نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
5

الجزء الحادي و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة

وكلت إليّ الإدارة العامة للثقافة تحقيق الجزء التاسع عشر من كتاب نهاية الإرب للنويرى (و هو الجزء الحادى و العشرون من تقسيم المؤلف)، فرجعت إلى نسختيه المصورتين بدار الكتب، و هما برقم 549، و رقم 554 معارف عامة، و رمزت إلى الأولى بالحرف ك و إلى الثانية بالحرف د، و قد اعتمدت على النسخة الثانية لأنها أكثر تحقيقا، و جعلت الثانية مساعدة فى التحقيق.

و كان لا بد فى تحقيق نصوص هذا الكتاب مما يأتى:

1- الإشارة فى الهوامش إلى العبارات التى اختلفت فيها النسختان مما يجعل المتن فى صورة كاملة واضحة للقارئ.

2- الرجوع إلى المصدر الأول للكتاب، و هو الكامل لابن الأثير.

3- الرجوع إلى المصادر الأولى للتاريخ الإسلامى، و من أهمها تاريخ الطبرى، و فتوح البلدان للبلاذرى.

4- الرجوع إلى المعجمات اللغوية، و كتب البلدان، و من أهم ما رجعنا إليه فيها: معجم ما استعجم للبكرى، مراصد الاطلاع فى أسماء الأمكنة و البقاع لابن عبد الحق البغدادى، معجم البلدان لياقوت.

6

5- الرجوع- فى تحقيق الأعلام- إلى كتب الأعلام الموثوق بها، و قد رجعت فى ذلك إلى: المشتبه للذهبى. و تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، و تهذيب التهذيب لابن حجر، و تاج العروس، و الإكمال لابن ماكولا، و غيرها.

و أرجو أن يكون الكتاب بذلك قد نال حظه من العناية، فصار أقرب ما يكون إلى أصل المؤلف.

على محمد البجاوى‏

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [و به توفيقى‏] (1)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

تتمة الباب الثالث في أخبار الدولة الأموية

[تتمة ذكر بيعة عبد الله بن زبير]

ذكر أخبار المختار ابن أبى عبيد بن مسعود الثقفى‏

كان المختار بن أبى عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين بن عليّ (رضى اللّه عنهما) إلى الكوفة و أنزله فى داره، و دعا إليه. فلما ظهر ابن عقيل كان المختار فى قرية تدعى لقفا (2)، فأتاه الخبر بظهوره، فأقبل فى مواليه إلى باب الفيل بعد المغرب، و قد أجلس عبيد اللّه بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد و معه راية، فبعث إلى المختار و أمنه، فجاء إليه.

فلما كان من الغد ذكر عمارة بن عقبة (3) أمره لعبيد اللّه، فأحضره، و قال له: أنت المقبل فى الجموع لتنصر ابن عقيل! قال: لم أفعل، و لكنى أقبلت و نزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو بذلك، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر (4) عينه و قال: لو لا شهادته‏ (5) قتلتك.

و حبسه إلى أن قتل الحسين.

____________

(1) فى د وحدها.

(2) فى ك: لغفا. و المثبت فى د، و الطبرى، و فى معجم البلدان لياقوت:

لقف- ضبطه الحازمى بفتح أوله و سكون ثانيه. و قال عرام: لقف ماء آبار كثيرة عذبة، ليس عليها مزارع و لا نخل بأعلى قوران: واد من السوارقية على فرسخ. و عبارة الطبرى: فى قرية له بخطر نية. و خطر نية: ناحية من نواحى بابل العراق.

(3) فى د: عمارة بن الوليد بن عقبة، و المثبت فى ك، و الطبرى، و الاستيعاب: صفحة 1144

(4) شتره: غته و جرحه (القاموس).

(5) فى ك: لو لا شهادة عمرو.

8

فبعث المختار إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب يسأله أن يشفع [له‏] (1) فيه، و كان زوج أخته صفية بنت أبى عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه، فأطلقه و أمره ألّا يقيم غير ثلاث.

فخرج المختار إلى الحجاز، و اجتمع بعبد اللّه بن الزبير و أخبره خبر العراق، و قال له: ابسط يدك أبايعك، و أعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز، فإنّ أهله معك؛ و كان ابن الزبير يدعو لنفسه سرّا، فكتم أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف، و غاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير، فقيل له: إنه بالطائف، و إنه يزعم أنه صاحب الغضب و مبيد (2) الجبّارين، فقال ابن الزبير: قاتله اللّه، لقد اتبعت‏ (3) كذابا متكهّنا، إن يهلك اللّه الجبّارين يكن المختار أوّلهم.

فبينا هو فى حديثه إذ دخل المختار، فطاف و صلّى ركعتين، و جلس و أتاه معارفه يحدّثونه، و لم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن‏ (4) سعد، فأتاه، و سأله عن حاله، ثم قال له: مثلك يغيب عن الّذى قد اجتمع عليه الأشراف من قريش و الانصار و ثقيف؟ و لم‏ (5) تبق قبيلة إلا و قد أتاه زعيمها، فبايع هذا الرجل.

____________

(1) من د، و الطبرى.

(2) فى الطبرى: و مبير. و فى ك: و مسير.

(3) فى د، و الطبرى: انبعث.

(4) فى ك: عباس بن سهل بن مسعر. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(5) فى الطبرى: لم يبق.

9

فقال: إنى أتيته فى العام الماضى فكتم عنى خبره، فلما استغنى عنّى أحببت أن أريه أنّى مستغن عنه، فقال له العباس: القه [الليلة] (1) و أنا معك، فأجابه إلى ذلك، و حضر عند ابن الزّبير بعد العتمة، فقال له المختار: أبايعك على ألّا تقضى الأمور دونى، و على أن أكون أوّل داخل عليك، و إذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك.

فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب اللّه و سنّة رسوله. فقال:

و شرّ (2) غلمانى تبايعه على ذلك، و اللّه لا أبايعك أبدا إلّا على ذلك، فبايعه و أقام عنده، و شهد معه قتال الحصين‏ (3)، و كان أشدّ الناس على أهل الشام، فلمّا مات يزيد و أطاع‏ (4) أهل العراق عبد اللّه ابن الزبير، أقام المختار عنده خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس، فأخبره هانئ بن أبى حية الوداعى‏ (5) باتفاق‏ (6) أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلّا طائفة من الناس، لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما.

فقال المختار، أنا أبو إسحاق [أنا و اللّه لهم‏] (7)، أنا أجمعهم على‏

____________

(1) من د، و الطبرى.

(2) فى الطبرى: و شر غلمانى أنت مبايعه على كتاب اللّه و سنة رسوله.

(3) هو الحصين بن نمير السكونى.

(4) فى ك: و اطلع. و المثبت فى د.

(5) فى اللباب: الوداعى- بفتح الواو و الدال، و فى آخره العين المهملة.

(6) فى د: باتساق.

(7) من د، و الطبرى.

10

الحق، و أتّقى‏ (1) بهم ركبان الباطل، و أقتل بهم كلّ جبار عنيد.

ثم ركب دابته‏ (2) و سار نحو الكوفة فوصل إليها.

و اختلفت الشيعة إليه، و بلغه خبر سليمان بن صرد و أنه على عزم المسير، فقام فى الشيعة فحمد اللّه، ثم قال: إن المهدى و ابن الرّضا، يعنى محمد ابن الحنفية، بعثنى إليكم أمينا و وزيرا (3) و منتخبا و أميرا، و أمرنى بقتال الملحدين، و الطلب بدم أهل بيته.

فبايعه إسماعيل بن كثير و أخوه، و عبيدة بن عمرو، و كانوا أوّل من أجابه، و بعث إلى الشّيعة و قد اجتمعوا عند ابن صرد، و قال لهم نحو ذلك، و قال: إن سليمان ليس له تجربة بالحرب و لا بالأمور، إنّما يريد أن يخرجكم فيقتلكم و يقتل نفسه، و أنا أعمل على مثال مثّل لى، و أمر بيّن لى، فيه عزّ وليّكم، و قتل عدّوكم، و شفاء صدوركم، فاسمعوا قولى، و أطيعوا أمرى، ثم أبشروا.

فما زال بهذا و نحوه حتى استمال طائفة من الشيعة، فكانوا يختلفون إليه و يعظّمونه، و أكثر الشيعة مع ابن صرد، و هو أثقل خلق اللّه على المختار.

فلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن‏ (4) سعد، و شبث‏ (5) بن ربعى، و يزيد بن الحارث بن رويم لعبد اللّه بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشدّ عليكم من سليمان،

____________

(1) فى د: و ألقى.

(2) فى د: راحلته.

(3) فى ك: أمينا وزيرا.

(4) فى ك: عمرو بن سعيد.

(5) بالتحريك (المشتبه، و القاموس).

11

إن سليمان إنّما خرج يريد قتال عدوّكم، و المختار يريد أن يثب عليكم فى مصركم، فأتوه، و أخذوه بغتة، و حملوه إلى السجن، فكان يقول فى السجن: أما و رب البحار، و النخيل و الأشجار، و المهامة، و القفار، و الملائكة الأبرار، و المصطفين الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار، و مهنّد بتّار، و جموع‏ (1) الأنصار، و ليسوا بميل أغمار، و لا بعزّل‏ (2) أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدّين، و رأبت شعب صدع المسلمين، و شفيت غليل صدور المؤمنين، و أدركت بثأر النبيّين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، و لم أحفل بالموت إذا أتى.

و قيل فى خروج المختار إلى الكوفة غير ما تقدّم، و هو أنه قال لعبد اللّه بن الزّبير و هو عنده: إنى لأعلم قوما لو أنّ لهم رجلا له علم بما يأتى و يذر لاستخرج لك منهم جندا يقاتل بهم أهل الشام. قال: من هؤلاء؟ قال: شيعة عليّ [(رضى اللّه عنه)‏] (3) بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل؛ فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكى على الحسين و يذكر مصابه حتى ألفه الناس و أحبّوه، فنقلوه إلى وسط الكوفة، و أتاه منهم بشر كثير. [و اللّه أعلم‏ (4)].

____________

(1) فى ك: بجموع، و فى الطبرى: فى جموع.

(2) فى ك: بغرل. و الأغرل: الرجل المسترخى الخلق (القاموس). و المثبت فى د، و الطبرى. و الميل: جمع أميل: الكسل الذى لا يحسن الفروسية و الركوب (اللسان).

(3) ساقط فى د.

(4) ساقط فى د.

12

ذكر وثوب المختار بالكوفة

كان وثوب المختار بالكوفة فى رابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة [66 ه] ست و ستين، و كان سبب ذلك أنّه لما قتل سليمان بن صرد قدم من بقى من أصحابه إلى الكوفة، و كان المختار محبوسا كما ذكرنا، فكتب إليهم من السجن يثنى عليهم، و يمنّيهم الظّفر، و يعرّفهم أن محمد بن على بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية أمره بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شدّاد و المثنّى بن مخرّبة العبدى، و سعد بن حذيفة بن اليمان، و يزيد بن أنس، و أحمر بن شميط (1)، و عبد اللّه بن شدّاد البجلى، و عبد اللّه بن كامل.

