موسوعة الإمام العسكري(ع) - ج3

- الشيخ أبو القاسم الخزعلي‏ المزيد...
480 /
3

الجزء الثالث‏

موسوعة الإمام العسكري ع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

عن أبي محمّد الحسن العسكريّ (عليه السلام) أنّه قال:

«علامات المؤمن خمس:

صلاة الخمسين، و زيارة الأربعين، و التختّم في اليمين، و تعفير الجبين، و الجهر ب بسم اللّه الرحمن الرحيم‏».

[الموسوعة: 3/ 311 ح 1]

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الباب السادس في القرآن و الأدعية و فيه فصلان:

الفصل الأوّل: ما ورد عنه (عليه السلام) في القرآن‏ الفصل الثاني: ما ورد عنه (عليه السلام) في الأدعية و الأذكار

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الباب السادس في القرآن و الأدعية و يشتمل هذا الباب على فصلين‏

الفصل الأوّل: ما ورد عنه (عليه السلام) في القرآن و فيه ثلاثة موضوعات‏

(أ)- ما ورد عنه (عليه السلام) في فضل القرآن و قراءته و فيه ثلاثة موارد

الأوّل- فضل القرآن:

(532) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الشيخ أبو الفضل شاذان بن جبريل بن إسماعيل القمّيّ أدام اللّه تأييده: حدّثنا السيّد محمّد بن شراهتك الحسينيّ الجرجانيّ، عن السيّد أبي جعفر مهديّ بن الحارث الحسينيّ المرعشيّ، عن الشيخ الصدوق أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الدوريستيّ، عن أبيه، عن الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ ....

قال محمّد بن عليّ بن محمّد بن جعفر بن الدقّاق: حدّثني الشيخان الفقيهان‏

8

أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان، و أبو محمّد جعفر بن أحمد ابن عليّ القمّيّ، قالا: حدّثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ (رحمه الله)، قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن القاسم المفسّر الأسترآباديّ الخطيب (رحمه الله).

قال: حدّثني أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبو الحسن عليّ بن محمّد ابن سيّار- و كانا من الشيعة الإماميّة- قالا:

كان أبوانا إماميّين، و كانت الزيديّة هم الغالبون بأسترآباد، و كنّا في إمارة الحسن بن زيد العلويّ الملقّب بالداعي إلى الحقّ، إمام الزيديّة، و كان كثير الإصغاء إليهم، يقتل الناس بسعاياتهم، فخشينا على أنفسنا، فخرجنا بأهلينا إلى حضرة الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ بن محمّد أبي القائم (عليهم السلام).

فأنزلنا عيالاتنا في بعض الخانات، ثمّ استأذنّا على الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، فلمّا رآنا قال: مرحبا بالآوين إلينا الملتجئين إلى كنفنا، قد تقبّل اللّه تعالى سعيكما، و آمن روعكما، و كفا كما أعداءكما، فانصرفا آمنين على أنفسكما، و أموالكما، فعجبنا من قوله ذلك لنا مع أنّا لم نشكّ في صدق مقاله.

فقلنا: فما ذا تأمرنا أيّها الإمام أن نصنع في طريقنا إلى أن ننتهي إلى بلد خرجنا من هناك؟

و كيف ندخل ذلك البلد، و منه هربنا، و طلب سلطان البلد لنا حثيث، و وعيده إيّانا شديد؟!

فقال (عليه السلام): خلّفا عليّ ولديكما هذين لأفيدهما العلم الذي يشرّفهما اللّه تعالى به، ثمّ لا تحفلا بالسعاة، و لا بوعيد المسعى إليه، فإنّ اللّه عزّ و جلّ (يقصم السعاة) و يلجئهم إلى شفاعتكم فيهم عند من قد هربتم منه.

قال أبو يعقوب و أبو الحسن: فأتمرا لما أمرا و [قد] خرجا و خلّفانا هناك، و كنّا

9

نختلف إليه، فيتلقّانا ببرّ الآباء و ذوي الأرحام الماسّة.

فقال لنا ذات يوم: إذا أتاكما خبر كفاية اللّه عزّ و جلّ أبويكما، و إخزائه أعداءهما، و صدق وعدي إيّاهما، جعلت من شكر اللّه عزّ و جلّ: أن أفيدكما تفسير القرآن مشتملا على بعض أخبار آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فيعظم اللّه تعالى بذلك شأنكما.

قالا: ففرحنا، و قلنا: يا ابن رسول اللّه! فإذا نأتي (على جميع) علوم القرآن و معانيه؟

قال (عليه السلام): كلّا إنّ الصادق (عليه السلام) علّم- ما أريد أن أعلّمكما بعض أصحابه.

ففرح بذلك و قال: يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد جمعت علم القرآن كلّه؟

فقال (عليه السلام): قد جمعت خيرا كثيرا، و أوتيت فضلا واسعا، لكنّه مع ذلك أقلّ قليل [من‏] أجزاء علم القرآن، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (1) و يقول: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏ (2).

و هذا علم القرآن و معانيه، و ما أودع من عجائبه، فكم ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا [القرآن‏]، و لكنّ القدر الذي أخذته قد فضّلك اللّه تعالى به على كلّ من لا يعلم كعلمك، و لا يفهم كفهمك.

قالا: فلم نبرح من عنده حتّى جاءنا فيج قاصد من عند أبوينا بكتاب يذكر فيه: أنّ الحسن بن زيد العلويّ قتل رجلا بسعاية أولئك الزيديّة و استصفى ماله‏

____________

(1) الكهف: 18/ 109.

(2) لقمان: 31/ 27.

10

ثمّ أتته الكتاب من النواحي، و الأقطار المشتملة على خطوط الزيديّة بالعذل‏ (1) الشديد و التوبيخ العظيم يذكر فيها: أنّ ذلك المقتول كان من أفضل زيديّ على ظهر الأرض، و أنّ السعاة قصدوه لفضله و ثروته.

فتنكّر لهم، و أمر بقطع آنافهم و آذانهم، و أنّ بعضهم قد مثّل به لذلك، و آخرين قد هربوا.

و أنّ العلويّ ندم، و استغفر و تصدّق بالأموال الجليلة بعد أن ردّ أموال ذلك المقتول على ورثته، و بذل لهم أضعاف دية [وليّهم‏] المقتول، و استحلّهم؟

فقالوا: أمّا الدية فقد أحللناك منها، و أمّا الدم فليس إلينا إنّما هو إلى المقتول، و اللّه الحاكم، و أنّ العلويّ نذر للّه عزّ و جلّ أنّ لا يعرض للناس في مذاهبهم، و في كتاب أبويهما: أنّ الداعي إلى الحقّ الحسن بن زيد قد أرسل إلينا ببعض ثقاته بكتابه، و خاتمه، و أمانه، و ضمن لنا ردّ أموالنا، و جبر النقص الذي لحقنا فيها، و أنّا صائران إلى البلد، و متنجّزان ما وعدنا.

فقال الإمام (عليه السلام): إنّ وعد اللّه حقّ.

فلمّا كان اليوم العاشر، جاءنا كتاب أبوينا أنّ الداعي إلى الحقّ قد و فى لنا بجميع عداته، و أمرنا بملازمة الإمام العظيم البركة الصادق الوعد.

فلمّا سمع الإمام (عليه السلام) [بهذا] قال: هذا حين إنجازي ما وعدتكما من تفسير القرآن.

ثمّ قال (عليه السلام): [قد] وظّفت لكما كلّ يوم شيئا منه تكتبانه، فالزماني و واظبا عليّ، يوفّر اللّه تعالى من السعادة حظوظكما (2).

____________

(1) عذله عذلا: لامه. المعجم الوسيط: 590 (عذل).

(2) التفسير: 9، س 4. عنه البحار: 1/ 70، س 21، و إثبات الهداة: 3/ 429، ح 11 قطعة منه.-

11

2- الإربليّ (رحمه الله): قال أبو هاشم: سمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول:

إنّ لكلام اللّه فضلا على الكلام، كفضل اللّه على خلقه، و لكلامنا فضل على كلام الناس كفضلنا عليهم‏ (1).

الثاني- قراءة القرآن:

1- ابن شعبة الحرّانيّ (رحمه الله): و قال [أبو محمّد العسكريّ‏] (عليه السلام) ...

أكثروا ذكر اللّه، و ذكر الموت، و تلاوة القرآن ... (2).

الثالث- أنّ القرآن مخلوق و محدث:

1- ابن حمزة الطوسيّ (رحمه الله): عن أبي هاشم الجعفريّ، قال: فكّرت في نفسي، فقلت: أشتهي أن أعلم ما يقول أبو محمّد (عليه السلام) في القرآن.

فبدأني، و قال: اللّه خالق كلّ شي‏ء، و ما سواه فهو مخلوق‏ (3).

____________

- قطعة منه في (سورة الكهف: 18/ 19)، و (سورة لقمان: 31/ 27)، و (تعليمه (عليه السلام) القرآن لبعض أصحابه)، و (مدح أبي يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبي الحسن علي بن محمّد بن سيّار)، و (تعليم الإمام الصادق (عليه السلام) القرآن لبعض أصحابه)، و (موعظته (عليه السلام) في كتابة ما يستمع التلميذ)، و (ما رواه عن الإمام الصادق (عليهما السلام)).

(1) كشف الغمّة: 2/ 421، س 13.

تقدّم الحديث أيضا في ج 2 رقم 467.

(2) تحف العقول: 487، س 18.

يأتي الحديث بتمامه في رقم 700.

(3) الثاقب في المناقب: 568، ح 511.

تقدّم الحديث أيضا في ج 1، رقم 331.

12

(ب)- ما ورد عنه (عليه السلام) في القرآن من التفسير و غيره و فيه أحد و أربعون موردا

الأوّل- ما ورد عنه (عليه السلام) في سورة الفاتحة [1]:

قوله تعالى: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏: 1/ 1.

(533) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الجرجانيّ المفسّر- رضى اللّه عنه- قال: حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبو الحسن عليّ ابن محمّد بن سيّار، و كانا من الشيعة الإماميّة، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد (عليهم السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏.

فقال: اللَّهِ‏ هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق، و عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه، و تقطّع الأسباب من جميع من سواه، تقول:

بِسْمِ اللَّهِ‏ أي أستعين على أموري كلّها باللّه الذي لا تحقّ العبادة إلّا له، المغيث إذا استغيث، و المجيب إذا دعي.

