمرة، فأذن لهما.

و دعا علىّ ابنه محمد بن الحنفيّة، فدفع إليه اللواء، و ولى عبد اللّه بن عباس ميمنته، و عمرو بن أبى سلمة- أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد- ميسرته، و جعل أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح (ابن أخى أبى عبيدة) على مقدّمته، و استخلف على المدينة قثم بن العبّاس.

ذكر ابتداء وقعة الجمل‏

و مسير عائشة و طلحة و الزبير و من معهم إلى البصرة و ما كان من الحرب إلى أن استقروا بها و إخراج عثمان بن حنيف عامل على (رضى اللّه عنه) كان ابتداء وقعة الجمل أنّ عائشة (رضى اللّه عنها) كانت قد خرجت إلى الحجّ و عثمان محصور- كما ذكرنا- فلمّا قضت الحجّ و عادت أتاها الخبر بقتله و خلافة علىّ، و هى يسرف [1]، فرجعت إلى مكة و هى تقول: «قتل- و اللّه- عثمان مظلوما! و اللّه لأطلبنّ بدمه!» و طلبت مكة، فقصدت الحجر، فسمرت فيه، و اجتمع الناس إليها، فقالت: «أيّها الناس، إنّ الغوغاء من أهل الامصار و أهل المياه و عبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس، و نقموا [2] عليه استعمال من حدثت سنّه، و قد استعمل أمثالهم‏

____________

[1] سرف: موضع على ستة أميال من مكة.

[2] نقموا: أنكروا.

27

من قبله، و مواضع من الحمى حماها لهم [1]، [و هى أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها،] [2] فتابعهم، و نزع [لهم‏] [2] عنها (استصلاحا لهم) [2]، فلمّا لم يجدوا حجّة و لا عذرا بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، و استحلّوا البلد الحرام و الشهر الحرام، و أخذوا المال الحرام، و اللّه لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم! و و اللّه لو أنّ الّذى اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذّهب من خبثة أو الثّوب من درنه إذ ماصوه [3] كما يماص الثّوب بالماء!» فقال عبد اللّه بن [عمرو بن‏] [4] الحضرمى (و كان عامل عثمان على مكة): «ها أنا [ذا] [5] أوّل طالب»، فكان أوّل مجيب، و تبعه [6] بنو أميّة على ذلك، و كانوا قد هربوا من المدينة إلى مكة بعد قتل عثمان، و تبعهم سعيد بن العاص و الوليد ابن عقبة.

____________

[1] قال عثمان- (رضى اللّه عنه) دفاعا عن نفسه: «و أما الحمى فان عمر حمى الحمى قبل لإبل الصدقة فلما و ليت زادت إبل الصدقة، فزدت فى الحمى لما زاد فى إبل الصدقة».

انظر تاريخ ابن جرير الطبرى فى ج 3 ص سنة 390.

[2] الزيادة من تاريخ ابن جرير ج 3 ص 468.

[3] فى النهاية: «فى حديث عائشة قالت عن عثمان: مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه، الموص: الغسل بالأصابع يقال: مصته أموصه موصا، أرادت أنهم استتابوه عما نقموا منه فلما أعطاهم ما طلبوا قتلوه».

[4] هذا هو الصواب، كما ذكراه ابن حجر فى الإصابة ج 2 ص 351 و ابن جرير و غيره فى أسماء عمال عثمان، و هو غير عبد اللّه بن عامر بن كريز القرشى و إلى البصرة الذى يأتى مذكره بعد أسطر. و قد جاء فى المخطوطة «عبد اللّه بن عامر الحضرمى» و هو خطأ وقع أيضا فى نسخ الطبرى و ابن الأثير فى هذا الموضع.

[5] كذا جاء فى تاريخ ابن جرير ج 3 ص 648. و وقع فى المخطوطة: «ها أنا أول طالب».

[6] كان عبد اللّه بن الحضرمى حليفا لبنى أمية.

28

و قدم عليهم عبد اللّه بن عامر [1] من البصرة بمال كثير و يعلى ابن أميّة (و هو ابن منية) [2] من اليمن و معه ستمائة بعير و ستمائة ألف، فأناخ بالأبطح.

و قدم طلحة و الزّبير من المدينة، فلقيا عائشة: فقالت:

ما وراءكما؟ فقالا: «إنّا تحمّلنا هرّابا [3] من المدينة من غوغاء و أعراب، و فارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقّا و لا ينكرون باطلا و لا يمنعون أنفسهم»، فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا:

نأتى الشام. فقال ابن عامر: «قد كفاكم معاوية الشام، فأتوا البصرة، فإنّ لى بها صنائع، و لهم فى طلحة هوى»، قالوا:

«قبحك اللّه! فو اللّه ما كنت بالمسالم و لا بالمحارب، فهلّا أقمت كما أقام معاوية فنكتفى بك، ثم نأتى الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم مذاهبهم». فلم يجدوا [4] عنده جوابا مقبولا.

حتّى إذا استقام لهم الرأى على البصرة قالوا: «يا أمّ المؤمنين، دعى المدينة، فإنّ من معنا لا يطيق من بها من الغوغاء، [و اشخصى [5] معنا إلى البصرة، فإنّا] [6] نأتى بلدا مضيعا، و سيحتجّون علينا [فيه‏] [6] ببيعة علىّ فتنهضينهم [7] كما أنهضت أهل مكة،

____________

[1] سبق أنه ابن خال عثمان بن عفان و واليه على البصرة.

[2] سبق ذكره و أنه عامل عثمان على صنعاء اليمن.

[3] أى: ارتحلنا هاربين.

[4] كذا جاء عند الطبرى و ابن الأثير. و فى المخطوطة: «فلم تجد».

[5] أى: اذهبى.

[6] الزيادة من تاريخ الطبرى.

[7] كذا جاء عند الطبرى و ابن الأثير و فى المخطوطة «فتهضهم» .. و قد جاء فى بعض الروايات أن طلحة و الزبير قالا لعائشة: «إنا نأتى أرضا قد أضيعت و صارت إلى على، و قد أجبرنا على على بيعته، و هم محتجون علينا بذلك و تاركوا أمرنا، إلا أن تخرجى فتأمرى ما أمرت بمكة».

