بحوث في علم الأصول - ج3

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
449 /
9

-

10

مباحث الدليل اللفظي‏

بحوث النواهي‏

11

الفصل الأول دلالات صيغة النهي‏

و البحث حولها من جهات:

الجهة الأولى- في مدلولها.

و قد اشتهر بين قدماء الأُصوليين أنَّ مفاد صيغة النهي هو الطلب كمفاد الأمر إِلَّا أَنَّ الأخير يدلّ على طلب الفعل و النهي يدلّ على طلب الترك.

و قد رفض هذا الكلام مشهور المحقّقين المتأخرين من علماء الأُصول مدّعين أنَّ مدلول النهي مختلف عن الأمر ذاتاً فكلّ منهما يدلّ على معنى مغاير و مباين للآخر لا انَّهما يدلّان معاً على الطلب و يختلفان في متعلقه فقط.

و بهذا الصدد نورد ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى- ما نسبه السيد الأستاذ إلى مشهور المعترضين على الرّأي السابق في مفاد النهي، حيث ذكروا انَّ الأمر يدلّ على البعث نحو الطبيعة و التحريك إِليها بينما النهي يدلّ على الزّجر و التبعيد عنها.

ثُمَّ أشكل عليه بأنَّه لو أُريد من التحريك و الزجر، التحريك و الزجر التكوينيّان فواضح انَّهما ليسا مدلولي الأمر و النهي و إِن أُريد منهما التحريك و الزجر التشريعيّان فذلك يحصل بنفس الأمر و النهي حيث انَّهما بوجوديهما الواقعيّين‏

12

لا بمدلوليهما مصداقان للتحريك و الزجر فلا بدَّ و أنْ يكون مدلولهما أمراً آخر غير التحريك و الزجر.

أقول: ما نسبه إلى المعترضين بهذا المقدار من البيان لا يكون برهاناً على ردّ مقالة السابقين اللهم إِلّا أنْ يُراد منه دعوى الوجدان و التبادر العرفي و هذا صحيح بالإضافة إلى منبهات لهذا الوجدان سوف نشير إِليها فيما يأتي.

و امّا الاعتراض الّذي وجهه عليهم فكأنّه انسياق مع مبانيه في باب الوضع و انّه عبارة عن التعهّد الّذي يستوجب أنْ يكون الوضع هو منشأ الدلالة التصديقيّة الموجودة في الجملة التامّة حيث يقال حينئذ انّه لا يمكن افتراض وضع الأمر و النهي للتحريك و الزجر بمعنى كشفهما عنهما إِذ لو كشف عن التحريك و الزجر التكوينيَّين كان واضح البطلان و لو كشف عن تحريك و زجر تشريعيَّين فهما بنفسيهما مصداقان لذلك لا انَّهما يكشفان عنه.

و امّا على المسلك المشهور و المختار من أنَّ الوضع منشأ الدلالة التصوّريّة فقط فمدلول مادة الأمر و النهي معنى اسميّ و مدلول هيئتهما النسبة التكوينيّة الخارجيّة المنتزع عنها ذلك المعنى الاسمي- كما حقّق في معاني الهيئات- و هي النسبة الإرساليّة التحريكيّة في الأمر و النسبة الزجريّة التبعيديّة في النهي و كلتا النسبتين يراد منهما الإرسال و الزجر الخارجيين التكوينيَّين لا التشريعيّين و لكنه كمفهوم تصوّريّ لا تصديقي كي يقال بأنَّه واضح البطلان فانَّ الدلالة التصديقيّة تكون بالظهور الحالي فانّه يكشف كشفاً تصديقيّاً عن أنَّ المراد النفسيّ و الداعي الحقيقي للمتكلّم انَّما هو داعي التحريك التشريعي و الزجر التشريعي بالأمر و النهي و بذلك يكون مدلول النهي غير الأمر تصوراً و تصديقاً.

الكلمة الثانية- فيما اختاره السيد الأستاذ نفسه من أنَّ الأمر يدلّ على وضع الفعل و اعتباره في ذمّة العبد و النهي يدلّ على اعتبار حرمان المكلّف عن الفعل و ابتعاده عنه لا اعتبار تركه على ذمّته و الشاهد عليه بناء على مسلك العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلّقاتها انَّ الأمر يتبع مصلحة في الفعل فيناسب اعتبار الفعل في ذمة المكلّف و النهي يتبع مفسدة في الفعل فالفعل هو مركز البغض فيناسب اعتبار حرمان المكلَّف منه.

13

أقول: امّا المصير إلى فرض مدلول الأمر و النهي هو الاعتبار فهذا أيضا يكون منه انسجاماً مع مسلكه في الوضع بنحو ينشأ منه الدلالة التصديقيّة و قد تقدّم في محلّه توضيح انَّ المدلول الوضعي للأمر ليس هو الاعتبار و إِنْ كان قد يستظهر كون المدلول التصديقي هو الاعتبار بدلالة سياقيّة.

و هنالك بعض الشواهد على ذلك من قبيل انَّ فكرة الاعتبار و ما يرتبط بها و ما تستلزمه من افتراض وعاء ذمّة و عهدة للمكلَّف أُمور دقيقة معقّدة لا تنسجم مع الدلالة الوضعيّة التي هي أبسط و أقدم تصوراً من مثل هذا التعقيد، و انَّ صيغة الأمر كما تصدر من العالي الّذي قد يكون لديه اعتبار كذلك قد تصدر من الدّاني إلى العالي كما في قولنا «ربَّنا اغفرْ لنا» بينما لا يخطر على بالنا افتراض جعل شي‏ء في ذمة اللَّه تعالى و اعتباره على عهدته [1].

و امّا الاستدلال على كون مفاد النهي اعتبار حرمان المكلّف لا اعتبار الترك في ذمته بمذهب العدلية فيرد عليه.

أولا: انّنا نتكلّم في الوضع اللغويّ الثابت قبل تكون مثل هذه المسالك الفلسفيّة لدى علماء المسلمين فما معنى الاستدلال على مدلول لغويّ وضعي بمذهب كلامي لدى فرقة من المسلمين.

و ثانياً: انَّ مذهب العدليّة لا يقتضي ذلك إِذ المولى كما يمكنه أنْ يتوصّل إلى تبعيد المكلَّف عن مفسدة الفعل عن طريق اعتبار حرمانه كذلك يمكنه أنْ يتوصَّل إلى نفس النتيجة عن طريق اعتبار الترك في ذمته و مجرّد مناسبة اعتبار الحرمان مع مفسدة الفعل لا تكون دليلًا على أنَّ الواضع قد لاحظ هذه المناسبة بعين الاعتبار و لم يغفل أو يتغافل عنها.

الكلمة الثالثة- ما هو المختار فنقول: انَّ ما قيل في الكلمة الأولى من الفرق بين مفاد صيغة النهي و مفاد صيغة الأمر صحيح.

____________

[1]- للقائل بمسلك الاعتبار أن يجعل المدلول الوضعي في هذه الموارد الدعاء ابتداءً. نعم هذا يؤدي إلى أَنْ يكون المدلول التصديقي للصيغة ابتداءً متعلّقاً بمدلول المادة و هذا غريب في نفسه على ما تقدّم نظيره في بحوث الأمر.

14

فكلّ من الصيغتين لها دلالة تصوريّة و تصديقيّة و هما تختلفان في كلتا الدلالتين على ما تقدّم و الحجّة عليه هو الوجدان القاضي بأنَّ ما يفهم من صيغة افعلْ يختلف عمّا يفهم من صيغة لا تفعل اختلافاً ذاتياً لا اختلافاً بحسب المتعلَّق كما هو مدعى القدماء. و هناك منبِّهات لهذا الوجدان أهمّها:

انَّ الصيغتين لو كان مفادهما متباينين- كما هو المدَّعى- فلا نحتاج إلى افتراض شي‏ء وراء المعنى الحرفيّ للهيئة و المعنى الاسمي للمادة في اقتناص مفاد الأمر و النهي كاملة.

فيكون مدلول (صلِّ) مثلًا هو الإرسال و التحريك نحو الصلاة أي النسبة الإرسالية نحو الصلاة و مدلول (لا تصلِّ) مثلًا هو الزجر و المنع عن الصلاة أي النسبة الزجريّة عن الصلاة.

و امّا إِذا أخذنا بوجهة نظر القدماء فنحتاج إلى توسيط عنصر ثالث و إدخال معنى آخر غير مفاد الهيئة و المادة في مفاد النهي إذ الطلب أو النسبة الطلبيّة أو التحريكيّة هل يكون متعلِّقاً بالمادة فهذا خلف المقصود من النهي أو يكون متعلِّقاً بتركها فهذا إدخال عنصر الترك الّذي لا يكون مدلولًا للمادة في مدلولها لأنَّ مدلولها الطبيعة التي و إِنْ كانت لم يؤخذ فيها لا الوجود و لا العدم إِلّا انَّها انَّما تصلح مرآة لما يوجد من افرادها لا لتركها فهذه المشكلة التي يواجهها أصحاب هذا الاتجاه تجعلهم أمام أمرين فإما أنْ يلتزموا بدال ثالث وراء الهيئة و المادة يدلّ على هذا العنصر الغريب عنهما و هذا خلف المفروض أو أَنْ يأخذونه في مدلول أحد الدالّين، فان أخذ في طرف المادة بدعوى: انَّ الصلاة في لا تصلِّ مثلًا مستعملة في ترك الصلاة مجازاً و عناية فهذا واضح البطلان بحسب وجدان كلّ عرفي القاضي بعدم عناية و لا تجوّز في طرف النواهي كالأوامر و إِنْ أخذ في طرف المادة بأَنْ أخذت فانية في الترك الخارجي فهذا أيضا مستحيل لما قلناه من انَّ الطبيعة انَّما تُفنى في وجودها في الخارج لا في عدمها.

و إِنْ أخذ في طرف الهيئة فهذا أيضا غير عرفي بل خلاف الأوضاع اللغوية لأنّ الهيئة معنى حرفي نسبي و الترك معنى اسمي لا بدَّ و أن يقع طرفاً للنسبة و نحن لم نعهد أَنْ يكون ما له معنى حرفي دالًا على النسبة و طرفها معاً.

15

ثمّ لو فرضت الدلالة على ذلك فنحتاج إلى نسبة أُخرى بين الترك- المعنى الاسمي المدلول عليها بالهيئة- و بين المادة و هي الطبيعة و هي نسبة الإضافة لأنَّ المطلوب انَّما هو ترك المادة لا مطلق الترك و لا دال على هذه النسبة الثانية فأيضاً لا بدَّ من إقحامها في مدلول الهيئة فهذه مشاكل و متاعب تثيرها هذه الفرضيّة لمفاد النهي.

الجهة الثانية- في أنَّ المستفاد من صيغة النهي هل هو الانحلال بحيث يكون الحكم استغراقيّاً أم انَّه لا توجد إِلَّا حرمة واحدة كالوجوب المستفاد من الأمر؟

المعروف أنَّ المستفاد من النهي التحريم المطلق بنحو الإطلاق الاستغراقي فيكون هناك تحريمات عديدة بعدد الأفراد لا حرمة واحدة و الأثر العملي بين القولين أنَّه على القول بوحدة التحريم لو صدر منه الفعل مرّة جاز له أَنْ يرتكب فرداً آخر منه و امّا على القول بانحلالية التحريم فيكون الفرد الثاني محرماً كالفرد الأول بحرمة أُخرى مستقلة لا تسقط بعصيان الأولى.

و الصحيح ما عليه المشهور فمتعلّق النهي إطلاقه شمولي استغراقي بخلاف متعلّق الأمر الّذي يكون إطلاقه بدليّاً و يكون المطلوب صرف وجوده.

من هنا يرد السؤال: انَّه كيف أصبح الفرق بينهما مع انَّ الإطلاق في المدلولين معاً بمقدمات الحكمة و هي واحدة في المقامين.

و قد عالج السيد الأستاذ- هذا الإشكال ببيان انَّ هناك مقداراً مشتركاً من مقدمات الحكمة يجري في مورد البدلي و الشمولي معاً و هذا المقدار المشترك ليس هو المعين للشمولية أو البدليّة و انَّما يضمّ إليه ضميمة و مقدمة عقلية في بعض الموارد فينتج البدلية و يضمّ إليه ضميمة و مقدمة أُخرى فينتج الشمولية (1).

و لأجل توضيح هذه الفكرة نورد ثلاثة أمثلة.

الأول: في متعلَّقات الأوامر كما إِذا قال المولى (صلِّ) فانَّه لا يخلو من أَنْ يكون متعلَّق الأمر أحد شقوق فإما هو جميع الصلوات- و هو معنى الإطلاق الشمولي- و إِمَّا هو إِحدى الصلوات و هو الإطلاق البدلي- و إِمَّا هو مجموعة من الصلوات.

____________

(1)- المحاضرات، ج 4، ص 106- 114.

16

و الشقّ الثالث يبطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة العامة، إِذ أيّ خصوصيّة في تلك المجموعة كي تحمل الطبيعة عليها فقط فلو كان المقصود واحدة من المجاميع المتصوّرة كان عليه أَنْ ينصب التقييد عليها.

و الشقّ الأول يبطل بمقدمة عقلية و هي عدم المقدورية، إِذ كيف يمكن الإتيان بجميع الصلوات مع انَّ أفرادها العرضية متزاحمة و متضادة فيتعيّن الشقّ الثاني و هو الإطلاق البدلي.

الثاني: في متعلّقات النواهي كما إِذا قال (لا تكذب) فانَّه أيضا فيه ثلاثة احتمالات، أَنْ يكون الحرام جميع أفراد الكذب أي كلّ كذب- و هو الإطلاق الشمولي- و أَنْ يكون الحرام أحد أفراد الكذب- و هو الإطلاق البدلي- و أَنْ يكون الحرام مجموعة من أفراد الكذب- كالكذب على اللَّه و رسوله مثلًا و الكذب في حالة الصوم مثلًا- و الشقّ الثالث هنا أيضا يبطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة في جميع الموارد إِذ لو كان المراد مجموعة أو فئة معيّنة من الأكاذيب و هو في مقام البيان لكان عليه أَنْ ينصب قرينة عليها، و امّا الشقّ الأول و الثاني في المقام فنجد انَّ المقدمة العقلية تنفي الشقّ الثاني أي الإطلاق البدلي لأنَّ الإطلاق البدلي غير معقول إِذ مقتضى طبع المطلب أَنْ يترك الإنسان كذباً واحداً على الأقل أي أحد أفراد الكذب فانتراك كذب واحد ضروري قهري فلا يعقل التكليف به فيتعين الشقّ الأول و هو الإطلاق الشمولي.

الثالث: ما سمّاه بموضوعات الأحكام الوضعيّة «كأحلّ اللَّه البيع» فانَّه أيضا يرد فيه الاحتمالات الثلاثة، حليّة كلّ بيع و حلية أحد البيوع و حليّة مجموعة معيّنة من البيوع كالعقدية مثلًا، و الاحتمال الثالث يُنفى بالقدر المشترك من مقدمات الحكمة و الاحتمال الثاني يُنفى بمقدمة عقلية إِذ من اللغو حليّة بيع لا بعينه فيتعيّن الاحتمال الأول أي الإطلاق الشمولي.

و هذا الكلام فيه عدّة مواضع للنظر نقتصر فيه على نكتتين:

النكتة الأولى: انَّ استفادة البدلية أو الشمولية في كلّ مورد ليس بميزان لغوية الآخر و عدم معقوليته مع ضمّ القدر المشترك بدليل انَّه في كثير من الموارد يكون كلّ‏

17

منهما معقولًا و مع ذلك لا شك في انَّ صناعة الفهم العرفي تقتضي تعيين أحد الوجهين و ذلك كما في موضوعات الأوامر لا في متعلقاتها. من قبيل ما إِذا قال (أكرم العالم) فانَّه بالنسبة إلى الموضوع و هو العالم لا إِشكال في أنَّ مقتضى‏ الإطلاق فيه الشمولية و ثبوت الحكم على كلّ فرد من أفراد طبيعة العالم مع انَّه لا استحالة و لا لغوية في أَنْ يكون بدليّاً بأَنْ يجب إِكرام عالم ما فقط، بل كلّ من الشمولية و البدلية معقول على حدّ واحد فهذا يبرهن على انَّ وراء مسألة استحالة البدلية في هذا المورد أو الشمولية في ذلك المورد توجد نكتة أُخرى هي التي تقتضي البدليّة أو الشمولية.

