التنقيذ لأحكام التقليد

- السيد محمد الموسوي الزنجاني المزيد...
208 /
1

[مقدمة المؤلف‏]

هذا هو الكتاب المسمّى بالتّنقيد لأحكام التقليد لوحيد العصر و فريد الدهر الحاج ميرزا ابو طالب ادام الله ايام افادته‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

الحمد للّه كما افاض و انعم و تفضّل فعلّمنا ما لم نعلم و الصّلاة على الاسم الاعظم و النور الاقوم محمّد و آله مصابيح الظّلم و مفاتيح الحكم و بعد يقول اقلّ آل النّبى ابو طالب محمد بن ابى القاسم الموسوى عفى اللّه عنه انه طال ما القى فى روعى تصنيف رسالة مختصرة فى باب التقليد جامعا شتاته موضحا غوامضه محرّرا عوائصه موردا فى كل باب ما يليق به من دلائله و يختصّ به من براهينه غير انّ الحدثان قلّ ما تمنح و تقلّبات الدّهر شذّ ما تسمح و تصفح و لمّا رأيت الدّنيا تؤذن بوداع و الآخرة تشرف باطّلاع خشيت بوادر الزمان و طوارق الحدثان فقوّيت عزماتى و حرّكت نيّاتى و رغبنى من الاخوان بعض اهل الفضل و

2

الحمد للّه رافع منازل العلماء و جاعلهم ورثة الأنبياء و المفضّل مدادهم على دماء الشّهداء و الصّلاة على سيّدنا محمّد المنتخب من مشكاة الضّياء و ذؤابة العليا و آله المطهّرين الازكياء و بعد فقد طبع هذا المصنّف المنيف المعدود من مفاخر العصر المسمى بالتّنقيد لاحكام التقليد للحبر المفرد العلم و الفاضل المتفرّد العليم قرّة باصرة التّدقيق و غرّة ناصية التّحقيق ذروة كاهل العلم الرّفيع بل طود الفضل المنيع فريد زمانه و وحيد أوانه سيّد الفقهاء و المجتهدين سند العلماء الرّاشدين عماد الاسلام مقتدى الأنام مفخر آل غالب جناب الحاجّ ميرزا ابو طالب سلّمه اللّه و ابقاه و ادام ظلّه و حماه فله دام فضله السّامى ان يقول‏ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ‏ لتعرفوا ما بيه و ما رزقنى ربّى و اعطانيه و تشكروا جهدى فى سرّ و علانية و ذلك فى جمادى سنة الخامسة عشر من المائة الرّابعة من الألف الثانى فى طهران المحروسة بمساعى جناب الفاضل الكامل و قدوة الأفاضل و الأماثل الحسيب النّسيب المؤيّد الحاجّ الشّيخ احمد الشيرازى مولدا و الرّازى مسكنا ضاعف اللّه اجره و تاييده بمحمّد و آله ع‏

3

و العرفان ممّن يصطلى بنارى و يستضي‏ء بنورى فابتدأت بما رمت قضاء لواجب الحق و وفاء بكلمة الصّدق راجيا من اللّه التّوفيق و الهداية و التسديد و الدّراية انّه على ما يشاء قدير و رأيت ان اورد ما رمته فى مقاصد ثلاثة مقدّمات عليها مقدّمات‏

[المقدمات‏]

المقدّمة الأولى [البحث عن المستعمل باوصافه و ما تستعمل فيه و من تستعمل له‏]

جرت سيرة الاصوليّين بعد فراغهم عن تحرير الادلّة على البحث عن المستعمل باوصافه و ما تستعمل فيه و من تستعمل له و ما يترتّب على هذه الامور الثلاثة و ما يليق بها و هذه عادتهم و سجيّتهم من لدن انتشار العلم فى القرن الثانى و ظهور التصانيف الى زماننا هذا فانهم لا يزالون يبحثون عن هذه و يودعونه كتبهم نعلم ذلك منهم و ان لم يصل الينا من تصانيفهم الّا القليل فان أبا عمرو و أبا حنيفة و الشافعى المبتدئ بالتصنيف و من قرء عليهما او اخذ عنهما ما زالوا يبحثون عن هذه على الطريق الّذى بيّناه ثم من بعد جماهير علماء الاسلام الى ان اجتمع العلم منّا فى ابن ابى عقيل و ابن جنيد و من بعد فى المفيد و تلميذيه فصنّفنا الذخيرة و الذّريعة و العدة ثم كثرت التصانيف من الفريقين الى ان وقفت الى الحدّى الّذى تريه و لم يبحث عن حقيقة الامر سوى طائفة من متأخّرى اصحابنا

4

فادخله بعضهم فى الفروع و اخرى فى الاصول و ثالث فى الكلام و ثالث فى الكلام و ذهب كل منهم مذهبا حتى اعيت الحيلة بعض مشاهير المصنّفين فجعله من المباحث المشتبهة و المعول ما يهدى اليه الدليل و لا ارى للاوّل وجها غير انّ التقليد من الافعال و حكمه الوجوب فتشمله حدّ الفقه و هذا و ان كان صحيحا فى ذاته غير ان صنوف الابحاث الكثيرة الدائرة على المقلد و الادلّة المستعملة و موارد استعمالها و ما يتفرع عليها من التصويب و التخطئة و امثاله لا يكاد يندرج فيه الّا بتعسّفات و تكلّفات على انّ ظاهر عبائرهم خلافه بل عن جميع ممّن تظاهر بالرّئاسة التصريح بتعميم موضوع الاصول و القضايا الجزئيّة لا يعول عليها فى شى‏ء من الدّعاوى الكلّيّة و قد صرّح الغزالى و الامام ابن الخطيب التّونى و غيرهم بدخول البحث فى الاصول من جهة تعميم الموضوع و المقتدى كلمة الاوايل فانهم صرّحوا بان البحث عن المستثمر بحث عن الموضوع و لذا جعله فى المستصفى رابع الاقطاب بعد ما جعل الفنّ دائرا على اربعة اقطاب و ليس البحث عن المرجع بعد الائمة و انما البحث عن صاحب الصّناعة و من تنفع له و ما ينتفع فيه و بين الامرين بون‏

5

بين و الدّخول فى المبادى بعيد فى الغاية و امّا الرابع فليس بشى‏ء بل هو ارتباك و ترديد

المقدمة الثّانية [الاصل عند الشك‏]

المجتهدون بعد اليأس عن العلم ربما يرتبكون فيشتبك عندهم الظنون فيتحزّبون و يحتاجون الى تمهيد اصل يعوّلون عليه و به يعتمدون و لذا يقرر جهابذتهم في كل مسئلة يبحثون عنها اصلا يجعل ظهرا يستند اليه و هذه عادتهم و طريقتهم الّتى لا يفارقونها قط و نحن فى ذلك على اثرهم مقتفون فنقول اكثر المباحث الآتية كما ستطلع عليه كامثاله تقصر عن اثبات طرفيه الدلالات فيلزمنا العقل بالتشبّث باصالة الاشتغال اذ الشكوك ان رجعت الى بيان المكلّف القاطع للاعذار وجب التعويل على البراءة الاصليّة سواء جعلناها من الاصول القطعيّة العقليّة كما هو المعروف بين الاواخر او الشرعيّة كذلك على ما هو التحقيق او الظنّية كما يظهر من جماعة و امّا اذا رجعت الى الاطاعة كيفا و طريقا وجب الحكم بالاشتغال اذ لا جهة تقتضى العدول عنه و لا طريق يهتدى اليه و هذا اصل عظيم غفل عنه كثير فلتكن على ما ذكر منه و هذا امر مطّرد فى باب النّيات و عدم جواز تقليد الميّت و المفضول مع وجود الفاضل قطعا

6

او ظنّا و العالى المتسافل و من ذهب عنه الملكة لمرض او اشتدّت جربزته حتى لا يقف على شى‏ء كل ذلك لان الرجوع الى الشرع و انّما هو فى ما وظيفته بيانه و يجى‏ء من عنده لئلّا يكون للنّاس عليه حجّة و اما فيما هو خارج عن طريقته موكول الى غيره من العقلاء فلا يعقل ان يجعل مرجعا الّا تنبيها قلّ ما يذكره الّا من جهة التفضّل مع عدم حاجة الى بيانه فى الاكثر و لذا ترى مطالب مهمّة من هذا الباب لم ير و فيها شى‏ء من حفظة الشرع مع شدّة اهتمام السّألة و المسئولين و من ذلك يعلم ان اطلاقات العبادات لا يدفع التقييد لانّ القيود المشكوكة الّتى حالها ذلك لا يكون تقييدا فى ادلّتها كما لا يخفى و صرّح به بعض الفحول لكن فى اجراء هذه الاصالة مع الاعتراف بحقّيتها نظرا فى مواقع اشرنا اليها لعدم المورديّة و ستطلع عليه هذا ما اقتضاه عاجل النظر و الذى يقتضى به التحقيق ان مجرّد الشكّ كاف فى المقام ضرورة ترتّب الحكم بعدم الجواز فى مطلق الامور التّوقيفيّة على نفس الشّك الّا ان يرجع الاصل المشار اليه الى ما ذكرناه و كانّه هو اذ لو رتّب الحكم على المشكوك مع ترتّبه على نفس الشك لكان فاسدا

7

و ارتكاب الزيادة مهملة مع الغنى عن احرازه فلا يشمله ادلّة الاعتبار و لا يحكم به العقل اصلا فتبصّر

المقدمة الثّالثة [فى معنى التقليد]

