نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم و يليه نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن العاشور

- الشيخ عباس القمي المزيد...
644 /
1

ترجمة المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ مستل من موسوعة المفصل في تراجم الأعلام للعلّامة المحقق السيد احمد الحسيني المحدث الزاهد الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي.

مولده و حياته:

ولد بمدينة قم- كما في جملة من المصادر المترجمة له- بعد سنة 1290، و قال هو انه ولد سنة 1294 ظاهرا (1).

نشأ و شب بقم و على أعلامها قرأ المقدمات العلمية و سطوح الفقه و الأصول، و من جملة أساتذته في هذه الفترة ميرزا محمّد الأرباب القمي.

و في سنة 1316 هاجر إلى النجف الأشرف، فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء الأفاضل في الفقه و الأصول العاليين و غيرهما من العلوم الدينية، إلّا أنّه اختص بالحاج ميرزا حسين النوري و كان يعينه في بعض مؤلفاته استنساخا و مقابلة و عرضا و تصحيحا.

و في سنة 1318 تشرف إلى الحج، و بعد قضاء المناسك و زيارة النبي و الأئمة (عليهم السلام) بالمدينة المنورة ذهب إلى إيران لتجديد العهد بذويه في قم، ثمّ رجع إلى النجف ملازما لأستاذه النوري.

و في سنة 1322 عاد إلى ايران، فهبط قم و بقي يواصل أعماله العلمية، و انصرف إلى البحث و التأليف.

و في سنة 1329 تشرف إلى الحج مرة ثانية.

و في سنة 1331 انتقل إلى مشهد الرضا (عليه السلام) و اتخذ منه مقرا دائما له، و انصرف إلى طبع بعض مؤلفاته و عكف على تصنيف غيرها، و كان يتردد خلال ذلك لزيارة العتبات المقدسة بالعراق، و وفق في خلال ذلك للحج مرة ثالثة.

____________

(1) ذكر السيّد آقا التستري الجزائري في كتابه إجازات المشايخ أن الشيخ ولد في الثاني عشر من جمادي الثانية سنة 1295، و لا نعلم من أين ذكر هذا التاريخ.

2

و عند ما حل المرجع الديني الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مدينة قم و تولى شئون المرجعيّة بها، كان شيخنا صاحب الترجمة من أعوانه و أنصاره، و كان من أكبر المروجين له و المؤيدين لفكرته و العاملين معه باليد و اللسان.

الواعظ الملتزم:

انصرف الشيخ القمي- بعد إحراز المقامات العلمية العالية- إلى الخطابة و الوعظ و الارشاد الديني، فكان مصداقا للواعظ المتعظ الذي يقول بلسانه ما يلتزم بتطبيقه في أفعاله و أعماله، و اتفقت كلمة معاصريه و من عرفه من قريب على أنّه لم ير منه طيلة حياته ما يقدح في دينه و تقاه.

كان مع تبحره في علوم الحديث شديد الاحتياط في النقل و الترجمة و التفسير، حتى أنّه كثيرا ما كان يقرأ في الكتاب عند ما يرقى المنبر لئلّا يغيّر حرفا واحدا من ألفاظ الحديث المستشهد به، و التزم في الترجمة- في كتبه الفارسيّة- أقصى ما يمكن الالتزام به من الترجمة الحرفيّة الصحيحة، و ذلك لئلّا تفوته نكتة و لو صغيرة مما في الحديث المنقول.

و في أثناء الوعظ شوهد كثيرا أنّ دموعه تنهمر على وجنتيه و كريمته، و خاصة عند ذكر مصائب الأئمة المعصومين (عليهم السلام) و مصرع الحسين (عليه السلام) و ذويه بكربلاء، و ربما منعه البكاء من الاستمرار في الكلام، و كان هذا أيضا حال المستمعين إلى مواعظه في الانكسار و خشوع القلب و جريان الدموع، و هذا دليل على شدة أثر أقواله في القلوب المؤمنة و أن مواعظه كانت نابعة من قلب مؤمن يطمئن إلى ما يخرج من فيه.

و كان قانعا باليسير من بلغة العيش موليا عن زخارف الدنيا، لم يله نفسه بالشؤون المادية و المغريات التي تكون حاجزا عن نيل المراتب العالية من التهذيب النفسي و الصفاء الباطني، بالرغم من تهيئة أسباب الشهرة له لو كان يريد الوصول إلى المآرب النفسية التي يسعى للوصول إليها كثير من أبناء الدنيا.

قال الشيخ آقا بزرك ضمن ترجمة الشيخ القمي:

«إن صلتي بالمترجم له كانت أوثق من صلاتي بغيره، حيث كنا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف و نعيش سوية و نتعاون على قضاء لوازمنا و حاجاتنا الضروريّة حتى تهيئة الطعام، و بقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا (النوري) أيضا و نحن نواصل القراءة على مشايخنا الأجلاء الآخرين».

«و قد عرفته خلال ذلك جيدا، فرأيته مثال الانسان الكامل و مصداق رجل العلم الفاضل، و كان يتحلى بصفات تحببه إلى عارفيه، فهو حسن الأخلاق جم التواضع، سليم الذات شريف النفس، يضم إلى غزارة الفضل تقى شديدا و إلى الورع زهدا بالغا ...».

شيوخه في الرواية:

الحاج ميرزا حسين النوري.

الراوون عنه:

1- الشيخ آقا بزرك الطهراني.

2- السيد احمد الموسوي المستنبط.

3- السيد احمد المشهور بالسيد آقا التستري الجزائري.

3

4- الشيخ حسين المقدس المشهدي، أجازه في 23 ذي القعدة سنة 1348.

5- الشيخ ميرزا حيدر قلي خان سردار الكابلي.

6- السيد شهاب الدين النجفي المرعشي، كتب له اجازتين إحداهما بالنجف الأشرف في رابع جمادي الثانية سنة 1340، و الأخرى بقم في خامس جمادي الآخرة سنة 1350.

7- الشيخ عبد الحسين الرشتي.

8- الحاج ملا علي الواعظ الخياباني التبريزي.

9- السيد علي مدد القائني الخراساني.

10- السيد على نقي فيض الاسلام الطهراني.

11- الشيخ محمد تقي المقدس الطهراني.

12- الشيخ محمد صادق صدر الشريعة التنكابني.

13- الشيخ محمد على الأردوبادي.

14- الشيخ محمد مهدي شرف الدين الواعظي التستري.

15- السيد محمد هادي الميلاني.

16- السيد مصطفى الصفائي الخوانساري، أجازه في جمادي الأولى سنة 1348 في قم.

17- السيد ميرزا مهدي الشيرازي.

18- الشيخ يوسف البيارجمندي الحائري.

19- الشيخ يوسف بن عبد علي الرجائي المغزي.

مؤلفاته:

ألف الشيخ كثيرا من الكتب و الرسائل العربية و الفارسية، و اختلفت موضوعات تآليفه من فقه و حديث و تراجم و تاريخ و آداب و أخلاق، و اتسمت كلها بحسن الذوق في التأليف و الترصيف و التبويب و جودة الاختيار للمواد و عرضها على مختلف المستويات الثقافية.

و الذي يجلب النظر في تآليفه انتشارها بشكل واسع جدا بحيث لا يمكن حصر طبعات بعضها، و مقبوليتها في الأوساط العلمية و بين الناس الخواص منهم و العوام، و قد ترجمت جملة منها إلى مختلف اللغات و انتشرت في الأقطار الشيعية و غيرها. و نرى أن السبب الأكبر في سعة انتشار كتبه هو إخلاصه في عمله و إيمانه الراسخ بضرورة نشر الدين و خدمة معارف أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)(1).

و إليك سردا لأسماء ما وقفنا عليه من كتبه:

____________

(1) حدثني غير واحد ممن عرف الشيخ صاحب الترجمة: أن صاحبي المكتبة الاسلامية بطهران عند طبع كتاب «منتهى الآمال»، دفعا للشيخ مبلغا كحق طبعه ليختص بهما، و مع أنّه كان في ذلك الوقت يعاني ضيق المعيشة لم يوافق على طلبهما، و قال: إنني أؤلف الكتب لاستفادة المؤمنين فليطبعها كل من أراد طبعها غير محصور بناشر خاص، و ذلك لئلا يغلى ثمنها و يصعب شراؤها على الطالبين.

4

1- الآيات البينات في إخبار أمير المؤمنين عن الملاحم و الغائبات.

2- الأنوار الالهية، في الأئمة الاثني عشر.

3- الأنوار البهية في تواريخ الحجج الالهية، طبع مكررا.

4- الباقيات الصالحات، طبع مكررا بهامش مفاتيح الجنان.

5- بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان، طبع مرات كثيرة.

6- تتمة المنتهى في وقائع أيام الخلفاء، طبع.

7- تتميم بداية الهداية للحر العاملي، طبع مع البداية في قم سنة 1405، باسم «لب الوسائل» بتحقيق الشيخ محمد علي الأنصاري.

8- تتميم تحية الزائر، طبع.

9- تحفة الأحباب في نوادر آثار الأصحاب، طبع.

10- التحفة الطوسية و النفحة القدسية، طبع.

11- ترجمة تحفة الزائر، إلى العربية.

12- ترجمة جمال الأسبوع، طبع بهامشه.

13- ترجمة اللهوف، المسلك الثاني منه و طبع بهامشه.

14- ترجمة مصباح المتهجد، طبع بهامشه.

15- تعريب زاد المعاد.

16- چهل حديث، طبع.

17- حكمة بالغة و مائة كلمة جامعة، طبع.

18- الدر النظيم في لغات القرآن العظيم، طبع في قم سنة 1407.

19- الدرة اليتيمة في تتمات الدرة الثمينة، شرح نصاب الصبيان.

20- دستور العمل، طبع.

21- ذخيرة الأبرار في تلخيص أنيس التجار، طبع.

22- ذخيرة العقبى في مثالب أعداء الزهرا.

23- سبيل الرشاد، في أصول الدين، طبع.

24- سفينة البحار و مدينة الحكم و الآثار، طبع بالنجف الأشرف سنة 1355، ثم بإيران مكررا، منها في سنة 1414 في ثمانية أجزاء.

25- شرح الأربعين حديثا.

26- شرح الصحيفة السجادية، لم يتم.

27- شرح قصار كلمات علي (عليه السلام) الواردة في آخر نهج البلاغة.

28- شرح مائة كلمة، طبع.

29- شرح الوجيزة، للشيخ البهائي.

5

30- صحائف النور في وظائف الأيام و الأسابيع و الشهور.

31- الصغائر و الكبائر من الذنوب.

32- ضيافة الاخوان.

33- طبقات العلماء، لم يتم.

34- علم اليقين، مختصر كتاب حق اليقين للمجلسي.

35- الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى، طبع بالهند في مجلدين.

36- غاية المرام في مختصر دار السلام، للنوري.

37- غاية المنى في ترجمة المعروفين بالألقاب و الكنى، من علماء العامة.

38- الفصول العلية في المناقب المرتضويّة، طبع.

39- الفوائد الرجبية فيما يتعلق بالشهور العربية، و هو أول تآليفه.

40- الفوائد الرضوية في أحوال علماء الجعفرية، طبع.

41- الفوائد الطوسية، كشكول.

42- فيض العلام في وقائع الشهور و عمل الأيام.

43- فيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير، منتخب من عبقات الأنوار، طبع في قم سنة 1365 ش.

44- قرة الباصرة في تواريخ الحجج الطاهرة، طبع في قم بتحقيق الشيخ رضا استادي سنة 1365 ش.

45- كحل البصر في أحوال سيد البشر، طبع.

46- الكشكول.

47- الكلمات اللطيفة.

48- الكنى و الألقاب، طبع في ثلاثة أجزاء بصيدا سنة 1358 ثم بالنجف و بيروت و ايران مكررا.

49- اللآلي المنثورة في الأحراز و الأذكار المأثورة، طبع.

50- مختصر الأبواب في السنن و الآداب، و هو مختصر حلية المتقين للمجلسي.

51- مختصر البحار، المجلد الحادي عشر منه.

52- مختصر الشمائل المحمدية، للترمذي، أتم اختصاره في المشهد سنة 1332 و طبع بقم سنة 1406.

53- مسلى المصاب بفقد الأعزة و الأحباب.

54- مفاتيح الجنان، لا تحصى طبعاته الكثيرة في ايران و غيرها، و ترجمه إلى العربية السيد محمد رضا النوري و طبعت الترجمة مرارا في ايران و بيروت.

55- مقاليد الفلاح، في أعمال اليوم و الليلة.

56- مقامات عليه در مراتب سعادات انسانية، مختصر معراج السعادة، طبع.

57- مقلاد النجاح، مختصر مقاليد الفلاح.

58- منازل الآخرة، طبع مرات في ايران، ترجمه إلى العربية الدكتور عبد المهدي اليادگاري و طبع في قم سنة 1411.

6

59- منتهى الآمال في مصائب النبي و الآل، طبع في مجلدين بطهران سنة 1371 و غيرها مرارا كثيرة.

60- نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر، طبع.

61- نصاب الصبيان.

62- نفثة المصدور، ملحق نفس المهموم و طبع معه مكررا.

63- نفس المهموم في مقتل الحسين المظلوم، نسخة بخطه في مكتبة المجلس النيابي بطهران برقم (13197)، طبع مكررا أحسنه بتحقيق الشيخ رضا استادي في قم.

64- نقد الوسائل، و هو لباب وسائل الشيعة.

65- هداية الأنام إلى وقائع الأيام، مختصر كتابه فيض العلام.

66- هدية الأحباب، طبع.

67- هدية الزائرين و بهجة الناظرين، طبع.

وفاته‏

توفي- (رضوان الله عليه)- بالنجف بعد منتصف ليلة الثلاثاء الثالثة و العشرين من شهر ذي الحجة سنة 1359، و شيع بتشييع حافل حضره وجوه العلماء و التجار و سائر الطبقات النجفية، و دفن في الصحن العلوي الشريف عند قبر شيخه النوري.

أرخ وفاته الشيخ محمد السماوي بقوله:

و الشيخ عباس الرضي القمي‏ * * * قد جاور النوري بين الجم‏

ألف و التأليف در منتظم‏ * * * فأرخوا: بفقد عباس ختم‏

(1359) نقل أحد الشيوخ الأثبات ممن حضر تشييع الشيخ: أنّه لما غسل و كفن، و وضع في التابوت في مغتسل وادي السلام «مغتسل بير عليوي» أخرج إلى صحن المغتسل و وضع التابوت على الأرض و طلب ابنه الشيخ ميرزا علي من المشيعين الإنصات ثمّ قال: إنّ أبي أوصاني أن أرجو من المشيعين الذين يعرفونه حق المعرفة أن يشهدوا بالقول المعروف «اللهم إنّا لا نعرف منه إلّا خيرا»، و ذلك طلبا لشهادة أربعين مؤمنا بإيمانه، فرفع المشيّعون كلهم أصواتهم بهذه الشهادة لأنّهم بأجمعهم كانوا يعرفونه بالزهد و التقوى و الصلاح و السداد، فقال الشيخ ميرزا علي عند ذلك: اللهم اشهد أنني أنفذت وصية والدي كما أمرني بذلك.

مصادر الترجمة: نقباء البشر ص 998، مصفى المقال ص 251، أعيان الشيعة 7/ 425، معارف الرجال 1/ 401، آثار الحجة 2/ 132، ريحانة الأدب 4/ 487، علماء معاصرين ص 182، الأعلام للزركلي 3/ 265، المستدرك على معجم المؤلفين ص 322، معجم المؤلفين العراقيين 2/ 200، نخبة البشر- مخطوط، فوائد الرضوية 220- 222، رجال قم ص 126، سرآمدان فرهنگ و تاريخ ايران 1/ 273.

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[نفس المهموم‏]

[مقدمة المؤلف‏]

الحمد للّه الذي يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان‏ (1) في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات. و الصلاة و السلام على سيد الكائنات، و أفضل أهل الأرض و السماوات محمد المبعوث بالمعجزات الباهرات، و الآيات البينات. و على آله الطاهرين المظلومين مصابيح الظلمات، و عصم الأمة من الهلكات، سيما الإمام المظلوم الشهيد قتيل العبرات و أسر الكربات حسين مصباح الهدى و سفينة النجاة.

و بعد: فيقول المجرم المسي‏ء المتمسك بذيل أهل بيت الرسالة عباس بن محمد رضا القمي) ختم اللّه لهما بالحسنى و السعادة: إنّه قد كانت نفسي تنازعني دائما أن أجمع مختصرا في مقتل مولانا الحسين (عليه السلام)، أذكر فيه ما أعتمد عليه مما وصل إلي من الثقات الاثبات و ما اتصل سندي به من روايات الرواة، لأنتظم في سلك النائحين على سيد المظلومين أبي عبد اللّه عليه آلاف الصلاة و التسليمات.

و لكنه كانت العوائق تمنع من المراد و الشواغل تضرب دون بلوغ الغرض بالإسداد، إلى أن منّ اللّه تعالى علي بالتشرف إلى زيارة الحضرة الشريفة المقدسة المطهرة، مهبط ملائكة اللّه و معدن رضوان اللّه التي هي روضة من رياض الجنة و اللّه، المستقر بها امام المتقين و بضعة رسول رب العالمين، ضامن الغرباء و المساكين، ثامن الأئمة المعصومين، سيد الإنس و الجنة، و المدفوع بأرض الغربة، مولانا المظلوم و إمامنا المسموم، حجة اللّه على الخلق أجمعين السلطان أبو الحسن علي الرضا (عليه السلام) ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم اجمعين). فاستسعدت بتقبيل تلك العتبة المنيفة، و انتظمت في سلك مجاوري هذه الروضة الشريفة، فمددت إلى حضرته كف السؤال و رفعت إلى جنابه يد الضراعة و الابتهال ليوفقني للوصول إلى أمنيتي فإنّها منتهى الآمال.

ثمّ استخرت اللّه الكبير المتعال، فشرعت في تأليف هذا الكتاب على سبيل الاستعجال، و جمعته من الكتب المعتبرة التي عليها الاعتماد و الركون و الاستناد:

كالارشاد للشيخ الأجل، فخر الشيعة و محيي الشريعة، ملهم الحق و دليله و منار الدين‏

____________

(1) جمع نون بمعنى الحوت «منه».

8

و سبيله، شيخ المشايخ الجلة و رئيس رؤساء الملة، أبي عبد اللّه محمد ابن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد (رحمه الله)، المستغني عن المدح و التوصيف لغاية شهرته، مع أنّ كل ما يقال فهو دون رتبته، توفي سنة 413 ببغداد و دفن في البقعة المنورة الكاظمية عند رجلي أبي جعفر الجواد (عليه السلام).

و كتاب اللهوف على قتلى الطفوف للسيد الأجل الأورع الأزهد الأسعد قدوة العارفين و مصباح المتهجّدين، صاحب الكرامات الباهرة و المناقب الفاخرة رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسيني المتوفى ببغداد سنة 664، قدس اللّه سرّه و رفع في الملأ الأعلى ذكره.

و كتاب التاريخ للمؤرخ الكامل أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى ببغداد سنة 310، الذي قال في حقه محمد بن خزيمة المعروف بإمام الأئمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه‏ (1).

و تاريخ الكامل للمؤرخ النسابة الحافظ العلامة عز الدين أبي الحسن علي ابن أبي الكرم محمد المعروف بابن الأثير الجزري‏ (2) المتوفى بالموصل سنة 630.

و مقاتل الطالبيين للشيخ المؤرخ النساب الماهر الأديب الألمعي علي بن الحسين القرشي الأموي المعروف بأبي الفرج الأصبهاني الزيدي المتوفى ببغداد سنة 356.

و مروج الذهب و معادن الجوهر للمؤرخ الأمين و المعتمد عند الفريقين، الشيخ العالم الكامل المطلع الخبير الماهر الفاضل، أبي الحسن علي بن الحسين ابن علي الهذلي الإمامي المعروف بالمسعودي‏ (3) المعاصر لأبي الفرج الأصبهاني، بلغه اللّه في الجنان إلى منتهى الأماني.

و تذكرة الخواص الأمة في معرفة الأئمة للشيخ العالم الفاضل المؤرخ الكامل، وحيد

____________

(1) و قالوا في حق أبي جعفر الطبري: أنه كتب كتبا كثيرة و مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة، و قد حسبوا له منذ بلغ الحلم إلى أن مات قم قسم على تلك المدة أوراق مصنفاته فوجد لكل يوم أربع عشرة ورقة. قال لأصحابه يوما: تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثين ألف ورقة، قالوا: هذا يفني الأعمار قبل تمامه، فاختصره في ثلاثة آلاف، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ فقالوا: كم يكون قدره؟ قال:

نحو التفسير فأجابوه كالأول. فقال: إنّ اللّه أمات الهمم، فاختصره كالتفسير.

و الطبري منسوب إلى طبرية مدينة بالشام. كذا في العبقات «منه».

(2) الجزري بفتح الجيم و الزين نسبة إلى جزيرة ابن عمر، و هي مدينة على شاطئ دجلة و قريبة على الموصل في العراق. و فيها ولد ابن الأثير (منه).

(3) المتوفى سنة 346.

9

عصره و عزيز مصره، أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي‏ (1) البغدادي المعروف بسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 و المدفون في جبل قاسيون بدمشق.

و مطالب السئول في مناقب آل الرسول للشيخ العالم الفاضل الأديب المنشئ الكامل، كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي‏ (2).

و الفصول المهمة في معرفة الأئمة للشيخ نور الدين علي بن محمد المكي المعروف بابن الصباغ المالكي المتوفى سنة 855.

و كشف الغمة للشيخ الفاضل النبيل المحدث الثقة الجليل بهاء الدين أبي الحسن علي بن عيسى الأربلي الإمامي قدس اللّه روحه، فرغ من تأليفه سنة 687.

و العقد الفريد للشيخ شهاب الدين أبي عمر و أحمد بن محمد القرطبي الأندلسي المالكي المعروف بابن عبد ربه، الفاضل المحدث الأديب الأريب المتوفى سنة 338 و هذا الكتاب من الكتب الممتعة حوى من كل شي‏ء.

و كتاب الاحتجاج على أهل اللجاج للشيخ الأجل العالم الفاضل الفقيه المحدث الثقة الوجيه أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، أحد مشايخ ابن شهرآشوب الآتي ذكره (قدس سره).

و كتاب المناقب للشيخ الأجل محيي آثار المناقب و الفضائل، و البحر المتلاطم الزخار الذي لا يساحل، قطب المحدثين و شيخ مشايخهم، رئيس العلماء و فقيههم، رشيد الملة و الدين، العالم الرباني محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني عطر للّه مرقده المتوفى سنة 588 و المدفون على جبل جوشن بحلب عند مشهد السقط (3) محسن بن أبي عبد اللّه الحسين السبط (سلام الله عليهما).

و روضة الواعظين للشيخ الشهيد السعيد العالم الفاضل النبيل الجليل الحافظ الواعظ أبي علي محمد بن الحسن بن علي الفارسي المعروف بالفتال النيسابوري‏ (4)، أحد مشايخ ابن شهرآشوب (رضوان الله عليهما).

و مثير الأحزان للشيخ الجليل العالم الكامل الفقيه النبيه نجم الدين جعفر ابن محمد الحلي المعروف بابن نما، أحد مشايخ آية اللّه العلّامة الحلي (رضوان الله عليهما) و رفع في الملأ الأعلى ذكرهما.

____________

(1) كلمة تركية معناها السبط (ابن البنت).

(2) المتوفى سنة 652.

(3) سيأتي الحديث عن مشهد السقط لدى التحدث عن سوق أهل البيت الأطهار من الكوفة إلى الشام (منه).

(4) المتوفى سنة 508.

10

و الكامل البهائي في السقيفة للشيخ العالم العامل الماهر الفقيه المطلع المتكلم الجليل المحدث النبيل، عماد الدين الحسن بن علي بن محمد الطبري المعاصر للمحقق و العلامة رفع اللّه مقامه، ألفه لبهاء الدين محمد بن شمس الدين الجويني المشهور بصاحب ديوان و فرغ منه سنة 675.

و روضة الصفا في سير الأنبياء و الملوك و الخلفاء للمؤرخ الكامل المطلع الماهر، محمد بن خاوندشاه المتوفى سنة 903.

و تسلية المجالس كتاب كبير في المقتل للسيد العالم الفاضل محمد بن أبي طالب الموسوي الحسيني الحائري (رضوان الله عليه).

إلى غير ذلك من مقاتل أخرى.

و أنقل عن مقتل هذا السيد الجليل بتوسط المجلد العاشر من بحار الأنوار.

و عن مقتل الكلبي بتوسط تذكرة السبط و تاريخ الطبري.

و عن مقتل أبي مخنف الأزدي بتوسط الطبري.

و أعبر عن السيد ابن طاوس (رحمه الله) بالسيد، و عن ابن الأثير الجزري بالجزري، و عن محمد بن جرير الطبري بالطبري، و عن أبي مخنف بالأزدي.

و إنما عبرت عن الأخير بذلك و لم أصرح بكنيته لنكتة، و هي أن لا يتبادر إلى الأذهان أنه هو الذي طبع مع كتاب العاشر من البحار، فإنّه قد ثبت عندي أن هذا الكتاب ليس بمقتل أبي مخنف المعروف، فإنّ أبا مخنف و هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي- كان شيخا من أصحاب الأخبار بالكوفة و وجههم، و كان يسكن إلى ما يرويه، و يروي عن جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه)، و أبوه كان من أصحاب أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و لأبي مخنف كتب كثيرة في السير، منها كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) الذي ينقل منه أعاظم العلماء المتقدمين و اعتمدوا عليه. و من راجع تاريخ الطبري يعلم أنّ أكثر ما نقله في مقتل الحسين (عليه السلام) بل جله أخذه من مقتل أبي مخنف، و إذا تأمل إلى هذا المقتل المنسوب إليه و إلى ما نقله الطبري و غيره من المؤرخين منه و يقابلهما يعلم أنّ هذا المقتل ليس له، بل و لا لأحد من المؤرخين المعتمدين، فعلى هذا إنّي لا أعتمد على ما تفرد بنقله.