و هو ما قال رجل للصادق (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه! دلّني على اللّه ما هو؟

فقد أكثر عليّ المجادلون، و حيّروني.

فقال له: يا عبد اللّه! هل ركبت سفينة قطّ؟ قال: نعم.

قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك، و لا سباحة تغنيك؟ قال: نعم.

قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ (1) قال: نعم.

____________

(1) كلّ غامض ورطة، و الورطة: الهلكة، لسان العرب: 7/ 425 (ورط).

13

قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشي‏ء هو اللّه القادر على الإنجاء حيث لا منجي، و على الإغاثة حيث لا مغيث‏ (1).

2- السيّد ابن طاوس (رحمه الله): ... [عن‏] أبي هاشم الجعفريّ، قال:

سمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها (2).

قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: 1/ 3.

(534) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

الرَّحْمنِ‏ العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم موادّ رزقه، و إن انقطعوا عن طاعته، الرَّحِيمِ‏ بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، و بعباده الكافرين في الرفق بهم في دعائهم إلى موافقته‏ (3).

____________

(1) معاني الأخبار: 4، ح 2.

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): 21، ح 5 و 6. عنه البحار: 89/ 240، ح 48، بتفاوت يسير، و وسائل الشيعة: 7/ 169، ح 9030، قطعة منه، و الوافي: 4/ 59، س 4، بتفاوت. و عنه و عن المعاني، البحار: 3/ 41، ح 16.

التوحيد: 230، ح 5، بتفاوت يسير. عنه نور الثقلين: 1/ 12، ح 50، بتفاوت يسير، و 3/ 186، ح 304. و عنه و عن المعاني، البحار: 4/ 182، ح 7، قطعة منه، و البرهان:

1/ 44، ح 8، بتفاوت يسير.

قطعة منه في (التوحيد في العبادة)، و (ما رواه عن الإمام الصادق (عليهما السلام)).

(2) مهج الدعوات: 379، س 18.

تقدّم الحديث بتمامه في ج 2، رقم 466.

(3) التفسير: 34، ح 12. عنه البحار: 4/ 18 ح 10، و 89/ 248، س ضمن ح 48.

14

قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏: 1/ 4.

(535) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ أي قادر على إقامة يوم الدين، و هو يوم الحساب قادر على تقديمه على وقته و تأخيره بعد وقته.

و هو المالك أيضا في يوم الدين، فهو يقضي بالحقّ، لا يملك الحكم و القضاء في ذلك اليوم من يظلم و يجور كما في الدنيا من يملك الأحكام‏ (1).

قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏: 1/ 5

(536) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ قال اللّه تعالى: قولوا يا أيّها الخلق المنعم عليهم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ أيّها المنعم علينا، و نطيعك مخلصين مع التذلّل و الخضوع بلا رياء و لا سمعة.

وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏، منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤدّيها كما أمرت، و نتّقي من دنيانا ما نهيت عنه، و نعتصم- من الشيطان الرجيم، و من سائر مردة الجنّ و الإنس من المضلّين و من المؤذين الظالمين- بعصمتك‏ (2).

____________

(1) التفسير: 38، ح 14. عنه البحار: 89/ 250، س 4، ضمن ح 14.

(2) التفسير: 39، ح 15. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 28، س 15، و البحار: 67/ 216، س 9، بتفاوت يسير، و 89/ 251، س 10، ضمن ح 48، بتفاوت يسير، و تنبيه الخواطر و نزهة النواظر: 414، س 8.

15

قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏: 1/ 6.

(537) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المفسّر، قال: حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)؛ في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏، قال:

أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.

و الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ هو صراطان: صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، و أمّا الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ، و ارتفع عن التقصير، و استقام فلم يعدل إلى شي‏ء من الباطل.

و أمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنّة إلى النار و لا إلى غير النار سوى الجنّة (1).

قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ‏: 1/ 7.

(538) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المفسّر قال: حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد، و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما،

____________

(1) معاني الأخبار: 3 ح 4. عنه نور الثقلين: 1/ 21، ح 95، و البرهان: 1/ 50، ح 23.

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): 44، ح 20، بتفاوت يسير. عنه البحار:

8/ 69، ح 18، و 89/ 254، س 6، ضمن ح 48. و عنه و عن المعاني، البحار: 24/ 9، ح 1.

قطعة منه في (الصراط في الآخرة).

16

عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏ أي قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك، و هم الذين قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (1)، و حكي هذا بعينه عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال: ثمّ قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال، و صحّة البدن، و إن كان كلّ هذا نعمة من اللّه ظاهرة، أ لا ترون أنّ هؤلاء قد يكونون كفّارا أو فسّاقا، فما ندبتم إلى أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم.

و إنّما أمرتم بالدعاء بأن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم بالإيمان باللّه و تصديق رسوله، و بالولاية لمحمّد و آله الطاهرين و أصحابه الخيّرين المنتجبين، و بالتقيّة الحسنة التي يسلم بها من شرّ عباد اللّه، و من الزيادة في آثام‏ (2) أعداء اللّه و كفرهم، بأن تداريهم، و لا تعزيهم بأذاك و أذى المؤمنين، و بالمعرفة بحقوق الإخوان من المؤمنين.

فإنّه ما من عبد و لا أمة و الى محمّدا و آل محمّد (عليهم السلام)، و عادى من عاداهم إلّا كان قد اتّخذ من عذاب اللّه حصنا منيعا و جنّة حصينة.

و ما من عبد و لا أمة دارى عباد اللّه، فأحسن المداراة فلم يدخل بها

____________

(1) النساء: 4/ 71.

(2) الإثم: الذنب، و قيل: هو أن يعمل ما لا يجلّ له ... و جمع الإثم الآثام لا يكسّر على غير ذلك. لسان العرب: 12/ 5 (أثم).

17

في باطل، و لم يخرج من حقّ إلّا جعل اللّه عزّ و جلّ نفسه تسبيحا، و زكّى عمله، و أعطاه بصيرة على كتمان سرّنا.

و احتمال الغيظ لما يسمعه من أعدائنا، ثواب المتشحّط بدمه في سبيل اللّه.

و ما من عبد أخذ نفسه بحقوق إخوانه فوفاهم حقوقهم جاهده، و أعطاهم ممكنه، و رضي عنهم بعفوهم، و ترك الاستقصاء عليهم فيما يكون من زللهم، و اغتفرها لهم إلّا قال اللّه له يوم يلقاه: يا عبدي! قضيت حقوق إخوانك و لم تستقص عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود و أكرم و أولى بمثل ما فعلته من المسامحة و الكرم، فإنّي أقضيك اليوم على حقّ ما وعدتك به، و أزيدك من فضلي الواسع، و لا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي.

قال: فيلحقهم بمحمّد و آله، و يجعله في خيار شيعتهم.

ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد اللّه! أحبّ في اللّه، و أبغض في اللّه، و وال في اللّه، و عاد في اللّه، فإنّه لا تنال ولاية اللّه إلّا بذلك، و لا يجد رجل طعم الإيمان و إن كثرت صلاته و صيامه حتّى يكون كذلك، و قد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادّون و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني عنهم من اللّه شيئا.

فقال الرجل: يا رسول اللّه! فكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت و عاديت في اللّه، و من وليّ اللّه حتّى أواليه؟ و من عدّوه حتّى أعاديه؟

فأشار له رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: أ ترى هذا؟ قال: بلى.

قال: وليّ هذا وليّ اللّه فواله، و عدوّ هذا عدوّ اللّه فعاده، و وال وليّ هذا و لو أنّه قاتل أبيك [و ولدك‏] و عاد عدوّ هذا و لو أنّه أبوك أو ولدك‏ (1).

____________

(1) معاني الأخبار: 36، ح 9. عنه نور الثقلين: 1/ 515، ح 39 قطعة منه.-

18

الثاني- ما ورد عنه (عليه السلام) في سورة البقرة [2]:

قوله تعالى: الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏: 2/ 2.

(539) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المعروف بأبي الحسن الجرجانيّ المفسّر- رضى اللّه- قال: حدّثني أبو يعقوب يوسف ابن محمّد بن زياد، و أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن ابن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب (صلوات الله عليهم اجمعين)، أنّه قال: كذّبت قريش و اليهود

____________

- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): 47، ح 22، بتفاوت يسير. عنه تنبيه الخواطر و نزهة النواظر: 417، س 12، و البحار: 65/ 78، ح 140، و 71/ 227 ح 22، و 89/ 255، س ضمن ح 48، و مستدرك الوسائل: 9/ 36، س 15، ضمن ح 10136، قطعة منه. و عنه و عن المعاني، البحار: 24/ 10، ح 2، قطعة منه، و تأويل الآيات الظاهرة:

31، س 9، قطعة منه.

عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/ 291، ح 41، قطعة منه. عنه البرهان: 1/ 51، ح 28.

علل الشرائع: ب 119/ 140، ح 1، قطعة منه. عنه و عن العيون و المعاني و تفسير الإمام (عليه السلام)، البحار: 22/ 54، ح 8.

الأمالي للصدوق: 19، ح 7، قطعة منه. عنه و عن العلل و العيون و تفسير الإمام (عليه السلام)، البحار: 66/ 236، ح 1.

صفات الشيعة: 45، ح 65، قطعة منه. عنه و عن العلل و الأمالي و العيون و المعاني، وسائل الشيعة: 16/ 178، ح 21287.

قطعة منه في (سورة النساء: 4/ 71)، و (ثمرة ولاية الأئمّة (عليهم السلام))، و (الحشر مع الأئمّة (عليهم السلام))، و (موعظته (عليه السلام) في حقوق الإخوان)، و (فضائل الشيعة)، و (ما رواه (عليه السلام) من الأحاديث القدسيّة)، و (ما رواه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم))، و (ما رواه عن الإمام عليّ (عليهما السلام)).

19

بالقرآن، و قالوا: سحر مبين تقوّله.

فقال اللّه: الم. ذلِكَ الْكِتابُ‏ أي يا محمّد! هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطّعة التي منها ألف، لام، ميم، و هو بلغتكم، و حروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين.

و استعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله:

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (1).

ثمّ قال اللّه: الم‏ هو القرآن الذي افتتح ب الم‏ هو ذلِكَ الْكِتابُ‏ الذي أخبرت به موسى فمن بعده من الأنبياء، فأخبروا بني إسرائيل: أن سأنزل عليك يا محمّد كتابا عزيزا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (2).

