بحوث في علم الأصول - ج2

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
242 /
3

الأمر الثاني من أمور المقدمة في (الوضع)

و الكلام في (الوضع) يقع في أربع جهات:

1- الجهة الأولى: في حقيقة (الوضع)

2- الجهة الثانية: في تشخيص الوضع‏

3- الجهة الثالثة: في الأقسام الممكنة (للوضع)

4- الجهة الرابعة: فيما هو واقع من هذه الأقسام‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الجهة الأولى في حقيقة (الوضع)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الجهة الأولى في تشخيص حقيقة (الوضع)

فممّا لا إشكال فيه، ان اللفظ مع المعنى، بينهما في ذهن الإنسان العالم بالوضع، سببية حقيقية في عالم. الوجود الذهني، بمعنى أنّ الوجود الذهني للّفظ في ذهن الإنسان العالم باللغة، يكون سببا حقيقيا لوجود المعنى في ذهنه. فهناك سببية و ملازمة حقيقية في عالم الوجود الذهني، بين الوجود الذهني للّفظ، و الوجود الذهني للمعنى، فمتى ما سمع الإنسان العالم باللغة كلمة (ماء)، انتقش في ذهنه تصور معنى الماء، و هو المسمّى بالدلالة التصورية.

فهذه الدلالة التصورية، معناها بحسب الدقة الملازمة و السببية بين الوجود الذهني التصوري للّفظ، و بين الوجود الذهني التصوري للمعنى.

كما أنه ممّا لا إشكال فيه، أنّ هذه السببية القائمة حقيقة بين الوجودين الذهنيين للفظ و المعنى، ليست سببية ذاتية، بحيث لا تحتاج إلى جاعل، و إلى سبب خارجي؛ يعني إنّ اللفظ بذاته، لا يكون سببا لانتقاش المعنى في ذهن السامع، ما لم ينضم إليه أمر خارجي، و إلّا لما اختلف الناس باختلاف علمهم بالوضع، و جهلهم بالوضع، فلو كان اللفظ بنفسه سببا لانتقاش المعنى في الذهن إذن لما اختلف العالم بالوضع‏ (1) عن الجاهل بالوضع بشي‏ء.

____________

(1) محاضرات أصول الفقه- فياض- ج 1 ص 1- 42- 43.

8

فإذا ضممنا هاتين القضيتين إحداهما إلى الأخرى؛ و هي أن اللفظ سبب لوجود المعنى ذهنا، و لتصوره في ذهن السامع، و القضية الثانية، و هي أن اللفظ بذاته لو خلّي و طبعه بدون أن ينضم إليه أمر خارجي ليس سببا ذاتيا لحضور المعنى و انتقاشه في الذهن، يستنتج من ذلك، أنه لا بد و أن يوجد أمر خارجي، و هذا الأمر الخارجي بانضمامه إلى اللفظ، هو الذي أوجب صيرورة اللفظ سببا للمعنى في عالم الذهن، بحيث ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى.

فمن هنا يقع الكلام في حقيقة هذا الأمر الخارجي، ما هو هذا الأمر الخارجي، الذي ببركته و بانضمامه حصل بين اللفظ و المعنى هذه السببية؟:

هذا الأمر الخارجي نسميه (الوضع)، و حينئذ نتكلم في حقيقة هذا الوضع؛ ما ذا صنع الواضع بحيث جعل اللفظ سببا للمعنى، هذه السببية بين اللفظ و المعنى في عالم الوجود الذهني، كيف حصلت؟ و بأي نحو نشأت من الواضع؟ هذا هو معنى البحث عن حقيقة الوضع، و في هذا البحث يوجد ثلاثة مسالك:

1- مسلك التعهّد.

2- مسلك الاعتبار.

3- مسلك الجعل الواقعي.

و سوف نتكلم في كل واحد من هذه المسالك مع مناقشته.

9

المسلك الأول 1- مسلك التعهد

و هو المسلك الذي اختاره السيد الأستاذ (1)- دام ظله- و جماعة من المحققين قبله، و حاصل هذا المسلك هو: إن هذا الأمر الخارجي الذي نسميه بالوضع، و الذي ببركته و بسببه صار اللفظ سببا لانتقاش المعنى، و للدلالة على المعنى، هذا الوضع، هو عبارة عن تعهد من قبل الإنسان اللغوي، بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى الفلاني، أتى باللفظ الفلاني من أجل تفهيمه.

فالوضع: عبارة عن التعهد بقضية شرطية كلية، شرطها- هو أنه متى ما قصد تفهيم معنى الماء-، و جزاؤها، أتى بلفظ الماء من أجل تفهيم ذلك-.

و هذا التعهد شي‏ء معقول بنفسه، لأنه تعهد بأمر اختياري لهذا الإنسان، و كل إنسان من حقه أن يتعهد بما يكون أمرا اختياريا له، فإذا تعهد الإنسان اللغوي، بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى، أتى باللفظ الفلاني- لفظ الماء- نشأ ببركة هذا التعهد، عهد، من قبل هذا الشخص بالقضية الشرطية، و بضم أصالة وفاء العقلاء بتعهداتهم، تحصل هناك ملازمة بين اللفظ و المعنى؛ بمعنى أنه متى ما قال- ماء- نقول، إنّ هذا العاقل و فى بتعهده، لأنّ الأصل في العاقل الوفاء بتعهده، فما دام أنه تعهد بالإتيان بلفظ الماء لتفهيم المعنى الفلاني، و ما دام الأصل في العقلاء الوفاء بتعهداتهم، إذن فنستكشف أنه بإتيانه بلفظ (الماء) أنه‏

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج 1 ص 44.

10

يقصد تفهيم المعنى الذي تعهد به، و بذلك نفسر حصول السببية بين اللفظ و المعنى. إذن فالسببية بين اللفظ و المعنى في عالم الوجود الذهني، حصلت ببركة هذه الملازمة التي نشأت من التعهد من قبل الإنسان اللغوي، بالقضية الشرطية، و ضمّ إلى هذا التعهد أصالة وفاء العقلاء بتعهداتهم، فحصل بذلك ملازمة نوعية طبعية بين اللفظ و المعنى.

فمتى ما أتى باللفظ يستكشف منه أنه قصد تفهيم المعنى الفلاني. هذا هو مبنى التعهد و معنى المبنى الذي يفسر الوضع بالتعهد.

و يستخلص من هذا المبنى عدة أمور:

الأمر الأول:

إن الملازمة و الدلالة قائمة بين طرفين، و هما اللفظ و قصد تفهيم المعنى، لأنّ هذين هما طرفا التعهد- الشرط و الجزاء في القضية الشرطية- تعهد بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ، فيكون مدلول اللفظ هو قصد تفهيم المعنى لأنّ هذا هو طرف الملازمة.

الأمر الثاني:

و ما نستخلصه ثانيا مترتبا على الأمر الأول؛ إنّ الدلالة التي نشأت ببركة هذا التعهد، دلالة تصديقية، لا مجرد دلالة تصورية، لأنّ هذا التعهد جعل ملازمة بين اللفظ و إرادة تفهيم المعنى، فاللفظ يدلّ إذن على أنّ المتكلم قصد تفهيم المعنى، و هذا هو معنى الدلالة التصديقية. فإنّ الدلالة على قسمين:

أ- دلالة تصورية: بمعنى انتقاش المعنى تصورا في ذهن السامع، و لو سمعه من اصطكاك حجرين.

ب- دلالة تصديقية: و هي دلالة اللفظ على أن المتكلم قصد تفهيم هذا المعنى، و إخطاره في ذهن السامع بناء على أن الوضع عبارة عن التعهد، و أن‏

11

هذا التعهد تعهد بقضية شرطية، و أن هذه القضية الشرطية يحصل ملازمة بين شرطها و جزائها.

بناء على هذا، يكون طرف الملازمة قصد تفهيم المعنى، لكي تكون الدلالة تصديقية لا تصورية بحتة، و طبعا التصورية موجودة في ضمن التصديقية أيضا.

الأمر الثالث:

إن كل إنسان لغوي فهو واضع، لأنّ الوضع إذا كان عبارة عن التعهد، و التعهد لا يتعلق إلّا بما يقع تحت اختيار المتعهد، و ما يقع تحت اختيار المتعهد إنما هو استعماله هو، لا استعمال الأشخاص الآخرين إلى يوم القيامة. إذن فهو يتعهد في حدود كلامه، و الآخر يتعهد في حدود كلامه، و هكذا دواليك، فكل إنسان لغوي، هو متعهد، يعني هو واضع، غاية الأمر، أن هذا واضع بالأصالة، و هذا واضع بالمتابعة، فالكل واضعون، لكن واحد أصلي، و آخر بالمتابعة و المتابع ليس أصيلا

هذا هو خلاصة توضيح مبنى التعهد،

[ملاحظات حول مبنى التعهد]

و لنا حول هذا المبنى ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى:

كان حاصل مبنى التعهد، أن سببية اللفظ للمعنى في عالم الذهن، نشأت من تعهد من قبل الواضع بقضية شرطية. و هذا التعهد بالقضية الشرطية أوجد ملازمة بين الشرط و الجزاء، بحيث أصبح أحدهما يدلّ على الآخر، من باب دلالة أحد أطراف الملازمة على الطرف الآخر للملازمة، و الطرفان في هذه القضية الشرطية هما: الإتيان باللفظ، و قصد تفهيم المعنى. ففي هذا أصبح الإتيان باللفظ دالا على قصد تفهيم المعنى، من باب دلالة أحد المتلازمين على ملازمة.

و من هنا تكون الدلالة الوضعية على مبنى التعهد، هي الدلالة

12

التصديقية، بمعنى أن الوضع ينتج الدلالة التصديقية، حيث أن المتعهد تعهد بالإتيان باللفظ متى ما قصد تفهيم المعنى، فقد أوجد هذا التعهد ملازمة بين الشرط و الجزاء في هذه القضية الشرطية.

و هذه القضية الشرطية تتصوّر على ثلاثة أنحاء:

النحول الأول:

أن يتعهد الواضع بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى، أتى باللفظ، بحيث يكون الشرط في القضية الشرطية، هو قصد تفهيم المعنى، و الجزاء فيها، هو الإتيان باللفظ. هذا النحو مطابق مع ظاهر كلمات السيد الأستاذ؛ إن كان التعهد منصبّا على قضية شرطية بهذا النحو من التعهد.

و بهذه الصيغة، فمن الواضح أن هذا لا يحقق دلالة اللفظ على المعنى، لأنّ هذا النحو من التعهد يستوجب أن الشرط يستلزم الجزاء، لا أن الجزاء يستلزم الشرط. و الشرط هنا هو قصد تفهيم المعنى، و الجزاء هو الإتيان باللفظ.

إذن فقصد تفهيم المعنى، يستلزم الإتيان باللفظ، إذن فيدل على اللفظ، لكن ليس معنى هذا، أن الإتيان باللفظ يدلّ على قصد تفهيم المعنى الذي هو المقصود في المقام. فإنّ المقصود في المقام بيان نكتة تستوجب دلالة اللفظ على قصد تفهيم المعنى، لا دلالة قصد تفهيم المعنى على اللفظ.