التقليد جعل السّيف و القلادة و نحوهما فى العنق و منه تقليد العمل و الولاية و تقليد المجتهدين فكان المقلدون قلدوهم اوزارهم او تقلّدوا بطاعتهم و اصطلحوا على ما صرّحوا بل جزموا به بانه اخذ و عمل بقول الغير من غير حجّة عليه و الثانى هو المعروف بينهم قديما كما صرّح به بعض الاواخر و ما عندى من الصّحف يشهد بذلك و الضمير راجع الى القول لا العمل و المراد من الحجة الحجّة الخاصّة فلا يرد ما ذكروه من دخول الاخذ بقول النّبى (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) اذ برهان العصمة قائم فى كل جزئى من اقواله و افعاله و كذا لو عمّمنا الحجّة اذ حجيّة قول المعصوم معلوم بالبرهان فمن هنا يظهر جهة اختلاط المطلب على كثير من المصنّفين حيث قاسوا كبرى قياسهم المعروف ببرهان العصمة و المعجزة و منهم من زاغ عن الطريق فى الموضوع فجعل الاخذ بقوله (عليه السلام) تقليدا قال ابو حامد فى منخوله قال قائلون انّه قبول قول بلا حجّة فعلى هذا قبول قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

8

ليس تقليد فانه حجة و كذا قول الصّحابى ان رايناه حجة انتهى ثمّ طرد الكلام مع القاضى الى ان قال و المختار عندنا ان جملة اصحاب الملل لم يتحصلوا من اعمالهم و عقايدهم الّا على تقليد على نقيض ما؟؟؟

القاضى فمن صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فهو مقلد اذ لا يدرك صدقه ضرورة و كيف يعلم صدقه و لا يعلم بقوله وجود مرسله نعم لو رتّب النّاظر فافتح اوّلا نظره فى حدوث العالم و اثبات الصّانع و انحدر الى اثبات النّبوة و تصديق النّبى (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فهو عارف و ليس بمقلّد و يندر من يوفق له و معظم النّاس تلقّوا الشّرع من نفس الشرع و لكنا نرعى ادب الدّين فى الاطلاق فنسمّى قوله حجّة و نسمّى اتباع المجتهد تقليدا و ان كان نعلم حقيقة الحال على ما ذكرناه انتهى و هذا كما تريه تخليط و اغفال فى التصنيف اذ الفرق معنوى لا انّه راجع الى مجرّد اللفظ و التأدّب و ان كانت مقالته بالنظر الى بعض الملّة صحيحة لكن للاغلب يقين حصّله من غير برهان و لو سمّى ذلك تقليدا كما اصطلح عليه المتكلّمون فلا تنازع لكن لا ينبغى لمثله الخلط بين الاصطلاحين و كلّ ما ذكره انما نشأ من المغالطة فى المفرد و العجب انه ممّن يحرض على‏

9

الوقوف على موارد المغالطات و يعترض على النّاس و مع ذلك يقع فيها و يخلّط بين اصطلاح المتكلم و الاصولى و قد وقع نظيره للشيخ ره فى الجملة قال الشيخ (قدّس سره) فى العدّة فى مبحث اخبار الآحاد بعد ان اورد على نفسه عدم جواز العمل بروايات المقلّدة و هم جملة كثيرة ما لفظه على انّ من اشرت اليه لا نسلم انّهم كلّهم مقلّدة بل لا يمتنع ان يكونوا عالمين بالدليل على سبيل الجملة كما يقوله جماعة اهل العدل فى كثير من اهل الاسواق و العامّة و ليس من حيث يتعذّر عليهم ايراد الحجج فى ذلك ينبغى ان يكونوا غير عالمين لان ايراد الحجج و المناظرة صناعة و ليس يقف حصول المعرفة على حصولها كما قلناه فى اصحاب الجمل و ليس لاحد ان يقول ان هؤلاء ليسوا من اصحاب الجمل لانّهم اذا سألوا عن التوحيد او العدل او صفات اللّه او صحّة النّبوة قالوا كذا روينا و يروون فى ذلك كلّه الاخبار و ليس هذا طريقة اصحاب الجمل و ذلك انه لا يمتنع ان يكون هؤلاء اصحاب الجمل و قد حصلت لهم المعارف باللّه غير انّهم لما تعذّر عليهم ايراد الحجج فى ذلك احالوا على ما كان سهلا عليهم و ليس يلزمهم ان يعلموا ان ذلك لا يصح ان يكون‏

10

دليلا الّا بعد ان يتقدّم المعرفة باللّه و انما الواجب عليهم ان يكونوا عالمين و هم عالمون على الجملة انتهى و على اى حال فالتعويل على كلّ ما كان له دليل عند المعول لا يسمى تقليدا كقول المفتى و قول الشّاهد و خبر العدل و ذى اليد و المسائل الإجماعيّة و حكى ابو المعالى المشهور عن بعض الاقدمين ان النّبى (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و لو كان يقول بالقياس يجوز ان يسمّى قبول قوله تقليدا و هو باطل بلا مرية اذ لو علم ذلك قامت الحجّة عليه كسائر اقواله الّا على مذهب باطل ثم انه فى كلمات متأخّرى اصحابنا مطالب لا نستقصيها من حيث ثبوت الاصطلاح و عدمه و الاعتراضات الغير المهمّة استقصيناها فى كتاب المقابيس و ليعلم ان اختلاف التعبيرات فى كلمات الاقدميين الذين يؤخذ العلم عنهم اختلاف لفظى تريهم يعبّرون عن التقليد تارة بالاخذ و اخرى بالعمل و نظنّ ان الاوّل راجع الى الثّانى لانه من موارد استعماله يقال فلان اخذ بقول زيد و فى الزيارة المرويّة (اخذ بقولكم) (يعنى عامل بفتياكم و الذى يدل على ذلك انك ترى جماهيرهم يعوّلون فى مقام تاسيس الاصل باصالة حرمة العمل بالظّن و بقاعدة التشريع و عمومات حرمة

11

العمل بما وراء العلم و اطلاقاتها فلو لا ان المعبّر اراد ما ذكرناه كيف يمكنه التعويل على هذه و العجب من جملة من الاواخر كيف عكسوا الامر حتّى قال قائلهم ان الاول تؤل الى الدّور المحال في قولنا صحّة العمل موقوف على التقليد و لا شكّ فى صحّة هذه المقالة فلا شكّ فى فساد ما يوجب فساده مع وضوح كونه مغالطة اذ صحّة العمل موقوف على احراز الامر و الاذن و السّبيل اليه للعامى هو الفتوى مضافا الى اندفاعه لو سلّم بملاحظة اللّام فى التقليد للخصوصيّة المقصودة فليكن على ذكر منك حتى يظهر لك ثمرات البحث و سيأتى فيما نستقبله بمشيّة اللّه ما ينفع هذا فيه‏

المقدمة الرّابعة [فى معنى الاجتهاد غير المشروع‏]

الاجتهاد الغير المشروع الذى نصّ عليه رؤساء الاماميّة و اطبقوا عليه قديما و حديثا و انكرته الائمة على العامّة هو الّذى تعتقدونه انّه استفراغ الوسع فى تحصيل الظّن بالحكم و ليس الّا الاخذ بالرأى قال ابو حامد المفتى هو المستقل باحكام الشرع نصّا و استنباطا و اشرنا بالنصّ الى الكتاب و السنّة و بالاستنباط الى الاقيسة و المعانى و ما ذكره الشافعى فى كيفيّة الاجتهاد اصرح من ذلك و انما اخذوا هذه الطريقة لانهم لما قطعوا السّبب الّذى امروا

12

بمودته و استحوذ عليهم الشّيطان فبقوا حيارى لا يدرون اىّ باب يلجون لجئوا الى انفسهم و اهوائهم فاتخذوا إلههم هواهم و تحزبوا احزابا حتى ارادوا ستر العيوب الظاهرة بمصيرهم الى ان النبى (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مجتهدا و استدلوا بما هو واضح البطلان ثم جاء اصحابنا فاخذوا العلم عنهم و ركبوا المحجّة البيضاء فاطلقوه على استنباط الاحكام من قول اللّه و رسوله ص و خلفائه على النحو الّذى يليق و تنحو اليه ما دلت العقول الصّحيحة عليه و ليس فوق هذا طريق و لا دونه مسلك ثم جاء الفرقة الاخيرة من اصحابنا الاخباريّين و عاجلوهم بالرّد و عالجوهم بمطالب لا يليق ان يصغى اليه حتى تباعدوا عنهم و طعنوا عليهم و حسبوا انهم يحسنون صنعا كل ذلك من جهة عدم اضطلاعهم فى الفنّ و رسوخ المطالب الفاسدة فى اذهانهم حتى قال قائل ان الاجتهاد من مبتدعات العامّة و لم يكن بين اصحابنا بعد ابن جنيد من يقوم هذا المقام الّا العلّامة ثم انتشر من طرقه هذه الطريقة و هذا كلها من الاغاليط البيّنة فانهم يجتهدون من حيث لا يشعرون و اصحابنا الاصوليون (رضوان اللّه عليهم) لا يتعدّون النّصوص الّا من جهتها من حيث يشعرون و هؤلاء

13

الاخباريّة ان لم يعرفوا هذا المقدار فهم مسئولون و ان عرفوا و العياذ باللّه و انكروا ما علموا فهم مأخوذون و ان لم يعقلوا ذلك و لا حرمة قصدى العوام لاقتفاء ما يخرص فهم لا يعذرون و ليس احد منّا يذهب الى جواز الاجتهاد بالمعنى المعروف كما يشهد به دفاتر المتأخرين بل المتقدمين و طريقتهم التى لا اجد احدا من العلماء يشكّ فيها فاحفظ ذلك ثم اعلم ان ما يوجد قليلا او كثيرا فى مطاوى كلمات اصحابنا من الدلالات الاستحسانيّة او الاقيسة ليس من جهة ايراد الادلّة التى تسكن اليها نفوسهم و انما اوردوها تبكيتا لغيرهم ممّن يعول عليها او من جهة ضمّ المؤيّدات الى الادلّة كما نصّ عليه بعض اهل الدّراية منّا فما طعن به بعضهم على اعلام الفرقة جهل منه لو لم يكن تجاهلا عصمنا اللّه من الزّلات‏

