موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج9

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
109 /
3

الجزء التاسع‏

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ‏ البقرة: 213 وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏ النساء: 58 وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ‏ المائدة: 49 يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‏ ص: 26

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

(1) الإسلام لطف من اللّه على عباده، و نور يهديهم للتي هي أقوم، يقيم أودهم، و يصلح شئونهم، و ينشر الأمن و الاستقرار في نواديهم و مجتمعاتهم.

إنّ رسالة الإسلام بمحتوياتها و بنودها المشرقة تستهدف رفع مستوى الإنسان في سلوكه و تهذيبه و أخلاقه، و تبعده عن جميع منشئات التخلّف، و تنشئه نشأة صالحة كريمة يسودها الوعي و القيام بما عليه من حقوق و واجبات اتجاه نفسه و اسرته و مجتمعه، و لا يتردّى في مجاهل الحياة البائسة القاتمة التي تحوطها الفوضى و النزاع و الخصومات، و التي يعيش فيها ابن آدم المجهود المكدود على أعصابه يطارده الرعب، و ينهش جسمه الفقر و الحرمان.

(2) و لم تشرّع الأديان السماوية و المذاهب الاجتماعية فيما قنّنته من أحكام لصالح الإنسان في جميع قضاياه و شئونه، و إنّما تبنّت بعض جوانب الحياة، و لم تستوعبها بصورة دقيقة و شاملة.

6

أمّا الإسلام- و الحمد للّه- فقد تبنّى فيما شرّعه من أحكام تكليفيّة و وضعيّة جميع شئون الإنسان، و وضع لها الحلول الحاسمة التي تحسم الداء، و تقضي على جميع مشاكل الإنسان و أزمات حياته، و لا تدع أية ثغرة يسلك فيها لإفساد مجتمعه إلّا سدّها و قضى عليها.

(3) و كان من أروع ما قنّنه الإسلام في الاصلاح الاجتماعي و الفردي أنّه ربط بين الجماعات الإسلامية ربطا وثيقا، فآخى بين المسلمين، و جعل الرابطة الإسلامية أقوى من رابطة النسب و الدم، فجعل المسلم أخا المسلم بجميع ما تنشده هذه الكلمة من معنى، فأمر كلّ مسلم أن يخلص في الحبّ لأخيه المسلم كما يحبّ لنفسه، و يكره له ما يكره لنفسه، و جعل المسلم أخا المسلم عينه و دليله.

و من المؤكّد إذا سادت هذه الروح الطيّبة بين المسلمين فلا يعقل بأي حال من الأحوال أن تحدث بين المسلمين النزاعات و الخصومات، و لا بدّ أن تغلق أبواب المحاكم، و يلقى الستار على مكاتب المحامين.

(4) و لمّا أقام الرسول (صلى الله عليه و آله) دولته الكبرى في يثرب شكّل مجلس القضاء في جامعه الأعظم لأنّه جزء من رسالته الخالدة الهادفة إلى صيانة الحقوق، و ضمان مصالح الناس، و سيادة العدالة الاجتماعية في البلاد.

و كان النبيّ (صلى الله عليه و آله) بنفسه يتولّى القضاء بين الناس و يحكم فيهم بما أنزل اللّه تعالى، و قد وضع اسس القضاء و طوّر أساليبه، و أحكم بحوثه، و نصّ على وظيفة

7

المدّعي و المنكر، و غير ذلك ممّا يتّصل به من شئون، و يعدّ ذلك من أروع ألوان التطوّر في الحياة الإنسانية.

(5) أمّا القضاء الإسلامي- بحسب ما قنّن فيه من قيم و بحوث- فهو من ذخائر الفكر الإسلامي، و يعتبره علماء القانون من المناجم التي يقتبسون منها، و يشرّعون من أحكامه، فقد أخذت منه اوربا و غيرها الكثير من الأحكام السائدة في محاكمهم و كلّياتهم المتخصّصة في هذا الموضوع.

و كان من أروع ما امتاز به القضاء الإسلامي استقلاله و عدم خضوعه لأيّة سلطة في جهاز الدولة، و أنّه يجب على جميع الأجهزة أن تخضع لما يصدره من أحكام و مقرّرات، و أنّ المرجع الأعلى في الدولة يجب عليه أن يحضر أمام القضاء إذا اقيمت عليه دعوى من بعض المواطنين، و ليس له أيّة حصانة.

(6) و ليس السبب في روعة القضاء الإسلامي و أصالته استقلاله و عدم خضوعه و ارتباطه بأيّة سلطة من جهاز الدولة، و إنّما لما احيط به من أحكام، قنّنت في منتهى الدقّة و الإحكام، مضافا إلى ما حوته مصادر القضاء من آداب و تعاليم تتعلّق بالقضاة من حيث طاقاتهم العلمية، و أن يكونوا في أرقى المستويات من حيث النزاهة و العدالة، فإذا لم تتوفّر فيهم هذه الصفات فليس لهم من سبيل للتصدّي لهذه الوظيفة التي يجب أن تناط بأفضل أهل العلم كفاءة و تحرّجا في الدين.

8

(7)

و الشي‏ء المحقّق أنّ صلاح الامّة بجميع شرائحها منوط بصلاح القضاء، الذي فيه يسود الأمن، و يحسم الاعتداء و الظلم، و تنشر العدالة في البلاد، و أمّا إذا فسد القضاء و خضع للمؤثّرات الخارجية فإنّ الامّة تشيع فيها الجريمة، و تصاب بشلل فكري و اجتماعي، و تسود فيها الفوضى و اللّامبالاة و لا يأمن أي فرد على نفسه و عرضه و ماله.

إنّ فساد القضاء من أقسى الكوارث و أمرّ الخطوب التي تحلّ بالمجتمع، فإنّه يفقد الأمن و الاستقرار، و يفقد جميع مقوّمات الحياة، و قد اهتمّ الإسلام اهتماما بالغا بصلاح القضاء و سلامته من كلّ زيغ و انحراف.

(8) و موضوع هذا الكتاب التحدّث عن قضاء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و إنّما ذكرنا الفصول المتقدّمة تمهيدا أو استطرادا- كما يقول علماء الاصول- للبحث عن قضاء الإمام (عليه السلام)، فقد برز على مسرح القضاء الإسلامي كألمع شخصية علمية موهوبة عرفها التاريخ الإسلامي في فنّ القضاء و غيره من البحوث الفقهية.

لقد كان الإمام الملهم العظيم أوّل من وضع معظم اسس القضاء، و ميّز بين الحقّ و الباطل في دعوى المتخاصمين التي احيطت بكثير من الغموض و الإبهام، و قد استطاع بأروع الأساليب أن يكشف الحقّ، و يزيح الالتباس، الأمر الذي أثار إعجاب علماء القانون و القضاة، و منه استمدّوا الكثير من المعلومات في التمييز بين الدعاوى و معرفة الحقّ فيها.

9

(9)

و تقلّد الإمام (عليه السلام) منصب القضاء أيام الرسول (صلى الله عليه و آله)، و ذلك حينما بعثه إلى اليمن، و لم يختبره و ذلك لعلمه به، و إنّما نبّهه على أدب القضاء [1] فقال له:

«إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء».

قال الإمام:

«فما زلت قاضيا، و ما شككت في قضاء بعد» [2]

. و قد نبغ الإمام (عليه السلام) في القضاء و الفتيا، و لم يضارعه أحد في هذه الظاهرة، و قد قلّده النبيّ (صلى الله عليه و آله) و ساما رفيعا و ميّزه على بقيّة أصحابه فقال:

«أقضاكم عليّ»

. (10) و أجمع الرواة على أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان المرجع الأعلى للقضاء و الفتيا أيام حكومة الخلفاء لا يعدون رأيه فيما يقضي و يفتي به، خصوصا في عهد عمر بن الخطّاب، فقد شاعت كلماته: «لو لا عليّ لهلك عمر»، و قال غير مرّة: «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن»، لقد اعترف عمر بتفوّق الإمام الملهم العظيم عليه و على‏

____________

[1] الآداب السلطانية: 46.