النكتة الثانية: في موارد متعلّقات الأوامر- المثال الأول- ما أُفيد غير كافٍ للانتهاء إلى البدليّة و ذلك لأنَّنا إِذا بنينا على عدم شرطية القدرة في الخطاب أصلًا و افترضنا أنَّه شرط في مقام الامتثال فقط كما ادَّعاه الأستاذ في بحث الترتّب و إِنْ لم أعهد منه التفريع عليه في مورد أصلًا، فلا مانع من إطلاق الخطاب لكلّ أفراد المتعلّق غاية الأمر أنَّ الامتثال اللازم بحكم العقل يختصّ بالمقدور منها.

و أمَّا إِذا قلنا بأنَّ شرطيّة القدرة بحكم العقل فحيث انَّ هذا المقيّد لبّي كالمتصل فلا ينعقد إطلاق لغير المقدور من أفراد المتعلّق فتثبت الشمولية في حدود هذا المقيّد المتّصل الّذي يقيّد دائرة الإطلاق الشمولي كسائر المقيدات للإطلاقات الشمولية، و كذلك الحال لو قلنا بأنَّ الخطاب يقتضي تقييد المادة بالمقدور منها بل الحال على ذلك أوضح كما لا يخفى.

فلا بدَّ من التفتيش عن نكتة أُخرى لاقتضاء البدليّة في متعلّقات الأوامر و الشمولية في متعلّقات النواهي وراء هذه الكلمات.

و تلك النكتة قد شرحناها مفصّلًا في بحث المرّة و التكرار. و نوجزها هنا قائلين:

انَّ البدليّة و الشمولية تارة تكون في العمومات و أخرى في المطلقات. امّا في العمومات فالدال عليها لفظي ف (كلّ) موضوعة للدلالة على الشمول أو (أي) موضوعة للدلالة على العموم البدلي، و امّا المطلقات فقد قيست على العمومات و تصوّر فيها أيضا انَّ البدلية و الشمولية من شئون الإطلاق و مقدمات الحكمة.

و الصحيح انَّ الإطلاق و مقدمات الحكمة لا يثبت إِلّا أنَّ موضوع الحكم هو الطبيعة

18

من دون قيد زائد و امّا البدليّة و الشموليّة فهما من شئون تطبيق الحكم و ليسا مدلولين لمقدمات الحكمة و لا للوضع، فانَّ الحكم على الطبيعة لو كان غير قابل للانطباق على جميع الأفراد فهو بدلي و إِلّا فشمولي.

و توضيح ذلك: انَّ هناك متعلّقاً للحكم و موضوعاً و الموضوع يفرض مفروغاً عن وجوده بخلاف المتعلّق إِذ لو كان مفروغاً عنه قبل الحكم كان الأمر به تحصيلًا للحاصل، و حينئذ يقال: انَّ الطبيعة المفروغ عنها في المرتبة السابقة على الحكم يستتبع لا محالة انطباقها على جميع ما يصلح أَنْ يكون مصداقاً لها فيتعدد الحكم بتعدد فعليات تلك الطبيعة كما هو شأن القضيّة الشرطيّة، فأكرم العالم يرجع إلى قولنا إِنْ كان هذا عالماً وجب إِكرامه، هذا في طرف الموضوعات و امّا في طرف المتعلقات فالقاعدة تقتضي العكس لأنَّ المتعلّق لم يفرض وجوده كي يتعدد الحكم تطبيقاً بتعدد فعلياته.

بل انَّما يثبت بنفس الحكم فلا موجب لتعدده.

و بتعبير واضح انَّ القضية الحقيقيّة المناط فيها الحكم بالشرط انَّما يتعدد بلحاظ الشرط لا بلحاظ المتعلّق و الجزاء، و من هنا قلنا في بحث المرّة و التكرار، انَّ الأصل في الموضوعات هو الإطلاق الشمولي و الأصل في المتعلّقات هو الإطلاق البدلي، و لكنه يوجد استثناءان لذلك أحدهما- عن الأصل الأول حيث يستثنى من هذا الأصل في الموضوعات ما إِذا كان الموضوع منوّناً من قبيل أكرم عالماً- حيث انَّ الاسم يحتاج إلى ما يتّكئ عليه من تنوين أو الألف و اللام- فيصير الإطلاق بدليّاً من جهة انَّ تنوين التنكير يكون ظاهراً في أخذ قيد الوحدة و صرف الوجود فيه و هذا لا يعقل مع الشمولية [1].

____________

[1]- ليس التنوين الدال على الوحدة ينافي الشمولية بدليل دخوله على موضوع النهي في قولك لا تكرم عالماً مع شموليّته بل حتى في الأمر إذا أخذ مقدر الوجود كما إذا قال إنْ رأيت عالماً فأكرمه بل السر هو ان (عالماً) في أكرم عالماً و إِن كان بحسب الموقع اللفظي موضوعاً في الجملة و لكنه بحسب المعنى و اللّب قيد في متعلّق الأمر فلا يفهم أخذه مقدر الوجود بل لو أمكن إيجاده لإكرامه لوجب لو لا القرينة الخاصّة نظير قولنا ابن مسجداً أو توضأ بالماء- رغم عدم التنوين في الأخير- فالمعنى أوجد إكرام عالم، و هذا يتحقق بإكرام عالم واحد بنحو صرف الوجود و امّا في لا تكرم عالماً فحيث انّ المطلوب إعدام إكرام عالم، فلا يتحقق إِلّا بترك إكرام كلّ عالم. فالحاصل كلّما كان القيد قيداً في متعلّق الأمر و لو كان بحسب ظاهر اللفظ في مركز الموضوع فلا ينحل الحكم بلحاظه فليس هذا استثناءً عن القاعدة السابقة. و أمّا الانحلال في (أكرم العالم) فلأنَّ اللام تدلّ على أنّه مقدر الوجود سواءً كانت للعهد أو الجنس فتأمّل جيداً.

19

و الاستثناء الثاني عن الأصل الثاني في المتعلقات حيث يستثنى منه متعلقات النواهي فانه يستفاد منها انَّ كلّ فرد من المتعلّق موضوع مستقل للحرمة و هو معنى الشمولية، و قرينة ذلك غلبة نشوء النهي عن المفسدة و غلبة كون المفسدة انحلاليّة بعدد الأفراد على ما تقدّم شرحه مفصّلًا في أبحاث المرّة و التكرار و قد تعرّض السيد الأستاذ إلى هذه القرينة في المقام و لم يرتضها بل اعترض عليها بأمرين:

الأول: انَّه انَّما يتمّ بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد و امّا إِذا أنكرنا ذلك كما هو مسلك الأشاعرة فلا موضوع لهذه القرينة.

الثاني: انَّ هذا تخرّص و رجم بالغيب إِذ نحن لا نعرف ملاكات خطابات المولى بل انَّما نستكشف انحلاليّة الملاك بانحلالية الخطاب فكيف يفترض معرفة انحلالية الملاك و إثبات انحلالية الخطاب بها. و كلا الاعتراضين ممّا لا يمكن المساعدة عليهما.

أمّا الأول: فلأنَّ الكلام في الظهور العرفي اللغوي للكلمة و النزاع بين الأشعري و غيره نزاع ثبوتي في الأحكام الشرعية خاصة و من الواضح انَّ الأشاعرة الذين ينكرون ذلك في أحكام اللَّه لا ينكرونه في حقّ نواهي الناس و هذا كافٍ في تماميّة القرينة المدّعاة. و إِن شئت قلت: انَّ الغالب كون المبغوضية و المفسدة التي هي ملاك النهي في كلّ فرد من أفراد الطبيعة سواءً كانت تلك المفسدة راجعة إلى العبد أو إلى المولى نفسه أو كانت جزافيّة و تحكميّة و هذا لا ربط له ببحث التبعيّة بين الأشعري و المعتزلي.

و بهذا يندفع الأمر الثاني أيضا إِذ المدّعى غلبة انحلالية ملاكات النواهي العرفية لا الشرعية و هذه الغلبة تستوجب الظهور في النهي فيكون حجّة لو صدر ذلك النهي عن الشارع أيضا.

و بما ذكرناه ظهر وجه الفرق بين الأوامر و النواهي حيث يكون الأمر ساقطاً بالعصيان أو الامتثال مرّة بخلاف النهي فانَّه لا يسقط بالعصيان مرّة و ليس ذلك إِلّا من جهة تعدد الحرمة و النهي و وحدة الأمر.

و قد اتّضح بذلك ما في كلام المحقّق الخراسانيّ من تفسير ثبوت النهي و الحرمة للشرب الثاني بالتمسّك بإطلاق المتعلّق للشرب الثاني بعد الشرب الأول فانَّه قد تبيّن انَّ الإطلاق لا يقتضي أكثر من كون الطبيعة بما هي هي موضوع الحكم من دون فرق‏

20

في ذلك بين باب الأوامر و النواهي و امّا الاستغراقية أو البدلية فبحاجة إلى نكتة أخرى على النحو الّذي شرحناه.

الجهة الثالثة

: انَّه إِذا فرضنا وحدة النهي و عدم انحلاليته فصار مفاد لا تشرب ثبوت حرمة واحدة على حدّ الأمر بالطبيعة، مع ذلك سوف يبدو لنا فرق بين الأمر و النهي غير ما كنّا بصدده في الجهة السابقة- و هو الانحلال إلى عدّة تكاليف- فانَّه و إِنْ لم يكن فرق بينهما من حيث السقوط بالعصيان إِلَّا انَّه يبقى بينهما فرق في كيفيّة الامتثال فانَّ الأمر يمتثل بإتيان فرد من أفراد الطبيعة و لا يكون عصيانه إلّا بأَنْ يترك تمام أفرادها و امّا النهي فالتحريم الواحد انَّما يمتثل باجتناب تمام أفراد الطبيعة و لا يكفي اجتناب بعض أفرادها، و هذه ليست دلالة لفظية بل من جهة حكم العقل بأنَّ الطبيعة الواحدة مفهوماً لا تنعدم إلّا بانعدام تمام أفرادها و لكنها توجد بوجود فرد واحد، و المطلوب في طرف الأمر هو الإيجاد فيكون بواحد بينما المطلوب في طرف النهي الإعدام فلا يكون إِلّا بانعدام الجميع.

و بما ذكرناه من التمييز بين هذا الفارق و بين الفارق في الجهة السابقة اتّضحت جملة من المغالطات في كلمات المحقّقين من أهمّها ما وقع في تقريرات المحقّق العراقي (قده) من طرح المشكلة ابتداءً بما ذكرناه في الجهة السابقة من بقاء النهي بعد العصيان بينما لا يبقى الأمر بعد العصيان و جعل جوابها الكلام المشهور أي ربطها بالفارق العقلي في كيفية الامتثال الّذي قلناه في هذه الجهة، مع انَّ هذا المطلب لا دخل له في دفع تلك المشكلة و جوابها هو ما قلناه في تلك الجهة من انحلالية النهي و بدلية الأمر.

و أيّاً ما كان فالبحث هنا عن الفارق المذكور بين كيفيّة امتثال الأمر و كيفية امتثال النهي و انَّه هل صحيح ما ذكر من حكم العقل في كيفية وجود الطبيعة و عدمها؟ حيث انَّ المحققين المتأخرين أنكروا ذلك و قد حقّقنا هذه المشكلة مفصلًا في بحث المرّة و التكرار و أثبتنا صحّة ما ذهب إليه المشهور في حلّ المشكلة.

و ملخّص ما قلناه هناك: انَّ الطبيعة إِذا لاحظنا وجودها الخارجي فالاتجاه الصحيح و المشهور فيه هو انَّ نسبة الكلّي الطبيعي إلى أفراده الخارجية انَّما هي نسبة الآباء إلى الأبناء في قبال اتّجاه الرّجل الهمداني القائل بأنَّ نسبة الطبيعي إلى أفراده‏

21

نسبة الأب الواحد إلى أبنائه فيقال على مستوى البحث الفلسفي بصحّة الاتّجاه الأول الّذي سار عليه ابن سينا دون الاتجاه الثاني الّذي سلكه الرّجل الهمداني.

و قد ربطت المسألة الأصولية هذه بتلك المسألة الفلسفية أيضا فقيل: بأنَّه إِذا كان الطبيعي يوجد بوجودات متعدّدة و انَّ وجود كلّ فرد ناقض لعدم الطبيعة في ضمن ذلك الفرد لا مطلقاً فلا معنى لما اشتهر من انَّ الكلّي يوجد بفرد واحد و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده، لأنَّ وجود الطبيعي في ضمن كلّ فرد لا يحفظ إلّا في ضمن ذلك الفرد و لا يعدم إِلّا بعدم ذلك الفرد فكما انَّ هناك وجودات عديدة للطبيعة هناك أعدام عديدة لها أيضاً فإذا كان الأمر متعلّقاً بوجود واحد كذلك النهي يتعلّق بعدم واحد من تلك الأعدام.

هذا ملخّص ما انتهى إليه المحقّقون المتأخرون.

و قد ذكرنا في بحث المرة و التكرار انَّ هذا الربط بين المسألتين في غير محلّه فانَّ بطلان مسلك الرّجل الهمداني انَّما هو بلحاظ المسألة الفلسفية و عالم الوجود الخارجي للطبيعة، و امّا بلحاظ المسألة الأُصولية و بالقياس إلى عالم الذهن الّذي ينتزع جامعاً يكون قدراً مشتركاً بين الأفراد فيصحّ كلام الرّجل الهمداني حقيقة بلا إِشكال حتى من ابن سينا، إذ لا إِشكال في وحدة الكلّي عنواناً و مفهوماً و متعلّق الأمر و النهي انَّما هو الوجود العنواني للمتعلق أي المفهوم لا الوجود فما يكون متعلّقاً للأمر حقيقة ينحفظ بفرد واحد و لا ينعدم إلّا بانعدام تمام أفراده و هذا هو معنى تلك الكلمة المشهورة، و المطلوب في الأوامر حفظ ذلك المفهوم الطبيعي بينما المطلوب في النواهي إعدامه.

الجهة الرابعة

: و تشتمل على تنبيهين مرتبطين بالجهتين السابقتين.

التنبيه الأول‏

: انَّ هاتين الخصيصتين اللتين تميزان النهي عن الأمر في الجهتين السابقتين ثابتتان للنهي سواءً كان النهي مدلوله الزجر عن الفعل أو طلب الترك و لذلك لو صرّح بطلب الترك أيضا كانت الخصيصتان مستفادتين منه كما إِذا قال (أترك الصلاة) فانَّه يستفاد منه نفس ما يستفاد من النهي عن الصلاة في مثل (لا تصلِّ).

و الوجه في ذلك إِنَّ كلتا النكتتين موجودتان في طلب الترك أعني نكتة نشوء طلب‏

22

الترك غالباً من مفسدة الفعل التي هي انحلالية فيكون الحكم انحلاليّاً و نكتة انَّ الطبيعة لا تترك إِلّا بترك تمام أفرادها فيكون امتثاله بترك تمامها.

التنبيه الثاني‏

: انَّ قاعدة أنَّ الطبيعة توجد بفرد واحد و لا تنعدم إِلّا بانعدام تمام أفرادها بالتفسير المتقدّم تنطبق على كلّ الطبائع و الكلّيات إِلّا الجامع الانتزاعي مثل أحدهما فانَّه لو قال (أوجد أحدهما) استفيد منه لزوم إيجاد أحدهما بينما إِذا قال أعدم أحدهما أو اترك أحدهما لا يستفاد منه لزوم تركهما و إعدامهما معاً مع انَّ القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص و بعبارة أخرى مثل عنوان أحدهما يختلف عن أي عنوان جامع آخر في انَّه يمكن أَنْ يصدق في حقّه في آن واحد الوجود و العدم معاً فنقول أحدهما موجود و أحدهما معدوم و هذا بخلاف سائر الجوامع و المفاهيم الكليّة فانَّه لا يضاف إليها العدم إِلّا بانعدام تمام مصاديقها و أفرادها، و هذا لغز مستعصى لا يمكن حلّه إِلّا بمراجعة حقيقة هذه الجوامع لكي يتبيّن انَّها ليست كلّيات و انَّما هي أشباه كلّيّات.

و توضيح ذلك- انَّ عنوان أحدهما و ما يماثله ليس جامعاً من قبيل عنوان الصلاة و انَّما هو مجرّد رمز ذهني يراد به التعبير عمَّا في الخارج و الإشارة إليه فبدل أَنْ يقول مثلًا جاء زيد يقول جاء أحدهم فانَّ هذا ليس جامعاً ينطبق على زيد و غيره كما في سائر الجوامع و انَّما هو من قبيل الرمز ب (س أو ص) الّذي يعبر بهما عن الاعداد فهو في قوة أَنْ يقال هذا أو ذاك فليس طلب تركه طلباً لترك الجامع و انَّما هو طلب لترك إِحدى الخصوصيّتين.

