بيان الأصول - ج8

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
424 /
3

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على محمّد المصطفى و عترته الطّاهرين و اللعن على أعدائهم الى يوم الدين‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

خاتمة- و فيها امور

تابعة للاستصحاب و هي كالتالي:

الأمر الأول من الخاتمة في أخبار الاستصحاب و شمولها لبعض القواعد

الأول: هل أخبار الاستصحاب تشمل قاعدة المقتضي و المانع، التي تمسّك بها بعض أعلام السلف (قدّس سرّهم)، أم لا؟

و هل تشمل قاعدة اليقين، أي: الشكّ الساري- و التي قال بها بعض أيضا- أم لا؟

و لا يخفى: انّه قد مضى في المقدّمة الرابعة من مقدّمات الاستصحاب بحث الفرق بينهما و بين الاستصحاب.

فهنا بحثان:

(1) قاعدة المقتضي و المانع‏

البحث الأوّل: في قاعدة المقتضي و المانع، و فيها قولان:

1- قول بعدم الشمول و هو قول المشهور قديما و حديثا.

2- قول بالشمول و هو قول بعضهم.

6

الاستدلال لقول المشهور [اى عدم الشمول‏]

امّا قول المشهور: بالعدم: فاستدل له بان روايات الاستصحاب مفادها:

عدم نقض اليقين بالشكّ، و لا يصدق النقض إلّا فيما كان متعلّق اليقين و الشكّ أمرا واحدا، غايته اختلاف المتيقّن و المشكوك زمانا، و حدوثا، و بقاء.

و قاعدة المقتضي و المانع ليس كذلك، اذ اليقين متعلّق بالمقتضي، و الشكّ بالمانع.

مثلا: عند الشك في وصول الماء للمانع، اليقين متعلّق بوجود المقتضي لوصول الماء و هو: صبّ الماء على العضو، و الشكّ متعلّق بالمانع عن وصول الماء.

فإذا شكّ في حصول الطهارة، فعدم الحكم بها ليس نقضا لليقين بالشكّ، لأنّ اليقين تعلّق بصبّ الماء، و المقتضي مسلّم حدوثا و بقاء.

و الشكّ متعلّق بوجود المانع، و هو مشكوك حدوثا و بقاء.

و الطهارة ليست من آثار وجود المقتضي فقط، بل تتوقّف على عدم المانع أيضا.

و يؤيّد عدم شمول الأدلّة لقاعدة المقتضي و المانع: انّ روايات الاستصحاب الخاصّة، ليس فيها مورد واحد يكون مصداقا لهذه القاعدة.

و أمّا بقيّة أدلّة الاستصحاب، فبين مخدوش صغرى، أو كبرى، أو صغرى و كبرى معا.

1- فالإجماع مخدوش صغرى و كبرى، لعدم الشمول للقاعدة.

2- و بناء العقلاء أيضا مخدوش هنا صغرى و كبرى، امّا كبرى: فلاحتياجه إلى عدم الردع، و يصلح ما دلّ على عدم حجّية الظنّ للردع، و امّا صغرى:

7

فلعدم ثبوت البناء، بل ثبوت خلافه، فاختبر نفسك بمن ألقى حجرا قاتلا على مكان كان فيه شخص سابقا، و لم يعلم بقاءه أو ذهابه من ذلك المكان، فهل يحكم العقلاء بتحقّق القتل، و القصاص، و نحو ذلك؟ كلّا.

3- و الدليل العقلي: و هو انّ الحدوث في السابق موجب للظنّ بالبقاء في اللاحق، و هذا أيضا مخدوش كبرى: بأنّه مطلقا ليس موجبا للظنّ بالبقاء خصوصا إذا كان شكّا في بقاء المقتضي، و صغرى: بأنّ الظنّ ليس حجّة، مضافا الى انه معلّق على عدم المانع لا مطلقا.

الاستدلال للقول الآخر [اى الشمول‏]

و امّا قول غير المشهور: فاستدلّ له بما يلي:

1- ضمّ الوجدان إلى الأصل أي: أصل عدم المانع.

و فيه: انّ أصل عدم المانع لا يثبت تحقّق العلّة التامّة، إلّا على القول بالأصل المثبت.

2- سيرة العقلاء على الحكم بالمعلول بمجرّد إحراز المقتضي،

و فيه: انّ السيرة مع عدم الاطمئنان من القرائن غير تامّة، و معها لا تنفع فيما نحن فيه.

هذا مضافا إلى انّ قاعدة المقتضي و المانع معارضة بالاستصحاب دائما، كما سيأتي تفصيلها ان شاء اللّه تعالى في معارضة الاستصحاب بقاعدة اليقين.

(2) قاعدة اليقين [ (الشكّ الساري)]

البحث الثاني: في قاعدة اليقين أي الشكّ الساري.

8

قال الآشتياني (رحمه اللّه) في بحر الفوائد: «انّه ذكر جماعة من المتأخّرين انّه لا إشكال في إمكان الجمع بين القاعدتين، فانّهما و ان اختلفتا ... إلّا انّ بينهما قدر مشترك يمكن بإرادته إرادتهما ...» (1).

و المقصود: إمكان الجمع بين القاعدتين في دليل واحد، و هو مثل: «لا ينقض اليقين بالشكّ».

هنا مقامان‏

ثمّ انّ هنا مقامين:

أحدهما: في استظهار حجّية قاعدة اليقين من روايات الاستصحاب.

ثانيهما: في استظهار حجّيتها من أدلّة اخرى.

المقام الأول [استظهار حجية قاعدة اليقين من روايات الاستصحاب‏]

امّا بحث المقام الأوّل: و هو استظهار حجية قاعدة اليقين من روايات الاستصحاب، فلا يخفى: انّ احتمال اختصاص الأخبار بالشكّ الساري دون الاستصحاب ساقط، لصراحة جملة منها كصحيحة زرارة الاولى، و الثانية، و غيرها، و ذلك في انّ مواردها: الاستصحاب، و وحدة السياق بينها و بين غيرها من الأخبار يجعلها ظاهرة في إرادة الاستصحاب، فيبقى احتمال شمول الأخبار للشكّ الساري أيضا.

ثمّ انّه استدلّ لعدم دلالة أخبار الاستصحاب على حجّية قاعدة اليقين بوجوه: بعضها انكار لمقام الثبوت و الامكان، و بعضها إنكار لمقام الإثبات و الدلالة.

____________

(1)- بحر الفوائد، الاستصحاب ص 179.

9

مقام الثبوت و وجوه انكاره‏

امّا الأوّل: فاستدلّ المحقق النائيني (رحمه اللّه) له بوجوه ثلاثة، تبعا للشيخ (رحمه اللّه) في الرسائل و في مجلس بحثه كما ذكره الآشتياني (قدّس سرّه) في بحر الفوائد (1)

لكنّها مخدوشة كلّها:

الوجه الأول [عدم احراز اليقين‏]

الأوّل: انّ الاستصحاب: اليقين فيه محرز حال الشكّ.

و القاعدة: اليقين فيها غير محرز حال الشكّ.

و فرض الإحراز و عدمه، لا يمكن جمعهما في دليل واحد، للتناقض.

و فيه: انّه من خصوصيات الافراد، و المطلق بالنسبة إليها: لا بشرط، و ليس بشرط شي‏ء حتّى يتناقضان.

و الموضوع: هو اليقين المتعقّب بالشكّ و له قسمان:

1- ما كان الشكّ طارئا على اليقين بقاء.

2- ما كان الشكّ ساريا في المتيقّن حدوثا.

و هذا لا يوجب التناقض في القسمين، و إلّا لأمكن الإشكال في أنواع الاستصحاب، كاستصحاب الأمور القارّة، مع استصحاب الزمان و الزماني، و كاستصحاب الوجود مع استصحاب العدم، و الاستصحاب مع الشكّ في المانع، و الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي، و نحو ذلك.

الوجه الثاني [زوال اليقين‏]

الثاني: اليقين: يقين لا يختلف، سواء في الاستصحاب، أم في قاعدة اليقين، غير انّه في الاستصحاب ثابت و باق في محلّه، و في قاعدة اليقين زائل‏

____________

(1)- بحر الفوائد، الاستصحاب ص 179.

10

و غير موجود- بلحاظ متعلّقه- و الحكم بحرمة نقضه حال وجوده و حال عدم وجوده في دليل واحد، مستحيل.

و دعوى أعمّية المشتقّ من المتلبّس و المنقضي عنه المبدأ، فيشمل الدليل موارد الاستصحاب باعتبار التلبّس الفعلي باليقين، و موارد القاعدة باعتبار وجود اليقين السابق.

مدفوعة: بأنّ الوضع للأعمّ على فرض تسليمه، فإنّما هو في المشتقّات الاصطلاحية: كاسمي الفاعل و المفعول، و نحو ذلك، دون الجوامد و ما هو شبيه بها، و المذكور في الأخبار لفظ «اليقين» الذي هو امّا جامد، أو شبيه به، في عدم كونه موضوعا للقدر المشترك بين وجود صفة اليقين و عدم وجودها.

نعم، لو كان المذكور: لفظ «المتيقّن» لأمكن دعوى شموله للأعمّ من المنقضي عنه المبدأ.

ان قلت: يمكن القول: بأنّ معنى الأخبار: لا ينقض اليقين الذي كان موجودا، و هو أعمّ من بقائه أو سريان الشكّ إليه و زواله في محلّه.

قلت: هذا خلاف الظاهر، إذ الظاهر من لفظ «اليقين»: الفعلية.

و فيه- 1-: يمكن أن يكون ظاهر الروايات: انّ اليقين إذا وجد لا يزيله الشكّ، سواء كان شكّا ساريا أم طارئا، فليس مستحيلا.

2- و لا إشكال في انّ المراد من «اليقين» ليس نفسه، لأنّه قد زال بالشكّ، بل المراد: المتيقّن، كما تقدّم في تفسير روايات الاستصحاب.

3- استدلاله (رحمه اللّه)-: بأنّ «لا ينقض اليقين الذي كان موجودا» خلاف ظاهر الفعلية في الألفاظ- عدول عن البحث في مقام الثبوت إلى مقام الإثبات.