فلمّا قرءوا كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون: إنّنا بحيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك و نخرجك‏ (2) من الحبس فعلنا، فقال:

إنى أخرج فى أيّامى هذه. و كان المختار قد أرسل إلى عبد اللّه ابن عمر يقول: إنى حبست مظلوما، و طلب [منه‏] (3) أن يشفع فيه إلى عبد اللّه بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة.

فكتب ابن عمر إليهما فى أمره، فشفّعاه فيه، و أخرجاه من السجن، و حلفاه أنّه لا يبغيهما غائلة، و لا يخرج عليهما ما دام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة، و مماليكه أحرار.

____________

(1) فى د: سميط. و المثبت فى ك، و الطبرى.

(2) فى الطبرى: حتى نخرجك.

(3) ساقط فى ك.

13

فلمّا خرج نزل بداره، و قال لمن يثق به: قاتلهم اللّه، ما أحمقهم حين يرون أنى أفى لهم، أمّا حلفى باللّه فإننى إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها أكفّر عن يمينى، و خروجى عليهم خير من كفّى عنهم، و أمّا هدى البدن، و عتق المماليك، فهو أهون عليّ من بصقة، وددت أنّى تمّ لى أمرى و لا أملك بعده مملوكا أبدا.

ثم اختلفت إليه الشّيعة، و اتفقوا على الرّضا به، و لم يزل أصحابه يكثرون و أمره يقوى، حتّى عزل عبد اللّه بن الزبير عبد اللّه ابن يزيد و إبراهيم بن محمد، و استعمل عبد اللّه بن مطيع على عملهما بالكوفة.

و قدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من شهر رمضان سنة [65 ه] خمس و ستّين. و لمّا قدم صعد المنبر، فخطب الناس و قال: أمّا بعد، فإن أمير المؤمنين بعثنى على مصركم و ثغوركم، و أمرنى بجباية فيئكم و ألّا أحمل فضلة عنكم‏ (1) إلا برضا منكم، و أن أتبع فيكم وصيّة عمر بن الخطّاب التى أوصى بها عند وفاته، و سيرة عثمان بن عفّان (رضى اللّه عنهما)، فاتقوا اللّه و استقيموا، و لا تختلفوا على، و خذوا على أيدى سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم. فقام إليه السائب بن مالك الأشعرى‏ (2)، فقال: أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد ألّا (3) نرضى أن تحمل عنّا فضلة و ألّا تقسم إلّا فينا، و ألّا يسار فينا إلا بسيرة عليّ بن أبى طالب الّتى سار بها فى بلادنا

____________

(1) فى ك، و الطبرى: فضل فيئكم عنكم.

(2) فى د: الأشعر. و المثبت فى ك، و الطبرى.

(3) فى الكامل: أنا لا نرضى.

14

حتى هلك، و لا حاجة لنا فى سيرة عثمان بن عفان فى فيئنا و لا فى أنفسنا، و لا فى سيرة عمر فى فيئنا، و إن كانت أهون السّيرتين علينا، و قد كان يفعل بالناس خيرا.

فقال يزيد بن أنس: صدق السائب و برّ، فقال ابن مطيع:

نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتم، ثمّ نزل.

و جاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له: إن السائب ابن مالك من رءوس أصحاب المختار، فابعث إلى المختار، فإذا جاءك فاحبسه حتّى يستقيم أمر الناس، فإنّ أمره قد استجمع له، و كأنّه قد وثب بالمصر.

فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة و حسين بن عليّ البرسميّ‏ (1)، فقالا له: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة (2): وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... الآية. فألقى المختار ثيابه و قال: ألقوا عليّ قطيفة فإنى‏ (3) وعكت، إنّى لأجد بردا شديدا، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالى، فعادا إليه فأعلماه فتركه.

و وجّه المختار إلى أصحابه، فجمعهم حوله فى الدّور، و أراد أن يثب فى المحرّم؛ فجاء رجل من أصحابه من شبام‏ (4)، و شبام: حىّ‏

____________

(1) البرسمى: بضم الباء و سكون الراء: و ضم السين المهملة (اللباب).

(2) سورة الأنفال، آية 30.

(3) فى ك: فقد.

(4) شبام- ككتاب، و فى الكامل (3- 372): بكسر الشين المعجمة و الباء الموحدة.

15

من همدان، و كان شريفا، و اسمه عبد الرحمن بن شريح، فلقى سعيد بن منقذ الثّورى، و سعر (1) بن أبى سعر الحنفى، و الأسود ابن جراد الكندى، و قدامة بن مالك الجشمىّ‏ (2)، فقال لهم:

إنّ المختار يريد أن يخرج بنا، و لا ندرى أرسله‏ (3) ابن الحنفيّة أم لا؟ فانهضوا بنا إلى محمد ابن الحنفيّة نخبره بما قدم به علينا المختار، فإن رخّص لنا فى اتّباعه اتّبعناه، و إن نهانا عنه اجتنبناه، فو اللّه ما ينبغى أن يكون شي‏ء من الدنيا آثر (4) عندنا من سلامة ديننا، فاستصوبوا رأيه، و خرجوا إلى ابن الحنفيّة، فلمّا قدموا عليه سألهم عن حال الناس، فأخبروه و أعلموه‏ (5) حال المختار، فقال:

و اللّه لوددت أن اللّه انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، فعادوا.

و كان مسيرهم قد شقّ على المختار، و خاف أن يعودوا بما يخذل الشّيعة عنه، فلمّا قدموا الكوفة دخلوا عليه، فقال: ما وراءكم؟ فقد فتنتم و ارتبتم، فقالوا: قد أمرنا بنصرك، فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اجمعوا الشّيعة، فجمع من كان قريبا منه، فقال لهم:

إنّ نفرا أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى‏ (6)، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبّأهم أنّى وزيره و ظهيره و رسوله،

____________

(1) سعر- بكسر السين المهملة (الكامل: 3- 372).

(2) فى ك: الخثعمى. و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

(3) فى الطبرى: أرسله إلينا ...

(4) فى ك: أسر. و المثبت فى د.

(5) فى ك: فاعلموه.

(6) فى الكامل: إلى الإمام المهدى. و المثبت فى ك، د، و الطبرى.

16

و أمركم بطاعتى و اتّباعى فيما دعوتكم إليه من قتال المحلّين‏ (1)، و الطلب بدماء أهل بيت نبيّكم.

فقام عبد الرحمن بن شريح و أخبرهم بحالهم و مسيرهم، و أنّ ابن الحنفيّة أمرهم بمظاهرته‏ (2) و مؤازرته، و قال لهم: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، و استعدّوا و تأهّبوا، و قام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا من كلامه.

فاجتمعت له الشيعة، و كان من جملتهم [الشّعبى‏] (3) و أبوه شراحيل، فلمّا تهيّأ أبوه‏ (4) للخروج قال له بعض أصحابه:

إن أشراف الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن أجابنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوّة على عدوّنا، فإنّه فتى رئيس‏ (5) و ابن رجل شريف، و له عشيرة ذات عزّ و عدد. فقال المختار:

فالقوه و ادعوه، فخرجوا إليه و معهم الشّعبى، فأعلموه حالهم، و سألوه مساعدتهم، فقال: على أن تولونى الأمر، فقالوا: أنت لذلك‏ (6) أهل، و لكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدى، و هو المأمور بالقتال، و قد أمرنا بطاعته، فلم يجبهم إبراهيم، فانصرفوا عنه.

و أتوا المختار، فسكت ثلاثا، ثم سار إلى إبراهيم فى بضعة

____________

(1) فى د: المخلين. و المثبت فى ك، و الطبرى.

(2) فى ك: بمصاهرته- تحريف.

(3) ساقط فى ك.

(4) فى د: أمره.

(5) فى الطبرى: بئيس.

(6) فى ك: أنت لذاك.

17

عشر من أصحابه، و الشعبىّ و أبوه فيهم، فدخلوا عليه، فألقى إليهم الوسائد، فجلسوا عليها، و جلس المختار معه على فراشه، فقال المختار له: هذا كتاب المهدىّ إليك، يسألك أن تنصرنا و تؤازرنا، فقرأه، فإذا هو: «من محمد المهديّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإنى أحمد اللّه إليك الّذى لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فإنى [قد] (1) بعثت إليكم وزيرى و أمينى الذى ارتضيته لنفسى، و أمرته بقتال عدوّى، و الطلب بدماء أهل بيتى، فانهض بنفسك و عشيرتك و من أطاعك، فإنك إن نصرتنى و أجبت دعوتى كانت لك بذلك عندى فضيلة، و لك أعنّة الخيل، و كلّ جيش غاز، و كلّ مصر و منبر و ثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة و أقصى بلاد الشام».

فلمّا فرغ من قراءته تأخّر عن صدر الفراش، و أجلس المختار عليه، و بايعه. و صار يختلف إلى المختار كلّ عشيّة يدبّرون أمورهم.

و اجتمع رأيهم على الخروج ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الأوّل، فلمّا كان تلك اللّيلة، صلّى إبراهيم بن الأشتر بأصحابه المغرب، ثم خرج يريد المختار، و عليه و على أصحابه السلاح، و كان إياس بن مضارب قد جاء إلى عبد اللّه بن مطيع و هو على شرطته، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى هاتين اللّيلتين، و قد بعثت بابنى إلى الكناسة (2)، فلو بعثت فى كلّ جبّانة (3) عظيمة

____________

(1) فى د.

(2) الكناسة: محلة بالكوفة عندها أوقع يوسف بن عمر الثقفى بزيد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب (ياقوت).

(3) الجبانة: المقبرة و الصحراء، و جمعه الجبابين. (القاموس).

18

بالكوفة رجلا من أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار و أصحابه الخروج عليك، فبعث ابن مطيع إلى كلّ جبّانة من يحفظها من أهل الطاعة، و أمّر على كل طائفة أميرا، و أوصى كلا منهم ألّا يؤتى من قبله، و قال: إذا سمعت صوت القوم فوجّه نحوهم، و كان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين.

و خرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار، و قد بلغه أنّ الجبابين قد ملئت رجالا، و أن إياس بن مضارب فى الشّرطة قد أحاط بالسّوق و القصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع، و قد لبسوا عليهم الأقبية، فقال له [أصحابه‏] (1): تجنب الطريق، فقال: و اللّه لأمرّنّ وسط السّوق بجنب القصر، و لأرعبن عدوّنا، و لأرينّهم هوانهم علينا، فسار على باب الفيل، فلقيهم إياس فى الشّرط مظهرين السّلاح، فقال: من أنتم؟ فقال‏ (2):

أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الّذى معك؟

و إلى أين تريد؟ و لست بتاركك حتى آتى بك الأمير، فقال إبراهيم:

خلّ سبيلنا؛ قال: لا أفعل؛ و كان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن، و كان يكرمه، و كان صديقا لابن الاشتر، فقال له ابن الأشتر: ادن منى يا أبا قطن، فدنا منه و هو يظنّ أن إبراهيم يستشفع به عند إياس، فلمّا دنا منه أخذ رمحا كان معه فطعن به إياسا فى ثغره‏ (3)، فصرعه، و أمر رجلا من أصحابه فقطع رأسه،

____________

(1) من د.