و هنا إذا فرضنا أن التعهد تعلق بقضية شرطية، شرطها، قصد تفهيم المعنى، و جزاؤها، هو الإتيان باللفظ، و من المعلوم أن كل قضية شرطية مقتضى طبعها أنّ شرطها يستلزم جزاءها، و ليس فيها اقتضاء لاستلزام جزائها لشرطها؛ إذن فيكون الشرط دالّا على الجزاء، لا أن الجزاء دالّ على الشرط، إذن فما حصل بالتعهد ليس هو المطلوب، و ما هو المطلوب لا يحصل بهذا التعهد، فما حصل بهذا التعهد، هو دلالة قصد تفهيم المعنى على اللفظ، و ما هو المقصود بالتعهد، دلالة اللفظ على قصد تفهيم المعنى، و أحدهما غير الآخر.

13

إذن فلا يمكن تصحيح هذه الدلالة الموجودة بالفعل للّفظ على المعنى، بتعلق التعهد بهذه القضية الشرطية بهذا النحو.

النحو الثاني:

هو أن يقال بأنّ الواضع يتعهد بعكس النحو الأول من التعهد: فهو يتعهد بأنّه متى ما صدر على لسانه كلمة (ماء) فهو سوف يحدث في نفسه قصدا لتفهيم المعنى، إذا كان الواضع يتعهد بقضية مثل هذه، فحينئذ يكون الشرط هنا مستلزما للجزاء، و دالّا عليه. فيثبت بذلك دلالة اللفظ على المعنى بالنحو المطلوب.

و يردّ عليه: إنه لو صدرت لفظة (ماء) سهوا من هذا الإنسان، حينئذ نعلم أن هذا الإنسان سوف يحدث في نفسه قصدا لتفهيم المعنى.

إلّا أنّه من الواضح أنّ مثل هذه القضية الشرطية لا يتعهد بها عاقل، فإنّ الإتيان باللفظ في عالم الاستعمال اللغوي، هو في طول قصد تفهيم المعنى، لا إنه متى ما أتى باللفظ أحدث حينئذ قصد تفهيم المعنى، فالتعهد في مثل هذه القضية الشرطية غير محتمل في المقام، و هذا النحو الثاني باطل أيضا.

النحو الثالث:

هو أن يتعهد الواضع بأنه لا ينطق بلفظة (أسد) إلّا حين يقصد فيها تفهيم معنى الحيوان المفترس، فحينئذ يتعهد بأنه إذا لم يكن قاصدا لتفهيم معنى الحيوان المفترس لا يأتي بلفظة (أسد). هذا هو مفاد القضية الشرطية المتعهد بها، حينئذ إذا انتفى الجزاء يعني إذا أتى بلفظ (أسد) فنستكشف من ذلك أنه قصد تفهيم المعنى، أو أننا نستكشف من ذلك انتفاء الشرط، يعني أنه قد قصد تفهيم المعنى، هذا هو النحو الثالث المتصوّر.

و بعبارة أوضح، إن الواضع يتعهد بأنه إذا لم يكن قاصدا لتفهيم المعنى، لا يأتي باللفظ و حينئذ، إذا أتى باللفظ نستكشف كذب الشرط، يعني أنه قاصد لتفهيم المعنى. و هذا النحو، نحو معقول بنفسه، و عقلائي. كما أنه يحدث‏

14

الدلالة المطلوبة، و هي دلالة اللفظ على المعنى.

و هذا النحو أيضا باطل: و ذلك لأنّ التعهد بأنه متى ما لم يكن قاصدا لتفهيم المعنى فلا يأتي باللفظ، أي: متى ما لم يكن قاصدا لتفهيم معنى الحيوان المفترس، فلا يأتي بكلمة (أسد)، هذا التعهد يستبطن التعهد بعدم الاستعمال المجازي، أي: إنه لا يستعمل لفظة (أسد) مجازا في غير الحيوان المفترس، لأنّ معنى التعهد بأنه لا يأتي بلفظة (أسد) أصلا إلّا إذا قصد تفهيم معنى الحيوان المفترس. و هذا يعني أنه يستلزم التعهد بعدم الاستعمال المجازي، مع أنه من الواضح، أن الواضع حتى حين الوضع، هو بان على الاستعمال المجازي؛ فإن الاستعمال المجازي باب من أبواب اللغة، و ليس الواضع حينما يضع لفظة (الأسد) للحيوان المفترس، يأخذ على نفسه عهدا بأنه لا يستعمل لفظة (أسد) في الرجل الشجاع، بل هو حتى حين وضعه للفظة (أسد) في الحيوان المفترس، بان أو أنه يحتمل، أنه سوف يستعمل لفظة (أسد) في المعنى المجازي.

و لا يتصور أن إنسانا عاقلا يتعهد بأنه لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا إذا كان قاصدا لتفهيم معنى الحيوان المفترس، إذن فالنحو الثالث غير معقول.

فهناك إذن بحسب التحليل لهذا التعهد ثلاث صيغ: و هذه الصيغ الثلاثة كلها إمّا غير معقولة، و إمّا غير مفيدة:

فالصيغة الأولى: معقولة في نفسها، و لكنها غير مفيدة، فإنها لا تحقق دلالة اللفظ على المعنى، و هي أن يتعهد بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ، فإن هذا لا يحقق دلالة اللفظ على المعنى، لأنّ اللفظ جزاء، و المعنى هو الشرط، و الجزاء لا يستلزم الشرط، و إنما الشرط يستلزم الجزاء، إذن فلا تحقق هذه الصيغة دلالة اللفظ على المعنى، بل تحقق دلالة المعنى على اللفظ.

و الصيغة الثانية: تحقق الدلالة، بأن يتعهد بأنه متى ما أتى باللفظ أن‏

15

يحدث في نفسه قصد تفهيم المعنى، فهذا اللفظ هو الشرط، و المعنى هو الجزاء؛ فاللفظ يستلزم المعنى، لكن هذه الصيغة في نفسها غير عقلائية، فإن إنسانا لا يتعهد بمثل هذا التعهد.

و الصيغة الثالثة: و هي أن يتعهد، بأنه متى ما كان غير قاصد لتفهيم المعنى لا يأتي باللفظ، فإذا كذب الجزاء استكشف من ذلك كذب الشرط أيضا، يعني قصد التفهيم، و هذا نحو معقول في نفسه، و يحقق الدلالة دلالة اللفظ على المعنى، لكنه غير واقع خارجا، و ذلك لأنه يستلزم تعهدا ضمنيا من الواضع بعدم الاستعمال المجازي، و هذه هي الشقوق الثلاثة.

تعديل الصيغة الثالثة و الرد على هذا التعديل:

الكلمة الأولى التي أوردناها على مبنى التعهد، تقدم توضيحها، حيث تصورنا ثلاث صيغ لهذه القضية الشرطية التي يتعلق التعهد بها، و كل واحدة من هذه الصيغ الثلاثة التي تصورنا تعلق التعهد بها، هي: إمّا صيغة غير عقلائية في نفسها كالصيغة الثانية، أو فيها محذور كالصيغة الثالثة، أو لا تنتج الدلالة كالصيغة الأولى.

و قد يقال بأنه يمكن تصوير صيغة رابعة في المقام، و هذه الصيغة الرابعة تكون تعديلا للصيغة الثالثة، بحيث يندفع عنها الإشكال الذي أوردناه سابقا عليها، فإنّ الصيغة الثالثة التي بيّناها سابقا هي: أن يتعهد الواضع بأنه لا يأتي باللفظ إلّا إذا قصد تفهيم المعنى؛ يعني إنّ القضية الشرطية التي تعهد بها هي أنه متى ما لم يكن قاصدا تفهيم المعنى لا يأتي باللفظ، فحينئذ إذا أتى باللفظ و كذب الجزاء، استكشف من ذلك كذب الشرط. أي إنه قاصد لتفهيم المعنى. و قد أوردنا على هذه الصيغة أنها تستلزم التعهد الضمني بعدم الاستعمال المجازي، لأنه إذا تعهد بأنه لا يأتي باللفظ إلّا إذا كان قاصدا لتفهيم المعنى، إذن فهذا تعهد ضمنا بأن لا يستعمل لفظة (أسد) في الرجل الشجاع مثلا، مع أن الواضع لا يتعهد بعدم الاستعمال المجازي، بل قد يكون حين الوضع بانيا و لو احتمالا على الاستعمال المجازي، فلا يعقل صدور مثل‏

16

هذا التعهد من واضع بان على الاستعمال المجازي و لو احتمالا.

هذا هو الإشكال الذي أوردناه على الصيغة الثالثة، حينئذ قد يقال في مقام دفع هذا الإشكال، بإجراء تعديل على الصيغة الثالثة، و استخراج صيغة رابعة و حاصلها:

إن الواضع يتعهد بأن لا يأتي باللفظ إلّا إذا كان قاصدا لتفهيم المعنى الحقيقي، و يستثنى من ذلك ما إذا أقام قرينة على غير ذلك، رعاية للاستعمال المجازي، فيصير المتعهّد به بحسب الحقيقة، أنه لا يأتي باللفظ إلّا إذا قصد تفهيم المعنى الحقيقي، أو قصد تفهيم المعنى المجازي، مقرونا بالقرينة، حيث أن الاستعمال المجازي يحتاج إلى القرينة؛ فهو لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا في إحدى حالتين: إمّا أن يقصد تفهيم الحيوان المفترس فيأتي بلفظة (أسد)، أو يقصد تفهيم الرجل الشجاع منضما مع كلمة «يرمي» حينئذ يأتي بكلمة أسد.

و في غير هاتين الحالتين لا يأتي بكلمة (أسد).

فإذا تصورنا التعهد بهذا النحو، حينئذ إذا صدر من المتكلم المتعهد كلمة (أسد)، و لم يأت بقرينة، فحينئذ يتعين أن يكون قاصدا للمعنى الحقيقي و هو الحيوان المفترس، لأنه تعهد أن لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا في إحدى حالتين: تفهيم المعنى الحقيقي، أو حالة نصب القرينة، و الأمر الثاني غير موجود. فيتعين الأمر الأول، و هو: أن يكون قاصدا لتفهيم المعنى الحقيقي، و بهذا تحصل دلالة اللفظ التصديقية على المعنى. هذه هي الصيغة الرابعة.

الرد على التعديل:

أولا: إنّ هذه القرينة الضميمة، سواء أريد بها خصوص القرينة المتصلة، أو أريد بها مطلق القرينة الأعم، من المتصلة و المنفصلة، على كلا التقديرين، لا يفي هذا المقدار من العناية في تصحيح هذا التعهد، لوضوح أن المستعمل اللغوي قد يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بلا قرينة أصلا، لا متصلا و لا منفصلا، فيما إذا تعلق له غرض بالإجمال و الإبهام؛ فإذا تعهد بأن لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا في حالة قصد تفهيم الحيوان المفترس، أو حالة

17

القرينة، فإنّ هذا خلف بنائه، و لو احتمال بأن يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بلا قرينة من موارد الإجمال و الإبهام، إذن فهذا المقدار من العناية لا يكفي لدفع هذا الإشكال ما لم تكتب عنايات إضافية أكثر.