لا رَيْبَ فِيهِ‏ لا شكّ فيه لظهوره عندهم كما أخبرهم به أنبياؤهم: أنّ محمّدا ينزل عليه كتاب لا يمحوه الباطل، يقرؤه هو و أمّته على سائر أحوالهم.

هُدىً‏ بيان من الضلالة لِلْمُتَّقِينَ‏ الذين يتّقون الموبقات، و يتّقون تسليط السفه على أنفسهم حتّى إذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يوجب لهم رضا ربّهم.

قال: و قال الصادق (عليه السلام): ثمّ الألف حرف من حروف قول اللّه، دلّ بالألف على قولك اللّه، و دلّ باللام على قولك الملك العظيم القاهر للخلق أجمعين، و دلّ بالميم على أنّه المجيد المحمود في كلّ أفعاله.

____________

(1) الإسراء: 17/ 88.

(2) فصّلت: 41/ 42.

20

و جعل هذا القول حجّة على اليهود، و ذلك أنّ اللّه لمّا بعث موسى بن عمران ثمّ من بعده من الأنبياء إلى بني إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلّا أخذوا عليهم العهود و المواثيق ليؤمننّ بمحمّد العربيّ الأمّيّ المبعوث بمكّة الذي يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب من الحروف المقطّعة افتتاح بعض سوره، يحفظه أمّته، فيقرءونه قياما و قعودا و مشاة، و على كلّ الأحوال.

يسهّل اللّه عزّ و جلّ حفظه عليهم، و يقرنون بمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) أخاه و وصيّه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) الاخذ عنه علومه التي علّمها، و المتقلّد عنه الأمانة التي قدّرها و مذلّل كلّ من عاند محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بسيفه الباتر، و يفحم كلّ من جادله، و خاصمه بدليله الظاهر، يقاتل عباد اللّه على تنزيل كتاب اللّه حتّى يقودهم إلى قبوله طائعين، و كارهين.

ثمّ إذا صار محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى رضوان اللّه عزّ و جلّ، و ارتدّ كثير ممّن كان أعطاه ظاهر الإيمان، و حرّفوا تأويلاته، و غيّروا معانيه، و وضعوها على خلاف وجوهها، قاتلهم بعد ذلك على تأويله حتّى يكون إبليس الغاوي لهم هو الخاسر الذليل المطرود المغلول.

قال: فلمّا بعث اللّه محمّدا و أظهره بمكّة، ثمّ سيّره منها إلى المدينة، و أظهره بها، ثمّ أنزل إليه الكتاب، و جعل افتتاح سورته الكبرى ب الم‏ يعني: الم. ذلِكَ الْكِتابُ‏ و هو ذلك الكتاب الذي أخبرت أنبيائي السالفين أنّي سأنزله عليك يا محمّد، لا رَيْبَ فِيهِ‏.

فقد ظهر كما أخبرهم به أنبياؤهم أنّ محمّدا ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل يقرؤه هو و أمّته على سائر أحوالهم، ثمّ اليهود يحرّفونه عن جهته، و يتأوّلونه على غير وجهه، و يتعاطون التوصّل إلى علم ما قد طواه اللّه عنهم من حال آجال هذه الأمّة، و كم مدّة ملكهم.

21

فجاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) منهم جماعة، فولّى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السلام)، فخاطبهم، فقال قائلهم: إن كان ما يقول محمّد- (صلى الله عليه و آله و سلم)- حقّا لقد علمناكم قدر ملك أمّته، هو إحدى و سبعون سنة الألف واحد، و اللام ثلاثون، و الميم أربعون.

فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون ب المص‏ و قد أنزل عليه؟

قالوا: هذه إحدى و ستّون و مائة سنة.

قال: فما ذا تصنعون ب الر و قد أنزلت عليه؟

فقالوا: هذه أكثر، هذه مائتان و إحدى و ثلاثون سنة.

فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون بما أنزل عليه‏ المر؟

قالوا: هذه مائتان و إحدى و سبعون سنة.

فقال عليّ (عليه السلام): فواحدة من هذه له أو جميعها له؟

فاختلط كلامهم، فبعضهم قال: له واحدة منها، و بعضهم قال: بل يجمع له كلّها و ذلك سبعمائة و أربع و ثلاثون سنة، ثمّ يرجع الملك إلينا يعني إلى اليهود.

فقال عليّ (عليه السلام): أ كتاب من كتب اللّه نطق بهذا، أم آراؤكم دلّتكم عليه؟

قال بعضهم: كتاب اللّه نطق به، و قال آخرون منهم: بل آراؤنا دلّت عليه.

فقال عليّ (عليه السلام): فأتوا بالكتاب من عند اللّه ينطق بما تقولون.

فعجزوا عن إيراد ذلك، و قال للآخرين: فدلّونا على صواب هذا الرأي.

فقال: صواب رأينا دليله أنّ هذا حساب الجمل.

فقال عليّ (عليه السلام): كيف دلّ على ما تقولون، و ليس في هذه الحروف إلّا ما اقترحتم بلا بيان؟!

أ رأيتم إن قيل لكم: إنّ هذه الحروف ليست دالّة على هذه المدّة لملك أمّة محمّد، و لكنّها دالّة على أنّ كلّ واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب، أو أنّ عدد ذلك لكلّ واحد منكم و منّا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير، أو أنّ لعليّ على‏

22

كلّ واحد منكم دين عدد ماله مثل عدد هذا الحساب؟

قالوا: يا أبا الحسن! ليس شي‏ء ممّا ذكرته منصوصا عليه في‏ الم‏، و المص‏، و الر، و المر.

فقال عليّ (عليه السلام): و لا شي‏ء ممّا ذكرتموه منصوص عليه في‏ الم‏، و المص‏، و الر، و المر، فإن بطل قولنا لما قلنا بطل قولك لما قلت.

فقال خطيبهم و منطيقهم: لا تفرح يا عليّ، بأن عجزنا عن إقامة حجّة فيما تقولهنّ على دعوانا، فأيّ حجة لك في دعواك؟ إلّا أن تجعل عجزنا حجّتك، فإذا ما لنا حجّة فيما نقول، و لا لكم حجّة فيما تقولون.

قال عليّ (عليه السلام): لا سواء، إنّ لنا حجّة، هي المعجزة الباهرة، ثمّ نادى جمال اليهود: يا أيّتها الجمال! أشهدي لمحمّد و لوصيّه.

فتبادر الجمال: صدقت، صدقت، يا وصيّ محمّد! و كذب هؤلاء اليهود.

فقال عليّ (عليه السلام): هؤلاء جنس من الشهود، يا ثياب اليهود! التي عليهم، أشهدي لمحمّد و لوصيّه.

فنطقت ثيابهم كلّها: صدقت، صدقت، يا عليّ! نشهد أنّ محمّدا رسول اللّه حقّا، و أنّك يا عليّ! وصيّه حقّا، لم يثبت محمّدا قدما في مكرمة إلّا وطأت على موضع قدمه بمثل مكرمته، و أنتما شقيقان من اشراق أنوار اللّه، فميّزتما اثنين، و أنتما في الفضائل شريكان إلّا أنّه لا نبيّ بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم).

فعند ذلك خرست اليهود، و آمن بعض النظارة منهم برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فغلب الشقاء على اليهود و سائر النظارة الآخرين.

فذلك ما قال اللّه: لا رَيْبَ فِيهِ‏ إنّه كما قال محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و وصيّ محمّد عن قول محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، عن قول ربّ العالمين.

ثمّ قال: هُدىً‏ بيان و شفاء لِلْمُتَّقِينَ‏ من شيعة محمّد و عليّ، أنّهم اتّقوا

23

أنواع الكفر فتركوها، و اتّقوا الذنوب الموبقات فرفضوها، و اتّقوا إظهار أسرار اللّه و أسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) فكتموها، و اتّقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقّين لها و فيهم نشروها (1).

قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏: 2/ 3 (540) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

ثمّ وصف هؤلاء المتّقين الذين هذا الكتاب هدى لهم فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ يعني بما غاب عن حواسّهم من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها كالبعث‏

____________

(1) معاني الأخبار: 24، ح 4. عنه إثبات الهداة: 1/ 168، ح 35، و 267، ح 110، و 2/ 32، ح 13 و 410، ح 27، و 480، ح 285، قطع منه، و البحار: 2/ 34، ح 32، و 64، ح 2، قطعة منه، و 10/ 14 ح 7، بتفاوت، و 89/ 377، ح 10، و نور الثقلين: 1/ 27، ح 7، و البرهان: 1/ 54، ح 9، و حلية الأبرار: 5/ 8 ح 2، بتفاوت يسير، و مدينة المعاجز:

1/ 27 ح 170، قطعة منه.

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): 62، ح 32 و 3 بتفاوت يسير.

عنه تأويل الآيات الظاهرة: 34، س 6، قطعة منه، و البحار: 9/ 173 ح 1، و 17/ 217، ح 21، و 41/ 244، س 16 و 67/ 266، س 12، قطع منه، و مستدرك الوسائل: 12/ 296 ح 14129، قطعة منه، و المناقب لابن شهرآشوب: 2/ 31 س 21، قطعة منه، و إثبات الهداة: 1/ 201 ح 124، قطعة منه، و مقدّمة البرهان: 349، س قطعة منه.

و عنه و عن المعاني، البحار: 89/ 215، ح 18، قطعة منه.

قطعة منه في (سورة الإسراء: 17/ 88)، و (سورة فصّلت: 41/ 42)، و (أنّ اللّه تعالى أخذ المواثيق من الأنبياء لمحمّد (صلوات الله عليه) و عليهم)، و (مبعث محمّد و توليته عليّا (صلوات الله عليهما))، و (أنّ عليّا (عليه السلام) أخذ علومه عن رسول اللّه)، و (فضائل الشيعة)، و (ما رواه عن الإمام عليّ (عليهما السلام))، و (ما رواه عن الإمام الصادق (عليهما السلام)).

24

[و النشور] و الحساب، و الجنّة، و النار، و توحيد اللّه تعالى، و سائر ما لا يعرف بالمشاهدة.

و إنّما يعرف بدلائل قد نصبها اللّه عزّ و جلّ [عليها] كادم و حوّاء و إدريس و نوح و إبراهيم و الأنبياء الذين يلزمهم الإيمان [بهم، و] بحجج اللّه تعالى و إن لم يشاهدوهم، و يؤمنون بالغيب، و هم من الساعة مشفقون‏ (1).