11

الوجه الثالث [قيدية الزمان لا ظرفيتها بخلاف الاستصحاب‏]

الثالث: الزمان في باب الاستصحاب ظرف، سواء كان حدوث اليقين و الشكّ في زمان واحد، أم زمانين؟

و الزمان في قاعدة اليقين قيد، و ذلك للزوم اختلاف الزمان لليقين و الشكّ- امّا في أنفسهما أو في متعلّقهما- حتّى يخرج عن الاستحالة. فكيف يمكن أخذ الزمان قيدا و غير قيد في دليل واحد؟.

و فيه: نفس ما أجبنا به عن الوجه الأوّل: من انّ قيدية الزمان و ظرفيته من خصوصيات الافراد، و الموضوع للاستصحاب: اليقين المتعقّب بالشكّ، سواء كان زمانه قيدا أم ظرفا، كما لا يخفى.

و زاد المحقّق العراقي (رحمه اللّه) وجها رابعا لإنكار مقام الثبوت- في تعليقه على تقريرات النائيني (رحمه اللّه)- و حاصله: انّ النقض في الاستصحاب مسامحي، لأنّ متعلّق الشك حقيقة غير متعلّق اليقين، لأنّ أحدهما: الحدوث، و الآخر:

البقاء.

و النقض في قاعدة اليقين دقّي، لوحدة المتعلّق لليقين و الشكّ في القاعدة، و لا يمكن الجمع بين المسامحي العرفي، و الدقّي العقلي في النقض.

و فيه: انّ إطلاق النقض- بما هو نقض- يشمل الدقّي و المسامحي، كشمول النقض للشكّ في بقاء المقتضي و حدوث الرافع، و الشكّ في القارّ و الزمان، و نحو ذلك.

مضافا إلى الأولوية في شمول النقض للدقّي، لأنّه عرفي أيضا.

و هناك وجه خامس: و هو انّ اليقين في الاستصحاب طريقي، و في القاعدة موضوعي، و جمع اللحاظين: الآلي و الاستقلالي لا يمكن.

12

و فيه: ما تقدّم من انّ ذلك من الخصوصيات الفردية، التي لا تنافي الجامع بين الفردين.

مقام الاثبات و وجوه انكاره‏

و امّا الثاني: و هو إنكار مقام الإثبات و الدلالة، فقد استدلّ له الشيخ (رحمه اللّه):

بعدم صدق الاستصحاب عليه لا لغة و لا اصطلاحا.

و فيه: انّه ليس في الأدلّة، كلمة الاستصحاب- كما تقدّم في أوّل مبحث الاستصحاب- حتّى ندور مداره، و ليس البحث في كون قاعدة اليقين من افراد الاستصحاب و عدمه، و إنّما البحث في دلالة أخبار الاستصحاب عليها و عدمها.

هذا مضافا إلى صدق: استصحاب اليقين، على القاعدة، و إن لم يصدق استصحاب المتيقّن، فتأمّل.

و إنكار مقام الإثبات إنّما هو لأمرين:

1- إنكار المقتضي.

2- إنكار عدم المانع.

انكار المقتضي‏

و امّا إنكار المقتضي- مضافا إلى إدّعاء الظهور في الشكّ الطاري-: فانّ ظاهر «لا ينقض اليقين بالشكّ» هو فعلية اليقين، نظير بقية الألفاظ الظاهرة في الفعلية ك «الخمر حرام» أي: الخمر الفعلي، و «رفع ما لا يعلمون» أي:

المجهول الفعلي، لا ما كان مجهولا في زمان.

و ظاهر مادّة النقض: هو وحدة متعلّق اليقين و الشكّ من جميع الجهات حتّى يصدق النقض حقيقة.

13

و لا يمكن الجمع بين الظهورين، لعدم إمكان اجتماع اليقين و الشكّ من جميع الجهات مع فعليتهما، لأنّه جمع الضدّين، أو النقيضين. فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين.

و قرينية بعض روايات الاستصحاب- مثل: «صمّ للرؤية»، و: «فان حرّك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم» و نحو ذلك- تدلّ على إرادته، دون قاعدة اليقين.

و فيه- مضافا إلى انّ هذا إنكار للثبوت دون الإثبات-: ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) بعنوان: «دعوى» (1): من انّ اليقين- بكلّ من اعتباري القاعدة و الاستصحاب- فرد لليقين المطلق، و كذلك الشكّ فكلّ فرد من اليقين، لا ينقض بشكّه.

و الاستدلال ب «اليقين لا ينقض بالشكّ» للاستصحاب لا يخصّصه به، لأنّ العبرة بإطلاق المطلق، دون خصوصية المورد، فتأمّل.

انكار عدم المانع‏

و امّا إنكار عدم المانع: فقد قرّره النراقي و تبعه الشيخ‏ (2): بأنّ عدالة زيد يوم الجمعة- مثلا- المتيقّنة في يوم الجمعة و المشكوكة يوم السبت معارضة باستصحاب عدم عدالته يوم الخميس، فمقتضى عدمها يوم الخميس و الشكّ في يوم السبت بتبدّلها إلى العدالة، الحكم بعدم العدالة.

و مقتضى اليقين بها يوم الجمعة، الحكم بها يومها فيتعارضان، و لا يمكن لدليل واحد من شمولهما.

و الاستصحاب مسلّم القصد من الروايات، فتطرد القاعدة.

قالوا: و عدم المعارض من الاستصحاب قليل المورد لا يحمل عليه‏

____________

(1)- فرائد الاصول، الطبعة الجديدة ص 699.

(2)- فرائد الاصول، الطبعة الجديدة ص 700.

14

الروايات، مثل قاعدة اليقين بالطهارة، حيث انّها لا تعارض استصحاب النجاسة إذا لم تكن النجاسة حالة سابقة.

و قال بعضهم: لا يمكن الجمع بين القاعدة و الاستصحاب بدليلين.

أقول: ذاك ممكن، و يرفع اليد عن الاستصحاب للقاعدة، لحكومتها عليه، أو تخصيصه بها.

جواب المحقق الرشتي‏

ثمّ انّ المحقّق الرشتي (قدّس سرّه)(1) أجاب عن ذلك: بأنّه لا معارضة بين الاستصحاب و القاعدة، لحكومة القاعدة على الاستصحاب، و استبعاد حكومة فرد من المطلق على فرده الآخر غير وارد، و ذلك:

نقصا: بحكومة الاستصحاب السببي على المسبّبي، بل كلّ أصل و أمارة سببية على مسبّبيّة.

و حلا: بورود القاعدة في مورد الاستصحاب غالبا، نظير ورود الاستصحاب في مورد الأصول العملية: كالاشتغال و البراءة و نحوهما.

و أجاب عنه المحقّق الآشتياني (قدّس سرّه): بأنّ حديث الحكومة أو التخصيص للقاعدة على الاستصحاب، إنّما هو إذا تمّت حجّيتها بدليل آخر غير دليل الاستصحاب، أي: بعد مسلّمية حجّيتها، لا عند الشكّ فيها.

أقول: هذا مضافا إلى أنّ النقض بالأصل السببي و تقدّمه على المسبّبي مع استفادتهما من دليل واحد غير وارد، و ذلك لأنّ الأصل السببي يرفع موضوع الأصل المسبّبي بأثر شرعي، بخلاف العكس، فانّ المسبّبي لا يرفع موضوع السببي إلّا مثبتا.

____________

(1)- في مخطوطته ص 166- أ-.

15

مثلا: استصحاب كرّية الماء يرفع- تعبّدا- موضوع نجاسة الثوب المغسول به، و امّا استصحاب نجاسة الثوب المغسول به، لا يرفع موضوع كرّية الماء إلّا بالملازمة العقلية بين بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل، و بين عدم كرّية الماء.

و الحاصل: انّ مانع معارضة الاستصحاب للقاعدة وجيه إذا استدلّ لها بأخباره.

16

تتمّتان‏

التتمة الأولى: أحاديث في قاعدة اليقين‏

قد يتوهّم ظهور عدد من أحاديث الاستصحاب في القاعدة دونه.

الحديث الأول‏

أحدها: الصحيح- عن الأصح- من حديث الأربعمائة لعلي (عليه السّلام): «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه» ظاهر في قاعدة اليقين لمكان الفاء، فانّه ظاهر في انّ اليقين كان فزال و تبدّل إلى الشكّ.

و كذا نسخة: «من كان على يقين، فأصابه شكّ».

لكن فيه- 1-: لا ظهور له في القاعدة، بل ظهوره في طروّ الشكّ- دون سريانه- لا ينكر، بدليل عدم احتماله في الصحيحة الثانية لزرارة، و هي بعين هذه العبارة: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك، فشككت» الواردة في الخفقة و الخفقتين.

2- على فرض ظهوره، فالظاهر انّه عين سياق روايات الاستصحاب، فتلك تصلح قرينة على صرف ظاهر هذا.

3- ذيل صحيح الأربعمائة: «فانّ الشكّ لا ينقض اليقين» عين المجعول في صحيحتي زرارة الاولى و الثانية، و هي قرينة اخرى.

الحديث الثاني‏

ثانيها: مكاتبة القاساني، و هي خامسة الروايات المذكورة في أوّل الاستصحاب، و قد جاء فيها:

«اليقين لا يدخله الشكّ» حيث تقدّم عن المحقّق الرشتي (قدّس سرّه) في تقرير

17

بحثه: من انّ احتمال قاعدة اليقين قائم في هذه المكاتبة من جهتين:

إحداهما: من جهة مادّة الدخول، إذ في قاعدة اليقين يدخل الشكّ في نفس اليقين، و امّا في الاستصحاب فلا يدخل الشكّ في اليقين، و إنّما يطرأ على امتداد متعلّق اليقين، و التعبير ب «يدخله» دون «يدخل عليه» يؤكّد الاحتمال.

ثانيتهما: من جهة انّ دخول شي‏ء في شي‏ء نصّ في تأخّر الداخل عن المدخول زمانا، و قاعدة اليقين هي التي زمان الشكّ فيها متأخّر زمانا عن زمان اليقين، دون الاستصحاب.

و الحاصل: انّ مادّة يدخل تدلّ على وحدة متعلّقي اليقين و الشك، و اختلاف زمانيهما، و هما ركنا قاعدة اليقين كما لا يخفى.

و قد تقدّم في أوّل الاستصحاب، انّ قول الشيخ (رحمه اللّه): انّ هذه المكاتبة أظهر روايات الباب دلالة على الاستصحاب، يلزم حمله على أقلّية الاحتمالات فيها، لا عدمها إطلاقا.