و البرهان على ذلك: انَّ الجامع لا يمكن أن ينطبق على الفرد بخصوصيّاته لأنّه عبارة عن تجريد الفرد عن خصوصياته و انطباقه على الفرد بذاته لا بخصوصيته، و هذا بخلاف عنوان أحدهما أو أحدهم فانه ينطبق على الخصوصية بما هي خصوصية.

23

بحوث النواهي اجتمَاعُ الأَمرِ وَ النّهي- فذلكة القول بالامتناع- امتناع الأمر بالجامع و النهي عن فرده- امتناع الأمر بعنوان جامع و النهي عن الجامع عنوان آخر ينطبق على فرد من ذلك- ملاكات ثلاثة لجواز الاجتماع- البحث عن صغرى ان تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون- تنبيهات مسألة الاجتماع‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الفصل الثاني اجتماع الأمر و النهي‏

الأمر و النهي تارة يلحظان بالنسبة إلى متعلقهما بالذات و أُخرى بالنسبة إلى متعلّقهما بالعرض، و المقصود من المتعلّق بالذات العنوان القائم في الذهن الّذي هو المعروض الحقيقي للأمر و النهي و المقصود من المتعلّق بالعرض مطبق تلك العناوين باعتبار انَّ تلك العناوين ملحوظة بما هي فانية في معنوناتها فتكون هي المعروضة بالعرض.

و على هذا الأساس يقال: انَّ المعروض بالذات للأمر و النهي إِنْ كان واحداً من قبيل (صلّ) و (لا تصلِّ) فيجب أَنْ يفترض استحالة اجتماع الأمر و النهي فيه أصلًا موضوعيّاً مفروغاً عنه قبل البحث عن اجتماع الأمر و النهي. كما انَّه إِنْ فرض انَّ ما هو المعروض بالعرض لهما متغاير بقطع النّظر عن التغاير بين المعروضين بالذات كشرب الخمر و الصلاة فهذا أيضا يجب أَنْ يفترض إمكان تعلّق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر مفروغاً عنه.

و هناك حالة وسطى هي موضوع هذا البحث و هي التغاير بين المعروضين بالذات فيقع البحث حينئذ عن انَّ هذا التغاير هل يدفع محذور التضاد أم لا؟ امّا باعتبار كشفه عن التغاير بين المعروضين بالعرض، و امّا باعتبار انَّه و إِنْ لم يكشف عن ذلك إِلّا

26

أنَّه بنفسه كافٍ في دفع محذور التضاد.

و هذا التغاير يتصوّر بأحد نحوين رئيسين:

أحدهما: أَنْ يكون العنوان واحداً فكلاهما متعلّق بالصلاة مثلًا إِلّا انَّهما متغايران بالإطلاق و التقييد كصلِّ و لا تصلِّ في الحمام.

الثاني: أَنْ يكون العنوان متغايراً رأساً من قبيل صلِّ و لا تغصب. فلا بدَّ من بحث كلّ واحد منهما.

و هذان النحوان يختلفان في أمر هو انَّه لا يمكن البحث في النحو الأول عن إمكان استلزام التغاير في العنوان- المعروض بالذات- بهذا النحو للتغاير في المعنون- المعروض بالعرض- لوضوح وحدة الصلاة الخارجية في الحمام و عدم تعدّدها فينحصر البحث عن هذا النحو من التغاير في انَّ هذا المقدار من التغاير بالعنوان هل يكفي لدفع التضاد بنفسه أم لا؟

بينما النحو الثاني للتغاير يعقل البحث فيه عن اندفاع محذور التضاد بلحاظ كلّ من الناحيتين. و بهذا يظهر انَّ منهج البحث عن اجتماع الأمر و النهي ليس كما صوّره السيد الأستاذ.

و قبل الدخول في البحث عن هذين القسمين الرئيسيين لا بدَّ من التعرّض لما افترضناه أصلًا موضوعيّاً للبحث و هو استحالة اجتماع الأمر و النهي على متعلّق واحد بالذات.

و يمكن بهذا الصدد ذكر ثلاثة بيانات قد يمكن إرجاع بعضها إلى البعض الآخر:

البيان الأول: أَنَّ التكليف مشروط بالقدرة و لا قدرة للمكلّف على أَنْ يصلّي و لا يصلّي، بل ليس له إِلّا قدرة واحدة فيستحيل أَنْ يجتمع التكليفان و هذا هو نفس البيان المذكور في باب التزاحم غير انّه هناك كان يجاب عن محذور الاستحالة بوجود قدرتين مشروطتين كلّ منهما بعدم الآخر لكنَّ هذا غير معقول في المقام.

و هذا البيان يمكن لمن يرى انَّ القدرة ليست شرطاً في التكليف بل في الامتثال فقط- كما عليه الأستاذ- أَنْ يدفعه بدعوى: انَّه لا مانع من التكليف بغير المقدور غاية الأمر أنَّ العقل يحكم بعدم منجزية شي‏ء منهما، لأنّه على تقدير عدم أحد النقيضين‏

27

يكون الآخر ضرورياً لا محالة فلا معنى لاشتراط الأمر بأحدهما بفرض ترك الآخر فان وصل أحدهما دون الآخر تنجز حكم العقل به و إِلّا فلا يحكم العقل بتعيين أحدهما.

البيان الثاني: انَّ التضاد بين صلِّ و لا تصلِّ ثابت في عالم الجعل و الحكم لأنَّ الحكم انَّما هو البعث و الزجر، و يستحيل اجتماع البعث و الزجر على عنوان واحد- مع قطع النّظر عن القدرة في مرحلة الامتثال- و هذا البيان بحسب الحقيقة هو روح البيان الأول لأنّه قد أرسل في ذلك البيان شرطية القدرة إرسال المسلَّمات مع انَّ نكتتها ما يذكر في هذا البيان.

و هذا أيضا يمكن إنكاره لمن يرى انَّ الحكم ليس إِلّا مجرّد اعتبار للفعل أو الترك على ذمّة المكلّف و ليس متقوّماً بداعي الباعثية و المحركيّة.

البيان الثالث: انَّ التضاد بينهما ثابت في مرحلة المبادئ لأنَّ الأمر يكشف عن مصلحة تامة و محبوبيّة فعلية في الفعل، و النهي يكشف عن قيام مفسدة تامّة و مبغوضيّة فعلية في الفعل فإذا تعلّقا بشي‏ء واحد لزم اجتماع الضدّين.

و هذا البيان أيضا يمكن دفعه على المسلك القائل بأنَّ مبادئ الحكم قد تكون في نفس الجعل بأَنْ تكون المصلحة في الجعل لا متعلّقه فلا يتّحد مركز المصلحة الفعلية مع مركز المفسدة الفعلية.

و كذلك المسلك القائل بأنَّ المبادئ ليست إِلّا ذات المصلحة و المفسدة لا المصلحة و المفسدة التامّتين الموجبتين للحبّ و البغض لإمكان حصول ذات المصلحة و المفسدة في فعل واحد.

و موضع تحقيق هذه المباني موكول إلى محلّها و نحن هنا نفرغ عن عدم صحّة هذه المباني و تماميّة البيانات الثلاثة معاً.

و على هذا الضوء ندخل في شرح كلّ من القسمين للتغاير بين المتعلقين بالذات لنرى ما يتمّ من هذه البيانات فيه.

امّا القسم الأول فالبيان الأول لا يتمّ فيه لوضوح إمكان امتثال الأمر بإتيان الجامع بغير الحصّة المحرمة.

و امّا البيان الثاني فأيضاً لا يأتي لوضوح إمكان فعلية انقداح كلا الداعيين داعي‏

28

البعث نحو المطلق و داعي الزجر عن المقيد.

و امّا البيان الثالث أي التنافي بلحاظ عالم المبادئ، فهذا البيان تارة: تلحظه بالنسبة إلى عالم الذهن و المفاهيم أي المعروض بالذات، و أخرى: بالنسبة إلى عالم الخارج و الوجود أي المعروض بالعرض.

امّا بالنسبة إلى العالم الأول فالصلاة قد وقعت معروضاً للمحبوبية على وجه الاستقلال و وقعت معروضاً للمبغوضية على وجه الضمنيّة أي ضمن المقيد.

و حينئذ قد يقال: انَّه كما يستحيل اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة الاستقلاليّتين كذلك يستحيل اجتماع المحبوبيّة الاستقلاليّة و المبغوضية الضمنية، بدليل انَّه لا يمكن اجتماع المبغوضية الاستقلالية مع المحبوبية الضمنية فانَّه لا يعقل الأمر بالصلاة مثلًا مع النهي عن التكبيرة نهياً استقلاليّاً.

إِلّا أنَّ الصحيح عدم تمامية هذا الكلام و انَّ هناك فرقاً بين المحبوبية الضمنية و المبغوضية الضمنية، فالأوّل لا يمكن أَنْ تجتمع مع البغض الاستقلالي إِلّا أنَّ الثاني يمكن أَنْ يجتمع مع الحبّ الاستقلالي فانَّه يمكن أَنْ يبغض مجموع أمرين و جزءين مع تعلّق الحبّ الاستقلالي بأحدهما، فلا بدَّ من التفرقة بين اجتماع المحبوبية الضمنية مع المبغوضية الاستقلالية فانَّه مستحيل و بين اجتماع المبغوضية الضمنية مع المحبوبية الاستقلالية فانه جائز.

و هذا رغم كونه وجدانيّاً يمكن البرهنة عليه بأحد بيانين:

الأول: انّا لا نتعقّل المبغوضيّة الضمنيّة في نفسها بخلاف المحبوبيّة الضمنية فانَّ الحبّ إِذا تعلّق بمجموع جزءين فسوف تتعلّق محبوبيّتان ضمنيّتان بالجزءين و يكون لكلّ منهما اقتضاء لإيجاد ذلك الجزء لا كاقتضاءين مستقلين بل كجزء من اقتضاء الحبّ الاستقلالي للمجموع كما انَّ الحبّ الضمني كان جزءاً تحليليّاً لذلك الحبّ الواحد.

هذا في طرف الحب و امّا في طرف البغض إذا تعلّق بمجموع جزءين فهذا البغض انَّما يقتضي إعدام المجموع أي أحد الجزءين و نفيه لا إعدام كليهما، و هذا الاقتضاء لا يمكن أَنْ يتبعض كي ينحل إلى بغضين ضمنيين على كلّ من الجزءين و يكون لهما

29

اقتضاءان تحليليان، و هذا كاشف عن عدم انحلال المبغوضية إلى مبغوضيّتين ضمنيّتين، إِذ لو كان هناك بغض ضمني فإِنْ كان لا يقتضي شيئاً فهو خلف كونه مبغوضاً و إِنْ كان يقتضي إعدام ذلك الجزء كان معناه زيادة اقتضاء البغض الضمني على البغض الاستقلالي و انه لا بدَّ من إعدام الجميع و هو غير معقول أيضا و لو كان يقتضي إعدام المجموع فهو خلف كونه ضمنيّاً و هذا كلّه انَّما كان على أساس انَّ المجموع وجوده بوجود كلّ أجزائه بينما يكفي في عدمه عدم أحد أجزائه.

الثاني: انَّ البغض و الحبّ انّما يتنافيان فيما إذا فرض تنافيهما في مقام الاقتضاء و التأثير فإذا كان بين مقتضاهما تناف ذاتي لا عرضي- كالتنافي العرضي في باب التزاحم- استحال اجتماعهما، و لهذا لو افترضنا عالماً يمكن فيه تحقيق كلا النقيضين أمكن تعلّق الحبّ و البغض بشي‏ء واحد فانَّ البغض ليس نقيضاً للحبّ بذاته و لا تضاد ذاتي فيما بينهما أيضا و انَّما التنافي بلحاظ متعلّقهما.

و عليه نقول: انَّه لا تنافي ذاتي بين مقتضى الحبّ الاستقلالي لشي‏ء و مقتضى البغض الضمني لذلك الشي‏ء لأنّ البغض الضمني لا يقتضي أكثر من إعدام المجموع لا الجميع و هو لا يتنافى مع مقتضي الحبّ الاستقلالي لذلك الجزء لعدم توقّف إعدام الجميع على إعدام ذلك الجزء.

و هكذا يتّضح: انَّه لا تنافي بين أَنْ تقع الصلاة مثلًا مركزاً للمحبوبية الاستقلالية و مركزاً للمبغوضية الضمنية فلا تنافي بلحاظ عالم المعروض بالذات.

و امّا بلحاظ عالم المعروض بالعرض فقد يُدعى انَّ تعلّق الأحكام بالعناوين انَّما هو بلحاظ حكايتها عن الخارج و من الواضح انَّه بلحاظ الخارج لا يوجد إِلّا شي‏ء واحد فيستحيل أَنْ يكون هذا الوجود الواحد متعلّقاً للمحبوبيّة و المبغوضية الاستقلاليتين معاً.

و هذه الشبهة أيضا غير تامة لأنَّ الأحكام المتعلقة بالعناوين و إِنْ كانت متعلقة بها بما هي مرآة عن الخارج إِلّا انَّ ذلك انَّما يكون بمقدار مرآتية ذلك العنوان المتعلق لا أكثر من ذلك، و من الواضح انَّ متعلّق الأمر انَّما هو الطبيعة التي يكون مرآة عن صرف وجود الطبيعة في الخارج و امّا متعلّق النهي فهو الحصّة الخاصّة التي تكون مرآة

30

عن الفرد، فالمعروض بالعرض للنهي هو الفرد و هو ليس معروضاً بالعرض للأمر بل مصداق للمعروض بالعرض في الأمر، فانَّه قد تقدّم أنَّ متعلّق الأمر صرف الوجود و صرف الوجود لا يلحظ من خلاله الأفراد كي يكون المعروض بالعرض واحداً و انَّما يلحظ نفس الطبيعة.

و عليه فلا اجتماع للمحبوبيّة و المبغوضية على مركز واحد في عالم المعروض بالعرض كما لا اجتماع في مركز واحد بلحاظ المعروض بالذات و في مقابل هذا الكلام يوجد بيانان لو تمّ أحدهما سوف يكون ملاكاً للامتناع.

البيان الأول: ما ذكرته مدرسة المحقّق النائيني (قده) في تنبيهات مسألة اجتماع الأمر و النهي مع انَّه بيان على أصل الكبرى. و حاصله: انَّه لا يوجد تضاد بين الأمر و النهي المتعلقين بالمطلق و المقيد مع وضوح انَّ التركيب اتحادي و ليس انضمامياً لأنَّ مركز الأمر هو صرف الوجود و مركز النهي هو الفرد و لا تنافي ذاتي بينهما إِلّا انَّه يوجد تناف بالعرض يقتضي: عدم إمكان اجتماع الأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الحمام و ذلك لأنَّ الأمر بصرف وجود الطبيعة لازمه إمكان تطبيقها على أي فرد من أفراد الطبيعة خارجاً حتى الفرد المحرم فيقع تناف لا محالة بين هذا المدلول الالتزامي المستفاد من بدليّة متعلّق الأمر و بين النهي عن الفرد (1).

و الفارق العملي بين هذه الصياغة للامتناع و بين الصياغة السابقة التي كانت تفترض التنافي أولا و بالذات بين مدلولي الأمر و النهي انَّه على الصياغة السابقة لا يفرق في الامتناع بين أَنْ يكون النهي تحريميّاً أو كراهياً، لأنَّ المحبوبية لا تجتمع مع المبغوضية و لو كانت بمرتبة الكراهة، بينما على أساس هذه الصياغة لا يوجد تناف فيما إِذا كان النهي كراهياً لأنَّ الترخيص في التطبيق على الفرد الّذي هو المدلول الالتزامي للأمر بصرف الوجود لا يتنافى مع كراهة ذلك الفرد. و بهذا أجابت مدرسة الميرزا (قده) على الإشكال العويص الّذي يواجه مسألة الكراهة في العبادات و لهذا أيضا ذكرت هذا البيان في تلك المسألة. و هذا البيان غير تام لأنَّ الإطلاق البدلي في متعلّق الأمر

____________

(1)- فوائد الأصول، ج 1، ص 435.

31

ليس معناه و لا لازمه الترخيص في التطبيق على الأَفراد كحكم شرعي شمولي مولوي.

و توضيح ذلك: انّا قد ذكرنا فيما سبق أنَّ مقتضى الإطلاق ليس إِلّا كون معروض الحكم ذات الطبيعة التي هي تمام المبين بحسب مقام الإثبات، و لازم ذلك انَّه من قبل هذا الوجوب لا مانع من تطبيقه على أَيّ فرد لا انَّه لا مانع بالفعل و من جميع الجهات.