(541) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

يعني‏ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏ من الأموال و القوى في الأبدان و الجاه و المقدار.

يُنْفِقُونَ‏ يؤدّون من الأموال الزكوات، و يجودون بالصدقات، و يحتملون الكلّ يؤدّون الحقوق اللازمات كالنفقة في الجهاد إذا لزم، و إذا استحبّ، و كسائر النفقات الواجبات على الأهلين، و ذوي الأرحام القريبات، و الآباء، و الأمّهات.

و كالنفقات المستحبّات على من لم يكن فرضا عليهم النفقة من سائر القرابات، و كالمعروف بالإسعاف، و القرض، و الأخذ بأيدي الضعفاء و الضعيفات، و يؤدّون من قوى الأبدان المعونات، كالرجل يقود ضريرا و ينجيه من مهلكة، أو يعين مسافرا، أو غير مسافر على حمل متاع على دابّة قد سقط عنها، أو كدفع عن مظلوم [قد] قصده ظالم بالضرب أو بالأذى.

و يؤدّون الحقوق من الجاه بأن يدفعوا به عن عرض من يظلم بالوقيعة فيه، أو يطلبوا حاجة بجاههم لمن [قد] عجز عنها بمقداره.

فكلّ هذا إنفاق ممّا رزقه اللّه تعالى‏ (2).

____________

(1) التفسير: 67، ح 34. عنه البحار: 65/ 285، ح 42، و البرهان: 1/ 56، ح 11، بتفاوت يسير.

قطعة منه في (الأنبياء (عليهم السلام) أدلّاء على الغيب)، و (في البعث و النشور).

(2) التفسير: 75، ح 38. عنه البحار: 93/ 4، س 9، أشار إليه، و 168، ح 14،-

25

(542) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قوله عزّ و جلّ:

وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏.

قال الإمام (عليه السلام): ثمّ وصفهم بعد [ذلك‏] فقال: وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني بإتمام ركوعها، و سجودها، و حفظ مواقيتها، و حدودها، و صيانتها عمّا يفسدها و ينقضها (1).

قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏: 2/ 4.

(543) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

ثمّ وصف بعد هؤلاء الذين يقيمون الصلاة، فقال: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏- يا محمّد- وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏ على الأنبياء الماضين، كالتوراة، و الإنجيل، و الزبور، و صحف إبراهيم، و سائر كتب اللّه تعالى المنزلة على أنبيائه بأنّها حقّ و صدق من عند ربّ العالمين العزيز الصادق الحكيم.

وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ و بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا يوقنون [و] لا يشكّون فيها أنّها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل ممّا عملوه، و عقاب الأعمال السيّئة بمثل ما كسبوه‏ (2).

____________

- و وسائل الشيعة: 21/ 527 ح 27766، قطعة منه، و مستدرك الوسائل: 8/ 219، ح 9298، قطعة منه، و مقدّمة البرهان: 320، س 9، قطعة منه.

(1) التفسير: 7 ح 36. عنه البحار: 64/ 17، س 18، بتفاوت يسير، و 67/ 267، س و 79/ 191، س 12، و 81/ 231، ح 5، بتفاوت يسير، و مستدرك الوسائل: 3/ 84، ح 3079.

قطعة منه في (شروط إكمال الصلاة).

(2) التفسير: 88، ح 45. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 35، س 10، بتفاوت يسير،

26

قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏: 2/ 5

(544) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

ثمّ أخبر (عن جلالة) هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة، فقال:

أُولئِكَ‏ أهل هذه الصفات‏ عَلى‏ هُدىً‏ و بيان و صواب‏ مِنْ رَبِّهِمْ‏ و علم بما أمرهم به، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏، الناجون ممّا منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون‏ (1).

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏: 2/ 6

(545) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

[ف] لمّا ذكر [اللّه‏] هؤلاء المؤمنين و مدحهم ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه و بما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد اللّه تعالى، و بنبوّة محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بوصيّه عليّ وليّ اللّه و وصيّ رسول اللّه، و بالأئمّة الطاهرين الطيّبين خيار عباده الميامين القوّامين بمصالح خلق اللّه تعالى.

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ‏ خوّفتهم‏ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ‏ لم تخوّفهم [فهم‏] لا يُؤْمِنُونَ‏. [أخبر عن علمه فيهم، و هم الذين قد علم اللّه عزّ و جلّ أنّهم لا يؤمنون‏] (2).

____________

- و البحار: 64/ 18، س 9، أشار إليه، و 65/ 285، ح 4 بتفاوت يسير.

قطعة منه في (الآخرة هي دار جزاء الأعمال).

(1) التفسير: 89، ح 49. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 36، س 5، بتفاوت، و البحار: 64/ 18، س 15، بتفاوت، و 65/ 286، س 7، ضمن ح 4 بتفاوت يسير.

(2) التفسير: 91، ح 51. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 36، س 11، بتفاوت يسير،-

27

قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏: 2/ 7.

(546) 1- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و بالإسناد المقدّم ذكره‏ (1): أنّ أبا محمّد العسكريّ (عليه السلام) قال- في قوله تعالى-: خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (2) أي و سمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظر إليها بأنّهم الذين لا يؤمنون. و على سمعهم كذلك بسمات، و على أبصارهم غشاوة، و ذلك بأنّهم لمّا أعرضوا عن النظر فيما كلّفوه، و قصروا فيما أريد منهم، و جهلوا ما لزمهم الإيمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه.

فإنّ اللّه عزّ و جلّ يتعالى عن العبث و الفساد، و عن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته، و لا بالمصير إلى ما قد صدّهم بالقسر (3) عنه.

ثمّ قال: وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ يعني في الآخرة العذاب المعدّ للكافرين، و في الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبّهه‏

____________

- و البحار: 9/ 17 ح 2، و 17/ 219 ح 22 و 65/ 286، س 12، ضمن ح 4 بتفاوت يسير، و مقدّمة البرهان: 289، س 11، قطعة منه.

قطعة منه في (أنّ محمّدا و آله (عليهم السلام) القوّامون بمصالح خلق اللّه تعالى).

(1) تقدّم الإسناد في (ما ورد عنه في فضل القرآن و قراءته) فراجع: رقم 533.

و السند مشترك بين معاني الأخبار و الاحتجاج و التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام).

(2) البقرة: 2/ 7.

(3) قسره على الأمر قسرا من باب ضرب: قهره. المصباح المنير: 502 (قسر).

28

لطاعته، أو من عذاب الاصطلام ليصيّره إلى عدله و حكمته‏ (1).

قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏: 2/ 28.

(547) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لكفّار قريش و اليهود: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ‏ الذي دلّكم على طرق الهدى، و جنّبكم إن أطعتموه سبل الردى، وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً في أصلاب آبائكم و أرحام أمّهاتكم.

فَأَحْياكُمْ‏ أخرجكم أحياء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏ في هذه الدنيا و يقبركم، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏ في القبور و ينعّم فيها المؤمنين بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ولاية عليّ (عليه السلام) و يعذّب فيها الكافرين بهما، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد، ثمّ تحيوا للبعث يوم القيامة، ترجعون إلى ما وعدكم من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها، و من العقاب على المعاصي إن كنتم مقار فيها (2).

فقيل له: يا ابن رسول اللّه! ففي القبر نعيم و عذاب؟

قال: إي و الذي بعث محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) بالحقّ نبيّا و جعله زكيّا هاديا مهديّا.

____________

(1) الاحتجاج: 2/ 505، ح 334. عنه نور الثقلين: 1/ 3 ح 17، بتفاوت يسير.

و عنه و عن التفسير، البحار: 5/ 200، ح 24، بتفاوت يسير.

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): 98، ح 5 بتفاوت يسير. عنه البحار:

9/ 174، س 9، ضمن ح 2، بتفاوت، و مقدّمة البرهان: 144، س 28، و 252، س 11، قطعتان منه.

قطعة منه في (صفات اللّه عزّ و جلّ).

(2) قارفه مقارفة: قاربه، و الذنب: داناه. المنجد: 622، (قرف).

29

و جعل أخاه عليّا بالعهد وفيّا، و بالحقّ مليّا، ولدى اللّه مرضيّا، و إلى الجهاد سابقا، و للّه في أحواله موافقا، و للمكارم حائزا، و بنصر اللّه على أعدائه فائزا، و للعلوم حاويا، و لأولياء اللّه مواليا، و لأعدائه مناويا، و بالخيرات ناهضا، و للقبائح رافضا، و للشيطان مخزيا، و للفسقة المردة مقصيا، و لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) نفسا، و بين يديه لدى المكاره ترسا (1) و جنّة.

آمنت به أنا و أبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عبد ربّ الأرباب المفضّل على أولي الألباب، الحاوي لعلوم الكتاب، زين من يوافي يوم القيامة في عرصات الحساب بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، صفيّ الكريم العزيز الوهّاب.

إنّ في القبر نعيما يوفّر اللّه به حظوظ أوليائه، و إنّ في القبر عذابا يشدّد اللّه به على أعدائه.

إنّ المؤمن الموالي لمحمّد و آله الطيّبين المتّخذ لعليّ بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إمامه الذي يحتذي مثاله، و سيّده الذي يصدّق أقواله، و يصوّب أفعاله، و يطيعه بطاعة من يندبه من أطائب ذرّيّته لأمور الدين، و سياسته إذا حضره من أمر اللّه تعالى ما لا يردّ، و نزل به من قضائه ما لا يصدّ، و حضره ملك الموت و أعوانه وجد عند رأسه محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) رسول اللّه [سيّد النبيّين من جانب، و من جانب آخر عليّا (عليه السلام) سيّد الوصيّين، و عند رجليه من جانب الحسن (عليه السلام) سبط سيّد النبيّين، و من جانب آخر الحسين (عليه السلام) سيّد الشهداء أجمعين، و حواليه بعدهم خيار خواصّهم و محبّيهم، الذين هم سادة هذه الأمّة بعد ساداتهم من آل محمّد.

فينظر إليهم العليل المؤمن، فيخاطبهم بحيث يحجب اللّه صوته عن آذان‏

____________

(1) لبس الترس أو استتر به ... توقّى به، الترس ج: أتراس و تراس و تروس و ترسة: صفحة من الفولاذ تحمل للوقاية من السيف و نحوه. المنجد: 60 (ترس).