29

فإن أصلح اللّه الأمر كان الذى أردنا، و إلّا دفعنا [عن هذا الأمر] [1] بجهدنا، حتّى يقضى اللّه ما أراد». فأجابتهم إلى ذلك.

و دعوا عبد اللّه بن عمر ليسير معهم، فأبى، و قال: «أنا رجل من أهل المدينة، أفعل ما يفعلون». فتركوه.

و كان أزواج النّبى (صلى اللّه عليه و سلم) مع عائشة على قصد المدينة، فلما تغيّر رأيها إلى البصرة تركن [2] ذلك. و أجابتها حفصة على المسير معها، فمنعها أخوها عبد اللّه [3].

و جهزهم يعلى بن منية بستّمائة ألف و ستمائة بعير، و جهّزهم ابن عامر بمال كثير.

و نادى مناديها: «إنّ أمّ المؤمنين و طلحة و الزّبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد إعزاز الإسلام و قتال المحلين [4] و الطلب بثأر عثمان و ليس له مركب و لا جهاز فليأت». فحملوا ستّمائة على ستمائة بعير، و ساروا فى ألف- و قيل فى تسعمائة- من أهل المدينة و مكة، و تلاحقت بهم الناس، فكانوا فى ثلاثة آلاف رجل.

و أعان يعلى بن منية الزّبير بأربعمائة ألف، و حمل سبعين‏

____________

[1] الزيادة من تاريخ الطبرى.

[2] كذا جاء عند الطبرى و ابن الأثير، و فى المخطوطة «تركوا».

[3] عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أخو أم المؤمنين حفصة لأبيها و أمها، كما سبق فى هذا الكتاب ج 18 ص- 176.

[4] كذا جاء عند ابن جرير و ابن الأثير، و «المحلون» يراد بهم هنا: الذين أحلوا ما حرم اللّه و انتهكوا حرماته، و هذا يناسب ما سبق قريبا من قول عائشة «سفكوا الدم الحرام و استحلوا البلد الحرام و الشهر الحرام و أخذوا المال الحرام»، و فى المخطوطة «المخلين» بالخاء المعجمة، و المعنى عليه غير بعيد.

30

من قريش، و أعطى عائشة جملا، اسمه «عسكر»، و اشتراه بمائتى دينار، و قيل: بثمانين دينارا، و قيل: كان لرجل من عرينة، فابتيع منه بمهريّة [1] و أربعمائة درهم أو ستمائة درهم.

و خرجت عائشة من مكة و معها أمّهات المؤمنين إلى ذات عرق [2] فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم [3] كان أكثر باكيا و باكية من ذلك اليوم، و كان يسمّى «يوم النّحيب» ..

و كتبت أمّ الفضل [4] بنت الحارث (أمّ عبد اللّه بن عبّاس) إلى علىّ بالخبر.

و لما خرجت عائشة من مكة أذّن مروان [5] بن الحكم، ثم جاء حتّى وقف على طلحة و الزّبير فقال: على أيّكما أسلّم [6] بالإمرة و أؤذّن بالصلاة فقال عبد اللّه بن الزّبير: على أبى عبد اللّه (يعنى أباه). و قال محمد ابن طلحة: على أبى محمد (يعنى أباه). فأرسلت عائشة إلى مروان فقالت: أ تريد أن تفرّق أمرنا، ليصلّ بالناس ابن أختى [7] (تعنى‏

____________

[1] ناقة مهرية من نوع سريع معروف من الإبل. ينسب إلى «مهرة».

[2] موضع على مرحلتين من مكة، ينزل فيه مريد لحج من أهل العراق ليحرم بالحج منه.

[3] كذا جاء عند ابن جرير و ابن الأثير، و وقع فى المخطوطة «يوما».

[4] هى لبابة بنت الحارث الهلالية، اشتهرت بكنيتها.

[5] مروان بن الحكم القرشى الأموى أبو عبد الملك، و هو ابن عم عثمان و كاتبه فى خلافته.

[6] كذا جاء عند ابن جرير. و فى المخطوطة: «أسأله».

[7] ابتعدت بذلك عن ذكر الشيخين اللذين وقع فيهما الاختلاف.

31

عبد اللّه بن الزّبير). و قيل بل صلّى بالناس عبد الرحمن [1] بن عتّاب بن أسيد حتّى قتل.

و لما انتهوا إلى ذات عرق لقى سعيد [2] بن العاص مروان بن الحكم و أصحابه [3] فقال: أين تذهبون و تتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ (يعنى عائشة و طلحة و الزّبير) اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم! فقالوا: نسير فعلّنا نقتل قتلة عثمان ... فخلا سعيد ابن العاص بطلحة و الزّبير، فقال: اصدقانى إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ قالا: نجعله لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان فإنّكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا: ندع شيوخ المهاجرين و نجعلها لأبنائهم! قال: فلا أرانى أسعى إلّا لإخراجها من بنى عبد مناف [4] فرجع، و رجع عبد اللّه بن خالد بن أسيد [5]، فقال المغيرة بن شعبة: «الرأى ما قال سعيد، من كان هاهنا من ثقيف فليرجع»، و رجع.

و مضى القوم، و معهم أبان و الوليد ابنا عثمان، و كان دليلهم رجلا من عرينة، و هو الّذى ابتيع منه الجمل (على أحد الأقوال)، قال العرنىّ: فسرت معهم، فلا أمرّ على واد إلّا

____________

[1] هو من الأمويين، صحابى أو تابعى، انظر الإصابة ج 3 ص 72 و شرح ابن أبى الحديد لنهج البلاغة ج 3 ص 41.

[2] هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشى الأموى.

[3] بنى أمية.

[4] قال ابن أبى الحديد فى شرح نهج البلاغة ج 3 ص 42 «طلحة من تيم بن مرة و الزبير من أسد بن عبد العزى بن قصى، و ليس أحد منها من بنى عبد مناف».

[5] عبد اللّه بن خالد أموى، و هو ابن عم عبد الرحمن بن عتاب الذى سبق ذكره قريبا.

32

سألونى عنه، حتى طرقنا الحوأب- و هو ماء [1]- فنبحتنا كلابه فقالوا: أىّ ماء هذا؟ قلت: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها، و استرجعت [2] و قالت: إنّى لهيه!

سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لنسائه:

«ليت شعرى أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب!»

ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، و قالت:

«ردّونى! أنا و اللّه صاحبة ماء الحوأب!» فأناخوا حولها يوما و ليلة، فقال لها عبد اللّه بن الزّبير: «إنه كذب، و ليس هو ماء الحوأب» و لم يزل بها و هى تمتنع حتّى قال لها: النّجاء النّجاء! قد أدرككم علىّ بن أبى طالب.» فارتحلوا نحو البصرة، فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد اللّه التميمى فقال: (يا أمّ المؤمنين، أنشدك اللّه أن تقدمى اليوم على قوم لم تراسلى منهم أحدا، فعجّلى ابن عامر فإنّ له بها صنائع، فليذهب إليهم [3]» فأرسلته.

و كتبت عائشة إلى رجال من أهل البصرة، و إلى الأحنف بن قيس و أمثاله، و أقامت بالحفير [4] تنتظر الجواب.

و لما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين و أبا الأسود الدّؤلىّ و قال: انطلقا إلى عائشة و اعلما علمها و علم من معها، فأتياها و قالا: إنّ أميرنا بعثنا إليك ليسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: «و اللّه ما مثلى يسير بالأمر المكتوم‏

____________

[1] من مياه العرب على الطريق بين البصرة و مكة. و يصلح هذا الموضع لنزول المسافرين.

[2] قالت: «إنا للّه و إنا إليه راجعون».

[3] زاد ابن جرير الطبرى: «فليلقوا الناس حتى تقدمى و يسمعوا ما جئتم فيه»

[4] الحفير: ما حفره أبو موسى الأشعرى على طريق البصرة إلى مكة فكان ماؤه عذبا.

33

إنّ الغوغاء من أهل الأمصار و نزّاع [1] القبائل غزوا حرم رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام) و أحدثوا فيه الأحداث [2]، و آووا فيه المحدثين [3]، فاستوجبوا لعنة اللّه و لعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة [4] و لا عذر، فاستحلّوا الدم الحرام فسفكوه، و انتهبوا المال الحرام، و أحلّوا البلد الحرام و الشهر الحرام، و مزّقوا الأعراض و الجلود، و أقاموا فى دار قوم كارهين لمقامهم ضارّين مضرّين [5] غير نافعين و لا منتفعين، لا يقدرون على امتناع و لا يأمنون، فخرجت فى المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء، و ما فيه الناس وراءنا، و ما ينبغى لهم أن يأتوا فى إصلاح هذه القصّة» و قرأت: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏ [6] [ثم قالت [7]:] «نهض [8] فى‏

____________

[1] النزاع من القبائل: جمع «النازع» و هو الغريب الذى نزع عن أهله و عشيرته أى: بعد و غاب.

[2] الأحداث: جمع حدث، و هو: الأمر الحادث المنكر الذى ليس بمعتاد و لا معروف فى السنة، كما ذكره صاحب النهاية «فى حديث المدينة: من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا».

[3] آووا المحدثين: نصروا الجانين أو أجاروهم من خصومهم و حالوا بينهم و بين أن يقتص منهم.

[4] الترة: الثأر.

[5] قد جاء اللفظان بمعنى واحد، و قد يكون المراد ب «مضرين»: الذين يكرهون غيرهم على الأمور التى يريدونها.

[6] من الآية 114 من سورة النساء.

[7] زيادة يقتضيها المقام.

[8] عند الطبرى: «نهض».

34

الإصلاح فيمن [1] أمر اللّه و أمر رسوله الصغير و الكبير و الذكر و الأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به و نحضّكم عليه، و منكر ننهاكم عنه و نحثّكم على تغييره فخرجا من عندها، فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. فقالا: أ لم تبايع عليّا؟ قال: «بلى، و السّيف على عنقى، و ما أستقيل عليّا البيعة إن هو لم يحل بيننا و بين قتلة عثمان». ثم أتيا الزّبير فقالا له و قال مثل ذلك. فرجعا إلى عائشة فودّعاها، فودّعت عمران، و قالت يا أبا الأسود، إيّاك أن يقودك الهوى إلى النار كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ (الآية) [2]. و سرّحتهما، و نادى مناديها بالرّحيل.

و مضيا حتّى أتيا عثمان بن حنيف، فبدر أبو الأسود عمران فقال:

يا ابن حنيف قد أتيت فانفر [3]. * * * و طاعن القوم و جالد و اصبر

و ابرز لهم مستلئما [4] و شمّر

فاسترجع [5] عثمان، و قال: دارت رحى الإسلام [6] و ربّ الكعبة! و نادى فى الناس، و أمرهم بلبس السلاح.

____________

[1] عند الطبرى: «ممن».

[2] الآية 8 من سورة المائدة.

[3] انفر: تقدم للقتال.

[4] مستلئما: لابسا اللأمة، هى الدرع عدة الحرب.

[5] قال: إنا للّه و إنا إليه راجعون.

[6]

روى أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «تدور رحى الإسلام بخمس و ثلاثين أو ست و ثلاثين أو سبع و ثلاثين»

.. قال الخطابى فى شرحه ج 4 ص 340: دوران الرحى كناية عن الحرب القتال، شبهها بالرحى الدوارة التى تطحن الحب، لما يكون فيها من تلف الأرواح و هلاك الأنفس قال الشاعر يصف حربا

«فدارت رحانا و استدارت وحاهمو ....»

قال زهير

«فتعرككم عرك الرحى بثقالها ...»

.

35

و أقبلت عائشة فيمن معها حتّى انتهوا إلى المربد [1]، فدخلوا من أعلاه، و وقفوا حتّى خرج عثمان بن حنيف فيمن معه، و خرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم كلّهم بالمربد: عائشة و من معها فى ميمنته، و عثمان و من معه فى ميسرته.

فتكلّم طلحة، فأنصتوا له، فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر عثمان و فضله و ما استحلّ منه [2]، و دعا إلى الطلب بدمه، و حثّهم عليه.

و تكلّم الزّبير بمثل ذلك. فقال من فى ميمنة المربد: صدقا و برّا! و قال من فى ميسرته: «فجرا، و غدرا، و أمرا بالباطل! بايعا عليّا ثم جاءا يقولان ما يقولان!» و تحاثى [3] الناس و تحاصبوا [4].