و فيه: 1- انّ السؤال عن صوم يوم الشكّ، و هو مصداق الاستصحاب دون القاعدة، و دليل الخطاب يقضي بالجواب عن السؤال.

2- انّ التفريع على ذلك ب «صمّ للرؤية، و افطر للرؤية» يظهر منه: انّ المراد باليقين و الشكّ: الاستصحابيّين، دون اليقين و الشكّ للقاعدة.

و هذان الظهوران لأقوائيتهما عرفا، مقدّمان على مادّة «يدخل».

و حمل «يدخل» على المعنى المجازي، لازم في مقابل لغوية كلام الحكيم، و قرينة المجازية: الظهوران المذكوران، فتأمّل.

نعم، إذا لم يكن مانع ثبوتي و لا إثباتي عن شمول «اليقين لا يدخله الشكّ» للاستصحاب و القاعدة جميعا، أمكن جعله تمسّكا بقاعدة شاملة

18

للاستصحاب و القاعدة في مورد سؤال الاستصحاب، و التفريع عليه بالاستصحاب، لكنّه تقدّم وجود المانع عن ذلك، و لا أقلّ من تعارض الاستصحاب مع القاعدة غالبا، و اللّه العالم.

الحديث الثالث‏

ثالثها: فقرة في الصحيحة الثالثة لزرارة «و لا يدخل الشكّ في اليقين» بنفس التقريب الآنف في مكاتبة القاساني، في مادّة «يدخل» و يزاد هنا بانّه قد يقال: انّ الصحيحة لبيان حجّية الاستصحاب، و حجّية قاعدة اليقين كليهما، كلا على حدة «و لا ينقض اليقين بالشكّ، و لا يدخل الشكّ في اليقين».

و لا يمنع ذلك كون المورد: الاستصحاب، إذ بيان جواب أعمّ لا إشكال فيه، بل هو كثير في العبارات.

و الصحيحة هكذا: «إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد احرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى، و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشكّ، و لا يدخل الشكّ في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنّه ينقض الشكّ باليقين، و يتمّه باليقين فيبني عليه، و لا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات».

فربّما يستفاد من مجموع هذه الصحيحة: انّه كلّما حصل شكّ و يقين بأي نوع من أنواعهما فلا ترفع اليد عن اليقين لأجل الشكّ، و إنّما العكس ترفع اليد لأجل اليقين عن الشكّ.

أقول: الإنصاف انّ هذه الصحيحة أظهر في قاعدة اليقين من مكاتبة القاساني و من صحيحة الخصال أي: حديث الأربعمائة.

و لا ينافي ظهوره احتمال كون الواو للتفسير في: «لا ينقض اليقين بالشكّ و لا يدخل الشكّ في اليقين» لأنّ الاحتمال لا يسلب حجّية الظهور، و الواو

19

ظاهر في المغايرة إلّا بقرينة خاصّة، فمن قال: جاء زيد و ابن عمرو، كان ظاهر في انّ ابن عمرو، غير زيد، لا انّه هو.

لكن الإشكال هو تعارض الاستصحاب مع قاعدة اليقين، و لا يمكن تكفّل حديث واحد لحجّيتهما كما تقدّم.

التتمة الثانية: قاعدة اليقين و انصراف الاحاديث عنها

الثانية: ذكروا في مباحث الألفاظ (1): انّ الجملة الاسمية تبادر الفعلية في ألفاظها وضعية، و الفعلية تبادر الفعلية فيها إطلاقية.

مثلا: زيد قائم، وضعت للقيام الفعلي لزيد الفعلي، فإرادة القيام في زمان آخر، أو لزيد غير فعلي، خلاف الظاهر و يحتاج إلى قرينة صارفة.

و امّا: قام زيد، فإطلاق زيد، شامل للماضي و الحال و المستقبل، و تعيين الحال: الفعلية، بحاجة إلى قرينة معيّنة و لو الانصراف، و إلّا فيشمل الجميع و لا تعيين.

و روايات الاستصحاب قسم منها جملة اسمية مثل: «فانّه على يقين من وضوئه» كما في الصحيحة الاولى لزرارة. و قسم آخر جملة فعلية مثل ما في الصحيحة الثانية لزرارة: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت».

و نحوهما غيرهما.

إذن: فالفعلية في اليقين، ان كانت وضعية، فالروايات تختصّ بالاستصحاب لفعلية اليقين فيه، و شمول الروايات لقاعدة اليقين بحاجة إلى قرينة صارفة في الجمل الاسمية.

و ان كانت إطلاقية فالفعلية بحاجة إلى قرينة معيّنة، و إذا لم تشمل‏

____________

(1)- تقرير درس شريف العلماء المخطوط ص 285/ الحاشية.

20

الروايات التي تحمل الجمل الاسمية لقاعدة اليقين، فشمول الروايات الحاملة للجملة الفعلية لها بلا إشكال.

لكن: الانصراف، و لو بقرينة مواردها يوجب صرفها عن قاعدة اليقين إلى الاستصحاب. و إلّا فالقرينة تعارض الاستصحاب مع القاعدة، فتأمّل.

المقام الثاني [استظهار حجّية قاعدة اليقين‏]

و امّا بحث المقام الثاني و هو: استظهار حجّية قاعدة اليقين من أدلّة اخرى غير روايات الاستصحاب: فملخّص ما قاله الشيخ (رحمه اللّه) في الرسائل هو: انّ المقصود من قاعدة اليقين، أحد امور ثلاثة:

الأمر الأوّل: إثبات حدوث المشكوك فيه و بقائه مستمرّا إلى اليقين بارتفاعه، و لا دليل عليه، لأنّهما شكّان: أحدهما للحدوث، و الآخر للبقاء، و على فرض دلالة روايات الاستصحاب عليها، لا تدلّ على البقاء، حتّى لو فرض القطع بالبقاء على فرض الحدوث، و اثبات الحدوث بقاعدة اليقين، لا يحكم بالبقاء لأنّه مثبت كما لا يخفى.

و استدلّ له أيضا:

1- بقاعدة التجاوز.

و فيه: انّها لا تدلّ على البقاء.

2- و كذا استدلّ لها بأصالة الصحّة في اعتقاد المسلّم.

و فيه: انّها لا تدلّ على الاستمرار.

و فصّل كاشف الغطاء (رحمه اللّه) بين العلم بمدرك القاعدة و انّه غير قابل للاستناد، و بين عدم العلم به حتّى يعرف إمكان الاستناد و عدمه، و قاعدة اليقين حجّة في الثاني.

21

و فيه: انّه أيضا لا يثبت البقاء.

الأمر الثاني: و هو إثبات مجرّد حدوث المشكوك فيه.

و فيه: انّ مدركها امّا أخبار الاستصحاب، و قد تقدّم عدم الدلالة، و امّا روايات قاعدة التجاوز، و هي لا تدلّ على أكثر من ترتّب الآثار السابقة، امّا إثبات نفس ما اعتقده سابقا فلا.

الأمر الثالث: و هو مجرّد إمضاء الآثار السابقة و صحّة تلك الأعمال فقط.

و هذا صحيح لكنّه عين قاعدة الفراغ و التجاوز، و لا يشترط فيه إحراز كونه حال العمل متيقّنا، بل لو شكّ في انّه كان حين العمل متيقّنا أم غافلا، صحّ العمل، بل صرّح الشيخ (رحمه اللّه) هنا في الرسائل بالصحّة حتّى مع إحراز غفلته حال العمل.

الآشتياني و الاستصحاب العرضي‏

ثمّ انّ الآشتياني (رحمه اللّه) نقل عن جماعة من معاصريه ما أسموه:

«بالاستصحاب العرضي» باستصحاب الحكم الظاهري الذي ثبت للمكلّف حال اليقين.

و فيه- مضافا إلى ما هو التحقيق: من عدم حكم ظاهري شرعي حال اليقين، بل إنّما هو تنجيز الواقع عند الإصابة، و العذر عنه عند الخطأ-: انّ اليقين الذي كان علّة للحكم الظاهري إذا زال يزول معه المعلول.

و بعبارة اخرى: الحكم مقيّد باليقين، فإذا زال زال، و ليس اليقين مجرّد علّة لإحداثه، و إذا شكّ في أنّ اليقين علّة احداثه فقط لكونه مطابقا للواقع، او علّة ابقائه ايضا لعدم مطابقته للواقع، فلا يستصحب لأنّه شكّ في الحدوث أكثر من العلم، فتأمّل.

22

أقول: التعبير بالعرضي لعلّه لكونه في عرض الموضوع، فإذا لم يمكن استصحاب الموضوع، جرى استصحاب الحكم.

و هذا هو القسم الثالث من استصحاب الكلّي الذي بنينا تبعا للمشهور عليه الإشكال فيه كما تقدّم.

و قد تقدّم تفصيل الشيخ (رحمه اللّه) فيه: بين احتمال حدوث المشكوك مع المتيقّن، و بين احتمال حدوث المشكوك عند زوال المتيقّن، بجريان الاستصحاب في الأوّل دون الثاني.

و عليه: فما نحن فيه من قبيل الأوّل، إذ الحكم الظاهري تولّد مع المتيقّن السابق، و نشكّ وجدانا في زواله.

و الحاصل: انّ قاعدة اليقين غير التجاوز، و الصحّة لا دليل عليها، لا في روايات الاستصحاب و لا في غيرها.

23

الأمر الثاني من الخاتمة في تقدم الامارات على الاستصحاب‏

الثاني: في تقدّم الأمارات على الاستصحاب، فإذا كان في مورد الاستصحاب أمارة وفق اليقين السابق، أو وفق الشكّ اللاحق، فلا مجال للاستصحاب، و هذا لا إشكال و لا خلاف فيه.

و إنّما البحث هنا فنّيا في وجه ذلك، هل هو التخصيص، أم التخصّص، أم الورود، أم الحكومة؟.