(2) فى د: قال.

(3) فى الكامل: فى ثغرة نحره.

19

و تفرّق أصحاب إياس، و رجعوا إلى ابن مطيع، فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشّرط، و أقبل إبراهيم إلى المختار و قال له:

إنّا اتّعدنا للخروج القابلة، و قد وقع أمر، لا بد من الخروج الليلة، و أخبره الخبر، ففرح المختار يقتل إياس و قال: هذا أوّل الفتح إن شاء اللّه.

ثم قال لسعيد بن منقذ: قم فأشعل النّيران و ارفعها، و سر أنت يا عبد اللّه بن شدّاد فناد: يا منصور، أمت، و أنت يا سفيان بن ليلى، و أنت يا قدامة بن مالك: ناد يا لثارات الحسين، ثم لبس سلاحه.

و كانت الحرب بين أصحابه و بين الّذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين فى تلك الليلة، فكان الظفر لأصحاب المختار، و خرج المختار فى جماعة من أصحابه حتى نزل فى ظهر دير هند فى السبخة (1)، و انضمّ إليه ممّن تابعه ثلاثة آلاف و ثمانمائة من اثنى عشر ألفا، و اجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح و قد فرغ من تعبئته، و صلّى بأصحابه بغلس.

و قد جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه، فبعث شبث بن ربعىّ فى ثلاثة آلاف، و راشد بن إياس فى أربعة آلاف من الشّرط، لقتال المختار و من معه، و أردفهم بالعساكر، و اقتتلوا؛ فكان الظفر لأصحاب المختار، و كان الذى صلّى الحرب و دبر الأمر إبراهيم بن الأشتر.

فلمّا رأى ابن مطيع أمر المختار و أصحابه قد قوى خرج بنفسه إليهم، فوقف بالكناسة و استخلف شبث بن ربعى على القصر، فبرز إبراهيم ابن الأشتر إلى ابن مطيع فى أصحابه و حمل عليه، فلم يلبث ابن مطيع‏

____________

(1) دير هند: بالحيرة. و السبخة: أرض ذات نز و ملح (البكرى).

20

أن انهزم أصحابه، يركب بعضهم بعضا على أفواه السّكك، و ابن الأشتر فى آثارهم، حتى بلغ المسجد، و حصر ابن مطيع و من معه من أشراف الكوفة فى القصر ثلاثا، فقال شبث لابن مطيع: انظر لنفسك و لمن معك؛ فقال: أشيروا عليّ؛ فقال شبث: الرأى أن تأخذ لنفسك و لنا أمانا، و تخرج و لا تهلك نفسك و من معك؛ فقال ابن مطيع: إنى لأكره أن آخذ منه أمانا، و الأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز و البصرة؛ قال: فتخرج و لا تشعر بك أحدا، فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى تلحق بصاحبك. فأقام حتى أمسى، و خرج و أتى دار أبى موسى، و ترك‏ (1) القصر، ففتح أصحابه الباب، و قالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ فقال: أنتم آمنون؛ فخرجوا، فبايعوا المختار. و دخل [المختار] (2) القصر فبات به، و أصبح أشراف الناس فى المسجد و على باب القصر، و خرج المختار فصعد المنبر و خطب الناس، ثم نزل.

و دخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب اللّه و سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الطلب بدماء (3) أهل البيت و جهاد المحلّين‏ (4) و الدّفع عن الضّعفاء، و قتال من قاتلنا، و سلّم من سالمنا.

و كان ممن بايعه المنذر بن حسان الضّبى و ابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبلهما سعيد بن منقذ الثورى فى جماعة

____________

(1) فى د: و نزل.

(2) من الكامل.

(3) فى ا: بدم.

(4) فى د: المخلين- بالخاء المعجمة.

21

من الشّيعة، فقالوا: هذان و اللّه رءوس الجبارين، فقتلوهما، و نهاهم سعيد عن قتلهما إلّا بأمر المختار، فلم ينتهوا.

فلما سمع المختار ذلك كرهه، و أقبل يمنّى الناس و يود (1) الأشراف، و يحسن السّيرة، فبلغه أن ابن مطيع فى دار أبى موسى، فسكت، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف درهم، و قال: تجهز بهذه، فقد علمت مكانك، و أنّك لم يمنعك من الخروج إلا عدم النّفقة.

*** و وجد المختار فى بيت المال [بالكوفة] (2) تسعة آلاف ألف و خمسمائة ألف، فأعطى لكل رجل خمسمائة درهم، و أعطى لستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر (3)، لكل منهم مائتى درهم، و استقبل الناس بخير. و استعمل على شرطته عبد اللّه بن كامل الشّاكرى، و على حرسه كيسان.

[و اللّه أعلم بالصواب‏] (4).

____________

(1) فى ك: و يرد. و فى الطبرى (7- 290): و يستجر مودتهم و مودة الأشراف، و فى الكامل (3- 363): و يستجر مودة الأشراف.

(2) من الطبرى.

(3) فى ا: أتوه بعد إحاطة. و المثبت فى د.

(4) من ك.

22

ذكر عمال المختار بن أبى عبيد

كانت أوّل راية عقدها المختار لعبد اللّه بن الحارث أخى الأشتر على إرمينية، و بعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، و بعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، و بعث إسحاق ابن مسعود على المدائن، و أرض جوخى‏ (1)، و بعث قدامة بن أبى عيسى ابن ربيعة النّصرى حليف ثقيف على بهقباذ (2) الأعلى، و بعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، و بعث سعد ابن حذيفة بن اليمان على حلوان، و أمره بقتال الأكراد، و إقامة الطّرق.

و كان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بعث المختار عبد الرحمن إليها، سار محمد عنها إلى تكريت‏ (3)، ينتظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه، فلما فرغ من ذلك أقبل يجلس للناس و يقضى بينهم، ثم قال: إن لى فيما أحاول شغلا عن القضاء، ثم أقام شريحا يقضى بين الناس، فتمارض، فجعل المختار مكانه عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، ثم مرض، فجعل مكانه عبد اللّه بن مالك الطائى.

____________

(1) جوخى: نهر عليه كورة واسعة فى سواد بغداد (ياقوت).

(2) بالكسر ثم السكون و ضم القاف و باء موحدة و ألف و ذال معجمة:

اسم لثلاث كور من أعمال سقى الفرات (المراصد).

(3) تكريب- بفتح التاء، و العامة تكسرها: بلد مشهور بين بغداد و الموصل، و هى إلى بغداد أقرب. (المراصد، و ياقوت).

23

ذكر قتل المختار قتلة الحسين‏

و خروج أهل الكوفة على المختار و قتالهم إياه و وقعة السبيع‏ (1) كان سبب ذلك أن مروان بن الحكم لما استتب له الأمر بعث عبيد اللّه بن زياد إلى العراق، و قد ذكرنا ما كان من أمره مع التّوابين‏ (2). ثم توفى مروان بن الحكم و ولّى ابنه عبد الملك، فأقرّ ابن زياد على ولايته، و أمره بالجدّ، فأقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إليه يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل، و أنّه قد تنحّى له عنها إلى تكريت، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدى، فانتخب ثلاثة آلاف، و سار بهم نحو الموصل، و كتب المختار إلى عبد الرحمن: أن خلّ بين يزيد و بين البلاد، فسار يزيد حتى بلغ أرض الموصل، فنزل بنات تلّى‏ (3)، و بلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثنّ إلى كلّ ألف ألفين، فأرسل ربيعة بن المخارق الغنوىّ فى ثلاثة آلاف، و عبد اللّه بن جملة (4) الخثعمى فى ثلاثة آلاف، فسار ربيعة قبل عبد اللّه بيوم، فنزل بيزيد بن أنس بنات تلّى‏ (5) فخرج، و قد اشتدّ به المرض، و عبّأ أصحابه،

____________

(1) السبيع: بفتح أوله و كسر ثانية ثم ياء و عين مهملة: بالكوفة (المراصد).

(2) فى الطبرى (6- 38): ما كان من أمره و أمر التوابين من الشيعة بعين الوردة.

(3) فى ك: فنزل ببابل. و فى د: ببابلى. و فى الكامل: بباقلى. و المثبت فى الطبرى، و معجم ما استعجم.

(4) هذا فى د، و الكامل، و فى الطبرى بالحاء المهملة.

(5) فى ك: فنزل ببابل. و فى د: ببابلى. و فى الكامل: بباقلى. و المثبت فى الطبرى، و معجم ما استعجم.

24

و قال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدى، فإن هلك فأميركم عبد اللّه بن ضمرة العذرى، فإن هلك فأميركم سعر الحنفى.

ثم نزل فوضع على سرير، و قال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرّوا عنه.

و اقتتل القوم، فانهزم أصحاب ابن زياد، و قتل ربيعة بن المخارق، قتله عبد اللّه بن ورقاء، فسار المنهزمون ساعة، و لقيهم عبد اللّه ابن جملة فردهم معه، فباتوا ليلتهم ببنات تلّى يتحارسون، فلمّا أصبحوا خرجوا إلى القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، و ذلك فى يوم الأضحى سنة ست و ستّين، فانهزم أهل الشام، و نزل ابن جملة فى جماعة، فقاتل حتى قتل، و حوى أهل الكوفة عسكرهم، و قتلوا فيهم قتلا ذريعا، و أسروا ثلاثمائة، فأمر يزيد بقتلهم، و هو بآخر رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فقال ورقاء بن عازب لأصحابه:

إنه بلغنى أنّ عبيد اللّه بن زياد قد أقبل إليكم فى ثمانين ألفا، و أشار عليهم بالرجوع إلى المختار، فصوّبوا رأيه، و رجعوا، فبلغ ذلك أهل الكوفة، فأرجفوا بالمختار، و قالوا: إن يزيد قتل و لم يمت، فندب إبراهيم بن الأشتر فى سبعة آلاف، و قال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد فأنت الأمير عليهم، فارددهم معك حتى تلقى ابن زياد فناجزه.

فسار إبراهيم لذلك، فاجتمع أشراف الكوفة على شبث بن ربعى و قالوا: و اللّه، إن المختار تأمّر بغير رضا منّا، و قد أدنى موالينا (1)، فحملهم على الدوابّ، و أعطاهم فيئنا.

____________

(1) فى الكامل: و قد أزرى بمواليه، و المثبت فى ك، د، و الطبرى.