فتكلّمت عائشة، فحمدت اللّه و أثنت عليه، و قالت: كان الناس يتجنّون على عثمان، و يزرون [5] على عماله، و يأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، و يرون حسنا من كلامنا فى إصلاح بينهم، فننظر فى ذلك فنجده بريّا تقيّا وفيّا،

____________

[1] المربد: كان من أعظم محال البصرة أسواقها سككها.

[2] فى رواية ابن جرير: و ذكر عثمان و فضله و البلد و ما استحل منه و عظم ما أتى إليه.

[3] تحاثى الناس: تراموا التراب فرماه بعضهم فى وجه بعض و لم يذكر أصحاب الصحاح و النهاية و اللسان و القاموس و شرحه هذا اللفظ فى مادته، و ذكروا «استحثى» لهذا المعنى الذى هو ظاهر فى التفاعل، مثل «تحاصبوا» الآتى، و سيأتى «تحاثوا» قريبا، كما جاء هذا اللفظ عند ابن جرير و ابن الأثير.

[4] تحاصبوا: تراموا بالحصباء، أى الحصى.

[5] يزرون: يعيبون.

36

و نجدهم فجرة غدرة كذبه، و هم يحاولون غير ما يظهرون، فلمّا قدروا على المكاثرة كاثروه، فاقتحموا عليه داره، و استحلّوا الدم الحرام و المال الحرام، و البلد الحرام، بلا ترة [1] و لا عذر، ألا إنّ فيما ينبغى- لا ينبغى لكم غيره- أخذ قتلة عثمان، و إقامة كتاب اللّه، أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏ (الآية [2]).

فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين: فقالت فرقة:

صدقت و اللّه و برّت و جاءت بالمعروف، و قالت فرقة خلاف ذلك.

فتحاثوا و تحاصبوا و أرهجوا [3]، فلمّا رأت عائشة ذلك انحدرت و انحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف، حتّى وقفوا فى المربد فى موضع الدبّاغين، و بقى أصحاب عثمان على حالهم، يتدافعون حتّى تحاجزوا، و مال بعضهم إلى عائشة [4].

و أقبل حكيم بن جبلة، و هو على خيل ابن حنيف، فأنشب القتال، فأشرع أصحاب عائشة رماحهم، و أمسكوا ليمسك [5]، فلم ينته و لم ينثن، و أصحاب عائشة كافّون [إلّا ما دافعوا عن أنفسهم [6]] ثمّ اقتتلوا على فم السّكّة، و أشرف أهل الدّور ممن كان له فى أحد

____________

[1] الترة: الثأر.

[2] من الآية 23 من سورة آل عمران.

[3] أرهجوا: أثاروا الغبار.

[4] و بقى بعضهم مع عثمان بن حنيف على فم السكة، كما ذكره ابن جرير ج 3 ص 482.

[5] هذا هو المناسب للفعلين بعده، و عبارة ابن الأثير فى الكامل ج 3 ص 109 «و أمسكوا ليمسك حكيم و أصحابه». و فى المخطوطة و تاريخ ابن جرير: «ليمسكوا».

[6] الزيادة من تاريخ ابن جرير.

37

الفريقين هوى، فرموا فى الأخرى بالحجارة. و أمرت عائشة أصحابها فتيامنوا، حتّى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن، فوقفوا بها مليّا [1]، و ثاب إليهم الناس، فحجز الليل بينهم. و رجع عثمان إلى القصر، و رجع الناس إلى قبائلهم، و أتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق [و باتوا يتأهّبون، و بات الناس يأتونهم، و اجتمعوا بساحة دار الرزق [2]].

و أصبح عثمان فغاداهم [3]، و خرج حكيم، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زالت، و قد كثر القتل فى أصحاب ابن حنيف، و فشت الجراحة فى الفريقين، و منادى عائشة يناشدهم و يدعوهم إلى الكفّ، فيأبون، حتّى إذا مسّهم الشرّ و عضّتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم: و تداعوا [4] و كتبوا بينهم كتابا [5] على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها،

____________

[1] مليا: زمنا طويلا.

[2] سقطت هذه العبارة من النسخة (ك) و ثبتت فى النسخة (ن).

[3] غاداهم: أتاهم فى وقت الغداة.

[4] كذا فى المخطوطة، أى: دعا بعضهم بعضا. و عند الطبرى «تواعدوا». و عند ابن الأثير «توادعوا».

[5] الكتاب- كما ذكره ابن جرير و غيره- هو: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما اصطلح عليه طلحة و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين، و عثمان بن حنيف و من معه من المؤمنين و المسلمين، أن عثمان يقيم حيث أدركه الصلح على ما فى يده، و أن طلحة و الزبير يقيمان حيث أدركهما الصلح على ما فى أيديهما، حتى يرجع أمين الفريقين و رسولهم كعب بن سور من المدينة، و لا يضار واحد من الفريقين الآخر فى مسجد و لا سوق و لا طريق و لا قرضة، بينهم عيبة مكفوفة، حتى يرجع كعب الخبر، فان رجع بأن القوم أكرهوا طلحة و الزبير فالأمر أمرهما، و إن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيته و إن شاء دخل معهما، و إن رجع أنهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان، فان شاء طلحة و الزبير أقاما على طاعة على و إن شاءا خرجا حتى يلحقا بطيتهما، و المؤمنون أعوان الفالج منهما».

38

فإن كان طلحة و الزّبير أكرها على مبايعة علىّ خرج ابن حنيف عن البصرة و أخلاها لهم، و إن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة و الزّبير.

فسار كعب [1] بن سور حتّى أتى المدينة، فقدمها يوم جمعة فسأل أهلها هل أكره طلحة و الزّبير على بيعة علىّ أم أتياها طائعين؟

فلم يجبه أحد إلا أسامة ابن زيد فإنه قال: اللهمّ إنّهما لم يبايعا إلّا و هما مكرهان. فواثبه سهل بن حنيف و الناس، و ثار صهيب و أبو أيّوب فى عدّة من الصحابة، منهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يقتل أسامة، فقالوا: اللهمّ نعم. فتركوه، و أخذ صهيب أسامة بيده إلى منزله.