المقدّمة الخامسة [فى عمل تاركى الاجتهاد و التّقليد]

قيل ان المعروف بطلان عمل تاركى طريقى الاجتهاد و التّقليد و هو ظاهر اطلاقهم و لقد سمعنا من شيخنا المتأخّر انه كان يروى عن شيوخه عن السيّد الطباطبائى صاحب الرّياض استظهاره ظهور اطلاقاتهم حتى بالنّسبة الى المحتاط و هو استظهار متين لو لا الاجماع المدّعى على لسان العاملى فى العقد الطهماسبى قال بعد ان امر بالاحتياط و ندب اليه فى العبادات و المعاملات و نقل الروايات و قد اجمع العلماء كلهم على انه طريق رضح و وافق النقل على ذلك و الاحتياج اليه فى زماننا اكثر الفقد المجتهد ظاهرا انتهى غير ان المطلب لا يدل عليه دليل يركن اليه كما ستعلم الّا الاجماع المستظهر من كلام‏

14

المرتضى و الرضى (قدّس سرهما) فى مسئلة الجهل بوجوب القصر كما حكاه الشهيد فى الذكرى و اعتبار قصد الوجه الغير الممكن للتّارك مع جريان السيرة من زمن الائمّة (عليهم السلام) الى زماننا هذا بالرجوع و الفتيا كقوله لا بان اجلس فى مسجد المدينة وافت بين النّاس فانى احبّ ان يرى فى شيعتى مثلك) (و لا اعتبار بالاول ذاتا و صفة مع ان المسألة عقلية يطلب فيها البرهان و الثالث يقصر عن الدلالة اذ غاية ما يستفاد منها جوازه او وجوبه تخييرا و هو غير ما يدّعون و اما الثانى فهو عثرة من العثرات متروكة عند المتأخرين الذين يؤخذ بآرائهم قال المحقق و نعم ما قال ما ذهب اليه المتكلمون من اعتبار قصد الوجه كلام شعرى انتهى و التحقيق الّذى عليه اهله انه قد علم ان المكلف اراد من المكلّفين اتيان افعال لها ارتباطات داخليّة كالصّلاة و الوضوء فقال اقيموا الصّلاة و امر بالوضوء و التيمّم و البيع و الصلح و الاجارة و امثالها و هذه الأمور المجعولة على اقسام عبادة و معاملة و العبادة امّا ان تؤتى بالتكرار او لا معه مع التمكن من العلم التفصيلى او لا معه و الذى نبسط مقالنا فيه هو الصّورة الثانية من القسم الاول بالفرض الثانى و لا شبها فى حكم‏

15

العقل بجوازه اذ الطريقة الامتثاليّة بيد العقلاء و لا اراهم يشكّون فى ذلك من حيث هو هو و من شكّ فيها انما ارتبك لاشتباك الظنون عن مادّة فاسدة نشير اليها و حسمها و اذا علم ان الأمر لم يكن ليتصرّف فيما ليس من وظائفه و كان غرضه ان يمتثل و يطاع و ثبت ان من طرق امتثالهم اتيان الشى‏ء لداعى امره فما الذى يبطله و يوجب المصير الى خلافه‏ فان قيل‏ ان الامر كما تقولون و ان الطّاعة يحصل بذلك فمن اين علمت ان غرض الشرع لم يتعلق بسلوك طريق خاص و قد علمنا انه لا يقنع بتكرار العمل عند التّمكن من العلم التفصيلى فجاز ان يكون ما تذهبون اليه مما تعترفون به و قد اشرتم فيما مضى ان المعوّل فيما هو من القبيل المشار اليه الاشتغال‏ قيل له‏ لبّس الامر على فرقتين امّا الفرقة الاولى فهم المعارضون لانه اذا اتضح ان هذا طريق كسائر الطرق ثم شك فى تعلق غرض الامر بسلوك طريق خاص يدفع باطلاقات الطاعة و اصالة البراءة و لا يضرنا كون الاطلاقات المذكورة ارشاديّة محضة اذ هى بالنظر الى الكيفيّات مطلقة و كلّ ما يرتجى من الامر بيانه يعول فى دفعه على مقالاته المطلقة كما يستند الى اصالة البراءة فما

16

ذكرناه سالفا لا ينافى ما بيناه هنا و امّا الفرقة الثّانية فهم الّذين نصرونا من غير طريقة فعوّلوا على اطلاقات العبادة و اصالة البراءة و هل هو الا خطأ فى المطلب كيف و قد اشرنا الى فساده او نقول هنا لا اطلاق لنا فى العبادة يعوّل عليه ثم لا يرجع ما نحن فيه الى تقييد فيه حتى يدفع باطلاقه و لا يراجع الامر حتى يستراح الى اصالة البراءة و اما ما ذكرت من عدم اكتفاء الشرع بتكرار العبادة عند التمكن من العلوم التفصيليّة فهو كذلك لخروج العمل عن دائرة الامتثال فكيف يقاس به ما هو فى ظرف ضدّه و اما المعاملات باسرها فهو طريقة مرضيّة فيها لا يعاندها احد و المظنون تقدم الاحتياط على الطّاعة الظنّية التفصيليّة من حيث ان الظن و ان انتهى الى العلم لا يساويه و مراتب الامتثال مرتّبة لا ينبغى العدول على الدرجة السّابقة الى السّالفة الّا عند عدم التمكن عنها فان قيل‏ ما ذكرتم من الطريق انما علمتموه من طرف الاجتهاد فلا ملجأ اذا من الاجتهاد او التقليد قيل له‏ ما بيّناه انما هو من موارد حكومات العقل و القطعيّات الاوّليّة ليست ممّا يمسّه الاجتهاد و لكن ربّ امر مستور عند غير اهله لا يعرفه الّا

17

اهل الصناعة و انه اولىّ عندهم و هذا ليس باجتهاد و لا تقليد نعم لا بدّ من التنبيه عليه و اما ما يظهر من ابن زهره من مصيره الى قبح الاحتياط فهو مؤوّل او مقول فى مقام كفاية الخصوم او مطروح من أصله و اما من ترك الامور الثلاثة فالظاهر من العلماء فساد اعماله لكن المحقق الاردبيلى طاب ثراه اظهر هنا ما خفى على غيره فحكم بان ما وافق منها الواقع فهو صحيح و وافقه على ذلك النظار و المتأخّرون عنه و لا محيص عنه اذ لا سبيل لردّه من طريق العقل الفطرى مع ظهور جملة من الرّوايات المعتبرة كرواية عمّار و ما نزل فى براء بن معرور و رواية حمّاد بن عيسى و روايتى محمد بن عبد اللّه الحميرى و عبد اللّه بن عطار و غيرها لكن التعويل على صحة مقالته لا الرّوايات لعدم خلوّها عن قصور ما و هل على هذا اثم الاظهر عند بعض مشايخنا ذلك لمخالفته الحكم الظّاهرى و الاقوى ان عليه ما على المتجرّى لو لم نقل بوجوب تحصيل العلم تهيّئيا او ذاتا كما هو الحق هذا كلّه فى العبادات اذا تمكن من قصد الامتثال كما فرض فى مستعمل الماءين المعلوم نجاسة احدهما و لو لم يتمكن و ترك الاحتياط بطلت لمكان الشكّ الموجب للتّزلزل‏

18

المنافى و اما المعاملات فالمشهور منه المطابقة و فساد المخالفة و خلاف بعضهم هين اذ الاسباب اسباب واقعيّة لا يغيّرها شى‏ء من الاداء و الزعوم غير مؤثرة و الجهل لا يعطى الّا الخفاء نعم على ظاهر الشرع يمنع من التّصرف و هل عليه الاثم بعد الاطلاع لعل ظاهرهم ذلك و الحكومة العقليّة ربما لا تساعده بل تساعد على خلافه و كان بعض شيوخنا يحكم بثبوت العقاب للتجرى فى الاحكام الظاهريّة زعما منه ان ما ذهب اليه المحقّقون من عدم العقاب انما هو فى الاحكام الزعميّة و عندى التّسوية اقوم اذ الاحكام الظاهريّة مرجعها الى الزعم و الحسبان فحيث تخلّفت لم يترتّب عليها شى‏ء من الآثار و ستطلع على حقيقة الامر فى موارد ممّا سيأتى‏

[تفصيلات فى عمل تارك الاجتهاد و التقليد معا]

ثم ان لبعض المتأخّرين من اصحاب التصنيف تفصيلات لا يساعد عليها شى‏ء من الادلّة

منها التفصيل بين القاصر و المقصّر

ذهب اليه القمى (رحمه اللّه) فى قوانينه‏

[تفصيل الشيخ النراقى بين الغافل و المحتمل و الموافق او المخالف للواقع‏]

و منها ما ارتضاه النّراقى (قدّس سره) فى مناهجه فى كلام طويل نذكر محصّله و هو ان تارك الطّريقين امّا غافل عن مخالفة المبانى به للواقع او محتمل و مسامح فالاول فى حكم الاخذ بالطريقين و الثّانى اما ان يكون ما اوقعه موافقا او مخالفا للحكم القطعى كالثابت‏