25

فقال: دعونى حتّى ألقاه، فذهب إليه فكلمه، فلم يدع شيئا أنكره إلّا ذكره له، و المختار يقول فى كلّ خصلة: أنا أرضيهم فى هذه و آتى كل ما أحبوه، فلما ذكر له‏ (1) الموالى و مشاركتهم فى الفى‏ء قال: إن أنا تركت لكم مواليكم و جعلت فيئكم لكم، أ تقاتلون معى بنى أمية و ابن الزبير و تعطونى على الوفاء عهد اللّه و ميثاقه و ما أطمئن إليه من الأيمان. فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابى فأذكر ذلك لهم.

فخرج إليهم و لم يعد إلى المختار، و اجتمع رأيهم على قتاله، فاجتمع شبث، و محمد بن الأشعث، و عبد الرحمن بن سعيد (2) بن قيس، و شمر بن ذى الجوشن، و دخلوا على كعب بن أبى‏ (3) كعب الخثعمى، فكلّموه فى ذلك، فأجابهم إليه، فخرجوا من عنده، و دخلوا على على عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، فدعوه إلى ذلك، فقال:

إن أطعتمونى لم تخرجوا، فقالوا: لم؟ قال: إنى أخاف‏ (4) أن تتفرقوا و تختلفوا و مع الرجل شجعانكم و فرسانكم مثل فلان و فلان، ثم معه عبيدكم و مواليكم، و كلمة هؤلاء واحدة، و مواليكم أشدّ حنقا عليكم من عدوكم، فهم يقاتلونكم بشجاعة العرب و عداوة العجم، و إن انتظرتموه قليلا كفيتموه بغيركم، و لا تجعلوا بأسكم بينكم؛

____________

(1) فى ك: لهم.

(2) فى ك: سعد. و المثبت فى الطبرى، و الكامل.

(3) فى ك: كعب بن أبى بن كعب. و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

(4) فى د: لأخاف.

26

فقالوا: ننشدك اللّه ألّا تخالفنا و تفسد علينا رأينا، و ما أجمعنا عليه. فقال: إنّما أنا رجل منكم، فإذا شئتم فأخرجوا؛ فوثبوا بالمختار بعد مسير ابن الأشتر، و خرج كلّ رئيس بجبّانة، فأرسل المختار إلى ابن الأشتر يأمره بسرعة العود إليه، و بعث إليهم و هو يلاطفهم و يقول: إنى صانع ما أحببتم، و هو يريد بذلك مداهنتهم حتى يقدم إبراهيم ابن الأشتر، فوصل الرسول إليه و هو بساباط (1)، فرجع لوقته، و سار حتى أتى الكوفة و معه أهل القوّة من أصحابه، و اجتمع أهل اليمن بجبانة السّبيع، فلما حضرت الصلاة كره كلّ رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال ابن مخنف: هذا أوّل الاختلاف، قدموا الرضىّ منكم سيّد القرّاء رفاعة بن شداد البجلى، فلم يزل يصلّى بهم حتى كانت الوقعة.

ثم نزل المختار فعبّأ أصحابه و أمر ابن الأشتر فسار إلى مضر و عليهم شبث بن ربعى، و محمد بن عمير، و هم بالكناسة، و سار المختار نحو أهل اليمن بجبّانة السّبيع، فاقتتلوا أشدّ قتال، ثم كانت الغلبة للمختار و أصحابه، و انهزم أهل اليمن و أخذ من دور الوادعيين‏ (2) خمسمائة أسير، فأتى بهم إلى المختار، فعرضهم، فقتل منهم من شهد مقتل الحسين، فكانوا مائتين و ثمانية و أربعين.

و نادى منادى المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلّا من شرك فى دماء آل محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان عمر (3) بن الحجاج الزّبيدى‏

____________

(1) ساباط: بليدة بما وراء النهر (المراصد).

(2) وادعة: بطن من همدان.

(3) فى الطبرى: عمرو، و المثبت فى ك، د.

27

ممن شهد قتل الحسين، فركب راحلته و أخذ طريق الواقصة (1)، فعدم‏ (2) فقيل: أدركه أصحاب المختار، و قد سقط من شدّة العطش، فذبحوه.

و بعث المختار غلاما له يدعى زربيا (3) فى طلب شمر ابن ذى الجوشن، فأدركه فقتله شمر، و سار حتى نزل قرية يقال لها الكلتانيّة (4)، فأخذ منها علجا، فضربه، و قال: امض بكتابى هذا إلى مصعب بن الزبير؛ فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة صاحب المختار، فلقى ذلك العلج علجا آخر من تلك القرية، فشكا إليه ما لقى من شمر، فبينما هو يكلّمه إذ مر رجل من من أصحاب أبى عمرة اسمه عبد الرحمن بن أبى الكنود (5)، فرأى الكتاب، و عنوانه لمصعب من شمر، فسألوا العلج عنه، فأخبرهم بمكانه، فإذا هو منهم على مسيرة ثلاثة فراسخ، فساروا إليه و أدركوه، فهرب أصحابه، و أعجله القوم عن لبس سلاحه، فقام و قد اتزر ببرد، و كان أبرص، فظهر بياض برصه، فطاعنهم بالرّمح ثم ألقاه، و أخذ السيف فقاتل به حتى قتل، و الّذى قتله عبد الرحمن‏ (6) ابن أبى الكنود، و ألقى جيفته للكلاب.

____________

(1) فى الطبرى: فأخذ من طريق شراف و واقصة، و شراف و واقصة: من أعمال المدينة (البكرى).

(2) فى الطبرى: فلم ير حتى الساعة، و فى الكامل: فلم ير له خبر حتى الساعة.

(3) فى الكامل: زربى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) الكلتانية- بالفتح ثم السكون، و التاء مثناة من فوقها و بعد الألف نون مكسورة و ياء مشددة: قرية بين السوس و الصيمرة، و بها قتل شمر بن ذى الجوشن (ياقوت). و فى ك، د: الكلبانية- بالباء- تصحيف.

(5) فى الطبرى: عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود.

(6) فى الطبرى: عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود.

28

قال: و أقبل المختار إلى القصر من جبّانة السّبيع و معه سراقة ابن مرداس البارقى أسيرا، فناداه سراقة (1):

امنن على اليوم يا خير معد * * * و خير من حلّ‏ (2)بشحر و الجند

و خير من لبّى و حيّا و سجد

فأمر به إلى السجن، ثم أحضره من الغد، فأقبل و هو يقول‏ (3):

ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا * * * نزونا نزوة كانت علينا

خرجنا نرى الضّعفاء شيئا * * * و كان خروجنا بطرا و حينا (4)

لقينا منهم ضربا طلحفا (5) * * * و طعنا صائبا حتى انثنينا

نصرت على عدوّك كلّ يوم‏ * * * بكلّ كتيبة تنعى‏ (6) حسينا

كنصر محمّد فى يوم بدر * * * و يوم الشّعب إذ وافى‏ (7) حنينا

فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا * * * لجرنا فى الحكومة و اعتدينا

تقبّل‏ (8) توبة منّى فإنى‏ * * * سأشكر إذ جعلت النقد دينا

فلمّا انتهى إلى المختار قال: أصلح اللّه الأمير، أحلف باللّه الّذى لا إله إلّا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء و الأرض؛ فقال له المختار: اصعد على المنبر فأعلم الناس، فصعد، فأخبرهم بذلك، ثم نزل فخلا به فقال له: إنى قد علمت‏

____________

(1) و الطبرى: 6- 54.

(2) فى الكامل: بتجر- تحريف.

(3) و الطبرى: 6- 54.

(4) الحين: الهلاك.

(5) طلحفا: شديدا وجيعا.

(6) فى ك: تبغى.

(7) فى الطبرى، و الكامل: لاقى.

(8) فى د: فأقبل.

29

أنك لم تر شيئا، و إنما أردت ما قد عرفت‏ (1)، فاذهب [عنى‏] (2) حيث شئت، لا تفسد عليّ أصحابى.

فخرج إلى البصرة، فنزل عند مصعب و قال‏ (3):

ألا أبلغ أبا إسحاق أنى‏ * * * رأيت الخيل‏ (4)بلقا مصمتات‏

كفرت بوحيكم و جعلت نذرا * * * عليّ قتالكم حتّى الممات‏

أرى عينيّ ما لم تبصراه‏ * * * كلانا عالم بالتّرّهات‏ (5)

و قتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانى، و ادعى قتله سعر بن أبى سعر، و أبو الزّبير الشّباميّ، و شبام من همدان، و انجلت الوقعة عن سبعمائة و ثمانين قتيلا من قومه، و كانت الوقعة لست ليال بقين من ذى الحجة سنة ست و ستّين.

و خرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، و تجرد المختار لقتل قتلة الحسين، و قال: ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء، بئس ناصر آل محمد أنا إذا [فى الدنيا، أنا إذا] (6) الكذّاب كما سمّونى، و إنى أستعين باللّه تعالى عليهم، فسمّوهم لى ثم تتبعوهم حتى تقتلوهم، فإنّى لا يسوغ إلى الطّعام و الشراب حتى أطهّر الأرض منهم، فدل على عبد اللّه بن أسيد الجهنيّ، و مالك بن النّسير (7)

____________

(1) فى الطبرى، و الكامل: ما قد عرفت ألا أقتلك.

(2) من الطبرى؛ و الكامل.

(3) الطبرى: 6- 54.

(4) فى الطبرى، و الكامل: رأيت البلق دهما.

(5) الترهات: الأباطيل.

(6) ساقط فى ك.

(7) فى الكامل: بشير.

30

البديّ، و حمل بن مالك المحاربى، فبعث المختار إليهم، فأحضرهم من القادسيّة، فلمّا رآهم قال: يا أعداء اللّه و رسوله، أين الحسين ابن عليّ؟ أدّوا إليّ الحسين. قتلتم ابن من أمرتم بالصّلاة عليهم.

فقالوا: رحمك اللّه، بعثنا كارهين، فامنن علينا و استبقنا، فقال:

هلّا مننتم على ابن بنت نبيكم و استبقيتموه و سقيتموه؟ فأمر بمالك ابن النّسير البديّ فقطع يديه و رجليه و تركه يضطرب حتى مات، و قتل الآخرين، و أحضر زياد بن مالك الضّبعيّ، و عمران بن خالد العنزى‏ (1)، و عبد الرحمن بن أبى خشكارة البجلىّ، و عبد اللّه بن قيس الخولانى، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين، و قتلة سيّد شباب أهل الجنّة، قد أقاد اللّه منكم اليوم، لقد جاءكم الورس، بيوم نحس، و كانوا نهبوا من الورس الّذى كان مع الحسين (رضى اللّه عنه)، ثم أمر بهم فقتلوا.

و قتل عبد اللّه و عبد الرحمن ابنى صلحت‏ (2)، و عبد اللّه بن وهيب‏ (3) الهمدانى، و أحضر عثمان بن خالد بن أسيد (4) الدّهمانى الجهنى، و أبا أسماء بشر بن سوط (5) القابضى، و كانا قد اشتركا فى قتل عبد الرحمن بن عقيل و فى سلبه، فضرب أعناقهما و أحرقا بالنار.

و أرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحيّ و هو صاحب رأس الحسين‏

____________

(1) فى الكامل: القشيرى، و فى ك: العنبرى. و المثبت فى د.

(2) فى الطبرى: صلخب، و المثبت فى ك، د، و فى الكامل: صلحب.

(3) فى الطبرى: وهب. و المثبت فى ك، د.

(4) فى الطبرى: أسير، و المثبت فى ك، د، و الكامل.

(5) فى د: سميط- بالسين، و فى الكامل: بشر بن شميط- بالشين- القابضى. و المثبت فى الطبرى أيضا (6- 29).

31

فاختبأ فى مخرجه، فدخل أصحاب المختار يطلبونه، فخرجت امرأته، و هى العيوف بنت مالك، و كانت تعاديه منذ جاءها (1) برأس الحسين، فقالت: ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟

قالت: لا أدرى، و أشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا، فوجدوه و على رأسه قوصرّة، (2)، فأخرجوه و قتلوه إلى جانب أهله، و حرقوه بالنار.

و قتل عمر (3) بن سعد بن أبى وقّاص، و كان الّذى تولّى قتله أبو عمرة، و أحضر رأسه عند المختار، و عنده ابنه حفص ابن عمر، فقال له المختار: أ تعرف هذا؟ قال: نعم، و لا خير فى العيش بعده، فأمر به فقتل، و قال: هذا بحسين، و هذا بعليّ ابن حسين، و لا سواء (4)، و اللّه لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله.

و أرسل المختار إلى حكيم بن طفيل الطائى- و كان أصاب سلب العباس بن على؛ و رمى الحسين بسهم، و كان يقول: تعلّق سهمى بسرباله و ما ضرّه، فأتاه أصحاب المختار فأخذوه، و ذهب أهله فتشفّعوا بعدىّ بن حاتم، فكلمهم عدىّ فيه، فقالوا: ذلك إلى المختار، فمضى عدىّ إلى المختار يشفع فيه، و كان قد شفّعه فى نفر من قومه أصابهم يوم جبّانة السّبيع، فقالت الشّيعة: إنا نخاف أن يشفّعه فيه، فقتلوه رميا بالسّهام كما رمى الحسين حتى صار كالقنفذ،

____________

(1) فى ك: جاء.

(2) القوصرة: وعاء للتمر (القاموس).

(3) و العقد: 4- 405.

(4) يريد: لا يستويان.

32

و دخل عدىّ بن حاتم على المختار، فأجلسه معه، فشفع فيه، و قال:

إنه مكذوب عليه، قال: إذا ندعه لك، فدخل ابن كامل فأخبر المختار بقتله.

و بعث المختار إلى مرّة بن منقذ، و هو قاتل على بن الحسين، و كان شجاعا، فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه و بيده رمحه، فطاعنهم، فضرب على يده، فهرب فنجا، و لحق بمصعب بن الزبير، و شلّت يده بعد ذلك.

و بعث المختار إلى زيد بن رقاد الجنبى‏ (1)، و هو قاتل عبد اللّه ابن مسلم بن عقيل، فخرج إليهم بالسيف، فقال ابن كامل:

لا تطعنوه [برمح‏] (2)، و لا تضربوه بسيف، و لكن ارموه بالنّبل و الحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فأحرقوه حيا.

و طلب المختار سنان بن أنس الّذى كان يدّعى قتل الحسين، فهرب إلى البصرة، فهدم داره.

و طلب عبد اللّه بن عقبة الغنوىّ فوجده قد هرب إلى الجزيرة، فهدم داره.

و طلب رجلا من خثعم اسمه عبد اللّه بن عروة (3) فهرب و لحق بمصعب، فهدم داره.

و طلب عمرو بن صبيح الصّدائى، و كان يقول: لقد طعنت‏

____________

(1) فى ك: الحسينى، و المثبت فى د، و الطبرى، و الكامل.

(2) من الطبرى.

(3) فى ك: عزرة، و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

33

فيهم و جرحت و ما قتلت، فأحضر إلى المختار، فأمر به فطعن بالرماح حتى مات.

و أرسل إلى محمد بن الأشعث و هو فى قرية له إلى جنب القادسيّة، فهرب إلى مصعب فهدم المختار داره، و بنى بلبنها و طينها دار حجر ابن عدى الكندى، و كان زياد قد هدمها.

و كان الذى هيّج المختار على قتل قتلة الحسين أنّ يزيد بن شراحيل الأنصارى أتى محمد ابن الحنفية فسلّم عليه، و جرى الحديث إلى أن تذاكروا أمر المختار، فقال ابن الحنفية: إنه يزعم أنه لنا شيعة، و قتلة الحسين عنده على الكراسى يحدثونه‏ (1)، فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك، فقتل عمر بن سعد، و بعث برأسه و رأس ابنه إلى ابن الحنفية، و كتب إليه يعلمه أنه قتل من قدر عليه، و أنه فى طلب الباقين ممّن حضر قتل الحسين، [(رضى اللّه عنه)‏] (2).

____________

(1) فى ك: يخدمونه.

(2) ساقط فى د.

34

ذكر بيعة المثنى العبدى للمختار بالبصرة

و إخراجه منها و لحاقة بالمختار بالكوفة و فى سنة ستّ و ستين دعا المثنّى بن مخرّبة (1) العبديّ بالبصرة إلى بيعة المختار، و كان قد بايع المختار بعد مقتل سليمان بن صرد، فسيّره المختار إلى البصرة يدعو بها إليه، ففعل، فأجابه رجال من قومه و غيرهم.

ثم أتى مدينة الرّزق‏ (2) فعسكر عندها، فوجّه إليهم‏ (3) الحارث ابن أبى ربيعة المعروف بالقباع‏ (4)، و هو أمير البصرة، عبّاد بن حصين، و هو على شرطته، و قيس بن الهيثم فى الشرط و المقاتلة، فخرجوا إلى السّبخة، و لزم الناس بيوتهم، فلم يخرج أحد، و أقبل عبّاد فيمن معه فتواقف هو و المثنّى و أنشبوا (5) القتال، فانهزم المثنّى، و أتى قومه عبد القيس، و كف عنه عبّاد، فأرسل القباع عسكرا إلى عبد القيس ليأتوه بالمثنى و من معه، فلما رأى زياد بن عمرو العتكى ذلك أقبل إلى القباع فقال: لتردّنّ خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنّهم، فأرسل القباع الأحنف بن قيس، و عمر بن عبد الرحمن المخزومى ليصلحا بين الناس، فأصلح الأحنف الأمر على أن يخرج المثنى و أصحابه عنهم، فأجابوه إلى ذلك و أخرجوهم عنهم، فسار المثنى إلى الكوفة فى نفر يسير من أصحابه.

____________

(1) بضم الميم و فتح الخاء و تشديد الراء و كسرها، ثم باء مفتوحة (الكامل:

3- 372).

(2) الرزق- بكسر الراء و سكون الزاى. كانت إحدى مسالح العجم بالبصرة قبل أن يختطها المسلمون (المراصد).

(3) فى ك: إليه.

(4) فى القاموس: كغراب: لقب الحارث بن عبد اللّه و إلى البصرة.

(5) فى ك: و نشب.

35

ذكر مخادعة المختار و مكره بعبد اللّه بن الزبير

و ظهور ذلك له قال: لمّا أخرج المختار ابن مطيع عامل ابن الزبير من الكوفة سار إلى البصرة و كره أن يأتى ابن الزبير مهزوما، فلما استجمع للمختار أمر الكوفة، أخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: «قد عرفت مناصحتى إياك، و جهدى على أهل عداوتك، و ما كنت أعطيتنى إن أنا فعلت ذلك، فلما وفيت لك [و قضيت الذى كان لك علىّ خست بى و] (1) لم تف بما عاهدتنى عليه، فإن ترد مراجعتى و مناصحتى، فعلت، و السلام».

و إنما قصد المختار بذلك أن يكفّ ابن الزبير عنه ليتم أمره، و لم تعلم الشيعة بذلك، فأراد ابن الزبير أن يعلم حقيقة ذلك، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ فولّاه الكوفة، و قال: إنّ المختار سامع مطيع، فتجهّز عمر و سار نحو الكوفة، و أتى الخبر المختار، فدعا زائدة بن قدامة و أعطاه سبعين ألف درهم و قال له: هذه ضعف ما أنفق عمر فى طريقه إلينا، و أمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس، و يسير حتّى يلقاه بالطريق فيعطيه النفقة و يأمره بالعود، فإن فعل و إلّا فيريه الخيل، فأخذ زائدة المال و الخيل و سار حتى لقى عمر، فأعطاه المال، و أمره بالانصراف، فقال: إن أمير المؤمنين قد ولانى الكوفة، و لا بد من إتيانها، فدعا

____________

(1) زيادة من الطبرى (6- 71).

36

زائدة الخيل، و كان قد أكمنها (1)؛ فلما رآها عمر قد أقبلت أخذ المال و سار نحو البصرة.

ثم إن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم ابن أبى العاص إلى وادى القرى، و كان المختار قد وادع ابن الزبير ليكف عنه و يتفرّغ لأهل الشام، فكتب المختار لابن الزبير: بلغنى أن ابن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أمددتك بمدد.

فكتب إليه ابن الزبير: «إن كنت على طاعتى فبايع لى الناس قبلك، و عجّل بإنفاذ الجيش و مرهم فليسيروا إلى من بوادى القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، و السلام».

فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمدانى. فسيّره فى ثلاثة آلاف أكثرهم من الموالى، و ليس فيهم إلّا سبعمائة من العرب، و قال له:

سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلىّ بذلك حتى يأتيك أمرى، و هو يريد إذا دخل الجيش المدينة أن يبعث عليهم أميرا لمحاصرة ابن الزبير بمكة، و خشى ابن الزبير أنّ المختار إنما يكيده.

فبعث من مكّة [إلى المدينة] (2) عباس بن سهل بن سعد فى ألفين، و أمره أن يستنفر العرب، و قال له: إن رأيت القوم فى طاعتى و إلّا فكايدهم حتى تهلكهم. فأقبل عباس حتى لقى ابن ورس بالرقيم‏ (3) و قد عبّأ أصحابه، و أتى عباس و قد تقطع أصحابه، فرأى ابن ورس على الماء فى تعبئته فدنا و سلّم عليهم، ثم قال لابن ورس سرّا:

أ لستم فى طاعة ابن الزبير؟ قال: بلى. قال: فسر بنا إلى عدوه‏

____________

(1) فى ك: كمنها.

(2) زيادة من الطبرى.

(3) فى ك: بالرضم، و المثبت فى د، و الطبرى، و الكامل.