و ينبغي تقديم مقدّمة لبيان إجمالي عن المقصود بالورود، و الحكومة، و التخصيص، و التخصّص، لأنّها اصطلاحات و قد فصّلوا بيانها في بحث التعادل و الترجيح، فنقول بإجمال:

التخصيص: هنا بحاجة الى تعريف للتخصيص و لاخواته‏

الأقوال في وجه تقدم الامارات‏

و بعد ما تبيّن الفرق بين التخصيص و التخصّص، و بين الحكومة و الورود، و انّ الورود تخصّص في إطار التعبّد، و الحكومة تخصيص في إطار التعبّد، نذكر اختلاف الأقوال الأربعة:

القول الأول: التخصيص‏

فالأوّل: من قال: بأنّ تقديم الأمارة على الاستصحاب من باب التخصيص، و دليله: هو انّ النسبة بين أدلّتي الأمارة و الاستصحاب و ان كانت:

24

العموم من وجه، إلّا انّه يلزم تخصيص أدلّة الاستصحاب بأدلّة الأمارات، لأنّ النسبة بينهما هي النسبة بين أدلّة الأمارات، و بين سائر الاصول العملية، فلو قدّمنا الاصول على الأمارات لم يبق مورد واحد للأمارات، و لازمه الغاء الأمارات كلا.

و فيه أوّلا: أدلّة الاستصحاب نفسها آبية عن التخصيص، مثل: «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا» لأنّه ظاهر في القضيّة الارتكازية و هي:

عدم جواز رفع اليد عن الأمر المبرم بأمر غير مبرم، فلو خصّص كان مرجعه إلى أنّ الشكّ الفلاني ينبغي لك أن تنقض اليقين به.

و ثانيا: انّ التخصيص في رتبة متأخّرة عن الحكومة و الورود، بمعنى: انّه إذا أمكن فلا تصل النوبة إليه، إذ التخصيص رفع الحكم عن الموضوع مع بقاء الموضوع، و لكن الحكومة: رفع الموضوع بالتعبّد، و الورود رفعه بالوجدان.

القول الثاني: الورود

و الثاني: من قال بالورود، كصاحب الكفاية و جمع من المحقّقين، و استدلّوا لذلك بوجوه:

الوجه الأوّل: انّ اليقين في الاستصحاب يراد به: الحجّة، و إنّما ذكر اليقين لكونه أظهر مصاديق الحجّة، و الورود هو: انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه تعبّدا.

و فيه: هذا ثبوتا ممكن، امّا إثباتا لا دليل عليه، لأنّ ظاهر اليقين و ان كان طريقيّا، إلّا انّه بما هو طريق خاصّ أخذ عدمه في موضوع الاستصحاب.

أقول: الجواب غير تامّ، لما تقدّم: من انّ المراد باليقين: الأعمّ من الحجّة.

الوجه الثاني: انّ النقض بالأمارة ليس نقضا بسبب الشكّ، بل بسبب‏

25

الأمارة، فيكون خروجا موضوعيا بالتعبّد الدالّ على انّ الأمارة ليست شكّا شرعا.

و فيه أوّلا: إطلاق: «لا ينقض اليقين بالشكّ» يشمل كلّما كان النقض عند الشكّ في البقاء و ان كان سببه شيئا آخر، فإذا كان النقض بسبب داع آخر كإجابة المؤمن، كان مصداقا ل «لا ينقض».

و ثانيا: تقدّم و أيّده الكفاية: انّ المراد بالشكّ: الأعمّ من كلّ شي‏ء لم يكن يقينا، فيشمل الأمارة، لأنّها ليست يقينا.

الوجه الثالث: انّ النقض بالأمارة نقض باليقين، لا يقين بحجّية الأمارة، إذ الامور الظنّية لا بدّ و ان تنتهي إلى العلم، و إلّا لزم التسلسل.

قال في الكفاية: و قد ذكر في بحث الظنّ: انّ المراد بحرمة العمل به: حرمته إذا لم يرجع إلى العلم بحجّيته، و هكذا ما نحن فيه.

و فيه: انّ ظاهر: «لا تنقض» انّ متعلّق اليقين الناقض، يلزم كونه نفس متعلّق اليقين المنقوض، و لذا ذكر في بعض الروايات: «حتّى يستيقن انّه قد نام» فمتعلّق اليقين السابق كان: الطهارة، و متعلّق اليقين اللاحق نقض الطهارة.

و في مورد الأمارة: متعلّق اليقين الناقض أي اللاحق، هو: حجّية الأمارة.

أقول: بل متعلّق اليقين اللاحق هو الطهارة- بسبب دليل حجّية الأمارة- إذ دليل حجّية الأمارة مفاده الطهارة.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق العراقي في تعليقه على تقرير الكاظمي‏ (1) من انّ موضوع الاستصحاب: هو الشكّ في الحكم بأي عنوان كان، و مفاد دليل الأمارة: هو إثبات الحكم بعنوان خاصّ مثل: ما أخبر به العادل، أو البيّنة،

____________

(1)- ج 3 ص 599 من الطبعة الجديدة.

26

أو سوق المسلمين، و نحو ذلك، فإذا قامت أمارة فلا يبقى شكّ بأي عنوان.

مثلا: موضوع الاستصحاب طهارة المشكوك بقاء طهارته سواء كان فرشا، أم ماء، أم أرضا، أم كتابا، أم غيرها.

فإذا قامت الأمارة على نجاسة فرش كان سابقا طاهرا، خرج هذا المورد (الفرش) عن المشكوك طهارته بأي عنوان كان.

و هكذا استصحاب الحكم مع الطريق.

و بهذا المناط قدّم الاستصحاب على سائر الأصول العملية، من جهة عنوان خاصّ هو: نقض اليقين بالشكّ، و المورود هو الأصل المثبت للحكم لصرف الشكّ، بلا عنوان آخر- غير الشكّ- في البين، كمسبوقيته باليقين.

و فيه: انّ «صدّق العادل»- مثلا- أيضا يثبت الحكم في ظرف الشكّ بأي عنوان كان، سواء كان طهارة فرش، أم نجاسته، أم ملكيته، أم غصبيته، أم غيرها، أم غير فرش، و هلمّ جرّا.

الوجه الخامس: ما ربّما يقال: من انّ موضوع الأمارة: الواقع بما هو واقع، لكنّه بتعبّد حجّية الأمارة.

و موضوع الأصل: الشكّ في الواقع، و الشكّ في الواقع إنّما يكون حيث لا واقع لا وجدانا و لا تعبّدا.

القول الثالث: الحكومة

و الثالث: من قال بالحكومة، كالشيخ، و النائيني، و العراقي، و آخرين (قدّس سرّهم)، و الحكومة ملاكها: انتفاء الموضوع لثبوت المتعبّد به- كما في المصباح- و ان كان هناك تلازم بينه و بين نفس التعبّد.

27

فالشارع عند ما يقول: «صدق العادل» فقد جعل قول العادل حجّة، و هذا الجعل وجداني، و المجعول تعبّدي، و لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.

و ذلك كالأمارة مع الأصول الشرعية، فانّ المجعول في الأمارة- و هي الحجّية المتعبّد به- رافع لموضوع الأصل و هو الشكّ، بخلاف الورود، فانّ نفس التعبّد بما هو تعبّد رافع لموضوع الأصل العقلي، فالتعبّد نفسه بيان، فهو رافع لموضوع: قبح العقاب بلا بيان و نحوه: الاشتغال و التخيير.

ثمّ انّهم جعلوا الحكومة على قسمين:

الأوّل: شارح لدليل المحكوم و ناظر إليه بحيث لو لا المحكوم، كان الحاكم لغوا، و الشرح قد يكون:

1- لعقد الوضع، مثل: «لا ربا بين الوالد و ولده» و «لا شكّ لكثير الشكّ».

2- و قد يكون لعقد الحمل، مثل: «لا ضرر» و «لا حرج» و نحوهما.

الثاني: رافع لموضوع المحكوم رفعا تعبّديا، كالأمارة مع الاصول الشرعية.

و بعبارة اخرى: الفرق بين الورود و الحكومة انّ التعبّد بالأمارة مناف لموضوع المورود، فإنّ جعل الحجّية لقول العادل نفس هذا الجعل بيان، فلا يمكن جمعهما: «خبر العادل حجّة- قبح العقاب بلا بيان».

بخلاف الحكومة، فإنّ الدليل الحاكم لا ينافي الدليل المحكوم، كالربا حرام، و لا ربا بين الوالد و ولده، إذ الأحكام الشرعية متعلّقة بالموضوعات على سبيل القضايا الحقيقية، فلا منافاة بينها و بين ما يدلّ على وجود الموضوع أو عدم الموضوع.

ثمّ انّه هل يفرّق حكومة أو ورود الأمارة على الأصل بين المبنيين في الفرق بين الأمارة و الأصل؟

28

1- من أنّ أدلّة الأمارات مطلقة، بخلاف الاصول فإنّ أدلّتها قد أخذ فيها الشكّ، و الأمارة مزيلة للشكّ.

2- و من انّ موضوع الأمارة أيضا أخذ فيه الجهل بالواقع.

قد يقال: بالفرق، لكنّه غير تامّ، إذ الأمارة القائمة على خلاف الحالة السابقة تثبت انتفاء المتيقّن السابق انتفاء تعبّديا.

ثمّ انّ صاحب الكفاية قال: لازم الحكومة جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة على وفق الحالة السابقة، و لم يعلّل (قدّس سرّه) كلامه بشي‏ء، و علّله بعضهم:

بأنّ مرجع الحكومة إلى إلغاء احتمال الخلاف، و لا احتمال للخلاف مع توافق الأمارة و الاستصحاب.

و فيه: انّ الحكومة مرجعها إلى الغاء احتمال الخلاف فيما إذا كان احتمال خلاف، لا مطلقا، بل الحكومة هي الرافعة لموضوع الاستصحاب بالتعبّد الشرعي، و مع رفعه فلا فرق بين توافق الأمارة و الاستصحاب و تخالفهما كما لا يخفى.

قال المشكيني (رحمه اللّه) في الحاشية: و لعلّ صاحب الكفاية إلى هذا أشار بقوله:

«فافهم».

القول الرابع: التخصّص‏

و الرابع: من قال: بأنّ تقدّم الأمارة على الاستصحاب من باب التخصّص، و لم يصرّح بالقائل، إلّا انّ الذي يظهر من المحقّق الخراساني في حاشيته على الرسائل هو: انّ دليله كون موارد الأمارات خارجة عن موضوع الاستصحاب، لأنّ النهي في الاستصحاب تعلّق بنقض اليقين بالشكّ، و مورد الأمارة ليس نقضا لليقين بالشكّ.