[2] النظم الإسلامية: 319.

10

غيره في ميدان القضاء، و غيره من بحوث الفقه، و من المؤكّد أنّه ليس أحد من الصحابة و غيرهم من يضارع الإمام في القضاء و غيره من مسائل الفقه.

(11) و أثار إعجاب العلماء و المحقّقين من قدامى و محدّثين روعة قضاء الإمام (عليه السلام)، و ما فيه من أصالة و إبداع، فألّفوا مجموعة من الكتب تناولت بصورة شاملة قضاءه في مختلف القضايا و الشؤون منها ما يلي:

1- كتاب قضايا أمير المؤمنين لمحمّد بن قيس البجلي، و هو من أصحاب الإمام الصادق و الكاظم (عليهما السلام) [1].

2- كتاب قضايا الإمام أمير المؤمنين للمعلّى بن محمّد البصري [2].

3- عجائب أحكام الإمام (عليه السلام) لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم [3]، و هذه من المخطوطات، و لعلّها توجد في بعض خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي و غيره.

4- عجائب أحكام و قضايا و مسائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب العجيبة للإمام السيّد محسن الأمين، طبعت عام 1366 ه.

5- قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب للعلّامة المحقّق الشيخ محمّد تقي التستري، طبع بالمطبعة الحيدرية سنة 1373 ه.

____________

[1] رجال النجاشي: 226.

[2] رجال النجاشي: 296.

[3] رجال النجاشي: 234. عجائب أحكام أمير المؤمنين: 31.

11

(12)

و حيث أنّا وفّقنا إلى دراسة (حياة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)) فلا بدّ لنا من البحث عن قضائه، الذي يمثّل سعة علومه، و قدراته العلمية على حلّ المسائل المعقّدة التي يصعب على القضاة و الحكّام حلّها و كشف ما فيها من التباس و غموض. و لا أدّعي أنّي قد ألممت في هذا الكتاب بجميع ما اثر عن هذا الإمام الملهم العظيم في مسائل القضاء، فإنّ هذا أمر بعيد المنال.

(13) يعرض هذا الكتاب في أوّل بحوثه إلى مدلول القضاء في اللغة و الشرع، و ما يرتبط بذلك من بحوث، كما يعرض إلى بعض أقضية الإمام في عهد الرسول (صلى الله عليه و آله) و أيام الخلفاء، و في عهد حكومته.

و من الجدير بالذكر أنّ قضاء الإمام (عليه السلام) هو من ركائز الفقه الإسلامي الذي يتناول جميع متطلّبات الحياة و شئونها، و قد برز فيه الإمام (عليه السلام)، فكان من عمالقته و من منابعه، و منه استمدّ الفقهاء و العلماء في ما يفتون به.

(14) و ليس من الوفاء في شي‏ء أن أنسى أو أغضّ النظر عن الجهود الخلّاقة التي أسداها إليّ أخي فقيد الإسلام الحجّة الشيخ هادي شريف القرشي نضّر اللّه مثواه، فقد كانت له‏

12

آراؤه الوثيقة و ملاحظاته القيّمة فيما ألّفته في أئمّة الهدى (عليهم السلام)، و قد تمنّيت أن يمثل هذا الكتاب أمامه مع بقيّة أجزاء موسوعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لينظر فيه و يصلح ما فيه من خلل، و لكنّ اللّه تعالى بالغ أمره، و لا رادّ لقضائه، فقد اختطفته المنيّة برا تقيّا زكيّا حشره اللّه مع أوليائه، و أثابه أجزل الثواب على ما أسداه عليّ من ألطاف، و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و بهذا نطوي الحديث عن هذا التقديم.

النّجف الأشرف باقر شريف القريشى 27/ شعبان. 1420 ه

13

مدلول القضاء لغة و شرعا

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

لعلّ من المفيد أن أعرض إلى مدلول القضاء في اللغة و الشرع، ثمّ أعرض إلى ما أثر عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من بحوث في هذا الموضوع.

في اللغة:

القضاء في اللغة الحكم، و أصله قضاي مشتق من قضيت [1]، نصّ على ذلك الجوهري، و يستعمل القضاء في معان متعدّدة، أمّا حقيقة بناء الاشتراك اللفظي، و هو الوضع لمعان متعدّدة، أو مجازا بناء على أنّه موضوع لمعنى واحد، و يستعمل في غيره مجازا.

و هذه بعض المعاني التي استعمل فيها.

1- الإمضاء: و منه قوله تعالى: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏ [2].

2- البيان: و منه قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ [3]، أي يبين.

3- الحكم و الفعل: و منه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ* [4]، أي يحكم و يفعل.

____________

[1] لسان العرب 15: 186.

[2] يونس: 71.

[3] طه: 114.

[4] يونس: 93.

16

4- العهد: و منه قوله تعالى: وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ‏ [1]، أي عهدنا.

5- انصرم: يقال: انقضى الشي‏ء انصرم [2].

6- الموت: يقال: قضى فلان نحبه، أي مات، و هو مجاز [3].

7- الخلق: و منه قوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ‏ [4]، أي خلقهنّ.

8- الانتهاء من الشي‏ء: يقال: فلان قضى حاجته، أي انتهى منها.

9- الأداء: يقال: قضى فلان دينه، أي أدّاه.

10- الحتم: و منه قوله تعالى: وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ [5]، أي حتم [6].

و نكتفي بهذه المعاني لكلمة القضاء، و أفاد اللغويّون لها معاني اخرى [7]، و هي إمّا معان مجازية أو من لوازم المعنى الأوّل و هو الحكم.

في الاصطلاح الشرعي:

أمّا القضاء في اصطلاح الفقهاء فقد أدلى بتعريفه الشهيد الأوّل (رحمه الله) قال: إنّ القضاء عبارة عن الولاية على الحكم في الدعاوى و المنازعات و في الامور العامّة [8]،

____________

[1] الإسراء: 4.

[2] البستان: 169.

[3] البستان: 169.

[4] فصّلت: 12.

[5] الإسراء: 17.

[6] تاج العروس 10: 296.

[7] لسان العرب 15: 186. معجم متن اللغة 4: 590.

[8] الدروس: 66.

17

و وافقه على ذلك الشهيد الثاني إلّا أنّه خصّه بالدعاوى و المنازعات [1]، و عرضت كتب المذاهب الإسلامية في الفقه إلى تحديد القضاء بتعاريف اخرى [2]، و ذكرها يستدعي الاطالة بلا فائدة.

القضاء في الجاهلية:

أمّا القضاء في أيام الجاهلية فقد كان العرب يتحاكمون فيما شجر بينهم من خلاف إلى رئيس القبيلة أو إلى كاهن أو إلى من عرف بأصالة الرأي و جودته، و لكنّهم كانوا يحكمون حسب ما يرونه من دون أن يستندوا إلى قانون أو قواعد معروفة.

و لكن في مكّة تأسّس حلف الفضول، و كان من أوّليات مبادئه على أن لا يظلم بمكّة غريب و لا حرّ و لا عبد حتى يأخذوا له بحقّه و يؤدّوا له ظلامته، و هذا يعتبر تطوّرا هائلا في ميدان القضاء في العرف الجاهلي.