و إِنْ شئتم قلتم: انَّه قد وقع الخلط في المقام بين الترخيص الوضعي و الترخيص التكليفي، فانَّ الأمر يقتضي الترخيص الوضعي في تطبيق الحكم على كل فرد أي الاجتزاء بأي فرد محقق للطبيعة و هذا لا ينافي أَنْ يكون هناك مانع من ناحية أخرى، فلا تنافي بين مدلول الأمر و النهي لا بالذات و لا بالعرض.

و عند ما أشكلنا على أصحاب هذا المسلك بهذا الإشكال أجابوا بأنَّ هذا مدلول عرفي يوجب الامتناع و التنافي العرفي بينهما و هذا مطلب آخر سوف نتعرض له مشروحاً فيما يأتي.

البيان الثاني: انَّ الحبّ المتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود يلازم تعلق الحبّ بكل فرد فرد على تقدير عدم الافراد الأخرى، و هذا معناه انَّ التخيير العقلي دائماً يلزم منه التخيير الشرعي بلحاظ عالم الحبّ و إِنْ لم يكن كذلك بحسب عالم الجعل و الحكم و هذا يستوجب التضاد بين النهي عن الحصّة و الأمر بالطبيعة لأنَّ الأول يقتضي تعلق البغض بالحصّة و الثاني يقتضي تعلق الحبّ بها منوطاً بترك سائر الحصص، فبلحاظ عالم الحبّ يكون الحبّ سارياً من الطبيعة إلى الأفراد بنحو مشروط و إِنْ لم يكن كذلك بلحاظ الحكم فيلزم اجتماع الضدّين إِذ كما لا يجتمع الضدّان مطلقاً كذلك مشروطاً.

و هذا البيان موقوف على تمامية إرجاع الحبّ المتعلّق بالطبيعة إلى الحب بكل حصّة منها مشروطاً بعدم الأُخرى و لو اختياراً من جهة أنَّ المكلَّف لم يقدِّم غيرها إلى المولى. و هذا التلازم وجداني في النّفس البشرية فانَّه من غير الصحيح أَنْ يقال لمن يحبّ شرب الماء من هذا الإناء أو ذاك انَّه يحبّ صرف الوجود لا هذا الّذي شربه أو ذاك إِذا شربه بل يحبّ الجامع الّذي هو غير هذا و غير ذاك [1]. و هذا معناه انَّه‏

____________

[1]- وجدانية هذا الحكم محل تأمل بل الوجدان يحكم انَّه يحبّ هذا الفرد بما هو مصداق لذلك الجامع فهو يحبّ الصلاة الخارجية و هذا الفرد صلاة خارجية كذلك الفرد الآخر فالخصوصيّات و الحيثيّات الفرديّة الأخرى المقيّدة و كذلك الحصص بما هي حصص خاصة لا تكون متعلّقة للحبّ إِلّا بالعرض. و لكن لا ينبغي الإشكال في وجدانية التضاد و التنافي ثبوتاً بين (صلِّ) و (لا تصلِّ)

32

بلحاظ روح الحكم و هو الحبّ و البغض يلزم دائماً التخيير الشرعي من التخيير العقلي فهذا البيان الثاني تام في إثبات الامتناع.

هذا كله في التغاير بين متعلق الأمر و النهي بنحو الإطلاق و التقييد.

و امّا التغاير بينهما بنحو تعدد العنوان من قبيل (صلِّ) و (لا تغصب) فهنا يوجد دعويان متقابلان متطرفان، دعوى تقول بأنَّه يكفي في رفع غائلة التضاد بينهما مجرّد تعدد الوجود الذهني الّذي هو المعروض بالذات للحكم و لو اتّحد المعروض بالعرض لهما، و لازم هذه الدعوى انَّه لو أوجدنا ماهية واحدة في الذهن بوجودين مرتين- كما إِذا تصوّرنا الصلاة مرتين- أمكن أَنْ يتعلّق بأحدهما الحبّ و بالآخر البغض لأنَّ كلا منهما وجود غير وجود الآخر و إِنْ اتحدا ماهية فعروض الضدين عليهما نظير عروض أحد الضدين على زيد و الآخر على عمر اللذين هما وجودان خارجيان لماهية واحدة.

و دعوى أخرى: بأنَّ الغائلة لا ترتفع إِلّا بتعدد الوجود الخارجي للمتعلقين لأنَّ الأحكام و إِنْ كانت متعلقة بالوجود الذهني إِلّا انَّها متعلقة بها بما هي قنطرة إلى الخارج فلا بدَّ من تعدد الوجود الخارجي كي يرتفع محذور التضاد.

و الدعوى الأولى كما أشرنا تتوقّف تماميّتها على إثبات انَّ الأحكام لا تعرض على الوجود الخارجي و انّما تعرض على الوجود الذهني.

و هذه النقطة يمكن البرهنة عليها بعدة تقريبات:

التقريب الأول: انَّه لو كانت الأحكام متعلقة و عارضة على الوجود الخارجي فما ذا يقال عن الحكم الّذي لم يمتثل و لم يتحقق بعد شي‏ء من مصاديقه في الخارج، كما لو عصى المكلّفون و لم يأتوا بشي‏ء من الصلوات خارجاً، مع وضوح انحفاظ الأمر

____________

في الحمام) و لعل وجهه ان إيجاب الطبيعي مع تحريم فرد من أَفراده يؤدّي بحسب عالم النّفس و اللحاظ الّذي هو عالم الحكم إلى إمكان اجتماعهما في مورد واحد مع انّ الإرادة و الكراهة أو الحبّ و البغض يستحيل اجتماعهما في موضوع واحد. فالحاصل التضاد بين الإرادة و الكراهة و امتناع اجتماعهما في مورد واحد يستدعي زائداً على اشتراط تغاير متعلقيهما بالذات أَنْ لا يكون بحسب عالم اللحاظ و من منظور الملاحظ مما يمكن أَن يتطابقا في الخارج على مورد واحد و إِلّا كان من زاوية نظر الملاحظ من اجتماع الضدّين في مورد واحد و هو تهافت و هذا بحسب الحقيقة من شئون مرآتية العناوين و حكايتها عن الخارج فلا بدّ و أَن يتقيّد متعلّق الأَمر بغير الفرد المحرم. و ما ذكر من انَّ الجامع بنحو صرف الوجود غير الفرد انَّما هو بلحاظ عالم المفاهيم و التحليل الذهني لا عالم تعلق الأَمر و الإرادة الّذي هو عالم محكي تلك المفاهيم في الخارج تماماً كالعناوين الانتزاعية الذهنية التي سوف يأتي بيان هذا المحذور فيها فتدبّر.

33

و الحكم الشرعي في حالتي العصيان و الامتثال معاً.

التقريب الثاني: انَّه لو كان الحكم متعلقاً بالوجود الخارجي لكان متأخراً مرتبة عن الوجود الخارجي مع انَّه من مبادئ الوجود الخارجي و الدواعي لا لإيجاده فيستحيل أَنْ يكون عرضاً من أعراضه، و هذا هو معنى ما يقال من انَّ العلّيّة تنافي العروض، و لا يمكن الجواب عليه: بما ذكره المحقق الأصفهاني من التفرقة بين الوجود العلمي و الوجود الخارجي بأَنْ يكون العارض على الوجود الخارجي هو الأمر الواقعي و ما يكون علّة للوجود الخارجي هو الأمر بوجوده العلمي أي علم المكلّف بالأمر فاختلف ما هو العلّة و المتقدّم عمّا هو العارض و المتأخر.

لأنَّه إِذا كان الأمر بوجوده الواقعي عارضاً على الوجود الخارجي و متأخراً عنه فيستحيل أَنْ يكون العلم بمثل هذا الأمر محركاً نحو ذلك الوجود الخارجي لأنَّ العلم به سوف يكون كاشفاً عن وجود معروضه في الخارج، لأنَّ ما يكون محركاً انَّما هو العلم بالأمر الفعلي لا الشأني التقديري، و الأمر لا يكون فعليّاً إِلّا بعد أَنْ يتحقق الموجود خارجاً أو على الأقل بعد أَنْ يرى العالم معروضه موجوداً في الخارج، فإذا لم يَر العالم المعروض فعليّاً في الخارج فلا يكون الأمر فعلياً بحسب نظره فلا يكون محركاً.

و بعبارة أخرى: إذا فرض انَّ العلم بالأمر المحرك للمكلف متعلق بالأمر الفعلي المتحقق في الخارج بتحقق موضوعه لزم التهافت في نظر العالم لأنه يرى الفعل معلولًا له و لعلمه فكيف يكون موجوداً بقطع النّظر عنه فهذا تحصيل الحاصل، و إِنْ كان المحرك له العلم بأنَّه سوف يتحقق الموضوع و يتحقّق حكمه في الخارج أي الحكم التقديري فهذا لا يمكن أَنْ يكون محركاً.

التقريب الثالث: ما أشرنا إِليه مراراً من أنَّ الأحكام الشرعية من الصفات ذات الإضافة و التي تكون الإضافة مقومة لها بحيث لا يعقل افتراضها في أي مرتبة إِلّا و لها تلك الإضافة حتى مرتبة ذاتها إِذ يلزم من الانفكاك في مرتبة من المراتب تعقل حبّ أو علم مثلًا بلا محبوب أو معلوم و هو غير معقول، و لازم هذا أَنْ يكون المضاف إِليه في هذه الصفات ثابتاً في مرتبة ذاتها، و بهذا البرهان يثبت انَّ المحبوب بالذات و المبغوض بالذات انَّما هو نفس الحبّ و البغض.

34

و يمكن أَنْ يصاغ هذا التقريب بصياغة أخرى حاصلها: انَّ الإرادة نسبة إلى ماهية المراد و هي امّا نسبة العرض إلى موضوعه كنسبة البياض إلى الجسم أو نسبة الشي‏ء إلى متعلقه، و الأول واضح البطلان لأنَّ موضوع الإرادة هو النّفس لا المراد الخارجي بل قد تتعلق الإرادة بالعدم كما لو أراد أَنْ لا يكون زيد عالماً، و امّا الثاني فان كانت هذه النسبة التي هي نسبة الإضافة نسبة تعرض على الإرادة كعروض الإضافة الخارجية على الشي‏ء فيقال عنه انه لفلان مثلًا فهذا يستلزم إمكان انفكاك هذه الإضافة عن المضاف مع انَّه غير ممكن في الإرادة إِذ لا يتعقل إرادة بلا مراد، و إِنْ كانت هذه الإضافة أمراً ذاتياً للإرادة بأَنْ كانت حقيقتها ذلك فمن الواضح انَّ الإرادة ليست عبارة عن نسبة الإضافة التي لا استقلال لها في نفسها و انَّما الإرادة شي‏ء لها الإضافة إلى المراد، فإذا بطلت هذه الشقوق كلّها يتعيّن أَنْ تكون نسبة الإرادة إلى المراد نسبة الوجود إلى الماهية و لكن بالوجود الذهني، و الوجود مع الماهية متّحدان لا محالة و في عالم واحد كما هو واضح.

و على أساس هذه التقريبات يقال بأنَّه يرتفع غائلة الاجتماع بمجرد تعدد الوجود الذهني المتعلّق به الأمر و النهي.

و هذه الدعوى لو تمّت لاقتضت جواز الاجتماع حتى لو كان العنوان واحداً- كما أشرنا إِليه- فيما إذا وجد ذلك العنوان في الذهن مرّتين.

إِلّا انَّ هذه الدعوى غير صحيحة لأنَّ كون الأحكام عارضة على الوجودات الذهنية و إِنْ كان صحيحاً إِلّا أنَّ الصور الذهنية لها اعتباران، اعتبار بالحمل الأوّلي و اعتبار بالحمل الشائع و قد تقدّم مراراً توضيح هذين الاعتبارين في الصور و الوجودات الذهنيّة.

و محصّله: إِنَّ الوجود الذهني بالنظر التصوري- الحمل الأوّلي- يكون عين الأمر الخارجي المحكي عنه، و بالنظر التصديقي- الحمل الشائع- يكون مبايناً للخارج و غير واجد لشي‏ء من خصائصه و أحكامه، فالماء الموجود في الذهن بالنظر التصديقي صورة و انطباع في النّفس و ليس ماءً و لا واجداً لشي‏ء من خصائص الماء و بالنظر التصوّري يكون ماءً رافعاً للعطش محبوباً لدينا. و الحكم بمبادئه يتعلّق بالصورة الذهنية بحسب النّظر التصوري لا التصديقي و لذلك أيضا يكون محركاً نحو الخارج الّذي‏

35

هو المنظور التصوّري و امّا الصورة الذهنية بحسب النّظر التصديقي فليس بمطلوب و لا محبوب أصلًا. و حينئذ سوف يكون الحكم و الحبّ في عالم النّفس و بحسب لحاظ المولى متعلقاً بالصورة الذهنية بالحمل الأوّلي و النّظر التصوّري الّذي لا يرى به إِلّا الماهية فإذا كانت الماهية و المنظور التصوّري واحداً- و لو ضمن وجودين ذهنيين- فيستحيل أَنْ يتعلّق الحبّ و البغض و الأمر و النهي بها لأنَّه بحسب هذا النّظر و اللحاظ الّذي هو نظر المولى في مقام الحكم و مبادئه يلزم التهافت و التضاد فيكون مستحيلًا أيضا، فليست الاستحالة منحصرة بما إِذا كان الوجود الذهني المعروض للأمر و النهي بالحمل الشائع واحداً فقط.

و امّا الدعوى الثانية فتقريبها: انَّ الأحكام الشرعية و إِنْ كانت متعلقة بالصور الذهنيّة و بالعناوين في أُفق النّفس أو عالم الاعتبار إِلّا انَّها انَّما تتعلّق بها بما هي فانية في المعنونات الخارجية إذ لو لا هذا الفناء لما كان يريد المولى شيئاً من هذه العناوين فالمتعلّق المطلوب للمولى هو المعنون الخارجي، و على هذا فلا بدَّ من تعدد الوجود الخارجي لمتعلّق الأمر و النهي كي لا يلزم التضاد و إِلّا فالتضاد حاصل و لو كانت العناوين و المرايا متعددة، و من هنا قالوا انَّ الميزان في الامتناع و الجواز تشخيص أنَّ تعدد العنوان بعدد المعنون أم لا؟ أي انَّ التركيب بين معنون متعلّق الأمر مع معنون متعلّق النهي اتحادي أو انضماميّ فان كان اتحاديّاً بأنْ كان هناك معنون واحد امتنع الاجتماع و إِنْ كان انضماميّاً جاز الاجتماع. و كأن هذا المقدار من البيان يشترك فيه المحقّق الخراسانيّ و النائيني (قدهما) و السيد الأستاذ فإنَّهم جميعاً يتّفقون على أصل هذه الدعوى و انَّ الأحكام متعلّقة بالعناوين بما هي فانية في الخارج و انَّما يختلفون في التطبيق و بعض النتائج، فالمحقّق الخراسانيّ (قده) يدّعي انَّ الخارج واحد و انَّ تعدد العنوان لا يؤدّي إلى تعدد المعنون‏ (1)- و هذه مقدمة أخرى غير أصل الدعوى يذكرها في برهانه على الامتناع المؤلّف من عدة مقدمات- و المحقق النائيني (قده) يدّعي انَّ تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون إِذا كان العنوانان بنحو العامين من وجه، كعنواني‏

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 240.

36

الغصب و الصلاة، ببرهان يذكره لإثبات ذلك محصله: انَّ كلًا من العنوانين لا بدَّ و أَنْ يكون منتزعاً من جهة مشتركة محفوظة في موارد الاجتماع و الافتراق معاً فلا بدَّ من الالتزام بجهتين في موارد الاجتماع لا محالة و إِلّا استحال انتزاع عنوانين بينهما عموم من وجه بل صحّ انتزاع عنوان الغصب حينئذ من الصلاة في المسجد و كذلك عنوان الصلاة من الغصب و إنْ كان بغير الصلاة (1)، و السيد الأستاذ أفاد موقفاً وسطاً بين المحقّق الخراسانيّ و النائيني (قدهما) حيث ادعى انَّ إطلاق القول بأنَّ تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون و كذلك إطلاق القول بأنَّ تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون في العامين من وجه كلاهما لا يمكن المساعدة عليه و إِنَّما الصحيح أَنْ يقال: انَّ العنوانين إِنْ كانا من المقولات الحقيقيّة و الماهيّات الخارجية فلا محالة يتعدد المعنون بتعدد العنوان إِذ يستحيل أَنْ تكون ماهيّتان لموجود واحد في الخارج بل الوجود الواحد لا تكون له إِلّا ماهية واحدة، و إِنْ كان العنوانان من العناوين الانتزاعيّة الاعتبارية فتعددها لا يوجب تعدد المعنون حتى لو كانا عامين من وجه، و ما ذكره المحقّق النائيني (قده) من البرهان لا يتمّ فيها لأنَّ العنوان الانتزاعي لا يلزم أَنْ يكون منشأ انتزاعه ماهية واحدة بل قد ينتزع في مورد الاجتماع من ماهية غير التي ينتزع منها في مورد الافتراق‏ (2).