19

بالاجماع او موافقا او مخالفا للثابت بالظنون فالاول يترتب عليه الاثر عند الموافقة و فى الثانى لا يترتّب ما لم يقلد فلو قلّد ففيه التفصيل المذكور فى مسئلة نقض الفتوى و ذكر منها ان ما يختصّ اثره بمعيّن او معيّنين كالعقود و الايقاعات و اسباب شغل الذمّة فلا يترتّب عليه الاثر اذ آثار هذه الامور لا بدّ من ان يتعلّق بالمعيّن اذ لا معنى لسببيّة عقد صادر عن رجل خاصّ على امرأة خاصّة لجعلها على كلّ من يرى جواز ذلك العقد و مقلّديه و هذا الشخص لم يكن مقلّدا فلم يترتّب فى حقّه الاثر و امّا بعده و ان دخل فى مقلّديه لكن لا يفيد اذ المظنون لمجتهده سببيّة العقد للاثر متّصلا بصدوره امّا السّببيّة المنفصلة فلا دليل عليها و لم يقم دليل على ان التقليد كالاجازة و الاصل الفساد مع انّ الثابت قبل التقليد عدم ترتّب الاثر فيستصحب هذا محصّل كلامه و فيه موارد للنظر ياتى فى بابه بعون اللّه تعالى‏

المقصد الاول فى المقلّد [بالجر]

المكلّفون صنفان‏

صنف منهم يتمكنون من ردّ الفروع الى اصولها المقررة بالموازين الصّناعيّة و صنف يعجز عن ذلك عجزا تامّا و الاول منهم يتحزّب حزبين حزب متمكن فى الكلّ و أخر لا يتمكن الّا عن‏

20

البعض لو قلنا بامكانه على اضعف الوجهين‏

[الاختلاف فى جواز التقليد بالنسبة للصنف الاول‏]

اما الصّنف الاول تجريبى فقد اختلف الآراء فيه ذهب الى جواز تقليده بعض اصحابنا و فصّل آخر فجوّزه عند وجود الاعلم و أخر فرق بين سعة الوقت و ضيقه و فصّل المحقق تفصيلا على حده فقال امّا اذا اشكل عليه طريق الواقعة جاز له الرّجوع الى الاعلم لانه بالنّسبة اليه فى تلك الواقعة عامى انتهى و نحن لم نفهم العلّة ضرورة ان القصور ان كان فى المستنبط ففرضنا فى غيره كما ستطلع عليه و ان كان فى الدليل فقول الاعلم لا يخلو عن شبه بالشبهة فان زال الاشكال برمّته بقوله فهو ارتضاء لطريقه و ان لم يزل فكيف يجوز تقليد الغالط للمغلّط و كل ذلك ياتى فيه الكلام بمشيّة اللّه و اكثر اصحابنا صرّحوا بعدمه و هو الذى نعتقده‏

[الادلة على الرأى المختار من عدم جواز التقليد بالنسبة للصنف الاول‏]

و يدل على ما اخترناه امور

الأوّل أصالة الاشتغال‏

اذ الشكّ راجع الى طريق الطاعة فتحكّم فيه و لا يعوّل على البراءة كما اشرنا اليه و لا حكم بفراغ الذمّة من التكليف المحقّق الّا بالاخذ بظنّه و اصالة البراءة فى الزاميّات المقلّد يؤيّده بل ربما يتمسّك بها مع تتميم فى غيرها بعدم مصير احد من العلماء الى الفصل‏

الثانى اطلاقات الكتاب و السنّة

21

المنجزة بحسب الصّناعة فى حق المتمكن الذى حاله ذلك و لا عذر له فى العدول‏

الثالث التشكيك القوى فى تناول ادلّة التقليد للمتمكن‏

لو لم نقطع بعدمه فيبقى تقليده عريّا عن المستند فيحرم من جهة التبديع و التشريع ايضا مع ان التقليد ربما يستلزم مخالفة الاصول فيحرم ايضا من جهة الادلّة المعتبرة لها فيجتمع فيه الجهتان كما قد يفرض جهة واحدة و قد لا يفرض كغيره من الموارد التى بنينا عليه فيها لكنه خارج عن العنوان كما لا يخفى‏

يستدلّ لخصومنا بامرين‏

أحدهما الأصل‏

و كانّ مرادهم الاستصحاب لكنّه مقطوع لتبدّل الموضوع و لا اقلّ من الشكّ‏

ثانيهما ادلة التقليد الشامل لكلّ جاهل مطلقا

و فيه المنع الشديد اذ الجاهل الّذى فرض موردا للحكم لا نسلّم انه مشمولها لجهله بل لعجزه و لا اقلّ من الاحتمال الموجب للاجمال المسقط لها عن درجة الاستدلال مع امكان دعوى كون المتمكن صنفا على حدة دون الجاهل لو سلّمنا الدلالة و الاصل غير مطّرد حتى يحرز العنوان فيحتاج الى التمسك بعدم القول بالفصل و هو متعاكس على ان مقتضى ادلّة وجوب الرجوع الى النّبى و الائمة (عليهم السلام) و التفقه فى الدّين و اخبار الثقلين وجوب‏

22

رجوع الكل خرج عنه العاجز و ناب المستنبط منا به بقى الباقى بل يمكن ان يجعل قوّة تلك العمومات مبيّنة للمخصّص كما هو محقّق فى محلّه فاندفع التوهّم و امّا ما استدلّ به العلّامة فى تجويز الرّجوع مع ضيق الوقت بالضّرورة بعد اثبات الاثم فغير مرضىّ على ظاهره اذ اىّ ضرورة بعد التمكن من الاحتياط و لو ضاق الوقت عنه فما الدّليل على جواز الامتثال الوهمى دون ثبوت الاثم و العصيان و لو اطّردت المقالة لوجب عليه القول بالجواز عند النسيان و لا قول به من احد من اهل الملّة ثم وجود الاعلم لا يثمر و كيف و كثيرا ما لا يرى من له الملكة صحّة مقدّمات فتيا الاعلم و لو راى صحّتها انقلب الموضوع و خرج عن محلّ الكلام لكن سيأتى لنا بيان لمقصده قدس سرّ

[الدليل على وجوب التقليد على الصّنف الثانى و هو العاجز عن رد الفروع الى الاصول‏]

امّا الصّنف الثاني فيدلّ على وجوب التقليد عليه الادلّة الاربعة

[الاول الإجماع‏]

اما الإجماع فلا ريب فى تحقّقه و من شك فيه هنا لم يكد يحصّله فى شى‏ء من المسائل و المتخلّفون عن الجماعة من اهل العراق و الحلبيّين لا يضرّنا تحزّبهم لانّهم تحزّبوا من جهة باطلة و مهما علم المدرك الفاسد لم يعبأ بقول المتفرّد على انه لم يعلم انّهم من الاماميّة لانّ خصومنا ذكروهم مع الشيعة فلو كانوا اغنى ذكر الشيعة عن ذكرهم‏

23

فيطهر من كلماتهم فى كتبهم المعروفة انهم من غيرهم فلا يعتنى بخلافهم و وفاقهم نعم ذكر ثانى الشهيدين واحدا او اثنين من الحلبيّين كابى الصّلاح و فى صحّة النسبة لى تامّل مع انّ ما رامق يعجز عن تحصيله الاوحدى من الرجال فكيف باهل الاسواق هذا و كيف يمكن للعامّة تشخيص مجارى الاصول و علاج المتعارضات و فهم القواعد العقليّة و الاصول الشّرعيّة مع قصور اكثر من يدعى العلم عن ذلك حتّى ان الوحيد البهبهانى (قدّس سره) صرّح بقصور جمع من فقهاء الاخباريّة عنه فكيف بالسوقة و الجهّال و السّفلة مع انه لم يعلم كما مضى الى الآن انّ المخالف كان منّا بحيث لا يقبل قوله التّاويل لو سلّم بل الظاهر من بعض كتب الاقدمين انه من العامّة نعم ربما ينسب الى اصحابنا على لسان الخصوم و لم يثبت و كتب الاواخر فى النسبة غير قاطع على ان نقل الاجماع من الجهابذة الفضلاء بلغ حدّ التواتر فلا يحلّ لاحد خلافه مضافا الى جريان السّيرة من زمان شروق نور النّبوة على ذلك بلا شبهة الى زماننا و يستمرّ باستمرار التكليف و هذا امر اغنت جليّة العيان فيه عن اطالة الكلام و التّعرض المفصّل له و اللّه الهادى‏

[الثانى الكتاب‏]

امّا الكتاب اى من الكتاب منها آية

24

السؤال و منها آية النفر و منها آية النّبأ و منها آية الكتمان و منها آية التبليغ‏

امّا الآية الأولى [و هى آية السؤال‏]

فقد استدل بها الجماهير في هذا الباب و احسن تقريب له ان القديم تعالى شانه امر بسؤال الجهلة عن اهل العلم و ليس ذلك الّا لانّهم عالمون فلو لا حجيّة اقوال العلماء لما امر بالسؤال و وجوبه مع عدم وجوب القبول لا يجتمعان لادّائه الى فوات المقصود و افحام هذه الطّائفة فينتفى الاثر المقصود و هذا الّذى ذكرناه لا يتم لجواز مكلفيّة النّاس طرّا بتحصيل العلم و الامر الصادر يجوّزان لا يكون انشأ لاعتبار مقالات العلماء و فتاويهم بل يصحّ ان يكون ارشادا الى تداول المراجعات و المفاوضات المؤدّية الى العلم بالمطالب الدّينيّة فتكون الآية مسوقة لوجوب تحصيل العلم و هذا اجنبىّ عن المعنى الذى ارادوه قال ابو حامد فى طى كلامه بعد نفى دلالة الآية الثّانى انه معناه سلوا لتعلموا اى سلوا عن الدّليل ليحصل العلم كما يقال كل لتشبع و اشرب لتروى انتهى مع جواز تقييد الاعتبار بما اذا حصل العلم دون الظن و الوهم و اثم ترومون الاعتبار ضربة واحدة فى الكلّ على ان المأمورين بالسؤال الكتابيّون الّذين يركنون الى‏