37

الّذى بوادى‏ (1) القرى، فقال: إنما أمرت أن آتى المدينة و أكتب إلى صاحبى، فيأمرنى بأمره، فقال عباس: رأيك أفضل، و فطن لما يريد، و قال: أما أنا فسائر إلى وادى القرى، و نزل عباس أيضا، و بعث إلى ابن ورس بجزائر (2) و غنم، و كانوا قد ماتوا جوعا، فذبحوا و اشتغلوا بها، و اختلطوا على الماء، و جمع عبّاس من شجعان أصحابه نحو ألف رجل، و أقبل إلى فسطاط ابن ورس، فلما رآهم نادى فى أصحابه، فلم يجتمع إليه مائة رجل، حتى انتهى إليهم عباس، فاقتتلوا يسيرا، فقتل ابن ورس فى سبعين من أهل الحفاظ، و رفع عباس راية أمان، فأتوها إلا نحو ثلاثمائة مع سليمان بن حمير الهمدانى، و عبّاس‏ (3) بن جعدة الجدلى، فظفر عباس بن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، و أفلت الباقون فرجعوا و مات أكثرهم فى الطريق.

و كتب المختار إلى ابن الحنفية: «إنى أرسلت إليك جيشا ليذلّوا لك الأعداء، و يحرزوا لك البلاد، فلمّا قاربوا طيبة (4) فعل بهم كذا و كذا، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة جيشا كثيفا و تبعث إليهم من قبلك رجلا (5) فافعل».

فكتب إليه ابن الحنفية: «أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، و عرفت تعظيمك لحقى، و ما تؤثره من سرورى؛ و إن أحبّ الأمور كلّها إلىّ ما أطيع اللّه فيه، فأطع اللّه ما استطعت، و إنى لو أردت القتال لوجدت الناس إلىّ سراعا، و الأعوان لى كثيرة، و لكنّي أعتزلهم و أصبر حتّى يحكم اللّه [لى‏] (6) و هو خير الحاكمين».

____________

(1) وادى القرى: واد من أعمال المدينة كثير القرى (المراصد).

(2) جمع جزور.

(3) فى الطبرى: عياش. و المثبت فى الكامل أيضا.

(4) مدينة الرسول. يقال لها طيبة و طابة.

(5) فى الطبرى: رسلا.

(6) من الطبرى.

38

ذكر امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد اللّه بن الزبير و ما كان من أمره و إرسال المختار الجيش إلى مكة و خبر ابن الحنفية

قال: ثم إن عبد اللّه بن الزبير دعا محمد ابن الحنفيّة و من معه من أهل بيته، و سبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر (1) بن وائلة له صحبة، ليبايعوه فامتنعوا و قالوا:

لا نبايع حتى تجتمع الأمّة، فأكثر الوقيعة فى ابن الحنفية و ذمّه، فأغلظ له عبد اللّه بن هانئ الكندى، و قال‏ (2): لئن لم يضرك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شي‏ء، فلم يراجعه ابن الزبير، فلما استولى‏ (3) المختار على الكوفة و صارت الشّيعة تدعو لابن الحنفية، ألح ابن الزبير عليه و على أصحابه فى البيعة حتّى حبسهم بزمزم، و توعدهم، بالقتل و الإحراق إن لم يبايعوا، و ضرب لهم فى ذلك أجلا.

فكتب ابن الحنفيّة إلى المختار يعرفه الحال، و يطلب منه النجدة.

فقرأ المختار كتابه على أهل الكوفة، و قال: هذا مهديكم و صريح أهل بيت نبيكم قد تركوا (4) محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل و التحريق فى اللّيل و النهار، لست أبا إسحاق إن لم‏

____________

(1) فى د: عمرو- تحريف.

(2) فى ك: قال.

(3) فى ك: استوى.

(4) فى ك: تولوا محصورا. و فى الكامل: قد تركوه و من معه محصورا.

39

أنصرهم نصرا مؤزّرا، و إن لم أسرّب الخيل فى إثر الخيل، كالسّيل يتلوه السّيل، حتى يحلّ بابن الكاهليّة الويل، يريد عبد اللّه بن الزّبير.

فبكى الناس و قالوا: سرّحنا إليه و عجّل، فوجه أبا عبد اللّه الجدلىّ فى سبعين من أهل القوة، و وجّه ظبيان بن عمارة أخا بنى تميم فى أربعمائة، و بعث معه أربعمائة ألف درهم لابن الحنفيّة، و وجّه أبا المعتمر فى مائة، و هانئ بن قيس فى مائة، و عمير بن طارق فى أربعين، و يونس بن عمران فى أربعين، فوصل أبو عبد اللّه الجدلى إلى ذات‏ (1) عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير و يونس فى ثمانين، فبلغوا مائة و خمسين راكبا، فساروا حتّى دخلوا المسجد الحرام و هم ينادون: يا لثارات الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم، و قد أعد ابن الزبير الحطب ليحرّقهم، و كان قد بقى من الأجل يومان، فكسروا الباب و دخلوا على ابن الحنفية، فقالوا: خلّ بيننا و بين عدو اللّه ابن الزبير، فقال: إنى لا أستحلّ القتال فى الحرم. فقال ابن الزبير: وا عجبا لهذه الخشبيّة ينعون حسينا كأنّى أنا قتلته، و اللّه لو قدرت على قتلته لقتلتهم، و إنما سمّاهم ابن الزبير الخشبيّة لأنّهم دخلوا مكّة و بأيديهم الخشب كراهة إشهار (2) السيوف فى الحرم، و قال: أ تحسبون أنّى أخلّي سبيلهم‏ (3)، دون أن نبايع و يبايعوا (4).

فقال الجدلى: و ربّ الرّكن و المقام لتخلّينّ سبيلنا أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون، فكفّهم ابن الحنفية و حذّرهم الفتنة.

____________

(1) ذات عرق: مهل أهل العراق، و هو الحد بين تهامة و نجد (المراصد).

(2) فى ك: اشتهار.

(3) فى الطبرى: سبيله.

(4) فى ك: و يتبايعون.

40

ثم قدم باقى الجند و معهم المال، فدخلوا المسجد الحرام فكبّروا، و قالوا، بالثارات الحسين، فخافهم ابن الزبير، و خرج ابن الحنفيّة و معه أربعة آلاف رجل إلى شعب على، فعزّوا و امتنعوا، فقسم فيهم المال، فلما قتل المختار ضعفوا و احتاجوا، ثم استوسقت‏ (1) البلاد لابن الزبير بعد قتل المختار، فبعث إلى ابن الحنفيّة أن ادخل فى بيعتى، و إلّا نابذتك.

و بلغ الخبر عبد الملك بن مروان، فكتب إلى ابن الحنفيّة:

إنه إن قدم عليه أحسن إليه، و إنه ينزل أيّ الشام أحبّ حتّى يستقيم أمر الناس.

فخرج ابن الحنفية و من معه إلى الشام، فلما وصل إلى مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه إلى الشام و نزل أيلة (2)، و تحدث الناس بفضل ابن الحنفيّة، و كثرة عبادته و زهده، فندم عبد الملك على إذنه له فى القدوم إلى بلده، فكتب إليه: «إنه لا يكون فى سلطانى من لا يبايعنى».

فارتحل إلى مكّة، و نزل شعب أبى طالب، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، فسار إلى الطائف و التحق به عبد اللّه بن عباس، و مات ابن عباس بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، و كبّر عليه أربعا، و أقام بالطائف حتى قدم الحجّاج لحصار ابن الزبير، فعاد إلى الشّعب، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس، ثم بايع بعد قتل ابن الزّبير. هذا ما كان من أمره، فلنعد إلى أخبار المختار، [و اللّه أعلم‏] (3).

____________

(1) استوسقت: اجتمعت (اللسان).

(2) أيلة: مدينة على ساحل البحر مما يلى الشام. قيل: هى آخر الحجاز و أول الشام (المراصد). و فى البكرى: مدينة على شاطئ البحر فى منتصف ما بين مصر و مكة.

(3) ساقط من د.

41

ذكر مسير ابراهيم بن الأشتر لحرب عبيد اللّه بن زياد و قتل ابن زياد

و فى سنة [66 ه] ست و ستّين لثمان بقين من ذى الحجة، سار إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد اللّه بن زياد، و ذلك بعد فراغه من وقعة السّبيع بيومين، و أخرج المختار معه فرسان أصحابه و وجوههم و أهل البصائر منهم، و شيّعه و وصاه، و خرج معه لتشييعه أصحاب الكرسى بكرسيهم، و هم يدعون اللّه له بالنصر، و سنذكر خبر الكرسىّ إن شاء اللّه تعالى.

قال: و لما انتهى إبراهيم إلى أصحاب الكرسىّ و هم عكوف عليه، [و قد] (1) رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون اللّه، فقال إبراهيم:

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، هذه سنّة بنى إسرائيل، و سار إبراهيم مجدّا ليلقى ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق، و كان ابن زياد قد سار فى عسكر عظيم و ملك الموصل كما ذكرنا، فلما انتهى إبراهيم إلى نهر الخازر (2) من أرض الموصل نزل بقرية باربيثا (3)، و أقبل عبيد اللّه بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ خازر، و أرسل عمير بن الحباب‏ (4) السّلمىّ إلى ابن الأشتر أن القنى؛

____________

(1) ليس فى د.

(2) الخازر- بعد الألف زاى مكسورة ثم راء. و قيل: بفتح الزاى:

نهر بين إربل و الموصل (المراصد).

(3) فى الكامل: بارشيا.

(4) فى ك: حباب.

42

و كانت قيس كلّها مضطغنة على بنى مروان بسبب وقعة مرج‏ (1) راهط، و جند عبد الملك يومئذ كلب، و اجتمع عمير و ابن الأشتر فأخبره عمير أنّه على ميسرة ابن زياد، و واعده أنه ينهزم بالناس، و أشار عليه بمناجزة القوم، و عاد عمير إلى أصحابه، و عبّأ ابن الأشتر أصحابه، و صلّى بهم صلاة الفجر بغلس، ثم صفّهم و سار بهم رويدا حتى أشرف على تلّ عظيم مشرف على القوم، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فتقدم ابن الأشتر و هو يحرض أصحابه على القتال، و يذكّرهم بمقتل‏ (2) الحسين و سبى أهل بيته، فلما تدانى الصّفّان حمل الحصين بن نمير بميمنة أهل الشام على ميسرة ابن الأشتر، و عليها عليّ بن مالك الجشمى، فقتل ابن مالك، فأخذ الراية ابنه قرة بن عليّ و قاتل بها فقتل فى رجال من أهل البأس، و انهزمت ميسرة إبراهيم، فأخذ الراية عبد اللّه بن ورقاء بن جنادة السّلوليّ، و ردّ المنهزمين، و قاتلوا، و حملت ميمنة إبراهيم و عليها سفيان بن يزيد الأزدى على ميسرة ابن زياد، و هم يظنّون أن عمير بن الحباب ينهزم لهم كما زعم، فقاتلهم أشدّ قتال، و أنفت نفسه الهزيمة، فلمّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: اقصدوا أهل‏ (3) السواد الأعظم، فو اللّه لئن هزمناه لنجعلن من ترون يمنة و يسرة، فتقدم أصحابه و قاتلوا أشد قتال، و صدقهم إبراهيم القتال، فانهزم أصحاب ابن زياد، و بعد أن قتل من الفريقين قتلى كثيرة.