ثمّ إنّي رتبت هذا الكتاب الشريف على أبواب و خاتمة، و قدمت أمام الأبواب مقدمة، و سميته نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم عليه صلوات اللّه الملك الحي القيوم.

و أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لإتمامه و يفوزني بسعادة اختتامه، و ما توفيقي إلّا باللّه، عليه توكّلت و إليه أنيب.

11

المقدمة (في ولادة مولانا الحسين المظلوم (عليه السلام))

اعلم أنه قد اختلفت كلمات العلماء و المحدثين و المؤرخين من الفريقين في يوم ولادة مولانا الحسين (عليه السلام) و شهره و سنته، فقيل في ثالث شعبان و قيل لخمس خلون منه، و قيل لخمس خلون من جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، و قيل في آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة. و القول الأخير مختار الشيخ أبي جعفر الطوسي (قدس سره) في التهذيب، و الشيخ الشهيد في الدروس، و البهائي في توضيح المقاصد.

و هذا يوافق ما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر اللّه مرقده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: كان بين الحسن و الحسين (عليهما السلام) طهر و كان بينهما في الميلاد ستة أشهر و عشرا (1).

و أراد (عليه السلام) بالطهر مقدار أقل زمان الطهر و هو عشرة أيام، و كان ولادة سيدنا الحسن (عليه السلام) في منتصف شهر رمضان سنة بدر اثنتين من الهجرة.

و روي أيضا أنه لم يكن بين الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلا طهر واحد و أن مدة حمل الحسين (عليه السلام) ستة أشهر (2).

و في مناقب ابن شهرآشوب عن كتاب الأنوار (3): أن اللّه تعالى هنأ النبي‏

____________

(1) الكافي 1/ 464، التهذيب 6/ 41، الدروس كتاب المزار ص 2، توضيح المقاصد ص 6.

(2) البحار 43/ 247 نقلا عن تفسير القمي ص 621.

(3) راجع الذريعة للطهراني 2/ 411- 413.

12

(صلى الله عليه و آله) بحمل الحسين (عليه السلام) و ولادته و عزاه بقتله، فعرفت فاطمة (عليها السلام) فكرهت ذلك فنزلت‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (1) فحمل النساء تسعة أشهر و لم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى و الحسين (عليهما السلام)(2).

أقول: إني أحتمل قويا أن الرواية كانت غير يحيى و الحسين، فإن يحيى و الحسين (عليهما السلام) كانا شبيهين في أشياء منها في مدة الحمل. و في الخبر أيضا: و كان حمل يحيى ستة أشهر و حمل الحسين (عليه السلام) كذلك، و أما مدة حمل عيسى على نبيّنا و آله و (عليه السلام) ففي الروايات الكثيرة أنها كانت تسع ساعات كل ساعة شهرا، و يساعدها الاعتبار أيضا.

و روى الصدوق «ره» بسنده عن صفية بنت عبد المطلب (رضوان الله عليهما) قالت: لما سقط الحسين (عليه السلام) من بطن أمه و كنت وليتها قال النبي: يا عمة هلمي إلى ابني. فقلت: يا رسول اللّه إنّا لم ننظفه. فقال: يا عمة أنت تنظفينه! إن اللّه تعالى قد نظفه و طهره‏ (3).

و في رواية أخرى: فدفعته إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فوضع النبي لسانه في فيه و أقبل الحسين (عليه السلام) على لسان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يمصه قالت: فما كنت أحسب رسول اللّه يغذوه إلا لبنا أو عسلا. قالت: فمال الحسين (عليه السلام)، فقبل النبي (صلى الله عليه و آله) بين عينيه ثم دفعه إلي و هو يبكي و يقول: لعن اللّه قوما هم قاتلوك يا بني- يقولها ثلاثا- قالت: فقلت: فداك أبي و أمي و من يقتله؟ قال: بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم اللّه‏ (4).

____________

(1) سورة الأحقاف: 15.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 50.

(3) البحار 43/ 243 نقلا عن أمالي الصدوق ص 83.

(4) البحار 43/ 243 نقلا عن أمالي الصدوق ص 83.

روى أن أم الفضل زوجة العباس كانت تربي الحسين (عليه السلام) و تقول:

يا ابن رسول اللّه‏ * * * يا ابن كثير الجاه‏

13

و روي أن النبي (صلى الله عليه و آله) أذن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى‏ (1).

و عن علي بن الحسين (عليهما السلام): أن النبي (صلى الله عليه و آله) أذن في أذن الحسين (عليه السلام) بالصلاة يوم ولد (2).

و في رواية أخرى: فلما كان يوم سابعه عق عنه النبي (صلى الله عليه و آله) بكبشين أملحين و أعطى القابلة فخذا و دينارا، ثم حلق رأسه و تصدق بوزن الشعر ورقا و طلى رأسه بالخلوق‏ (3).

و روى ثقة الإسلام الكليني «ره» في حديث: أنه لم يرضع الحسين (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام) و لا من أنثى، كان يؤتى به النبي (صلى الله عليه و آله) فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين و الثلاث، فنبت لحم الحسين (عليه السلام) من لحم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و دمه‏ (4).

و روى الصدوق عطر اللّه مرقده عن الصادق (عليه السلام) يقول: إن الحسين ابن علي (عليهما السلام) لما ولد أمر اللّه تعالى جبرئيل (عليه السلام) أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) من اللّه تعالى و من جبرائيل (عليه السلام). قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) فمر على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: فطرس كان من الحملة بعثه اللّه في شي‏ء فأبطأ عليه فكسر جناحه و ألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه تعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي (عليهما السلام)، فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل أين تريد؟ قال: ان اللّه تعالى أنعم على محمد (صلى الله عليه و آله) بنعمة فبعثت أهنّئه من اللّه تعالى و مني، فقال: يا جبرئيل‏

____________

-

فردا بلا أشباه‏ * * * أعاذه إلهي‏

من أمم الدواهي

‏ * * *

«منه» راجع البحار 43/ 287 نقلا عن المناقب 3/ 389.

(1) البحار 43/ 239 نقلا عن عيون أخبار الرضا 2/ 26.

(2) البحار 43/ 240 نقلا عن عيون أخبار الرضا، و في العيون 2/ 43 «الحسن» مكان «الحسين» فراجع.

(3) البحار 43/ 239 نقلا عن عيون أخبار الرضا 2/ 26.

(4) الكافي 1/ 465.

14

احملني معك لعل محمدا (صلى الله عليه و آله) يدعو لي قال: فحمله. قال: فلما دخل جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و آله) هنأه من اللّه تعالى و منه و أخبره بحال فطرس. فقال النبي (صلى الله عليه و آله) قل له تمسح بهذا المولود وعد إلى مكانك. قال: فتمسح فطرس بالحسين بن علي (عليهما السلام)، و ارتفع.

فقال: يا رسول اللّه أما إن أمتك ستقتله و له علي مكافأة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه، و لا يسلم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه، و لا يصلي عليه مصل إلا أبلغته صلاته. ثم ارتفع‏ (1).

و في رواية أخرى: و عرج إلى موضعه و هو يقول: من مثلي و أنا عتاقة الحسين ابن علي و فاطمة و جده أحمد الحاشر (صلوات الله عليهم اجمعين)(2).

و روى الشيخ الطوسي في المصباح: أنه خرج إلى القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمد (عليه السلام) أن مولانا الحسين بن علي (عليهما السلام) ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان، فصمه و ادع فيه بهذا الدعاء «اللهم إني أسألك بحق المولود في هذا اليوم» الدعاء. و فيه «و عاذ فطرس بمهده فنحن عائذون بقبره من بعده» (3).

و قال السيد في اللهوف: و لم يبق في السماوات ملك إلا و نزل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) كل يقرؤه السلام و يعزيه في الحسين (عليه السلام) و يخبره بثواب ما يعطى و يعرض عليه تربته، و النبي (صلى الله عليه و آله) يقول: اللهم اخذل من خذله و اقتل من قتله و لا تمتعه بما طلبه‏ (4).

____________

(1) البحار 43/ 243 نقلا عن أمالي الصدوق ص 84.

و في إثبات الوصية (ص 125) فلما نهض- أي فطرس- قال له النبي (صلى الله عليه و آله):

فإن اللّه قد شفعني فيك فالزم أرض كربلاء فأخبرني بكل من يأتي الحسين (عليه السلام) زائرا إلى يوم القيامة. قال: فذلك الملك يسمى عتيق الحسين (عليه السلام) (منه).

(2) البحار 43/ 245 نقلا عن المناقب 4/ 75. و الحاشر من أسماء النبي (صلى الله عليه و آله) و هو الذي يحشر الناس خلفه ممن هو على دينه و ملّته.

(3) مصباح المتهجدين ص 758.

(4) اللهوف ص 13 و فيه: ملك مقرب.

15

و قال الشيخ ابن شهرآشوب في المناقب: و جاء الحديث أن جبرئيل (عليه السلام) نزل يوما فوجد الزهراء (عليها السلام) نائمة و الحسين (عليه السلام) قلقا على عادة الأطفال مع أمهاتهم فقعد جبرئيل (عليه السلام) يلهيه عن البكاء حتى استيقظت فأعلمها رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بذلك‏ (1).

و روى السيد البحراني في مدينة المعاجز عن شرحبيل بن أبي عوف قال: لما ولد الحسين (عليه السلام) هبط ملك من ملائكة الفردوس الأعلى و نزل إلى البحر الأعظم و نادى في أقطار السماوات و الأرض: يا عباد اللّه البسوا ثياب الأحزان و أظهروا التفجع و الأشجان، فإن فرخ محمد مذبوح مظلوم مقهور ... (2).

____________

(1) المناقب 4/ 75.

(2) مدينة المعاجز ص 236.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الباب الأول (في مناقب الحسين (عليه السلام) و ثواب البكاء على مصيبته و اللعن على قتلته و ما ورد من الأخبار بشهادته) و فيه فصلان:

الفصل الأول (في مختصر من مناقبه)

اعلم أن مناقب مولانا الحسين (صلوات الله عليه) واضحة الظهور، و سناء شرفه و مجده مشرق النور، فله الرتبة العالية و المكانة السامية في كل الأمور، فما اختلف في نبله و فضله و اعتلاء محله أحد من الشيعة و لا الجمهور.

عرف العالمون فضلك بالعلم‏ * * * و قال الجهال بالتقليد

و كيف لا يكون كذلك و قد اكتنفه الشرف من جميع أكنافه، و ظهرت مخايل السؤدد على شمائله و اعطافه‏ (1)، و كاد الجمال يقطر من نواحيه و أطرافه. و هذا قول لا أخاف أن يقول مسلم بخلافه.

الجد محمد المصطفى، و الأب علي المرتضى، و الجدة خديجة الكبرى و الأم فاطمة الزهراء، و الأخ الحسن ذو الشرف و الفخار، و العم جعفر الطيار،

____________

(1) الأعطاف بمعنى أطراف الثوب مفرده عطف (منه).

18

و الأولاد الأئمة الأطهار، و النسب من هاشم صفوة الأخيار، عليهم صلوات اللّه الملك الغفار.

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * * * إلا على أكمه‏ (1)لا يبصر القمرا

أما هو في نفسه الشريفة (صلوات الله عليه) فكما وصفه مولانا و إمامنا المهدي (صلوات الله عليه) في زيارة الناحية المقدسة: و في الذمم رضي الشيم ظاهر الكرم متهجدا في الظلم، قويم الطرائق كريم الخلائق عظيم السوابق، شريف النسب منيف الحسب رفيع الرتب، كثير المناقب محمود الضرائب جزيل المواهب حليم رشيد منيب جواد عليم شديد، إمام شهيد، أواه منيب حبيب مهيب، كان للرسول (صلى الله عليه و آله) ولدا و للقرآن سندا و للأمة عضدا و في الطاعة مجتهدا، حافظا للعهد و الميثاق ناكبا عن سبل الفساق، باذلا للمجهود طويل الركوع و السجود، زاهدا في الدنيا زهد الراحل عنها، ناظرا إليها بعين المستوحشين عنها- إلى آخر ما قال فيه (صلوات الله عليه)(2).

و يا عجبا مني أحاول وصفه‏ * * * و قد فنيت فيه القراطيس و الصحف‏

و أما شجاعته (عليه السلام)

فقد صرح الرواة و النقلة الأثبات أن مولانا الحسين (عليه السلام) لما قصد العراق سرب إليه عبيد اللّه بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا و حزب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا و جهز من العساكر ثلاثين ألف فارس و راجل يتتابعون كتائب و أطلابا (3)، فلما حصروه و أحدقوا به شاكين في العدة و العديد ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد أو بيعته ليزيد فإن أبي ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين و حبل‏

____________

(1) الأكمه: الأعمى.