القضاء في الإسلام:

و لمّا أقام الرسول (صلى الله عليه و آله) دولته العظمى في يثرب أقام مجلس القضاء في جامعه الأعظم، و تولّى بنفسه الشريفة القضاء و فصل الخصومات، كان من بينها أن شخصا من الأنصار قد اشترى بستانا من سمرة بن جندب، و قد استثنى منها نخلة، فكان سمرة يتعاهدها في معظم الأوقات من دون أن يستأذن من الأنصاري فارتاب منه، فرفع أمره إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله) فبعث خلفه، فلمّا مثل أمامه طلب منه حسم النزاع، فلم يستجب له، و عرض عليه أن يعوّضه عنها بستانا فأبى، و ضمن له أن يعطيه نخلة في الفردوس الأعلى فامتنع، و لمّا أصر سمرة على العدوان التفت الرسول (صلى الله عليه و آله) إلى‏

____________

[1] المحاكمة في القضاء- محمّد حسين الحسني: 22

[2] تبصرة الحكّام 1: 12. جامع العلوم في اصطلاحات الفنون 3: 72. الفروق 4: 53.

18

الأنصاري و قال له:

«اذهب فاقلعها و ارم بها في وجهه، فإنّه لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» [1].

هذه صورة رائعة من القضاء الإسلامي الذي يصون حقوق الناس و يضمن كرامتهم.

____________

[1] الحضارة العربية الإسلامية- الدكتور الخربوطلي: 49.

19

اهمّيّة القضاء و شروط القضاة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

نظر الإسلام بعمق و شمول إلى القضاء و القضاة فأولاهما المزيد من الأهمّية، و ذلك لما لهما من الأثر الفعّال إيجابا و سلبا على النظام الاجتماعي الذي يسود البلاد، و نعرض- بإيجاز لهما- مع ما يرتبط بذلك من بحوث.

أهمّية القضاء:

أمّا القضاء فهو من أهمّ المراكز الحسّاسة في الدولة الإسلامية، و إقامته من الواجبات على رئيس الدولة، فإنّه ملزم بتنفيذها،

و قد تحدّث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع شريح القاضي عن سموّ هذا المنصب و مدى أهمّيته قائلا:

«يا شريح، قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ، أو شقيّ» [1]

. إنّ منصب القضاء و القيام بمسئولياته و واجباته على الوجه الصحيح إنّما هو من وظائف الأنبياء و أوصيائهم ليحكموا بين الناس بالحقّ و العدل، أمّا إذا تولّى هذا المنصب غيرهما ممّن لا دراية له بشئون القضاء أو لا حريجة له في الدين فإنّه شقي قد حاد عن الطريق القويم، و عرّض البلاد للخطوب و الأزمات.

و كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط في قضاء شريح قاضي الكوفة، فكان يأمره بعدم تنفيذ ما يقضي به حتى يعرضه عليه [2]، خوفا من‏

____________

[1] من لا يحضره الفقيه 3: 4. وسائل الشيعة 18: 7.

[2] فروع الكافي 7: 407. وسائل الشيعة 18: 6.

22

أن يكون قد جافى الواقع في ما قضى به.

مع القضاة:

و اشترط الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في القضاة أن يكونوا أفضل أبناء الأمّة تقوى و ورعا و كمالا و نزاهة، و لنستمع إلى ما جاء في عهده لمالك الأشتر من البنود المشرقة التي تخصّ القضاة، قال (عليه السلام):

«ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك، ممّن لا تضيق به الأمور، و لا تمحّكه الخصوم- أي لا تغضبه، و لا يتمادى في الزّلّة و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه؛ و أوقفهم في الشّبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء، و أولئك قليل.

ثمّ أكثر تعاهد قضائه، و افسح له في البذل ما يزيل علّته، و تقلّ معه حاجته إلى النّاس.

و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك، ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى، و تطلب به الدّنيا» [1]

. حفل هذا المقطع الشريف من عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر

____________

[1] نهج البلاغة 3: 63- 64.

23

واليه على مصر بامور بالغة الأهمّية، لم يحفل بمثلها أي نظام اجتماعي عرض لنظام الحكم و الإدارة ... لقد نظر الإمام (عليه السلام) بعمق و شمول إلى أهمّ جهاز في الدولة و هو القضاء، فألزم أن يكون القضاة أفضل من في الرعية علما و تقوى و ورعا، و عليهم أن يتحمّلوا المسئوليات التالية:

1- أن يكون القاضي واسع الافق، لا يضيق من الدعاوى التي ترفع إليه، و لا ينزعج و يتبرّم أمام المتخاصمين.

2- أن لا يتمادى في الزلل، و عليه أن يقف أمام الأحداث التي تعرض عليه بتبصّر و تروّ.

3- عليه أن يتبع الحقّ إذا تبيّن له.

4- أن يبتعد عن الطمع، و لا تميل نفسه إلى حطام الدنيا.

5- عليه أن ينظر في الدعاوى التي ترفع إليه نظرة فاحصة، و يبذل قصارى فهمه فيها حتى يكون حكمه مصيبا.

6- عليه أن يقف في الشبهات، و لا يحكم حتى يتبيّن له الحقّ.

7- أن يأخذ بحكمه بالحجج القاطعة.

8- لا يملّ و لا يسأم من مراجعة المتخاصمين.

9- أن يكون شديدا في جانب الحقّ، و لا يميل لأي طرف من المتنازعين.

10- أن لا يزدهيه إطراء الناس، و لا يستميله إغراؤهم.

مسئوليات رئيس الدولة:

و أدلى الإمام (عليه السلام)- في هذا المقطع- بعض المسئوليات التي تترتّب على رئيس الدولة تجاه القضاة و هي:

24

أوّلا: أن يتعاهد الأحكام التي تصدر من القضاة، و يشرف بنفسه عليها لئلا تكون مجافية للعدل، و منافية لأحكام الإسلام.

ثانيا: أن يجزل لهم الرواتب الضخمة، و يوسّع عليهم، و لا يدع أي ظلّ للحاجة عليهم حتى يبتعدوا عن الرشوة التي هي من أهمّ الأسباب في فساد جهاز الحكم.

ثالثا: أن يقابلهم بمزيد من الحفاوة و التكريم، و يظهر سموّ مكانتهم أمام المجتمع بحيث لا يدانيهم أي أحد من حاشيته و خاصّته في منزلتهم، و بذلك يكسب القضاة الاستقلال و سموّ المكانة الاجتماعية.

أنواع القضاء:

أمّا القضاء فهو أنواع مختلفة بعضها حقّ، و بعضها ضلال، و من أنواعها ما يلي:

1- القضاء وفق الموازين الشرعية من قبل السلطان العادل، و هو جائز بلا كلام.

2- القضاء بغير علم، و هو محرّم بلا خلاف،

و قد مرّ الإمام على قاض فقال له:

«أ تعرف النّاسخ من المنسوخ؟»، قال: لا، فقال: «هلكت و أهلكت ... الخ» [1]

. 3- القضاء من قبل السلطان الجائر إذا كانت أحكامه مخالفة للشريعة الإسلامية، و قد تواترت الأخبار بحرمته.

و يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثه التالي إلى ذلك، قال (عليه السلام):

«إنّ النّاس آلوا بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من اللّه قد أغناه اللّه بما علم عن غيره، و جاهل مدّع للعلم لا علم له، معجب بما عنده، قد فتنته الدّنيا و فتن غيره، و متعلّم من عالم على سبيل هدى‏

____________

[1] اصول الكافي 1: 33. وسائل الشيعة 18: 7.

25

من اللّه و نجاة، ثمّ هلك من ادّعى و خاب من افترى» [1]

. شروط القضاة:

و لا يعيّن الشخص للقضاء إلّا بعد أن تتوفّر فيه الصفات التالية و هي:

1- الذكورة:

و يشترط في القاضي أن يكون رجلا، و لا يجوز للسيّدات أن يتولّين القضاء، فقد جاء في وصيّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) النهي عن تولّي المرأة للقضاء [2].