ثانيا: ما المراد من القرينة هنا؟ هل هو خصوص القرينة المتصلة. أو الأعم من المتصلة و المنفصلة؟.

فإن كان المراد خصوص القرينة المتصلة، بحيث أن الواضع يتعهد بأن لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا إذا أراد الحيوان المفترس، أو أراد الرجل الشجاع، و أتى بالقرينة المتصلة؛ إذا كان هكذا، فمن الواضح أن كثيرا ما يعتمد المتكلم على قرينة منفصلة، فهذا التعهد بهذا النحو يصير تعهدا ضمنيا بإلغاء القرائن المنفصلة، مع أن الإنسان اللغوي قد يعتمد على القرينة المنفصلة.

و إن أريد بالقرينة الأعم من المتصلة و المنفصلة، بمعنى أن يقول- إن كلمة (أسد) أتعهد بأن لا آتي بها إلّا إذا أردت تفهيم الحيوان المفترس، أو أردت بها الرجل الشجاع، و لو مع نصب قرينة، لكن بعد أسبوعين مثلا- إذا كان هكذا، فحينئذ، ففيما إذا صدر الاستعمال من المتكلم، و شككنا في أنه ينصب قرينة منفصلة، أو لا ينصب قرينة منفصلة؛ معنى هذا أن اللفظ لم نحرز دلالته بالفعل على المعنى الموضوع له، لأنّ دلالة لفظ (أسد) على الحيوان المفترس فرع اقتضاء التعهد لذلك، و التعهد لا يقتضي كشف قصد تفهيم الحيوان المفترس إلّا في حالة عدم القرينة مطلقا، لا متصلة و لا منفصلة، إذن ففي مثل هذا الحال يشكّ في أن اللفظ هل له دلالة وضعية على المعنى الحقيقي، أو ليس له دلالة وضعية على المعنى الحقيقي، لأنّ الدلالة الوضعية للّفظ على المعنى الحقيقي، إنما تحصل عند أصحاب التعهد ببركة التلازم الناشئ من التعهد، و هذا التعهد إنما يجعل الملازمة بين اللفظ و بين قصد تفهيم المعنى الحقيقي، فيما إذا لم تكن هناك قرينة، و لو منفصلة.

إذا فمع الشك في وجود القرينة، و لو متصلة، يشك في وجود الدلالة الوضعية و عدم وجودها، و حينئذ لا بد من التوقف، مع أنه لا إشكال في حالة

18

احتمال القرينة المنفصلة بالبناء على عقد اللفظ على المعنى الموضوع له.

فإن قيل: إنه إذا شكّ في القرينة المنفصلة، يجري أصالة عدم القرينة، فإن أصالة عدم القرينة من الأصول العقلائية، فإن العقلاء إذا شكوا في القرينة المنفصلة، أجروا أصالة عدمها، فإذا أجرينا أصالة عدم القرينة المنفصلة، حينئذ نكون قد أحرزنا موضوع التعهد و موضوع الدلالة الوضعية، و إذا تمّ بذلك الدلالة الوضعية، حملنا اللفظ على معناه الحقيقي.

كان الجواب: إن أصالة عدم القرينة الذي هو أصل من الأصول العقلائية، لا يجريه العقلاء من باب التعبد الصرف، و إنما يجرون أصالة عدم القرينة المنفصلة، من باب أن القرينة المنفصلة على خلاف ظهور اللفظ، و على خلاف دلالة اللفظ. إذن فأصالة عدم القرينة المنفصلة حيث أنها أصل عقلائي، و العقلاء ليس عندهم أصول تعبدية من قبيل الشارع، بل هي أصول استظهارية، إذن فأصالة عدم القرينة عند العقلاء، إنما هو باعتبار أن القرينة المنفصلة يرونها أنها على خلاف ظهور اللفظ، و على خلاف دلالة اللفظ، و لهذا يقولون إنّ الأصل عدمها. إذن فهذا الأصل إنما يجري لو فرغ قبله عن دلالة اللفظ، فكيف يمكن نشوء دلالة اللفظ من أصالة عدم القرينة؟! بل لا بدّ أن يفرض أنّ الدلالة الوضعية تامة في نفسها و فعلية، حينئذ عند فعلية الدلالة الوضعية إذا شكّ في أنّ المتكلم هل ينصب قرينة، أو لا ينصب على خلاف دلالة اللفظ، يقال إنّ الأصل أنه لا ينصب قرينة، لأنّ هذا خلاف الدلالة الوضعية للّفظ.

أمّا في محل الكلام: فدلالة اللفظ الوضعية هي أوّل الكلام، لأنّ المفروض أنها منوطة بعدم القرينة و لو منفصلة، إذن فهذه الصيغة الرابعة غير صحيحة، و النكتة في عدم صحة الصيغة الرابعة هو هذا الذي أوضحناه، من أن مرجع الصيغة الرابعة إلى أنّ الدلالة الوضعية للفظ على المعنى، التي نشأت من التعهد، مشروطة بعدم قيام القرينة، و لو منفصلة.

إذن فمع الشك في قيام القرينة و لو منفصلا، يشك في الدلالة الوضعية، و معه كيف يحمل اللفظ على المعنى الحقيقي، و لا تجري أصالة عدم القرينة

19

لأنّ أصالة عدم القرينة فرع تمامية الدلالة الوضعية قبل ذلك؟.

أمّا إذا لم نحرز تمامية الدلالة الوضعية، فلا تجري أصالة عدم القرينة، لأنّ العقلاء إنما يتعبدون بأصالة عدم القرينة من باب أنها على خلاف دلالة اللفظ، و هنا أصل دلالة اللفظ مشكوكة، فكيف يتعبدون بأصالة عدم القرينة؟.

هذا هو الكلام في إبطال الصيغة الرابعة لمبنى التعهد، و بها يبطل مبنى التعهد، هذه هي كلمتنا الأولى.

الكلمة الثانية:

هي أنه لو قطعنا النظر عن الإشكال الأول، الذي أبطلنا به مبنى التعهد، و فرضنا أن واحدة من الصيغ الأربعة المتقدم ذكرها، قد أصبحت معقولة في نفسها، و أصبحت موجبة لما إدّعاه أصحاب التعهد من الدلالة التصديقية للّفظ على المعنى، و مع هذا نقول: إنّ تفسير الوضع بالتعهد هذا أمر غير واقع بحسب الخارج، و ذلك لأنّ معنى تفسير الوضع بالتعهد، يعني أن فهم المعنى من اللفظ عملية استدلالية؛ لأنّ فهم المعنى من اللفظ يقوم على أساس ملازمة بين الجزاء و الشرط في القضية الشرطية، بحيث متى ما صدق الشرط صدق الجزاء، و هذا استدلال و برهنة بأحد طرفي الملازمة على الطرف الآخر من طرفي الملازمة.

فإذا رأينا إنسانا يأكل السّم، نستدلّ بأنه سوف يموت. و هذا الاستدلال مبني على أساس هذه القاعدة، و هي أنه متى ما كان شي‏ء مستتبعا لشي‏ء آخر، و كان الشي‏ء الآخر موجودا، حينئذ فالشي‏ء الأول يكون موجودا لا محالة، فيصير فهم المعنى من اللفظ استدلالا مبنيا على هذه القاعدة.

و من الواضح أن فهم المعنى من اللفظ مطلب يتحقق عند الطفل، قبل أن ينشأ عنده أيّ مدرك على الاستدلال، فالطفل بتكرار اللفظ عليه، يحصل عنده فهم للمعنى من اللفظ في ذهنه، و هذا الفهم للمعنى من اللفظ عنده، يحصل لكثرة تكرار اللفظ، و هذا سنخ فهم، قبل أي قدرة في ذهن الطفل على‏

20

الاستدلال بأحد المتلازمين على الملازم الآخر.

و لم يستنتج استنتاجا أرسطيا بأن قال: ما دامت أمي تعهدت بأنها لا تأتي بكلمة (ماء) إلّا إذا أرادت المعنى الفلاني، و ما دامت أمي عاقلة، و الأصل في العاقل أن يفي بتعهداته، و ما دامت قد قالت كلمة (ماء)، فلا بدّ أن تكون قد قصدت هذا المعنى.

و هذا الاستدلال كيف يمر على ذهن طفل! بل إن هذا لا يمر على ذهن الكبير، فضلا عن الطفل.

إذن فبوجدان هذا الطفل يعرف: أن عملية فهم المعنى من اللفظ، له سنخ ملاك سابق على الاستدلالات المنطقية، و هذا الملاك السابق على الاستدلالات المنطقية، لعلّه وحده كاف في تصوير الوضع بلا حاجة إلى الالتزام بهذا التعهد، فما دام بنحو الإجمال، و بنحو البرهان الإنّي، نعرف إجمالا أنّ هناك ملاكا لانتقال من اللفظ إلى المعنى، قبل أي استدلال أرسطي، ببرهان أن الطفل يفهم المعنى.

إذن فلعلّ تلك النكتة التي هي ملاك الانتقال قبل كل استدلال برهاني، لعلّها هي الوضع، فلا بد من الكشف عن هذه النكتة، و إجلاء هذا الملاك لنرى هل تكفي هذه النكتة أو لا تكفي؟ و سوف يتضح أنها وحدها كافية.

و بشكل آخر لكلمتنا الثانية نقول: إنّ القائلين بالتعهد يحاولون أن يفسروا انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى، بأنه مبني على أن السامع يعلم بتعهد الواضع المتكلم، و هو أن يأتي باللفظ متى ما قصد تفهيم المعنى، فهو تعهد بقضية شرطية؛ و بسبب هذا يعلم السامع بأنه وجدت ملازمة ببركة هذه القضية الشرطية بين شرطها و جزائها، فحينئذ إذا وجد أحد طرفي القضية الشرطية، انتقل الذهن إلى الطرف الآخر، فيكون انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى بسبب اعتقاده بالملازمة بين الشرط و الجزاء في القضية الشرطية الناشئ من علمه بالتعهد من قبل المتكلم.

21

و من الواضح أن الطفل في بداية عمره إذا سمع اللفظ مستعملا في معنى معين مرارا متعددة، سوف ينتقل إلى ذهنه المعنى من اللفظ.

حينئذ نسأل أصحاب التعهد، بأن الطفل إذا سمع أمه مائة مرة أو أكثر أو أقل تقول: حليب، و تريد هذا المعنى، فانتقل ذهنه إلى هذا المعنى، هل أن الطفل استكشف بعد هذه الاستعمالات، تعهدا من قبل أمه، بأن لا تأتي بلفظة (حليب) إلّا إذا قصدت المعنى الفلاني، و استنتج من تعهد أمه هذا وجود ملازمة ما بين الشرط و الجزاء في هذه القضية الشرطية، و أخذ يستدلّ على وجود أحد الطرفين بوجود الطرف الآخر؟.

أو إنه ابتداء، بمجرد أن أصبح ذهنه مأنوسا بكثرة الاستعمال بلا أن يعرف الوضع، أو التعهد، أو الملازمة، أصبح ذهنه ينتقل من اللفظ إلى المعنى؟.