و هكذا اختلف هؤلاء المحقّقون الثلاثة في النتائج تبعاً لاختلافهم في تطبيق تلك الكبرى الكليّة القائلة بأنَّ الميزان في دفع غائلة الاجتماع تعدد الوجود الخارجي و عدمه و سوف يأتي التعرض تفصيلًا لهذه التطبيقات و براهينها التفصيليّة و انَّما نحن في هذا المقام بصدد ملاحظة أصل تلك الدعوى و ما تحتويها من الفكرة الكليّة فنقول:

إنَّ عبارة أنَّ الأحكام تتعلّق بالعناوين بما هي فانية لا بما هي هي و بالمعنى الاسمي على إجمالها صحيحة إِلّا أنَّ هذا لا يعني انَّ العنوان قنطرة حقيقة توصل الحكم إلى المعنون الخارجي بحيث يستقر عليه فانَّ هذا مستحيل سواءً أُريد به انَّ الحكم‏

____________

(1)- أجود التقريرات، ج 1، ص 337.

(2)- نفس المصدر، ص 337- 338.

37

عفويّاً و تلقائيّاً يسري من الصورة الذهنيّة و العنوان إلى الخارج أو أُريد به انَّ الصورة الذهنية تكون سبباً لإدراك المولى للخارج فيلقي الحكم عليه، إذ يرد على الأول:

ما تقدّم من الأدلة على استحالة تقوم الحكم بالوجود الخارجي. و يرد على الثاني: انَّ إدراك الخارج غير معقول و انَّما يكون إدراكه بإدراك الصورة الذهنية و بعنوان دائماً، و ليس معنى الفناء في الخارج انَّ الصورة الذهنية تكون سبباً و علّة لإدراك الخارج بنحو الحيثيّة التعليليّة و انَّما معنى الفناء و الإفناء انَّه لا يوجد لدى المولى الحاكم إِلّا الصورة الذهنية بالنظر التصديقي و يكون هذا الشي‏ء الحقيقي هو الفاني و هو المفني فيه لا انَّه فان في شي‏ء آخر لدى المولى، بل الجهة الفانية من هذا الشي‏ء هو الصورة بالحمل الشائع و الجهة المفنى فيها هي الصورة بالحمل الأوّلي. و بعبارة أخرى. انَّ المفنى فيه بالذات الحقيقي هو نفس الصورة الذهنية لا الخارج و ليس الخارج إِلّا المفني فيه بالعرض كما هو واضح.

فالتعابير بالفناء و الآليّة و القنطرة إلى الخارج و نحو ذلك من التعابير ليس إِلّا بمعنى انّنا ننظر إلى الصورة الذهنية لا بحقيقتها الواقعيّة بل بعنوانها و ما يتوهّم من خلالها.

و هكذا يتّضح: انَّ كون الأحكام متعلقة بالصورة الذهنية بما هي فانية في الخارج لا يعني عروضها و تعلّقها بالخارج بل يعني انَّها تتعلّق بالصورة بما هي ترى عين الخارج إِلّا أنّ كونها ترى عين الخارج بالنظر التصوري لا يعني تعلقها بالخارج حقيقة.

و بهذا يتّضح أيضا انَّه يجوز تعلّق الأمر و النهي بالعنوانين و إِنْ كان الوجود الخارجي (المعنون) لهما واحداً لأنَّ متعلّق الأمر و النهي الصورة الذهنية بالنظر التصوّري و هو متعدد بنفس تعدد العنوان بالنظر التصوّري لأنَّه بحسب النّظر التصوّري يرى امران في الخارج إِذ ليس معنى لحاظهما خارجيين لحاظ الوجود الشخصي في الخارج بل لحاظ نفس الطبيعة و العنوان في الخارج و هما متعددان بحسب الفرض.

و هكذا نصل إلى انَّ تعدد العنوان بحسب النّظر التصوّري الّذي هو ظرف عروض الحكم يكفي لدفع غائلة التضاد بالذات بين الأمر و النهي في هذا الشقّ كما كان كذلك في الشقّ الأول- أي ما إذا كان الأمر بالجامع و النهي عن الحصّة-.

38

يبقى بعد هذا أَنْ نلاحظ التقريبين اللذين ذكرناهما للامتناع في الشقّ الأول لا من جهة نفسي الأمر و النهي بل باعتبار ما يلزم الأمر بشي‏ء بنحو صرف الوجود من الترخيص في تطبيق الجامع على الحصة أو لزوم التخيير الشرعي فهل يتمّ شي‏ء منهما في المقام أي ما إِذا كان متعلق النهي غير متعلّق الأمر عنواناً كالغصب و الصلاة أم لا؟.

و التحقيق: عدم تمامية شي‏ء منهما في المقام، لأنَّ متعلق النهي هنا عنوان آخر كالغصب و هو غير الجامع المتعلق للأمر و ليس حصّة منه فانَّ الحصّة المقيدة للصلاة بالغصب تعني الصلاة مع تقيدها بالمكان المغصوب مثلًا على نحو دخول التقيد و خروج القيد فعنوان الغصب الّذي هو القيد يبقى خارجاً عن معروض الأمر أو الحبّ المتعلقين بالصلاة حتى إِذا لزم منهما الترخيص في تطبيقه على الحصّة أو تعلّق الحبّ بها بنحو التخيير الشرعي، فيكون معروض الأمر و الحبّ ذات الحصّة و التقيد و معروض النهي و البغض القيد و هو الغصبيّة و لا محذور في ذلك، و هذا بخلاف الشقّ السابق أي ما إِذا تعلّق النهي بالحصّة المقيّدة- كالصلاة في الحمام أو في المكان المغصوب- حيث انَّه سوف يتعلّق النهي و البغض بالحصّة المقيّدة التي يلزم من الأمر بالجامع المنطبق عليها الترخيص فيها أو تعلّق الحبّ بها بنحو التخيير الشرعي فيجتمع المتضادان في مركز واحد، نعم هناك تحفّظ أساسي هنا سوف يأتي بيانه.

و من مجموع ما تقدّم إلى هنا نستطيع أَنْ نستخلص ثلاثة ملاكات و تقريبات لجواز اجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد لو تمّ شي‏ء منها في مورد جاز الاجتماع.

الملاك الأول: انَّ الأمر إِذا كان متعلّقاً بصرف وجود الطبيعة في الخارج فحتى إِذا كان النهي متعلّقاً بالفرد و الحصّة لا تضاد بينهما، إِذ لا محذور في أَنْ يريد المولى صرف الوجود للجامع و ينهى عن فرد من أفراده.

الملاك الثاني: أَنْ يكون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي عنواناً و إِنْ انطبقا على وجود واحد في مورد خارجاً، لأنَّ تعدد العنوان يؤدّي إِلى تعدد ما هو معروض الأمر و النهي و الحبّ و البغض حقيقة و ذاتاً.

الملاك الثالث: أَنْ يكون التركيب بين عنواني المأمور به و المنهي عنه انضماميّاً

39

لا اتّحاديّاً، أي يكون تعدد العنوان مستلزماً لتعدد المعنون خارجاً.

و الملاك الثالث هو الّذي بنى عليه المحقّقون جواز الاجتماع كبرويّاً و إِنْ اختلفوا في تشخيص موارده صغرويّاً، و سوف يأتي الحديث عن ذلك مفصلًا.

و الملاك الثاني قد أوضحناه الآن و على أساسه أثبتنا جواز الاجتماع حتى مع وحدة المعنون.

و الملاك الأول قد بيّنا فيما سبق انَّه و إِنْ كان صحيحاً في نفسه بلحاظ نفس الأمر و النهي إِلّا انَّه لو لاحظنا ما ادّعينا وجداناً لزومه عن الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود من التخيير الشرعي في عالم الحبّ و الإرادة المستلزم لتعلّق الحبّ بالفرد عند ترك سائر الأفراد لزم التضاد بين الأمر بالجامع و النهي عن الفرد في عالم الحبّ و البغض الّذي هو عالم المبادئ و روح الحكم [1].

____________

[1]- ذكر سيدنا الأستاذ (قدس سره الشريف) ) خارج البحث تعليقاً على هذا الملاك لجواز الاجتماع بأنَّ ما ذكرناه في ردّه من سريان المحبوبيّة من الجامع إلى الفرد لا يشكل محذوراً ثبوتيّاً للامتناع و انَّما هو مجرّد محذور إثباتي مخصوص بما إذا كان الأمر و النهي ثابتين بدليلين لفظيّين.

توضيح ذلك: انَّ حبّ الفرد المتولد من حبّ الجامع تارة يكون بنحو بحيث يغلب مبغوضيّة الفرد المحرم بعد الكسر و الانكسار بين مصلحة الجامع المتحقّقة بالفرد و مفسدته فيكون الفرد محبوباً و لكن بدرجة أخفّ من محبوبيّة سائر الأفراد، و أخرى: يفرض غلبة المبغوضيّة فلا حبَّ للجامع المنطبق على هذا الفرد المبتلى بالمفسدة.

فعلى الأوّل يمكن ثبوتاً بقاء الأمر بل الحبّ على الجامع رغم تعلّق النهي بالفرد غاية الأمر لا يكون ملاك النهي مبغوضيّة الفرد بل وجود المفسدة فيه أو قلّة محبوبيّته، فالمولى ينهى عنه لكي يطبّق المكلّف الجامع على الأفراد غير المبتلاة بالمفسدة و الواجدة للمحبوبيّة الكاملة و لكن لو أتى به كان واجداً للمصلحة و المحبوبيّة.

و على الثاني أيضا يبقى‏ الأمر على الجامع المنطبق على الفرد المبغوض و لا ينحسر عنه إلى الجامع المختصّ بسائر الأفراد، لأنَّ هذا الفرد و إنْ لم يكن محبوباً إِلّا انَّه واجد للمصلحة و ملاك الأمر و معه لا وجه لبقاء الأمر و معاقبة المكلّف على تركه للجامع ضمن سائر الأفراد بعقاب زائد على ارتكابه للحرام بل يبقى الأمر متعلّقاً بالجامع رغم عدم محبوبيّة هذا الفرد و لكن ينهى عن الفرد لكي يدفع المفسدة و المبغوضيّة، فانَّ الأمر و النهي لا يلزم أَنْ ينشأ دائما عن المحبوبيّة و المبغوضيّة الفعليّتين في متعلقيهما و انَّما ظاهرهما ذلك، مع إمكان أن تكون إحداهما أو كلتاهما شأنية و لا يقدح ذلك في تنجز الأمر أو النهي و دخوله في عهدة المكلّف فانه يكفي في ذلك إبرازهما من قبل المولى و التصدّي لتحصيل ملاكهما إذا كان ممكناً كما في المقام، و هذا يعني انَّ دليلي الأمر و النهي لو كانا لفظيين بحيث يستظهر منهما المحبوبيّة و المبغوضيّة الفعليتين وقع التنافي بينهما بلحاظ هذا الظهور و امّا إذا كان أحدهما لبّيّا كالإجماع أمكن الجمع بينه و بين مدلول الآخر، فالمحذور إثباتي و ليس ثبوتيّاً ... انتهى بيانه (قدس سره الشريف) ).

هذا و لكن يخطر في الذهن القاصر تحفّظان على هذا البيان:

الأول- انّنا لو وافقنا على هذا البيان فلا وجه للقول بالامتناع حتى إثباتاً و في موارد ثبوت الأمر و النهي بدليلين لفظيين، لأنَّ دلالة الأمر و النهي على المحبوبيّة و المبغوضيّة ليست إِلّا دلالة التزاميّة مبنيّة على قاعدة التبعيّة أو على الغلبة و الاستئناس العرفي نتيجة انَّ من يأمر بشي‏ء يُحِبُّ المأمور به عادة و من ينهى عن شي‏ء يبغضه، و كلا هذين الملاكين لا يستوجبان رفع اليد عن المدلول المطابقي‏

40

ثمّ انَّ هنا تحفّظات للقول بالجواز لا بدَّ من التنبيه عليها:

التحفّظ الأول: عدم جواز الاجتماع إِذا كان الواجب عباديّاً لا باعتبار لزوم غائلة التضاد بل باعتبار عدم إمكان التقرّب، فانَّ الفرد إذا كان مبغوضاً للمولى فلا يمكن التقرّب به فانَّ الإتيان بالمبغوض مبعد عن المولى و ليس مقرباً له و معه لا يقع الفرد مصداقاً للواجب لاشتراط القربة فيه.

و يشترط في هذا التحفّظ أَنْ يكون النهي واصلًا فمع الجهل به يمكن التقرّب و يقع المجمع مصداقاً للواجب، و هذا أحد الفروق و الثمرات بين القول بالامتناع و القول بالجواز فانَّه على الأول يقع العمل باطلًا حتى مع الجهل بالنهي بخلافه على الثاني، و سوف يأتي مزيد تعرّض لثمرات القولين في تنبيهات المسألة.

التحفظ الثاني: إنَّ تعدد العنوان انَّما يشفع للجواز فيما إِذا كان العنوانان حقيقيين- سواءً كانا ماهويين أو انتزاعيين- لا ما إِذا كانا من العناوين التي ينشئها العقل كعنوان أحدهما أو واحد منهما، فانَّ هذه العناوين ليست إِلّا رموزاً يشير بها الذهن إلى الخارج لا أكثر، فلو أمر بأحد الخصال الثلاث لم يمكن أَنْ ينهى عن أحدها بالخصوص- كالعتق مثلًا- لأنَّ معروض الأمر و الحبّ سوف يكون واقع الخصال بنحو التخيير

____________

لخطاب الأمر و النهي في مورد الاجتماع، إذ يمكن ثبوتهما غاية الأمر لا يستكشف من مدلوليهما الالتزامي أكثر من الملاك أي المصلحة و المفسدة، و أي محذور فيه بعد أَنْ كان ذلك مدلولًا التزاميّاً تصديقيّاً؟ خصوصاً و انَّ خطابات شارعنا الأقدس تنشأ عن مصالح و مفاسد ترجع إلى العباد لا إلى المولى نفسه و رغباته أو ميوله.

الثاني- اننا لو ميزنا بين الحبّ و بين الإرادة التشريعية بمعنى التحريك و الدفع المولوي نحو الفعل و جعلنا هذا هو روح الحكم و حقيقته سواءً أبرزه بصيغة الاعتبار و الإنشاء أو الاخبار، و قلنا برجوع التخيير العقلي إلى الشرعي بلحاظ روح الحكم أي إرادة المولى التشريعيّة أو لزوم الترخيص في تطبيق الجامع على الفرد من الأمر به أو لزوم التهافت و اجتماع الضدّين في اللحاظ. فالمحذور أعني التضاد باقٍ على حاله، لأنَّ المولى لا يمكنه أَنْ يدفع المكلّف نحو الصلاة في الحمّام مثلًا و يمنعه عنها في ذات الوقت، بل امّا أَنْ يدفعه إليها أو يمنعه عنها فإذا ثبت انَّه يمنعه عنها تقيّد دفعه و تحريكه بغيرها من أفراد الطبيعة لا محالة.

و امّا تحقق المصلحة بالفرد المحرم أيضا فهذا و إنْ كان ممكناً ثبوتاً و موجباً لسقوط الأمر و عدم عقاب المكلَّف بتركه لسائر الأفراد إِلّا انَّه لا يبرر الأمر بالجامع المنطبق على الفرد المحرم إذا كان روح الأمر و حقيقته الدفع و التحريك المولوي لا مجرد الملاك و المصلحة أو المحبوبيّة و لو الشأنية المبرزة بالأمر، فيتعيّن للمولى إذا فرض اشتمال الفرد المحرم على مصلحة الواجب أَنْ يأخذ عدمه قيداً في موضوع الإرادة كما لو تحققت المصلحة بفعل الغير أو من نفسها لا أَنْ يأمر به فانه محال. و منه يظهر ان ما أفيد من انَّ المولى يمكنه انْ يبقي أمره في الصورتين على الجامع و لكن لا يكشف عن المحبوبيّة التامة بل الناقصة أو لمجرد المصلحة بنفسه يشكل دليلًا على انَّ حقيقة الحكم و روحه ليست المحبوبيّة و المبغوضيّة بل التصدّي و التحريك المولوي المعبّر عنه بالإرادة و الكراهة التشريعيتين المضاهيتين للإرادة و الكراهة التكوينيتين و حينئذ لا بدَّ من ملاحظة التضاد و التمانع بلحاظ هذا المركز كما ذكرنا لا المحبوبيّة و المبغوضيّة.