25

اقوال علمائهم اىّ اركان حتّى فى العقليّات و الاصول فامرهم بالرّجوع الى ربيّهم و بطارقتهم و موابذهم فى بشريّة الرّسل دفعا لاستبعاداتهم الجاهليّة و الزاما لهم من حيث يعتقدون و مجادلة لهم بالّتى هى احسن و اقوم و اسكت فما يقال ان المورد لا يخصّص فى هذا الباب و ان كان صحيحا فى محلّه و ربما قيل نظرا الى الروايات المأثورة ان المراد من اهل الذكر أئمة اهل البيت (عليهم السلام) فان ثبت و صحّ فهو من البواطن دون الظواهر لا يمكن الالزام به الّا من حيث اليقين المفقود فى المقام اذ ابواب التاويل مفتوحة للمؤولين تقول و يقولون و على غير ذلك بنى الحجاج و ليس فى ظاهرها قرينة على ذلك و مجرّد الظّن الخارجى الحاصل من تلك الرّوايات الظّنيّة لا يغنى من جوع و لا يأمن من خوف و لو سلّمت الدلالة المقصودة لا تتمّ الّا بعد اثبات صحة احدى الطريقتين الاصوليّة و الاخباريّة و إن كان هيّنا كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه تعالى و قد اورد عليها بعض المشاهير بما حاصله ان المراجعة الى اهل العلم لا بدّ ان يكون فيما هم عالمون به مع كونهم معدودا عرفا منهم لا كلّ عالم و لو بالسمع و البصر فى مسموعاتهم و مبصراتهم و هذا معنى الارشاد

26

لا الإنشاء فلذا لا يصحّ التمسّك بها فى حجيّة الرّوايات الّتى معناها انشأ الاعتبار ثم صرّح بان هذا يختص بالمقلّدين بالنّسبة الى المقلدين و هو كلام عجيب بظاهره اذ مظنونات المقلّد انما يعتبر فى حق المقلّد بالكسر بعد انشأ الاعتبار فاذا صح جعل الآية فى مقام الانشاء فما ذا الّذى منعه من التمسك به فى باب الاخبار و ان لم يكن له اتّصال بمقام الانشاء فما الموجب لصحّته فى باب التّقليد فكلاهما متدافعان متهافتان لا يجتمعان فتبصّر و كانه حسب قطعيّة الاعتبار كقطعيّة الموضوع و ليس كذلك كما هو ظاهر لمن اعطى النظر حقّه و اللّه يعلم و انتم لا تعلمون‏

و امّا الآية الثّانية [و هى آية النفر]

فهى اقوى دلالة من سابقها سواء كان النّافرون هم المنذرون للمتخلّفين او كانت الفرقة المتخلفة الآخذة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) هم المنذرون للنّافرين الى الجهاد و ان كان الثّانى على التحقيق متعيّنا عند النّاظر حيث لا موطن للتفقه فى زمنه الّا حضرته الشريفة فتكون العلّة لتصنّف الصنفين فى النفر و الكلام يساق لمتداول الازمان و يحتمل الاول لمكان نفر النّافرين الى رسول اللّه و تعلم الاحكام منه و انذارهم الى عشائرهم‏

27

اذا رجعوا اليهم فما كان لهم ان ينفروا كافة الى الجهاد بل يجب عليهم ان يتحزّبوا حزبين طائفة تنفرون للتفقه عند رسول اللّه و فرقة تنفر الى الجهاد مع اعداء اللّه و يدل عليه رواية الدّقاق عن عبد المؤمن الانصارى قال قلت لابى عبد اللّه انّ قوما يروون ان رسول اللّه قال اختلاف امتى رحمة فقال صدقوا فقلت ان كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب قال ليس حيث تذهب و ذهبوا انّما اراد قول اللّه فلو لا نفر الآية فامرهم ان ينفروا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و يختلفوا اليه فيتعلموا ثم يرجعوا الى قومهم فيعلّموهم انما اراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا فى دين اللّه انّما الدين واحد و يحتمل ايضا الاول بناء على المعنى اللّغوى الذى يستلزمه مشاهدة آيات اللّه و غلبة المسلمين و تهافتهم على ذهاب الانفس و الاموال فى ذات اللّه و اشترائهم اموالهم و انفسهم فى تجارة مربحة لكنّه باطل عند الناظر لاختصاصه عليها ايضا بالدّين الذى هو عبارة عن الاحكام فاىّ مناسبة بينها و بين آيات اللّه المشهودة و من العجب غفلتهم عن ذلك فافهم و على كل تقدير اذا استحال الترجّى تعين التطلب فيتمحض‏

28

للوجوب فيجب القبول و الّا لغى و التحقيق يقضى بقصور الاستدلال فى الظّنيات بعد لزوم القبول فى القطعيّات و هو الظّاهر من التفهّم فى الدين و لا كلام فيه و النّاس متسالمون فيه و المعنى فى المقام غيره بلا شبهة و لا عموم فى الدليل اصلا حتّى يتّبع فى المورد بل هى قضيّة بالنّظر الى الحالات و الاسباب مهملة و المتيقّن فيها وجوب الحذر عند حصول العلم بل هو المقصود ظاهرا اذ التحذير انما يقع على المكلّف بالنسبة الى الاحكام الواقعيّة فمتى شكّ المنذر بالفتح فى الصّفة شكّ فى وجوبه اذ المحمولات تتبع موضوعاتها نعم قيام الاحتمال بسبب الانذار يوجب التفتيش اذا قرن بالعلم الاجمالى او استلزم التعويل على البراءة هدم الشرع و ذهابه لكثرة الوقائع المشكوكة كما بين فى محلّه و الّا فالادلّة العقليّة و النّقليّة توجبان الامان من الاخطار فى الفروع كما هو ظاهر ثم نقول يمكن للمحصّل ان يجعل مساقها ناطقة بصورة حصول العلم للمنذر باعتبار كون كل منذر بالكسر جزء للسّبب الموجب فوجب التحذير لكلّ متفقّه لكن يحصل بتكاثره العلم كما هو الباب المفتوح فى كلّ مقصد لا يتأتى‏

29

عن قليل و لا يحصل بواحد و اثنين و ثلاثة كما هو الحال فى الجهاد و الامر بالمعروف و امثاله و هذا المعنى لا ينافى عدم وجوب الحذر وقتا ما و وجوبه حالا ما على انه لو سلم ما رامه المستدل فانّما يجب الحذر بعد التقليد لا قبله فله ان لا يقلد عند عدم تعين المنذر للتقليد فلا وجوب حينئذ الّا على سبيل التّخيير و فيه ما لا يخفى و مثله لو اخذ بالاحتياط و ترك التقليد اصلا فلم ينفع الاستدلال الّا فى مورد خاص الّا ان يراد منه ثبوت الحجيّة و لزوم التقليد فى الجملة كما هو المقصود فى المقام لكنّه لعلّه لم يكن ذلك اصلا فى زمانه فان المنذرون كانوا حكاة لظواهر اقواله الشريفة او نصوصها بحسب متفاهم العرف من دون مراجعة الى راى و اجتهاد و توفيق على النحو المتداول بين عوام هذه الاعصار النّاقلين لفتاوى المجتهدين الفقهاء لغيرهم و حينئذ يصير المخاطبون مطلوبين بغير ما يستدلّ به المستدل فى المقام و هو عجيب و على اىّ تقدير لا تطمئن النّفس بالرّكون الى هذه الآية فى تلك المسألة قال ابو حامد ان النّاس تصرفوا فى اسم الفقه فحصوه بعلم الفتاوى و الوقوف على دقائقها و عللها و اسم الفقه فى‏

30

العصر الاول كان يطلق على علم الآخرة و معرفة دقايق آفات الانفس و الاطلاع على عظم الآخرة و حقارة الدّنيا قال اللّه تعالى) (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا الآية و الانذار بهذا النوع من العلم دون تفاريع الفقه كالسّلم و الاجارة انتهى لكن نسبة الفقه الى الدّين الذى ليس الّا الاحكام يدفع ما يقول فيجب الحمل على المعنى اللغوى فيكون الغاية لنفر البعض و تخلّف آخرين فهم الاحكام و بها يقع الانذار الواجب و ان كان التخوّف مختصّا بصورة خاصّة قهرا و بالطّبع فلا يحتمل ما اخذه بعض مشايخنا فى ايراداته عن الغزالى لكن يقع الكلام فيما اشرنا اليه سابقا و هو الّذى اوجب ذهاب الاطمينان‏

الآية الثالثة قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

فان المفهوم منها عدم وجوب التبيّن اذا كان المخبر من العدول الثّقاة و الكلام فى هذه الآية طويل من حيث عدم مفهوم لها لا من جهة الشرط لسوقها مشاق القضايا الواردة لتحقق الشرط كقوله‏ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا و لا من جهة الوصف لانّه الجارى على غير موصوف كقولنا القائم او من جهة المعارضة بالتعليل العامّ المسقط له و غير ذلك ممّا صرّح به جماعة من الاقدمين كالشيخ فى العدّة مع ورود

31

بعض ما مرّ هنا ايضا من الموجبات التى تقتضى بفساد الاستدلال قطعا و لعلّه لذا و مثله لم يستدل بها فى المطلب جماعة من النظّار و بعض المشاهير من شيوخنا يدّعى عدم تمسك احد بها فى مسئلة التقليد قاطعا فى دعواه و هو زلّة معلومة ناشئة من عدم الاحاطة بدفاتر القوم فان صاحبى المنهاج و المعراج قد استدلّا بها فى المسألة و اطالا الكلام فيها و ليسا باوّل مستدلّ بها فيها و لا بمبتدع فى سوق الادلّة فلا يكاد التعجب منّى ينقضى كيف قطع بذلك من غير استطلاع فيا ليته ادّعى عدم العثور لا عدم الاستدلال و اعجب من ذلك جعله ذلك دليلا على عقلهم منها خصوص الاخبار الحسية مع انّهم تمسّكوا بها فى باب الشهادات و ليس عدم سماع الشهادة العلميّة مذهبا لاغلبهم و فى باب اشتراط العدالة فى القاضى فتبصّر هداك اللّه تعالى‏