و فيه: انّه وجدانا نقض لليقين بالشكّ، إلّا انّه بملاحظة الدليل الشرعي‏

29

الدالّ على اعتبار الأمارة صار في حكم العلم و عدم الشكّ، فلاحظ.

و الحاصل: انّ نسبة الأمارات إلى الاستصحاب و بقيّة الاصول الشرعية أشبه بالورود بعد ما كان مسلّما بالأدلّة: انّ كلّ حجّة كاليقين الوجداني في باب الاستصحاب، فالأمارة بدليل التعبّد بها، تكون حجّة فتكون بالتعبّد بها- دون المتعبّد به- رافعا لموضوع الاستصحاب و هو اللاحجّة، فتأمّل.

و تمام الكلام في أوّل بحث التعارض و الترجيح ان شاء اللّه تعالى.

تتمّات‏

التتمة الأولى [فى بيان النسبة بين الوارد و المورود، و الحاكم و المحكوم‏]

يستفاد من كلمات الشيخ (رحمه اللّه)، بل صرّح به بعضهم: انّ النسبة بين الدليلين:

الوارد و المورود، و الحاكم و المحكوم، قد تكون العموم المطلق، و قد تكون العموم من وجه- بعد مسلّمية: انّ النسبة بين العام و الخاصّ العموم المطلق، و بين المخصّص و العام التباين-.

مثال العموم المطلق في الورود: كالبيّنة الواردة على البراءة العقلية و النسبة بينهما عموم مطلق، لشمول البراءة العقلية لجميع موارد البيّنة و لا عكس.

و مثال العموم من وجه في الورود: كخبر العادل و موارد الاشتغال العقلي الذي ملاكه احتمال الضرر.

فقد يكون خبر العادل في مورد البراءة العقلية، كوجوب صلاة الصبح، و قد يكون اشتغال بلا أمارة، كأطراف الشبهة المحصورة، التي لا أمارة على بعضها، و قد يجتمعان: كالشبهة المحصورة إذا قامت أمارة على بعض أطرافها.

و مثال العموم المطلق في الحكومة: كالبيّنة و الاستصحاب في الأراضي،

30

قد يكون استصحاب عدم الملكية فيما إذا ادّعى زيد ملكيته لأرض و ليست أمارة تعضده، و لا عكس بوجود أمارة على ملكية شخص لأرض غير مسبوقة بالعدم.

و مثال العموم من وجه في الحكومة: كالاستصحاب و البيّنة في المنقولات، مثلا: خروف إدّعاه زيد و له بيّنة على ذلك- هذا مورد الاجتماع-.

و موردا الافتراق: ادّعى زيد شرائه من عمرو من غير بيّنة أو إقرار من عمرو، فهذا استصحاب و لا أمارة.

أو قامت البيّنة على أنّ الخروف لزيد من غير دليل على انّه كان سابقا لغيره، لاحتمال أن يكون قد ولد في ملكه.

لكن هنا إشكال في كلّ هذه الموارد، و هو: انّ الوارد و الحاكم، يرفع موضوع المورود و المحكوم، فكيف تلاحظ النسبة بينهما مع انّها فرع اجتماع الدليلين، كالإنسان و الأبيض.

و لعلّ من قال بذلك أراد العموم المطلق، أو من وجه، لو لا الورود و الحكومة.

التتمّة الثانية [النسبة بين الأمارة و الاستصحاب اذا كان الحجّة بدليل العقل، أو بناء العقلاء]

كان ما تقدّم حال النسبة بين الأمارة و الاستصحاب الحجّة بالأخبار، و امّا الاستصحاب الحجّة بدليل العقل، أو بناء العقلاء، و غير ذلك، فما هي النسبة بينهما؟

الجواب: يختلف الأمر، فإن كان الاستصحاب حجّة بدليل العقل الذي ملاكه: «مقطوع الحدوث مظنون البقاء، و يجب العمل بالظنّ» من باب‏

31

الانسداد، فالأمارة واردة على الاستصحاب بلا إشكال، لأنّ نفس التعبّد بالأمارة يرفع موضوع الاستصحاب و هو الانسداد، فيقلبه إلى عدم الانسداد.

و ان كان بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب بملاك الأقربية إلى الواقع، فربّما تكون الأمارة واردة عليه، لأنّ الأقربية إنّما تلاحظ إذا لم يكن دليل، و معه لا موضوع للأقربية.

و ربّما تكون الأمارة حاكمة، من جهة انّ نفس التعبّد بالأمارة لا يرفع موضوع الأقربية، بل المتعبّد به هو الرافع لموضوعه الأقربية، فتأمّل.

و ربّما يفصّل بين ما كان الدليل تحقيقيّا في ظهوره فهو وارد على الاستصحاب، لأنّ نفس التعبّد بهذا الدليل رافع لموضوع الاستصحاب إذ موضوعه حيث لا دليل.

و بين ما كان الدليل- في دليليته- معتمدا على الاصول اللفظية: من أصالة الجدّ، و أصالة الإطلاق، و أصالة العموم، و نحوها، فتقدّم مثل هذا الدليل على الاستصحاب من باب تقدّم الأصل السببي على الأصل المسبّبي، و ذلك لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.

فلا ورود و لا حكومة، لكون كليهما من الأصول المستعملة في مقام العمل، و أحدهما رافع لموضوع الآخر.

ذكر ذلك المحقّق الطهراني في محجّته، فتأمّل.

ثمّ انّ بعضهم ذكر: انّ وجه تقدّم الأمارة على الاستصحاب، ليس حكومة، و لا ورودا، و لا تخصيصا، و لا تخصّصا، و إنّما هو من باب التوفيق العرفي بين دليلي الأمارة و الاستصحاب.

و فيه: انّه لم يثبت توفيق بين الدليلين المتعارضين سوى الأوجه الأربعة، فتأمّل.

32

التتمّة الثالثة [حال الاستصحاب مع الاصول العملية غير المحرزة]

الظاهر: انّ حال الاستصحاب مع الاصول العملية غير المحرزة، كنسبة الأمارات مع الاستصحاب.

فالاستصحاب وارد- بلا إشكال- على الاصول العقلية، و بالنسبة إلى الاصول الشرعية، كالبراءة، و التخيير، و الاشتغال، و أصل الحلّ، و الطهارة، و نحو ذلك، يشبه الورود عندنا، و عند الشيخ حكومة، و عند الآخوند ورود، كما لا يخفى.

ثمّ انّ الشيخ (رحمه اللّه) بسط الكلام في قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق، حتّى يرد فيه نهي» و انّه ما النسبة بينه و بين: «لا ينقض اليقين بالشكّ»؟

33

الأمر الثالث من الخاتمة في تعارض الاستصحابين‏

الثالث: في تعارض الاستصحابين، و ينبغي قبل ذلك ذكر إجمالي لما تقدّم في بحث الترتّب و هو: انّ تنافي الحكمين على ثلاثة وجوه:

وجوه تنافي الحكمين‏

1- التنافي الذاتي- في مقام الجعل-: و هو الذي لازمه التناقض، أو التضادّ، كالوجوب و عدمه، أو كالوجوب و الحرمة.

2- التنافي العرضي- في مقام الجعل-: و هو الذي بذاتهما لا تنافي بينهما، إلّا أنّه حيث علم بطلان أحدهما علم التنافي بينهما- كوجوب الظهر و الجمعة، و كلّ موارد العلم الإجمالي- و سيأتي الحديث عنهما في بحث التعادل و التراجيح.

3- التنافي في مقام الامتثال و الطاعة، و هو الذي كان المانع عدم قدرة المكلّف إلّا على أحد الواجبين، فيلجأ إلى محرز الأهمّية- بما لا بدل له، أو ما أخذت فيه القدرة العقلية على ما أخذت فيه القدرة الشرعية، أو المقدّم زمانا، أو غير ذلك-.

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّ تعارض الاستصحابين قد يكون بحسب مقام الجعل، و قد يكون بحسب مقام الامتثال.

34

التعارض في مقام الامتثال‏

امّا إذا كان بحسب مقام الامتثال لعجز المكلّف عن كليهما، كاستصحاب نجاسة المسجد، و استصحاب وجوب الصلاة و هو في الوقت.

فيلاحظ الأهمّ دليلا، و إلّا فالتخيّر.

و قد يتوهّم: عدم ملاحظة الأهمّية، لأنّ نسبة نقض اليقين بالشكّ إليهما سواء.

و فيه: انّ العبرة بما تعلّق به اليقين و الشكّ، و الأهمّية تلاحظ بالنسبة إليهما، دون الاستصحاب.

و هذا خارج- موضوعا- عن بحث تعارض الاستصحابين، لأنّ التعارض:

ما لم يكن لأحدهما ملاك، و التزاحم: ما كان لكليهما ملاك و تعارضا في مقام الفعلية، و لا تكاذب بينهما في مقام الجعل.

ففعلية إزالة النجاسة عن المسجد توجب عجز المكلّف عن الصلاة حالها، و بالعكس العكس.

التعارض في مقام الجعل‏

و امّا إذا كان تعارض الاستصحابين بحسب مقام الجعل، فهو على أربعة أقسام:

1- السببي و المسبّبي.

2- المترتّبان في الوجود.

3- كونهما في عرض واحد للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، مع لزوم المخالفة العملية من اجرائهما.

35

4- نفس الثالث مع عدم لزوم المخالفة العملية من إجراء الاستصحابين، كاستصحاب نجاسة إناءين علم طهارة أحدهما إجمالا، فالشيخ و النائيني و جماعة على الجريان.

[القسم الاول‏] السببي و المسبّبي‏

1- امّا السببي و المسبّبي، فيجري الاستصحاب في السبب دون المسبّب، و ليس المراد بالسبب: التكويني حتّى يتلازم الحكم فيهما، و يكونان طوليين، كاستصحابي: عدم الزواج و عدم الولد، بل المراد: السبب الشرعي، فبلحاظه يكونان في عرض واحد، و قد يختلف حكماهما، كاستصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب النجس، فاستصحاب طهارة الماء حكمه الطهارة و استصحاب نجاسة الثوب المغسول بذلك الماء حكمه النجاسة.

و قد يتّحدان في جميع الأحكام، كاستصحاب نجاسة الماء، مع استصحاب نجاسة الثوب المغسول به، و كاستصحاب عدم تحقّق التكبير للإحرام، و استصحاب عدم الدخول في الصلاة.