و ليس ذلك طعنا في شخصية المرأة التي تحتلّ أسمى مكانة في الإسلام، و إنّما القضاء مذهب حسّاس يستدعي الصرامة و الشدّة، و عدم الميول لأي جانب من المتخاصمين، و المرأة بحسب تكوينها و ذاتياتها ملهبة العواطف رقيقة القلب، و لو لا رقّتها و رأفتها التي طبعت عليها لما تكوّن المجتمع الإنساني، و هو مدين لعواطفها و تربيتها، و هي لا تصلح للقضاء لا لنقصان في شخصيّتها و استهانة بها و إنّما لثقل هذا المنصب و حسّاسيّته كما ذكرنا.

2- البلوغ:

و قد استدلّ لهذا الشرط بقوله (عليه السلام):

«انظروا إلى رجل عرف حلالنا و حرامنا»،

و عنوان الرجل لا يشمل الصبي، بالإضافة إلى رفع القلم عنه.

3- العدالة:

من الشروط التي يجب أن تتوفّر في القاضي العدالة، و هي صفة نفسية تقتضي‏

____________

[1] من لا يحضره الفقيه 3: 263. وسائل الشيعة 18: 7.

[2] وسائل الشيعة 27: 16.

26

أداء الواجبات الإلهية و اجتناب المحرّمات، فإذا لم يتمتّع القاضي بهذه الصفة فلا سبيل له لتولّي القضاء.

4- الإسلام:

و يجب أن يكون القاضي مسلما، و استدلّ عليه بقوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [1]، و من الطبيعي أن تولّي الكافر للقضاء يكون له سبيل على المؤمنين.

5- الاجتهاد:

و لا بدّ أن يكون القاضي مجتهدا و محيطا بالأحكام الشرعية لا عن تقليد و إنّما عن اجتهاد، و هو استنباط الحكم الشرعي من أدلّته الأربعة، و هي:

1- الكتاب.

2- السنّة، و نعني بها فعل المعصوم و قوله و تقريره عند الشيعة الإماميّة.

3- الإجماع.

4- العقل.

فإذا لم يتوفّر أحد هذه الأدلّة للفقيه في إحدى المسائل، فإنّه يرجع إلى ما تقتضيه الاصول العملية، و هي:

1- البراءة، بقسميها العقلية و النقلية.

2- الاستصحاب في الموضوعات و الأحكام.

3- التخيير.

4- الاحتياط.

و تفصيل هذه الامور، و ما يعتبر فيها من الشروط قد تكفّلت بها كتب الاصول.

____________

[1] النساء: 141.

27

هذه بعض الشروط التي ذكرت في كتب القضاء، و هناك شروط اخرى كالحرية و طهارة المولد و غيرهما.

آداب القضاء:

أفاد الفقهاء في آداب القضاء امورا ترجع بعضها إلى صفات القاضي في حال حكمه و هي: أن لا يكون في حالة الحكم مشغول الفكر بامور الدنيا، و لا بمرض يشغله عن الالتفات إلى الحكم و موازينه، و أن لا يقضي و هو غضبان أو ضجر أو قلق، و أن لا يكون بمدافع للأخبثين البول و الغائط، و أن يكون على سكينة و وقار، و أن يساوي بين الخصمين.

في الرواية: أنّ يهوديا نازع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في درع زعم أنّها له فحاكمه عند عمر، فقال للإمام: قم يا أبا الحسن! مع خصمك، فتأثّر الإمام (عليه السلام) و بان الغضب على سحنات وجهه الشريف، و بعد الفراغ من المحاكمة انبرى عمر فقال للإمام:

لقد بدى عليك الغضب لأنّي أمرتك بالمثول أمام القضاء مع خصمك اليهودي؟

فأجاب الإمام:

«ليس الأمر كذلك، و لكن لم تساو بيني و بين اليهوديّ، فقد كنّيتني و قلت: يا أبا الحسن و لم تكنّ اليهوديّ»

، فانبهر عمر من ذلك، لقد أظهر الإمام مدى تطوّر القضاء الإسلامي، و ضرب بذلك أمثلة في تحقيق القضاء للعدالة الاجتماعية و أصالته و أبعاده الفكرية و عمقه الحضاري.

و هناك شروط اخرى نصّ عليها السادة الفقهاء، و بعضها قد ثبت بأدلّة التسامح في السنن [1].

____________

[1] المحاكمة في القضاء: 93.

28

راتب القاضي:

ذهب بعض الفقهاء إلى حرمة أخذ القاضي الاجور، مستدلّين على ذلك بأنّ القضاء واجب عيني إذا انحصر في شخص، أو كفائي إذا لم ينحصر فيه، و لا يجوز أخذ الاجرة على الواجب، و تتضاعف الحرمة إذا أخذ الاجرة من أحد المتخاصمين بأنّ بذل للقاضي ليحكم له بالحقّ أو بغيره فإنّه يكون من الرشوة التي هي الكفر باللّه تعالى أو الشرك به كما في بعض الأخبار.

و للقاضي أن يأخذ راتبه من بيت مال المسلمين الذي اعدّ لمصالحهم، و تفصيل هذه البحوث قد عرضها الفقهاء في رسائلهم و موسوعاتهم، و قد أجرى الإمام لشريح 500 درهم في الشهر [1].

عزل القاضي:

يعزل القاضي من منصبه إذا جافت أحكامه النصوص الشرعية بأن كانت مخالفة لها، و كذلك يعزل و يعاقب إذا ثبت أنّه قد ارتشى أو مال إلى بعض المتخاصمين فحكم له، و إن كان حكمه موافقا للواقع.

____________

[1] أخبار القضاة 2: 227.

29

قضاء الإمام في عهد الرّسول و الخلفاء

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

تقلّد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) منصب القضاء في عهد الرسول (صلى الله عليه و آله)، فقد رشّحه لهذا المنصب الحسّاس، و قدّمه على بقيّة أصحابه و أبناء اسرته، و ذلك لعلمه بمواهبه و عبقرياته، و إحاطته الكاملة بشئون الشريعة، فهو باب مدينة علمه، و أخوه و نفسه، و من كان منه بمنزلة هارون من موسى.

و كما كان الإمام (عليه السلام) المرجع الأعلى للقضاء في عهد الرسول (صلى الله عليه و آله) كذلك كان في عهد الخلفاء، فكانوا يفزعون إليه إذا ألمّت بهم مسألة لا يهتدون لحلّها، و كان رأيه الحاسم في ما يقضي و يفتي به .. و نعرض لبعض نوادر قضائه في أيام الرسول (صلى الله عليه و آله) و الخلفاء.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

في عهد النبيّ (صلى الله عليه و آله)

عهد الرسول (صلى الله عليه و آله) بالقضاء إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما بعثه إلى اليمن، فقال له الإمام:

«يا رسول اللّه، إنّك تبعثني و أنا حديث السّنّ لا علم لي بالقضاء».

فأجابه الرسول: «انطلق فإنّ اللّه سيهدي قلبك، و يثبّت لسانك».

قال الإمام: «فما شككت- أي بعد دعاء النبيّ- في قضاء بين اثنين» [1]

. يقول وكيع: أجلّ القضاة هو الإمام؛ لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) استعمله على القضاء في حياته [2]، و قد اعجب النبيّ بقضائه، فقال:

«الحمد للّه الّذي جعل الحكمة فينا أهل البيت» [3]

. و هذه بعض القضايا التي قضى بها الإمام (عليه السلام) في عهد الرسول (صلى الله عليه و آله) و هي:

1- قصّة الغلام:

اشترك جماعة في شراء جارية و واقعوها في طهر واحد، فحملت بغلام، فلمّا وضعته ادّعى كلّ واحد أنّه ابنه، فرفعوا أمرهم إلى الإمام (عليه السلام) فقرع على الغلام‏

____________

[1] أخبار القضاة 1: 84.