30

حاضريه كما يحجب رؤيتنا أهل البيت، و رؤية خواصّنا عن عيونهم ليكون إيمانهم بذلك أعظم ثوابا، لشدّة المحنة عليهم فيه.

فيقول المؤمن: بأبي أنت و أمّي يا رسول ربّ العزّة! بأبي أنت و أمّي يا وصيّ رسول [ربّ‏] الرحمة، بأبي أنتما و أمّي يا شبلي محمّد و ضرغاميه، و [يا] ولديه و سبطيه، و [يا] سيّدي شباب أهل الجنّة المقرّبين من الرحمة و الرضوان.

مرحبا بكم [يا] معاشر خيار أصحاب محمّد و عليّ، و ولديهما ما كان أعظم شوقي إليكم! و ما أشدّ سروري الآن بلقائكم!

يا رسول اللّه! هذا ملك الموت قد حضرني، و لا أشكّ في جلالتي في صدره لمكانك و مكان أخيك منّي، فيقول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كذلك هو.

ثمّ يقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت! استوص بوصيّة اللّه في الإحسان إلى مولانا و خادمنا و محبّنا و مؤثرنا، فيقول [له‏] ملك الموت: يا رسول اللّه! مره أن ينظر إلى ما قد أعدّ [اللّه‏] له في الجنان، فيقول له رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): انظر إلى العلوّ!

فينظر إلى ما لا تحيط به الألباب و لا يأتي عليه العدد و الحساب.

فيقول ملك الموت: كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، و هذا محمّد و عترته زوّاره؟

يا رسول اللّه! لو لا أنّ اللّه جعل الموت عقبة لا يصل إلى تلك الجنان إلّا من قطعها لما تناولت روحه، و لكن لخادمك و محبّك هذا أسوة بك، و بسائر أنبياء اللّه و رسله و أوليائه الذين أذيقوا الموت بحكم اللّه تعالى. ثمّ يقول محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ملك الموت! هاك أخانا قد سلّمناه إليك، فاستوص به خيرا، ثمّ يرتفع هو و من معه إلى ربض الجنان، و قد كشف عن الغطاء و الحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه.

فيقول: يا ملك الموت! الوحا الوحا، تناول روحي و لا تلبثني هاهنا فلا صبر

31

لي عن محمّد و عترته، و ألحقني بهم.

فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه،، فيسلّها كما يسلّ الشعرة من الدقيق، و إن كنتم ترون أنّه في شدّة فليس في شدّة، بل هو في رخاء و لذّة.

فإذا أدخل قبره وجد جماعتنا هناك، فإذا جاء منكر و نكير، قال أحدهما للآخر: هذا محمّد، و [هذا] عليّ و الحسن و الحسين و خيار صحابتهم بحضرة صاحبنا، فلنتّضع لهم.

فيأتيان و يسلّمان على محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) سلاما [تامّا] منفردا، ثمّ يسلّمان على عليّ سلاما تامّا منفردا، ثمّ يسلّمان على الحسن و الحسين سلاما يجمعانهما فيه، ثمّ يسلّمان على سائر من معنا من أصحابنا.

ثمّ يقولان: قد علمنا يا رسول اللّه! زيارتك في خاصّتك لخادمك و مولاك، و لو لا أنّ اللّه يريد إظهار فضله لمن بهذه الحضرة من أملاكه- و من يسمعنا من ملائكته بعدهم- لما سألناه، و لكن أمر اللّه لا بدّ من امتثاله.

ثمّ يسألانه فيقولان: من ربّك؟ و ما دينك؟ و من نبيّك؟ و من إمامك؟

و ما قبلتك؟ و من إخوانك؟

فيقول: اللّه ربّي، و محمّد نبيّي، و عليّ وصيّ محمّد إمامي، و الكعبة قبلتي، و المؤمنون الموالون لمحمّد و عليّ و [آلهما] و أوليائهما، و المعادون لأعدائهما إخواني، [و] أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ أخاه عليّا وليّ اللّه، و أنّ من نصبهم للإمامة من أطائب عترته و خيار ذرّيّته خلفاء الأمّة، و ولاة الحقّ، و القوّامون بالعدل.

فيقول: على هذا حييت، و على هذا متّ، و على هذا تبعث إن شاء اللّه تعالى، و تكون مع من تتولّاه في دار كرامة اللّه و مستقرّ رحمته.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و إن كان لأوليائنا معاديا، و لأعدائنا مواليا،

32

و لأضدادنا بألقابنا ملقّبا.

فإذا جاءه ملك الموت لنزع روحه، مثّل اللّه عزّ و جلّ لذلك الفاجر سادته الذين اتّخذهم أربابا من دون اللّه، عليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، و لا يزال يصل إليه من حرّ عذابهم ما لا طاقة له به.

فيقول له ملك الموت: [يا] أيّها الفاجر الكافر! تركت أولياء اللّه إلى أعدائه فاليوم لا يغنون عنك شيئا، و لا تجد إلى مناص سبيلا.

فيرد عليه من العذاب ما لو قسّم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم.

ثمّ إذا أدلي في قبره رأى بابا من الجنّة مفتوحا إلى قبره يرى منه خيراتها، فيقول [له‏] منكر و نكير: انظر إلى ما حرمته من [تلك‏] الخيرات.

ثمّ يفتح له في قبره باب من النار يدخل عليه منه [من‏] عذابها، فيقول:

يا ربّ! لا تقم الساعة، [يا ربّ!] لا تقم الساعة (1).

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ. وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

____________

(1) التفسير: 210، ح 97 و 98. عنه البحار: 6/ 17 ح 1، و 236، ح 54، قطعتان منه، و مدينة المعاجز: 3/ 121 ح 78، قطعة منه، و تأويل الآيات الظاهرة: 622، س 6، بتفاوت، و الفصول المهمّة للحرّ العامليّ: 1/ 309، ح 359، قطعة منه و بتفاوت، و البرهان:

1/ 72، ح 1، قطعة منه.

قطعة منه في (الخامسة النجباء (عليهم السلام))، و (أحوال البرزخ)، و (فضائل الشيعة)، و (ما رواه (عليه السلام) عن ملك الموت)، و (ما رواه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)).

33

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏: 2/ 29- 33.

(548) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

لمّا قيل لهم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً الآية.

قالوا: متى كان هذا؟

فقال اللّه عزّ و جلّ- حين قال ربّك للملائكة الذين كانوا في الأرض مع إبليس، و قد طردوا عنها الجنّ بني الجانّ و خفّت العبادة-: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً بدلا منكم، و رافعكم منها.

فاشتدّ ذلك عليهم لأنّ العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم، ف قالُوا ربّنا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كما فعلته الجنّ بنو الجانّ الذين قد طردناهم عن هذه الأرض‏ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏ ننزهك عمّا لا يليق بك من الصفات‏ وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏، نطهّر أرضك ممّن يعصيك.

قال اللّه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ إنّي أعلم من الصلاح الكائن فيمن أجعله بدلا منكم ما لا تعلمون.

و أعلم أيضا أنّ فيكم من هو كافر في باطنه [ما] لا تعلمون [ه‏]- و هو إبليس لعنه اللّه-.

ثمّ قال: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أسماء أنبياء اللّه و أسماء محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيّبين من آلهما و أسماء خيار شيعتهم و عتاة أعدائهم، ثُمَّ عَرَضَهُمْ‏- عرض محمّدا، و عليّا، و الأئمّة- عَلَى الْمَلائِكَةِ

34

أي عرض أشباحهم، و هم أنوار في الأظلّة.

فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ أنّ جميعكم تسبّحون و تقدّسون، و أنّ ترككم هاهنا أصالح من إيراد من بعدكم، أي فكما لم تعرفوا غيب من [في‏] خلالكم فالحريّ أن لا تعرفوا الغيب الذي لم يكن كما لا تعرفون أسماء أشخاص ترونها.

قالت الملائكة: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏ [العليم‏] بكلّ شي‏ء الحكيم المصيب في كلّ فعل.

قالَ‏ اللّه عزّ و جلّ: يا آدَمُ‏ أنبئ هؤلاء الملائكة بِأَسْمائِهِمْ‏، أسماء الأنبياء و الأئمّة، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ‏ فعرفوها أخذ عليهم العهد و الميثاق بالإيمان بهم و التفضيل لهم، قالَ‏ اللّه تعالى عند ذلك: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏- سرّهما- وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏ [و] ما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إن أمر بطاعته و إهلاكه إن سلّط عليه، و من اعتقادكم أنّه لا أحد يأتي بعدكم إلّا و أنتم أفضل منه، بل محمّد و آله الطيّبون أفضل منكم الذين أنبأكم آدم بأسمائهم‏ (1).

قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏: 2/ 34.

(549) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

قال اللّه عزّ و جلّ: كان خلق اللّه لكم ما في الأرض جميعا وَ إِذْ قُلْنا

____________

(1) التفسير: 216، ح 100. عنه البرهان: 1/ 7 ح 1، بتفاوت، و البحار: 11/ 117، ح 48، بتفاوت.

قطعة منه في (أنّ الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) هم المراد من آية وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ).

35

لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏ أي في ذلك الوقت خلق لكم‏ (1).

قوله تعالى: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏: 2/ 35.

(550) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا لعن إبليس بإبائه، و أكرم الملائكة بسجودها لادم و طاعتهم للّه عزّ و جلّ أمر بادم و حوّاء إلى الجنّة، و قال: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها من الجنّة رَغَداً واسعا حَيْثُ شِئْتُما بلا تعب.

وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [شجرة العلم‏] شجرة علم محمّد و آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين آثرهم اللّه عزّ و جلّ بها دون سائر خلقه.

فقال اللّه تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، شجرة العلم، فإنّها لمحمّد و آله خاصّة دون غيرهم، و لا يتناول منها بأمر اللّه إلّا هم.

و منها ما كان يتناوله النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات الله عليهم اجمعين) بعد إطعامهم المسكين، و اليتيم، و الأسير حتّى لم يحسّوا بعد بجوع، و لا عطش، و لا تعب، و لا نصب.

و هي شجرة تميّزت من بين أشجار الجنّة. إنّ سائر أشجار الجنّة [كان‏] كلّ نوع منه يحمل نوعا من الثمار و المأكول.

و كانت هذه الشجرة و جنسها تحمل البرّ و العنب و التين و العنّاب و سائر أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة.

____________

(1) التفسير: 218، ح 101. عنه البحار: 11/ 149، ح 25.