و قد يتّحدان في بعض الأحكام، كاستصحاب عدم دخول الفجر، و استصحاب حلّ الأكل في شهر رمضان، فإنّ من آثار عدم دخول الفجر، عدم جواز صلاة الصبح، و ليس ذلك من آثار حلّ الأكل إلّا بالتلازم العقلي و الأصل المثبت.

ثمّ انّه ربّما يتوهّم: انّ من هذا القبيل (اي: الأصل السببي و المسبّبي) ما إذا شكّ في جواز الصلاة في جلد حيوان، للشكّ في انّه مأكول اللحم، فانّ الشكّ في جواز الصلاة مسبّب عن الشكّ في الحلّية و الحرمة، فإذا احرزت الحلّية بأصل الحلّ، ترتّب عليه جواز الصلاة في اجزائه.

36

لكنّه غير تامّ، إذ أصل الحلّ يفيد الحلّ الفعلي، و جواز الصلاة موضوعه:

الحلّ الطبعي، و الاشتراك اللفظي بين موضوعي الحكمين لا يجعل إحراز أحدهما بالأصل، بل حتّى بالعلم القطعي محرزا للحكم الآخر.

أقول: هذا إذا لم يستفد من أدلّة الصلاة في اللباس: أعمّية الحل من الحل الفعلي الظاهري.

وجه تقدّم السببي‏

و لا إشكال في تقدّم الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي، إنّما الكلام في وجه ذلك، و قد ذكر له وجوه:

أحدها: الحكومة بالمعنى المعروف و هو: انّ المجعول في الاستصحاب السببي يرفع موضوع الاستصحاب المسبّبي، دون العكس.

فاستصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب المتنجّس، المثبت شرعا تعبّدا لطهارة الماء، يرفع النجاسة عن الثوب بالملازمة الشرعية التي جعلت بين طهارة الماء و طهارة المغسول به، و لم تجعل هذه الملازمة لغير الماء من المائعات.

ثانيها- الحكومة بمعنى آخر و هو: تنقيح موضوع الأصل المسبّبي بضمّ الوجدان إلى الأصل، فانّ المطهّرية لها جزءان:

1- الغسل بالماء.

2- و ان يكون الماء طاهرا.

و الأوّل محرز بالوجدان، و الثاني بالأصل الاستصحابي، و ضمّ الوجدان إلى الأصل يجعل الثوب مغسولا بالماء الطاهر.

37

ثالثها- انّ المجعول في الأصول العملية و منها الاستصحاب هو الآثار، بقرينة لغوية جعل منشأ الأثر دون الأثر، مثلا: جعل الطهارة المتيقّنة سابقا في زمان الشكّ، دون جعل طهارة ما غسل بهذا الماء، فيكون دليل استصحاب طهارة الماء حاكما- بملاك النظر- على استصحاب نجاسة الثوب.

أقول: مرجع الجميع واحد، و ان اختلفت جهات التعبير درءا لبعض ما يرد على كلّ منها.

و الحاصل: انّ الاستصحاب السببي مقدّم على الاستصحاب المسبّبي بلا إشكال.

[القسم الثانى‏] المترتبان في الوجود [اى: غير السببي و المسبّبي‏]

2- و امّا غير السببي و المسبّبي (أي: إذا لم يكن الشكّ في أحد الاستصحابين مسبّبا عن الشكّ في الآخر) بل كان التنافي بينهما للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، و قد تقدّم انّه على ثلاثة أنواع: امّا مترتّبان في الوجود، أو لا و له مخالفة عملية، أو ليس له مخالفة عملية.

امّا إذا كانا مترتّبين في الوجود- بأن كان أحد الاستصحابين متوقّفا في تمامية أركانه على تمامية أركان الاستصحاب في الآخر، كاستصحاب حياة زيد، و استصحاب بقاء توكيله لعمرو- فاذا علمنا إجمالا ببطلان أحدهما، انحلّ العلم الإجمالي إلى: علم تفصيلي ببطلان الثاني امّا في نفسه أو لبطلان الأوّل، و شكّ بدوي في بطلان الأوّل.

إذ مرجع ذلك- في المثال المذكور- إلى بطلان الوكالة قطعا، امّا في نفسها،

38

أو لبطلان استصحاب الحياة، بخلاف استصحاب الحياة، فانّه يجري بلا معارض.

[القسم الثالث‏] مع المخالفة العملية

3- و امّا مع المخالفة العملية، كاستصحاب الطهارة في إناءين علم تنجّس أحدهما، فلا يجري الاستصحابان لا في هذا، و لا في ذاك، لما تقدّم مفصّلا في باب البراءة: من انّ الأمر يدور بين ما فيه محذور عقلي، و بين ما لا دليل عليه، إذ جريان الاستصحاب:

1- امّا في كليهما، فهو ترخيص في المعصية، و هو قبيح.

2- و امّا في أحدهما المعيّن دون الآخر، و لا دليل عليه، فيكون ترجيحا بلا مرجّح، حتّى إذا رجّح الأقوى ظنّا، لأنّ الملاك في الحجّية الاعتبار الشرعي، و هو بالنسبة إلى الأقوى ظنّا، و بالنسبة إلى غيره سواء، و جعل أحدهما بديلا عن الواقع- مضافا إلى عدم الدليل عليه- لا يخرجه عن الترجيح بلا مرجّح.

3- و امّا في أحدهما المردّد، فلا وجود خارجي له.

ان قلت: إطلاق: «لا ينقض» شامل لكليهما، فالمقتضي للاستصحاب في كليهما موجود، إلّا أنّ العلم الإجمالي مانع، و يرفع اليد بقدر المانع، و هو في أحدهما غير المعيّن. و هذا العنوان- بما هو غير معيّن- لا وجود خارجي له، إلّا انّ إرادة المكلّف يعيّنه من جهة الإطلاق.

قلت: هذا هو الإشكال العامّ في العلم الإجمالي الذي جعل جمهرة من الأعاظم يلتزمون بعدم حجّيته في الأصول و ان التزموا بها في الفقه، و قد فصّلنا البحث عنه في قاعدة الاشتغال فراجع.

39

[القسم الرابع‏] غير المترتبين و لا مخالفة عملية

4- و امّا مع عدم المخالفة العملية في إجراء الاستصحابين المتعارضين، و لزوم الالتزامية فقط، كالعلم بنجاسة إناءين، ثمّ علم طهارة أحدهما، فالشيخ و النائيني و أتباعهما: اختاروا عدم جريان الاستصحاب فيهما جميعا، بخلاف صاحب الكفاية، فانّه اختار جريان الاستصحاب، لوجود المقتضي و فقد المانع.

و لا يخفى: انّ في مثل المثال المذكور لا ثمرة في نفس الإنائين، لوجوب الاجتناب عنهما جميعا على كلا المبنيين: امّا على مبنى الشيخ و النائيني:

فللعلم الإجمالي. و امّا على مبنى الآخوند: فلاستصحاب النجاسة فيهما.

و انّما تظهر الثمرة في الملاقي لأحدهما، فانّه يحكم بنجاسته على مبنى الكفاية، لاستصحاب نجاسة الملاقى، و لا يحكم بنجاسته على مبنى الشيخ لعدم الاستصحاب، و عدم نجاسة ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي.

استدلال الشيخ لعدم الاستصحاب في المقام‏

استدلّ الشيخ بعدم جريان الاستصحاب بإنكار الإثبات: بإجمال دليل الاستصحاب في المقام، بتقريب: انّ إطلاق «الشكّ» يشمل الشكّين، فلا ينقض اليقين بنجاسة الإنائين بالشكّ في طهارة كلّ منهما، و إطلاق اليقين في الناقض يشمل اليقين الإجمالي، فيتناقضان، لتناقض السلب الكلّي مع الإيجاب الجزئي، و لا قرينة على تعيين أحدهما، فالدليل مجمل من هذه الجهة، فلا دليل يلزمنا باستصحاب النجاسة في المقام.

و أشكل عليه:

40

1- بأنّ ظاهر اليقين الناقض هو التفصيلي، إذ الإجمالي يتعلّق بأحدهما، و التفصيلي تعلّق بكليهما، و ظاهر الرواية: كون متعلّق اليقين الناقض و المنقوض واحدا.

2- و بإطلاق الروايات التي ليس فيها هذا الذيل: «و لكن ينقضه بيقين آخر» (1) مثل: «اليقين لا يدفع بالشكّ» (2).

لكن يرد على كلّ منهما:

امّا على الأوّل: بأنّ «أحدهما» عنوان، لا الطاهر الخارجي، و إنّما الطاهر الخارجي: امّا هذا المعيّن، أو ذاك المعيّن.

و امّا على الثاني: فبأنّ ظاهر الروايات: انّ المذيّلة و غيرها لبيان حكم واحد، و بين المثبتين لا تقييد إذا لم يستظهر وحدة الحكم فيهما.

المحقق النائيني و استدلاله لعدم الاستصحاب‏

و استدلّ المحقق النائيني على عدم جريان الاستصحاب بدليل ثبوتي، و هو: انّ الأصل العملي ان كان غير محرز كالاحتياط، فلا مانع من جريانه في أطراف العلم الإجمالي، فالعلم بحلّية النظر إلى إحدى المرأتين، لا يمنع عن الاحتياط في الطرفين، إذ الاحتياط وظيفة في مقام العمل، فيمكن جمعها مع العلم بالخلاف، لأنّه ترك الحلال مقدّمة لترك الحرام (في الاحتياط).

و نحوه غير الاحتياط، كالبراءة و التخيير.

و ان كان الأصل محرزا ناظرا إلى الواقع كالاستصحاب، فانّ جريانه في‏

____________

(1)- جامع احاديث الشيعة، الطهارة، ما ينقض الوضوء، الباب 12 ح 22566.

(2)- جامع احاديث الشيعة، الطهارة، ما ينقض الوضوء، الباب 12 ح 2563.

41

الطرفين- مع العلم بالخلاف- غير معقول.