[2] المصدر السابق 1: 5.

[3] مناقب آل أبي طالب 2: 355.

34

باسمهم، فخرجت لأحدهم، فالحق به الغلام، و ألزمه ثلثي الدية لصاحبيه، و زجرهم عن مثل ذلك،

و عرض الحكم على النبيّ (صلى الله عليه و آله) فقال مشيدا بقضاء الإمام (عليه السلام):

«الحمد للّه الّذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود» [1]

. 2- زبية الأسد:

من القضايا التي حكم فيها الإمام (عليه السلام) حينما كان في اليمن قصّة «زبية الأسد» التي وقع فيها جماعة و هلكوا، و قد رويت هذه الحادثة بروايتين و هما:

الاولى: روى محمّد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ زبية حفرت لأسد فسقط فيها، فازدحم الناس ينظرون إليه، فوثب رجل على شفير الزبية فزلّت قدمه فتعلّق بآخر، و تعلّق الآخر بثالث، و تعلّق الثالث برابع، فوقعوا جميعا في الزبية فافترسهم الأسد، فهلكوا جميعا، و رفع أمرهم- في شأن الدية- إلى الإمام (عليه السلام)، فقضى بأنّ على الأوّل ثلث الدية للثاني، و على الثاني ثلثي الدية للثالث، و على الثالث الدية الكاملة للرابع،

و نقل قضاء الإمام إلى الرسول (صلى الله عليه و آله) فأشاد به و قال:

«لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء اللّه عزّ و جلّ»

. و لعلّ الوجه في هذا القضاء أنّ الرجل الأوّل سقط بنفسه و أسقط معه الثاني، فلا دية له؛ لأنّ هلاكه لم يستند إلى أحد، و أمّا الثاني فكان هلاكه- احتمالا- مستندا إلى جذب الأوّل، و سقوط الثالث و الرابع عليه، كما كان هو السبب في سقوط الآخرين، فيكون ثلث قتله مستندا إلى الأوّل فله عليه الثلث، و أمّا الثالث فإنّ هلاكه مستند إلى نفسه و إلى جذب الرابع، فيكون له الثلثان على الثاني، و أمّا الرابع فإنّ هلاكه مستند إلى الثالث فيكون عليه تمام الدية.

____________

[1] عجائب أحكام أمير المؤمنين (عليه السلام): 36. قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام): 32.

35

الثانية: روى مسمع عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ قوما احتفروا زبية للأسد باليمن، فوقع فيها الأسد، فازدحم الناس عليها ينظرون للأسد، فوقع رجل فيها، فتعلّق بآخر، و تعلّق الآخر بآخر، و الآخر بآخر، فجرحهم الأسد، منهم من مات من جراحة الأسد، و منهم من اخرج فمات، فتشاجروا في ذلك حتى آل الأمر إلى القتال، فقال لهم الإمام (عليه السلام): «هلمّوا أقض بينكم».

فقضى أنّ للأوّل ربع الدية، و للثاني ثلث الدية، و للثالث نصف الدية، و للرابع الدية الكاملة، و جعل ذلك على قبائلهم.

و لعلّ الوجه في ذلك أنّ للأوّل ربع الدية؛ لأنّ موته يحتمل قد استند إلى أربعة أشياء:

أحدها: مزاحمة الناس له، و ثانيها: سقوط الثاني عليه، و ثالثها: سقوط الثالث عليه، و رابعها: سقوط الرابع عليه.

و أمّا الثاني فله ثلث الدية؛ لأنّه يحتمل استناد موته إلى ثلاثة امور: أحدها:

إسقاط الأوّل له، و الثاني: إسقاط الثالث عليه، و الثالثة إسقاط الرابع عليه.

و أمّا الثالث فله نصف الدية؛ لأنّ موته يحتمل استناده إلى أمرين: الأوّل إسقاط الثاني له، و الثاني: سقوط الرابع عليه.

و أمّا الرابع فله تمام الدية؛ لأنّ قتله كان مستندا إلى الثلاثة [1].

3- القارصة و القامصة و الواقصة:

هذه حادثة قضى فيها الإمام (عليه السلام) في حياة الرسول (صلى الله عليه و آله)، و قد أقرّ حكمه فيها،

____________

[1] هذا الجمع بين الخبرين ذكره القاضي نعمان المصري في دعائم الإسلام، و ذكر السيّد الأمين ما يقرب من ذلك.

36

و قد رويت بروايتين و هما:

الاولى: رواها الشيخ المفيد و هي: أنّ جارية حملت على عاتقها جارية عبثا و لعبا، فجاءت جارية اخرى فقرصت الحاملة فقمصت لقرصتها فوقعت الراكبة، فاندقّت و هلكت.

و رفع أمرها إلى الإمام (عليه السلام)، فقضى على القارصة بثلث الدية، و على القامصة بثلثها، و أسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثا، و عرض هذا الحكم على النبيّ (صلى الله عليه و آله) فأقرّه و أمضاه [1].

الثانية: روى الصدوق عن الأصبغ قال: قضى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جارية ركبت جارية فنخستها جارية اخرى فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة و المنخوسة [2].

4- جماعة وقع عليهم حائط:

سقط جدار على جماعة فقتلهم، و كان فيهم امرأة مملوكة و اخرى حرّة، و كان للحرّة طفل و أبوه حرّ، و للجارية المملوكة طفل من مملوك، و لم يعرف الطفل الحرّ من الطفل المملوك.

و عرضت المسألة على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقرع بينهما، و حكم بالحرية لمن خرج عليه سهم الحرية منهما، و حكم بالرقّ لمن خرج عليه سهم الرقّ، ثمّ أعتقه، و حكم بالميراث للحرّ، و عرض الحكم على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فأمضاه [3]، فإنّه لا حلّ لهذه المسألة إلّا بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل كما في الحديث، هذه‏

____________

[1] عجائب أحكام أمير المؤمنين (عليه السلام): 16.

[2] قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام): 28، و قد ناقش المحقّق التستري في سند الرواية.

[3] مناقب آل أبي طالب 2: 354.

37

الحديث، هذه بعض القضايا التي حكم فيها الإمام (عليه السلام) في زمن الرسول (صلى الله عليه و آله).

الإمام (عليه السلام) يصف قضاء النبيّ (صلى الله عليه و آله):

تحدّث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قضاء النبيّ (صلى الله عليه و آله) و كيفيّة حكمه بقوله:

«كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدّعي: أ لك حجّة؟

فإن أقام بيّنة يرضاها و يعرفها أنفذ الحكم على المدّعى عليه، و إن لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه باللّه ما لهذا قبله ذلك الّذي ادّعاه، و لا شي‏ء منه، و إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لا شرّ قال للشّهود:

أين قبائلكما؟ فيصفان.

أين سوقكما؟ فيصفان.

أين منزلكما؟ فيصفان.

ثمّ يقيم الخصوم و الشّهود بين يديه.

ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي و المدّعي عليه و الشّهود و يصف ما شهدوا به، ثمّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار، ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه، ثمّ يقول:

ليذهب كلّ واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما و أسواقهما و محالّهما و الرّبض [1] الّذي ينزلانه فيسأل عنها، فيذهبان و يسألان فإن أتوا خيرا و ذكروا فضلا رجعوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فأخبراه، أحضر القوم الّذين أثنوا عليهما، و أحضر الشّهود، فقال للقوم المثنين‏

____________

[1] الربض: البيت الذي يقيمان فيه.