فإن قالوا: بأن الطفل استكشف تعهدا من الأم، و استنتج من ذلك الملازمة.

قلنا: هذا بديهي البطلان بالنسبة إلى الطفل، لأنّ الطفل لا يمكنه أن يستنتج هذه الاستنتاجات الاستدلالية في المقام، و إلّا كان عالما.

و إن قالوا: بأن الطفل ينتقل ذهنه مباشرة إلى المعنى بمجرد أن يحصل أنس في ذهنه من سماع اللفظ مرات عديدة، من دون أن يكون مطّلعا على الملازمة بين اللفظ و المعنى، و على تعهد الأم على أن لا تأتي باللفظ إلّا إذا قصدت تفهيم المعنى.

قلنا: إذن فيثبت بذلك أن انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى، له نكتة محفوظة، بقطع النظر عن العلم بالتعهد و العلم بالملازمة.

أمّا ما هي هذه النكتة؟ فيأتي بحثها في آخر المسألة. هذا خلاصة الكلمة الثانية.

22

الكلمة الثالثة:

و أمّا الكلمة الثالثة: فسوف نتعرض فيها لإشكال مشهور على مبنى التعهد، فإن مبنى التعهد بعد أن ذهب إليه بعض المحققين المتقدمين، اعترض عليه بعض الأعلام بإشكال مشهور، و هو إشكال الدور:

و توضيح هذا الإشكال المشهوري هو: أن نأخذ الصيغة المعروفة للتعهد، و هي: أنّ الواضع يتعهد بأنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ، حينئذ هذا الإشكال هكذا يقول: بأن تعهده بالإتيان باللفظ يأتي قبل قصد تفهيم المعنى.

هذا التعهد لا يخلو من أحد أمرين:

الأمر الأول: هو أن يكون تعهده بالإتيان باللفظ إرادة مقدمية ناشئة من قصد تفهيم المعنى، فهو حين يتعهد بالإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى، كأنه يترشّح من قصد تفهيم المعنى قصد آخر مقدّمي، و إرادة مقدّمية تتعلق بالإتيان باللفظ، فيكون تعهده بالإتيان باللفظ عبارة عن إرادة مقدّمية مترشحة من قصد تفهيم المعنى.

الأمر الثاني: هو أن تكون إرادته بالإتيان باللفظ، إرادة نفسية مستقلة، غير مترشحة من قصد تفهيم المعنى، و كلاهما باطل.

فأمّا كون تعهده باللفظ إرادة مقدمية مترشحة من قصد تفهيم المعنى:

فهذا غير معقول للزوم الدور و ذلك:

لأن هذا التعهد إن كان إرادة مقدمية مترشحة من قصد تفهيم المعنى، إذن فهذه الإرادة فرع أن يكون اللفظ دالّا على المعنى، حتى يترشح من قصد تفهيم المعنى إرادة الإتيان باللفظ، و كون اللفظ دالّا على المعنى فرع التعهد لأن الوضع هو التعهد، فيلزم الدور في المقام.

فيستحيل أن يكون التعهد بالإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى، إرادة

23

مقدمية مترشحة من قصد تفهيم المعنى، لأنّ هذه الإرادة المقدمية فرع أن يكون اللفظ دالّا على المعنى، و كون اللفظ دالّا على المعنى فرع التعهد عند أصحاب التعهد، هذا الإشكال الأول.

و أمّا الإشكال الثاني: و هو أن يكون التعهد بإتيان اللفظ إرادة نفسية مستقلة، فهذا في نفسه معقول، لا يلزم منه الدور، لكن يحتاج حينئذ إلى نكتة، إلى غرض في الإتيان باللفظ، بقطع النظر عن قصد تفهيم المعنى؛ مع أنه من الواضح أنه لا غرض من الإتيان باللفظ بقطع النظر عن تفهيم المعنى! فإذا لم يكن فيه غرض نفسي فكيف يتعلق به تعهد نفسي و إرادة نفسية؟ فهذا أيضا غير صحيح، فيبطل بذلك مبنى التعهد. هذا هو الإشكال الثاني.

و بناء على هذين الأمرين، و الإشكالين يبطل مبنى التعهد. هذا هو الإشكال المشهوري.

الرد على الإشكال المشهوري:

و الجواب على هذا الإشكال بأن يقال: عندنا في المقام إرادتان، لا إرادة واحدة:

أ- إرادة جزئية للّفظ في مقام الاستعمال.

ب- و إرادة كلية للّفظ في مقام التعهد، و الوضع.

فالإرادة الجزئية: هي إرادة مقدمية و متوقفة على كون اللفظ دالّا على المعنى، و أمّا كون اللفظ دالّا على المعنى فهو ليس موقوفا على هذه الإرادة الجزئية، بل هو موقوف على الإرادة الكلية، على نهج القضية الحقيقية، أي على نهج القضية الشرطية، بمعنى أنه متى ما قصد تفهيم المعنى يريد الإتيان باللفظ.

فكأن هناك إرادتين:

24

أ- إرادة جزئية فعلية: و هذه توجد حين الاستعمال و هي فرع دلالة اللفظ على المعنى.

ب- إرادة كلية شرطية: و هذه الإرادة هي منشأ دلالة اللفظ على المعنى.

إذن فقد اختلف الموقوف و الموقوف عليه. باعتبار تعدد الإرادة.

و هذا البيان بهذا اللسان، ليس جوابا على الإشكال، و ذلك لأنّ هذه الإرادة الكلية الشرطية، بحسب الحقيقة، ليست إلّا عين تلك الإرادة الفعلية، غاية الأمر أنّها عينها بوجود تقديري، لا بوجود تنجيزي، و إلّا ليس عندنا بحسب الحقيقة إرادتان اثنتان، بل إرادة واحدة، قبل تحقق شرطها تكون شرطية، و بعد تحقق شرطها تكون فعلية.

مثلا: العطشان حينما يعطش يريد رفع عطشه، و هذه إرادة فعلية جزئية، و لكن كل إنسان حتى قبل العطش، هو بنحو القضية الشرطية يريد أن يشرب الماء كلما عطش، و إرادته لشرب الماء كلما عطش هذه عين تلك الإرادة.

غاية الأمر: هذه إرادة مشروطة، و تلك هي عين هذه الإرادة المشروطة بعد وجود شرطها و تحقق شرطها.

فليس عندنا في المقام إرادتان، إحداهما تكون في طول الدلالة، و الأخرى تكون الدلالة في طولها؛ بل هي إرادة واحدة، مرة نعبّر عنها بقضية تنجيزية، إذا وجد شرطها، و أخرى نعبّر عنها بقضية شرطية، إذا لم يوجد شرطها.

إذن فهناك بحسب الحقيقة تعبيران عن إرادة واحدة، لا إرادتان؛ بل إرادة واحدة نعبّر عنها بتعبيرين:

إرادة الإتيان باللفظ قبل قصد تفهيم المعنى، نعبّر عنها بقضية شرطية.

و بعد قصد تفهيم المعنى نعبّر عنها بقضية تنجيزية فعلية؛ من قبيل إرادة رفع العطش، بعد العطش: نعبّر عنها بقضية فعلية، و نقول بالفعل مريد للماء،

25

و قبل العطش نعبّر عنها بقضية شرطية، و نقول: لو عطش لأراد شرب الماء.

إذن فهي إرادة واحدة يعبّر عنها بتعبيرين. فلم ينحل الإشكال بهذا البيان.

26

الحل المختار

و الصحيح في حل هذا الإشكال المشهوري، هو أن يقال: بأن التعهد ليس من سنخ الإرادة، حتى يأتي الإشكال بأنها هل هي إرادة مقدمية، أو إرادة نفسية، بل التعهد هو من سنخ الالتزام، و جعل المسئولية على الإنسان، سنخه سنخ النذر، لا سنخ الإرادة. فالتعهد معناه: أن يجعل نفسه مسئولا و مقيدا، و يوجب على نفسه أنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ، إذن فبابه ليس باب الإرادة، بل بابه باب الجعل، جعل الإلزام على النفس، هذا فعل نفساني و هذا الفعل النفساني قد يفعله الفاعل لمصلحة في نفس هذا الفعل النفساني نفسه، و ما هي المصلحة في نفس هذا الالتزام- هو حصول الدلالة ما بين اللفظ و المعنى- لأنّ أصحاب التعهد يقولون ببركة هذا التعهد تحصل الدلالة بين اللفظ و المعنى.

إذن فالتعهد ليس بابه باب الإرادة و الشوق المؤكد، حتى يقال إنّ هذه الإرادة مقدمية أو نفسية، بل بابه باب الجعل النفساني، جعل المسئولية على النفس، و جعل الإيجاب على النفس، و هذا فعل نفساني، و هو بنفسه ذو مصلحة، لأنّه به ينفتح باب الخيرات، و به تحصل الدلالة بين اللفظ و المعنى.

إذن فينقدح في نفس المولى، و في نفس الواضع، داعيا إلى إيجاد هذا الفعل النفساني، و لا محذور فيه.

27

إذن فهذا الإشكال المشهوري غير تام على مبنى التعهد.

و الصحيح في إبطال مبنى التعهد: هو ما تقدم في الكلمة الأولى و الكلمة الثانية.

إلى هنا أبطلنا المسلك الأول من المسالك الثلاثة في تصوير حقيقة الوضع، حيث أننا ذكرنا أنه في حقيقة الوضع يوجد ثلاثة مسالك:

1- مسلك التعهد.

2- مسلك الاعتبار.

3- مسلك الجعل الواقعي.

و بقي علينا مسلك الاعتبار، و مسلك الجعل الواقعي.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

المسلك الثاني 2- مسلك الاعتبار

فقد اختلف أصحاب هذا المسلك- مسلك الاعتبار- في هوية هذا المسلك، و تعيين ما هو المعتبر من قبل الواضع، و لهذا ذكر أصحاب هذا المسلك جملة من الوجوه صار مسلكا في مقام تصوير الاعتبار الذي يتحقق به الوضع.

الوجه الأول:

الوجه الأول من وجوه تصوير هذا المسلك هو: إنّ الوضع عبارة عن الاعتبار، و هو وضع اللفظ على المعنى‏ (1)، و توضيح ذلك:

أن أحد الأساليب في جعل شي‏ء يدلّ على شي‏ء، وضعه عليه، فمثلا:

حينما نضع العلم على رأس الفرسخ، أو على البئر، يكون العلم دليلا على أنّ هذا هو رأس الفرسخ، أو يكون دليلا على أن هذه بئر.

إذن فوضع شي‏ء على شي‏ء من الطرق المعقولة في جعل الشي‏ء الموضوع دالّا، و في جعل الموضوع عليه مدلولا، و هذا الوضع على قسمين:

القسم الأول: تارة يكون وضعا خارجيا حقيقيا من قبيل المثال المذكور، و هو وضع العلم على رأس الفرسخ، أو البئر.

____________

(1) الأصول على المنهج الحديث- الأصفهاني: ص 7.