الآية الرابعة قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏

اوجب عليه (عليه السلام) التبليغ و هو يكون بالواسطة و بلا واسطة و الاول اغلب بل الثانى بالاضافة اليه نادر بملاحظة الموارد و الاماكن و الاشخاص فحينئذ يجب على النّاس القبول من غير فرق بين الرّواية و الفتوى لكنّها ضعيفة لورود اكثر ما يرد على اخواتها

32

عليهما مع ان المذمان منه خصوص الرّواية و الحكاية لا الفتوى و الدّراية و لا اظن غير ذلك اذ لم يكن فى زمان السّعادة غيرها موجودة او متداولة اذ لم نعتقد باجتهاد احد من الصّحابة و ما ذكره بعض الاقدمين من العامة كابى حامد و غيره من ثبوت اجتهاد ابى بكر و عمر و عثمان و عبد اللّه بن مسعود و طلحة و زبير و زيد بن ثابت و اضرابهم من الرّجال و النساء كعائشة و غيرها حتى احتمله فى حق معاوية لأنّ الشافعى قلّده فى مسئلة عصبيّة صرفه لا يستند اليها كذهابه الى اجتهاد باقى اصحاب الشّورى اخذا بانتخاب عمر ايّاهم للامارة الكبرى التى لا بدّ لها من الاجتهاد الّذى هو من شرائط الامامة العظمى فيقال له اىّ دليل قام على اعتبار امر عمرو صحة انتخابه و اللّه يختار ما كان لهم الخيرة و اىّ مميز بين عمّار بن ياسر و اضرابه الّذين عدّهم من الامراء دون العلماء و بين من سلفت اليه الاشارة حتى صاروا من الفرقة الأخيرة الّا الف الذّهن و المحبّة الّتى ملأت اهابه‏ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* و حديث المصيب و المخطى لو صح محمول على الاجتهاد و المشقة فى غير الاحكام و رواية معاذ بن جبل مختلق موضوع‏

الآية الخامسة آية الكتمان‏

بل أيها و الكلام فيها

33

كسابقتها استدلالا و ردّا من غير تفاوت بيّن‏

امّا الاخبار فعدّة روايات لا تبلغ اليقين مع ضعف كثير منها و نحن نذكر بعض ما وصلنا في هذا الباب تبرّكا بالكلمة الطيّبة

و نتكلّم فى كلّ واحد منها بما يقتضيه المقام لانّها العمدة فى الباب بعد الدليلين الآتيين‏

منها مقبولة عمر بن حنظلة

رواها المحمّدون السّتة فى السّبعة و رواها الطبرسى فى الاحتجاج صحّحها التّونى فى وافيته كظاهر الاحتجاج و وثّقها المجلسى و عدّها من الاخبار المشهورة و هو كما قال اذ شهرتها بلّغتها الى الصّفة المشهورة فلا يحسن التّوقّف فى القبول مع انها صحيحة باصطلاح الاقدمين بعد عقل ما فيها و رفع شبهة تعاندها مع مرفوعة زرارة الّتى قيل انّ عمل الاصحاب عليها دونها زعما نشأ من عدم التهذيب و مع ذلك ليس فى رجالها من يتامّل فيها الّا داود بن فرقد و عمر بن حنظلة امّا الرّجل السّابق فقد وثّقه النّجاشى و توثيقه تعديل عند جماعة كصاحب المنتفى امّا لثبوت اصطلاحه عنده و اما لعدم تعرضه بفساد المذهب مع جريان سيرته عليه الكاشف عن عدم عثوره عليه المستلزم لعدمه لمكان اتقانه و اضطلاعه التّام و بصيرته المقدّمة قوله على قول‏

34

الشيخ الحاكم بانه واقفى كما فعله التّونى ره و غيره لكن تصريح الشيخ بفساد مذهبه مع عدم ثبوت الاصطلاح يقدم على قوله اذ لا تعارض بين العلم و عدمه ح فلذا كان عدها كما عن جملة من الاواخر من الموثّقات المعتبرة اليق لكن الشهرة و القبول اغنت عن هذه التكلفات أمّا الرجل الثّانى فهو مسكوت عنه قدحا و مدحا و فى التعديل و الجرح غير انّ الشهيد الثانى عدّله فى المسالك من غير ذكر دليل و شبله فى المنتقى عثر على دليله و اشار اليه و هو ما رواه علىّ بن ابراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة قال قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) انّ عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت فقال اذا لا يكذب علينا ثمّ ذكر الوقت فقال (عليه السلام) صدق لكنها كما نطق به هذا المحقّق الفريد تقصر عن الدلالة لاعميّة الصّدوقيّة عن العدالة و الرواية نطقت بالاولى دون الثّانية مع انّه تصديق فى نفس الرّواية لا مطلقا فلولا صفتها التى عرفها كل من مارس الحديث و الخلاف لكان للتأمّل فيها مجالا و العلم و الحجة غير التسامح و الاستحسان و هذا المحقق الاردبيلى مع ما نعهد من ورعه تامّل فى رواية حبيب بن مظهّر المستشهد بالطف و هو قانون العلم الواجب اخذه الا ما فى تامّله من سقوط كما بينه فى محله ففى الرّواية قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة فى دين او ميراث فتحا كما الى السّلطان و الى القضاة

35

أ يحلّ ذلك قال من تحاكم اليهم فى حق او باطل فانّما تحاكم الى الطّاغوت و ما يحكم له فانّما ياخذه سحتا و ان كان حقّه ثابتا لانّه اخذه بحكم الطاغوت و قد امر اللّه ان يكفر به قال اللّه تعالى‏ (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (قلت كيف يصنعان قال ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانّما بحكم اللّه استخف و علينا ردّ و الرّادّ علينا رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه الى آخر الحديث و قد استشكلها جماعة من المحقّقين من وجوه عديدة اهمّها تضمّنها للحكمين المتضادين من الحكمين و الترافع الى اثنين مع بطلان الاول و تساقطهما عند المقارنة و فساد اللّاحق و حرمته عند المفارقة و عدم جواز الثانى اتّفاقا من اهل القبلة و مطروحيّة مضمونها فى تقديم صفات الرّاوى على الشهرة عند الاصحاب و كلّها فاسدة اذ الاول من الاغلاط الناشئة من الف الذهن بالحكم المصطلح عليه عند الفقهاء مع انه عبارة عن الفتوى و لذا ارجع السّائل الى الافقه الاعلم و قد اوضحنا ذلك فى‏

36

رسالة ايضاح السّبل ثم لمّا فرض المسائل الاختلاف فى المدرك ارجعه الى الاخذ بالمشهور المطابق لمرفوعة زرارة فيستبان من الحديث ان المفروض كون المتعرض لحكم القضيّة من اهل الاجتهاد الذى قصد الاطلاع على حكم القضيّة ليعمل به لا تقليدا فلا اشكال من جهة ارجاع المقلد الى التفتيش فى مدرك الحكم فالمستشكل لم يعط النظر حقّه فلا يخفى على من نظر فى الحديث بعين الدّراية و لم يالف مصطلحات زمانه و اهل فنّه و ميّز بينها صحيحا

و منها الرواية القاصمة للظّهور المرويّة فى الاصول المعتمدة الّتى عليها تعويل الفرقة و هى طويلة نذكر منها موضع الحاجة) (فامّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلّدوه)

(و ذلك لا يكون الّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فاما من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقه فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة

و منها الروايات الآمرة بالرجوع الى جماعة من الاعلام‏

كقوله عليك بزكريّا بن آدم المامون على الدّين و الدنيا و قوله ما يمنعك عن الثقفى و قوله يا ابان اجلس فى مسجد النّبى و افت بين‏

37

النّاس فانى احبّ ان يرى فى رجالى او فى شيعتى مثلك و قوله اذا اردت الحديث فعليك بهذا الجالس يعنى زرارة بناء على عموم الاخبار او اطلاقها الشامل للنقل بالمعنى الذى يجرى فيها الاجتهاد و قوله نعم لمّا سأله عن الرّجوع الى يونس بن عبد الرّحمن الى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة كما يظهر لمن اجال النظر فى الكتب الجوامع لاصحابنا المحدّثين كقول ابى الحسن (عليه السلام) فى كتاب له جوابا عن سؤال السّائل اعتمدا فى دينكما على كلّ منّ فى حبّنا كثير القدم فى امرنا و قول صاحب العصر فى جواب التوقيع) (امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانّهم حجّتى عليكم و انا حجّة اللّه عليهم و قوله (عليه السلام) لشعيب العقرقوفى بعد ما سأله عن المرجع عليك بالاسدى يعنى أبا بصير و كقول الرّضا (عليه السلام) رحم اللّه عبدا ليحيى امرنا قال عبد السّلام بن صالح قلت و كيف يحيى امركم قال يتعلّم علومنا و يعلّمها النّاس و كقول ابى عبد اللّه (عليه السلام) بشّر المخبتين بالجنّة بريد بن معاوية العجلى و ابو بصير ليث بن البخترى المرادى و محمّد بن مسلم و زرارة اربعة نجباء امناء اللّه على حلاله و حرامه لو لا هؤلاء انقطعت‏