38

عليهما: هذا فلان ابن فلان، و هذا فلان ابن فلان أ تعرفونهما؟

فيقولون: نعم.

فيقول: إنّ فلانا و فلانا جاءني عنكما في ما بيننا بجميل و ذكر صالح عنكما، فإن قالوا: نعم قضى حينئذ بشهادتهما على المدّعى عليه، فإن رجعا بخبر سيّئ و ثناء قبيح دعا بهم.

فيقول: أ تعرفون فلانا و فلانا؟

فيقولون: نعم.

فيقول: اقعدوا حتّى يحضرا، فيقعدون فيحضرهما.

فيقول للقوم: أ هما هما؟

فيقولون: نعم، فإذا ثبت ذلك عنده لم يهتك سترا بشاهدين، و لا عابهما، و لا وبّخهما، و لكن يدعو الخصوم إلى الصّلح، فلا يزال بهم حتّى يصطلحوا لئلّا يفتضح الشّهود، و يستر عليهم، و كان رءوفا رحيما عطوفا على امّته، فإن كان الشّهود من أخلاط النّاس غرباء لا يعرفون، و لا قبيلة لهما و لا سوق و لا دار أقبل على المدّعى عليه فقال: ما تقول فيهما؟ فإن قال ما عرفنا منهما إلّا خيرا غير أنّهما قد غلطا في ما شهدا عليّ أنفذ شهادتهما و إن جرحهما و طعن عليهما أصلح بين الخصم و خصمه، و أحلف المدّعى عليه، و قطع الخصومة بينهما» [1]

. و هذا منتهى العدل في القضاء، و عليه سار الإمام في قضائه و حكمه بين الناس.

____________

[1] تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): 302. وسائل الشيعة 18: 174.

39

في عهد أبي بكر

و كما كان الإمام المرجع الأعلى للقضاء في أيام الرسول (صلى الله عليه و آله) فكذلك كان المرجع في عهد أبي بكر و غيره من الخلفاء، و قد شجر خلاف بينه و بين أبي بكر في شأن فدك، فعرض الإمام للحكم الشرعي فيها، كما رفعت إليه بعض القضايا فحكم فيها، و في ما يلي ذلك:

1- قصّة فدك:

قطع النبيّ (صلى الله عليه و آله) فدكا لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و قد تصرّفت فيها في حياة أبيها، و بعد وفاته أدّعى أبو بكر أنّها للمسلمين، و طالب سيّدة النساء بالبيّنة، فعرّفه الإمام (عليه السلام) أنّ البيّنة وظيفة المدّعي لا المدّعى عليه، و المطالب بها أبو بكر دون الزهراء حسبما تقتضيه القواعد الشرعية، و هذا نصّ حديث الإمام معه:

قال الإمام لأبي بكر:

«أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين».

لا.

و انبرى الإمام يخاصمه بمنطقه الفيّاض قائلا:

«فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه و ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة على ما في يدي ...؟».

40

و طفق أبو بكر قائلا:

إيّاك كنت أسأل على ما تدّعيه على المسلمين ...

و راح الإمام يقيم الحجّة عليه قائلا:

«فإذا كان في يدي شي‏ء فأدّعى فيه المسلمون تسألني البيّنة و قد ملكته في حياة الرّسول (صلى الله عليه و آله) و بعده و لم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم؟».

و ختم الإمام حديثه بقوله:

«قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): البيّنة على من ادّعى، و اليمين على من أنكر» [1]

. و وجم أبو بكر و لم يطق الجواب أمام هذه الحجّة الدامغة التي لا مجال للشكّ فيها.

2- حكمه على شارب خمر لا يعلم بحرمته:

رفع إلى أبي بكر شخص قد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فقال له:

إنّي شربتها و لا علم لي بتحريمها؛ لأنّي نشأت بين قوم يشربونها مستحلّين لها، فارتج على أبي بكر و لم يهتد للحكم فيها، فأشاروا عليه بسؤال الإمام (عليه السلام)، فأرسل إليه من يسأله عنها فأجابهم:

«مروا رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين و الأنصار يناشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التّحريم أو أخبره بذلك عن رسول اللّه! فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم عليه الحدّ، و إن لم يشهد عليه أحد بذلك فاستتبه و خلّ سبيله»

.

____________

[1] تفسير علي بن إبراهيم: 501. وسائل الشيعة 18: 215.

41

ففعل أبو بكر، فلم يشهد عليه أحد فخلّى سبيله و استتابه [1].

3- رجل احتلم بامرأة:

قال رجل لآخر: إنّي احتلمت بامّك، فاستشاط غضبا و انتفخت أوداجه، فاشتكى عليه عند أبي بكر، فتحيّر في الجواب، فرفع أمره إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له‏

:

«اذهب به فأقمه في الشّمس، و حدّ ظلّه، فإنّ الحلم مثل الظّلّ ...».

ما أروع هذا الجواب! فإنّ الأحلام لا يترتّب عليها أي أثر وضعي، ثمّ التفت إليه و قال:

«سنضربه حتّى لا يعود يؤذي المسلمين» [2]

. إنّ ضربه لأجل نقل رؤياه إلى الشخص- و كان ذلك إهانة و اعتداء عليه- فهو يستحقّ التأديب لهذه الجهة ... هذه بعض النوادر التي قضى فيها الإمام (عليه السلام) في عهد أبي بكر.

____________

[1] مناقب آل أبي طالب 2: 356. الإرشاد 1: 107 و غيرها.

[2] مناقب آل أبي طالب 2: 356.

42

في عهد عمر

نقل الرواة كوكبة من الدعاوى و المسائل المعقّدة رفعت إلى عمر بن الخطّاب فحار في جوابها، و لم يهتد لحلّها، ففزع إلى باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه و آله) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعرضها عليه فأجابه عنها جوابا حاسما على ضوء الشريعة الإسلامية، و بهر عمر و راح يبدي إعجابه بمواهب الإمام و عبقرياته بهذه الكلمات:

لو لا عليّ لهلك عمر.

لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن.

ما من قضية إلّا و أبو الحسن لها.

و نعرض لبعض تلك المسائل التي عرضها عمر على الإمام فأجابه عنها:

1- قصّة قدامة بن مظعون:

روى المؤرّخون أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر، فأراد عمر أن يقيم عليه الحدّ، فقال له قدامة: لا يجب عليّ الحدّ.

فقال عمر: لم؟

فقال: إنّ اللّه تعالى يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ [1]، فدرأ عمر عنه الحدّ، و بلغ ذلك‏

____________

[1] المائدة: 93.

43

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأنكر على عمر درأه الحدّ عن قدامة، و قال له:

«لم تركت إقامة الحدّ على قدامة في شرب الخمر ...؟».

فأجابه عمر أنّه تلا عليّ الآية- المتقدّمة-، فأوضح الإمام له الحكم في المسألة قائلا:

«ليس قدامة من أهل هذه الآية، و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم اللّه، إنّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات لا يستحلّون حراما، فاردد قدامة و استتبه ممّا قال، فإن تاب فأقم عليه الحدّ، و إن لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملّة»

. و عرف عمر الصواب في كلام الإمام (عليه السلام)، فبعث خلف قدامة فأظهر التوبة، فدرأ عمر عنه القتل، و لم يدر كيف يقيم عليه الحدّ، فاستشار الإمام (عليه السلام) فقال له:

«حدّه ثمانون»، فحدّه عمر ثمانين [1].