30

القسم الثاني: و قد يكون الوضع وضعا اعتباريا، يعني يعتبر كون اللفظ موضوعا عليه دون أن يكون موضوعا عليه حقيقة. و هذا بابه باب وضع الألفاظ للمعاني عند صاحب هذا الوجه، و يكون هذا اللون من الوضع في مقابل الوضع الحقيقي، فكما أنّ وضع العلم حقيقة على رأس الفرسخ أو البئر، يكون منشأ لدلالة العلم على رأس الفرسخ أو البئر، كذلك وضع اللفظ اعتبارا على المعنى، يكون منشأ لدلالة اللفظ على المعنى.

هذا هو الوجه الأول من وجوه مذهب الاعتبار،

[اعتراض السيد الخوئى على مسلك الاعتبار]

و قد اعترض عليه السيد الأستاذ (1) باعتراضين مترتبين، بمعنى أنّ ثانيهما ينشأ من أولهما:

الاعتراض الأول: هو أن وضع اللفظ للمعنى ليس مرجعه إلى اعتبار وضع من هذا القبيل، لأنّ وضع العلم على رأس الفرسخ هذا فيه ثلاثة عناصر:

أحدهما: الموضوع و هو العلم.

و الثاني: الموضوع عليه و هو المكان.

و الثالث: الموضوع له و هو ما يكون دالّا عليه و هو عبارة عن كونه رأس الفرسخ.

فهذه ثلاثة عناصر موضوع و موضوع عليه و موضوع له، الموضوع هو العلم. و الموضوع عليه هو هذا المكان. و الموضوع له هو رأس الفرسخ.

فلو قيل بأن وضع اللفظ للمعنى هو اعتبار لذلك المطلب بنفسه، إذن نحتاج إلى ثلاثة عناصر- موضوع، و موضوع عليه، و موضوع له- مع أنه لا يوجد عندنا إلّا عنصران- الموضوع و هو اللفظ، و الموضوع عليه: و هو المعنى، و لا يوجد شي‏ء ثالث نسميه موضوعا له- إذن فعملية وضع اللفظ

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه- فياض ج 1، ص 47، هامش أجود التقريرات- الخوئي: ص 11، بدائع الأفكار- العراقي: ص 30.

31

للمعنى ليست مشابهة لعملية وضع العلم على رأس الفرسخ، أو البئر، لأنّ هناك في وضع العلم على رأس الفرسخ يوجد ثلاثة عناصر، و في هذا الوضع يوجد عنصران فقط، الموضوع و الموضوع عليه، و لا يوجد موضوع له.

الاعتراض الثاني: هذا الاعتراض ناشئ من الاعتراض الأول، و هو: أنه تبين أن المعنى هو الموضوع عليه، مع أننا نقول عادة إن المعنى هو الموضوع له لا الموضوع عليه، فكيف صحّ أن ينتزع من الموضوع له عنوانا اسمه الموضوع عليه مع أن هذا غير معروف؟.

الرد على كلا الاعتراضين:

و كلا الاعتراضين مع أصل الوجه ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ فإذا ما بقينا مع هذين الاعتراضين فقط، فبإمكان صاحب هذا الوجه دفع كليهما:

أمّا دفع الاعتراض الأول: و هو أنه لا يوجد في وضع الألفاظ للمعاني ثلاثة عناصر- موضوع، و موضوع عليه، و موضوع له- كما هو الحال في الوضع الخارجي- في وضع العلم على رأس الفرسخ أو البئر- بل يوجد عنصران موضوع و موضوع عليه:

هذا الاعتراض جوابه: إنّ الموضوع عليه و الموضوع له، أحيانا يكون بينهما تغاير خارجي حقيقي، كما هو الحال فيما لو وضعنا علما على الأرض المسبعة- أي: كثيرة الحيوانات المفترسة- للدلالة على أنّ في هذه الأرض حيوانات مفترسة، حينئذ هنا الموضوع هو العلم، و الموضوع عليه هو الأرض، و الموضوع له هو وجود الحيوانات المفترسة، فهنا الموضوع عليه، و الموضوع له، متغايران خارجا و إشارة، إذ إن الأرض شي‏ء، و الحيوانات شي‏ء آخر.

و أحيانا أخرى، يكون الموضوع له عين الموضوع عليه، غاية الأمر أن الفرق بينهما فرق تحليلي، لا فرق خارجي إشارتي، كما هو الحال في وضع العلم على رأس الفرسخ. فالموضوع عليه هو الأرض، و هذه الأرض هي‏

32

بنفسها رأس الفرسخ، و رأس الفرسخ هو هذه الأرض و ليس شيئا آخر غير هذه الأرض. فهذه الأرض هي أرض مخصوصة نراها بأعيننا، و هي بنفسها رأس الفرسخ، و هذه الأرض بما هي أرض مرئية بأعيننا موضوع عليه، و بما هي موصوفة بأنها رأس الفرسخ هي موضوع له.

فالفرق إذن بين الموضوع عليه، و الموضوع له، ليس فرقا خارجيا إشاريا، بحيث يوجد شيئان، بل يوجد شي‏ء واحد، و هذا الشي‏ء الواحد ينحل إلى صفتين، بلحاظ أنه أرض مخصوصة نراها بأعيننا، تكون موضوعا عليه، و بلحاظ أنها رأس الفرسخ، تكون موضوعا له.

فمثلا: لو نصبنا علما على الأرض الذهبية، فهنا الموضوع عليه هو الأرض الذهبية، و الموضوع له هو الأرض الذهبية، لكن مع الفرق التحليلي، فالموضوع عليه هو ذات الأرض، و الموضوع له هو كونها ذهبية، فالفرق بينهما هو فرق تحليلي.

و محل الكلام يمكن أن يدّعى أنه من قبيل الثاني لا الأول، بمعنى أن الموضوع عليه و الموضوع له شي‏ء واحد، لكنه بلحاظين، و بالتحليل يكون أحدهما غير الآخر، و ذلك أن الواضع يضع لفظة (أسد) على المعنى المستعمل فيه، فالموضوع عليه هو المعنى المستعمل فيه، و الموضوع له هو كون هذا الحيوان مفترسا؛ إذن عندنا هنا موضوع، و موضوع عليه، و موضوع له موازية مع الوضع في باب العلم، الموضوع هنا هو اللفظ في مقابل العلم هناك، و الموضوع عليه هنا، هو المعنى المستعمل فيه في مقابل الأرض هناك، لكن المعنى المستعمل فيه على إجماله، و الموضوع له هنا، هو بيان أن المعنى المستعمل فيه، هو الحيوان المفترس، كما أن الموضوع له هناك هو بيان أن هذا المكان المخصوص هو رأس الفرسخ، و كما أنّ المكان المخصوص هو عين رأس الفرسخ خارجا، كذلك الحيوان المفترس هو عين المعنى المستعمل فيه خارجا، لكن الفرق بينهما فرق تحليلي، و بهذا وجدت العناصر الثلاثة.

و بهذا البيان اتضح كذلك أنّ الاعتراض الثاني غير وارد أيضا، فإنّ‏

33

الاعتراض الثاني، كان مفاده، أنه لازم هذا البيان أن يكون المعنى هو الموضوع عليه، لا الموضوع له؛ لكن صار واضحا ممّا بيناه، أنّ اللفظ وضع على المعنى المستعمل فيه على إجماله، ليدلّ عليه على إجماله، فالموضوع له بحسب الحقيقة هو كون المعنى المستعمل فيه هو الحيوان المفترس، فقد أصبح المعنى هو الموضوع له بهذا الاعتبار، لا إنه متمحّض في الموضوع عليه.

و إن شئتم قلتم: بأن المعنى أصبح له لحاظان؛ بما هو المعنى المستعمل فيه على إجماله، يكون بمثابة المكان المخصوص على إجماله، و بلحاظ أنه هو الحيوان المفترس، يكون هو الموضوع له، كما أن رأس الفرسخ هو الموضوع له.

إذن فالمعنى بأحد اللحاظين يكون هو الموضوع له، فلا يبقى غرابة من هذه الناحية، إذن كلا الاعتراضين لا يمكن المساعدة عليه بالنسبة لهذا الوجه.

نقض الوجه الأول:

و هذا الوجه غير صحيح، و لا ينفع إلّا للتلاعب بالألفاظ، و لقلقة اللسان، و ذلك لأنّ هذا الوجه يريد أن يجعل وضع اللفظ للمعنى اعتبارا للوضع الخارجي، يقول: هنا أعتبر ذاك الوضع الخارجي في باب الأعلام، فكما أنّ العلم هناك يكون دالّا و رأس الفرسخ مدلولا، هنا كذلك، الوضع الخارجي أوجده بالاعتبار.

و هذا إشكال واضح فإن الوضع الخارجي ليس بأشد و بأحسن حالا من الوضع الاعتباري، و نحن إذا حاسبنا حساب الوضع الخارجي الحقيقي، نجد أنّ وضع العلم على رأس الفرسخ، ما لم ينضم إليه عناية من الخارج، لا يدلّ على أن هنا رأس الفرسخ، كما لو وضع الإنسان علما على رأس الفرسخ، و هو نائم، دون أن يكون لديه بناء كلي على أن يضع الأعلام على رءوس الفراسخ، حينئذ لا يكون وضع العلم على هذا المكان، دليلا على رأس الفرسخ، فالوضع بوجوده الخارجي التكويني، ما لم ينضم إليه عناية نفسانية

34

و قصدية من قبل الواضع التكويني، لا يكون هذا الوضع دالّا على أن هذا العلم كاشف على رأس الفرسخ، و إنما يكشف على أن هنا رأس الفرسخ، لو انضم إلى الوضع الخارجي عناية و أمر آخر نفساني.

و بهذا تبين: إنّ الوضع الخارجي بمجرده، لا يكون كافيا لإيجاد دلالة الموضوع على الموضوع عليه، فكيف يكون اعتباره كافيا لذلك؟ فإن الشي‏ء بوجوده الخارجي إذا لم يكن دالّا، فكيف يكون دالّا بوجوده الاعتباري ما لم ينضم إليه تلك النكتة الإضافية؟ و نحن بحاجة لمعرفة تلك النكتة الإضافية و إبرازها، و ما لم نبرز تلك النكتة و نضمها إلى الوضع الخارجي، لا يمكن القول بأن الوضع الخارجي بمجرده تحصل الدلالة.

و إن شئتم قلتم: إنّ إيجاد الشي‏ء بالاعتبار لا يمكن أن يترتب عليه أثر في المقام، إلّا أن وجوده الحقيقي يكون منشأ لذلك الأثر، و في المقام، الوضع بوجوده الحقيقي، ما لم ينضم إليه نكتة، لا يكون منشأ للدلالة. إذن فاعتباره أيضا ما لم ينضم إليه نكتة، لا يكون منشأ للدلالة، فلا بد من صرف عنان الكلام إلى بيان تلك النكتة. هذا هو الجواب عن الوجه الأول في المقام.

الوجه الثاني:

الوجه الثاني من وجوه تصوير هذا المسلك هو أن يقال: بأن الوضع هو عبارة عن الاعتبار، و المعتبر هو كون اللفظ عين المعنى، و كون اللفظ وجودا للمعنى، فكأن الواضع حينما يلتفت إلى اللفظ و المعنى، فهو يرى المغايرة بينهما، لأنّ الحيوان المفترس شي‏ء، و لفظة- أ- س- د- شي‏ء آخر، فهو مغاير و مباين لتمام المعنى، و المباين لا يكون دالّا على مباينة.