____________

(1) مرج راهط: بنواحى دمشق، قد أوقع فيه مروان بن الحكم بالضحاك ابن قيس الفهرى (البكرى).

(2) فى ك: بقتل.

(3) فى الكامل: هذا.

43

و قيل: إن عمير بن الحباب أول من انهزم، و إنما كان قتاله أولا تعذيرا.

فلما انهزموا قال إبراهيم بن الأشتر (1): إنى قتلت رجلا تحت راية منفردة على شط نهر خازر، فالتمسوه فإنى شممت منه رائحة المسك، شرّقت يداه و غرّبت رجلاه، فالتمسوه، فاذا هو عبيد اللّه بن زياد، فأخذ رأسه و حرّق جثّته.

و أقام إبراهيم بالموصل، و أنفذ رأس عبيد اللّه إلى المختار، و رءوس القوّاد، و كانت هذه الوقعة فى سنة [67 ه] سبع و ستين.

و روى الترمذى (رحمه الله)(2) قال: لما جاءت الرءوس إلى المختار ألقيت فى القصر فجاءت حيّة دقيقة فتخللت الرءوس حتى دخلت فم عبيد اللّه و خرجت من منخره و دخلت فى منخره و خرجت من فمه، فعلت ذلك مرارا (3).

____________

(1) العقد: 4- 404.

(2) فى ك: (رضى اللّه عنه).

(3) فى ك: مرات.

44

ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة و مسيره إلى الكوفة و قتاله المختار و قتل المختار بن أبى عبيد

كانت ولايته البصرة و عزل الحارث بن أبى ربيعة الملقّب بالقباع عنها فى أول سنة (67 ه) سبع و ستّين، قال: فقدمها مصعب، و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال‏ (1): بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏، و أشار بيده نحو الشام، وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‏، و أشار نحو الحجاز، وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏، و أشار نحو الشام، و قال:

يأهل البصرة، بلغنى أنّكم تلقّبون أميركم، و قد لقّبت‏ (2) نفسى الجزّار.

قال: و لما هرب أشراف الكوفة من المختار يوم وقعة السّبيع، أتى جماعة منهم إلى مصعب، فكان منهم شبت بن ربعىّ، أتاه على بغلة قد قطع ذنبها و طرف أذنها، و شقّ قباءه و هو ينادى:

____________

(1) سورة القصص، الآيات من 1- 4.

(2) فى الطبرى: و قد سميت نفس الجزار.

45

وا غوثاه! و أتاه أشراف الكوفة فدخلوا عليه و سألوه المسير إلى المختار و نصرتهم، و قدم محمد بن الأشعث، و استحثّه على المسير فأدناه و أكرمه، و كتب إلى المهلب بن أبى صفرة، و هو عامله على فارس يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار، فقدم فى جموع كثيرة و أموال عظيمة، فبرز مصعب بالجيوش، و أرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة، و أمره أن يخرج إليه من قدر عليه، و يثبط الناس عن المختار، و يدعوهم إلى بيعة ابن الزبير سرّا، فسار و دخل الكوفة مستترا، و فعل ما أمره، و سار مصعب و قدم أمامه عبّاد بن الحصين الحبطىّ‏ (1) التميمىّ، و جعل عمر بن عبيد اللّه بن معمر على ميمنته، و المهلّب على ميسرته، و مالك بن مسمع على بكر، و مالك بن المنذر على عبد القيس، و الأحنف بن قيس على تميم، و زياد بن عمرو العتكىّ على الأزد، و قيس بن الهيثم على أهل العالية، و بلغ الخبر المختار فقام فى أصحابه فندبهم إلى الخروج مع أحمر بن شميط، و دعا رءوس الأرباع الّذين كانوا مع ابن الأشتر فبعثهم مع ابن شميط، فسار و على مقدّمته ابن كامل الشاكرىّ، فوصلوا إلى المذار (2)، و أقبل مصعب فعسكر بالقرب منه، و عبّأ كلّ واحد منهما جنده، فتقدّم عباد بن الحصين إلى أحمر و أصحابه، و قال: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه و سنّة رسوله، و إلى بيعة أمير المؤمنين عبد اللّه بن الزبير، فقال الآخرون: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه و سنّة رسوله و إلى بيعة المختار، و أن نجعل هذا الأمر شورى فى آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،

____________

(1) فى الكامل: الحطمى. و المثبت فى الطبرى، و اللباب.

(2) المذار- بالفتح و آخره راء: بلدة بين واسط و البصرة (المراصد).

46

فرجع عبّاد و أخبر مصعبا، فقال: ارجع فاحمل عليهم، فرجع و حمل على ابن شميط و أصحابه، و حمل المهلّب على ابن كامل حملة بعد أخرى، فهزمهم، و ثبت ابن كامل ساعة فى رجال من همدان، ثم انصرف، و حمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، و انهزم أصحابه، و بعث مصعب عبّادا على الخيل، و قال له: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه، و سرّح محمد بن الأشعث فى خيل عظيمة من أهل الكوفة، و قال: دونكم ثأركم فكانوا [حيث انهزموا] (1).

أشدّ على المنهزمين من أهل البصرة، فلم يدركوا منهزما إلّا قتلوه، فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل.

ثم أقبل مصعب حتى قطع من تلقاء واسط، [القصب‏] (2)، و لم تكن [واسط] (3) بنيت بعد، فأخذ فى كسكر، ثم حمل الرجال أثقالهم و الضعفاء فى السفن، فأخذوا فى نهر خرشاذ (4)، ثم خرجوا إلى نهر قوسان، ثم خرجوا إلى نهر الفرات، و أتى المختار خبر الهزيمة و القتلى‏ (5)، فقال: ما من الموت بدّ، و ما من ميتة أموتها أحبّ إلىّ من أن أموت مثل موتة ابن شميط.

و لما بلغه أنّ مصعبا قد أقبل إليه فى البرّ و البحر سار حتى نزل السّيلحين‏ (6)، و نظر إلى مجتمع الأنهار، نهر الخريرة (7)، و نهر

____________

(1) من الطبرى.

(2) من الطبرى.

(3) من الطبرى.

(4) فى الكامل: جرشاد. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(5) فى ك: و القتل.

(6) بفتح أوله و إسكان ثانيه و فتح اللام، و كسر الحاء المهملة: موضع بالحيرة.

(7) فى الطبرى: نهر الحيرة.

47

السّيلحين، و نهر القادسيّة، و نهر يوسف، فسكر الفرات‏ (1)، فذهب ماؤها فى هذه الأنهار، و بقيت سفن أهل البصرة فى الطين، فخرجوا من السفن إلى ذلك السّكر (2) فأصلحوه، و قصدوا الكوفة، و سار المختار فنزل حروراء (3)، و حال بينهم و بين الكوفة بعد أن حصّن القصر و المسجد، و أقبل مصعب و جعل على ميمنته المهلّب، و على ميسرته عمر بن عبيد اللّه، و على الخيل عبّاد بن الحصين، و جعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندىّ، و على ميسرته سعيد بن منقذ الهمدانى، و على الخيل عمر (4) بن عبد اللّه النّهدىّ، و على الرجال مالك بن عبد اللّه‏ (5) النّهدى، و أقبل محمد بن الأشعث فيمن كان قد هرب من أهل الكوفة، فنزل بين مصعب و المختار، فلمّا رأى المختار ذلك بعث إلى كلّ خمس من أهل البصرة رجلا من أصحابه، و تدانى الناس، فحمل سعيد بن منقذ على بكر و عبد القيس و هم فى ميمنة مصعب، فاقتتلوا قتالا شديدا، و بعث المختار إلى عبد اللّه بن جعدة بن هبيرة المخزومى، فحمل على من بإزائه و هم أهل العالية، فكشفهم [فانتهوا إلى مصعب فجثا مصعب على ركبتيه و نزل الناس عنده فقاتلوا ساعة و تحاجزوا ثم حمل المهلب على من بإزائه فكشفهم‏] (6) و اشتدّ القتال، فقتل ابن الأشعث و ذلك عند

____________

(1) سكر الفرات: سده.

(2) السكر- بالفتح: سد النهر. و بالكسر: اسم منه، و ما سد به النهر (القاموس).

(3) حروراء- بفتحتين و سكون الواو، وراء أخرى، و ألف ممدودة: قرية بظاهر الكوفة. و قيل: موضع على ميلين منها (ياقوت، و المراصد).

(4) فى الكامل: عمرو. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(5) فى الطبرى: مالك بن عمرو النهدى. و المثبت فى الكامل أيضا.

(6) ساقط فى ك.

48

المساء، و قاتل المختار على فم سكّة شبث عامّة ليلته، و قاتل معه رجال من أهل البأس، و قاتلت معه همدان أشدّ قتال، ثم تفرق الناس عن المختار، فقال له من معه: أيّها الأمير، اذهب إلى القصر، فجاء حتّى دخله، فقال له بعض أصحابه: أ لم تكن وعدتنا الظفر، و أنّا سنهزمهم؛ فقال: أ ما قرأت فى كتاب اللّه‏ (1): يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏.

قال: فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السّبخة، فمرّ بالمهلّب، فقال المهلّب، يا له فتحا ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث، فقال: صدقت؛ ثم قال [مصعب‏] (2) للمهلب: إن عبيد اللّه بن عليّ بن أبى طالب قد قتل، فاسترجع المهلّب. فقال مصعب: إنّما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه، ثم نزل مصعب السّبخة فقطع عن المختار و من معه الماء و الميرة، و قاتل المختار و من معه قتالا ضعيفا، و اجترأ الناس عليهم، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت، و صبّوا عليهم الماء القذر، و كان أكثر معاشهم من النساء تأتى المرأة متخفّية و معها القليل من الطعام و الشراب، ففطن مصعب لذلك، فمنع النساء، فاشتد على المختار و أصحابه العطش، فكانوا يشربون ماء البئر بالعسل، ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر، و اشتدّ الحصار، فقال المختار لأصحابه: ويلكم، إنّ الحصار لا يزيدكم إلّا ضعفا، فانزلوا بنا نقاتل حتّى نقتل كراما إن نحن قتلنا، و اللّه ما أنا يائس إن صدقتموهم أن ينصركم اللّه، فضعفوا و لم يفعلوا، فقال لهم:

____________

(1) سورة الرعد، آية 39.

(2) زيادة من الطبرى.

49

أما أنا فو اللّه لا أعطى بيدى و لا أحكّمهم فى نفسى، ثم تطيّب و تحنّط و خرج من القصر فى تسعة عشر رجلا منهم السائب بن مالك الأشعريّ، فتقدّم المختار فقاتل حتى قتل، قتله رجلان أخوان من بنى حنيفة، و هما طرفة و طرّاف ابنا عبد اللّه بن دجاجة، فلما كان الغد من مقتله، دعا بجير بن عبد اللّه المسلىّ‏ (1) من معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار، فأبوا عليه، و أمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم، و نزلوا على حكمه، فأخرجوا مكتّفين، فاستعطفوه، فأراد أن يطلقهم، فقام عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث فقال: أتخلّى سبيلهم؟ اخترنا أو اخترهم.