و بلغ عليّا الخبر [2]، فكتب إلى عثمان بن حنيف أنّهما لم يكرها على البيعة.

فلمّا عاد كعب بن سور أمر عثمان بالخروج عن البصرة، فامتنع، و احتجّ بكتاب علىّ، فجمع طلحة و الزّبير الرجال فى ليلة مظلمة ذات رياح و مطر، و قصدوا المسجد و اقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن حنيف أربعون رجلا، و دخل الرجال على ابن حنيف فأخرجوه [إليهما] [3]، فما وصل و فى وجهه شعرة، فاستعظما ذلك، و أرسلا إلى عائشة فى أمره، فأرسلت أن خلّوا سبيله، و بقى طلحة و الزّبير بالبصرة و معهما بيت المال و الحرس، و استتر من لم يكن معهما.

و بلغ حكيم بن جبلة ما حلّ بعثمان [بن حنيف‏] [4] فقال: لست‏

____________

[1] كان قاضى البصرة.

[2] كذا جاء عند ابن الأثير. و فى المخطوطة «على».

[3] كذا جاء عند ابن الأثير. و فى المخطوطة «على».

[4] كذا جاء فى (ك) و تاريخ ابن الأثير. و سقط من (ن).

39

أخاف اللّه إن لم أنصره. فجاء فى جماعة من عبد القيس و من تبعه من ربيعة- و كان بينه و بين عبد اللّه بن الزّبير محاورات [1]- ثمّ التقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فكان حكيم بحيال طلحة، و ذريح بحيال الزّبير، و ابن المحرّش [2] بحيال عبد الرحمن بن عتّاب، و حرقوص ابن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقتل حكيم و ابنه و أخوه، و قتل ذريح، و أفلت حرقوص فى نفر من أصحابه و جي‏ء إلى طلحة و الزبير بمن كان فيهم ممن غزا المدينة، فقتلوا.

و كانت هذه الوقعة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر من السنة و بايع أهل البصرة طلحة و الزّبير.

ذكر مسير على الى البصرة و ما اتّفق له فى مسيره و من انضمّ إليه و مراسلته أهل الكوفة

قال: و كان علىّ (رضى اللّه عنه) قد تجهّز لقصد الشام لقتال معاوية، لما أظهر الخلاف عليه، كما تقدم، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة و الزّبير و عائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك و أنهم يريدون البصرة سرّه ذلك، و قال: إن الكوفة فيها رجال [من‏] [3] العرب و بيوتاتهم. فقال له ابن عبّاس- (رضى اللّه عنهما)-:

____________

[1] انظر المحاورات بين حكيم بن جبله و عبد اللّه بن الزبير عند ابن جرير و ابن الأثير.

[2] «ابن محرش» هكذا ضبطه بعض العلماء بالحاء المهملة و الراء المشددة، و ضبطه بعضهم بقوله «ابن المخترش» بالخاء المعجمة و التاء بعدها، و اسمه: خويلد ابن عمرو بن صخر.

[3] جاءت هذه الزيادة فى النسخة (ن).

40

«إنّ الّذى سرّك من ذلك ليسوءنى، إنّ الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب و لا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الّذى قد نال ما يريد، حتّى يكسر حدّته.» فقال علىّ: إنّ الأمر ليشبه ما تقول.

و تهيّأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا فبعت إلى عبد اللّه بن عمر كميلا النّخعى [1]، فجاء به، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: «إنّما أنا من أهل المدينة، و قد دخلوا فى هذا الأمر، فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم [و إن يقعدوا أقعد.» قال: فأعطنى كفيلا. قال: لا أفعل [2]]. فقال له علىّ: لو لا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا و كبيرا لأنكرتنى! دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة و هم يقولون: «و اللّه ما ندرى كيف نصنع؟ إنّ الأمر لمشتبه علينا، و نحن مقيمون حتّى يضي‏ء!» فخرج من تحت ليلته، و أخبر أمّ كلثوم (ابنة علىّ، و هى زوجة عمر) بالّذى سمع و أنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علىّ ما خلا النهوض [3]. فأصبح علىّ فقيل له: حدث الليلة حدث هو أشدّ من أمر طلحة و الزّبير و عائشة و معاوية! قال:

و ما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام! فأتى السوق، و أعدّ

____________

[1] كميل بن زيادة بن نهيك النخعى، كان شريفا مطاعا من رؤساء الشيعة، عاش حتى قتله الحجاج.

[2] ثبتت هذه العبارة فى النسخة (ن) كما جاءت عند ابن جرير و ابن الأثير. و سقطت.

من النسخة (ك).

[3] كان على (رضى اللّه عنه) قد قال لابن عمر حين دعاه إلى الخروج معه: «انهض معى».

41

الظّهر [1] [و الرّحال، و أعدّ] [2] لكل طريق طلّابا، و ماج الناس، فسمعت أمّ كلثوم، فأتت عليّا فأخبرته الخبر [3]، فطابت نفسه، و قال: «انصرفوا، و اللّه ما كذبت و لا كذب، و إنّه عندى ثقة». فانصرفوا.

ثم أتى عليّا الخبر بمسير طلحة و الزّبير و عائشة من مكة نحو البصرة، فدعا وجوه أهل المدينة و خطبهم، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: «إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح أوّله، فانصروا اللّه ينصركم و يصلح لكم أمركم.» فتثاقلوا، فلمّا رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس انتدب [4] إلى علىّ (رضى اللّه عنه) و قال له:

من تثاقل عنك فإنّا نخفّ معك فنقاتل دونك. و قام أبو الهيثم [5] ابن التّيّهان و خزيمة بن ثابت. قال ابن الأثير [6]: «قال الحكم:

ليس بذى الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيّام عثمان (رضى اللّه عنه)». و قال أبو عمر ابن عبد البر فى ترجمة [7] خزيمة بن ثابت‏

____________

[1] الظهر: الإبل التى يحمل عليها و تركب.

[2] ثبتت هذه العبارة فى النسخة (ن)، و سقطت من النسخة (ك)، و عبارة ابن جرير: «و دعا بالظهر فحمل الرجال»، و عبارة ابن الأثير: «و أعد الظهر و الرجال».