2- اتّهام امرأة بريئة بالبغاء:

روى الإمام أبو عبد اللّه (عليه السلام) قال:

اتي بجارية إلى عمر بن الخطّاب قد شهدوا عليها أنّها بغت، و كان من قصّتها أنّها كانت عند رجل، و كان كثير السفر، فشبّت الجارية فخافت زوجته أن يتزوّجها زوجها، فدعت جماعة من النساء فأمسكنها، و أخذت عذرتها باصبعها، فلمّا قدم زوجها من سفره رمت زوجته الجارية بالفاحشة، و أقامت البيّنة من جاراتها على ذلك، فرفع الرجل أمرها إلى عمر بن الخطّاب فلم يدر كيف يصنع.

ثمّ أخذ الجارية و الرجل و النساء إلى الإمام (عليه السلام)، و عرض عليه الأمر، فقال‏

____________

[1] مناقب آل أبي طالب 2: 366.

44

الإمام (عليه السلام) لامرأة الرجل:

«أ لك بيّنة أو برهان؟».

قالت: لي شهود جاراتي يشهدن عليها بما أقول.

فأمر الإمام (عليه السلام) بإحضارهنّ، فلمّا مثلن أمامه أخرج السيف من غمده و وضعه بين يديه، ثمّ دعى بزوجة الرجل، فأصرّت على قولها، فردّها إلى البيت ثمّ دعى إحدى النساء، و جثا على ركبتيه، و قال لها:

«أ تعرفينني؟ أنا عليّ بن أبي طالب، و هذا سيفي، و قد قالت امرأة الرّجل ما قالت، و رجعت إلى الحق- أي إلى الحبس- و أعطيتها الأمان، فإن لم تصدقيني لأملأنّ السّيف منك».

و التفت المرأة إلى عمر فقالت له: الأمان على الصدق، فأجابها الإمام:

«فاصدقي».

قالت: لا و اللّه! إنّها- أي زوجة الرجل- رأت جمالا و هيئة، فخافت فساد زوجها فسقتها المسكر و دعتنا فأمسكناها، فافتضّتها باصبعها، و راح الإمام يقول:

«اللّه أكبر أنا أوّل من فرّق بين الشّهود إلّا دانيال النّبيّ»

. و ألزم المرأة حدّ القذف، و ألزمهنّ جميعا العقر، و جعل عقرها أربعمائة درهم، و أمر المرأة أن تنفى عن الرجل و يطلّقها، و زوّجه الجارية [1].

3- امرأة تتّهم فتى بالاعتداء على كرامتها:

من روائع أقضية الإمام (عليه السلام) أنّ امرأة كانت مغرمة بحبّ فتى من الأنصار، و كان‏

____________

[1] فروع الكافي 7: 216. من لا يحضره الفقيه 3: 12. وسائل الشيعة 18: 202.

45

عفيفا شريفا، فامتنع من إجابتها، فلمّا أيست من إجابته عمدت إلى بيضة فصبّت بياضها على ثيابها و بين فخذيها، و مضت إلى عمر، فقالت له:

إنّ هذا الفتى أخذني في موضع و فضحني.

فهمّ عمر أن يعاقب الأنصاري، و لمّا رأى الأنصاري ما أراده عمر جعل يتوسّل إليه و يطلب منه التثبّت في أمره، فالتفت عمر إلى الإمام (عليه السلام) و قال له: ما ترى يا أبا الحسن؟

فنظر الإمام إلى البياض على ثوب المرأة فارتاب منه، فأمر بإحضار ماء قد اغلي غليانا شديدا، فأحضروه له، فأخذ الإمام الماء و صبّه على موضع البياض، فصار بياضا، فأخذ منه الإمام شيئا و وضعه في فيه فاستبان له الأمر، و أقبل على المرأة فاعترفت بذلك [1]، و كان ذلك من روائع أقضيته (عليه السلام).

4- فتى يدّعي على امرأة أنّها امّه و هي تنكره:

من بدائع قضاء الإمام (عليه السلام) أنّ غلاما ادّعى على امرأة أنّها امّه، و هي تنكره، و قد رفع أمره إلى عمر، فأمر بإحضار المرأة، فجاءت و معها اخوان أربعة، و أربعون قسامة يشهدون أنّها لا تعرف الغلام، و أنّه مدّع غشوم ظلوم يريد أن يفضحها بين اسرتها، و أنّ المرأة لم تتزوّج قطّ، فالتفت الإمام (عليه السلام)- و كان حاضرا- إلى عمر فقال له:

«أ تأذن لي أن أقضي بينهم ...؟».

فانبرى عمر قائلا:

سبحان اللّه! كيف لا، و قد سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: «أعلمكم عليّ بن أبي طالب ...».

____________

[1] التهذيب 6: 304. وسائل الشيعة 18: 206. الطرق الحكمية- ابن القيم: 47.

46

و التفت الإمام إلى المرأة فقال لها:

«أ لك شهود ...؟».

نعم.

و تقدّم الشهود فشهدوا، فالتفت الإمام (عليه السلام) إلى الحاضرين و قال لهم:

«لأقضينّ اليوم بينكم بقضيّة هي مرضاة الرّبّ من فوق عرشه علّمنيها حبيبي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) ...».

ثمّ التفت إلى المرأة فقال لها:

«أ لك وليّ ...؟».

نعم، هؤلاء اخوتي ..

و وجّه الإمام قوله إلى اخوتها فقال لهم:

«أمري فيكم و في اختكم جائز ...؟».

نعم.

«اشهد اللّه و اشهد من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم، و النّقد من مالي. يا قنبر، عليّ بالدّراهم ...».

و مضى قنبر فأحضر الدراهم فصبّها في يد الغلام، و أمره الإمام أن يدفعها إلى المرأة، و لا يأتي إلّا و عليه أثر العرس- يعني الغسل- فقام الغلام و صبّ الدراهم في حجر المرأة و أمرها بالقيام معه، و فزعت المرأة و صاحت:

النار، النار يا ابن عمّ محمّد! تريد أن تزوّجني من ولدي هذا و اللّه! ولدي، زوّجني اخوتي هجينا، فولدت منه هذا، فلمّا ترعرع و شبّ أمروني أن أنتفي منه‏

47

و أطرده، و هذا و اللّه ولدي ... [1]

. 5- امرأة تزوّجت بشيخ فمات:

رفعت إلى عمر امرأة تزوّجها شيخ، و بعد أن قاربها توفّي فحملت منه ولدا، فلمّا وضعته ادّعى بنوه أنّها فاجرة، و شهدوا عليها، فأمر عمر برجمها، فمرّ بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) و هي تستغيث فقالت له:

يا ابن عمّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)! أنّ لي حجّة.

فأمر بإحضارها، فدفعت له ورقة قد سجّل فيها يوم زواجها و يوم وفاته، فأمر (عليه السلام) بإحضارهم، و أجّلهم إلى اليوم الثاني فحضروا فيه، و دعا الإمام (عليه السلام) بصبيان و معهم الولد، و قال لهم: العبوا، ثمّ أمرهم بالجلوس، ثمّ أمرهم ثانيا بالقيام فقاموا، و قام معهم الغلام متّكئا على راحتيه، فدعا به الإمام (عليه السلام) فورّثه من أبيه و جلد اخوانه فبهر عمر و قال:

كيف صنعت ...؟

فقال (عليه السلام):

«عرفت ضعف الشّيخ في اتّكاء الغلام على راحتيه» [2]

. و هو استنتاج بديع، فإنّ الطفل خاضع لعوامل الوراثة و التي منها ضعف الأب و قوّته.

6- امرأتان تنازعتا في طفل:

تنازعت امرأتان في طفل ادّعت كلّ واحدة أنّه ابنها، و قد رفعتا أمرهما إلى‏

____________

[1] فروع الكافي 7: 423. وسائل الشيعة 18: 206.

[2] التهذيب 6: 304. من لا يحضره الفقيه 3: 15. وسائل الشيعة 18: 207.