36

فلذلك اختلف الحاكون لتلك الشجرة، فقال بعضهم: هي برّة، و قال آخرون:

هي عنبة، و قال آخرون: هي تينة، و قال آخرون: هي عنّابة.

قال اللّه تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ تلتمسان بذلك درجة محمّد [و آل محمّد] في فضلهم.

فإنّ اللّه تعالى خصّهم بهذه الدرجة دون غيرهم، و هي الشجرة التي من تناول منها بإذن اللّه عزّ و جلّ ألهم علم الأوّلين و الآخرين من غير تعلّم، و من تناول [منها] بغير إذن اللّه خاب من مراده، و عصى ربّه‏ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ بمعصيتكما و التماسكما درجة قد أوثر بها غيركما، إذا أردتماها بغير حكم اللّه‏ (1).

قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏: 2/ 36.

(551) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه تعالى:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها عن الجنّة بوسوسته و خديعته و إيهامه [و عداوته‏] و غروره بأن بدأ بادم فقال: قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ‏ إن تناولتما منها تعلمان الغيب، و تقدران على ما يقدر عليه من‏

____________

(1) التفسير: 221، ح 103. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 49، س 7، بتفاوت، و البحار:

8/ 179، ح 135، قطعة منه، و 11/ 189، ح 47، بتفاوت يسير، و قصص الأنبياء للجزائريّ: 45، س 17، و البرهان: 1/ 79، ح 1، بتفاوت يسير، و الوافي: 2/ 290، س 7.

قطعة منه في (أنّ علم محمّد و آله (عليهم السلام) هو المراد من آية هذِهِ الشَّجَرَةَ).

37

خصّه اللّه تعالى بالقدرة، أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏ (1) لا تموتان أبدا.

وَ قاسَمَهُما حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏ (2) [الصالحين‏].

و كان إبليس بين لحيي الحيّة أدخلته الجنّة، و كان آدم يظنّ أنّ الحيّة هي التي تخاطبه، و لم يعلم أنّ إبليس قد اختبأ بين لحييها.

فردّ آدم على الحيّة: أيّتها الحيّة! هذا من غرور إبليس لعنه اللّه، كيف يخوننا ربّنا أم كيف تعظّمين اللّه بالقسم به، و أنت تنسبينه إلى الخيانة و سوء النظر، و هو أكرم الأكرمين، أم كيف أروم التوصّل إلى ما منعني منه ربّي عزّ و جلّ و أتعاطاه بغير حكمة، فلمّا آيس إبليس من قبول آدم منه عاد ثانية بين لحيي الحيّة، فخاطب حوّاء من حيث يوهمها أنّ الحيّة هي التي تخاطبها، و قال: يا حوّاء! أ رأيت هذه الشجرة التي كان اللّه عزّ و جلّ حرّمها عليكما قد أحلّها لكما بعد تحريمها لما عرف من حسن طاعتكما له، و توقيركما إيّاه، و ذلك أنّ الملائكة الموكّلين بالشجرة- الذين معهم حراب يدفعون عنها سائر حيوان الجنّة- لا تدفعك عنها إن رمتها، فاعلمي بذلك أنّه قد أحلّ لك، و أبشري بأنّك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلّطة عليه الامرة الناهية فوقه.

فقالت حوّاء: سوف أجرّب هذا، فرامت الشجرة، فأرادت الملائكة أن تدفعها عنها بحرابها.

فأوحى اللّه تعالى إليها: إنّما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره، فأمّا من جعلته ممكّنا مميّزا مختارا، فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجّة عليه، فإن أطاع استحقّ ثوابي، و إن عصى و خالف [أمري‏] استحقّ عقابي و جزائي.

____________

(1) الأعراف 7/ 20.

(2) الأعراف 7/ 21.

38

فتركوها، و لم يتعرّضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم، فظنّت أنّ اللّه نهاهم عن منعها لأنّه قد أحلّها بعد ما حرّمها.

فقالت: صدقت الحيّة، و ظنّت أنّ المخاطب لها هي الحيّة، فتناولت منها، و لم تنكر من نفسها شيئا.

فقالت لادم: أ لم تعلم أنّ الشجرة المحرّمة علينا قد أبيحت لنا، تناولت منها فلم تمنعني أملاكها، و لم أنكر شيئا من حالي.

(فذلك حين) اغترّ آدم و غلط، فتناول فأصابهما [ما] قال اللّه تعالى في كتابه:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها بوسوسته و غروره‏ مِمَّا كانا فِيهِ‏ من النعيم، وَ قُلْنَا يا آدم، و يا حوّاء، و يا أيّتها الحيّة، و يا إبليس! اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، آدم و حوّاء و ولدهما عدوّ للحيّة، و إبليس و الحيّة و أولادهما أعداؤكم، وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ منزل و مقرّ للمعاش، وَ مَتاعٌ‏ منفعة إِلى‏ حِينٍ‏ الموت‏ (1).

قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏: 2/ 37- 39.

____________

(1) التفسير: 222، ح 104. عنه البحار: 11/ 190، س 9، ضمن ح 47، بتفاوت يسير، و البرهان: 1/ 79، س 34، ضمن ح 1، بتفاوت يسير، و مستدرك الوسائل: 11/ 205، ح 12747، قطعة منه.

قطعة منه في (سورة الأعراف: 7/ 20 و 21)، و (ما رواه (عليه السلام) من الأحاديث القدسيّة)، و (ما رواه عن آدم (عليهما السلام)).

39

(552) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه تعالى:

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏ يقولها، فقالها فَتابَ‏ اللّه‏ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ [التوّاب‏] القابل للتوبات، الرحيم بالتائبين.

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً كان أمر في الأوّل أن يهبطا، و في الثاني أمرهم أن يهبطوا جميعا لا يتقدّم أحدهم الآخر.

و الهبوط إنّما كان هبوط آدم و حوّاء من الجنّة، و هبوط الحيّة أيضا منها فإنّها كانت من أحسن دوابّها، و هبوط إبليس من حواليها، فإنّه كان محرّما عليه دخول الجنّة.

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً‏ يأتيكم- و أولادكم من بعدكم- منّي هدى يا آدم و يا إبليس‏ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ لا خوف عليهم حين يخاف المخالفون، و لا هم يحزنون إذا يحزنون.

قال (عليه السلام): فلمّا زلّت من آدم الخطيئة، و اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ، قال:

«يا ربّ! تب عليّ، و اقبل معذرتي، و أعدني إلى مرتبتي، و ارفع لديك درجتي، فلقد تبيّن نقص الخطيئة و ذلّها في أعضائي و سائر بدنى».

قال اللّه تعالى: يا آدم! أ ما تذكر أمري إيّاك بأن تدعوني بمحمّد و آله الطيّبين عند شدائدك، و دواهيك و في النوازل [التي‏] تبهظك؟ (1)

قال آدم: يا ربّ! بلى.

قال اللّه عزّ و جلّ (له فتوسّل بمحمّد)، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (صلوات الله عليهم) خصوصا، فادعني أجبك إلى ملتمسك، و أزدك فوق مرادك.

فقال آدم: يا ربّ! يا الهي! و قد بلغ عندك من محلّهم أنّك بالتوسّل [إليك‏] بهم‏

____________

(1) بهظه الحمل أو الأمر: أثقله، و سبّب له مشقّة. المنجد: 52، (بهظ).

40

تقبل توبتي، و تغفر خطيئتي، و أنا الذي أسجدت له ملائكتك، و أبحته جنّتك، و زوّجته حوّاء أمتك، و أخدمته كرام ملائكتك!

قال اللّه تعالى: يا آدم! إنّما أمرت الملائكة بتعظيمك [و] بالسجود [لك‏] إذ كنت وعاء لهذه الأنوار، و لو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها و أن أفطّنك لدواعي عدوّك إبليس حتّى تحترز منه لكنت قد جعلت ذلك، و لكنّ المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي، فالآن فبهم فادعني لأجبك.

فعند ذلك قال آدم: «اللّهمّ! بجاه محمّد و آله الطيّبين، بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيّبين من آلهم لما تفضّلت [عليّ‏] بقبول توبتي، و غفران زلّتي، و إعادتي من كراماتك إلى مرتبتي»

فقال اللّه عزّ و جلّ: قد قبلت توبتك، و أقبلت برضواني عليك، و صرفت آلائي و نعمائي إليك، و أعدتك إلى مرتبتك من كراماتي، و وفّرت نصيبك من رحماتي، فذلك قوله عزّ و جلّ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ (1).

(553) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال عزّ و جلّ للذين أهبطهم- من آدم و حوّاء و إبليس و الحيّة-: وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ مقام فيها تعيشون و تحثّكم لياليها و أيّامها إلى السعي للآخرة، فطوبى لمن (تزوّد منها) لدار البقاء وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ لكم في الأرض منفعة إلى حين موتكم، لأنّ اللّه تعالى منها يخرج زروعكم و ثماركم، و بها ينزّهكم و ينعّمكم، و فيها أيضا

____________

(1) التفسير: 224، ح 105. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 50، س 16، قطعة منه، و البحار:

11/ 191، س 15، ضمن ح 47، بتفاوت، و البرهان: 1/ 87، ح 12، بتفاوت يسير.

قطعة منه في (الخمسة النجباء (عليهم السلام))، و (ما رواه (عليه السلام) من الأحاديث القدسيّة)، و (ما رواه عن آدم (عليه السلام)).

41

بالبلايا يمتحنكم، يلذّذكم بنعيم الدنيا تارة ليذكّركم نعيم الآخرة الخالص ممّا ينقص نعيم الدنيا، و يبطله، و يزهّد فيه، و يصغّره و يحقّره، و يمتحنكم تارة ببلايا الدنيا التي [قد] تكون في خلالها (الرحمات، و في تضاعيفها النعم التي) تدفع عن المبتلى بها مكارهها، ليحذّركم بذلك عذاب الأبد الذي لا يشوبه عافية، و لا يقع في تضاعيفه راحة و لا رحمة.

فَتَلَقَّى آدَمُ‏ قد فسّر، وَ قُلْنَا اهْبِطُوا قد فسّر.

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالّات على صدق محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على ما جاء به من أخبار القرون السالفة، و على ما أدّاه إلى عباد اللّه من ذكر تفضيله لعليّ (عليه السلام) و آله الطيّبين خير الفاضلين و الفاضلات بعد محمّد سيّد البريّات.

أُولئِكَ‏ الدافعون لصدق محمّد في أنبائه، [و المكذّبون له في نصبه لأوليائه‏] عليّ سيّد الأوصياء و المنتجبين من ذرّيّته الطيّبين الطاهرين‏ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (1).