[3] كذا جاء فى (ن)، و فى (ك): «بالخبر».

[4] كذا جاء فى المخطوطة و تاريخ ابن الأثير. و جاء فى تاريخ ابن جرير الطبرى:

«ابتدر».

[5] أبوا الهيثم بن التيهان صحابى أنصارى، اسمه مالك، و له ترجمة فى شرح ابن أبى الحديد لنهج البلاغة 2 ص 539 و الاستيعاب ج 3 ص 368 و الإصابة ج 3 ص 341 و أسد الغابة 4 ص 274.

[6] فى الكامل ج 3 ص 113، و عبارته مأخوذة من ابن جرير فى تاريخه ج 3 ص 467.

[7] ج 1 ص 417- 418 من الاستيعاب.

42

ذى الشهادتين [1]: (إنه شهد مع علىّ حرب الجمل و صفّين فدلّ على أنه هو، و اللّه أعلم.) فأجابا عليّا إلى نصرته.

و قال أبو قتادة الأنصارى لعلىّ: «يا أمير المؤمنين، إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قلّدنى هذا السيف، و قد أغمدته زمانا، و قد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الّذين لم يألوا الأمة غشا، و قد أحببت أن تقدّمنى، فقدّمنى.

قال [2]: و لما أراد علىّ المسير إلى البصرة و كان يرجو أن يدرك طلحة و الزّبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة، فلمّا سار استخلف على المدينة تمّام بن العبّاس، و على مكة قثم بن العباس، و قيل: أمّر على المدينة سهل بن حنيف، و سار فى تعبئته الّتى كانت لأهل الشام، و ذلك فى آخر شهر ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين.

و خرج معه من نشط من الكوفيين و البصرين متخففين فى تسعمائة، فلقيه عبد اللّه بن سلام فأخذ بعنانه، و قال: «يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها، فو اللّه لئن خرجت منها [3] لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا!» فسبّوه، فقال: «دعوه، نعم الرجل من أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم)». و سار حتّى انتهى إلى الرّبذة [4]، فأتاه خبر سبقهم إلى البصرة، فأقام بها يأتمر ما يفعل.

____________

[1] سمى خزيمة: «ذا الشهادتين» لأن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) جعل شهادته كشهادة رجلين.

[2] القائل ابن الأثير فى الكامل.

[3] فى رواية ابن جرير الطبرى ج 3 ص 474: «لا ترجع إليها و لا يعود ..».

[4] الربذة: قرية بين المدينة و فيد.

43

ذكر ارسال على الى أهل الكوفة

و عود رسله و إرسال غيرهم و ما كان من إخراج أبى موسى الأشعرىّ عن الكوفة و انضمام أهل الكوفة إلى علىّ و ما كان فى خلال ذلك من الأخبار قال: و لما أقام علىّ- (رضى اللّه عنه)- بالرّبذة أرسل منها محمد بن أبى بكر الصديق و محمد بن جعفر (رضى اللّه عنهم) إلى أهل الكوفة، و كتب إليهم: «إنى قد اخترتكم على الأمصار، و فزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين اللّه أعوانا و أنصارا، و انهضوا إلينا، فالإصلاح نريد، لتعود هذه الأمّة إخوانا». فمضيا.

و أقام بالرّبذة، و أرسل إلى المدينة، فأتاه ما يريد من دابّة و سلاح.

ثم قام فى الناس فخطبهم و قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى أعزّنا بالإسلام و رفعنا به، و جعلنا إخوانا بعد ذلّة و قلّة و تباغض و تباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء اللّه، الإسلام دينهم، و الحقّ فيهم، و الكتاب إمامهم، حتّى أصيب هذا الرجل بأيدى هؤلاء القوم الّذين نزغهم [1] الشيطان، لينزغ [2] بين هذه الأمّة، ألا و إنّ هذه لا بدّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ باللّه من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال: إنّه لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا و إن‏

____________

[1] نزغهم: نخسهم و وسوس لهم.

[2] ينزغ: يفسد.

44

هذه الأمّة ستفترق [1] على ثلاث و سبعين فرقة، شرّها فرقة تنتحلنى [2] و لا تعمل بعملى، و قد أدركتم و رأيتم [3]، فالزموا دينكم، و اهدوا بهديى، فإنه هدى نبيّكم، و اتّبعوا سنّته، و أعرضوا عمّا أشكل عليكم حتّى تعرضوه على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، و ما أنكره فردّوه، و ارضوا باللّه ربّا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيّا، و بالقرآن حكما و إماما.

قال: ثمّ أتاه جماعة من طيّى‏ء، و هو بالرّبذة، فقيل له: هذه جماعة قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك، و منهم من يريد التسليم عليك. فقال: جزى اللّه كلّا خيرا وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [4]. فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما شهدتمونا قال به؟ قالوا: شهدناك بكلّ ما تحب. فقال: «جزاكم اللّه خيرا! قد أسلمتم طائعين، و قاتلتم المرتدين، و وافيتم بصدقاتكم المسلمين». فنهض سعيد بن عبيد الطائى فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّ من الناس من يعبّر لسانه عن قلبه، و إنّى- و اللّه- ما كلّ [5] ما أجد فى قلبى يعبّر عنه لسانى، و سأجهد و باللّه التوفيق، أمّا أنا فسأنصح‏

____________

[1] هذا مأخوذ من حديث النبى (صلى اللّه عليه و سلم)،

فقد روى أحمد بن حنبل و أبو داود عن معاوية بن أبى سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قام فينا فقال: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة، و إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين، اثنتان و سبعون فى النار، و واحدة فى الجنة، و هى الجماعة»

. انظر معالم السنن ج 4 ص 295.

[2] تنتحلنى: تنتسب إلى.

[3] كذا جاء فى المخطوطة مثل الذى رواه ابن جرير. و جاء فى الكامل لابن الأثير:

«و قد أدركتهم و رأيتهم».

[4] من الآية 95 من سورة النساء.

[5] كذا جاء عند الطبرى. و فى المخطوطة هذه العبارة: «و إنى و اللّه ما أجد لسانى يعبر عما فى قلبى».