41

الشرعي. و إن شئت قلت: انَّ الذهن من خلال هذا العنوان الانتزاعي يرى‏ واقع العناوين المنطبق عليها فيلزم التهافت و التضاد بهذا اللحاظ.

التحفّظ الثالث: إنَّ العنوانين المتغايرين إِذا اشتركا في جزء كما إِذا أمر بتعظيم العادل و نهى عن تعظيم الفاسق فقام المكلّف لمجي‏ء العادل و الفاسق في مورد مثلًا بحيث انطبق على فعله العنوانان معاً كان هذا من الشقّ الأول لأنَّ الجزء المشترك و هو التعظيم سوف يكون محبوباً و مأموراً به ضمناً و باعتبار لزوم التخيير الشرعي منه سوف يتعلّق الحبّ بالفرد المبغوض لا محالة، و هذا يعني انَّ تعدد العنوان انَّما يوجب جواز الاجتماع إذا كانا متمايزين بتمام حقيقتهما و امّا إِذا كانا متغايرين في الخصوصية مع الاشتراك في ذي الخصوصية لحق بالشقّ الأول.

و بما ذكرناه من التحفُّظات حول الملاك الثاني للجواز أعني كفاية تعدد العنوان لدفع غائلة التضاد يظهر انّنا بحاجة أيضا إلى البحث التطبيقي- الصغروي- للملاك الثالث من ملاكات الجواز و هو ما دار بين المحقق الخراسانيّ و النائيني و السيد الأستاذ من انَّ المجمع هل يكون واحداً أو متعدداً، فانَّه إذا ثبت انَّه متعدد أمكن الاجتماع و كذلك التقرّب لا محالة بالمجمع و إِنْ كان منضمّاً إلى ما يكون مصداقاً للحرام.

و قد ذكرنا فيما سبق انَّ القوم انّما اتجهوا هذا المنحى في تصوير الجواز و عدم الاكتفاء بتعدد العنوان باعتبار ما اشتهر من أنَّ الأحكام انَّما تتعلّق بالعناوين لا بما هي هي بل بما هي فانية في الخارج و حاكية عنه فالمعروض هو الخارج فلا بدَّ من تعدّده.

و نحن قد كشفنا وجه المغالطة في ذلك حيث قلنا انَّ هذا الفناء و الإفناء ليس بمعنى انَّه يوجد هناك شيئان العنوان و المعنون و انَّ الحكم يعبر من الأول إلى الثاني، بل ليس هنالك إِلّا معروض واحد للحكم و هو العنوان غاية الأمر انَّه تارة يلحظ بالحمل الأوّلي فيكون معروضاً للحكم و أخرى بالحمل الشائع فلا يكون معروضاً، فالفناء في الخارج ليس إِلّا عبارة عن لبس نظارة الحمل الأوّلي في مقام جعل الحكم فيرى العنوان كأنَّه شي‏ء في الخارج فإذا تعدد العنوان تعدد لا محالة خارجيتهما بهذا المعنى و لا ربط لذلك بالمعنون أو الوجود الخارجي أصلًا.

42

ثمَّ لو سلَّمنا بأنَّ الحكم من خلال العنوان يعرض على المعنون الخارجي و قطعنا النّظر عن محاذيره و لوازمه الباطلة، فغاية ما يمكن تسليمه انَّ الذهن حينما يدرك العنوان يجعله أداة لصبّ الحكم على المعنون و رؤيته بالعنوان إِلّا أنَّ جواز الاجتماع على هذا المسلك أيضا لا يحتاج إلى فرض تعدد المعنون في الوجود الخارجي بل يكفي تعدد المقدار المرئي من المعنون بكل من العنوانين سواءً كان وجوده متّحداً مع المرئي بالعنوان الآخر أم لا، لأنَّ العنوان انَّما يحكي عن معنونه بمقداره لا بأكثر من ذلك من دون فرق بين العناوين الذاتيّة- نوعية كانت أم جنسية أم فصلية- أو الانتزاعيّة كالفوقية و التحتيّة لأنَّها أيضا حيثيات واقعية في خارج الذهن و إِنْ لم تكن من سنخ الوجود.

و أيّاً ما كان فقد ذكر المحقّق الخراسانيّ (قده) انَّ المجمع واحد مهما تعدد العنوان، لأنَّ عناوين متعددة قد تنطبق على وجود واحد و ربّما يكون بسيطاً من كلّ الجهات كالواجب تعالى فمجرّد تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون.

و من هنا ذهب صاحب الكفاية إلى امتناع الاجتماع.

و المحقق النائيني (قده) ذكر في المقام انَّ العناوين على قسمين:

القسم الأول: العناوين الاشتقاقيّة التي تحمل على الذات كالطويل و العالم و العادل و غيرها.

و القسم الثاني: مبادئ اشتقاق تلك العناوين أي الطول و العلم و العدالة.

و النوع الأول من العناوين تنتزع عن الذات المحمولة عليها باعتبار قيام المبادئ و الأعراض بها، إِلَّا أنَّ هذا القيام مجرّد حيثيّة تعليليّة في الصدق لا تقييديّة لوضوح انَّ الحمل و الصدق على الذات لا على تلك المبادئ، فإذا كانت هذه العناوين منتزعة من الذات و جهات صدقها عليها تعليلية و ليست تقييديّة فتعددها لا يوجب تعدد المعنون و إِنْ كانت النسبة بينهما عموم من وجه و من هنا يكون التركيب بين العنوانين الاشتقاقيين كالحلو و الأبيض و المصلّي و الغاصب في مورد الاجتماع اتحاديّاً دائماً.

و امّا النوع الثاني من العناوين فحيث انَّها تنتزع من نفس المبادئ و التي هي عناوين ذاتيّة لها و تكون هي مصداقها بنحو الحيثيّة التقييديّة فتعددها يوجب تعدد المعنون خارجاً إذا كان بين العنوانين عموم من وجه كالغصب و الصلاة- لا الغاصب‏

43

و المصلّي- إذ في هذا الحال لا بدَّ لكلّ من العنوانين من جهة صدق بنحو الحيثية التقييديّة محفوظة في مورد افتراقه عن الآخر و هذا لا يكون إِلّا مع تعدد المعنون و إِلّا لزم عدم صدقهما في مورد الاجتماع، و هكذا يتبرهن: انَّ التركيب انضمامي في مورد الاجتماع بلحاظ المبادئ و العناوين الذاتيّة إذا كان بينهما عموم من وجه كالغصب و الصلاة، و من هنا قال هذا المحقق بالجواز.

نعم لو كانت النسبة التساوي أو العموم من وجه فقد يكون التركيب اتحاديّاً كما في العناوين و الماهيات الطولية كالأجناس المتصاعدة أو النوع و الفصل و لا يتمّ فيهما البرهان الّذي ذكر.

و السيد الأستاذ وافق على أصل هذا الاستدلال إِلّا انَّه استثنى منه العناوين الانتزاعية التي لا حقيقة مقولية خارجية لها كالفوقيّة و التحتيّة و نحو ذلك، فانَّها حيث انَّها ليست من الماهيات المتأصّلة في الخارج فتعددها لا يستدعي تعدد المعنون خارجاً لأنّها قد تنتزع من مبادئ و مناشئ متباينة فانَّ السقف فوق و الكتاب فوق و السماء فوق و هكذا، و حيث انَّ الغصب و الصلاة من هذه العناوين فلا بدَّ من ملاحظة منشأ انتزاعهما في الخارج فإذا كان حركة واحدة لزم الامتناع.

و الواقع انَّ مرد هذا الاختلاف بين الأستاذ و شيخه لعلّه في الصغرى و ليس كبرويّاً، بمعنى أنَّه يرجع بحسب روحه إلى تشخيص انَّ الحمل المعقول في العناوين الانتزاعية هل هو حمل اشتقاق فقط- أي حمل ذو هو- فيقال السقف فوق أي ذو فوقية كما يقال الإنسان عالم أي ذو علم؟ أو يعقل فيها أيضا حمل مواطاة- أي حمل هو هو- كما يعقل ذلك في المبادئ الذاتيّة المتأصّلة فيمكن أَنْ يشار إلى حيثية في الخارج و يقال انَّها فوقية أو تحتية؟.

ذهب الحكماء إلى انَّ هذه العناوين ظرف العروض فيها الذهن و ظرف اتصافها الخارج، و عليه فلا توجد في الخارج حيثية نستطيع أَنْ نشير إِليها بحمل مواطاة. و نحن قلنا مراراً انَّ هذا الكلام غير معقول و انَّ ظرف العروض لا بدَّ و أَنْ يكون هو ظرف الاتصاف و انَّ هذه الأمور واقعية ثابتة خارج الذهن في لوح الواقع الّذي هو أوسع من لوح الوجود، فهناك حيثية في خارج الذهن يحمل عليها عنوان الفوقية و يصدق عليها

44

على حدّ صدق سائر المبادئ الذاتيّة على مصاديقها بحمل مواطاة.

و على كلّ حال فالنزاع بين العلمين كأنَّه يرتبط بهذه النكتة إثباتاً و نفياً و كان ينبغي أَنْ ينتهي البحث بينهما إلى توضيح حقيقة هذه العناوين من هذه الناحية و انَّها هل لها مصداق بالذات في الخارج أم لا؟ فان كان لها مصداق بالذات تحمل عليه بحمل مواطاة كان الصحيح ما ذهب إليه الميرزا (قده) فانه لا محالة تكون نسبتها إلى مصداقها بالذات نسبة الماهية المتأصلة إلى مصداقها في الخارج، فكما يستحيل قيام ماهيّتين عرضيتين بوجود واحد في الخارج فانَّ لكل ماهية عرضية وجوداً واحداً لا محالة كذلك لا يمكن أَنْ يكون لجهة خارجية واحدة عنوانان ذاتيان عرضيان.

و ما ذكره الأستاذ من انتزاع عنوان الفوق و التحت من مقولات متباينة كالسقف و السماء يكون من الخلط بين حمل مواطاة و حمل اشتقاق، فانَّ السقف و السماء المتباينين يحمل عليهما الفوق بحمل اشتقاق لا مواطاة و هذا ثابت حتى في الماهيات المتأصلة كما تقدّم.

و إِنْ أنكرنا أَنْ تكون لهذه الحيثيات خارجية كما ذهب إليه مشهور الحكماء و انَّما الخارجية لمناشئها، أي لما تحمل عليه بحمل اشتقاق كان الصحيح ما ذكره الأستاذ، و حيث انَّ مختارنا واقعية هذه العناوين فالصحيح كبروياً ما ذهب إليه الميرزا (قده).

ثمّ انَّ ما جاء في كلام الميرزا و وافق عليه الأستاذ من اختصاص البرهان على تعدد المعنون بما إذا كان العنوانان بنحو العامين من وجه لم نفهم له وجهاً، فانَّ فذلكة البرهان انَّ حيثيّتين عرضيتين يستحيل أَنْ يكون لهما مصداق واحد بالذات في الخارج إذ يستحيل أَنْ يكون للشي‏ء الواحد ماهيّتان عرضيّتان سواءً كانت النسبة بينهما عموم من وجه أو التساوي، نعم يمكن ذلك في الماهيات المتداخلة و التي بعضها يتمم البعض الآخر، و هذه هي الملاحظة الأولى لنا على كلام الميرزا (قده) في المقام.

و الملاحظة الأخرى: انَّ عناوين الأفعال كالغصب و الصلاة و إِنْ كانت من المبادئ بحسب مصطلح اللغويين إِلّا انَّها بحسب الواقع و ما هو منظور بحث الأصولي في المقام تتضمن اشتقاقاً مستتراً، فانَّ الفعل الصلاتي عمل له إضافة إلى المولى بإضافة العبادية كما انَّ الغصب فعل له إضافة واقعية إلى ملك الغير المسمّاة بالغصبية، و حينئذ

45

لو كان الأمر و النهي متعلّقين بالإضافتين لم يكن هناك محذور لتعددهما وجوداً أو واقعاً، فانَّه يمكن للمولى أَنْ يقول اجعل عملك هذا عبادة و مضافاً إلى المولى و لا تجعله غصباً، و امّا إذا كان الأمر و النهي متعلّقين بنفس الفعل المضاف لا الإضافة فالفعل المضاف كالإنسان الموصوف بأنَّه يصلّي أو يغصب يكون حمل العنوانين عليه بحسب الحقيقة حمل اشتقاق الّذي لا يلزم من تعددهما تعدد المعنون.

و هكذا يتّضح: انَّ الملاك الثالث للجواز الّذي ذهب إليه المحقّق النائيني (قده) انَّما يصحّ في خصوص ما إذا كان العنوانان عرضيين و محمولين على الخارج بحمل مواطاة، أي لهما مصداق بالذات بحسب نظر الأصولي لا بحمل اشتقاق و إِلّا فلا يؤدّي تعددهما إلى تعدد المعنون حقيقة و دقة.

و هذا الملاك للجواز إذا قارنّا بينه و بين الملاك الثاني الّذي نحن أثبتناه، و هو كفاية تعدد العنوان لرفع غائلة التضاد، نجد انَّه لا فرق كثير بينهما من حيث النتائج فانَّه في كلّ مورد يصدق فيه هذا الملاك يصدق فيه الملاك الثاني و في كلّ مورد لا يصدق فيه الملاك الثاني لا يصدق فيه هذا الملاك أيضا باستثناء مورد واحد.

توضيح ذلك: انَّه في جميع موارد العناوين التي هي من المبادئ الحقيقية أو الانتزاعية و التي تحمل على مصاديقها بحمل مواطاة كما ينطبق الملاك الثاني للجواز ينطبق الملاك الثالث.

و في العناوين التي تحمل على مصاديقها بحمل اشتقاق بالمعنى الّذي اصطلحنا عليه الشامل لمثل الصلاة و الغصب كما لا ينطبق الملاك الثالث للجواز لا ينطبق الملاك الثاني للجواز بل يكون الاجتماع ممتنعاً، باعتبار انَّه في هذه الموارد سوف يكون بالدقّة للعنوانين محور مشترك هو الذات المتّصفة بالحيثية، و قد ذكرنا في التحفّظ الثالث انه كلّما كان هناك محور مشترك بين العنوانين فلا يتمّ فيه الملاك الثاني للجواز لأنَّه بلحاظ ذلك المحور المشترك سوف يجتمع الأمر و النهي على عنوان واحد [1].

____________

[1]- هذا ليس هو التحفّظ الثالث فانَّ التحفّظ الثالث ما إذا كان بين العنوانين جزء مفهومي مشترك أي عنصر عنواني مشترك كاحترام العادل و احترام الفاسق و في المقام لا اشتراك في مفهوم و جزء عنواني بين الصلاة و الغصب، إذ لو أُريد اشتراكهما في مفهوم الذات و الشي‏ء فمن الواضح انَّ هذه مفاهيم اعتبارية إشارية يستخدمها الذهن للإشارة بها إلى الخارج و ليست جزءاً من‏

46

نعم إذا تعلّق الأمر بعنوان الجنس و النهي بالفصل انطبق الملاك الثاني للجواز دون الثالث، كما إذا أمر برسم الخطّ و نهى عن انحنائه- و الانحناء فصل للخطّ المنحني- فانَّه بناء على الملاك الثاني يجوز ذلك لتعدد العنوان و حيثيّة الانحناء الفصل من المبادئ بالنسبة إلى الخطّ و ليس بينهما محور مشترك.

و امّا بناء على الملاك الثالث فلا يجوز ذلك لأنَّ الفصل خارجيته بوجوده و وجوده في الخارج بعين وجود الجنس، و لهذا قلنا فيما سبق انَّ هذا الملاك يشترط فيه أَنْ يكون العنوانان عرضيين أي ليسا طوليين كالجنس و النوع و الفصل حيث انَّ الفصل متمّم للجنس و في طوله و الوجدان شاهد على صحّة الأمر بالخطّ مع النهي عن انحنائه و هذا بنفسه منبّه وجداني يدلّ على كفاية تعدد العنوان في جواز الاجتماع و إِنْ كان المعنون واحداً بحسب عالم الوجود الخارجي، و هكذا نستنتج انَّ النسبة بين الملاك‏

____________

المفاهيم المنتزعة من الخارج و لهذا يمكن للعقل استخدامها في المتقابلات، و إِنْ أُريد اشتراكهما في المصداق و المعنون فهذا صحيح إِلّا انه ليس من الاشتراك في المفهوم و قد ذكرنا في الملاك الثاني انَّ متعلّق الأمر و النهي ليس هو الخارج و انَّما هو المفهوم و العنوان بالحمل الأوّلي و هو متعدد بحسب الفرض و رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي لا يعني تعلّق الأمر بالخارج و المعنون بل يعني تعلّقه بالعنوان الخاصّ و هو مباين مع العنوان الآخر و إِنْ اتّحدا في الخارج.