38

آثار النبوة و اندرست و قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) اما لكم من مفزع اما لكم من مستراح تستريحون اليه ما يمنعكم عن الحرث بن المغيرة النّظرى الى غير ذلك من الاخبار و قد عقد فى الوسائل بابا فى ذلك ذكر فيه ما ينيف على اربعين حديثا و لعلّه فى الابواب الأخر ما يزيد على ذلك العدد و فيه الكفاية و الهداية فمن يرجع الى الرّوايات الصّادرة عنهم فى هذا الباب و ابواب القضاء و الحكومة يعلم علما قطعيّا انّهم (عليهم السلام) ما كانوا ليرجعوا النّاس الى امثالهم و انما كانوا يرجعونهم الى العلماء العدول الثقات العارفين بالحلال و الحرام الحاوين لشرع خير الانام و كانت الشيعة فى كل عصر و مصر يعلمون ذلك من حال ائمتهم (عليهم السلام) كما يظهر من اسئلتهم و اجوبتهم و على ذلك جرت سيرة الخلف و السّلف و هكذا يكون بين المؤمنين و الآخذين بشرع سيّد المرسلين عن حقيقة القلب لا المشيّعين للدّنيا المتشيعين الّذين يتبعون من شاكلهم مع ما عرفوا منهم ما لا يرضى جندىّ ان ينسب اليه فضلا عن مؤمن فضلا عن عالم‏ وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ اقال اللّه عثرتنا يوم لا ظلّ الّا

39

ظلّه و لا غنى عن فضله‏

امّا العقل [فيحكم بوجوب تحصيل الطّمأنينة فى كشف الاحكام‏]

فهو السّند و العماد و ان اختلف حكمه و حكم الشرع من بعض الجهات فليعلم ان العقل هو الحاكم بوجوب تحصيل الطّمأنينة فى كشف الاحكام الثّابتة ثم تطبيق العمل عليها و الجاهل عنده على اصناف ثلاثة جاهل فعلىّ و عالم قوىّ بالقوّة القريبة من الفعل فهو المحكوم بالنظر و تحصيل ما يجب و جاهل صرف محكوم عليه بالرّجوع الى العالم مفطور بذلك فى كلّ مورد و موطن جبّلت على ذلك الطّبيعة البشريّة من غير شكّ و شبهة و هذه الغريزة هى الآمرة فى كلّ حيل و أمّة بالرجوع الى علمائهم فى جميع الفنون و الصنائع و الحرف بل العادات كالعميان المعتمدين على ذوى الابصار لعجزهم المحوج فيعوّلون على ذوى البصائر و يعتمدون على آرائهم قال تعالى) (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* حاسما لجاج الكفرة المعاندين الظّانّين الآخذين بتوهّماتهم الباطلة المستكبرين النبوة الالهيّة عن الهياكل البشريّة و عوارضها و جاهل يقرب من العالم كالافاضل من المحصّلين و هاهنا ربما يخفى الاطلاع على حكومة العقل ضرورة احتياجها الى الفكرة الصحيحة لكن القوّة

40

النظريّة يحكم بوجوب رجوعه ايضا الى العالم لاستلزام الدّور او التسلسل اذ جواز عمله بظنّه فى افراد المسائل من المسائل الّتى عول فيها على ظنّه و هكذا فيلزمه العقل بالرّجوع الى من قام الدّليل على رجوعه اليه او اخذه باقرب الطريقين نوعا من ظنّه و ظنّ المستنبط فلا ريب فى حجيّة ظنّ العالم بعد التّنبيه و ذهاب الغشاء و ان كان كثير من الجهلة الّتى على ابصارهم غشاوة شبّه لهم الأمر بعد ان كان كالفجر و الشمس محبّة للرّئاسة و شوقا الى خفقان النعال و كثيرا ما سنّ لهم هذه الطرائق من لا يخاف ربّه و لا يدّخر ليومه لهذه الغاية فصاروا اعوانا له و دعاة اليه و لو فرض من هؤلاء الجهّال فرقة غفلة وجب على العالم التنبيه فما دام غافلا يعذره العقل فاذا تنبّه وجب عليه الحكم و سدّت طرق النّجاة على انّ هذا الّذى اشرنا اليه مما شاة و الّا فاىّ شاعر عاقل لا يحتمل فى حقّ نفسه القصور و الاحتمال القائم ينجّز به التكاليف مطلقا مطلقا و مشروطا فى محلّه المختصّ به فيعاقب فى المطلقات بتركه المقدّمة و فى المشروطات فى محالّها فافهم فما زعمه بعض الاعلام من منع حكومة العقل بملاحظة

41

ان الجاهل المنعوت لو فرض اعماله ادوات الاستثمار و الجرى مجريه الى ان يتّضح لديه بالظنون المتراكمة فساد راى العالم و خطاهم و اقربيّة ظنّه الى الواقع من ظنّه فاىّ غريزة يحكم بتقديم المرجوح الموهوم على الرّاجح المظنون فاسد جدّا ناش من عدم الدّقة لانا بعد تسليم ما فرضه و عدم منع امكانه نقول ان المنعوت يظنّ كما تقول لكن اذا التفت الى مسئلة جواز عمله بظنّه و عدمه احسّ من نفسه بالعجز و التشكيك و لو فرضت اجتهاده الباطل فى هذه المسألة ايضا فهو متردّد فى كلّى هذه القضيّة و هو جواز عمله بظنّه فى هذه المسألة و لذا صرّحنا فى صدر المبحث باداء ذلك الى الدّور او التسلسل المحال و لقد اوردت على شيخى ره مغالطة من هذا المذهب فى النيّة فعسر عليه رفعها فتبصّر فانّ اللّه يهدى من يشأ الى صراط مستقيم ثمّ اعلم ان العمران البشريّة لا يتمّ الّا بالتعاون و التعاون لا يكون الّا بتعاطى الحرف و الصّنائع و الّا لاختلّ النظام و فيه من الفساد و هلاك الحرث و النسل ما لا يخفى على احد و لا يجوّزه عاقل فلو كلف كل النّاس بالاجتهاد لخلت الدّيار عن اهلها و لادّى الى‏

42

عدم وجود مجتهد عارف بالمسائل و الدلائل فكل ما يوجب وجوده عدمه فهو محال فوجب ان ينقسم النّاس و يتصنّفوا اصنافا و يقوم باعباء التفقّه جماعة لما فيه من حفظ النّظام المطلوب و لذا امر اللّه تعالى شانه فى آية النّفر الطوائف من الفرق و بيّن للنّاس فساد نفر الكافة فهذا المعنى هو دليل عقلى كاف لاعتبار فتوى المقلدين للمقلّدة و وجوب رجوعهم اليهم و كلّما ورد فى هذا الباب من الائمّة الابرار بل من الانبياء الاخيار اجراء للموازين العقليّة الحافظة للحدود البشريّة الكافلة لبقائهم و عدم انقراضهم و هذا له غور كبير لو تصوّرتموه و عقلتموه علمتم انه لم يشذ عن هذه الطريقة شى‏ء من الشرائع المطموسة و الباقية و ربما اختلج ببال بعض الاعلال ما يقدح ابتداء فى هذه الكليّة و هو امران احدهما ان اهل القبلة على اختلافهم لا يكادون يشكون فى جواز تحاكم المجتهد الى مثله فاذا حكم لزمه القضاء و ان اختلف اجتهادهما و المعلوم من مذهب جملة ان الالتزام بالقضاء تقليد فى قضيّة يخصّه فاذا صحّحتم تقليد الغالط و اجمعتم على جوازه مع إباء صريح العطل عن ذلك و اعترفتم به فيما

43

اسلفتم فى اول كلامكم علمنا ان المطلب ليس من العقليّات بل من السمعيّات التى لا يصحّ الرّكون فيها الى العقليّات فبان خطأ المستدلّ بالعقل و جرى مجرى من تمسّك بالعقل فى وجوب الصوم و الصّلاة و الحجّ و اضرابها ممّا لا حظّ للعقل فيه قلنا هذا سهو فانّ جماعة و ان جوّزوا تقليد العالم كالقدريّة جميعا و احمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و سفيان و محمّد بن الحسن و اكثر العراقيّين و من المتأخّرين من اصحابنا من جوّزه عند ضيق الوقت كالعلّامة لكنّهم خصّوه بالمتمكن الغير المجتهد فعلا كما نصّ عليه ابو حامد و غيره كصريح العلّامة لكنهم اجمعوا كغيرهم على عدم جواز التقليد للمجتهد الفعلى فما ذكره بعض المشاهير شبهة واضحة و انما الحكم الزام رياستى سيّاسى و إمضاء لقانون شرعىّ كلّى فى الجزئىّ على وجه قطع التخاصم و سر عدم جواز النقض و لزوم التحكم حسم مادّة النّزاع و التشاجر مع احتمال صحّة القانون و لذا ينقض عند القطع بالفساد دون الظّنّ و اين هذا من التقليد أ لا ترى ان الاحكام العرفيّة لا يحوم حولها شى‏ء من احتمال التقليد فكذا الشرعيّة و ليس يكون خطأ فرقة فى مسئلة علميّة

44

قادحا فى ادلة العقول ثانيهما ان الاحكام الواقعيّة المتّصفة بصفة التكليف لا مجال لنا فى منع ما ذكرته من حكومة العقل فى اخذها من العلماء و اما الاحكام الظاهريّة فهى انما تكون احكاما للمقلّدة بعد التقليد كما هو قضيّة دليلهم العام و المفروض ان المقلّدة هم الّذين يتعلّمون الاحكام فالحكميّة يتوقف على التقليد فدار و بطلانه بديهىّ فبطلان ما يوجبه كمثله قلنا هذا من خطرات نفس بعض المتأخّرين من اصحابنا اورده فى صدق الخبر عن الواصلى باصطلاحه و صنع فيه رسالة و ردّه بعض المشاهير و كتب فيه رسالة ثم عرضه عليه فكتب فى جوابه رسالة مختصرة يبلغ ورقة و الّذى نريد فساد الرّسائل الثلاثة و اصل الايراد و التشكيك فذلك على سبيل الاختصار ان جماعة الاقدمين من الاصوليّين من مخالفينا لمّا انكروا وحدة الحكم و انّ لكل واقعة حكما مجعولا و قالوا بالتصويب بيّنوا كليّة منطبقة على مذهبهم من الدليل السّائر فى الجزئيّات للمقلّد و لمّا جاء المتأخّرون غفلوا عن حقيقة المطلب الّا من شذّ كصاحب المعالم و جروا مجراهم حتّى التزموا بالتصويب و عشّروا