و من أجل أن يوجد دلالة اللفظ على المعنى، يعتبر أن اللفظ وجود للمعنى، فإذا اعتبر كون اللفظ وجودا للمعنى، فحينئذ يكون اللفظ بواسطة كونه وجودا للمعنى بالاعتبار، دالّا على المعنى، لأنه بهذا الاعتبار هو نفسه و عينه. و من المعلوم حينئذ أنه إذا كان اللفظ نفس المعنى، فيمكن للفظ أن‏

35

يرينا المعنى، و هذا معنى دلالة اللفظ على المعنى.

و هذا الوجه قد ناقشه السيد الأستاذ (1)، و حاصل مناقشته: إن مرجع هذا الوجه إلى تنزيل اللفظ منزلة المعنى، على حدّ تنزيل الطواف حول البيت منزلة الصلاة في قوله (ع): «الطواف في البيت صلاة»، و التنزيل لا يعقل إلّا إذا كان هناك أثر للمنزّل عليه، فيراد بالتنزيل تسرية ذلك الأثر إلى المنزّل، فيكون الأثر الثابت للمنزل عليه ثابتا بواسطة التنزيل للمنزّل كما هو الحال في قوله (ع):

«الطواف في البيت صلاة»، فإنّ المنزّل عليه هو الصلاة، و المنزل هو الطواف، و المنزل عليه، و هو الصلاة، له أثر، و هو اشتراط الطهارة مثلا.

و حينما يقول: «الطواف في البيت صلاة»، فيكون معنى التنزيل إسراء ذلك الأثر الثابت للصلاة، إلى الطواف، فيعتبر في الطواف حينئذ الطهارة، كما يعتبر في الصلاة.

إذن فلا بد و أن يكون هناك أثر للمنزّل عليه يسري بحكم التنزيل إلى المنزل.

و هنا إذا فرضنا أن الوضع كان عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى، فلا بد و أن يكون هناك أثر من آثار المعنى يترتب على اللفظ بواسطة التنزيل، مع أننا نرى أنه لا يوجد أي أثر من آثار المعنى للفظ، فالمعنى و هو الحيوان المفترس، يأكل، و يشرب، إلى غير ذلك، بينما كلمة (أسد) لا يترتب عليها أيّ أثر من تلك الآثار.

و هذه المناقشة مرجعها إلى أمرين:

الأمر الأول: اعتبار كون اللفظ وجودا للمعنى، مرجعه إلى التنزيل، أي: تنزيل اللفظ منزلة المعنى.

الأمر الثاني: إنّ التنزيل لا بدّ فيه من أن يجري فيه بعض أحكام المنزل‏

____________

(1) هامش أجود التقريرات- الخوئي: ص 12.

36

عليه على المنزل، بينما هنا لا نرى شيئا من آثار المعنى يثبت للفظ، فلا يعقل التنزيل حينئذ.

إلّا أن هذه المناقشة مدفوعة:

أمّا بالنسبة إلى الأمر الأول و هو أن اعتبار كون اللفظ وجودا للمعنى، مرجعه إلى تنزيل اللفظ منزلة المعنى: فهو غير مسلّم، فإن اعتبار كون اللفظ وجودا للمعنى لا يعني حمله على التنزيل، و توضيح ذلك يكون ببيان مقدمة مشابهة لمحل الكلام و هي:

إن الميرزا «(قدّس سرّه)» ادّعى في بحث جعل الطرق و الإمارات‏ (1)، أن خبر الواحد جعل علما و قطعا طريقيا، و هناك أشكل على الميرزا الإشكال نفسه الذي أشكله السيد الأستاذ (2)، و حاصله: إن الإمارة إذا كانت قد اعتبرت علما و طريقا بتنزيل الشارع، فلا بدّ حينئذ، أن يكون هناك حكم شرعي للطريق، حتى يسري بالتنزيل إلى تلك الإمارة، مع أن القطع الطريقي ليس له أثر شرعي، حيث أن أثره المنجّزية و المعذّرية، و هما من حكم العقل لا الشرع، فلا معنى لأن ينزل الشارع الإمارة منزلة القطع الطريقي.

و قد أجاب الميرزا «(قدّس سرّه)»، عن هذا (3): بأنّ المدّعى ليس هو أن الإمارة منزّلة منزلة القطع، بل كونها فردا من القطع بالاعتبار، و فرق بين المطلبين؛ فمرة نفرض أن المولى قال جعلت الأمارة بمنزلة العلم و القطع، و حينئذ يرد الإشكال المذكور، و مرة أخرى لا يكون لسانه لسان التنزيل، و جعل الإمارة بمنزلة القطع الطريقي، بل لسانه لسان الاعتبار، فيعتبر أنّ الأمارة علم و قطع. و الاعتبار سهل المئونة، لا يحتاج إلى أن يكون هناك أي أثر للمنزل عليه، ليسري للمنزل، و بهذا دفع الميرزا الإشكال.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 4، ص 177- 178- 179- 180.

(2) أجود التقريرات: ج 1، ص 12.

(3) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 4 ص 178- 179- 180.

37

و إذا اتضح الفرق بين باب التنزيل، و باب الاعتبار نقول:

إنه يمكن أن يدعي صاحب هذا الوجه الثاني لمسلك الاعتبار، أن الوضع ليس هو تنزيل الواضع للفظ منزلة المعنى، حتى نسأله أنّه منزل بأي أثر، بل هو اعتبار، فرض أن اللفظ وجود للمعنى، من قبيل أن نفرض أن وجود العالم وجود للأحكام، فهذه اعتبارات سهلة المئونة، لا تحتاج إلى وجود أثر شرعي للمنزل عليه يسري إلى المنزل.

و بهذا يندفع الإشكال. فإنه كما صحّ عند الميرزا و أصحابه جعل الإمارة علما و قطعا مع أنه لا يوجد أثر شرعي للقطع الطريقي، كذلك يصح جعل اللفظ للمعنى، مع أنه لا يوجد أثر للمعنى. هذا بالنسبة إلى الأمر الأول.

و أمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني: فقد يقال: إنه لو سلّمنا أنّ باب الوضع هو باب التنزيل، لا باب الاعتبار، فحينئذ، اللفظ لا يترتب عليه أثر من آثار المعنى، فكيف يكون قائما مقامه و منزلا منزلته؟.

و قد يجاب عن هذا بأن يقال: إنه إن كان المقصود من أثر المعنى الأثر الخارجي، ككون الأسد يأكل، و يشرب، و غير ذلك، فهذا صحيح بحيث أن هذا لا يترتب على لفظة (أسد)، إلّا أن هناك أثرا مهما من آثار المعنى، مترتب على اللفظ، و هو أن المعنى كان له خصوصية، و هي الإحساس بالحيوان المفترس و وقوع العين عليه خارجا، بحيث يوجب تصور صورته ذهنا. فهذا أثر من آثار المعنى، و هذا الأثر و الخصوصية تحصل للّفظ بواسطة وضعه للمعنى، فإنه متى ما وقع اللفظ في حسّنا بأن رأينا كلمة (أسد)، أو سمعناها، أو قرأناها، فحينئذ، ينتقل إلى ذهننا صورة الحيوان المفترس. فالخصوصية نفسها التي كانت موجودة للمعنى أصبحت موجودة للفظ، و هي خصوصية أن الإحساس به يوجب تصوره في الذهن، و هذه الخصوصية كانت في المعنى فقط، و بعد الوضع أصبحت باللفظ أيضا، فهذا أثر مهم للمعنى يترتب على‏

38

اللفظ بواسطة الوضع؛ و حينئذ فلو بقينا نحن و مناقشة السيد الأستاذ لما أمكن إبطال هذا الوجه.

و الصحيح في إبطال هذا الوجه الثاني من وجوه مسلك الاعتبار أن يقال:

إنّ هذا الأثر، و هذه الخصوصية التي كانت ثابتة للمعنى، و هو أنه عند الإحساس بالمعنى، يتصور الذهن صورة الحيوان المفترس، هي خصوصية تكوينية للمعنى.

فحينئذ نقول: إن هذه الخصوصية كيف أمكن تسريتها للّفظ بمجرد التنزيل الاعتباري للّفظ منزلة المعنى؟ و كيف تسري الخصوصية التكوينية للمنزل عليه إلى المنزل بواسطة التنزيل؟ فإنه لو كان بالإمكان إسراء الخصوصيات التكوينية للمنزل عليه إلى المنزل، لكان تنزيل الماء منزلة النار موجبا لأن تسري خصوصية الإحراق التي هي من خصوصيات النار إلى الماء، و هذا لا يقول به عاقل.

و لا فرق بين الخصوصيات التكوينية ليمكن تسرية الخصوصية من محلها إلى غير محلها في بعض الخصوصيات دون البعض الآخر، و مجرد كون الوضع عبارة عن اعتبار كون اللفظ وجودا للمعنى، لا يوجب فرقا بين هذه الخصوصية فيمكن التسرية فيها، و غيرها من الخصوصيات لا يمكن التسرية فيها.

الوجه الثالث:

و ممّا تقدم ذكره، يظهر حال الوجه الثالث من وجوه تصوير مسلك الاعتبار. و حاصل هذا الوجه أن يقال: بأن الوضع عبارة عن الاعتبار، بمعنى اعتبار كون اللفظ أداة لتفهيم المعنى، حيث أن الأداتية، تارة تكون تكوينية، و أخرى تكون اعتبارية، فالصابون و الماء مثلا أداة تكوينية للنظافة، و اللفظ أداة

39

اعتبارية لتفهيم المعنى، و حينئذ فالوضع عبارة عن اعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى.

و هذا الوجه يظهر بطلانه ممّا ذكرنا، فإنّ أصحاب مسلك الاعتبار لم يتكلموا في أصل الإشكال، و هو أنه كيف حصلت هذه السببية بين اللفظ و المعنى بالاعتبار، مع أن هذه لا تحصل بين شيئين بمجرد الاعتبار، فإنه بمجرد اعتبار كون الماء نارا، لا تحصل حينئذ السببية بين الماء و النار، فكان الواجب أن يبينوا كيفية حصول السببية بين اللفظ و المعنى بالاعتبار، سواء أ كان المعتبر هو وضع اللفظ على المعنى، كما هو مقتضى الوجه الأول للتصوير، أو كان المعتبر هو كون اللفظ عين المعنى، أو وجودا له كما هو مقتضى الوجه الثاني للتصوير، أو كان المعتبر هو كون اللفظ أداة لتفهيم المعنى كما هو مقتضى الوجه الثالث للتصوير.

و لكنهم تركوا هذا، و صاروا في مقام تصوير بيان ما هو المعتبر، و أنه هل هو وضع اللفظ على المعنى، أو كون اللفظ وجودا للمعنى، أو كون اللفظ أداة لتفهيم المعنى؟ و هذا الكلام لا معنى له في كلامنا.