و امّا صحّة الأمر بالخطّ و النهي عن الانحناء فيه فهذا خارج عن البحث باعتبار انَّه من الأمر بفعل و النهي عن خصوصيّة فيه و تغايرهما ثابت حتى عند القائل بالامتناع، فانّه من الأمر بالعنوان الاشتقاقي و النهي عن خصوصيّة المبدأ فيه و تعدّدهما لا كلام فيه، كما لو أمر بالصلاة و نهى عن كونها في الحمام، و كون المنطقي يعتبر الانحناء أو منشأه فصلًا متّحداً في الوجود مع وجود الجنس لا يمنع عن كونه بحسب عالم المفاهيم التي هي متعلّقات الأحكام يعتبر صفة و مبايناً في الوجود عن وجود موصوفه.

و أيّاً ما كان فلا بدَّ من استئناف وجه آخر لإثبات الامتناع في مثل الصلاة و الغصب إذا كان الوجدان يحسّ بامتناع اجتماع الأمر بأحدهما مع النهي عن الآخر بالرغم من تعددهما عنواناً، و بهذا الصدد يمكن أَنْ نذكر بيانين لتوجيه هذا الوجدان.

الأول- دعوى انَّ الذهن البشري يتعامل مع العناوين كلّها بشكل واحد و هو الإشارة بها إلى الخارج فكما انَّه يشير و يرمز بالعناوين الاعتبارية كعنوان أحدهما إلى المعنون الخارجي كذلك في العناوين الحقيقية و يرمز بها إلى الخارج، لا بمعنى انَّه يرمز بها إلى وجود الطبيعي و الكلّي في الخارج إذ لا معنى للكلّي إِلّا إمكان الرمز و الإشارة بالمفهوم إلى خارجيّات عديدة بل بمعنى انَّه يرمز بها مباشرة إلى المعنونات و الوجودات الواقعيّة في الخارج، و على هذا سوف يكون الأمر بالصلاة و النهي عن الغصب كالأمر بأحدهما و النهي عنه و الّذي تقدّم في التحفّظ الثاني امتناعه.

و هذا البيان مبنيّ على ما تبنته المدرسة الوضعيّة في المنطق من إنكار المفاهيم و القضايا الكلّيّة و افتراض أنَّ العناوين ليست إِلّا رموزاً و إشارات يستخدمها الذهن في التعامل مع الخارج.

الثاني- انَّ الذهن عند ما يرى اجتماع عنوانين متغايرين على معنون واحد فسوف يرى كأنَّ أحدهما أصبح مصداقاً للآخر بالعرض في ذلك المورد- و إِنْ لم يكن مصداقاً له بالذات- و بهذه الرؤية لا يمكن أَنْ يتعلّق بأحدهما الأمر و بالآخر النهي فانه تهافت‏

.

47

الثاني للجواز و الملاك الثالث العموم و الخصوص المطلق أي انَّ الملاك الثاني أوسع من الملاك الثالث، كما انَّ النسبة بين هذين الملاكين للجواز و بين الملاك الأول الّذي كان يكتفي في الجواز بأَنْ يكون الأمر بصرف الوجود و النهي عن الفرد- مع قطع النّظر عن مسألة لزوم التخيير الشرعي بحسب عالم الإرادة و الحبّ- هو العموم من وجه إذ يفترق الملاك الأول عن الأخيرين في مثل الأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الحمام و يفترق الأخيران عنه فيما إذا فرض انَّ الأمر كان بنحو مطلق الوجود أيضا لا بنحو صرف الوجود.

و بعد هذا ينبغي البحث في التطبيق المعروف لهذه المسألة و هو الصلاة في المغصوب.

التطبيق المعروف لمسألة الاجتماع‏

لا إشكال في الأمر بالصلاة و النهي عن الغصب و قد وقع من جراء ذلك البحث في حالة ما إذا اجتمع هذان العنوانان في مورد واحد، كما إذا صلّى في المغصوب فهل يمكن أَنْ تكون الصلاة حينئذٍ صحيحة و مصداقاً للمأمور به، أم لا؟.

و هذا الفرع ينحل إلى فرعين:

الفرع الأول- الصلاة في اللباس المغصوب.

الفرع الثاني- الصلاة في المكان المغصوب.

و الفرع الأول- فيه مسألتان:

إحداهما- أَنْ يكون اللباس المغصوب هو الساتر.

الثانية- أَنْ لا يكون هو الساتر بل امر آخر.

و يوجد تقريبان لإثبات الامتناع يختص أحدهما بالمسألة الأولى بينما يعم ثانيهما كلتا المسألتين.

اما التقريب المختص بالمسألة الأولى: فهو انَّ الستر جزء واجب في الصلاة فلو كان باللباس المغصوب كان حراماً لكونه تصرفاً في المغصوب فيلزم اجتماع الأمر و النهي في فعل واحد.

48

و هذا التقريب غير تام، لأنَّ المورد ليس من موارد مسألة الاجتماع لأنَّ التستر بحسب الحقيقة قيد للصلاة و ليس جزءاً منها على حد قيدية الاستقبال، و في القيود الأمر لا ينبسط على القيد بل على التقيد فحسب فيكون التستر خارجاً عن مصب الأمر بالصلاة، و الدليل على ذلك مضافا: إلى قصور الأدلة عن إثبات جزئية التستر، انه لو كان جزءاً لكان يجب إتيانه على وجه قربي مع وضوح انّه قد لا يكون ملتفتاً إليه و لا يجب إتيانه مَع قصد القربة، فلو لم يقم إجماع تعبدي على اشتراط إباحة الساتر كان مقتضى‏ القاعدة صحة الصلاة في الساتر المغصوب.

و امّا التقريب الثاني و الّذي يعم المسألتين: فهو لزوم اجتماع الأمر و النهي لا بلحاظ الستر بل بلحاظ الفعل الصلاتي نفسه من قيام و ركوع و سجود، لأنَّ هذه الأفعال الصلاتية تستوجب تحريك الثوب أو الساتر المغصوب و التصرف فيه إذ الركوع و السجود و القيام تستلزم الهويِّ و النهوض و هما علّة تحريك اللباس المغصوب فلو كان الهويّ و النهوض إجزاءً للصلاة لزم الاجتماع بلحاظهما لأنَّ علّة الحرام حرام أيضا، و لو فرض انَّهما مقدمتان لما هو جزء من الرّكوع و السّجود قيل بأنَّ نفس الركوع و السجود أيضا علّة لتحريك الثوب أو طيِّه و هو تصرف فيه. و هذا البيان لو تمّ فلا يفرق فيه بين الساتر المغصوب و غيره كما لا يخفى.

و فيه: انَّ الأفعال الصلاتية ليست علّة تامة لتحريك اللباس المغصوب- حتى لو فرضنا انَّ هذا التحريك تصرف في الغصب و محرم- لأنَّ مجرد الركوع و السجود أو النهوض و الهويِّ ليس تمام السبب في تحرك الثوب بل هناك اجزاء أُخرى له لا أقل من إبقاء الثوب على البدن و عدم فصله عنه حين الركوع و السجود. و هكذا يتضح انَّ الفرع الأول خارج عن مسألة الاجتماع.

و امّا الفرع الثاني- أي الصلاة في المكان المغصوب فقد يتصور أنه من تطبيقات مسألة الاجتماع، حيث انَّ عنوان الصلاة مأمور به و عنوان الغصب منهي عنه و هما صادقان في المجمع.

و لكن ينبغي أَنْ يعلم: انَّ عنوان الغصب ليس إلّا عنوانا مشيراً إلى واقع العناوين و التصرفات الخارجية في مال الغير كالدخول في (بيوتِ غير بيوتكم) و

49

(أكل مال الغير) و غير ذلك مما دلت الآيات و الروايات على حرمتها، و عنوان الغصب ليس بنفسه مركز النهي و مصبه، و عليه فالحرام في مكان راجع إلى الغير انما هو التصرف فيه بتغيير أو بالكون فيه و إشغال حيِّزٍ منه أو بإلقاء الثقل عليه و نحو ذلك.

فلا بدَّ و أَنْ نرى انَّ هذه العناوين يتَّحد شي‏ء منها مع فعل من افعال الصلاة أم لا؟ فنقول:

الصلاة تشتمل على عدة أمور:

منها- النية و القصد، و لا إشكال في انه ليس شيئا من العناوين المحرمة المذكورة.

و منها- ما هو من مقولة فعل اللسان، كالقراءة و التسبيح و التهليل و الذّكر، و هذا أيضا ليس مصداقا لشي‏ء من العناوين المحرمة.

و دعوى: انَّ القراءة يستوجب تحريك الهواء و تموّجه و هو تصرف في فضاء ملك الغير و هوائه.

مدفوعة: أولًا- بأنَّ القراءة أو الصوت ليس عين التموج في الهواء و انما يحصل بسببه فيكون التموّج علّة لحصول الصوت و القراءة لا نفسها.

و ثانياً- لو سلّمنا انه نفس التموج فلا دليل على حرمة التصرف في هواء ملك الغير فانَّ الإنسان يملك الفضاء لا الهواء الّذي فيه، و لهذا يجوز سحبه و تغييره أو سحب جزء من خارجه.

و ثالثاً- لا دليل على حرمة هذا المقدار من التصرف، فانه بحسب نظر العرف ليس هذا تصرفاً أو تغييراً في ملك الغير ليشمله دليل حرمة التصرف، خصوصاً بعد أَنْ لم يكن هناك دليل لفظي مطلق.

و منها- ما يكون من مقولة افعال الجوارح كالركوع و السجود و القيام، فيقال: بأنَّ هذه الأفعال بنفسها تصرف في المكان المتعلق بالغير.

و فيه: انَّ القيام و الركوع و السجود بما هي افعال المصلي تصرف في جسم الراكع و القائم و الساجد لا في ملك الغير، نعم كون المصلي في ملك الغير تصرف فيه إلّا أنَّ هذا الكون ليس جزءاً من أفعال الصلاة.

و قد يقال: انَّ من الأفعال الاستقرار و هو كون في المكان المغصوب.

50

و فيه: انَّ الاستقرار و الطمأنينة يعني عدم الاضطراب و التأرجح يمنة و يسرة و هذا غير الكون في المكان المغصوب و لهذا يمكنه أَنْ ينتقل من مكان إلى آخر دون الإخلال بالطمأنينة.

و قد يقال: بأنَّ الهويّ إلى الركوع أو السجود تصرف و حركة في ملك الغير و فضائه و هو محرم أيضاً. و الجواب: انَّ الهويّ ليس جزءاً من الصلاة و إِن كان مقدمة لبعض اجزائه.

و هكذا يتضح: انَّ هذه البيانات كلها لم تنجح لتصوير مركز اجتماع بين المأمور به و المنهي عنه.

نعم هناك أمر رابع ربما يكون بلحاظه الاجتماع و هو مربوط بتحقيق معنى السجود، فانه قد يقال: انَّ السجود ليس عبارة عن مجرد التَّماس بين الجبهة و الأرض و انما فيه معنى وضع الجبهة على الأرض الّذي هو نحو إلقاء الثقل على الأرض و هو نوع تصرف فيها، و حينئذ إِنْ قلنا بجواز الاجتماع على أساس الملاك الثالث أو الثاني فبعد أَنْ عرفت انَّ المحرم ليس هو عنوان الغصب بل واقع الفعل الّذي يتحقق به الغصب- و هو إلقاء الثقل في المقام- يظهر عدم انطباق شي‏ء من الملاكين للجواز هنا، نعم لو قبلنا الملاك الأول القائل بأنَّ الأمر بصرف الوجود لا يتنافى مع النهي عن الفرد و الحصة جاز الاجتماع في المقام. و هكذا يتضح: انَّ الاجتماع انما يمكن ادعائه بلحاظ السجود و وضع الجبهة على الأرض في الصلاة فما لا سجود فيه بهذا النحو من الصلوات لا يكون من تطبيقات هذه المسألة أي من زاوية مسألة امتناع الاجتماع لا محذور فيها و إِنْ كان من الزاوية الفقهية قد يستدل ببعض الروايات على بطلان الصلاة في المكان المغصوب، و البحث عنه في ذمة علم الفقه.

بعد هذا يقع البحث في تنبيهات مسألة الاجتماع، و قد أدرجنا فيها جملة من البحوث التي قدمت في كلمات المحققين على استعراض أصل المسألة لما وجدناه من انَّ تحقيق تلك الأمور متفرع على فهم أصل مسألة الاجتماع و ملاكات الجواز و الامتناع فيها

.

51

تنبيهات مسألة الاجتماع‏

التنبيه الأول- في تحقيق هويّة هذه المسألة من حيث كونها أصولية أو فقهيّة أو كلامية أو من المبادئ التصديقية.

و قد ذكر صاحب الكفاية طبقا لضابطة أصولية المسألة عنده أنها أصولية لوقوع نتيجتها في طريق استنباط حكم شرعي كلي هو صحة الصلاة في الدار المغصوبة أو بطلانها (1).

و أشكل عليه المحقق النائيني (قده) بأنَّ اللازم وقوعها كبرى في قياس الاستنباط طبقا لمبناه في أصولية المسألة- أي لا يحتاج معها إلى ضم كبرى أخرى و بما ان هذه المسألة من دون ضم كبرى أخرى إليها كفساد العبادة بالنهي عنها لا تثبت حكما شرعياً فلا يمكن ان تكون مسألة أصولية (2).

و أجاب السيد الأستاذ عن الإشكال: بكفاية استغنائها عن كبرى أخرى على أحد التقديرين، و هو تقدير القول بالجواز فانه لا يحتاج في تصحيح العبادة عندئذٍ إلى كبرى أخرى‏ (3).

و لنا على كل هذه الكلمات ملاحظات.

امّا كلام الأستاذ فيمكن الإجابة عليه: بعد تسليم الضابطة المذكورة لأصولية المسألة بأنه حتى على تقدير القول بالجواز نحتاج إلى ضم كبرى أصولية أخرى إذ لو قيل بالجواز بملاك كفاية تعدد العنوان كان لا بدَّ من ضم كبرى عدم قدح النهي عن مصداق المأمور به و لو بعنوان آخر في صحة العبادة و استئناف بحث حول ذلك.

و إِنْ قيل بالجواز بملاك تعدد المعنون فأيضاً نحتاج في تصحيح العبادة امّا إلى القول بإمكان الترتب، كما لو فرض عدم المندوحة أو وجودها و لكن قلنا بأنَّ الأمر بالجامع بين الفرد غير المزاحم مع الحرام و الفرد المزاحم غير ممكن إلّا بنحو الترتب‏

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 226.

(2)- فوائد الأصول، ج 1، ص 399.

(3) هامش أجود التقريرات، ج 1، ص 333- 334.

52

لاشتراط أَنْ يكون متعلق الأمر مقدوراً عقلا و شرعا كما ذهب إليه المحقق النائيني، أو إلى كبرى إمكان الأمر بالجامع بين المقدور و غير المقدور، اذن فتصحيح العبادة في مورد الاجتماع بحاجة إلى ضم كبرى أخرى على كل حال، فإذا فرض انَّ الثمرة لهذه المسألة تصحيح العبادة في مورد الاجتماع فهي تتوقف على ضمّ قاعدة أُخرى على تمام تقادير مسألة الاجتماع.

و امّا التعليق على كلام المحقق النائيني (قده) فبأن لصاحب الكفاية أَنْ يجعل الثمرة المستنبطة من هذه المسألة نفس الوجوب و الحرمة في مورد الاجتماع إثباتاً و نفياً فانهما حكمان شرعيان كليان أيضاً، فلا حاجة إلى جعل خصوص صحة العبادة أو بطلانها في المجمع ثمرة، و هذه الثمرة لا يحتاج في استنباطها إلى ضم كبرى أخرى.

هذا، و الصحيح: انَّ كل هذا الكلام لا موضوع له بناء على ما هو الضابط عندنا لأصولية المسألة من أَنْ تثبت الحكم الشرعي الكلي بنحو الاستنباط و التوسيط و أَنْ تكون مشتركة سيّالة في أكثر من باب فقهي و أَنْ تكون مرتبطة بالشارع لا أجنبية عنه، فكلما تحققت هذه الخصائص الثلاث في مسألة كانت أصولية، و هي مجتمعة في مسألتنا هذه فانها تثبت الوجوب و الحرمة أو الصحة و البطلان في مورد الاجتماع بنحو التوسيط لا التطبيق، فانَّ الوجوب أو الصحة كحكمين شرعيين مجعولين يستنبطان من قاعدة إمكان الاجتماع العقلية و ليست تطبيقاً لها، كما انَّ القاعدة لا تختص بباب فقهي خاص، و هي مرتبطة بالشارع و أحكامه من وجوب أو حرمة و ليست مرتبطة بأمر خارجي مستقل عن الشارع كوثاقة الراوي أو فسقه.