(2) تحفة الزائر ص 341 نقلا عن الشيخ المفيد و مزار محمد بن المشهدي.

(3) اطلاب: ما يطلب.

19

الوريد و يصعد الأرواح إلى المحل الأعلى و يصرع الأشباح على الصعيد فتبعت نفسه الأبية جدها و أباها و عزفت عن التزام الدنية فأباها، فعلم الناس الإباء و الحمية و الموت تحت ظلال السيوف اختيارا له على الدنية، فنصب نفسه و إخوته و أهله لمحاربتهم و اختاروا بأجمعهم القتل على مبايعتهم ليزيد و متابعتهم، فأحاطت بهم الفجرة اللئام و رهقتهم الكفرة اللهام‏ (1) و رشقتهم بالنبال و السهام.

هذا و الحسين (عليه السلام) ثابت كالجبل الراسخ، لا يوهن عزيمته المنيعة فاسخ، و قدمه في المعترك أرسى من الجبال، و قلبه لا يضطرب لهول القتال و قد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما، و أذاقوهم من الحمية الهاشمية زهقا و كلما، و لم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن قاصديه و قتل و أغمد ظبته في أبشارهم و جدل، و هو (صلوات الله عليه) كالليث المغضب البغيض لا يحمل على أحد إلا نفحه بسيفه‏ (2) فألحقه بالحضيض.

و قد ثبت ما نقلته الثقات عن بعض الرواة قال: فو اللّه ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده و أهل بيته و أصحابه أربط جأشا و لا أمضى جنانا منه و لا أجرأ مقدما و اللّه ما رأيت قبله و لا بعده مثله‏ (3) و روي أنه كان بينه (عليه السلام) و بين الوليد بن عقبة منازعة في ضيعة، فناول الحسين (عليه السلام) عمامة الوليد عن رأسه و شدها في عنقه و هو يومئذ وال على المدينة (4).

و في الاحتجاج عن محمد بن السائب أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن علي (عليهما السلام): لو لا فخركم بفاطمة بما كنتم تفخرون علينا؟

فوثب الحسين و كان شديد القبضة، فقبض على حلقه فعصره و لوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه ثم تركه- الخ‏ (5).

____________

(1) اللهام: بضم اللام الجيش العظيم «منه».

(2) نفحه بسيفه: تناوله «منه».

(3) تاريخ الطبري 7/ 364.

(4) البحار 44/ 191 نقلا عن المناقب 3/ 224.

(5) الاحتجاج 2/ 23 طبع سنة 1386.

20

أقول: شجاعة الحسين (عليه السلام) يضرب بها المثل، و صبره في مواقف الحرب أعجز الأواخر و الأول، و مقامه في مقاتلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جده (صلى الله عليه و آله) ببدر فاعتدل، و صبره على كثرة أعدائه و قلة أنصاره صبر أبيه في صفين و الجمل، و ناهيك في هذا المقام ما في الزيارة الواردة عن الناحية المقدسة على صاحبها آلاف السلام:

«و بدءوك بالحرب فثبتّ للطعن و الضرب و طعنت جنود الفجار و اقتحمت قسطل الغبار مجالدا بذي الفقار كأنك علي المختار، فلما رأوك ثابت الجأش غير خائف و لا خاش نصبوا لك غوائل مكرهم و قاتلوك بكيدهم و شرهم، و أمر اللعين جنوده فمنعوك الماء و وروده و ناجزوك القتال و عاجلوك النزال و رشقوك بالسهام و النبال و بسطوا إليك أكف الاصطلام و لم يرعوا لك ذماما و لا راقبوا فيك أثاما في قتلهم أوليائك و نهبهم رحالك و أنت مقدم في الهبوات و محتمل للأذيات، قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات، فأحدقوا بك من كل الجهات و أثخنوك بالجراح و حالوا بينك و بين الرواح، و لم يبق لك ناصر و أنت محتسب صابر تذب عن نسوتك و أولادك، حتى نكسوك عن جوادك فهويت إلى الأرض جريحا تطؤك الخيول بحوافرها و تعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك و اختلفت بالانقباض و الانبساط شمالك و يمينك، تدير طرفا خفيا إلى رحلك و بيتك و قد شغلت بنفسك عن ولدك و أهاليك» (1).

و أما علمه (عليه السلام)

فينبغي أن يعلم أن علوم أهل البيت (عليهم السلام) لا تتوقف على التكرار و الدرس، و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، و لا يعلمونها بالقياس و الفكر و الحدس، فسمات معارفهم و علومهم بعيدة عن الإدراك و اللمس. فمن أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس.

____________

(1) تحفة الزائر ص 355 نقلا عن الشيخ المفيد و مزار محمد بن المشهدي.

21

و هذا مما ينبغي أن يكون ثابتا مقررا في النفس، إنهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة، و هم كما في نفوس أوليائهم و محبيهم و زيادة، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا و ما استكانوا في الجواب و لا ضعفوا.

فأيهم اعتبرت أحواله و تدبرت أقواله وجدته فريدا في مآثره وحيدا في مزاياه و مفاخره مصدقا قديم أوله بحديث آخره، تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم و تصغى الأسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، و يقف كل ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم و لا تنال طرائقهم.

سجايا منحهم بها خالقهم و أخبر بها صادقهم، فإنه (صلى الله عليه و آله) أزال الشبهة و الالتباس و صرح بفضلهم كيلا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل و القياس، فقال: انا بني عبد المطلب سادات الناس‏ (1).

و أما كرمه و جوده (عليه السلام)

فقد روي أنه أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها الحسن و الحسين (عليهما السلام) الى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) في شكواه التي توفي فيها، فقالت: يا رسول اللّه هذان ابناك فورثهما شيئا. فقال: أما الحسن فإن له هيبتي و سؤددي و أما الحسين فإن له جودي و شجاعتي‏ (2).

و قد اشتهر النقل عنه (عليه السلام) أنه كان يكرم الضيف و يمنح الطالب و يصل الرحم و ينيل الفقير و يسعف السائل و يكسو العاري و يشبع الجائع و يعطي الغارم و يشفق على اليتيم و يعين ذا الحاجة، و قل أن وصله مال إلا و فرقه.

و روي أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير و ثياب وافرة و كسوات وافية

____________

(1) كشف الغمة 2/ 187.

(2) الخصال ص 77 و فيه: «جرأتي» مكان «شجاعتي». الارشاد للمفيد ص 169، أعلام الورى ص 210، البحار 43/ 263.

22

فرد الجميع عليه و لم يقبله منه‏ (1).

و هذه سجية الجواد و شنشنة الكريم و سمة ذي السماحة و صفة من حوى مكارم الأخلاق، فأفعاله شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم، و ينبغي أن يعلم أن الكرم الذي الجود من أنواعه كامل في أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله) ثابت لهم محقق فيهم و لا يعدوهم و لا يفارقهم، بل هو لهم على الحقيقة و في غيرهم كالمجاز. و لهذا لم ينسب الشح إلى أحد من بني هاشم و لا نقل عنهم، لأنهم يجارون الغيوث سماحة و يبارون الليوث حماسة.

قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خطبته بالشام: أعطينا العلم و الحلم و السماحة و الفصاحة و الشجاعة و المحبة في قلوب المؤمنين‏ (2).

فهم البحور الزاخرة و السحب الهامرة.

فما كان من خير أتوه فإنما * * * توارثه آباء آبائهم قبل‏

و هذه الأخلاق الكريمة اتخذوها شريعة و جعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم و كرم أصولهم، فهم مقتدى الأمة و رءوس هذه الملة و سروات الناس و سادات العرب و خلاصة بني آدم و ملوك الدنيا و الهداة إلى الآخرة و حجج اللّه على عباده و أمناؤه في بلاده، فلا بد أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة و سمات الجلال بادية باهرة.

و إن كل متصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى و على منوالهم نسج و بهم اهتدى. و كيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في موطن النزال، و كيف لا يسمح بالعاجل من همه بالآجل. و لا ريب عند العقلاء أن من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود، و من زهد في الحياة المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد.

____________

(1) كشف الغمة 2/ 195.

(2) البحار 45/ 137 نقلا عن صاحب المناقب و غيره، و لم نجده بهذا اللفظ في المناقب لابن شهرآشوب، فراجع 3/ 305 من المناقب.

23

و قال الشاعر:

يجود بالنفس إن ضن الجواد بها * * * و الجود بالنفس أقصى غاية الجود

و لهذا قالوا: إن السماحة و الحماسة رضيعتا لبان، و قد تلازمتا معا فهما توأمان فالجواد شجاع و الشجاع جواد. و هذه قاعدة كلية.

قال أبو تمام (رحمه الله) في الجمع بينهما:

و إذا رأيت أبا يزيد في الندى‏ * * * و وغى و مبدى غارة و معيدا

أيقنت أن من السماح شجاعة * * * تدني و أن من الشجاعة جودا

و قال أبو الطيب:

قالوا أ لم تكفه سماحته‏ * * * حتى بنى بيته على الطرق‏

فقلت إن الفتى شجاعته‏ * * * تريه في الشح صورة الفرق‏

كن لجة أيها السماح فقد * * * آمنه سيفه من الغرق‏

و قيل: الكريم شجاع القلب و البخيل شجاع الوجه.

و لما وصفهم معاوية وصف بني هاشم بالسخاء و آل الزبير بالشجاعة و بني مخزوم بالتيه و بني أمية بالحلم، فبلغ ذلك الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال:

قاتله اللّه أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، و أن يشجع آل الزبير فيقتلون، و أن يتيه المخزوميون فيمقتوا، و أن تحلم بنو أمية فيحبهم الناس‏ (1).

و لعمري لقد صدق معاوية في بعض مقاله و إن كان الصدق بعيدا من أمثاله و لكن الكذوب قد يصدق، فإن السماحة في بني هاشم كما قال، و الشجاعة و الحلم فيهم في كل الأحوال، و الناس في ذلك تبع لهم فهم عليهم كالعيال، فإذا تفرقت في الناس خصال الخير اجتمعت فيهم تلك الخصال. و هذا القول هو الحق و ما بعد الحق إلا الضلال‏ (2).

____________

(1) كشف الغمة 2/ 199 و 2/ 151، البحار 44/ 106 مع اختلاف يسير في الأخيرين فراجع.

(2) روي أن أعرابيا سلم على الحسين (عليه السلام) و سأله حاجة و قال: سمعت جدك رسول اللّه-

24

و أما فصاحته و زهده و تواضعه و عبادته (عليه السلام)

فلو أردنا ذكر ما ورد فيها لخرجنا عن وضع الرسالة، و نذكر مكانه أخبارا في محبة النبي (صلى الله عليه و آله) إياه (عليه السلام).

روى الشيخ الأجل محمد بن شهرآشوب «قده» في المناقب عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه و آله) بينما يخطب على المنبر إذ خرج الحسين (عليه السلام) فوطئ في ثوبه فسقط و بكى، فنزل النبي (صلى الله عليه و آله) عن المنبر فضمه إليه و قال: قاتل اللّه الشيطان ان الولد لفتنة، و الذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت من منبري‏ (1).

____________

- (صلى الله عليه و آله) يقول: إذا سألت حاجة فاسألها من أحد أربعة: أما عربيّا شريفا، أو مولى كريما، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح. فأما العرب فشرفت بجدك (صلى الله عليه و آله)، و أما الكريم فالكرم سيرتكم، و أما القرآن ففي بيوتكم نزل، و الوجه الصبيح فإني سمعت جدك رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام). فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض فقال الحسين (عليه السلام): سمعت أبي عليا (عليه السلام) يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه، و سمعت جدي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: المعروف بقدر المعرفة، فاسألك عن ثلاث خصال فإن أجبتني عن واحدة فلك ثلث ما عندي، و إن أجبتني عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، و إن أجبتني عن ثلاث فلك كل ما عندي و قد حملت إلي صرة مختومة فإن أجبت فأنت أولى بها. فقال: سل و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قال (عليه السلام): أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الايمان. قال (عليه السلام):

فما نجاة العبد من الهلكة؟ قال: الثقة باللّه. قال: فما يزين المرء؟ قال: علم معه حلم.

قال: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فمال معه كرم. قال: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فقر معه صبر. قال:

فإن أخطأ ذلك؟ قال: فصاعقة تنزل عليه فتحرقه، فضحك الحسين بن علي (عليهما السلام) و رمى إليه بالصرة.

و في رواية أخرى: و رمى إليه بصرة فيها ألف دينار، و أعطاه خاتمه و فيه فص قيمته مائتا درهم، و قال: يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك و اصرف الخاتم في نفقاتك. فأخذ الأعرابي و قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته «منه».

مقتل الخوارزمي 1/ 157 مع اختلاف يسير فراجع.

(1) المناقب 4/ 71.