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏: 2/ 40.

(554) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

قال اللّه عزّ و جلّ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ‏ ولد يعقوب إسرائيل اللّه‏

____________

(1) التفسير: 226، ح 106. عنه البحار: 11/ 192، ضمن ح 47، بتفاوت، و 66/ 34 س 10، و البرهان: 1/ 88، ضمن ح 12، قطعة منه، و 89، س 35، ح 1، قطعة منه، و تأويل الآيات الظاهرة: 54، س 6، قطعة منه، و مقدّمة البرهان: 90، س 10، أشار إليه.

قطعة منه في (أنّ محمّدا و آله (عليهم السلام) خير الفاضلين و الفاضلات).

42

اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏ لمّا بعثت محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) و أقررته في مدينتكم و لم أجشّمكم الحطّ و الترحال إليه، و أوضحت علاماته و دلائل صدقه، لئلّا يشتبه عليكم حاله.

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي‏ الذي أخذته على أسلافكم أنبياؤهم، و أمروهم أن يودّوه إلى أخلافهم ليؤمنوا بمحمّد العربيّ القرشيّ الهاشميّ المبان بالايات، و المؤيّد بالمعجزات التي منها أن كلّمته ذراع مسمومة، و ناطقه ذئب، و حنّ إليه عود المنبر، و كثّر اللّه له القليل من الطعام، و ألان له الصلب من الأحجار، و صلّب له المياه السيّالة، و لم يؤيّد نبيّا من أنبيائه بدلالة إلّا جعل له مثلها أو أفضل منها.

و الذي جعل من أكبر آياته عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) شقيقه و رفيقه، عقله من عقله، و علمه من علمه، و حكمه من حكمه، و حلمه من حلمه، مؤيّد دينه بسيفه الباتر بعد أن قطع معاذير المعاندين بدليلة القاهر، و علمه الفاضل، و فضله الكامل.

أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏ الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة و مستقرّ الرحمة، وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏ في مخالفة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإنّي القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي، و هم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم مخالفتي‏ (1).

____________

(1) التفسير: 227، ح 107. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 54، س 19، بتفاوت، و البحار: 9/ 178، ح 6، بتفاوت، و 26/ 287، ح 47، و 66/ 340، س 14، و البرهان:

1/ 90، ح 1، بتفاوت.

قطعة منه في (أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المبان بالايات و المؤيّد بالمعجزات)، و (عليّ (عليه السلام) من أكبر آيات اللّه تعالى).

43

قوله تعالى: وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏: 2/ 41.

(555) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: لليهود وَ آمِنُوا أيّها اليهود بِما أَنْزَلْتُ‏ على محمّد نبيّي من ذكر نبوّته و إنباء إمامة أخيه عليّ (عليه السلام) و عترته الطيّبين الطاهرين‏ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ‏.

فإنّ مثل هذا الذكر في كتابكم أنّ محمّدا النبيّ سيّد الأوّلين و الآخرين، المؤيّد بسيّد الوصيّين، و خليفة رسول ربّ العالمين، فاروق هذه الأمّة، و باب مدينة الحكمة، و وصيّ رسول [ربّ‏] الرحمة.

وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي‏ المنزلة لنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و إمامة عليّ (عليه السلام) و الطيّبين من عترته‏ ثَمَناً قَلِيلًا بأن تجحدوا نبوّة النبيّ [محمّد] (صلى الله عليه و آله و سلم) و إمامة الإمام [عليّ‏] (عليه السلام) [و آلهما]، و تعتاضوا عنها عرض الدنيا فإنّ ذلك و إن كثر فإلى نفاد و خسار و بوار.

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏ في كتمان أمر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أمر وصيّه (عليه السلام)، فإنّكم إن تتّقوا لم تقدحوا في نبوّة النبيّ، و لا في وصيّة الوصيّ، بل حجج اللّه عليكم قائمة، و براهينه بذلك واضحة قد قطعت معاذيركم، و أبطلت تمويهكم.

و هؤلاء يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و خانوه، و قالوا: نحن نعلم أنّ محمّدا نبيّ، و أنّ عليّا وصيّه، و لكن لست أنت ذاك، و لا هذا- يشيرون إلى عليّ (عليه السلام)- فأنطق اللّه تعالى ثيابهم التي عليهم، و خفافهم التي في أرجلهم، يقول كلّ واحد منها للابسه: كذبت يا عدوّ اللّه! بل النبيّ محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) هذا، و الوصيّ‏

44

عليّ هذا، و لو أذن اللّه لنا لضغطناكم، و عقرناكم، و قتلناكم.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ اللّه عزّ و جلّ يمهلهم لعلمه بأنّه سيخرج من أصلابهم ذرّيّات طيّبات مؤمنات، و لو تزيّلوا لعذّب [اللّه‏] هؤلاء عذابا أليما، إنّما يعجّل من يخاف الفوت‏ (1).

قوله تعالى: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏: 2/ 42 و 43.

(556) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

خاطب اللّه بها قوما من اليهود لبسوا الحقّ بالباطل بأن زعموا أنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) نبيّ، و أنّ عليّا وصيّ، و لكنّهما يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنة.

فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ ترضون التوراة بيني و بينكم حكما؟

قالوا: بلى، فجاءوا بها، و جعلوا يقرءون منها خلاف ما فيها، فقلّب اللّه عزّ و جلّ الطومار الذي كانوا منه يقرءون، و هو في يد قرّاءين‏ (2) منهم مع أحدهما

____________

(1) التفسير: 228، ح 108. عنه مدينة المعاجز: 1/ 442، ح 297، و إثبات الهداة:

2/ 151، ح 664، قطعة منه، و تأويل الآيات الظاهرة: 55، س 17، بتفاوت، و البحار:

9/ 179، س 1، ضمن ح 6، بتفاوت يسير، و 24/ 39 ح 11 بتفاوت، و 64/ 19، س 9، قطعة منه، و 66/ 341، س 14، قطعة منه و بتفاوت، و 67/ 267، س 18، أشار إلى قطعة منه، و البرهان: 1/ 91، ح 1، بتفاوت، و مقدّمة البرهان: 205، س 4، و 215، س 7، قطعتان منه.

قطعة منه في (أنّ محمّدا و آله (عليهم السلام) حجج اللّه و براهينه)، و (ما رواه (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)).

(2) القرّاء ج قرّاءون: الحسن القراءة، و القارئ ج قرّاء، و القرّاء ج قرّاءون: الناسك المتعبّد.

المنجد: 617، (قرأ).

45

أوّله و مع الآخر آخره، فانقلب ثعبانا له رأسان [و] تناول كلّ رأس منهما يمين من هو في يده، و جعل يرضّضه و يهشّمه و يصيح الرجلان و يصرخان، و كانت هناك طوامير أخر، فنطقت، و قالت: لا تزالان في هذا العذاب حتّى تقرءا ما فيها من صفة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و نبوّته، و صفة عليّ (عليه السلام) و إمامته على ما أنزل اللّه تعالى فيها، فقرآه صحيحا و آمنا برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و اعتقدا إمامة عليّ وليّ اللّه، و وصيّ رسول اللّه.

فقال اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ‏، بأن تقرّوا بمحمّد و عليّ من وجه، و تجحدوهما من وجه.

وَ تَكْتُمُوا الْحَقَ‏ من نبوّة هذا و إمامة هذا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ أنّكم تكتمونه و تكابرون علومكم و عقولكم، فإنّ اللّه إذا كان قد جعل أخباركم حجّة ثمّ جحدتم لم يضيّع [هو] حجّته بل يقيمها من غير جهتكم، فلا تقدّروا أنّكم تغالبون ربّكم و تقاهرونه.

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لهؤلاء: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ.

قال: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبات التي جاء بها محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أقيموا أيضا الصلاة على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين الذين على سيّدهم و فاضلهم.

وَ آتُوا الزَّكاةَ من أموالكم إذا وجبت، و من أبدانكم إذا لزمت، و من معونتكم إذا التمست، وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏ تواضعوا مع المتواضعين لعظمة اللّه عزّ و جلّ في الانقياد لأولياء اللّه لمحمّد نبيّ اللّه، و لعليّ وليّ اللّه، و للائمّة بعدهما سادة أصفياء اللّه‏ (1).

____________

(1) التفسير: 230، ح 109. عنه البحار: 9/ 307، ح 10، بتفاوت يسير، و 24/ 395،-

46

قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏: 2/ 44.

(557) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام (عليه السلام)‏]: ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لقوم من مردة اليهود و منافقيهم المحتجنين‏ (1) الأموال الفقراء، المستأكلين للأغنياء، الذين يأمرون بالخير و يتركونه، و ينهون عن الشرّ و يرتكبونه، قال: يا معاشر اليهود! أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ بالصدقات و أداء الأمانات‏ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ أ فلا تعقلون ما به تأمرون‏ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ‏ التوراة الامرة بالخيرات، الناهية عن المنكرات، المخبرة عن عقاب المتمرّدين، و عن عظيم الشرف الذي يتطوّل اللّه به على الطائعين المجتهدين.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ ما عليكم من عقاب اللّه عزّ و جلّ في أمركم بما به لا تأخذون، و في نهيكم عمّا أنتم فيه منهمكون.

و كان هؤلاء قوم من رؤساء اليهود و علمائهم احتجنوا أموال الصدقات و المبرّات، فأكلوها و اقتطعوها، ثمّ حضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه.

و قد حشروا عليه عوامّهم يقولون: إنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) تعدّى طوره و ادّعى‏

____________

- ح 114، قطعة منه، و 71/ 308 ح 62، قطعة منه، و 93/ 6، س 2، قطعة منه، و البرهان:

1/ 91، ح 1، بتفاوت يسير، و مدينة المعاجز: 1/ 478، ح 314، قطعة منه، و تأويل الآيات الظاهرة: 57، س 3 و 17، بتفاوت.

قطعة منه في (أنّ محمّدا و الأئمّة (عليهم السلام) أولياء اللّه و أصفياؤه)، و (أنّ عليّا و سيّد الأئمّة (عليهم السلام))، و (ما رواه (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)).

(1) احتجن المال: ضمّه إلى نفسه و احتواه ... و احتجن عليه: حجر. المنجد: 120، (حجن).

47

ما ليس له‏ (1).

قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏: 2/ 45.