و فيه نقضا: باستصحابي الحدث و طهارة البدن في الوضوء، بطروّ العلم الإجمالي، و كذا بالجنب الذي غفل عن جنابته و صلّى ثمّ شكّ بعد الفراغ في انّه كان قد اغتسل قبلها أم لا؟ فانّه يجري قاعدة الفراغ، و استصحاب الجنابة للأعمال الآتية، مع انّ قاعدة الفراغ أصل محرز ان لم يكن أمارة، و العلم الإجمالي بخلافهما موجود.

فالجواب عن الإشكال الثبوتي هناك، هو الجواب عن الإشكال الثبوتي في الاستصحابين.

و حلا: بأنّ المحذور هو جريان الاستصحاب في كليهما بنحو الكلّي المجموعي، امّا بنحو الكلّي الاستغراقي- أي كلّ واحد مع قطع النظر عن الآخر- فلا محذور فيه.

ملاحظات و تأملات‏

أقول: قد يلاحظ في كلام المحقّق النائيني امور:

أحدها: قول النائيني في الاصول غير المحرزة: انّه لا مانع من جعلها معارضة للعلم، لأنّها ليست ناظرة للواقع.

يرد عليه: انّ الواقع المعلوم بالإجمال شامل لموارد الشكّ الذي هو مجرى الأصل العملي، فيتعارضان مع المعلوم الواقعي، و يلزم التناقض إلّا على القول بالتنجيز و الإعذار المحضين، و معه لا يمكن جعل اعذارين مع العلم بالتنجيز في أحدهما، و هل هذا إلّا تناقض، كتناقض كلّ جزئي مع كلّي خلافه، و كلّ جزء مع كلّ سلبا و إيجابا.

42

ثانيها: قول النائيني (رحمه اللّه) في الأصول المحرزة انّه لا يمكن جعلها مع العلم الإجمالي بالخلاف.

فقد يرد عليه- بناء على مبناه في غير المحرزة- انّ الإحراز في المحرزة ان كان حيثا تقييديا صحّ ما ذكره، و ان كان حيثا تعليليّا، أو شكّ في انّه تعليلي أو تقيّدي لم يصحّ ما ذكره، للقطع بالتناقض في التعليلي، و احتمال التناقض في الشكّ في انّه تعليلي أو تقييدي.

ثالثها: الإشكال النقضي، بإجراء استصحابي الطهارة و الحدث مع العلم ببطلان أحدهما، و استصحاب الحدث لصلاة العصر مع قاعدة الفراغ في صلاة الظهر- مثلا-

فانّه يرد عليه: كقاعدة التجاوز و تعارض الاستصحاب مع قواعد أخر.

التباني العقلائي في عمل الغير و وجه تقدّمه‏

اعلم انّ التباني العقلائي جار على البناء على صحّة العمل الصادر من الشخص، و لا إشكال في تقدّمها على الاستصحاب، إنّما الكلام في جهات:

1- التباني العقلائي مطلقا، أم مع الظنّ بالوفاق، أم حتّى مع الظنّ بالخلاف، أم التفصيل بين الامور المهمّة و غيرها؟.

الظاهر: انّه في مقام التنجيز و الإعذار مطلقا، نعم التفصيلات للاطمئنانات الشخصية.

2- ما وجه تقدّمها على الاستصحاب؟.

الظاهر: انّها من الأمارات، لأنّ الشكّ في ذلك مسبّب عن الشكّ في السهو و الغلط و نحو ذلك، إذ العمد لا يجتمع مع كون المكلّف في مقام الامتثال،

43

و الأمارات مقدّمة على الأصول العملية، لأنّها علم، و الاصول وظائف لمن لا علم له، و هو واضح.

و إن قلنا: بأنّ الاستصحاب أمارة- كما التزمه الطهراني، و النائيني (قدّس سرّهم)- فقاعدة التجاوز أيضا مقدّمة، و اختلف في وجه التقديم:

1- النائيني: الحكومة، لورود أدلّة القاعدة في موارد الاستصحاب كلا.

أشكله في المصباح: بأنّ الحكومة نظر، و لا نظر لأدلّة القاعدة على أدلّة الاستصحاب، إذ الحكومة مثل: «لا شكّ لكثير الشكّ» مع «إذا شككت فابن على الأكثر» لعدم لزوم اللغوية في: «بلى قد ركعت» مع عدم «لا ينقض».

أقول: الحكومة كانت عبارة عن: انّ المجعول في الحاكم يكون رافعا لموضوع المحكوم، كالأمارة مع الاصول الشرعية، بخلاف الورود الذي هو كون الجعل بنفسه رافعا للموضوع للمورود، كالأمارة مع الأصول العقلية.

2- التخصيص، و لا يلزم فيه أن يكون بينهما عموم مطلق، إذ من وجه إذا كان في طرف نادرا يكون من التخصيص، و ليس مورد للقاعدة لا يخالفه الاستصحاب إلّا موردين:

الأول: من كان محدثا و متوضّئا قبل الصلاة، و بعد ما شكّ في التقدّم و التأخّر، فانّه يجري قاعدة الفراغ، و لا يجري الاستصحاب على قول الكفاية، لعدم المقتضي و هو: اتّصال زمان الشكّ باليقين، و للمانع و هو:

التعارض على قول آخر.

الثاني: إذا كان الاستصحاب موافقا للقاعدة، كالشكّ في طروّ المانع.

44

الأمر الرابع من الخاتمة في تعارض الاستصحاب و بعض القواعد الشرعية

الرابع: في تعارض الاستصحاب مع بعض القواعد الشرعية المجعولة في الشبهات الموضوعية.

البحث من جهات‏

فمنها: تعارضه مع قاعدة التجاوز، و حيث انّ قاعدة التجاوز و الفراغ من المهمّات في الفقه، ينبغي تفصيل البحث عنها في جهات و ان كان استطرادا:

الجهة الاولى [هل قاعدة التجاوز و الفراغ تكون فقهية، أو مسألة اصولية؟]

الاولى: هل انّ قاعدة التجاوز و الفراغ فقهية، أو مسألة اصولية؟.

ذهب جمع إلى انّها قاعدة فقهية، و البحث عنها في الاصول استطراد، و ذلك لأنّ الفرق في المسألة الاصولية و القاعدة الفقهية في أمرين:

أحدهما: انّ الاصولية ما كانت كبرى لصغرى تنتجان حكما كلّيا.

مثلا: الخبر حجّة، و هذا خبر، ينتجان: فهذا واجب، لأنّ الخبر دلّ على الوجوب.

بخلاف القاعدة الفقهية، فانّها بالضمّ إلى الصغرى تنتجان حكما جزئيا.

مثلا: هذا ماء، و كلّ ماء طاهر، تنتجان: فهذا طاهر.

45

أقول: فيه النقض بمثل: هذا ما دلّ الخبر الواحد على انّه لزيد، و كلّ خبر واحد في الموضوعات حجّة، فهذا لزيد.

و الحلّ: بانّ متعلّق الصغرى ان كان حكما كلّيا، كانت النتيجة كلّية، و بالعكس العكس، بلا ارتباط للاصولية و الفقهية.

ثانيهما: انّ تطبيق المسائل الاصولية على المصاديق، إنّما هو بيد المجتهد، و لا أهلية للمقلّد فيه، فانّ تطبيق حلّية ما لا نصّ فيه، أو ما تعارض النصّان فيه، أو ما كان نصّه مجملا على مصاديقهما ممّا لا قدرة لغير المجتهد عليها.

بخلاف القواعد الفقهية، فانّ تطبيق: حرمة الخمر، على الخمر الخارجي بيد المقلّد.

و قاعدة التجاوز و الفراغ هكذا، فإنّ تطبيقها لا ينتج إلّا حكما جزئيا، و هو بيد المقلّد، فهي قاعدة فقهية.

أقول: بناء على ما فسّرنا به موضوع علم الاصول في أوّل الاصول و في الاستصحاب انّه: «ما يصلح وقوعه في طريق الاستنباط قريبا ممّا يعمّ كلّ أبواب الفقه، و لم يبحث عنه برأسه» و إطلاق «الاستنباط» ليشمل التنجيز و الإعذار و الأحكام الواقعية جميعا، و التقييد ب: «قريبا» ليخرج مثل علم الرجال و الدراية و العلوم العربية، و التقييد ب: «يعمّ ...» ليخرج القواعد الفقهية، و التقييد ب: «لم يبحث عنه برأسه» ليخرج مثل: «لا ضرر» و «قاعدة التجاوز» و نحوهما ممّا لم يبحث عنه في الاصول في معظم كتب المتقدّمين:

كالشيخ و السيّد، و المحقّق، و غيرهم «(قدّس اللّه أسرارهم)».

46

علوم ثلاثة

و الحاصل: انّ ما يستفاد من تدوين ثلاثة علوم: الاصول، و القواعد الفقهية، و المسائل الفقهية- من غير دليل على هذا التوزيع غير التباني الفقهائي عليه- هو:

1- انّ الاصول: ما تعلّق بالبحث عن الحجّة و غير الحجّة، ممّا كان عامّا لكلّ أبواب الفقه.

2- و القواعد الفقهية: ما تعلّق بالبحث عن الحجّة و غير الحجّة، ممّا لم يكن عامّا لكلّ أبواب الفقه، مثل: «لا تعاد الصلاة» و «ما يضمن بصحيحه» و «الخراج بالضمان» و نحو ذلك.

3- و المسائل الفقهية: ما تعلّق بأفعال المكلّفين من الأحكام الوضعية و التكليفية، كحرمة شرب الخمر و نجاستها، و وجوب الصلاة و صحّتها، و نحو ذلك.

و لا فرق في كلّ الثلاثة: الاصول، و القواعد الفقهية، و المسائل الفقهية، بين ما كان موضوعها عرفيّا صرفا، أو عرفيّا مستنبطا، أو ماهيّة مخترعة شرعيّة.

أمثلة العلوم الثلاثة

و دونك أمثلة لكلّ من العلوم الثلاثة:

1- فالمسألة الاصولية:

أ- قد يكون موضوعها عرفيا صرفا، مثل: خبر الثقة حجّة، و: الظنّ ليس بحجّة.

ب- و قد يكون موضوعها عرفيا مستنبطا، مثل: «رفع ما لا يعلمون».

47

ج- و قد يكون موضوعها مخترعا شرعيا، مثل: المجتهد حجّة قوله.

2- و القاعدة الفقهية كذلك:

أ- قد يكون موضوعها عرفيا صرفا، مثل: «لا ضرر» و: «لا حرج» و نحوهما، فانّهما شخصيّان، و مشخّصهما الافراد.