فالصحيح انَّ هذه المسألة أصولية.

التنبيه الثاني- انَّ الإمكان و الامتناع المبحوث عنهما في هذه المسألة هل هو بحسب نظر العقل أو العرف؟

فانه ربما قيل بإمكان الاجتماع عقلا و امتناعه عرفا.

و قد استشكل فيه: بأنَّ الإمكان و الامتناع امران واقعيان يدركهما العقل و لا شأن للعرف في ذلك و ليس نظره حجة في تشخيصهما و إنَّما يمكن أَنْ يحتجّ بنظر العرف في باب المفاهيم و تحديد مداليل الألفاظ.

و التحقيق: انَّ نظر العرف في تشخيص المصاديق من حيث هو تشخيص‏

53

للمصاديق و إِنْ لم يكن حجة كما أُفيد، إلّا انه لو فرض نشوء دلالة التزامية عرفية للدليل اللفظي نتيجة نظر عرفي في المصداق أو نتيجة امتناع يتصوره العرف و إنْ لم يكن امتناعا بالدقة فهذه الدلالة الالتزامية العرفية سوف تكون مشمولة لدليل حجية الظهور و الدلالات أيضاً، و الحاصل: كلّما كان هناك توسعة في الدلالة أو المفهوم للدليل و لو كان في طول نظر عرفي تطبيقي كان حجة و مفيداً فقهياً. و هذا له تطبيقات كثيرة في الفقه، فمثلًا دليل مطهرية شي‏ء يدل عرفا و بالملازمة على طهارته لأن المطهر لا يعقل عرفاً أَنْ لا يكون طاهراً مع انه عقلًا لا امتناع في ذلك و دليل نجاسة الماء النجس المتمم بالطاهر كراً يلازم عرفاً نجاسة الماء كله و إِنْ كان عقلًا لا يمتنع ذلك، و هكذا في المقام لو فرض الامتناع عرفاً لاجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد كان دليل وجوب الصلاة مثلًا دالًا بالملازمة العرفية على اختصاصها بغير الفرد المحرم.

اذن فالبحث عن الإمكان و الامتناع العرفي معقول و مفيد فقهياً أيضاً، نعم هناك فرق بين الامتناع العرفي و الامتناع العقلي من حيث انَّ الامتناع العرفي يختص اثره بما إذا كان الدليل على الأمر أو النهي لفظياً، فلا يتم فيما إذا كان الدليل لبياً من إجماع أو غيره لما عرفت من انَّ الامتناع عرفاً انما يجدي إذا كان منشئاً لتشكيل دلالة في الدليل تكون موضوعاً لكبرى حجية الدلالات، و هذا مخصوص بباب الألفاظ و دلالاتها و لا مجال له في الأدلة اللبية.

ثم إنَّ الصحيح عدم الامتناع عرفاً في كل مورد نقول فيه بعدم الامتناع عقلًا.

و الوجه في ذلك: انَّ الامتناع العقلي على ما بيناه انما هو بلحاظ مبادئ الحكم من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة و الإنسان العرفي يعيش هذه الحالات بحسب وجدانه و يمر في حياته حتماً بعناوين يحب بعضها و يبغض بعضها الآخر و قد يجتمعان في مورد واحد فإذا كان عقلًا يجوز ذلك فالإنسان العرفي سوف يحس بوجدانه حتما إمكان أَنْ يجتمع الحب و البغض في مورد على شي‏ء واحد بعنوانين فيذعن بإمكانه و عدم امتناعه.

التنبيه الثالث- في الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة اقتضاء النهي لفساد العبادة.

حيث قد يتوهم اتحادهما باعتبار انَّ البحث هنا عن انَّ النهي عن شي‏ء هل‏

54

يوجب زوال امره أم لا؟ و البحث في تلك المسألة عن انَّ النهي عن العبادة هل يقتضي بطلانها أي عدم وقوعها مصداقاً للمأمور به أم لا؟

و هذه نفس الجهة المبحوث عنها في مسألة الاجتماع.

و قد حاول صاحب القوانين (قده) التفرقة بين المسألتين بحسب الموضوع و انَّ موضوع مسألة الاجتماع ما إذا كان هناك عنوانان بينهما عموم و خصوص من وجه كالغصب و الصلاة، بينما موضوع مسألة النهي عن العبادة ما إذا كان هناك أمر بالجامع و نهي عن فرد من أفراده.

و أشكل عليه في الفصول: بأنَّ موضوع بحث الاجتماع ما إذا كان هناك عنوانان على معنون واحد سواءً كانت النسبة بينهما عموم من وجه أو عموم مطلق، نعم موضوع المسألة الأخرى ما إذا كان النهي متعلقاً بفرد من افراد العبادة.

و كلا هذين البيانين إذا أُريد ظاهرهما فهو واضح الفساد فانه كما لا يختص البحث عن جواز الاجتماع بما إذا كان العنوانان عامين من وجه كذلك لا يختص البحث عن اقتضاء النهي عن العبادة لفسادها بما إذا كان النهي قد تعلق بالعبادة من خلال عنوان أخص منها بل يشمل ما إذا تعلق بها و لو من خلال عنوان أعم منها من وجه.

كما انَّ ما جعله موضوعاً لمسألة الاقتضاء من وجود عنوان واحد تعلق بجامعه الأمر و بفرده النهي أيضاً مندرج في مبحث الاجتماع بالملاك الأول الّذي ذكرناه للجواز كما تقدم شرحه.

و من هناك ذكرت مدرسة المحقق النائيني (قده): بأنَّ الفارق بين المسألتين ليس من حيث الموضوع بل من حيث الرتبة، فانَّ مسألة الاجتماع تنقح موضوع مسألة الاقتضاء، فانَّ المبحوث عنه هنا بحسب الحقيقة انما هو سريان النهي إلى ما تعلق به الأمر- كالصلاة- و عدمه فإذا ثبت السريان تنقح موضع تلك المسألة فيبحث عند ذاك عن اقتضاء النهي للفساد و إذا ثبت عدم السريان فلا موضوع لتلك المسألة (1).

و هذه التفرقة أيضا غير مطابقة مع الواقع، فانَّ البحث في مسألة الاجتماع ليس‏

____________

(1)- نفس المصدر السابق، ص 334.

55

عن السراية و عدمها بل عن جواز اجتماع الأمر و النهي و لو مع فرض السراية و وحدة المعنون- كما هو الحال في الملاك الأول للجواز- فيكون البحث في هذه الجهة في عرض البحث في مسألة اقتضاء النهي للفساد من حيث الرتبة.

و لصاحب الكفاية أيضاً كلام في التفرقة بين المسألتين حاصله: انَّ الفرق ليس و لا ينبغي أَنْ يكون بلحاظ الموضوع و إلّا أمكن تقسيم كل بحث إلى بحوث عديدة- كما ذكر ذلك في موضوع العلم- و انما المعيار في تمايز المسائل بعضها عن بعض بتمايز جهة البحث فيها، و جهة البحث في المقام هو السراية و عدمها، و جهة البحث في المسألة القادمة اقتضاء النهي للبطلان و عدمه‏ (1).

و هذا الفارق أيضا لا يرجع إلى محصل إذ لو كان المراد من جهة البحث المحمول فالسراية ليست هي محمول مسألتنا و انما المحمول هو الجواز و الامتناع و امّا السراية فحيثية تعليلية بمثابة البرهان لإثبات الامتناع، و المحمول هنا و هو الامتناع كالمحمول في تلك المسألة و هو البطلان، على انه لما ذا وافق على التمايز على أساس المحمول دون الموضوع. و إِنْ أراد من جهة البحث الحيثية التي بها نثبت محمول المسألة لموضوعها أَي واسطة الإثبات فالسراية يمكن أَنْ يكون واسطة لإثبات محمول مسألة الاجتماع و لكن البطلان ليس واسطة في المسألة القادمة بل نفس المحمول فكان ينبغي أن يذكر أَنْ الجهة فيها مثلًا عدم إمكان قصد التقرّب، على أنَّ تعدد الحيثية التعليليّة لا يوجب تعدد المسألة و لهذا لو كانت لمسألة واحدة حيثيات تعليلية و براهين عديدة لم تخرج عن كونها مسألة واحدة.

و إِن أَراد من جهة البحث الغرض المتوخى من المسألة فمن الواضح انَّ الغرض الفقهي من المسألتين واحد و هو تصحيح العبادة و انطباق الأمر على مورد النهي و عدمه.

و التحقيق أَنْ يقال: انَّ تعدد المسألة يتوقف على توفر مجموع شرطين.

الشرط الأول- تعدد القضية أي تغاير المسألتين و الّذي يكون امّا بتغاير موضوعهما

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 234- 235.

56

أو محمولهما فانَّ تعدد القضية يكون بذلك.

الشرط الثاني- أَنْ لا تكون الجهة التعليلية أي نكتة الثبوت في المسألتين واحدة، أي مفروغاً عن وحدتها فيهما بحيث لو ثبتت في إحداهما ثبتت في الأخرى عند أهل تلك الصناعة أيضا.

فمثلا استلزام وجوب الصلاة لوجوب مقدمته مسألة مغايرة مع استلزام وجوب الصوم لوجوب مقدمته إلّا انَّ نكتة الثبوت واحدة في المسألتين عند أهل الصناعة فلا معنى لعقد بحثين لهما.

و في المقام كلا هذين الشرطين متحقق، امّا الأول فلأنَّ المسألتين متغايرتان في المحمول على الأقل، فانَّ المحمول في المقام عبارة عن انَّ النهي هل ينافي الأمر كحكم تكليفي أم لا؟ و المحمول في المسألة القادمة انَّ الحرمة هل تنافي الصحة كحكم وضعي أم لا؟ واحدهما غير الآخر.

و امّا الشرط الثاني، فلوضوح انَّ نكتة المنافاة الأولى يمكن أَنْ تكون غير نكتة المنافاة الثانية، كما إذا قيل بامتناع الاجتماع مع القول بالصحّة وضعاً من جهة الملاك و كفاية قصده في التقرب، أو قيل بالجواز على أساس الملاك الأول مع القول بالفساد على أساس عدم إمكان التقرب على القول بالسراية، و هكذا فحيثية الإثبات في المسألتين أيضاً متعددة.

التنبيه الرابع‏

- قد يتوهم انَّ بحث اجتماع الأمر و النهي يبتني على مسألة تعلق الأمر بالطبيعة أو الافراد، فإذا قلنا بأنَّ الأوامر تتعلق بالافراد ثبتت السراية و امتناع الاجتماع، بخلاف ما إذا قيل بأنها تتعلق بالطبائع إذ يقال بالجواز مثلًا لتغاير متعلقهما، أو يقال بأنه على هذا التقدير يقع النزاع في الجواز و الامتناع من جهة انَّ الطبيعة انما تلحظ بما هي فانية في الخارج فقد يقال بالسراية عندئذ.

و قد دفع هذا التوهم كل من صاحب الكفاية (قده) و المحقق النائيني (قده) ببيان خاص.

فصاحب الكفاية ذكر: انَّ نكتة الامتناع و الجواز في هذه المسألة غير مرتبطة بمسألة تعلّق الأوامر بالطبائع أو الافراد، إذ يمكن على كلا التقديرين في تلك المسألة البحث هنا في‏

57

الجواز و الامتناع باعتبار انَّ نكتته عبارة عن كفاية تعدد العنوان لدفع التضاد أو عدم كفايتها في ذلك سواءً كان الأمر متعلقاً بالطبيعة أو الفرد، فلو قيل بأنَّ تعدد العنوان يكفي في دفع التضاد جاز الاجتماع حتى إذا كان الأمر يتعلق بالافراد لوجود عنوانين فرديين، و إِنْ كان تعدد العنوان لا يكفي لم يمكن الاجتماع و لو كان الأمر متعلقاً بالطبيعة لأنَّ المفروض انَّ الطبيعتين منطبقتان على موجود واحد خارجاً (1).

و المحقق النائيني (قده) أفاد: أنَّ النكتة هنا أنَّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون خارجاً لكون التركيب بينهما انضمامياً أو لا لأنَّ التركيب اتحاديٌّ؟ فعلى‏ القول بالتعدد جاز الاجتماع و لو كان متعلق الأوامر الافراد لا الطبائع لتعدد الفرد خارجا، و على القول بالاتحاد لم يمكن الاجتماع حتى إذا كان متعلق الأوامر الطبائع لا الافراد (2).

و التحقيق أَنْ يقال: انَّ للقول بجواز اجتماع الأمر و النهي ملاكات و مسالك ثلاثة تقدمت، و في مسألة تعلق الأمر بالطبائع لا الافراد توجد مسالك متعددة لمعنى تعلق الأمر بالافراد تقدمت في محلها أيضاً، و بعض تلك المسالك يكون له تأثير على بعض المسالك للجواز في مسألتنا، و بعضها حيادية لا تؤثر شيئاً في المقام، و لتوضيح ذلك نستعرض أهم المسالك في مسألة تعلق الأوامر بالطبيعة أو الافراد مع ملاحظة مدى تأثير كل منها على مسالك القول بالجواز فنقول:

المسلك الأول- أَنْ يكون مراد القائل بتعلق الأوامر بالطبيعة تعلقها بالجامع بنحو صرف الوجود و بنحو التخيير العقلي بين افرادها بينما القائل بتعلقهما بالافراد يرى تعلقها بكل فرد من افراد الطبيعة بدلًا على سبيل التخيير الشرعي.

و هذا المسلك يؤثر في المقام على الملاك الأول للجواز كما ذكرنا في دفعه دون الملاك الثاني فضلا عن الثالث كما هو ظاهر.

المسلك الثاني- أَنْ يراد بتعلق الأمر بالطبيعة بقاؤه على الطبيعة في قبال سريانه إلى‏

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 240- 241

(2)- فوائد الأصول، ج 1، ص 412- 417

58

الافراد بمعنى سريانها إلى المشخصات العرفية للطبيعة خارجا كالكون في مكان خاص أو زمان خاص أو صفة خاصة، و بناء على هذا المسلك يبطل الملاك الثالث للجواز، إذ حتى إذا فرض التركيب انضمامياً لا اتحادياً سوف يسري الأمر إلى المشخصات العرفية لوجود الطبيعة في الخارج و التي منها خصوصية المبدأ المنهي عنه في مورد الاجتماع.

و لكنه لا يبطل الملاك الثاني لأنَّ السريان إلى المشخصات لا يعني السريان إلى عنوان المشخص و طبيعي الغصب بل السريان إليها بما هي مشخصات.

و كذلك لا يبطل الملاك الأول لأنَّ الأمر بالطبيعة مع مشخصاتها المسامحية أيضا امر بصرف الوجود فلا يتنافى مع النهي عن الحصة.

المسلك الثالث- أَنْ يراد من تعلق الأمر بالطبيعة تعلقه بالطبيعة بما هي هي و من تعلقه بالافراد تعلقه بالطبيعة بما هي فانية في الوجود الخارجي.

و هذا المسلك لا يبطل شيئاً من ملاكات الجواز في المقام كما هو واضح.

إلّا انه على هذا المسلك سوف يكون القول بتعلق الأمر بالطبيعة بما هي هي لا بما هي فانية في الخارج مستوجبا لتعين الملاك الثاني للجواز في المقام بوضوح و من دون مناقشة كما لا يخفى.

المسلك الرابع- أَنْ يكون مرد البحث عن تعلق الأمر بالطبائع أو الافراد إلى البحث عن أصالة الوجود أو أصالة الماهية، فمن يقول بأنَّ الأصل هو الوجود يقول بتعلقها بالافراد و من يقول بأنَّ الأصل هو الماهية يقول بتعلقها بالطبيعة لأنها الماهية.

و بناء على هذا المسلك قد يتوهم ابتناء البحث في المقام على تلك المسألة، حيث انه بناء على أصالة الوجود و تعلق الأمر به لا يوجد إلّا وجود واحد في مورد الاجتماع فلا يمكن الاجتماع و بناء على أصالة الماهية و تعلق الأمر بالطبيعة يجوز الاجتماع لتعدد الماهية.

و هذا التوهم فاسد فانَّ القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية لا يؤثر على المقام، إذ كلما كان الموجود واحداً كانت الماهية الحقيقية واحدة أيضاً و انما يتصور التكثر في العناوين العرضية الانتزاعية لا العناوين الماهوية الحقيقية فلا ربط لمسألتنا