45

لك فى السر و العلانية، و أقاتل عدوّك فى كل موطن، و أرى من الحقّ لك ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك و قرابتك». فقال:

«يرحمك اللّه! قد أدّى لسانك عما يجنّ ضميرك». [1]

قال: ثم سار علىّ- (رضى اللّه عنه)- من الرّبذة، و على مقدّمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح، و الراية مع ابنه محمد بن الحنفيّة، و علىّ على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا، فلمّا نزل بفيد [2] أتته أسد و طيّى‏ء، فعرّضوا عليه أنفسهم فقال: فى المهاجرين كفاية.

و عرضت عليه بكر بن وائل أنفسها، فقال لها كذلك.

قال: و انتهى إلى ذى قار [3] أتاه عثمان بن حنيف و ليس فى وجهه شعرة [4]- و قيل: إنّه أتاه بالرّبذة- فقال: يا أمير المؤمنين بعثتنى ذا لحية و قد جئتك أمرد! قال: أصبت أجرا و خيرا!.

و أقام بذى قار ينتظر جواب أهل الكوفة [5].

و كان من خبر محمد بن أبى بكر و محمد بن جعفر أنّهما أتيا أبا موسى الأشعرىّ بكتاب علىّ، و قاما فى الناس بأمره، فلم يجابا بشى‏ء، فلما أيسوا دخل ناس من أهل الحجا على أبى موسى فقالوا: ما ترى فى الخروج؟ فقال: «كان الرأى بالأمس ليس اليوم [6]، إن‏

____________

[1] زاد الطبرى و ابن الأثير: «فقتل معه بصفين، (رحمه الله)».

[2] فيد: موضع فى منتصف الطريق بين العراق و الحجاز.

[3] ذوقار: موضع قريب من الكوفة، اشتهر عند العرب بوقعة مشهورة كانت بين بكر و كسرى.

[4] كان محاربوه قد نتفوا شعر لحيته و رأسه و حاجبيه.

[5] كذا جاء فى المخطوطة، و عند ابن جرير و ابن الأثير «أمسوا».

[6] كذا جاء فى المخطوطة و الكامل لابن الأثير. و فى تاريخ ابن جرير: «باليوم».

46

الّذى تهاونتم به فيما مضى هو الذى جرّ عليكم ما ترون، إنّما هما أمران:

القعود سبيل الآخرة، و الخروج سبيل الدنيا، فاختاروا» فلم ينفر إليه أحد، فغضب محمد، فأغلظا لأبى موسى، فقال لهما: «و اللّه إنّ بيعة عثمان فى عنقى و عنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من قتال لا نقاتل أحدا حتّى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا».

فانطلقا إلى علىّ فأخبراه الخبر و هو بذى قار، فقال للأشتر و كان معه: «أنت صاحبنا فى أبى موسى و المعترض فى كل شي‏ء، اذهب أنت و ابن عبّاس فأصلح ما أفسدت».

فخرجا، فقدما الكوفة، فكلّما أبا موسى، و استعانا عليه بنفر من أهل الكوفة، فخطبهم أبو موسى فقال «أيّها الناس، إنّ أصحاب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) الّذين صحبوه [فى المواطن‏] [1] أعلم باللّه و رسوله ممّن لم يصحبه، و إنّ لكم علينا حقّا، و أنا مؤدّ إليكم نصيحة، كان الرأى ألّا تستخفّوا بسلطان اللّه، و ألا تجترءوا على اللّه، و أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردّوهم إليها حتّى يجتمعوا فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة [منكم‏] [2]، و هذه فتنة صمّاء [3]، النائم [4] فيها خير من اليقظان، و اليقظان خير من القاعد، و القاعد خير من القائم، و القائم خير من الراكب، و الراكب خير من الساعى،

____________

[1] الزيادة من رواية ابن جرير الطبرى.

[2] الزيادة من رواية ابن جرير.

[3] الفتنة الصماء هى التى لا سبيل إلى تسكينها، لأن الأصم لا يسمع النداء فلا يقلع عما بفعله: و قيل: هى كالحية الصماء التى لا تقبل الرقى.

[4] هذا و ما يتصل به بعده مأخوذ من حديث النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و سيأتى ذكره قريبا.

47

فكونوا جرثومة [1] من جراثيم العرب، فأغمدوا السّيوف، و أنصلوا [2] الأسنّة، و اقصعوا الأوتار، و آووا [3] المظلوم و المضطهد، حتّى يلتئم هذا الأمر، و تنجلى هذه الفتنة».

فرجع ابن عبّاس و الأشتر إلى علىّ، فأخبراه الخبر.

فأرسل ابنه الحسن و عمّار بن ياسر، (رضى اللّه عنهما)، و قال لعمّار: انطلق فأصلح ما افسدت. فأقبلا حتّى دخلا مسجد الكوفة، فكان أوّل من رآهما مسروق [4] بن الأجدع، فسلّم عليهما، و أقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا و ضرب أبشارنا [5]! قال: فو اللّه ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به و لا صبرتم فكان خيرا للصابرين [6]!.

فخرج أبو موسى فلقى الحسن فضمّه إليه، و أقبل على عمّار قال: يا أبا اليقظان أ عدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجّار؟ فقال: لم أفعل و لم يسؤنى! فقطع الحسن عليهما [الكلام [7]]، و أقبل على أبى موسى فقال له: «لم تثبط

____________

[1] الجرثومة: الأصل.

[2] انصلوا الأسنة: انزعوا أسنة الرماح، أى: أخرجوا الأسنة من أماكنها إبطالا للقتال.

[3] كذا جاء فى النسخة (ن) و تاريخ ابن جرير و ابن الأثير، أى: ضموه إليكم.

و حوطوه بينكم. و فى النسخة (ك): «و انصروا».

[4] كذا جاء فى تاريخ ابن جرير و القاموس و الإصابة ج 3 ص 492 حيث ترجمته. و فى المخطوطة: «المسروق».

[5] أبشار: جمع بشر، و «بشر» اسم جنس جمعى واحده: بشرة، و هى ظاهر الجلد.

[6] مأخوذ من قول اللّه تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏ الآية 126 من سورة النحل.

[7] الزيادة من الكامل لابن الأثير.