و قال محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمدانى مثله، و قال أشراف الكوفة مثلهما، فأمر بقتلهم، فقالوا: يا ابن الزّبير، لا تقتلنا و اجعلنا على مقدّمتك إلى أهل الشام غدا، فما بكم عنّا غدا غنى‏ (2)؛ فإن قتلنا لم نقتل حتى نضعفهم لكم، و إن ظفرنا بهم كان ذلك لكم، فأبى عليهم و قتلهم برأى أهل الكوفة، و أمر مصعب بكفّ المختار فقطعت و سمّرت إلى جانب المسجد فبقيت حتى قدم الحجاج فأمر بنزعها.

و كتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته، و يقول:

إن أطعتنى فلك الشام و أعنّة الخيل و ما غلبت عليه من أرض المغرب‏ (3) ما دام لآل الزّبير سلطان.

و كتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر أيضا يدعوه إلى طاعته و يقول: إن أنت أجبتنى فلك العراق.

____________

(1) فى الكامل: المسكى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) فى د: غناء.

(3) و الطبرى: 6- 111.

50

فاستشار إبراهيم أصحابه فى ذلك، فاختلفوا، فقال: لو لم أكن أصبت ابن زياد و غيره من أشراف الشام لأجبت عبد الملك، مع أنى لا أختار على [أهل‏] (1) مصرى و عشيرتى غيرهم، فدخل فى طاعة مصعب، و بلغ مصعبا إقباله [إليه‏] (2)، فبعث المهلّب على عمله بالموصل و الجزيرة و إرمينية و أذربيجان.

قال: ثم دعا مصعب بن الزبير أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار، و عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارى امرأته الأخرى، و سألهما عنه، فقالت أم ثابت: أقول فيه بقولك أنت فيه، فأطلقها؛ و قالت عمرة: رحمة اللّه عليه، كان عبدا صالحا.

فكتب إلى أخيه عبد اللّه: إنها تزعم أنه نبى، فأمره بقتلها، فقتلت ليلا بين الحيرة و الكوفة، فقال عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ‏ (3):

إنّ من أعجب العجائب‏ (4)عندى‏ * * * قتل بيضاء حرّة عطبول‏ (5)

قتلت هكذا على غير جرم‏ (6) * * * إن للّه درّها من قتيل‏

كتب القتل و القتال علينا * * * و على المحصنات‏ (7) جرّ الذّيول‏

و قيل: إن المختار إنما أظهر الخلاف على ابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة، و إن مصعبا لمّا سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه‏

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) ساقط فى ك.

(3) الطبرى: 6- 112، و الكامل: 3- 386، و العقد الفريد: 4- 407).

(4) فى العقد: من أعظم المصائب.

(5) فى العقد: عيطبول. و البيت فى اللسان أيضا.

(6) فى العقد: قتلت هكذا على غير ذنب.

(7) فى العقد: و على الغانيات ...

51

أحمر بن شميط، و أمره أن يواقعه بالمذار، و قال: إن الفتح بالمذار (1)، لأنه بلغه أن رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أنه هو، و إنّما كان الحجّاج‏ (2) فى قتال عبد الرحمن ابن الأشعث، و أمر مصعب عبادا الحبطىّ بالمسير إلى جمع المختار، فتقدّم و تقدّم معه عبيد اللّه بن علىّ بن أبى طالب، و بقى مصعب على نهر البصريّين، [على شط الفرات‏] (3)، و خرج المختار فى عشرين ألفا، و زحف مصعب و من معه فوافوه مع اللّيل، فقال المختار لأصحابه: لا يبرحنّ أحد منكم حتّى يسمع مناديا ينادى: يا محمّد، فاذا سمعتموه فاحملوا، فلما طلع القمر أمر مناديا فنادى: يا محمد؛ فحملوا على أصحاب مصعب فهزموهم و أدخلوهم عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، و أصبح المختار و ليس عنده أحد، و قد أوغل أصحابه فى أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة، و جاء أصحابه حين أصبحوا، فوقفوا مليّا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب، فاختفوا بدور الكوفة، و توجّه منهم نحو القصر ثمانية آلاف، فوجدوا المختار فى القصر، فدخلوا معه و كانوا قد قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا، منهم محمد بن الأشعث.

و أقبل مصعب فأحاط بالقصر، و حاصرهم أربعة أشهر يخرج المختار كلّ يوم فيقاتلهم فى سوق الكوفة، فلمّا قتل المختار بعث‏

____________

(1) المذار: أرض بقرب الكوفة (البكرى).

(2) فى الطبرى: إنما كان ذلك للحجاج بن يوسف.

(3) زيادة من الطبرى.

52

من فى القصر يطلبون الأمان، فأبى مصعب، فنزلوا على حكمه، فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك، و سائرهم من العجم، فكان عدة القتلى ستّة آلاف رجل، و قيل: سبعة آلاف، و ذلك فى سنة [67 ه] سبع و ستّين، و كان عمر المختار يوم قتل سبعا و ستّين سنة، و كان تارة يدعو لمحمد ابن الحنفيّة، و تارة لعبد اللّه بن الزبير.

و حكى عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم (كمامة الزّهر و صدفة الدّرر)، أن المختار ادّعى النبوّة و قال: إنه يأتيه الوحى من السماء، و أظهر ذلك فى آخر أمره، و كان له كرسى يستنصر به.

ذكر خبر كرسى المختار الذى كان يستنصر به و يزعم أنه فى كتاب بنى إسرائيل‏

قال الطّفيل بن جعدة بن هبيرة: أضقت‏ (1) إضاقة شديدة، فخرجت يوما فإذا جار لى زيّات و عنده كرسىّ قد ركبه الوسخ، فقلت فى نفسى: لو قلت للمختار فى هذا شيئا، فأخذته من الزيّات و غسلته، فخرج عود نضار قد شرب الدّهن و هو أبيض‏ (2)، فقلت للمختار:

إنّى كنت أكتمك شيئا، و قد بدا لى أن أذكره لك، إن أبى جعدة (3) كان يجلس عندنا على كرسى، و يرى أن فيه أثرا من‏ (4) علم.

قال: سبحان اللّه، أخّرته إلى هذا الوقت! ابعث به إلىّ، فأحضرته و قد غشّيته، فأمر لى باثنى عشر ألفا، ثم أمر فنودى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال: إنه لم يكن فى الأمم الخالية أمر إلّا و هو

____________

(1) فى الطبرى (7- 82): أعدمت مرة من الورق.

(2) فى الطبرى: يبص، و فى الكامل: بيض.

(3) فى الطبرى: كان جعدة بن هبيرة.

(4) فى الكامل: أثرا من على.

53

كائن فى هذه الأمّة مثله، و إنه كان لبنى إسرائيل التابوت، و إن هذا فينا مثله، فكشفوا عنه و قامت السّبائيّة (1) فكبّروا، ثم لم يلبث أن أرسل المختار الجيش لقتال ابن زياد، و خرج بالكرسىّ على بغل و قد غشّى، فكان من هزيمة أهل الشام و قتل أشرافهم ما ذكرناه، فزادهم ذلك فتنة حتى تعاطوا الكفر.

قال الطفيل: فندمت على ما صنعت، فتكلّم الناس فى ذلك، فغيّبه المختار.

و قيل: إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة- و كانت أمّ جعدة هى أم هانى بنت أبى طالب أخت علىّ (رضى اللّه عنه) لأبويه- ائتونى بكرسى علىّ، فقالوا: و اللّه ما هو عندنا، فقال: لا تكونوا حمقى، اذهبوا فائتونى به، فظنّوا أنّهم لا يأتونه بكرسى إلا قال: هذا هو، فأتوه بكرسىّ، فأخذه و خرجت شبام و شاكر و فودا، يعنى أصحاب المختار، و قد جعلوا عليه الحرير (2)، و كان أوّل من سدنه موسى ابن أبى موسى الأشعرىّ، فعتب الناس عليه، فتركه فسدنه حوشب البرسميّ حتى هلك المختار.

و قال أعشى همدان فيه‏ (3):

شهدت عليكم أنكم سبئيّة * * * و إنى بكم يا شرطة الشّرك عارف‏

فأقسم ما كرسيّكم بسكينة * * * و إن كان قد لفّت عليه اللّفائف‏

و أن ليس كالتابوت فينا و إن سعت‏ * * * شبام حواليه و نهد و خارف‏

____________

(1) السبائية: ينسبون إلى عبد اللّه بن سبأ، و هم من غلاة الشيعة.

(2) فى الطبرى: و قد عصبوه بالحرير. و فى الكامل: و قد جعلوا عليه الحرس.

(3) و الطبرى: 6- 83، و الكامل: 3- 378.

54

و إنّى امرؤ أحببت آل محمّد * * * و تابعت وحيا ضمّنته المصاحف‏

و بايعت‏ (1)عبد اللّه لما تتابعت‏ * * * عليه قريش شمطها و الغطارف‏

و قال المتوكل اللّيثى‏ (2):

أبلغ أبا إسحاق إن جئته‏ * * * أنّى بكرسيّكم كافر

تنزو شبام حول أعواده‏ * * * و يحمل‏ (3)الوحى له شاكر

محمرّة أعينهم حوله‏ * * * كأنّهن الحامض‏ (4) الحازر

انتهت أخبار المختار بن أبى عبيدة، فلنذكر أخبار نجدة الحنفى، [و اللّه ولىّ التوفيق‏] (5).

ذكر أخبار نجدة بن عامر الحنفى‏

حين وثب باليمامة و ما كان من أمره كان نجدة بن عامر بن عبد اللّه بن سيار بن مفرّج الحنفى مع نافع بن الأزرق، ففارقه و سار إلى اليمامة، و كان أبو طالوت‏ (6) و هو من بنى بكر بن وائل، و أبو فديك عبد اللّه بن ثور بن قيس ابن ثعلبة، و عطيّة بن الأسود اليشكرىّ- قد وثبوا بها مع أبى طالوت، فلمّا قدمها نجدة دعا أبا طالوت إلى نفسه، فأجابه بعد امتناع، و مضى أبو طالوت إلى الخضارم‏ (7)، فنهبها، و كانت لبنى حنيفة،

____________

(1) فى الطبرى: و تابعت عبد اللّه.

(2) و الطبرى: 6- 84.

(3) فى الطبرى، و الكامل: و تحمل.

(4) فى الطبرى: الحمص الحادر.

(5) ليس فى د.

(6) فى الكامل: و دعا أبو طالوت إلى نفسه. و فى د: أبو طالب- تحريف.

(7) فى ياقوت: و الخضارم: واد باليمامة.