25

و فيه أيضا: أبو السعادات في فضائل العترة قال يزيد بن زيادة: خرج النبي (صلى الله عليه و آله) من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة (عليها السلام) فسمع الحسين (عليه السلام) يبكي و قال: أ لم تعلمي أن بكاؤه يؤذيني‏ (1).

و فيه: ابن ماجة في السنن و الزمخشري في الفائق: رأى النبي (صلى الله عليه و آله) الحسين (عليه السلام) يلعب مع الصبيان في السكة، فاستقبل النبي (صلى الله عليه و آله) أمام القوم فبسط إحدى يديه فطفق الصبي يفر مرة من هاهنا و مرة من هاهنا و رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يضاحكه، ثم أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه و الأخرى على فأس رأسه‏ (2) و أقنعه فقبله و قال: أنا من حسين و حسين مني، أحب اللّه من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط.

استقبل أي تقدم. و اقنعه أي رفعه‏ (3).

و فيه أيضا: عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنا جلوسا عند رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إذ أقبل الحسين (عليه السلام) فجعل ينزو على ظهر النبي (صلى الله عليه و آله) و على بطنه، فبال فقال: دعوه‏ (4).

و فيه أيضا: أحاديث الليث بن سعد أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي يوما في فئة و الحسين (عليه السلام) صغير بالقرب منه، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا سجد جاء الحسين فركب ظهره ثم حرك رجليه و قال: حل حل، و إذا أراد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه، فإذا سجد عاد على ظهره و قال: حل حل. فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي (صلى الله عليه و آله) من صلاته. الخ‏ (5).

و روي عن أمالي الحاكم قال أبو رافع: كنت ألاعب الحسين (عليه السلام)

____________

(1) المناقب 4/ 71.

(2) فأس الرأس: حرف عظمة مشرفة على القفا.

(3) المناقب 4/ 71.

(4) المناقب 4/ 71.

(5) المناقب 4/ 71.

26

و هو صبي بالمداحي، فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت: احملني. فيقول:

أ تركب ظهرا حمله رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فاتركه، فإذا أصابت مدحاته مدحاتي قلت: لا أحملك كما لم تحملني. فيقول: أ ما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول اللّه. فاحمله.

المدحاة: لعب الأحجار في الحفيرات‏ (1).

و فيه أيضا عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين (عليه السلام)، فكبر رسول اللّه فلم يحر الحسين التكبير، ثم كبر رسول اللّه فلم يحر الحسين (عليه السلام) التكبير، و لم يزل رسول اللّه يكبر و يعالج الحسين التكبير و لم يحر حتى اكمل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) سبع تكبيرات، فأحار الحسين التكبير في السابعة.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فصارت سنة (2).

و فيه أيضا عن تفسير النقاش بإسناده عن ابن عباس قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه و آله) و على فخذه الأيسر ابنه إبراهيم و على فخذه الأيمن الحسين بن علي، و هو تارة يقبل هذا و تارة يقبل هذا، إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سري عنه (صلى الله عليه و آله) قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول: لست أجمعهما فافد أحدهما بصاحبه. فنظر النبي (صلى الله عليه و آله) إلى إبراهيم فبكى فقال: إن إبراهيم أمه أمة و متى مات لم يحزن عليه غيري و أم الحسين فاطمة و أبوه علي ابن عمي لحمي و دمي و متى مات حزنت ابنتي و حزن ابن عمي و حزنت أنا عليه و أنا أوثر حزني على حزنهما يا جبرئيل يقبض إبراهيم فديته بالحسين. قال: فقبض بعد ثلاث، فكان النبي إذا رأى الحسين (عليه السلام) مقبلا قبله و ضمه إلى صدره و رشف ثناياه و قال: فديت من فديته بابني إبراهيم‏ (3).

____________

(1) المناقب 4/ 72.

(2) المناقب 4/ 73.

(3) المناقب 2/ 81.

27

بأبي أنت و أمي يا أبا عبد اللّه الحسين.

تعاليت عن مدح فأبلغ خاطب‏ * * * بمدحك بين الناس أقصر قاصر

إذا طاف قوم في المشاعر و الصفا * * * فقبرك ركني طائفا و مشاعري‏

و إن ذخر الأقوام نسك عبادة * * * فحبك أوفى عدتي و ذخائري‏ (1)

الفصل الثاني (في ثواب البكاء على مصيبة الحسين (عليه السلام) و ثواب اللعن على قتلته و ما ورد من الأخبار بشهادته (عليه السلام))

و نقتصر في هذا المقام على أربعين حديثا:

الحديث الأول:

حدثني الشيخ الفقيه الموفق الثقة الثبت خاتم العلماء و المحدثين و عماد الفقهاء الراسخين سحاب الفضل الهاطل و بحر العلم الذي ليس له ساحل كنز الفضائل و نهرها الجاري شيخي الأجل الحاج ميرزا حسين النوري‏ (2) نور اللّه تربته و أعلى في عليين رتبته بالإجازة العامة الكاملة بجميع ما حقت له إجازته في يوم الجمعة السادس من شهر ربيع الأول سنة 1320 في الكوفة المتبركة على شاطئ الفرات بقرب الجسر.

____________

(1)

إليك إشاراتي و أنت مرادي‏ * * * و إياك أعني عند ذكر سعاد

و أنت تثير الوجه بين أضالعي‏ * * * إذا قال حاد أو ترنم شادي‏

و حبك ألقى النار بين جوانحي‏ * * * بقدح وداد لا بقدح زناد «منه»

(2) الحاج ميرزا حسين النوري «ره» كان شيخي الذي أخذت منه في بدء حالي و انضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي فوهبني من فضله ما لا يضيع و حنا عليّ حنو الظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه و التقمني ثدي معلومه، فعادت عليّ بركات أنفاسه و استضاءت من ضياء نبراسه، فما يسفح به قلمي إنما هو من فيض بحاره و ما ينفح بها كلمي إنما هو من نسيم أسحاره، لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر و الحضر و كنت أستفيد من جنابه في البين إلى أن نعب بيننا غراب البين فطوى الدهر ما نشر و الدهر ليس بمأمون على بشر، فتوفي سنة 1320 و دفن في جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) «منه».

28

عن الشيخ الإمام معلم علماء الإسلام، رئيس الشيعة من عصره إلى يومنا هذا بلا مدافع، و المنتهى إليه رئاسة الإمامية في العلم و العمل و الورع و الاجتهاد بغير منازع، مالك أزمة التحرير و التأسيس، و مربي أكابر أهل التصنيف و التدريس المضروب بزهده الأمثال، و المضروب إلى علمه آباط الآمال، الخاضع لديه كل شريف، و اللائذ إلى ظله كل عالم عريف، أستاذ الأمم شيخ العرب و العجم آية اللّه الباري الحاج شيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري تغمده اللّه تعالى برحمته و أسكنه فسيح جنته [1].

عن شيخه الفقيه الإمام و مستنده في مناهج الأحكام جامع شتات الفضائل العلمية و العملية و الآخذ بأطراف العلوم الذوقية و البحثية المولى الأجل الحاج ملا أحمد النراقي أحباه اللّه الكرامة يوم التلاق‏ (2).

عن البحر المتلاطم الزخار و عيبة العلم و الفضل و الأدب و الأنوار صاحب الكرامات الباهرة و الآيات النيرة قطب دائرة المفاخر أنموذج سلفه الطاهر الإمام الهمام الذي لم تسمح بمثله الأيام، علامة دهره و زمانه و وحيد عصره و أوانه، الجامع لجميع الفضائل و الكمالات و العلوم سيدنا الأجل السيد مهدي المدعو ببحر العلوم قدس اللّه نفسه و طيب رمسه‏ (3).

____________

[1] الحاج شيخ مرتضى الأنصاري «ره» ينتهي نسبه الشريف إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري، ولد سنة 1214 و توفي 1281 في النجف الأشرف و دفن في الصحن الشريف عند الباب القبلي (باب القبلة ظ) «منه». و تاريخ وفاته «ظهر الفساد» و قد نظمته بقولي:

و ابن الأمين شيخنا الأنصاري‏ * * * شيخ فقيه قدوة الأبرار

عنه‏ (*)الحسين شيخنا الأستاذ * * * لفوته قل: (ظهر الفساد)

____________

(2) توفي الفاضل النراقي في قصبة الدراق من قرى كاشان سنة 1244 و حمل إلى الغري و دفن في الصحن المقدس «منه».

(3) في نخبة المقال:

و السيد المهدي الطباطبائي‏ * * * بحر العلوم صفوة الصفاء

و المرتضى والده سعيد * * * مات «غريبا» عمره «مجيد»

* أي يروي عنه «منه».

29

عن العالم العلامة و الفاضل الفهامة ركن الطائفة و عماده و أورع نساكها و عبادها شيخ علماء الشيعة و مرجع فقهاء الملة الأستاذ الأكبر و مروج ملة سيد البشر المحقق الثالث و العلامة الثاني شيخ المشايخ مولانا الآغا محمد باقر البهبهاني المعروف بالفريد الملقب بالوحيد أسكنه اللّه في الجنان أعلى الغرف و منتهى الأماني‏ (1).

عن والده الشيخ الأعلم الأفضل الأكمل المحقق الدقيق المولى محمد أكمل تغمده اللّه تعالى برحمته و حشره في الجنان مع أئمته.

عن العالم العامل و الفاضل الكامل مروج المذهب و الدين و محيي شريعة سيد المرسلين البحر المتلاطم الزخار باقر العلم غواص بحار الأنوار خاتم المحدثين و سادس المحمدين عماد الفقهاء الراسخين و سناد الفقهاء الشامخين العالم الرباني المولى محمد باقر المجلسي الأصفهاني بوأه اللّه في الجنان و بلغه إلى منتهى الآمال و الأماني‏ (2).

عن والده الشيخ الأجل الأكمل الأفضل الأوحد الأزهد الأعبد الأسعد جامع الفنون العقلية و النقلية حاوي الفضائل العلمية و العملية صاحب النفس القدسية و المقامات العلية ناشر الأخبار الدينية المؤيد بالفيض القدسي المولى محمد تقي المجلسي قدس اللّه روحه و منحه ريحانه و روحه‏ (3).

عن بحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه و فحل الفضل الناتجة لديه أفراده‏

____________

(1)

و البهبهاني معلم البشر * * * مجدد المذهب في الثاني عشر

أزاح كل شبهة و ريب‏ * * * فبان للميلاد «كنه الغيب»

توفي «ره» سنة 1208، و دفن في الحرم المطهر الحسيني (سلام الله عليه) «منه».

(2)

و المجلسي ابن تقي باقر * * * له بحار كلها جواهر

مجدد المذهب بالوجه الأتم‏ * * * و «عد» عمرا قبضه «حزن و غم»

ولادته في عدد «جامع كتاب بحار الأنوار» و قبره الشريف في بلدة أصفهان في الجامع العتيق، و قد أكثر الشعراء في تاريخ وفاته (منه).

(3) محمد تقي المجلسي «ره» توفي سنة 1070 (منه).

30

و أزواجه طود المعارف الراسخ و فضاؤها الذي لا تحد له فراسخ و بدرها الذي لا يعتريه محاق و جوادها الذي لا يؤمل له لحاق، علامة الزمان و الساحب ذيل البلاغة على قس و سحبان، شيخ الإسلام و المسلمين و رئيس الفقهاء و المحققين شيخنا الأجل الشيخ محمد العاملي المعروف ببهاء الدين رفع اللّه مقامه في أعلى عليين‏ (1).

عن أبيه و أستاذه و من عليه في العلوم الشرعية استناده، العالم العلامة و الفاضل الفهامة المحقق المدقق صاحب النفس القدسية و الملكة الملكوتية، شيخ الفقهاء و المحدثين العظام و مروج المذهب و ناشر الأحكام الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي الحارثي أحله اللّه دار السلام‏ (2).

عن الشيخ الإمام خاتم فقهاء الإسلام أفضل المتأخرين و أكمل المتبحرين شيخ الأمة و فتاها و مبدأ الفضائل و منتهاها قدوة الشيعة و نور الشريعة الجامع في معارج الفضل و الكمال و السعادة بين مراتب العلم و العمل و الكرامة و الشهادة العالم الرباني الشيخ زين الدين المشهور بالشهيد الثاني قدس اللّه سره النوراني‏ (3).

عن شيخه العالم الورع الجليل و الفاضل الكامل النبيل علامة العلماء و مرجع الفضلاء، جامع الكمالات النفسانية و حاوي محاسن صفات الإنسانية زين الحق و الملة و الدين الشيخ أبي القاسم نور الدين علي بن عبد العالي الميسي نور اللّه تعالى روضته و أعلى في الجنان منزلته‏ (4).

____________

(1)

و ابن الحسين سبط عبد الصمد * * * بهاء ديننا جليل أوحدي‏

حاز العلوم كلها و استكملا * * * و عمره «ملح» توفي في «غلا»

(2) الشيخ حسين بن عبد الصمد توفي في سنة 984 و قبره بهجر من بلاد بحرين «منه».