48

عمر فحار في الجواب، ففزع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاستدعى المرأتين و وعظهما و خوّفهما عقاب اللّه، فلم تستجيبا له، فقال (عليه السلام):

«ائتوني بمنشار».

فقالت المرأتان: ما تصنع به؟

فقال (عليه السلام):

«أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه».

فسكتت إحداهما و انبرت الاخرى بفزع فقالت:

اللّه، اللّه يا أبا الحسن! إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها، و رفع الإمام صوته قائلا:

«اللّه أكبر! هذا ابنك دونها، و لو كان ابنها لرقّت عليه و أشفقت»

. و اعترفت الاخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها و أنّ الولد لها دونها [1].

7- مجنونة بغت:

رفعت امرأة مجنونة إلى عمر قد فجر بها رجل، و قامت البيّنة عليها فأمر بجلدها، فمرّ بها الإمام (عليه السلام)، فسأل عن أمرها، فاخبر بشأنها، فقال (عليه السلام):

«ردّوها إلى عمر، و قولوا له: إنّ هذه مجنونة آل فلان، و إنّ النّبيّ (صلى الله عليه و آله) قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق، و إنّها مغلوبة على عقلها و نفسها»

. فردّوها إليه، فدرأ عنها الحدّ [2].

____________

[1] الإرشاد- الشيخ المفيد: 68. وسائل الشيعة 18: 212.

[2] الإرشاد- الشيخ المفيد: 97. وسائل الشيعة 18: 316. الغدير 6: 130.

49

8- إقامة حدود مختلفة على خمسة زناة:

رفع إلى عمر خمسة زناة، فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ، فقال الإمام (عليه السلام):

«يا عمر، ليس هذا حكمهم».

فطلب عمر منه أن يقيم عليهم الحدّ، فقدّم واحدا منهم فضرب عنقه، و قدّم الثاني فرجمه، و قدّم الثالث فضربه الحدّ، و قدّم الرابع فضربه نصف الحدّ، و أمّا الخامس فعزّره، فبهر عمرو قال:

يا أبا الحسن، خمسة نفر في قضيّة واحدة، أقمت عليهم خمسة حدود ليس منها يشبه الآخر ...؟

فأجابه الإمام:

«أمّا الأوّل فكان ذمّيا و خرج- أي بجريمته- عن ذمّته، و أمّا الثّاني فرجل محصن فكان حدّه الرّجم، و أمّا الثّالث فغير محصن فحدّه الجلد، و أمّا الرّابع فعبد و حدّه نصف الحدّ، و أمّا الخامس فمجنون مغلوب على عقله» [1].

9- امرأة اضطرّت إلى الزنا:

جاءت امرأة إلى عمر فقالت له: إنّي فجرت فأقم فيّ حدّ اللّه، فأمر برجمها، و كان الإمام حاضرا، فقال له:

«سلها كيف فجرت؟».

فقالت: كنت في فلاة من الأرض فأصابني عطش شديد، فقصدت خيمة فأصبت فيها رجلا اعرابيا، فسألته الماء فأبى أن يسقيني إلّا أن امكّنه من نفسي،

____________

[1] فروع الكافي 7: 265. وسائل الشيعة 18: 350.

50

فولّيت منه هاربة، فاشتدّ بي العطش حتى غارت عيناي و ذهب لساني، فلمّا بلغ منّي ذلك أتيته فسقاني، و وقع عليّ، فقال الإمام (عليه السلام):

«هذه هي الّتي قال اللّه عزّ و جلّ:

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ*

، هذه غير باغية، و لا عادية فخلّ سبيلها».

فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر [1]

. 10- حدّ من غاب عن زوجته:

جي‏ء برجل من أهل منى فجر بامرأة بالمدينة، فأمر عمر برجمه، فردّ عليه الإمام (عليه السلام) و قال:

«لا يجب عليه الرّجم؛ لأنّه غائب عن أهله، و أهله في بلد آخر، إنّما يجب عليه الحدّ».

فقال عمر: لا أبقاني اللّه لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن [2].

11- السارق:

اتي بسارق إلى عمر فأمر بقطع يده، ثمّ سرق ثانيا فأمر بقطع رجله، ثمّ سرق فأراد قتله، فقال له الإمام:

«لا تفعل، قد قطعت يده و رجله، و لكن احبسه» [3]

. و في رواية أنّه أمر بحبسه و يطعم من في‏ء المسلمين.

____________

[1] من لا يحضره الفقيه 4: 25. وسائل الشيعة 18: 384. الطرق الحكمية- ابن قيم الجوزية: 53. كنز العمّال 3: 96.

[2] مناقب آل أبي طالب 2: 360.

[3] المصدر السابق 2: 363.

51

12- أمانة لرجلين:

استودع رجلان أمانة عند امرأة من قريش، و قالا لها: لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه حتى يكون معه، فلبثا حولا فجاء أحدهما فقال لها: إنّ صاحبي قد توفّي فادفعي لي الأمانة، فأبت من دفعها إليه و قالت: إنّكما شرطتما عليّ أن لا أدفعها إلى واحد منكما حتى يكون معه صاحبه، فأخذ يتضرّع إليها و يتوسّل حتى استجابت له، و دفعت إليه الأمانة، و بعد حول جاء صاحبه فطالبها بالأمانة فقالت له: إنّ صاحبك زعم أنّك قد متّ فدفعتها إليه، فخاصمها إلى عمر بن الخطّاب، فقالت له: انشدك اللّه أن ترفعنا إلى عليّ، فرفعهما إليه، و علم الإمام أنّها مكيدة، فقال له:

«أ ليس قد قلت مع صاحبك أن لا تدفعها إلى واحد منكما دون صاحبه؟».

فقال: نعم.

فأجابه الإمام:

«مالك عندي، قم و أحضر صاحبك حتّى أدفعه لكما» [1]

. فانهزم الرجل و ولّى خائبا، و هذا غاية ما يتصوّر من الذكاء و العبقرية في تفرّس الإمام و قضائه.

13- رجم الحامل:

رفعت إلى عمر امرأة حامل قد زنت فأمر برجمها، فانبرى الإمام (عليه السلام) منكرا عليه هذا الحكم قائلا:

____________

[1] مناقب آل أبي طالب 2: 370. من لا يحضره الفقيه 3: 10. عجائب أحكام أمير المؤمنين (عليه السلام): 63، نقلا عن الأذكياء- ابن الجوزي: 32.

52

«هب لك سبيل عليها، فأيّ سبيل لك على ما في بطنها، و اللّه يقول:

وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏*

..».

و راح عمر يبدي إعجابه بالإمام قائلا:

لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ...

ثمّ التفت إلى الإمام قائلا:

ما أصنع بها يا أبا الحسن؟

و بيّن الإمام له الحكم قائلا:

«احتط عليها حتّى تلد، فإذا ولدت و وجدت لولدها من يكفله فأقم الحدّ عليها» [1]

. 14- شراء إبل:

أمر عمر و هو بمنى أنسا أن يشتري له إبلا فاشتراها له، و كان عليها أحلاس و أقتاب، فأرادها عمر، فامتنع عليه الاعرابي، و قال:

إنّما بعتك الإبل مجرّدة عليها.

و تحاكما عند الإمام، فقال:

«إن كنت اشترطت عليه أقتابها و أحلاسها فهي لك، و إن لم تشترط فهي له».

فقال عمر: لم اشترط، فأمر عمر بدفع الأقتاب و الأحلاس للاعرابي [2].

____________

[1] من لا يحضره الفقيه 4: 28. وسائل الشيعة 18: 381. و قريب منه في الرياض النضرة 2: 196. الإرشاد- المفيد: 109.

[2] مناقب آل أبي طالب 2: 363.