45

الاحكام مع ان الصبح لا يخلو و الحقّ واضح فانا كشيوخنا لا نعقل شيئا من ذلك و نقول ما تسمّونه ظاهريّا او واصليّا فانما هو زعمى عند التخالف و الذى يجب علينا اخذه هو الواقعى الذى ظنّنا هذا الحكم فان اصبنا فالحمد للّه و ان اخطأنا فنحن فى عذر من ذلك عند عدم الخطأ فى المقدّمات المستندة الينا فكيف يجعل اللّه الحقّ فى طرفين و فى ضدّين بل الاضداد فمن الوقائع المفروضة ما العلماء بينها سبعة اقوال كالمسافر المقيم اذا خرج عن بلد الاقامة دون المسافة و ميراث الزّوجة فالحكم واحد و الباقى محظ يقينا و لا نعرفه بالعين و كلّ يظن ان ما حصّله و استثمره و هو حكم اللّه الذى هبط به جبرئيل فلا تخميس فلا تعشير قطعا فظهر ان ما تداولوه فاسد ناشئ من فساد المدارك و الف الذهن بمقالات الخصوم و لقد نطق بعض الاعلام من المحقّقين صادقا حيث يقول و لقد وافقهم على ذلك بعض الاصحاب غفلة عن حقيقة الحال‏

تنبيه [فى جواز التقليد لذى الملكة]

احتمل بعض اصحابنا (قدّس اللّه سرّهم) جواز التقليد لذى الملكة لعسر الاستثمار و جريان السّيرة فان الاجتهاد من الامور التّدريجيّة قطعا

46

مع ان ظاهر الاكثر بطلان عمل من يترك الطريقين و ربما تطول الافكار فى حادثة ايّاما و شهورا و القول بفسق الكل عجيب و مع عدمه لا بدّ من الاذعان لكن الصّواب الفساد لان الاجتهاد و ان كان مشقة شديدة و شقة بعيدة الّا انّه لاهله سهل مستسهل كسائر الصّنائع الشّاقّة و الحكومة العقليّة و العقلائيّة ما نفاها بل اوجبها فلو عسر على احد عسرا لا يطيق علم انه ليس من اهله فليقلّد اذ لكل شى‏ء اهل قال ابو حامد امّا اذا احتاج الى تعب كثير فى التعلم بعد فهو فى ذلك الفنّ عاجز و كما يمكنه تحصيله فالعامى ايضا يمكنه التعلم و لا يلزمه بل يجوز له ترك الاجتهاد و على الجملة بين درجة المبتدى فى العلم و بين رتبة الكمال منازل واقعة بين الطّرفين و الطفرة محال و انما كلامنا الآن فى المجتهد الّذى لو بحث عن المسألة و نظر فى الادلّة لاستقلّ بها و لم يفتقر الى تعلّم علم من غيره انتهى و امّا ما ذكر من السّيرة فانا نعترف بها اذا سبّرنا المسائل المبتلى بها لواحد واحد و لم يكن محلّا للنّصوص القاطعة و لا للاجماع المحقق و لم يكن من المسلّمات و كثير من مسائل العبادة و المعاملة على‏

47

غير هذه الصّفة و لم يكن للآحاد مندوحة و لم يكن مجوّزا للاحتياط لا حافظا لحدود الاعمال و العلم البشرى لا يحيط بحالات الآحاد و لو وجد فيهم من لا يبالى فى موردا و موارد و لو كان كثيرا لم يتحقق بعمله السّيرة اذا المركبات لا تعدّ من الدّليل و المجهولات لا يستند اليها هذا و مع ذلك لم يقل هذا القائل كل البعيد فلو لم نقل بوجود مندوحة يلزم فسق ما فى بعض ما فى حال ما و هو كما ترى بعيد من مقامهم العالى و نفوسهم القدسيّة فعسى ان يكون حلّه عند غيرنا و كانّه لذا رخّص العلّامة التقليد عند ضيق الوقت و كانّه عنى من الضّيق هذه الحالة لا ما يتراءى فى اوّل الخيال و فهم مقاصده قدّس اللّه درجة من العوائص و البدار الى ردّه علامة الجهل و الجرأة و اللّه الهادى‏

المقصد الثانى فى المقلّد بالفتح‏

و له شروط فى نفسه و شروط فى رجوع الغير اليه‏

[شروط المقلّد بالفتح الراجعة الى نفسه‏]

اما الشّرائط الاول فعدّة امور

الأوّل ان يكون بالغا

فالصّبى لا يعوّل على اقواله لا عند العقلاء و لا فى الشّرع الّا فى امور حقيرة جزئيّة فينظر اليه كما ينظر الى ساير الآلات و العلائم من الحيوان و الجماد من الاوضاع بل الاعتماد على‏

48

الاوضاع عندهم امثل منى و قد جعل الشرع عمدهم خطأ و رفع عنهم القلم و حجرهم عن مالهم و منع تصرّفاتهم و جعلهم مولّى عليه و كذلك فصل العقلاء من رفع قلم الاعتبار عنهم و تاديبهم فى القوانين العقلائيّة صون لهم و تهذيب و تعليم و تحصيل و تقوية للاستعداد المطلوب لفيضان الملكات حال و شدهم لا مجازاة لأفاعيلهم فمن كان محتاجا الى الولىّ كيف يولّى على النّاس و يؤمّر و يجعل من الوسائط و لذا اجتمعت الامّة من لدن عصر النّبى من غير خلاف عليه نعم الاحكام العقليّة يتنجّز فى حقّ الصّبى قطعا فيعاقب على الشّرك و الكفر و السرقة و القتل و اقسام المناكير العقليّة اذ تلك الاحكام اخذ فى موضوعها الادراك و العقل بلى لا يقتل و لا يقاصّ و لا يحبس و لا يجلّد اذ تلك الاحكام شرعيّة قانونيّة اشترطت بالامر الشّرعى الزّائد فيفرّق بين الحكمين و من ساوى بينهما فقد غفل و قد نبّه على ذلك من اعيان اه قدمين المقيد (قدّس سره) و ظاهر كلامه انه اتفاقى و ربما يحكيه ابو حامد عن المعتزلة و هو حق لا مرية فيه و قد الف الناس المطالب السمعيّة و خلّطوا و شبّه لهم البتّة فلا يعتد باقوال المخلّط قلّ او كثر

49

و قد عظّم الامر بعض شيوخ المعتزلة حتّى اعترض على الفرقة و ضيّق عليهم فى مصيرهم بامامة بعض الائمّة مع ثبوت الصّباوة حين هلك الامام السّابق كما حكاه الصّدوق فى كماله و تمامه و المفيد فى مقالاته الّتى اثبتها المرتضى (قدس اللّه نفوسهم) و اجابوا باجوبة زدنا عليهم جوابين و قد نسوا خرق العادة كما خرقت فى عيسى و يحيى (سلام اللّه عليهما) و كيف كان فالامر اظهر من ان يخفى و اجلى من ان يتكلّم فيه و كانّه لعدم الثقة بشى‏ء من اقواله و انظاره و اخباره‏

الثانى ان يكون مؤمنا

دلّت عليه الآيات و الاخبار و عليه اجماع السّلف الصّالح و الخلف لم يظهر فيه خلاف الّا عن بعض الاواخر من المدقّقين و استشكلوا قال رضى اللّه عنه و الظاهر ان اشتراط الايمان اجماعىّ او مبنىّ على عدم جواز الرّجوع الى احكام المخالفين مع مخالفة الحكم لنا و الّا فلو فرض انّ مخالفا ثقة صدوقا افتى على وفق اصولنا و طريقنا بحيث يحصل الاطمينان بمساواته مع الفتى من اصحابنا فى الاستنباط عن اصولنا كما كان جماعة من اصحابنا مفتى الفرق و العامّة كانوا يعتمدون عليهم فيشكل الحكم بعد جواز الرّجوع اليه و عدم الاعتقاد بالحكم لا ينافى عدم التقصير

50

فى الاستنباط و عدم الكذب فى الاخبار عنهم انتهى و نهج منهاجه و منهجه بعض المشاهير ممّن تاخّر عنه فجعله من باب الرّجوع الى اهل الخبرة و المعرفة التى لا يعتبر فيه الايمان قلنا لم لا تجعلون جواز الفتوى من المناصب الشرعيّة كما عقله بعض مشايخنا الفقهاء الغرويّين فان احتملتم ذلك فلستم ممّن يقطع بالمناط و الشرع لم ينصب الّا صاحب الصّفة و من اين علمتم المناط بيّنوه لنا حتى نعلم ثم لم غفلتم عمّا اصّلنا فى صدر الكتاب من وجوب الرّجوع الى اصالة الشغل فى ما سبيله سبيل الشّك فى حصول الطّاعة من الطريق فانّا نقطع بحصول الطاعة لو عمل بقول المؤمن و نشكّ فى غيره فى حصولها فالعقل يلزمنا الزاما قطعيّا بسلوك الطريق المقطوع اعتباره دون غيره ما لم يبرهنوا عليه فان كان لكم برهان بيّنوه و الّا فالعقل حاكم و العذر مقطوع و المسائل العقليّة باسرها مضطرب العقول ما لم يقم برهان و المخيّلات لا يعتنى بها فكانّهما و من تبعهما قاسوا تلك بالمسائل السمعيّة او عرفوها بهذه الصّفة غفلة عن حقيقة الحال و ذهلوا عن الاصل الاصيل و حسبوا ان ابداء الاحتمال او تحصيل ظنّ لا يعتبر يكفيهم فى المقام و ستطلع على مزيد وضوح‏