(3)

و شيخ والد البهاء الدين‏ * * * القدوة التحرير زين الدين‏

ميلاده الشهيد شهيد الثاني‏

و قد عمر خمسين و خمسا فشهد و استشهد ببلاد الروم عند ساحل البحر، و قيل في تاريخ وفاته «مثوى الشهيد جنة» منه.

(4) توفي الشيخ علي بن عبد العالي الميسي ليلة الأربعاء عند انتصاف الليل و دخل قبره الشريف-

31

عن الشيخ السعيد الكامل و العالم الجليل العامل الفاضل الألمعي الشيخ محمد بن داود الجزيني العاملي طاب ثراه و جعل في الجنة مثواه.

عن الشيخ العالم الفاضل الثقة الجليل و المحقق الصالح الورع النبيل الشيخ السعيد ضياء الدين علي ابن الشهيد رفع اللّه درجته و أعلى منزلته.

عن والده الشيخ الإمام أستاذ فقهاء الأنام رئيس المذهب و الملة و رأس المحققين الأجلة درة تاج أرباب الايمان و قرة عين أصحاب الايقان بركة الشهور و الأعوام حجة الفضلاء الأعلام فخر الشيعة و تاج الشريعة الجامع في معارج السعادة أقصى مدارج العلم و رتبة الشهادة شيخنا الأعظم السعيد و الركن العميد شمس الملة و الدين أبي عبد اللّه محمد بن مكي الشهيد أعلى اللّه مقامه و ضاعف إكرامه‏ (1).

عن العالم المحقق و الفاضل المدقق وحيد عصره و فريد دهره فخر الإسلام و المسلمين و أستاذ الفقهاء الكاملين سلطان العلماء و منتهى الفضلاء خاتمة المجتهدين فخر الملة و الدين المؤيد المسدد أبي طالب محمد ابن العلامة رفع اللّه مقامه‏ (2).

____________

- بجبل صديق النبي ليلة الخامس أو السادس و العشرين من شهر جمادى الأولى سنة 938، و في أمل الآمال أنه توفي سنة 933 (رحمه الله).

ثم اعلم أن هذا الشيخ غير الشيخ علي بن عبد العالي الكركي المعروف بالمحقق الثاني صاحب جامع المقاصد المتوفى سنة 940 المطابق لجملة (مقتداي شيعة) «منه».

(1) الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن مكي الشهيد (رحمه الله) قتل برحبة قلعة دمشق في 9 ج 1 سنة 786 بالسيف ثم صلب ثم رجم ثم أحرق بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام، و في مدة الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام و ما كان يحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع، و مدة عمره الشريف اثنان و خمسون سنة «منه».

(2) فخر المحققين محمد ابن العلامة رفع اللّه مقامه توفي في 25 ج 2 سنة 771 قال في النخبة:

فخر المحققين نجل الفاضل‏ * * * ذاع للارتحال بعد «ناحل»

و قبره في النجف الأشرف كما يظهر من شرح الفقيه لمحمد تقي المجلسي «منه».

32

عن والده الشيخ الأجل الأعظم و الطود الباذخ الأشم علامة المشارق و المغارب و مرغم الكفرة و النواصب وارث علوم الأنبياء و المرسلين رئيس المذهب و الدين مروج شريعة خاتم النبيين محيي السنة و مميت البدعة المنتهى إليه رئاسة الإمامية في الأعصار و الخاضع دون سدة علمه الفلك الدوار، علامة العالم و فخر نوع بني آدم، جمال الملة و الدين آية اللّه في العالمين أبي منصور الحسن بن مطهر الحلي المشتهر بالعلامة أعلى اللّه مقامه و ضاعف إكرامه‏ (1).

عن الشيخ الأجل الإمام رئيس العلماء الأعلام و شيخ فقهاء الإسلام و الذي لم تسمح بمثله الأيام مؤسس الفقه و الأصول و محرر المعقول و المنقول شيخ الطائفة بغير جاحد، و واحد هذه الفرقة و أي واحد أفقه جميع فقهاء الآفاق و أفضل من انعقد على خبرته و أستاذيته اتفاق أهل الوفاق، الشيخ السعيد نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد الحلي المشتهر بالمحقق على الإطلاق شكر اللّه تعالى سعيه و أحسن يوم الجزاء رعيه‏ (2).

عن السيد السند الحسيب و العالم الفاضل الأديب المحدث الفقيه النسابة السيد شمس الدين فخار بن معد الموسوي الحائري رفع اللّه مقامه في دار المقامة (3).

____________

(1)

و آية اللّه ابن يوسف الحسن‏ * * * سبط مطهر فريدة الزمن‏

علامة الدهر جليل قدره‏ * * * ولد «رحمة» و عز «عمره»

توفي سنة 726 و دفن في جوار مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).

و في منتهى المقال فقد ذكر في كتاب مجمع البحرين عند ذكره مادة «علم» أن بعض الفضلاء وجد بخطه- أي بخط العلامة- خمسمائة مجلد من مصنفاته غير خط غيره، بل في كتاب روضة العارفين نقل بعض شراح التجريد أن للعلامة نحوا من ألف مصنف- انتهى.

و أن قميصا خيط من نسج تسعة * * * و عشرين حرفا من معاليه قاصر

عطر اللّه مرقده «منه».

(2) أبو القاسم نجم الدين بن الحسن بن نجيب الدين.

هو المحقق الجليل المعتمد * * * مولده «تبر» و عمره «كند»

و قيل في تاريخ وفاته هذه الكلمة «زبدة المحققين (رحمه الله)».

قبره الشريف بحلة مزار معروف «منه».

(3) السيد فخار بفتح الفاء و تخفيف الخاء المعجمة ابن معد كمرد توفي سنة 630. «منه».

33

عن الشيخ الجليل الفقيه و الفاضل النبيل العالم و المحدث الكامل الثقة الورع أبي الفضل سديد الدين شاذان بن جبرئيل القمي نزيل مهبط وحي اللّه و دار هجرة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله).

عن الشيخ الأقدم الفقيه و الثقة الأكرم الوجيه شيخ المحدثين عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم بن محمد الطبري الآملي (رضي الله عنه) و أرضاه و بلغه أقصى ما يتمناه.

عن الشيخ الأجل الثقة الفقيه العالم الفاضل الكامل الوجيه غرة فضلاء الأنام و شمس علماء الإسلام قطب رحى الفضائل بدر سماء الأفاضل العالم الرباني أبي علي الحسن الملقب بالمفيد الثاني قدس اللّه سره و رفع في الفردوس قدره.

عن والده رئيس الطائفة المحقة و رافع أعلام الشريعة الحقة محيي الرسوم و مدرس العلوم حامل عرش العلم و الإيمان و المشار إليه في جميع الفنون بالبنان محقق الأصول و الفروع و مهذب فنون المعقول و المسموع شيخ الطائفة على الإطلاق و رئيسها تلوى إليه الأعناق الشيخ الأقدم و مربي فقهاء بني آدم شيخنا الأجل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس اللّه نفسه الزكية و أفاض على تربته مراحمه السرمدية (1).

عن الشيخ الأجل الأقدم أستاذ من تأخر و تقدم حجة الفرقة الناجية و فخر الطائفة الإمامية مروج المذهب و الدين وارث علوم الأئمة المعصومين الذي ارتفع‏

____________

(1)

محمد بن الحسن الطوسي‏ * * * أبو جعفر الشيخ الجليل الأنجب‏

جل الكمالات إليه ينتسب‏ * * * ينجز «القبض» و عمره «عجب»

كان ببغداد ثم هاجر إلى مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) خوفا من الفتنة التي تجددت ببغداد و أحرقت كتبه و كرسي كان يجلس عليه للكلام و كان ذلك الكرسي مما أعطته الخلفاء و كان ذلك لوحيد العصر و كان فضلاء تلامذته الذين كانوا مجتهدين يزيدون على ثلاثمائة من الخاصة و من العامة ما لا يحصى.

توفي في ليلة 22 محرم سنة 460 و دفن في داره بالنجف الأشرف و قبره مزار معروف و داره و مسجده باقية إلى الآن و يسمى بالمسجد الطوسي و في جنب باب المسجد على يسار الداخل قبر سيدنا العلامة الطباطبائي بحر العلوم و قبر ولده السيد محمد رضا «منه».

34

صيت جلالته في جميع الآفاق و شهد بعلو مقامه المخالف و المؤالف في جميع مراتب العلوم و حسن الأخلاق، شيخنا الإمام السعيد أبي عبد اللّه محمد بن محمد ابن النعمان الملقب بالمفيد أنار اللّه سبحانه في العالمين برهانه و أعلى في عليين شأنه و مكانه‏ (1).

عن الشيخ العالم الجليل و المحدث الكامل النبيل نقاد الأخبار و ناشر آثار الأئمة الأطهار عماد الملة و الدين فخر القميين شيخ مشايخنا الشيعة و ركن الشريعة رئيس المحدثين و الصدوق فيما يرويه عن الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) المولود بدعاء إمام العصر (عليه السلام) و الحائز مراتب الفضل و الفخر شيخنا و ملاذنا أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الملقب بالصدوق نور اللّه مرقده السني‏ (2).

عن الشيخ الجليل النبيل محمد بن علي بن أبي القاسم الملقب بماجيلويه القمي (رضوان الله عليه)، عن الشيخ الفقيه النبيل الثقة الثبت السند المعتمد مروج الدين و شيخ مشايخ المحدثين شيخنا الأجل أبي الحسن علي بن إبراهيم القمي عطر اللّه مرقده السني.

____________

(1)

و شيخنا المفيد ابن محمد * * * عدل له التوقيع هاد مهتد

أستاذه صدوق السعيد * * * و بعد «عز» رحم «المفيد»

قبره في الروضة المطهرة الكاظمية (عليه السلام) في جنب قبر شيخه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، حكي أنه وجد مكتوبا على قبره بخط القائم (صلوات الله عليه):

لا صوت الناعي بفقدك إنه‏ * * * يوم على آل الرسول عظيم‏

إن كان قد غيبت في جدث الثرى‏ * * * فالعدل و التوحيد فيك مقيم‏

و القائم المهدي يفرح كلما * * * تليت عليك من الدروس علوم‏

«منه».

(2) توفي شيخنا الصدوق عطر اللّه مرقده سنة 381 و قبره بالري بقرب سيدنا عبد العظيم الحسني (عليه السلام) و له واقعة معروفة تدل على جلالته و كرامته عند اللّه و قبر والده بقم و له قبة عالية يزوره الناس (رضوان الله عليه).

كتب هذه الحواشي بمداد الطبع مؤلفه الأحقر الجاني عباس القمي في المشهد الرضوي في 16 ج 1 سنة 1335.

35

عن والده الشيخ الأقدم الأجل الذي لا يحتاج إلى أن يوثق و يعدل شيخ المحدثين و أول من نشر بقم حديث الكوفيين إبراهيم بن هاشم القمي جزاه اللّه خير الجزاء يوم الدين.

عن قرة باصرتنا و ساكن بلدتنا الثقة الجليل المحترم الريان بن شبيب (رحمه الله) خال المعتصم، قال: دخلت على أبي الحسن الرضا (صلوات الله عليه) في أول يوم من المحرم فقال لي: يا بن شبيب أ صائم أنت؟ فقلت: لا، فقال، إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا ربه عز و جل فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ فاستجاب اللّه له و أمر الملائكة فنادت زكريا و هو قائم يصلي في المحراب‏ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏، فمن صام هذا اليوم ثم دعا اللّه عز و جل استجاب اللّه له كما استجاب لزكريا.

ثم قال: يا بن شبيب إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم و القتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها و لا حرمة نبيّها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته و سبوا نساءه و انتهبوا ثقله، فلا غفر اللّه لهم ذلك أبدا.

يا بن شبيب إن كنت باكيا لشي‏ء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، و قتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم شبيهون في الأرض، و لقد بكت السماوات السبع و الأرضون لقتله، و لقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عليه السلام)، فيكونون من أنصاره و شعارهم «يا لثارات الحسين (عليه السلام)».

يا بن شبيب لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده لما قتل جدي الحسين (عليه السلام) أمطرت السماء دما و ترابا أحمر.

يا بن شبيب إن كنت بكيت على الحسين (عليه السلام) حتى تصير دموعك على خديك غفر اللّه لك كل ذنب أذنبته صغيرا كان أو كبيرا قليلا كان أو كثيرا.

36

يا بن شبيب إن سرك أن تلقى اللّه عز و جل و لا ذنب عليك فزر الحسين (عليه السلام).

يا بن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي (صلى الله عليه و آله) فالعن قتلة الحسين (عليه السلام).

يا بن شبيب إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين (عليه السلام) فقل متى ما ذكرته‏ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً.

يا بن شبيب إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى في الجنان فاحزن لحزنا و افرح لفرحنا، و عليك بولايتنا، فلو أن رجلا تولى حجرا لحشره اللّه تعالى معه يوم القيامة (1).