(558) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام):

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لسائر اليهود و الكافرين المظهرين: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [أي بالصبر] عن الحرام، [و] على تأدية الأمانات، و بالصبر على الرئاسات الباطلة، و على الاعتراف لمحمّد بنبوّته، و لعليّ بوصيّته.

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ على خدمتهما، و خدمة من يأمرانكم بخدمته على استحقاق الرضوان و الغفران، و دائم نعيم الجنان في جوار الرحمن، و مرافقة خيار المؤمنين، و التمتّع بالنظر إلى عزّة محمّد سيّد الأوّلين و الآخرين، و عليّ سيّد الوصيّين، و السادة الأخيار المنتجبين، فإنّ ذلك أقرّ لعيونكم، و أتمّ لسروركم، و أكمل لهدايتكم من سائر نعيم الجنان.

و استعينوا أيضا بالصلوات الخمس، و بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين (على قرب الوصول إلى جنّات النعيم).

وَ إِنَّها أي هذه الفعلة من الصلوات الخمس، و [من‏] الصلاة على محمّد و آله الطيّبين مع الانقياد لأوامرهم، و الإيمان بسرّهم و علانيتهم، و ترك معارضتهم بلم و كيف‏ لَكَبِيرَةٌ [ل] عظيمة، إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ الخائفين من عقاب اللّه في مخالفته في أعظم فرائضه‏ (2).

____________

(1) التفسير: 23 ح 114. عنه مستدرك الوسائل: 12/ 202، ح 13884، و البحار: 9/ 308، س 22، و البرهان: 1/ 92، ح 1.

(2) التفسير: 237، ح 115. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 59، س 8، و البحار: 24/ 395،-

48

قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏: 2/ 46.

(559) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام (عليه السلام):]

ثمّ وصف الخاشعين، فقال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ الذين يقدّرون أنّهم يلقون ربّهم اللقاء الذي هو أعظم كراماته لعباده، و إنّما قال: يَظُنُّونَ‏ لأنّهم لا يدرون بما ذا يختم لهم، و العاقبة مستورة عنهم‏ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ إلى كراماته، و نعيم جنّاته لإيمانهم و خشوعهم، لا يعلمون ذلك يقينا، لأنّهم لا يأمنون أن يغيّروا و يبدّلوا.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة لا يتيقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى يكون وقت نزع روحه و ظهور ملك الموت له.

و ذلك أنّ ملك الموت يرد على المؤمن و هو في شدّة علّته، و عظيم ضيق صدره بما يخلّفه من أمواله، و لما هو عليه من [شدّة] اضطراب أحواله في معامليه و عياله، [و] قد بقيت في نفسه حسراتها و اقتطع دون أمانيّه، فلم ينلها، فيقول له ملك الموت: مالك تجرع غصصك؟

فيقول: لاضطراب أحوالي، و اقتطاعك لي دون [أموالي و] آمالي.

فيقول له ملك الموت: و هل يحزن عاقل من فقد درهم زائف‏ (1) و اعتياض‏

____________

- ح 115، و 66/ 342، س 1 و 342، س 10، و س 19، س 22، و 79/ 192، س 9، و 19 س 1، قطع منه، و البرهان: 1/ 94، ح 1.

قطعة منه في (فضل الصلاة على محمّد و آله (عليهم السلام))، و (أنّ نعيم الجنان دائم)، و (أهميّة صلوات الخمس و عظمتها)، و (موعظته (عليه السلام) في أمور شتّى).

(1) جاء في الحديث: درهم زيف: أي ردي‏ء، مجمع البحرين: 5/ 68 (زيف).

49

ألف ألف ضعف الدنيا؟

فيقول: لا! فيقول ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنان و قصورها التي تقصر دونها الأمانيّ، فيقول ملك الموت: تلك منازلك و نعمك و أموالك و أهلك و عيالك، و من كان من أهلك هاهنا، و ذرّيّتك صالحا فهم هناك معك، أ فترضى به بدلا ممّا هناك؟

فيقول: بلى، و اللّه! ثمّ يقول: انظر! فينظر فيرى محمّدا و عليّا و الطيّبين من آلهما في أعلى عليّين فيقول [له‏]: أو تراهم هؤلاء ساداتك و أئمّة هم هناك جلّاسك و أناسك، [أ] فما ترضى بهم بدلا ممّا تفارق هاهنا، فيقول: بلى، و ربّي! فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها وَ لا تَحْزَنُوا على ما تخلّفونه من الذراري و العيال [و الأموال‏].

فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم‏ وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏ (1) هذه منازلكم و هؤلاء ساداتكم و أناسكم و جلّاسكم‏ (2).

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي‏

____________

(1) فصّلت: 41/ 30.

(2) التفسير: 238، ح 116 و 117. عنه البحار: 6/ 176، ح 2، و 24/ 26، ح 4، و 66/ 34 س 4، و 68/ 366، ح 1 و 79/ 19 س 12، و 194، س 4، قطع منه، و البرهان:

1/ 94، س 15، ضمن ح 1، و 4/ 111، ح 12، قطعتان منه، و مدينة المعاجز: 3/ 126 ح 785، قطعة منه، و المحتضر: 22، و تأويل الآيات الظاهرة: 524، س 22، بتفاوت.

قطعة منه في (سورة فصّلت: 41/ 30)، و (أنّ محمّدا و آله (عليهم السلام) سادات أهل الجنّة)، و (سكرات الموت و أحوال البرزخ)، و (فضائل الشيعة)، و (ما رواه (عليه السلام) عن الملائكة)، و (ما رواه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)).

50

فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ‏: 2/ 47.

(560) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

قال [اللّه تعالى‏]: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏ أن بعثت موسى و هارون إلى أسلافكم بالنبوّة، فهديناهم إلى نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و وصيّة [عليّ‏] و إمامة عترته الطيّبين.

و أخذنا عليكم بذلك العهود و المواثيق التي إن وفيتم بها كنتم ملوكا في جنانه، مستحقّين لكراماته و رضوانه، وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ‏ هناك أي فعلته بأسلافكم فضّلتهم دينا و دنيا.

أمّا تفضيلهم في الدين فلقبولهم نبوّة محمّد، [و ولاية عليّ‏] و آلهما الطيّبين.

و أمّا [تفضيلهم‏] في الدنيا فبأن ظلّلت عليهم الغمام، و أنزلت عليهم المنّ و السلوى، و سقيتهم من حجر ماء عذبا، و فلقت لهم البحر، فأنجيتهم و أغرقت أعداءهم فرعون و قومه، و فضّلتهم بذلك [على‏] عالمي زمانهم الذين خالفوا طرائقهم، و حادوا عن سبيلهم.

ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ [لهم‏]: فإذا كنت [قد] فعلت هذا بأسلافكم في ذلك الزمان لقبولهم ولاية محمّد و آله، فبالحريّ أن أزيدكم فضلا في هذا الزمان إذا أنتم وفيتم بما آخذ من العهد و الميثاق عليكم‏ (1).

قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏: 2/ 48.

____________

(1) التفسير: 240، ح 118. عنه البحار: 9/ 311، س 11، ضمن ح 10، و 24/ 62، ح 47، و البرهان: 1/ 95، ح 4، بتفاوت يسير.

قطعة منه في (هداية اللّه تعالى موسى و هارون إلى نبوّة محمّد و عترته (عليهم السلام))، و (ثمرة قبول ولاية محمّد و أهل بيته (عليهم السلام)).

51

(561) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تدفع عنها عذابا قد استحقّته عند النزع، وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ يشفع لها بتأخير الموت عنها، وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ‏ لا يقبل [منها] فداء [ب] مكانه يمات و يترك هو.

قال الصادق (عليه السلام): و هذا [اليوم‏] يوم الموت، فإنّ الشفاعة و الفداء لا يغني عنه.

فأمّا في القيامة فإنّا و أهلنا نجزي عن شيعتنا كلّ جزاء ليكوننّ على الأعراف بين الجنّة و النار محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و الطيّبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات- ممّن كان منهم مقصّرا- في بعض شدائدها، فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان، و المقداد، و أبي ذرّ، و عمّار، و نظائرهم في العصر الذي يليهم، ثمّ في كلّ عصر إلى يوم القيامة، فينقضون عليهم كالبزاة و الصقور و يتناولونهم كما تتناول البزاة و الصقور صيدها، فيزفّونهم إلى الجنّة زفّا.

و إنّا لنبعث على آخرين من محبّينا من خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحبّ، و ينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا.

و سيؤتي ب [الواحد] من مقصّري شيعتنا في أعماله بعد أن قد حاز الولاية و التقيّة و حقوق إخوانه، و يوقف بإزائه ما بين مائة و أكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصّاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار.

فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنّة و أولئك النصّاب النار.

و ذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني بالولاية

52

لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ‏ (1) في الدنيا منقادين للإمامة، ليجعل مخالفوهم فداءهم من النار (2).

قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏: 2/ 49.

(562) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام):

قال تعالى: و اذكروا يا بني إسرائيل‏ وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ‏ أنجينا أسلافكم‏ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏ و هم الذين كانوا يدنون إليه بقرابته و بدينه و مذهبه‏ يَسُومُونَكُمْ‏ كانوا يعذّبونكم‏ سُوءَ الْعَذابِ‏ شدّة العذاب كانوا يحملونه عليكم.

قال: و كان من عذابهم الشديد، أنّه كان فرعون يكلّفهم عمل البناء و الطين، و يخاف أن يهربوا عن العمل فأمر بتقييدهم، فكانوا ينقلون ذلك الطين على السلاليم إلى السطوح.

فربّما سقط الواحد منهم فمات أو زمن، و لا يحفلون بهم إلى أن أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى (عليه السلام): قل لهم: لا يبتدءون عملا إلّا بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين، ليخفّ عليهم، فكانوا يفعلون ذلك فيخفّ عليهم.

و أمر كلّ من سقط و زمن ممّن نسي الصلاة على محمّد و آله الطيّبين أن يقولها

____________

(1) الحجر: 15/ 2.

(2) التفسير: 241، ح 119.

عنه البحار: 8/ 44، ح 45، و 337، ح 1 قطعة منه، و البرهان: 1/ 95، س 26، ضمن ح 4، بتفاوت يسير، و 2/ 325، ح 4، بتفاوت، و تأويل الآيات الظاهرة: 60، س 4، بتفاوت يسير.

قطعة منه في (سورة الحجر: 15/ 2)، و (ما رواه عن الإمام الصادق (عليهما السلام)).