إذن فمسلك الاعتبار قاصر عن تصوير حقيقة الوضع كمسلك التعهد.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

المسلك الثالث 3- مسلك الجعل الواقعي‏

الكلام الآن في المذهب الثالث في تصوير حقيقة الوضع، و هو مسلك جعل الملازمة الواقعية، أو السببية الواقعية بين اللفظ و المعنى.

و تقريب هذا المسلك هو: إن الأمور الثابتة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الأمور التي تكون ثابتة بوجودها الخارجي من قبيل الإنسان، و الماء، و الهواء، و الجواهر، و الأعراض.

القسم الثاني: الأمور التي تكون ثابتة بالاعتبار، بحيث أن لا وجود لها إلّا الوجود الاعتباري، من قبل المعتبر، فلو انقطع الاعتبار زال الوجود عنها، من قبيل أن نعتبر وجود بحر من زئبق فإنّ هذا موجود بوجود اعتباري، و بقطع النظر عن الاعتبار، ليس لهذا البحر الزئبقي وجود، و لا ثبوت.

القسم الثالث: ما يكون ثبوته لا بالوجود الخارجي، و لا بمحض الاعتبار، بل بنحو من الواقعية، بحيث يكون له واقعية في الأمر نفسه، و له نحو من الثبوت المحفوظ، بقطع النظر عن اعتبار المعتبرين؛ من قبيل إمكان الإنسان، نقول مثلا: الإنسان ممكن و ليس واجبا و ليس ممتنعا، فإمكان الإنسان ليس موجودا بالاعتبار فقط، بل هو ثابت بقطع النظر عن أي اعتبار، و حتى لو لم يكن هناك اعتبار، و لا معتبر في الخارج، فمع هذا، إمكان الإنسان أمر محفوظ في نفسه، و ثابت في الأمر نفسه فإمكان الإنسان ليس من القسم الثاني‏

42

الذي يكون وجوده بمحض الاعتبار، و كذلك ليس من القسم الأول الذي يكون ثبوته على حدّ ثبوت الإنسان، و على حدّ ثبوت الجواهر و الأعراض، بحيث يكون له وجود خارجي، إذ من الواضح أن الإمكان ليس له وجود خارجي، كما برهن عليه في محلّه، و إلّا لكان للإمكان إمكان، و هكذا. إذن فالإمكان قسم ثابت من الأمور الثابتة، و ثبوته لا بوجوده الخارجي، و لا بمحض الاعتبار، بل بواقعيته، فهو من الأمور الواقعية المحفوظة في الأمر و الواقع نفسه، من قبيل الملازمات و السببيات، فإن ملازمة النار للإحراق، أو سببية النار للإحراق، هذا أمر واقعي محفوظ في نفسه، بقطع النظر عن اعتبار المعتبر، بل هو أمر له واقعية و ثبوت.

و حينئذ، بناء على هذا القسم الثالث يقال: بأن الملازمة بين اللفظ و المعنى التي هي عبارة عن سببية اللفظ للمعنى في عالم الذهن، و كون اللفظ سببا للمعنى، فهذا يدخل في القسم الثالث من هذه الأقسام، فهو ليس أمرا له وجود في الخارج على حدّ وجود الجواهر و الأعراض، و لا هو أيضا أمر اعتباري خيالي من قبيل البحر من زئبق، بل هو أمر واقعي له ثبوت في الواقع، فإنه حقيقة يكون اللفظ سببا للمعنى في عالم الذهن، و ليس هذا بأمر خيالي أو ادّعائي.

إذن فالوضع عبارة عن جعل هذه السببية الواقعية بين اللفظ و المعنى- جعل اللفظ سببا للمعنى- فهو جعل للسببية الواقعية، و الملازمة الواقعية التي تدخل في القسم الثالث.

هذا بيان صورة هذا المسلك، و قد اعترض على هذا المسلك السيد الأستاذ بالتهافت المنطقي‏ (1).

و توضيح الاعتراض الذي اعترض به السيد الأستاذ على هذا المسلك، هو أن الوضع إذا كان عبارة عن جعل هذه السببية الواقعية بين اللفظ و المعنى،

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج 1، ص 42- 43.

43

و كان أمرا واقعيا على حدّ السببية بين النار و الإحراق مثلا، فحينئذ نسأل:

إنّ الواضع الذي يصدر منه هذا الوضع، و يجعل سببية واقعية بين اللفظ و المعنى، هل يجعل هذه السببية مطلقا، أو يجعلها مقيدا بصورة العلم بالوضع؟.

فإن قيل: بأنه يجعل سببية اللفظ للمعنى سببية واقعية مطلقا، في حق كل أحد، من دون أن يقيد مجعوله بالعلم بالوضع!.

قلنا: يلزم من ذلك حينئذ أن يكون اللفظ سببا لتصور المعنى، و إيجاده في الذهن من حق كل واحد، سواء أ كان عالما بالوضع، أو جاهلا بالوضع، لأنّ المفروض أن الجاعل، جعل السببية على الإطلاق، و لم يقيدها بخصوص صورة العلم بالوضع، مع أن المشاهد وجدانا أن اللفظ لا يكون سببا لتصور المعنى إلّا في مثل العالم بالوضع، و أمّا في مثل الجاهل بالوضع فهو يسمع اللفظ، و لا ينتقل ذهنه إلى المعنى.

و إن قيل: بأن الواضع يجعل سببية اللفظ للمعنى، لكن مشروطا بالعلم بالوضع، فمثلا يقول إذا كنت عالما بالوضع. فاللفظ أجعله سببا للمعنى، فتكون سببية اللفظ للمعنى مشروطة بالعلم بالوضع.

و عليه: فحينئذ، يلزم الدور في المقام، و ذلك لأنّ سببية اللفظ للمعنى، هذه السببية الواقعية المجعولة من قبل الواضع، هذه مشروطة بالعلم بالوضع، و متوقفة على العلم بالوضع، فهي في طول العلم به. و الوضع ما هو؟ هو نفس السببية، لأنّ أصحاب هذا المسلك يقولون: بأن الوضع عبارة عن سببية اللفظ للمعنى.

إذن فالعلم بالوضع يكون عبارة عن العلم بسببية اللفظ للمعنى، فيرجع أخيرا إلى أن سببية اللفظ للمعنى، مشروطة بالعلم بسببية اللفظ للمعنى، و هذا دور، لأنه يلزم من ذلك أن تكون سببية اللفظ للمعنى في طول العلم بالوضع، لأنّ كل مشروط في طول شرطه، و الشرط هو العلم بالوضع، يعني العلم‏

44

بالسببية، و العلم بالسببية في طول السببية، لأنّ العلم بكل شي‏ء في طول ذلك الشي‏ء، فيلزم التهافت، و كون شيئين كل منهما في طول الآخر، و هو الدور.

إذن فكلا الوجهين في هذا المسلك غير معقول.

رد اعتراض السيد الأستاذ:

لو بقينا نحن مع اعتراض السيد الأستاذ على هذا المسلك، لا يمكن قبول هذا الاعتراض بمعنى أنه على مستوى التهافت المنطقي يمكن تصوير هذا المسلك، بنحو لا يكون فيه محذور التهافت و الدور، و ذلك فيما إذا ادّعى صاحب هذا المسلك، أن ما هو السبب في الانتقال إلى المعنى هو المجموع المركب من جزءين:

الجزء الأول: اللفظ: فهو جزء السبب في الانتقال إلى المعنى في حق الجاهل، و العالم.

و الجزء الآخر: العلم بأن اللفظ جزء السبب، يعني العلم بالدخل الضمني للفظ، و بأن اللفظ له دخل في الانتقال إلى المعنى.

و بناء على هذا حينئذ، السببية التامة الاستقلالية هي في طول العلم، و العلم ليس في طول السببية الاستقلالية، بل في طول السببية الضمنية، فالموقوف على العلم غير الموقوف عليه العلم. و بعبارة أخرى، الوضع عبارة عن السببية التامة بين اللفظ و المعنى، و هذه السببية التامة موقوفة على وجود كلا الجزءين. على لفظ و على علم.

فلو قلنا على علم بالسببية التامة يلزم الدور، و لكن نقول: على علم بالسببية الضمنية، فإن اللفظ جزء السبب، و له دخل ضمني نافذ، على العلم بذاك الدخل الضمني النافذ.

إذن فالموقوف على العلم هو السببية التامة، و الذي يتوقف عليه العلم هو السببية الضمنية الناقصة، يعني دخل اللفظ في الجملة، فلا يلزم الدور.

45

و أي دور إذا وجد اللفظ، و كنت تعلم أنه دخيل في الجملة، إذن يتم بذلك السبب. فتمامية السببية فرع العلم بالسببية الضمنية، و السببية الضمنية ليست فرع العلم، فيكون الجعل غير متهافت منطقيا، فلا إشكال منطقي في المقام.

46

تحقيق الكلام في جعل السببية الواقعية

صار واضحا أن هذا المسلك الثالث، هو مسلك جعل السببية الواقعية و الملازمة الواقعية بين اللفظ و المعنى، حينئذ نسأل صاحب هذا المسلك: ما ذا يقصد بالجعل؟.

هل يقصد الجعل المباشري لهذه السببية، أو يقصد الجعل بتوسط أمر آخر؟.

فإن كان يقصد الجعل المباشري للسببية، بمعنى أن اللفظ بحسب طبعه ليس سببا للانتقال إلى المعنى، و لكن الواضع يجعل هذه السببية جعلا مباشريا ابتدائيا، فيخلق في اللفظ سببية واقعية للانتقال إلى المعنى:

فإن كان يقصد هذا المعنى، فهذا غير معقول في نفسه في سائر موارد عالم التكوين، لأنّ السببية بين الأشياء ذاتية للسبب، و هي غير مجعولة، و غير قابلة للجعل، فلا يمكن أن نجعل ما ليس سببا للحرارة بذاته سببا للحرارة، فالماء مثلا: ليس بسبب للحرارة، فلا يمكن أن نجعله سببا للحرارة.

نعم يعقل أن يوجد فيه ما هو سبب، و ذلك بأن نجعل هذا الماء حارا، و من المعلوم أن الحرارة سبب للحرارة، فإذا جعلنا فيه الحرارة بوضعه على النار، فقد صار هذا الماء سببا للحرارة، و لكن هذا ليس بابه باب السببية المباشرية، فإنّ ما هو سبب الحرارة هو نفس الحرارة، و نحن قد جعلنا

47

الحرارة في الماء، و ما جعلنا الشي‏ء الذي ليس بسبب سببا مباشريا؛ فجعل السببية المباشرية أمر غير معقول، بمعنى أنّ الشي‏ء الذي لا يكون سببا نجعله سببا! فهذا غير معقول، لأنّ السببية بالنسبة إلى السبب الذاتي تكون ذاتية لا محالة.

نعم يمكن أن أجعل شيئا سببا للعرض، و ذلك بأن أوجد فيه السبب بالذات لا أوجد سببية السبب بالذات، بل أوجد السبب نفسه بالذات؛ فالماء ليس سببا ذاتيا للحرارة، و يستحيل جعل السببية الذاتية المباشرية للماء، بل يمكن جعله سببا بالعرض و ذلك بإيجاد ما هو سبب بالذات فيه، و هو الحرارة، فيصبح حينئذ سببا بالعرض بالنسبة إلى الحرارة، و أما السبب بالذات فهو الحرارة نفسها، و الحرارة لم نجعل سببيتها بل سببيتها ذاتية.