48

الناس عنّا؟ فو اللّه ما أردنا إلّا الإصلاح، و لا مثل أمير المؤمنين يخاف على شي‏ء!» قال: صدقت، بأبى أنت و أمّى! و لكن» المستشار مؤتمن [1]،

سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول‏

«إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشى، و الماشى خير من الراكب [2]»

و قد جعلنا اللّه إخوانا، و حرّم علينا دماءنا و أموالنا.

فغضب عمّار، و سبّه، و قام فقال: يا أيّها الناس إنّما قال له وحده «أنت فيها قاعدا خير منك قائما»!.

فقام رجل من بنى تميم، فسبّ عمّارا و قال: أنت أمس مع الغوغاء و اليوم تسافه أميرنا!.

و ثار زيد بن صوحان و أمثاله، و ثار الناس، و قام زيد على باب المسجد، و معه كتاب من عائشة إليه تأمره بملازمة بيته أو نصرتها، و كتاب إلى أهل الكوفة بمعناه، فأخرجهما فقرأهما على الناس، فلما فرغ منهما قال: «أمرت أن تقرّ فى بيتها [3]، و أمرنا أن نقاتل حتّى‏

____________

[1] «المستشار مؤتمن» حديث رواه الترمذى و ابن ماجة و غيرهما عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و المراد أنه أمين على ما استشير فيه.

[2] هذا الحديث رواه عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) جماعة من الصحابة، فقد رواه البخارى عن أبى هريرة فى الحديثين 6654، 6655، و رواه مسلم عن أبى هريرة و أبى بكرة، انظر شرح النووى ج 18 ص 8- 9، و

روى الترمذى أن سعد بن أبى وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان أشهد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال‏ «إنها ستكون فتنة ..»

ثم عقبة بقوله «قال أبو عيسى: و فى الباب عن أبى هريرة و خباب بن الأرت و أبى بكرة» و ابن مسعود و أبى واقد و أبى موسى و خرشة، و هذا حديث حسن» ج 9 ص 48- 49.

[3] يشير إلى قول اللّه تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ‏.

49

لا تكون فتنة [1]، فأمرتنا بما أمرت به، و ركبت ما أمرنا به!».

فقال له شبث بن ربعىّ: يا عمانىّ [2]، سرقت بجلولاء [3] فقطعت يدك! و عصيت أمّ المؤمنين [فقتلك اللّه [4]]!.

و تهاوى الناس. قام أبو موسى فقال: أيّها الناس، أطيعونى، و كونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوى إليكم المظلوم، و يأمن فيكم الخائف إنّ الفتنة إذا أقبلت شبّهت، و إذا أدبرت بيّنت [5] و إنّ هذه الفتنة باقرة [6] كداء البطن [7]، تجرى بها [8] الشّمال و الجنوب و الصّبا و الدّبور، تذر الحكيم و هو حيران كابن أمس، شيموا [9] سيوفكم، و اقصدوا [10] رماحكم، و قطّعوا أوتاركم و الزموا بيوتكم، خلّوا قريشا إذ أبوا إلّا الخروج من دار الهجرة و فراق أهل العلم [11]، استنصحونى و لا تستغشونى، أطيعونى يسلم لكم دينكم،

____________

[1] يشير إلى قول اللّه تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ*.

[2] قال ابن جرير و ابن الأثير: زيد من «عبد القيس» و هم يسكنون عمان.

[3] جلولاء: قرية بالعراق كانت بها وقعة مشهورة على الفرس المسلمين.

[4] الزيادة من ابن جرير.

[5] أى أنها إذا أقبلت شبهت على القوم و أرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها و يركبوا منها مالا يجوز، فاذا أدبرت و انقضت بان أمرها فعلم من دخل فيها أنه كان على الخطأ.

[6] كذا رواها

ابن جرير فى تاريخه، و قال صاحب النهاية: فى حديث أبى موسى:

سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول‏ «سيأتى على الناس فتنة باقرة تدع الحليم حيران»

أى: واسعة عظيمة. و فى المخطوطة: «فاقرة».

[7] فى النهاية: «إن هذه لفتنة باقرة كداء البطن لا يدرى أنى يؤتى له» أى أنها مفسدة للدين مفرقة للناس و شبهها بداء البطن لأنه لا يدرى ما هاجه و كيف يداوى و يتأتى له.

[8] كذا رواها ابن جرير، و فى المخطوطة: «به».

[9] شيموا: اغمدوا.

[10] اقصدوا: اكسروا.

[11] فى تاريخ الطبرى: «العلم بالإمرة».

50

و دنياكم و يشقى بجر هذه الفتنة من جناها.

فقام زيد، فشال يده المقطوعة، فقال: يا عبد اللّه بن قيس [1] ردّ الفرات عن أدراجه، اردده من حيث يجي‏ء حتّى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه، سيروا إلى أمير المؤمنين و سيّد المسلمين، انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ!.

فقام القعقاع بن عمرو [2] فقال: «إنّى لكم ناصح، و عليكم شفيق، أحبّ لكم أن ترشدوا، و لأقولنّ لكم قولا هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الحقّ لو أنّ إليه سبيلا، و أمّا ما قال زيد فزيد عدوّ هذا الأمير فلا تستنصحوه، و القول الّذى هو الحق أنه لا بدّ من إمارة تنظم الناس، و تزع [3] الظالم، و تعزّ المظلوم و هذا أمير المؤمنين ملي‏ء [4] بما ولى، و قد أنصف فى الدعاء، و إنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا و كونوا من هذا الأمر بمرأى و مسمع».

و قال عبد خير الخيوانى: يا أبا موسى هل بايع طلحة و الزبير عليّا؟ قال: نعم! قال: هل أحدث علىّ ما يحلّ به نقض بيعته؟

قال: لا أدرى. قال: «لا دريت! نحن نتركك حتّى تدرك! هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة؟ إنّما الناس أربع فرق: علىّ‏

____________

[1] عبد اللّه بن قيس هو أبو موسى الأشعرى.

[2] القعقاع بن عمرو التميمى كان من الصحابة و الفرسان.

[3] هكذا جاء عند ابن جرير و ابن الأثير، و «تزع» بمعنى: تكف و تمنع و تزجر و فى المخطوطة «ترع».

[4] ملي‏ء: مضطلع ناهض.