الحديث الثاني:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل الموفق السعيد محمد بن محمد بن النعمان المفيد قدس اللّه روحه، عن الشيخ الجليل الكامل أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي عطر اللّه مرقده، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: أنشدني، فأنشدته فقال: لا كما تنشدون و كما ترثيه عند قبره فأنشدته:

امرر على جدث الحسين‏ * * * فقل لأعظمه الزكية

فبكى قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مر، فمررت قال: ثم قال زدني قال: فأنشدته:

يا فرو قومي و اندبي مولاك‏ * * * و على الحسين فأسعدي ببكاك‏

قال: فبكى و تهايج النساء، قال: فلما أن سكتن قال لي: يا با هارون من‏

____________

(1) أمالي الصدوق ص 79، المجلس 27.

37

أنشد في الحسين (عليه السلام) فأبكى عشرة فله الجنة، ثم جعل ينتقص واحدا واحدا حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين (عليه السلام) فأبكى واحدا فله الجنة، ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة (1).

أقول: ما أنشده من قوله: امرر على جدث الحسين هو من أشعار السيد الحميري كما صرح بذلك الشيخ ابن نما (2) و الأشعار هكذا:

امرر على جدث الحسين‏ * * * فقل لأعظمه الزكية

يا أعظما لا زلت من‏ * * * وطفاء ساكبة روية

و إذا مررت بقبره فأط * * * ل به وقف المطية

و ابك المطهر للمطهر * * * و المطهرة النقية

كبكاء معولة أتت‏ * * * يوما لواحدها المنية

الحديث الثالث:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الصدوق عطر اللّه مرقده بإسناده عن ابن عباس قال: قال علي لرسول اللّه (صلوات الله عليهما) و آلهما: يا رسول اللّه إنك لتحب عقيلا. قال: أي و اللّه إني لأحبه حبين حبا له و حبا لحب أبي طالب له، و إن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين و تصلي عليه الملائكة المقربون. ثم بكى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي‏ (3).

الحديث الرابع:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل أبي القاسم جعفر بن قولويه (قدس سره) مسندا عن مسمع كردين قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا مسمع أنت من‏

____________

(1) كامل الزيارات ص 105.

(2) في مثير الأحزان ص 44.

(3) أمالي الصدوق ص 78، المجلس 27، البحار 44/ 288.

38

أهل العراق أ ما تأتي قبر الحسين (عليه السلام)؟ قلت: لا أنا رجل مشهور من أهل البصرة و عندنا من يتبع هوى هذا الخليفة و أعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصاب و غيرهم و لست آمنهم أن يرفعوا على حالي‏ (1) عند ولد سليمان فيميلون علي‏ (2). قال لي: أ فما تذكر ما صنع به؟ قلت: بلى. قال: فتجزع؟ قلت: أي و اللّه و أستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي. قال: رحم اللّه دمعتك، أما أنك من الذين يعدون في أهل الجزع لنا و الذين يفرحون لفرحنا و يحزنون لحزننا و يخافون لخوفنا و يأمنون إذا آمنا، أما أنك سترى عند موتك حضور آبائي لك و وصيتهم ملك الموت بك و ما يلقونك به من البشارة (3) ما تقربه عينك قبل الموت، فملك الموت أرق عليك و أشد رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها. قال: ثم استعبر و استعبرت معه فقال الحمد للّه الذي فضلنا على خلقه بالرحمة و خصنا أهل البيت بالرحمة يا مسمع إن الأرض و السماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) رحمة لنا، و ما بكى لنا من الملائكة أكثر، و ما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، و ما بكى أحد رحمة لنا و لما لقينا إلا (رحمه الله) قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا (4) سال دمعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفئت حرها حتى لا يوجد لها حر، و ان الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض، و ان الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه ... الحديث‏ (5).

الحديث الخامس:

و بالسند المتصل إلى الشيخ أبي القاسم جعفر بن قولويه القمي (قدس سره)

____________

(1) في المصدر: أن يرفعوا حالي.

(2) في المصدر: فيمثلون بي.

(3) في المصدر: من البشارة أفضل فملك الموت أرق ...

(4) فما خ ل «منه».

(5) كامل الزيارات ص 101.

39

بسنده عن عبد اللّه بن بكير قال: حججت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل، فقلت: يا بن رسول اللّه لو نبش قبر الحسين بن علي (عليه السلام) هل كان يصاب في قبره شي‏ء؟ فقال (عليه السلام): يا بن بكير ما أعظم مسألتك، إن الحسين ابن علي (عليهما السلام) مع أبيه و أمه و أخيه في منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و معه يرزقون و يحبرون‏ (1) و أنه لعن يمين العرش متعلق به يقول: يا رب أنجز لي ما وعدتني، فإنه لينظر إلى زواره، فهو أعرف بهم و بأسمائهم و أسماء آبائهم و ما في رحالهم من أحدهم بولده. و إنه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له و يسأل أباه الاستغفار له و يقول: أيها الباكي لو علمت ما أعد اللّه لك لفرحت أكثر مما حزنت، و إنه ليستغفر له من كل ذنب و خطيئة (2).

الحديث السادس:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل رئيس المحدثين محمد بن علي بن بابويه القمي عطر اللّه مرقده مسندا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: من تذكر مصابنا و بكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، و من ذكر بمصابنا فبكى و أبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، و من جلس مجلسا يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب‏ (3).

الحديث السابع:

و بسندي إلى شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن البرقي عن سليمان بن مسلم الكندي عن ابن غزوان عن عيسى ابن أبي منصور عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نفس المهموم لظلمنا تسبيح، و همه لنا عبادة، و كتمان سرنا جهاد في سبيل اللّه. ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب‏ (4).

____________

(1) أي يتنعمون و يكرمون «منه».

(2) كامل الزيارات ص 103.

(3) أمالي الصدوق المجلس 17 ص 45، البحار 44/ 278.

(4) أمالي المفيد ص 200، أمالي الطوسي ص 72، البحار 44/ 278.

40

الحديث الثامن:

بالسند إلى الشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن قولويه بسنده عن ابن خارجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال الحسين (عليه السلام): أنا قتيل العبرة قتلت مكروبا، و حقيق على [اللّه تعالى‏] أن لا يأتيني مكروب إلا رده اللّه أو أقلبه إلى أهله مسرورا (1).

الحديث التاسع:

بالسند المتصل إلى شيخ الطائفة «قده» عن المفيد عن أبي عمرو عثمان الدقاق عن جعفر بن محمد بن مالك عن أحمد بن يحيى الأودي عن مخول بن إبراهيم عن الربيع بن المنذر عن أبيه عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه اللّه تعالى بها في الجنة حقبا.

قال أحمد بن يحيى الأودي: فرأيت الحسين (عليه السلام) في المنام فقلت:

حدثني مخول بن إبراهيم عن الربيع بن المنذر عن أبيه عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه اللّه بها في الجنة حقبا. قال:

نعم، قلت: سقط الاسناد (2) بيني و بينك‏ (3).

قيل: الحقب كناية عن الدوام.

الحديث العاشر:

و بالسند المتصل إلى الشيخ أبي القاسم جعفر بن قولويه بسنده عن أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسين (عليه السلام) عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) في‏

____________

(1) كامل الزيارات ص 109، البحار 44/ 279.

(2) أي أرويه عنك بلا واسطة «منه».

(3) أمالي المفيد ص 201، أمالي الطوسي ص 72، البحار 44/ 279.

41

يوم قط فرأي أبو عبد اللّه (عليه السلام) متبسما في ذلك اليوم إلى الليل، و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يقول: الحسين عبرة كل مؤمن‏ (1).

الحديث الحادي عشر:

و بسندي المتصل الى الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن ابن محبوب عن العلا عن محمد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (عليه السلام) دمعة حتى تسيل على خده بوأه اللّه بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا، و أيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى يسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه اللّه مبوأ صدق في الجنة، و أي مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة (2) ما أوذي فينا صرف اللّه عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخطه و النار (3).

الحديث الثاني عشر:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي عن أبيه عن شيخ القميين عبد اللّه بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق بن سعد عن بكر بن محمد الأزدي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لفضيل: تجلسون و تحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال: ان تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم اللّه من أحيى أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينيه مثل جناح الذباب غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت أكثر من زبد البحر (4).

____________

(1) كامل الزيارات ص 108. أي عند ما يذكر المؤمن الحسين (عليه السلام) تجري دموعه. و هذا التعبير شائع كما يكون شائعا قرة كل عين (منه).

(2) وجع المصيبة.

(3) تفسير القمي ص 616 في تفسير سورة الدخان، البحار 44/ 281.

(4) قرب الاسناد للحميري ص 18، البحار 44/ 282 نقلا عن قرب الاسناد، و رواه الصدوق في مصادقة الأخوان ص 4 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مرسلا و في ثواب الأعمال ص 223 عن الصفار عن أحمد بن إسحاق. و راجع الوسائل 10/ 391.

42

الحديث الثالث عشر:

و بإسنادي الى الشيخ الأجل رئيس المحدثين محمد بن علي بن بابويه القمي نور اللّه مرقده بإسناده إلى أبي عمارة المنشد عن أبي عبد اللّه قال: قال لي: يا أبا عمارة أنشدني في الحسين (عليه السلام). قال: فأنشدته فبكى، ثم أنشدته فبكى، ثم قال: فو اللّه ما زلت أنشده فيبكي حتى سمعت البكاء من الدار. فقال: يا أبا عمارة من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فأبكى خمسين فله الجنة و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فأبكى ثلاثين فله الجنة، و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فأبكى عشرين فله الجنة، و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فأبكى عشرة فله الجنة، و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فأبكى واحدا فله الجنة، و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فبكى فله الجنة و من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فتباكى فله الجنة (1).

الحديث الرابع عشر:

و بالسند المتصل إلى جعفر بن قولويه القمي عن هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي (رضوان الله عليهم اجمعين) عن نصر بن الصباح عن ابن عيسى عن يحيى بن عمران عن محمد بن سنان عن زيد الشحام قال: كنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و نحن جماعة من الكوفة، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقربه و أدناه ثم قال: يا جعفر. قال: لبيك جعلني اللّه فداك. قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين (عليه السلام) و تجيد.

فقال له: نعم جعلني اللّه فداك. قال: قل. فأنشدته صلى اللّه عليه فبكى و من حوله حتى صارت الدموع على وجهه و لحيته. ثم قال: يا جعفر و اللّه لقد شهدت ملائكة اللّه المقربون هاهنا يسمعون قولك في الحسين (عليه السلام)، و لقد بكوا كما بكينا و أكثر، و لقد أوجب اللّه تعالى لك يا جعفر في ساعته‏ (2) الجنة بأسرها و غفر اللّه‏

____________

(1) أمالي الصدوق ص 86، المجلس 29، ثواب الأعمال ص 109، الوسائل 10/ 465.

(2) في الوسائل: ساعتك.

43

لك. فقال: يا جعفر أ لا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي. قال: ما من أحد قال في الحسين (عليه السلام) شعرا فبكى و أبكى به إلا أوجب اللّه له الجنة و غفر له‏ (1).

الحديث الخامس عشر:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) عن ابن مسرور عن ابن عامر عن عمه عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا (عليه السلام): إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا و هتكت فيه حرمتنا و سبي فيه ذرارينا و نساؤنا و أضرمت النيران في مضاربنا و انتهب ما فيها من ثقلنا و لم ترع لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله) حرمة في أمرنا، ان يوم الحسين أقرح جفوننا و أسبل دموعنا و أذل عزيزنا بأرض كرب و بلاء و أورثنا الكرب و البلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين (عليه السلام) فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام. ثم قال: كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا، و كانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته و حزنه و بكائه و يقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلى اللّه عليه‏ (2).

الحديث السادس عشر:

و بسندي المتصل عن الشيخ الصدوق عطر اللّه مرقده عن الطالقاني عن أحمد الهمداني عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) قال:

من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى اللّه له حوائج الدنيا و الآخرة، و من كان يوم عاشوراء يوم مصيبته و حزنه و بكائه جعل اللّه عز و جل يوم القيامة يوم فرحه و سروره و قرت بنا في الجنان عينه، و من سمّى يوم عاشوراء يوم بركة و ادخر فيه لمنزله شيئا لم يبارك له فيما ادخر و حشر يوم القيامة مع يزيد و عبيد اللّه بن زياد و عمر

____________

(1) رجال الكشي ص 289، البحار 44/ 283، الوسائل 10/ 464.

(2) أمالي الصدوق ص 78، البحار 44/ 284.

44

ابن سعد- لعنهم اللّه- إلى أسفل درك من النار (1).

الحديث السابع عشر:

و بالإسناد الى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) قال: ان موسى بن عمران سأل ربه عز و جل فقال: يا رب ان أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى اللّه عز و جل إليه: يا موسى لو سألتني في الأولين و الآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين فإني أنتقم له من قاتله‏ (2).