فإن أريد في المقام بجعل السببية الذاتية في اللفظ، بحيث يجعله بذاته سببا، بعد أن لم يكن سببا: فهذا أمر مستحيل، لأنّ السببية الذاتية حيث أنها من خواص الأسباب الذاتية يستحيل أن تكون مجعولة بجعل مستقل. و إذا استحال وضع و جعل السببية تكوينا لما ليس بسبب، فيستحيل جعلها تشريعا، أو اعتبارا.

و إن كان المراد من جعل هذه السببية ضمّ ما هو السبب بالذات إلى اللفظ- من قبيل جعل الماء سببا للحرارة، و ذلك بأن نفتش أنه ما هو السبب بالذات في الحرارة، هو الحرارة نفسها، فأوجد الحرارة في الماء، فيصير الماء ببركة ذلك سببا بالعرض. فهذا أمر معقول في المقام، و هو أن نوجد في اللفظ خصوصية زائدة، و ببركتها يصبح اللفظ سببا بالعرض، و تلك الخصوصية التي ببركتها أصبح اللفظ سببا بالعرض للمعنى، هذه الخصوصية لم يبينها هذا المسلك، و كل ما قاله إنّ الوضع يرجع إلى جعل السببية الواقعية، و هذا المقدار صحيح، لكن ليس جعلا مباشريا للسببية، بحيث يجعل السببية الذاتية، لأنّ السببية الذاتية لا تقبل الجعل، بل إنما يجعل السببية العرضية، بمعنى أن يضم خصوصية إلى اللفظ ليصبح بواسطتها سببا للمعنى، و حينئذ جعل شي‏ء

48

سببا للعرض إنما يكون بضم ما هو سبب بالذات إليه، فلا بدّ أن نرى ما هي تلك الخصوصية بحيث يصبح اللفظ سببا بالعرض للمعنى.

49

التحقيق في حقيقة الوضع‏

البحث في حقيقة الوضع، هو بحث في كيفية نشوء الدلالة بين اللفظ و المعنى، و أنه كيف يصبح اللفظ سببا لتصور المعنى، بعد أن لم يكن بحدّ ذاته سببا لذلك؛ ما ذا يصنع الواضع لكي يجعل اللفظ سببا للانتقال إلى المعنى، مع أن اللفظ بطبعه و ذاته، ليس سببا للانتقال إلى المعنى.

و تحقيق ذلك أن يقال:

إنه في باب الانتقال من إدراك شي‏ء إلى تصور شي‏ء يوجد ثلاث قوانين تكوينية ثابتة مخلوقة من قبل خالق العالم الذي وضع القوانين التكوينية لهذا العالم، و هذه القوانين التكوينية الثلاثة نصطلح عليها: بالقانون الأولي التكويني، و القانون الثانوي التكويني الأول، و القانون الثانوي التكويني الثاني.

القانون الأولي التكويني: هذا القانون التكويني الأولي، هو أنّ الإدراك و الإحساس بشي‏ء، يوجب الانتقال التصوري إلى معناه، مثلا الإحساس ب (الأسد) يوجب الانتقال إلى تصور معنى الحيوان المفترس، فهذه سببية واقعية تكوينية مبنية على قانون تكويني خلقه اللّه تعالى، حين خلق الإنسان و أعطاه إحساسه و خياله و تصوره، جعل هذه السببية تكوينا، بحيث أن الإحساس بشي‏ء يوجب الانتقال إلى تصور معنى ذاك الشي‏ء؛ فالإحساس‏

50

بشي‏ء سبب، و تصور معناه مسبّب. هذا هو القانون الأولي التكويني.

القانون الثانوي التكويني الأول: هو إنّ الإنسان لو لم يحس بالشي‏ء، و لكن أحسّ بما يشابه ذلك الشي‏ء، فأيضا ينتقل منه إلى تصور ذلك المعنى و إن كان لم يحسّ به، و لكن أحسّ بمشابهه، فهذا القانون يقتضي أيضا الانتقال إلى المعنى؛ مثلا: نحن نرسم صورة (الأسد) على الورق، فإذا رأى إنسان هذه الصورة، يتصور في ذهنه الحيوان المفترس، مع أنه لم ير الحيوان المفترس نفسه، و لكن رأى المشابه له من بعض الجهات، لكن حينئذ إدراك المشابه يعوّض عن إدراك نفسه، فيكون سببا أيضا للانتقال إلى معنى الحيوان المفترس و هذا القانون ليس مربوطا بالواضع، و لا بجعل الواضع بوجه من الوجوه، و هو حاكم على القانون التكويني الأولي، لأنّ القانون التكويني الأولي مفاده. من أحس بالحيوان المفترس ينتقل ذهنه إلى تصور معناه، و هذا القانون الثانوي الأول يجعل الإحساس بالمشابه بمنزلة الإحساس به، فله حكومة عليه، و لكنها حكومة تكوينية، لا حكومة تنزيلية ادعائية اعتبارية، بل هي حكومة واقعية، بمعنى أن يجعل المشابه، له الأثر نفسه الموجود بالمشابه، فمتى ما رأينا صورة (الأسد) على الورق. انتقلنا إلى صورة الحيوان المفترس، هذا هو القانون الثانوي التكويني الأول.

القانون الثانوي التكويني الثاني: و هذا القانون الذي له أيضا حكومة على القانون التكويني الأولي، مفاده أنه لو لم نر الحيوان المفترس، و لم نر أيضا شيئا مشابها له على الورق، لكن أدركنا شيئا كان يقترن مع الحيوان المفترس بوجه مخصوص، اقترانا مخصوصا شديدا، حينئذ ننتقل منه إلى تصور الحيوان المفترس، فإذا فرضنا أن شيئا كان يقترن مع شي‏ء آخر، اقترانا مخصوصا، و حينئذ إذا أدركنا أحدهما و رأيناه، ينتقل ذهننا أيضا إلى الآخر، فكأن المقترن أيضا يصير له هذه الحالة، و هي أنه يوجب الانتقال الذهني و التصوري إلى شكل الشي‏ء الآخر الذي كان مقترنا معه بوجه مخصوص.

و هذا الاقتران المخصوص تارة تكون الخصوصية فيه خصوصية كمية،

51

بحيث تنشأ هذه الخصوصية بسبب كثرة الاقتران، كما لو فرضنا أنّ أحد الشيئين اقترن بالآخر مئات المرات، مرارا و تكرارا، فحينئذ إذا رأينا أحدهما، انتقل ذهننا تصورا إلى الآخر، فمثلا: في علم الرجال دائما نرى (النوفلي) يروي عن (السكوني)، ف (النوفلي) و (السكوني) مقترنان في تصورنا متى ما رأينا (نوفلي) رأينا (سكوني)؛ فلو رأينا على ورق في مرة من المرات كلمة (سكوني) ينتقل ذهننا فورا إلى (النوفلي)، لأن (السكوني) رأيناه مرارا و تكرارا مع (النوفلي)، فأصبح للسكوني هذه الحالة، و هي أنه متى ما رأيناه انتقل ذهننا تصورا إلى (النوفلي).

و تارة أخرى تكون تلك الخصوصية خصوصية كيفية، بحيث لم تنشأ من كثرة الاقتران مرارا و تكرارا، بل قد يتفق أن يقترن أحد الشيئين بالآخر مرة واحدة، لكن باقتران مخصوص بكيفية مخصوصة، بحيث بعد هذا إذا أدركنا أحدهما ينتقل ذهننا إلى الآخر؛ فمثلا إذا سافر الإنسان إلى بلد «بغداد» و ابتلي بمرض شديد، و بعد هذا رجع، قد يتفق أنه متى ما تصور اسم ذلك البلد، انتقل ذهنه إلى ذلك المرض الذي أصابه، و إن كان البلد مع المرض قد اقترنا مرة واحدة، لكن حيث أنه اقتران من نوع شديد، و بكيفية أكيدة، و لهذا متى ما تصور أحدهما «بغداد» انتقل ذهنه إلى أنه ذهب إلى البلد، و مرض مرضا شديدا.

تطبيقات:

صار واضحا أنه يوجد قانون تكويني أولي، و قانونان تكوينيان حاكمان على القانون التكويني الأولي، و بعد هذا نقول:

إنّ الدلالات التي تواضع عليها الناس فيما بينهم، بعضها بحسب الحقيقة صغريات و تطبيقات لكبرى القانون الثانوي التكويني الأول، و بعضها أيضا صغريات و تطبيقات لكبرى القانون الثانوي التكويني الثاني، و قد يتفق أن يكون بعض هذه الدلالات التي تواضع عليها الناس صغريات و تطبيقات لكبرى القانونين الثانويين التكوينيين معا.

52

فهناك من الدلالات التي تواضع عليها الناس، الإشارات التصويرية، بحيث أصبحت لغة عالمية مللية بين مختلف الملل و النحل، مثالها الإنسان حينما يريد أن يبيّن للآخر أنّ هذا تاجر مثلا، فيحرك بيده بنحو، يجعل بالإشارة صورة يده مشابهة مع ذلك الشخص الذي يريد أن يفهمه إيّاه؛ فمثل هذه نسميها بالإشارات التصويرية التي تواضع عليها الناس منذ القدم، و إلى يومنا هذا، و هي بحسب الحقيقة صغرى، و تطبيق للقانون الثانوي التكويني الأول.

و هنا أيضا نقول: إنّا نخلق باليد و حركتها، حالة مشابهة لطلبة يلبس العمامة، حينئذ هذا الخلق لهذه الصورة يوجب انتقال ذهنه تصورا إلى الطلبة، من قبيل، أنه لو رأى صورة (الأسد) على الورق، ينتقل ذهنه إلى الحيوان المفترس.

فهذه الدلالات الإشارية و الإشارات التصويرية، تكون تطبيقا للقانون الثانوي التكويني الأول.

و هناك ما يكون تطبيقا للقانون الثانوي التكويني الثاني.

فالإنسان منذ البداية كان يلاحظ أن أصواتا معينة تقترن مع حيوانات معينة، فالنهيق، و الزئير، هذه أصوات معينة لحيوانات معينة، فكلما رأينا (الأسد)، سمعنا معه زئيره و كلما رأى (الحمار) سمع معه نهيقه، و هكذا اقترن اقترانا متكررا، و حينئذ إذا سمعنا الزئير و لم نر (الأسد) بعينه، فسماع الزئير نفسه متكررا، يوجب انتقال الذهن إلى صورة (الأسد) إلى معنى الحيوان المفترس.

و هذا بحسب الحقيقة تطبيق و صغرى للقانون الثانوي التكويني الثاني، لأنّ الزئير اقترن مرارا عديدة مع شكل (الأسد)، و حينئذ بعد هذا، إذا سمعنا الزئير نتصور في ذهننا صورة الحيوان المفترس.

و هناك ما يكون تطبيقا لكلا القانونين معا، فمثلا.