ب- و قد يكون موضوعها عرفيا مستنبطا، مثل: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

ج- و قد يكون موضوعها مخترعا شرعيا، مثل: قاعدة لا تعاد.

3- و المسألة الفقهية كذلك:

أ- قد يكون موضوعها عرفيا صرفا، مثل: «الماء كلّه طاهر».

ب- و قد يكون موضوعها عرفيا مستنبطا، مثل: «الصعيد يصحّ التيمّم به» و «الوطن تتمّ الصلاة فيه» و نحوهما.

ج- و قد يكون موضوعها ماهيّة مخترعة، مثل: الصلاة واجبة.

إذن: فملاك المسألة الاصولية ليس غير ما كان بحثا عن الحجّة و اللاحجّة، و كان عامّا في جميع أبواب الفقه، و إلّا فأي فرق بين الاستصحاب و بين لا تعاد.

و عليه: فقاعدتا: التجاوز و الفراغ من المسائل الاصولية، لا القواعد الفقهية، لأنّهما بحث عن الحجّة و اللاحجّة، و تأتيان في جميع أبواب الفقه:

من عبادات، و معاملات، و غيرهما من الأفعال و الأقوال.

الجهة الثانية [هل قاعدة الفراغ تكون أصل عملي، أم أمارة؟]

الثانية: في انّه هل قاعدة الفراغ أصل عملي، أم أمارة؟.

و هل لهذا البحث ثمرة عملية أم لا؟.

48

هل الفراغ اصل أو امارة؟

فالأوّل: و هو: هل انّها أمارة أم أصل؟ اختلفت العبارات في ذلك، بعد عدم الخلاف و عدم الإشكال في تقدّمها على الاستصحاب و سائر الأصول العملية، و تقدّم بقيّة الأمارات عليها، فإذا فرغ من الصلاة الرباعية و شكّ في انّه هل أتى بها ثلاث ركعات أم أربع؟ بنى على الأربع، إلّا إذا قامت بيّنة، أو عدل واحد- بناء على حجّيته في الموضوعات- على انّها ثلاث، فيقدّم البيّنة على القاعدة.

ظاهر بعض أدلّتها: انّها من الاصول، مثل: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى، فامضه كما هو» في موثّقة ابن بكير عن ابن مسلم عن الباقر (عليه السّلام).

و ظاهر بعضها الآخر: انّها أمارة لوحظ في تشريعها كشفها فتمّم الشارع كشفها، مثل: «هو حين يتوضّأ اذكر منه حين يشكّ» في موثّقة بكير بن أعين المضمرة، و فيها: «الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ».

مقتضى الجمع بين الادلة

و لعلّ مقتضى الجمع بينهما: حمل «اذكر» على كونه علّة التشريع، لا علّة الحكم، لكثرة أمثال ذلك في كلمات العرف و في الروايات خاصّة، و هذا يوجب إبقاء: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى» على إطلاقه، فتكون القاعدة أصلا عمليّا.

تأييد و تأكيد

و يؤيّده: ما ورد من تدوير الخاتم حال الوضوء و الغسل، فان نسي فلا

49

بأس، كصحيح الحسين بن أبي العلاء: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: حوّله من مكانه، و قال في الوضوء: تديره، فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة، فلا آمرك أن تعيد الصلاة» و رواه الصدوق مرسلا (1).

و ظهوره في الخاتم الضيّق، و عدم الالتفات حال الوضوء واضح، و بفهم عدم الخصوصية للوضوء و الغسل، يعمّم الحكم لكلّ موارد قاعدة الفراغ، فتأمّل.

لكن قد يقال: بانصراف «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى» عمّا علم عدم الالتفات، فيحمل هذا الإطلاق على ذاك التقييد، فيكون كاشفا قد تمّم الشارع كشفه، فيكون أمارة، و لعلّ الأوّل أقرب.

و لو شككنا في انّهما أصل أو أمارة، فلا أصل موضوعي يعيّن أحدهما فينجرّ الأمر إلى الأصل الحكمي، و هو: عدم ترتيب الآثار الشرعية المترتّبة على القاعدة بواسطة الأثر العقلي.

فإذا صلّى الظهر ثمّ شكّ في انّه توضّأ لها أم لا؟ جرت قاعدة الفراغ و لكن يتوضّأ للعصر، كما في العروة (2).

و لم أجد في عشرات الحواشي للفقهاء، من علّق على ذلك.

و بعبارة اخرى: بالإضافة إلى جعل الحكم، هل هو جعل للموضوع أيضا أم لا؟.

نعم، في كشف الغطاء أفتى فيما إذا شكّ في أثناء الصلاة في الطهارة لها- و كان مسبوقا باستصحاب الحدث- أو بعد الفراغ منها: بصحّة الصلاة و عدم‏

____________

(1)- وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، الباب 41 من ابواب الصلاة ح 2 و 3.

(2)- العروة الوثقى، كتاب الطهارة، شرائط الوضوء، المسألة 53.

50

الحاجة إلى الطهارة لما يشترط بالطهارة بعد ذلك، قال: «الشكّ في أصله (الوضوء) و حكمه: انّه ان شكّ و قد دخل فيما يتوقّف أو يترتّب عليه، فلا اعتبار بالشكّ بالنسبة إلى المدخول فيه، و بعد الفراغ منه فيه وجهان، أقواهما: عدم الالتفات إلى الشكّ، فيسوغ الدخول به في غيره كسائر الشروط في سائر العبادات» (1).

و نحوه أفتى به ولده الحسن في أنوار الفقاهة (2).

و قال قبل ذلك: «و بناء الوجهين على فهم المراد من قولهم (عليهم السّلام)، انّ الشكّ بعد الدخول في عمل آخر لا اعتبار له، فهل يفهم منه البناء على الحصول مطلقا فيسري إلى المدخول فيه، و غير المدخول فيه، أو مقيّدا فيختصّ بالمدخول فيه» (3).

و ربما يستفاد ذلك من الفتاوى في بعض الفروع الفقهية و منها ما في صلاة المسافر من العروة من أنّ من نوى اقامة عشرة ايام ثم بعد الوقت شك في انه أصلا صلى أم لا و بنى على أنه صلى، فهل يكفي لك للبقاء على حكم التمام قال: (في كفايته في البقاء على حكم التمام اشكال و ان كان لا يخلو من قوة خصوصا إذا بنيا على أن قاعدة الشك بعد الفراغ أو بعد الوقت انما هي من باب الامارات لا الاصول العملية) (4)

و لم يعلق على الفتوى جمهرة من الاعاظم كالنائيني، و العراقي،

____________

(1)- كشف الغطاء ص 103.

(2)- أنوار الفقاهة، الطهارة، ص 200.

(3)- المصدر الآنف.

(4)- العروة/ قواطع السفر/ ص 33.

51

و الحائري، و الحكيم، و البروجردي، و الوالد و الاخ و ابن العمّ و غيرهم (قدست أسرارهم).

ما هي ثمرة البحث؟

الثاني: هل لهذا البحث ثمرة عملية؟.

امّا بناء على عدم حجّية مثبتات الأمارات- غير ما تضمّن القول و الحكاية، كالبيّنة، و الخبر، و الإقرار، و نحو ذلك- فلا أثر بلا إشكال.

و امّا بناء على المختار: من حجّية مثبتات الأمارات- إلّا ما خرج بدليل- فمقتضى القاعدة: ثبوت الثمرة العملية لهذا البحث، و لكنّي لم أجد من ذهب إلى ذلك كاشف الغطاء في كشفه، و ولده الحسن في أنواره و مسألة صلاة المسافر، كما تقدّمت آنفا.

الجهة الثالثة [هل قاعدة التجاوز و الفراغ قاعدة واحدة؟]

الثالثة: هل قاعدة التجاوز و الفراغ قاعدة واحدة، أم قاعدتان مستقلّتان؟.

و هذا البحث مقدّمة لبحث آخر هو: انّ قاعدة التجاوز مختصّة بباب الصلاة، فيكون خروج الطهارات، أو الوضوء خاصّة منها بالتخصّص، أم عامّة لكلّ الأبواب، و الخروج بالتخصيص؟.

الشيخ (رحمه اللّه) و تبعه جماعة قالوا: بأنّها قاعدة واحدة، و النائيني و العراقي و جمع قالوا: بأنّها قاعدتان مستقلّتان.

فهنا بحثان: ثبوتي، و إثباتي.

الاشكال الثبوتي و وجوهه الاربعة

امّا الأوّل: أي: البحث الثبوتي: فهو هل انّه يمكن في عالم الثبوت كون القاعدتين واحدة؟

52

استدلّ لعدم الإمكان بوجوه أربعة:

الوجه الأول [عدم امكان الجمع بين مفاد كان الناقصة و مفاد كان التامّة]

امّا الوجه الأوّل للاشكال فهو: انّ مورد التعبّد في قاعدة الفراغ مفاد كان الناقصة، و في التجاوز مفاد التامّة، و كيف يمكن الجمع بينهما: فرض الوجود و فرض عدم الوجود؟.

و أجاب الشيخ (رحمه اللّه): بأنّ في قاعدة الفراغ أيضا المجعول مفاد التامّة، لأنّه وجود الصحيح.

و ناقشه المحقق النائيني (رحمه اللّه) بوجهين:

1- ظاهر أدلّة قاعدة الفراغ: التعبّد بصحّة الموجود، لا وجود الصحيح، فانّ ظاهر: «كلّما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا إعادة عليك» هو: صحّة الموجود، و ان كان لازمها وجود الصحيح، إلّا انّ التعبّد بالثاني.

2- انّ هذا الإرجاع- على فرض تماميته- يصحّ في العبادات التي هي أحكام تكليفية، و المهمّ فيها الفراغ للذمّة، و لا فرق في الفراغ بين وجود الصحيح أو صحّة الموجود.

امّا المعاملات: فبما انّها وضعت على نحو القضايا الحقيقية- بترتّب الأثر عند تحقّق السبب- فلا بدّ من إحراز صحّة المعاملة، و لا يكفي وجود معاملة صحيحة على نحو الناقصة.

و الحاصل: انّه ان تمّ الإرجاع في العبادات و توحيد القاعدتين، فلا يتمّ في المعاملات، فلا يمكن اعتبار القاعدتين واحدة.