الحديث الثامن عشر:

و بسندي المتصل إلى الشيخ الأجل أبي القاسم جعفر بن قولويه القمي بإسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا، و كان قاتل الحسين (عليه السلام) ولد زنا، و لم تبك السماء إلا عليهما (3).

الحديث التاسع عشر:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل جعفر بن قولويه عطر اللّه مرقده بسنده عن داود الرقي قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا استسقى الماء، فلما شربه رأيته قد استعبر و اغرورقت عيناه بدموعه ثم قال لي: يا داود لعن اللّه قاتل الحسين، فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين و لعن قاتله إلا كتب اللّه له مائة ألف حسنة و حط عنه مائة ألف سيئة و رفع له مائة ألف درجة و كأنما أعتق مائة ألف نسمة و حشره اللّه يوم القيامة ثلج الفؤاد (4).

____________

(1) أمالي الصدوق ص 78، البحار 44/ 284.

(2) عيون أخبار الرضا 2/ 47، البحار 44/ 300.

(3) كامل الزيارات 77، البحار 44/ 300.

(4) كامل الزيارات 106، البحار 44/ 303.

45

الحديث العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل أبي القاسم جعفر بن قولويه القمي عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني نور اللّه مرقده بإسناده عن داود ابن الفرقد قال: كنت جالسا في بيت أبي عبد اللّه (عليه السلام) فنظرت إلى حمام راعبي يقرقر، فنظر إلي أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقال: يا داود أ تدري ما يقول هذا الطير؟ قلت: لا و اللّه جعلت فداك. قال: يدعو على قتلة الحسين (عليه السلام)، فاتخذوه في منازلكم‏ (1).

الحديث الحادي و العشرون:

و بالسند المتصل إلى آية اللّه العلامة رفع اللّه مقامه عن سلطان المحققين الخواجة نصير الملة و الدين محمد بن محمد الطوسي (رضوان الله عليه) عن الشيخ الفاضل المحدث برهان الدين محمد بن محمد بن علي الحمداني القزويني نزيل الري عن الشيخ الأجل منتجب الدين علي بن عبيد اللّه بن الحسن القمي عن أبيه عن جده عن الشيخ الأجل أبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (رضوان الله عليه) قال: روى محمد بن العباس بإسناده عن الحسن بن محبوب بإسناده عن صندل عن دارم بن فرقد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اقرءوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم فإنها سورة الحسين (عليه السلام)، و ارغبوا فيها رحمكم اللّه تعالى. فقال له أبو أسامة و كان حاضر المجلس: و كيف صارت هذه السورة للحسين (عليه السلام) خاصة؟ قال: أ لا تسمع إلى قوله تعالى‏ يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الآية، إنما يعني الحسين (عليه السلام)، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية، و أصحابه من آل محمد (عليهم السلام) هم الراضون عن اللّه يوم القيامة و هو راض عنهم، و هذه السورة للحسين بن علي (عليهما السلام) و شيعته و شيعة آل محمد (عليهم السلام) خاصة، من أدمن قراءة وَ الْفَجْرِ كان مع الحسين في درجته‏

____________

(1) الكافي 6/ 547، البحار 44/ 305.

46

في الجنة إن اللّه عزيز حكيم‏ (1).

الحديث الثاني و العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل السعيد أبي جعفر الطوسي بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر و جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقولان: ان اللّه تعالى عوض الحسين (عليه السلام) من قتله أن جعل الإمامة في ذريته و الشفاء في تربته و إجابة الدعاء عند قبره، و لا تعد أيام زائره جائيا و راجعا من عمره.

قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هذه الخلال تنال بالحسين، فما له في نفسه؟ قال: إن اللّه تعالى ألحقه بالنبي، فكان معه في درجته و منزلته. ثم تلا أبو عبد اللّه (عليه السلام) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ الآية (2).

الحديث الثالث و العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الأفقه أبي القاسم جعفر بن سعيد المحقق الحلي عن السيد الجليل محمد بن عبد اللّه بن علي بن زهرة الحسيني الحلي طاب ثراه، عن شيخ المحدثين رشيد الملة و الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي نور اللّه مرقده السني، عن الشيخ الأجل أحمد بن أبي طالب الطبرسي (رضوان الله عليه) في الاحتجاج في حديث طويل، عن سعد بن عبد اللّه الأشعري (رحمه الله) في حكاية تشرفه بملاقاة إمامنا المهدي (صلوات الله عليه) و سؤالاته عنه (عليه السلام) قال: فقلت أخبرني عن تأويل‏ كهيعص‏ قال: هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد «ص»، و ذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرائيل (عليه السلام) فعلمه إياها، و كان زكريا إذا ذكر محمدا و عليا و فاطمة و الحسن صلى اللّه عليهم سري‏ (3) عنه همه‏

____________

(1) البحار 44/ 219 نقلا عن تأويل الآيات.

(2) أمالي الطوسي ص 200، البحار 44/ 221.

(3) أي انكشف «منه».

47

و انجلى كربه، و إذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة و وقعت عليه البهرة (1). فقال ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي، و إذا ذكرت الحسين (عليه السلام) تدمع عيني و تثور زفرتي، فأنبأه اللّه تبارك عن قصته فقال: كهيعص فالكاف اسم كربلاء و الهاء هلاك العترة و الياء يزيد و هو ظالم الحسين (عليه السلام) و العين عطشه و الصاد صبره. فلما سمع بذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام و منع فيهن الناس من الدخول عليه و أقبل على البكاء و النحيب، و كان يرثيه: إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهي أ تنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ الهي تلبس عليا و فاطمة ثوب هذه المصيبة؟ الهي أ تحل كربة هذه المصيبة بساحتهما؟ ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقربه عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم أفجعني به كما تفجع محمدا حبيبك (صلى الله عليه و آله) بولده.

فرزقه اللّه يحيى و فجعه به، و كان حمل يحيى ستة أشهر و حمل الحسين (عليه السلام) كذلك‏ (2).

الحديث الرابع العشرون:

و بالإسناد إلى عماد الإسلام الشيخ الصدوق (ره) بإسناده عن أبي الجارود عن أبي عبد اللّه (أبي جعفر (عليه السلام) خ ل) قال: كان النبي (صلى الله عليه و آله) في بيت أم سلمة (رضي الله عنها) فقال لها: لا يدخل علي أحد فجاء الحسين (عليه السلام) و هو طفل. فما ملكت معه شيئا حتى دخل على النبي (صلى الله عليه و آله) فدخلت أم سلمة على أثره فإذا الحسين (عليه السلام) على صدره، و إذا النبي (صلى الله عليه و آله) يبكي، و إذا في يده شي‏ء يقلبه، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): يا أم سلمة إن هذا جبرئيل يخبرني ان هذا مقتول و هذه التربة التي يقتل عليها، فضعيه عندك فإذا صارت دما فقد قتل حبيبي. فقالت أم سلمة: يا رسول اللّه سل اللّه أن يدفع ذلك عنه. قال: قد فعلت، فأوحى اللّه تعالى أن له درجة لا ينالها أحد من‏

____________

(1) بالضم تتابع النفس «منه».

(2) الاحتجاج 259، البحار 44/ 223.

48

المخلوقين، و أن له شيعة يشفعون فيشفعون، و أن المهدي (عليه السلام) من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين (عليه السلام) و شيعته، هم و اللّه الفائزون يوم القيامة (1).

الحديث الخامس و العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الصدوق «ره» بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن إسماعيل الذي قال اللّه تعالى في كتابه‏ وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (2) لم يكن إسماعيل بن إبراهيم بل كان نبيا من الأنبياء بعثه اللّه عز و جل إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه و وجهه، فأتاه ملك فقال: إن اللّه جلّ جلاله بعثني إليك فمر لي بما شئت. فقال:

لي أسوة بما يصنع بالحسين (عليه السلام)(3).

الحديث السادس و العشرون:

و بسندي المتصل إلى شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي بإسناده عن زينب بنت جحش زوجة النبي (صلى الله عليه و آله) قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) ذات يوم عندي نائما، فجاء الحسين (عليه السلام) فجعلت أعلله مخافة أن يوقظ النبي، فغفلت عنه فدخل و اتبعته فوجدته و قد قعد على بطن النبي، فوضع‏ (4) زبيبه‏ (5) في سرة النبي فجعل يبول عليه، فأردت أن آخذه عنه فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): دعي ابني يا زينب حتى يفرغ من بوله، فلما فرغ توضأ النبي (صلى الله عليه و آله) و قام يصلي، فلما سجد ارتحله الحسين (عليه السلام) فلبث النبي حتى نزل، فلما قام عاد الحسين فحمله حتى فرغ من صلاته، فبسط النبي على يده‏

____________

(1) الأمالي للصدوق، المجلس 29 ص 85.

(2) سورة مريم: 54.

(3) علل الشرائع ج 1 ص 73.

(4) فجعل في ل.

(5) الزب بالضم الذكر «منه».

49

و جعل يقول: أرني أرني يا جبرئيل، فقلت: يا رسول اللّه لقد رأيتك اليوم صنعت شيئا ما رأيتك صنعته قط. قال: نعم جاءني جبرئيل فعزاني في ابني الحسين و أخبرني أن أمتي تقتله و أتاني بتربة حمراء (1).

الحديث السابع و العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل أبي القاسم جعفر بن قولويه القمي «ره» بإسناده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: زارنا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) ذات يوم، فقدمنا إليه طعاما و أهدت إلينا أم أيمن صحفة من تمر و قعبا من لبن و زبد، فقدمنا إليه فأكل منه فلما فرغ قمت فسكبت على يديه ماء، فلما غسل يده مسح وجهه و لحيته ببلة يديه، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت فخر ساجدا، فبكى فأطال البكاء، ثم رفع رأسه فما اجترأ منا أهل البيت أحد يسأله عن شي‏ء، فقام الحسين (عليه السلام) يدرج حتى صعد على فخذي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فأخذ برأسه إلى صدره و وضع ذقنه على رأس رسول اللّه، ثم قال: يا أبه ما يبكيك؟ فقال: يا بني إني نظرت إليكم فسررت بكم سرورا لم أسر بكم قبله مثله، فهبط إلي جبرئيل فأخبرني أنكم قتلى و أن مصارعكم شتى، فحمدت اللّه على ذلك و سألته لكم الخيرة. فقال له: يا أبه فمن يزور قبورنا و يتعاهدها على تشتتها؟ قال:

طوائف من أمتي يريدون بذلك بري و صلتي، أتعهدهم في الموقف و آخذ بأعضادهم فأنجيهم من أهواله و شدائده‏ (2).

الحديث الثامن و العشرون:

و بسندي المتصل إلى الشيخ الأجل أبي عبد اللّه المفيد «ره» قال في الإرشاد: و روى الأوزاعي عن أبي عبد اللّه‏ (3) بن شداد عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول اللّه رأيت الليلة

____________

(1) الأمالي للطوسي ص 199- 200، البحار 44/ 229.

(2) كامل الزيارات ص 58.

(3) في المصدر: عن عبد اللّه بن شداد.

50

حلما منكرا. قال (صلى الله عليه و آله): و ما هو؟ قالت: إنه شديد. قال: و ما هو؟

قالت: رأيت كأن بضعة (1) من جسدك قطعت و وضعت في حجري. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): خيرا رأيت، تلد فاطمة فيكون في حجرك. فولدت فاطمة (عليها السلام) الحسين، قالت: و كان في حجري كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فدخلت به يوما على النبي فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول اللّه تهرقان بالدمع (بالدموع خ ل) فقلت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه ما لك؟ قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أن‏ (2) أمتي ستقتل ابني هذا و أتاني بتربة من تربته حمراء (3).

الحديث التاسع و العشرون:

و بالسند المتصل إلى الشيخ المفيد «ره»: روى في الإرشاد عن أم سلمة (رضي الله عنها) أنها قالت: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا، ثم جاءنا و هو أشعث أغبر و يده مضمومة، فقلت: يا رسول اللّه ما لي أراك شعثا (أشعث خ ل) مغبرا؟ فقال: أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له: كربلاء فأريت فيه مصرع الحسين ابني و جماعة من ولدي و أهل بيتي، فلم أزل ألقط دماءهم فها هي في يدي، و بسطها إلي فقال: خذيها فاحتفظي بها. فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة و سددت‏ (4) رأسها و احتفظت بها، فلما خرج الحسين (عليه السلام) من مكة متوجها نحو العراق كنت أخرج تلك القارورة في كل يوم و ليلة فأشمها و أنظر إليها و أبكي لمصابه، فلما كان اليوم العاشر من المحرم و هو اليوم الذي قتل فيه (عليه السلام) أخرجتها في أول النهار و هي بحالها، ثم عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي و بكيت و كظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم‏

____________

(1) قطعة خ ل.

(2) أن طائفة من أمتي خ ل.

(3) الارشاد ص 234.

(4) في المصدر: شددت.